Полный текст (5 658 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
.
(وَخير الَّذِي أُعْطِيكُم هِيَ شرّةٌ ... مهوّلةٌ فِيهَا سيوف لوامع)
(فَلَا أَنا معطيكم عليّ ظلامةً ... وَلَا الْحق مَعْرُوفا لكم أَنا مَانع)
(وَإِنِّي لأقري الضَّيْف وصّى بِهِ أبي ... وجار أبي التيحان ظمآن جَائِع)
(فقولا لتيحان ابْن عاقرة استها ... أمجرٍ فلاقي الغي أم أَنْت نَازع)
(وَلَو أَن تيحان بن بلجٍ أَطَاعَنِي ... لأرشدته إِن الْأُمُور مطالع)
وَبَقِي أَبْيَات مِنْهَا. وَالسَّبَب فِيهَا أَن أَبَا جعل البرجمي جمع جمعا من شذاذ أسدٍ وَتَمِيم وَغَيرهم فغزوا بني الْحَارِث بن تيم الله بن ثَعْلَبَة فنذروا بهم وقاتلوهم قتالاً شَدِيدا حَتَّى فضّوا جمعهم فلحق رجل من بني الْحَارِث بن تيم الله بن ثَعْلَبَة جمَاعَة من بني نهشل مِنْهُم الْجراح بن الْأسود بن يعفر وحرير بن شمر
ابْن هزان بن زُهَيْر بن جندل وَرَافِع بن صُهَيْب بن حَارِثَة بن جندل وَعَمْرو بن حَرِير والْحَارث بن حَرِير بن سلمى بن جندل وَهُوَ فَارس العصماء.
فَقَالَ لَهُم: هَلُمَّ إِلَيّ أَنْتُم طلقاء فقد أعجبني قتالكم وَأَنا خيرٌ لكم من الْعَطش. فَنزل إِلَيْهِم ليوثقهم وتفرس الْجراح فِي فرسه الْجَوْدَة فَوَثَبَ عَلَيْهَا وَنَجَا.
فَقَالَ التَّيْمِيّ لرافع وحرير وأصحابهما: أتعرفون هَذَا قَالُوا: نعم وَنحن لَك خفراء بفرسك فَلَمَّا أَتَى الْجراح أَبَاهُ أمره أَن ينْطَلق بهَا فِي بني سعد فابتطنها ثَلَاثَة
стр. 5497
أبطن فَلَمَّا رَجَعَ رَافع وحرير)
وأصحابهما إِلَى بني نهشل قَالُوا: إِنَّا خفراء فَارس العصماء. وأوعدوا الْجراح.
وَكَانُوا بَنو جَرْوَل حلفاء بني سلمى بن جندل على بني حَارِثَة بن جندل. وأعان تيحان بن بلج رَافعا وَحَرِيرًا على الْجراح حَتَّى ردوا إِلَى التَّيْمِيّ فرسه فَقَالَ الْأسود بن يعفر فِي ذَلِك هَذِه القصيدة يهجوهم.
وَقَوله: أَتَانِي فَاعله خفيرا بني سلمى وَجُمْلَة: وَلم أخش الَّذِي ابتعثا بِهِ: مُعْتَرضَة. وابتعثا بِالْبِنَاءِ والخفير بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء هُوَ الَّذِي يَأْخُذ الشَّيْء فِي ذمَّته ويتعهده من الخفارة بِضَم الْخَاء وَكسرهَا وَهِي الذِّمَّة وَمِنْه الخفير بِمَعْنى المجير.
يُقَال: خفرت بِالرجلِ من بَاب ضرب إِذا أجرته وَكنت لَهُ خفيراً تَمنعهُ. وحرير بِالتَّصْغِيرِ وبإهمال أَوله وَرَافِع تقدم نسبهما.
وَقَوله: هما خيباني من الخيبة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة يُقَال: خَابَ الرجل خيبةً إِذا لم ينل مَا طلب وخيبته أَنا تخييباً. وكل: اكْتسب الظَّرْفِيَّة من إِضَافَته إِلَى الظّرْف. وَجُمْلَة أهلكتهم: معطوفة على جملَة أَتَانِي.
يُرِيد: أهلكتهم بالهجو لَو أَن ذَلِك الإهلاك نَافِع لي. فَلَو هُنَا لَا يظْهر كَونهَا
للشّرط وَالْمعْنَى يَقْتَضِي كَونهَا لِلتَّمَنِّي وَحِينَئِذٍ تكون مِمَّا لَيْسَ الْكَلَام فِيهِ.
وَقَوله:: وأتبعت أخراهم ... إِلَخ قَالَ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر: يُرِيد هجوت آخِرهم كَمَا هجوت أَوَّلهمْ أَي: ألحقت آخِرهم بأولهم فِي الهجاء لَهُم. فَأَرَادَ بقوله: ألاهم أولاهم فَحذف الْوَاو الَّتِي هِيَ عين لِأَن هَذِه الْحُرُوف وَإِن كَانَت من أنفس الْكَلم فَهِيَ تشبه الزِّيَادَة لما يلْحقهَا من الانقلاب والحذف.
وَقَوله: كَمَا قيل نجم فِي الصِّحَاح: خوت النَّجْم تخوي خيّاً: أَمْحَلت وَذَلِكَ إِذا سَقَطت وَلم تمطر فِي نوئها. ومتتائع بِالْهَمْز لِأَنَّهُ اسْم فَاعل من التتايع بِالْمُثَنَّاةِ
стр. 5498
التَّحْتِيَّة. قَالَ فِي الصِّحَاح: التتايع: التهافت فِي الشَّرّ واللجاج وَلَا يكون التتايع إِلَّا فِي الشَّرّ.
وَقَوله: هِيَ شرة بِكَسْر الشين وَهُوَ الشَّرّ بِفَتْحِهَا. والظلامة بِالضَّمِّ: مَا تطلبه عِنْد الظَّالِم وَهُوَ اسْم مَا أَخذ مِنْك وعاقرة استها: كلمة سبّ وَشتم ومجر: اسْم فَاعل من أجْرى إِجْرَاء بِمَعْنى جارى مجاراة وَنزع عَن الشَّيْء: كف عَنهُ. وانْتهى.
والقحم بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمُهْملَة: الشَّيْخ المسن الْعَاجِز.)
وَالْأسود بن يعفر: جاهلي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد التسْعمائَة)
الْبَسِيط
(
أكْرم بهَا خلةً لَو أَنَّهَا صدقت ... موعودها أَو لَو أَن النصح مَقْبُول)
لما تقدم قبله.
وَالشَّاهِد فِي لَو الثَّانِيَة فَإِن خبر أَن بعْدهَا وصف مُشْتَقّ لَا فعل بِخِلَاف أَن الأولى بعد لَو فَإِن خَبَرهَا فعل مَاض مَعَ فَاعله. وَفِي هَذَا
стр. 5499
أَيْضا لَا يتَعَيَّن أَن تكون شَرْطِيَّة بل يجوز أَن تكون لَو فِي الْمَوْضِعَيْنِ للتمنّي فَلَا جَوَاب لَهَا فَلَا تكون مِمَّا الْكَلَام فِيهِ.
وَيجوز أَن تكون فيهمَا شَرْطِيَّة وَالْجَوَاب مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ أول الْكَلَام تَقْدِيره: لَو صدقت أَو قبلت النّصح لكرمت وَمَا أشبهه.
وَكَذَا جوّز الْوَجْهَيْنِ ابْن هِشَام فِي شرح بَانَتْ سعاد قَالَ فِي شرح الْبَيْت: لَو مُحْتَملَة لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: التَّمَنِّي مثلهَا فِي فَلَو أَن لنا كرّةً.
وَالثَّانِي: الشَّرْط ويرجّح الأول سَلَامَته من دَعْوَى حذف إِذْ لَا يحْتَاج حِينَئِذٍ لتقدير جَوَاب.
ويرجح الثَّانِي أَن الْغَالِب على لَو كَونهَا شَرْطِيَّة ثمَّ الْجَواب الْمُقدر مُحْتَمل لِأَن يكون مدلولاً عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى أَي: لَو صدقت لتمّت خلالها فَتكون مثلهَا فِي قَوْله تَعَالَى: وَلَو ترى إِذْ المجرمون ناكسو رؤوسهم أَي: لرأيت أمرا عَظِيما.
وَلِأَن يكون مدلولاً عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ أَي: لكَانَتْ كَرِيمَة فَتكون مثلهَا فِي قَوْله تَعَالَى: وَلَو أَن قُرْآنًا سيّرت بِهِ الْجبَال الْآيَة أَي: لكفروا بِهِ بِدَلِيل: وهم
يكفرون بالرحمن.
والنحويون يقدّرون لَكَانَ هَذَا الْقُرْآن فَيكون كالآية قبلهَا. وَالَّذِي ذكرته أولى لِأَن الِاسْتِدْلَال بِاللَّفْظِ أظهر ويرجح التَّقْدِير الثَّانِي فِي الْبَيْت بِأَنَّهُ اسْتِدْلَال بِاللَّفْظِ وَبِأَن فِيهِ ربطاً للو بِمَا قبلهَا لِأَن دَلِيل الْجَواب جَوَاب فِي الْمَعْنى حَتَّى ادّعى الْكُوفِيُّونَ أَنه جَوَاب فِي الصِّنَاعَة أَيْضا وَأَنه لَا تَقْدِير وَقد يُقَال إِنَّه يبعده أَمْرَانِ: أَحدهمَا: أَن فِيهِ اسْتِدْلَالا بالإنشاء على الْخَبَر.
стр. 5500
وَالثَّانِي: أَن الْكَرم وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ الشّرف مثله فِي إِنِّي ألقِي إليّ كتابٌ كريم فَلَا يحسن)
بِحَال المحبّ تَعْلِيق كرم محبوبه على شَرط وَلَا سِيمَا شرطٌ مَعْلُوم الانتفاء وَهُوَ شَرط لَو.
وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ مُقَابل الْبُخْل لم يكن أكْرم بهَا مناسباً لمقام النسيب بل لمقام الاستعطاء.
وَقد يُجَاب عَن الأول بأمرين: أَحدهمَا: منع كَون التَّعَجُّب إنْشَاء وَإِنَّمَا هُوَ خبر وَإِنَّمَا امْتنع وصل الْمَوْصُول بِمَا أَفعلهُ لإبهامه وبأفعل بِهِ كَذَلِك مَعَ أَنه على صِيغَة الْإِنْشَاء لَا لِأَنَّهُمَا إنْشَاء.
الثَّانِي: أَن المُرَاد من الدَّلِيل كَونه ملوحاً بِالْمَعْنَى المُرَاد وَإِن لم يصلح لِأَن يسد مسد الْمَحْذُوف.
وَعَن الثَّانِي: أَن المُرَاد بِهِ ضد الْبُخْل وَهُوَ أَعم من الْكَرم بِالْمَالِ والوصال. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة بَانَتْ سعاد لكعب بن زُهَيْر بن أبي سلمى فِي مدح النَّبِي ﷺ َ. وَقَبله من أول القصيدة إِلَيْهِ أَبْيَات خَمْسَة وَبعده:
(
لَكِنَّهَا خلةٌ قد سيط من دَمهَا ... فجعٌ وولعٌ وإخلافٌ وتبديل)
(وَلَا تمسك بالعهد الَّذِي زعمت ... إِلَّا كَمَا يمسك المَاء الغرابيل)
(فَلَا يغرنك مَا منوا وَمَا وعدوا ... إِن الْأَمَانِي والأحلام تضليل)
...
стр. 5501
(كَانَت مواعيد عرقوبٍ لَهَا مثلا ... وَمَا مواعيدها إِلَّا الأباطيل)
(أَرْجُو وآمل أَن تدنوا مودتها ... وَمَا إخال لدينا مِنْك تنويل)
وَقَوله: أكْرم بهَا خلة ... إِلَخ ضمير بهَا رَاجع إِلَى سعاد فِي أول القصيدة وصفهَا فِي هَذِه الأبيات بالصد وإخلاف الْوَعْد والتلون فِي الود وَضرب لَهَا عرقوباً مثلا ثمَّ لَام نَفسه على التَّعَلُّق بمواعيدها.
وَأكْرم بهَا: صِيغَة تعجب بِمَعْنى أمرهَا وخلة تَمْيِيز والخلة بِالضَّمِّ فِي الأَصْل: مصدر بِمَعْنى الصداقة يُطلق على الْوَصْف وَهُوَ الْخَلِيل والخليلة يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث. وَمن إِطْلَاقه على الْمُذكر قَول الشَّاعِر: المتقارب
(أَلا أبلغا خلتي جَابِرا ... بِأَن خَلِيلك لم يقتل)
وَصدق: يكون لَازِما ومتعدياً يُقَال: صدق فِي حَدِيثه وَصدق الحَدِيث إِذا لم يكذب وموعودها فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون اسْم مفعول على ظَاهره ويكن المُرَاد بِهِ الشَّخْص الْمَوْعُود
وَأَرَادَ بِهِ نَفسهَا.
وَالثَّالِث: أَن يكون مصدرا كالمعسور والميسور أَي: الْوَعْد والعسر واليسر. فَإِن قدرته اسْما)
للشَّخْص فانتصابه على المفعولية وَإِن قدرته اسْما للموعود بِهِ احْتمل أَن يكون مَفْعُولا بِهِ على الْمجَاز وَأَن يكون على إِسْقَاط فِي وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي: صدقتني فِي موعودها.
وَإِن قدرته مصدرا كَانَ على التَّوَسُّع. وأَو لأحد الشَّيْئَيْنِ. حاول إِحْدَى هَاتين الصفتين مِنْهَا أَو بِمَعْنى الْوَاو فَيكون قد حاول حصولهما مَعًا والنصح: مصدر نصح ونصح لَهُ وَالِاسْم النَّصِيحَة.
وَالْمرَاد: لَو أَن النصح مَقْبُول عِنْدهَا وَقَالَ ابْن هِشَام: أل عوض من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَالْأَصْل لَو أَن نصحيها من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول.
стр. 5502
وَقَوله: لَكِنَّهَا خلة ... إِلَخ لَكِن هُنَا لتأكيد مَفْهُوم مَا قبلهَا كَقَوْلِك: لَو كَانَ عَالما لأكرمته لكنه لَيْسَ بعالم وَجُمْلَة قد سيط: صفة خلة. وسيط: مَجْهُول ساطه يسوطه سَوْطًا إِذا خلطه بِغَيْرِهِ وَمِنْه السَّوْط للآلة الَّتِي يضْرب بهَا لِأَنَّهَا تسوط اللَّحْم بِالدَّمِ.
وفجع: نَائِب الْفَاعِل وَمن بِمَعْنى فِي مُتَعَلق بسيط. والفجع: مصدر فجعه إِذا فاجأه بِمَا يكره.
والولع: الْكَذِب مصدر ولع من بَاب ضرب.
والإخلاف: مصدر أخلف يخلف فَهُوَ مخلف وَهُوَ أَن يَقُول شَيْئا وَلَا يَفْعَله فِي الْمُسْتَقْبل والتبديل: الغيير يُقَال: بدل الشَّيْء تبديلاً أَي: غَيره وَإِن لم يَأْتِ لَهُ بِبَدَل. وأبدله بِغَيْرِهِ واستبدل بِهِ إِذا أَخذه مَكَانَهُ.
وَالْمعْنَى: أَنَّهَا لَو كَانَ لَهَا صَاحب فجعته بصدها وَلَو وعدت بالوصل كذبت فِي قَوْلهَا وأخلفت وعدها تستبدل بالأخلاء وَلَا تراعي حق الْوَفَاء.
-
وَهَذَا الْكَلَام وَمن أَمْثَاله من أقاويل العشاق على سَبِيل الشكوى من صد الأحباب وبعدهم بعد الدنو والاقتراب وَمر هجرانهم عقب حُلْو الْوِصَال وبخلهم على مَسَاكِين الْعِشْق بطيف الخيال لَيْسَ بذم صرف إِنَّمَا يوردونه لأحد غرضين: إِمَّا لإِظْهَار التَّلَذُّذ بِالصبرِ على مَا يَفْعَله المعشوق وَالرِّضَا بأفعاله كَمَا قَالَ ابْن أبي الْحَدِيد: الْكَامِل
(متغيرٌ متلونٌ متعنتٌ ... متعتبٌ متمنعٌ متدلل)
ذكر عدَّة خِصَال من جِنَايَة الحبيب وتجنيه تلونه وتأبيه.
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك:
(أستعذب التعذيب فِيهِ كَأَنَّمَا ... جرع الْحَمِيم هِيَ البرود السلسل))
وَإِمَّا لتنفير من يسمع بِحسن معشوقهم عَن عشقه بِذكر بخله بوصاله وتعنته ودلاله فيصفو مورد الْعِشْق من كدر الْغيرَة والمزاحم ويخلو العاشق بِمَا يجلو بَصَره من الْمُشَاهدَة. ...
стр. 5503
(أَشْكُو إِلَيْهَا رقتي لترق لي ... فَتَقول تطمع بِي وَأَنت كَمَا ترى)
(وَإِذا بَكَيْت دَمًا تَقول شمت بِي ... يَوْم النَّوَى فصبغت دمعك أحمرا)
(من شَاءَ يمنحها الغرام فدونه ... هذي خلائقها بِتَخْيِير الشرا)
وَقد صرح بِهِ ابْن أبي الْحَدِيد فِي قَوْله: الطَّوِيل
(فيا رب بغضها إِلَى كل عاشقٍ ... سواي وقبحها إِلَى كل نَاظر)
وَقد بَالغ ابْن الْخياط فِي تصريحه بِغَيْرِهِ العشاق فَأحْسن حَيْثُ قَالَ: الطَّوِيل
(أغار إِذا آنست فِي الْحَيّ أنةً ... حذاراً وخوفاً أَن يكون لحبه)
وَرُبمَا عيب على كعبٍ هَذَا الْكَلَام لِأَنَّهُ يشْعر بِأَن معشوقته تعد وتخلف وتبدل وَيُجَاب بِأَن مُرَاده الْمُبَالغَة فِي فرط دلالها وبخلها بوصالها بِحَيْثُ لَو صاحبت إنْسَانا لاستبدلت بِهِ وفجعته ول وعدت بالوصل لكذبت فِي وعدها ومطلته على أَنَّهَا لَا تصاحب مصادقاً وَلَا تعد بوصالها عَاشِقًا وَهُوَ قريب من قَول
الآخر: السَّرِيع وَلَا ترى الضَّب بهَا ينجحر أَي: لَا ضَب ببها فينجحر.
وَكَلَام كَعْب هَذَا مُنَاسِب لما تسميه عُلَمَاء البديع تَأْكِيد الْمَدْح بِمَا يشبه الذَّم. وَإِنَّمَا أطنبت
стр. 5504
وَقَوله: فَمَا تدوم على حَال ... إِلَخ الْفَاء سَبَبِيَّة أَي: بِسَبَب مَا جبلت عَلَيْهِ من تِلْكَ الْأَخْلَاق لَا تدوم على حَال. وَمَا: نَافِيَة وتدوم: فعل تَامّ لَا نَاقص.
وَقَوله: كَمَا تلون الْكَاف نعت لمصدر مَحْذُوف وَمَا مَصْدَرِيَّة أَي: تتلون سعاد تلوناً كتلون الغول لِأَن الَّذِي لَا يَدُوم على حَالَة متلون وتلون أَصله تتلون بتاءين.
والغول: جنسٍ من الْجِنّ وَالشَّيَاطِين كَانَت الْعَرَب تزْعم أَنَّهَا تتراءى للنَّاس فِي الفلاة فتتغول تغولاً أَي: تتلون تلوناً فِي صورٍ شَتَّى وتغولهم أَي: تضلهم عَن الطَّرِيق وَقد أبطل النَّبِي ﷺ َ زعمهم بقوله: لَا غول أَي: لَا تَسْتَطِيع أَن تضل أحدا.
وَقَوله: وَلَا تمسك بالعهد ... إِلَخ مَعْطُوف على فَمَا تدوم. وَتمسك أَصله تتمسك بتاءين.
وَيجوز: تمسك بِضَم التَّاء والعهد هُنَا: الموثق أَو الْيَمين أَو الذِّمَّة والزعم: القَوْل عل غير صِحَة)
وَيحْتَمل أَن يكون زعمت هُنَا بِمَعْنى كفلت.
وَالْمعْنَى: أَنَّهَا لَا يوثق بودها وَلَا يركن إِلَى عهدها لِأَن إِِمْسَاكهَا للْعهد
كإمساك الغرابيل للْمَاء فَكَمَا أَن الْمُشبه بِهِ محَال كَذَلِك الْمُشبه وَهَذَا تَشْبِيه مَعْقُول بمحسوس.
وَمَا أحسن قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ: الْبَسِيط
(لم تمسك الهدب دمعي حِين أذكركم ... إِلَّا كَمَا يمسك المَاء الغرابيل)
وَقَوله: فَلَا يغرنك مَا منت ... إِلَخ الْفَاء لمحض السَّبَبِيَّة كالواقعة فِي جَوَاب الشَّرْط كَقَوْلِك: زيد كَاذِب فَلَا تغتر بقوله. وَمَا موصوله أَو مَوْصُوفَة أَو مَصْدَرِيَّة.
ومنت أَصله منيت على فعلت فقلبت الْيَاء المتحركة ألفا
стр. 5505
لَا نفتاح مَا قبلهَا وحذفت للساكنين يُقَال: تمنيت الشَّيْء تمنياً أَي: اشتيته وطلبته. ومنيت غَيْرِي تمنية إِذا أطمعته بِشَيْء.
قَالَ ابْن هِشَام: وَهُوَ مُتَعَدٍّ لمفعولين محذوفين وَالتَّقْدِير إِذا جعلت مَا إسماً: منتكه أَو منتك إِيَّاه. وَإِذا جعلت حرفا: مَا منتك الْوَصْل أَي: فَلَا يغرنك تمنيتها إياك الْوَصْل.
وَكَذَا وعدت يتَعَدَّى لاثْنَيْنِ كَقَوْلِه تَعَالَى: وَعدكُم الله مَغَانِم وَالتَّقْدِير: مَا وعدتكه أَو مَا وعدتك إِيَّاه أَو مَا وعدتك الْوَصْل والوعد هُنَا للخير لِأَن الْموضع لَا يحْتَمل غَيره.
وَقَوله: إِن الْأَمَانِي والأحلام تضليل مُسْتَأْنف والأماني: جمع أُمْنِية وَهِي مَا يتمناه الْإِنْسَان أَي: يَطْلُبهُ ويشتهيه.
والأحلام: جمع حلم بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ مَا يرَاهُ النَّائِم وتضليل: مصدر ضلل يضلل إِذا أوقع غَيره فِي الضلال.
-
وَقَوله: كَانَت مواعيد عرقوب ... إِلَخ هَذِه جملَة مستأنفة وَكَانَت يجوز أَن تكون على بَابهَا وعرقوب هُوَ ابْن معبد وَيُقَال: ابْن معيد أحد بني عبد شمس بن ثَعْلَبَة كَانَ من العمالقة وَقيل: كَانَ من الْأَوْس والخزرج وعد رجلا ثَمَرَة نخلةٍ لَهُ فَجَاءَهُ الرجل حِين أطلعت فَقَالَ لَهُ: دعها حت تصير بلحاً فَلَمَّا أبلحت جَاءَهُ الرجل فَقَالَ: دعها حَتَّى تصير رطبا. فَلَمَّا أرطبت قَالَ: دعها حَتَّى تصير تَمرا فَلَمَّا أتمرت قطعهَا لَيْلًا وَلم يُعْطه مِنْهَا شَيْئا.
فَصَارَ مثلا فِي خلف الْوَعْد. والأباطيل: الأكاذيب جمع أبطولة كأحاديث جمع أحدوثة.
وَقَالَ الصَّاغَانِي تبعا للجوهري: الْبَاطِل: ضد الْحق وَجمعه أباطيل على غير قِيَاس.)
وَهَذَا الْبَيْت تَأْكِيد للبيت الَّذِي قبله.
стр. 5506
وَقَوله: أَرْجُو وآمل الْبَيْت تقدم شَرحه مفصلا من تَرْجَمَة كَعْب فِي الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد السبعمائة.
وَلم يَقع فِي الشَّرْح من هَذِه القصيدة غير هذَيْن الْبَيْتَيْنِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد التسْعمائَة)
الرجز
على أَن مَجِيء الْمُضَارع خبر أَن الْوَاقِعَة بعد لَو قَلِيل وَالْكثير الْمَاضِي.
وَجَوَاب لَو مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ تَشْتَكِي.
وَبعده: مس حوايا قَلما نجيفها وَهَذَا الرجز أوردهُ أَبُو زيد فِي نوادره والأصمعي فِي كتاب الأضداد وَقَالَ: تَقول: أشكيت الرجل إِذا أتيت إِلَيْهِ مَا يشكو مِنْهُ. وأشكيته: نزعت عَنهُ شكايته.
وَكَذَا قَالَ ابْن السّكيت فِي أضداده وَأنْشد هَذَا الرجز.
وَأوردهُ ابْن جني أَيْضا فِي سر الصِّنَاعَة وَفِي الخصائص قَالَ: قد
стр. 5507
تَأتي أفعلت للسلب وَالنَّفْي نَحْو: أشكيت زيدا إِذا زلت لَهُ عَمَّا يشكوه وَأنْشد هَذَا الرجز وَقَالَ: أَي لَو أننا نزُول لَهَا عَمَّا تشكوه.
وَأوردهُ ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق أَيْضا قَالَ شَارِح أبياته ابْن السيرافي: وصف إبِلا قد أتعبها فَهِيَ تمد أعناقها. وَالْإِبِل إِذا أعيت ذلت ومدت أعناقها أَو لوتها.
وَقَوله: تَشْتَكِي يَقُول: قد ظهر بِهَذِهِ الْإِبِل من الْجهد والكلال والضمور مَا لَو كَانَت ناطقة لشكته وذكرته فظهور مثل ذَلِك بهَا يقوم مقَام شكوى اللِّسَان. انْتهى.
والحوايا: جمع حوية وَهِي كسَاء محشو حول سَنَام الْبَعِير وَهُوَ السوية.
والحوية لَا تكون إِلَّا للجمال والسوية قد تكون لغَيْرهَا.
وأنشده صَاحب الصِّحَاح أَيْضا فِي مَادَّة جَفا قَالَ: جَفا السرج عَن ظهر الْفرس وأجفيته أَنا إِذا رفعته عَنهُ. وأنشده وَقَالَ: أَي قَلما نرفع الحوية عَن ظهرهَا وَلم يتَكَلَّم بِشَيْء ابْن بري فِي)
حَاشِيَته على الصِّحَاح وَلَا الصَّفَدِي فِي حَاشِيَته عَلَيْهِ. وَلم أَقف على اسْم الراجز. وَالله أعلم بِهِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد وَالثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد التسْعمائَة)
الرجز
(وَالله لَوْلَا شَيخنَا عباد ... لكمرونا الْيَوْم أَو لكادوا)
على أَن اللَّام فِي لكمرونا فِي جَوَاب الْقسم لَا فِي جَوَاب لَوْلَا عملا بالقاعدة وَهِي أَنه إِذا اجْتمع شَرط وَقسم فَالْجَوَاب بعدهمَا للسابق مِنْهُمَا سَوَاء
стр. 5508
كَانَ أَدَاة الشَّرْط إِن أم لَو أم لَوْلَا وفَاقا لِابْنِ جني وَابْن عُصْفُور. قَالَ: وَلزِمَ كَونه مَاضِيا لِأَنَّهُ مغن عَن جَوَاب لَوْلَا وجوابها لَا يكون إِلَّا وَفِيه رد على ابْن مَالك فِي زَعمه فِي التسهيل أَن أَدَاة الشَّرْط إِن كَانَت لَو أَو لَوْلَا فَالْجَوَاب يتَعَيَّن أَن يكون لَهما سَوَاء تقدم الْقسم عَلَيْهِمَا أَو تَأَخّر عَنْهُمَا كَقَوْلِه: الطَّوِيل
(فأقسم لَو أبدى الندي سوَاده ... لما مسحت تِلْكَ المسالات عَامر)
وَقَول الآخر: الرجز
وَالله لَوْلَا الله مَا اهتدينا وَيرد الْبَيْت الأول على الشَّارِح فِي قَوْله: وَكَذَا تَقول: وَالله لَو جئتني مَا جِئتُكُمْ وَلَا تَقول: لما جئْتُك. وَلَو كَانَ الْجَواب للو لجَاز ذَلِك. وَيُجَاب عَنهُ بِأَن دُخُول اللَّام على مَا النافية.
وَمَا اخْتَارَهُ الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ قَول ابْن عُصْفُور فِي شرح الْإِيضَاح قَالَ: وَقد يدْخلُونَ أَن على لَو لجعل الْفِعْل الْوَاقِع بعْدهَا جَوَابا للقسم كَمَا يدْخلُونَ اللَّام على إِن الشّرطِيَّة: فَيُقَال: أقسم أَن لَو قَامَ زيد قَامَ عَمْرو.
وَمِنْه قَوْله: الطَّوِيل
(فأقسم أَن لَو الْتَقَيْنَا وَأَنْتُم ... لَكَانَ لكم يومٌ من الشَّرّ مظلم)
انْتهى كَلَامه.
стр. 5509
وَذهب فِي شرح الْجمل إِلَى خلاف هَذَا فَجعل الشَّرْط وَجَوَابه جَوَاب الْقسم فَإِنَّهُ لما أنهى الْكَلَام على روابط الْجُمْلَة الْوَاقِعَة جَوَاب قسم قَالَ: إِلَّا أَن يكون جَوَاب الْقسم لَو وجوابها فَإِن الْحَرْف الَّذِي يرْبط الْمقسم بِهِ الْمقسم عَلَيْهِ إِذْ ذَاك إِنَّمَا هُوَ أَن نَحْو: وَالله أَن لَو قَامَ زيد لقام)
عَمْرو. وَلَا يجوز الْإِتْيَان بِاللَّامِ كَرَاهَة الْجمع بَين لَام الْقسم وَلَام لَو.
قَالَ نَاظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل: وَقَول ابْن مَالك بعيد لِأَنَّهُ يبعد أَن يكون للقسم جَوَاب مُقَدّر فِي نَحْو: وَالله لَو قَامَ زيد لقام عَمْرو وَالله لَوْلَا زيد
لقام عَمْرو بل رُبمَا يَسْتَحِيل ذَلِك أَن الْمقسم عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ قيام عمروٍ الْمُعَلق على قيام زيد أَو على وجوده.
وَإِذا كَانَ الْمقسم عَلَيْهِ كَذَلِك فَكيف يتَّجه تَقْدِير جَوَاب غير الشَّرْط الْمَذْكُور إِذْ لَو قدر جَوَاب غير ذَلِك لَكَانَ شَيْئا غير مُعَلّق على غَيره وَالْفَرْض أَن الْمقسم عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ أَمر مُعَلّق على شَيْء لَا أَمر مُسْتَقل بِنَفسِهِ.
وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك اتجه كَلَام ابْن عُصْفُور فِي شرح الْجمل واضمحل كَلَامه فِي شرح الْإِيضَاح.
فَإِن قيل: هَذَا بِعَيْنِه مَوْجُود فِي الشَّرْط غير الامتناعي لِأَن الْمقسم عَلَيْهِ أَيْضا فِي نَحْو: وَالله إِن قَامَ زيد ليقومن عَمْرو إِنَّمَا هُوَ قيام عَمْرو الْمُعَلق على قيام زيد وَمَعَ هَذَا فقد أَتَى الْمقسم بجوابٍ يَخُصُّهُ فَلم لَا يُقَال إِن الشَّرْط يكون جَوَابا للقسم فَالْجَوَاب أَن جَوَاب الشَّرْط الامتناعي مُمْتَنع الْوُقُوع إِمَّا إِذا كَانَ حرف الشَّرْط لَو فَلِأَنَّهُ علق على حُصُول أَمر فقد ثَبت أَن وجوده مُمْتَنع.
وَأما إِذا كَانَ لَوْلَا فَلِأَن الِامْتِنَاع مَعهَا علق على وجود شَيْء مَقْطُوع بِأَنَّهُ مَوْجُود. وَإِذا كَانَ
стр. 5510
جَوَاب الامتناعي مُمْتَنع الْوُقُوع امْتنع تَقْدِير جَوَاب الْقسم إِذْ يلْزم من تَقْدِيره أَن يكون الْمُقدر مُمْتَنع الْوُقُوع ليتطابق جَوَاب الشَّرْط وَالْقسم لِأَن جملَة الْقسم إِنَّمَا هِيَ مُؤَكدَة لجملة الشَّرْط فَيتَعَيَّن اتِّفَاق المدلولين.
وَلَا شكّ أَن جدواب الْقسم إِذا قدرناه لَيْسَ ثمَّ مَا يدل على أَنه مُمْتَنع فَيلْزم من تَقْدِيره حِينَئِذٍ تخَالف الجوابين من حَيْثُ إِن أَحدهمَا مَقْطُوع بامتناعه وَالْآخر لَيْسَ كَذَلِك.
وَأما جَوَاب الشَّرْط غير الامتناعي فَلَيْسَ مُمْتَنع الْوُقُوع إِذا لم يكن مُمْتَنع الْوُقُوع فجواب الْقسم مساوٍ لَهُ فِي احْتِمَال الْوُقُوع وَعَدَمه فَلذَلِك جَازَ أَن يقدر مدلولاً عَلَيْهِ بِجَوَاب الشَّرْط لِأَن المتساويين يجوز دلَالَة كل مِنْهُمَا على الآخر. انْتهى كَلَامه.
والبيتان من رجزٍ أوردهما صَاحب الصِّحَاح فِي مَادَّة كمر قَالَ: الكمر: جمع كمرة والمكمور: الرجل الَّذِي أصَاب الخاتن طرف كمرته. والكمري: الْعَظِيم الكمرة. وكامرته فكمرته أكمره إِذا)
غلبته بِعظم الكمرة. وأنشدهما.
-
وَلم يتَكَلَّم ابْن بري وَلَا الصَّفَدِي فِي حاشيتهما عَلَيْهِ هُنَا بِشَيْء. وأوردهما ابْن قُتَيْبَة فِي بَاب مَا أبدل من القوافي من أدب الْكَاتِب كَذَا:
(وَالله لَوْلَا شَيخنَا عباد ... لكمرونا عِنْدهَا أَو كَادُوا)
(فرشط لما كره الفرشاط ... بفيشةٍ كَأَنَّهَا ملطاط)
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أبياته: معنى كمرونا غلبونا بِعظم كمرهم. والكمر: جمع كمرة وَهِي رَأس الذّكر. والفرشطة والفرشاط: فتح الفخذين. والملطاط: شَفير الْوَادي وَالنّهر.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الملطاط أَشد انخفاضاً من الْوَادي وأوسع مِنْهُ. وَقَالَ غَيره: الملطاط عظم ناتئ من رَأس
стр. 5511
الْبَعِير. وصف قوما تفاخروا بِعظم كمرهم فكاد المفاخرون لَهُم يغلبونهم حَتَّى أخرج شيخهم عباد كمرته فَغَلَبَهُمْ. انْتهى كَلَامه.
وَزَاد الجواليقي فِي شَرحه بَيْتَيْنِ بعد الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين وهما: الرجز
(يحمل حوقاء لَهَا أحياد ... لَهَا رئاتٌ وَلها أكباد)
وَقَالَ فِي شَرحه: كمرونا: غلبونا بِعظم الكمرة والكمرة: رَأس الذّكر من الْإِنْسَان خَاصَّة وَزعم قوم أَنه لكل ذكر من الْحَيَوَان. وحوقاء: عَظِيمَة الحوق. والحوق بِضَم الْمُهْملَة حرف الكمرة وَهُوَ إطارها.
والأحياد: جمع حيد بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَهُوَ الْحَرْف الناتئ من الشَّيْء نَحْو حيود الْقرن وحيد الْجَبَل: نَادِر ينْدر مِنْهُ. وَلها رئات: جمع رئة. وأكباد: جمع كبد. وَلَيْسَ ثمَّ رئة وَلَا كبد وأنما أَرَادَ عظمها.
وَقَوله: فرشط الفرشطة: أَن يلصق الرجل أليته بِالْأَرْضِ ويتوسط سَاقيه. والملطاط قَالَ ابْن دُرَيْد: ملطاط الرَّأْس: جملَته. والفيشة بِفَتْح الْفَاء: الذّكر.
وَعباد هَذَا رجل من إيادٍ لَهُ حَدِيث. وَذَلِكَ أَن حيين كَانَا قد جعلا بَينهمَا خطراً
فِي المكامرة فغلب الْحَيّ الَّذِي فِيهِ عباد. انْتهى.
وكابن قُتَيْبَة أوردهُ عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ فِي شرح نقد الشّعْر لقدامة قَالَ قدامَة: وَمن عيوبه الإكفاء وَهُوَ اخْتِلَاف حُرُوف الروي فَيكون دَالا وذالاً وسيناً وشيناً وَنَحْو ذَلِك من الْحُرُوف المتقاربة.)
قَالَ عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ: اخْتِلَاف حُرُوف الروي فِي قصيدة هُوَ الإكفاء من قَوْلك: كفأت الْإِنَاء إِذا قلبته. وَيُقَال أَيْضا أكفأت الشَّيْء إِذا أملته.
فَلَمَّا اخْتلف حرف الروي عَن وَجهه الَّذِي يجب لَهُ قيل لذَلِك: إكفاء.
стр. 5512
وَأكْثر مَا يكون هَذَا فِي الْحُرُوف المتقاربة. وَهَذَا فِي النثر المسجوع لَيْسَ بِعَيْب. وَأما فِي النّظم فَأكْثر مَا يرتكبه الْأَعْرَاب دون الفحول والمشاهير وَلِهَذَا لَا أجيزه لشعراء زَمَاننَا كَمَا أُجِيز لَهُم الْعُيُوب الْبَاقِيَة اللَّهُمَّ إِلَّا فِي الأرجاز الحربية الَّتِي تقال بديهاً فَإِنَّهَا تحْتَمل مَا لَا يحْتَمل الشّعْر الْكَائِن عَن روية وتمهل.
فَإِن قيل: فَهَل الْعَرَب تعرف حُرُوف المعجم حَتَّى تلْزم بهَا قيل: إِنَّهَا وَإِن لم تعرفها بأسمائها فَإِنَّهَا تعرفها بأجراسها وتميز بَينهَا بأصدائها. وَلِهَذَا يلْتَزم الشَّاعِر مِنْهُم حُرُوف الروي فَلَا يُخَالِفهُ إِلَّا فِي الْأَقَل وَإِلَى مَا يقرب مِنْهُ. وَلِهَذَا قَالَ قَائِلهمْ:
(لَو قد حداهن أَبُو الجودي ... برجز مسحنفر الروي)
مستويات كنوى البرني وَلَا يبعد أَن يشْعر الْوَاحِد مِنْهُم بمخارج الْحُرُوف ومدارجها بل هُوَ الْغَالِب من حَالهم لَكِن لَا يتقنون تَمْيِيزه. وَقد أنشدوا: وقافية بَين الثَّنية والضرس زعم الْمُفَسِّرُونَ أَنه أَرَادَ الشين أُخْت الضَّاد. والحكاية الْمَشْهُورَة عَن رجلٍ مِنْهُم
أَنه قامر على أَن يشرب علبة لبن وَلَا يَتَنَحْنَح فَلَمَّا كده الْأَمر قَالَ: كَبْش أَمْلَح: قيل لَهُ: مَا هَذَا تنحنحت قَالَ: من تنحنح فَلَا أَفْلح. مَعَ أَنه قد ورد عَن بَعضهم تَسْمِيَة بعض الْحُرُوف قَالَ: الطَّوِيل كَمَا كتبت كافٌ تلوح وميمها
стр. 5513
قلت لَهَا قفي فَقَالَت قَاف فَإِن قيل: فَلم أجزت الإكفاء للْعَرَب وحظرته على أهل زَمَاننَا فَنَقُول: الْعَرَب مطبوعون غير متعلمين وجفاة لايعرفون الْكتاب بل يَقُولُونَ بالسليقة.
وَأما المحدثون فَأهل كِتَابَة وَتعلم وتعمل وَإِن كَانَ الْعَرَب أَيْضا غير خالين من تعلم وتعمل وَكِتَابَة. وَلِهَذَا قَلما يَقع الإكفاء وَغَيره من الْعُيُوب إِلَّا من الْأَعْرَاب الأقحاح الْبعدَاء عَن التَّعْلِيم والتخريج.
وَلِهَذَا قَالَ بعض الْعلمَاء: اخْتِلَاف حُرُوف الروي هُوَ الإكفاء وَهُوَ غلط من الْعَرَب وَلَا يجوز)
لغَيرهم لِأَن الْغَلَط لَا يَجْعَل أصلا فِي الْعَرَبيَّة يُقَاس عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يغلطون فِيهِ إِذا تقاربت الْحُرُوف.
وَأنْشد: الرجز
(إِن يأتني لصٌ فَإِنِّي لص ... أطلس مثل الذِّئْب إِذْ يعس
)
سوقي حداي وصفيري النس وَأنْشد الْأَخْفَش: الرجز
(إذانزلت فاجعلاني وسطا ... إِنِّي كبيرٌ لَا أُطِيق العندا)
стр. 5514
وَأنْشد غَيره: الرجز وَقَالَ: الرجز
(وَالله لَوْلَا شَيخنَا عباد ... لكمرونا عِنْدهَا أَو كَادُوا)
(فرشط لما كره الفرشاط ... بفيشةٍ كَأَنَّهَا ملطاط)
والملطاط: رحى البزر.
وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي: الرجز
(أَزْهَر لم يُولد بِنَجْم الشُّح ... ميمم الْبَيْت كريم السنخ)
وَمَا كَانَ من هَذَا التَّغْيِير فِي مَوضِع التصريع فقد يُمكن أَن لَا يكون عَيْبا وَأَن
يكون الشَّاعِر لم يقْصد التصريع لَكِن أَتَى بِمَا يشبه التصريع فَتوهم عَلَيْهِ الْعَيْب. فَأَما مَا أنْشدهُ ابْن قُتَيْبَة من قَول الشَّاعِر: الرجز
(حشورة الجنبين معطاء الْقَفَا ... لَا تدع الدمن إِذا الدمن طفا)
إِلَّا بجرعٍ مثل أثباج القطا
стр. 5515
فَإِنَّهُ لَيْسَ إكفاء كَمَا زعم لِأَن الروي الْألف لَا الْفَاء.
وَمن الإكفاء مَا أنشدنا بَعضهم: الرجز
(بنيّ إِن البرّ شيءٌ هَين ... الْمنطق اللين والطعيم)
(
قبحت من سالفةٍ وَمن صدغ ... كَأَنَّهَا كشية ضبٍّ فِي صقع)
الصقع: شبه مخلاة.
وَفِي الحَدِيث أَن سَعْدا قَالَ: رَأَيْت عليا كرم الله وَجهه يَوْم بدر وَهُوَ يَقُول: الرجز
(بازل عَاميْنِ حديثٌ سني ... سنحنح اللَّيْل كَأَنِّي جني))
لمثل هَذَا ولدتني أُمِّي فَأَما قَول أبي جهل: الرجز
(مَا تنقم الْحَرْب الْعوَان مني ... بازل عَاميْنِ حديثٌ سني)
لمثل هَذَا ولدتني أُمِّي وَقد روينَا نَحوه عَن عَليّ كرم الله وَجهه فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن يكون إكفاءً وَمَا قبل الْيَاء هُوَ الروي.
وَالثَّانِي: أَن يكون أَرَادَ أَن يُطلق بِالْألف فَيَقُول: منياً
стр. 5516
وسنياً فَحذف.
وَالثَّالِث: أَن تكون الْيَاء حرف الروي وَيكون مُقَيّدا. وَهَذَا هُوَ الْأَفْصَح.
انْتهى.
وَهَذِه جملَة منقحة كَافِيَة فِي الإكفاء.
أما قَوْله: إِذا نزلت ... الخ فقد قَالَ ابْن السَّيِّد العند بِفتْحَتَيْنِ: الْجَانِب وَرَوَاهُ ابْن دُرَيْد: العند جمع عاند وَهُوَ المائل المنحرف.
-
وَزَاد بعده: وَلَا أُطِيق البكرات الشردا وَأما قَوْله: كَأَن أصوات القطا ... الخ فقد قَالَ أَيْضا: قَالَ أَبُو عَليّ الْبَغْدَادِيّ: رويته عَن ابْن قُتَيْبَة المنغص بالغين الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة وَهُوَ من الْغصَص وَمَعْنَاهُ المختنق.
ورويته عَن غير ابْن قُتَيْبَة المنقضّ بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْقَاف وَهُوَ الصَّوَاب. شبه صَوت انقضاض القطاة إِذا انْقَضتْ بِأَصْوَات الْحَصَا إِذا قرع بَعْضهَا بَعْضًا. والمنقزّ: المتواثب: يُقَال قزّ وانقزّ إِذا وثب.
وَأما قَوْله: أَزْهَر لم يُولد بِنَجْم ... إِلَخ فقد قَالَ أَيْضا الميمم: الْمَقْصُود لكرمه. والسنخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْجِيم: الأَصْل. وَقد روى السنح بِالْحَاء الْمُهْملَة.
وَأما قَوْله حشورة الجنبين ... إِلَخ فقد قَالَ أَيْضا: الحشورة: الْعَظِيمَة. والمعطاء: الَّتِي تساقط شعرهَا.
والدمن بِالْكَسْرِ: الزبل. والأثباج الأوساط. يصف نَاقَة قد اشْتَدَّ عطشها فَهِيَ تشرب المَاء
стр. 5517
وَأما قَوْله: قبّحت من سالفةٍ ... إِلَخ فقد قَالَ أَيْضا: هَذَا الرجز لجوّاس ابْن هريم.)
هجا امْرَأَة وَشبه سالفتها وصدغها فِي اصفرارهما بكشية ضَب فِي صقع من الأَرْض. وَأَرَادَ أَن يَقُول: من سالفتين وصدغين فَلم تمكنه التَّثْنِيَة فَوضع الْوَاحِد مَوْضُوع الِاثْنَيْنِ اكْتِفَاء بفهم السَّامع.
-
وَقَوله: كَأَنَّهَا كشية إِنَّمَا أفرد الضَّمِير وَلم يقل كَأَنَّهُمَا لِأَنَّهُ أَرَادَ سالفتيها وصدغيها وَهِي أَربع فَحَمله على الْمَعْنى. انْتهى.
ونقلنا شرح هَذِه الأبيات تكميلاً للفائدة.
وَالْبَيْت الشَّاهِد لم أَقف على قَائِله وَالله أعلم بِهِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ بعد التسْعمائَة)
الْبَسِيط على أَنه يجوز بقلة فِي الشّعْر أَن يكون الْجَواب للشّرط مَعَ تَأَخره عَن الْقسم فَإِن لَام لَئِن موطئة للقسم وَقَوله: لَا تلفنا جَوَاب الشَّرْط دون الْقسم بِدَلِيل الْجَزْم.
وَقد خلا عَن ذكر هَذِه الضَّرُورَة كتاب الضرائر لِابْنِ عُصْفُور.
وَأجَاب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي أَن اللَّام زَائِدَة وَلم يَخُصُّهُ بِالضَّرُورَةِ قَالَ: وَلَيْسَت اللَّام موطئة فِي قَوْله:
стр. 5518
الطَّوِيل
(لَئِن كَانَت الدُّنْيَا عَليّ كَمَا أرى ... تباريح من ليلى فللموت أروح)
وَقَوله: الطَّوِيل
(
لَئِن كَانَ مَا حدثته الْيَوْم صَادِقا ... أَصمّ فِي نَهَار القيظ للشمس باديا)
وَقَوله: الْبَسِيط
(ألمم بِزَيْنَب إِن الْبَين قد أفدا ... قل الثواء لَئِن كَانَ الرحيل غَدا)
بل هِيَ فِي ذَلِك كُله زَائِدَة.
أما الْأَوَّلَانِ فَلِأَن الشَّرْط قد أُجِيب بِالْجُمْلَةِ المقرونة بِالْفَاءِ فِي الْبَيْت الأول وبالفعل المجزوم فِي الْبَيْت الثَّانِي فَلَو كَانَت اللَّام للتوطئة لم يجب إِلَّا الْقسم. هَذَا هُوَ الصَّحِيح. وَخَالف فِي ذَلِك)
الْفراء فَزعم أَن الشَّرْط قد يُجَاب مَعَ تقدم الْقسم عَلَيْهِ.
وَأما الثَّالِث فَلِأَن الْجَواب قد حذف مدلولا عَلَيْهِ بِمَا قبل إِن فَلَو كَانَ ثمَّ قسم مُقَدّر لزم الإجحاف بِحَذْف جوابين. انْتهى.
وَالْجَوَاب الْجيد مَا قَالَه الشَّارِح من أَن هَذَا ضَرُورَة فَإِن جَوَابه لَا يَتَأَتَّى فِي قَوْله: حَلَفت لَهُ إِن تدلج اللَّيْل لَا يزل ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت الْآتِي
стр. 5519
وَقد نقلوا عَن الْفراء جَوَازه فِي الْكَلَام أَيْضا. وَرَأَيْت كَلَامه مضطرباً فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَتَارَة أجَاز بمرجوحية كَمَا نقلوا وَتارَة جزم بِأَن مَا ورد مِنْهُ فِي الشّعْر ضَرُورَة.
أما الأول فقد قَالَه فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ من سُورَة الْبَقَرَة وَهَذَا نَصه: صيروا جَوَاب الْجَزَاء بِمَا يلقى بِهِ الْيَمين إِمَّا بلام وَإِمَّا بِلَا وَإِمَّا بإن وَإِمَّا بِمَا فَتَقول فِي مَا: لَئِن أتيتني مَا ذَلِك لَك بضائع. وَفِي إِن: لَئِن أتيتني إِن ذَلِك لمشكور.
-
وَفِي لَا: لَئِن أخرجُوا لايخرجون مَعَهم. وَفِي اللَّام: وَلَئِن نصروهم ليولن الأدبار. وَإِنَّمَا صيروا جَوَاب الْجَزَاء كجواب الْيَمين الأن اللَّام الَّتِي دخلت فِي: وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ وَفِي: لما آتيتكم من كتاب وَفِي: لَئِن أخرجُوا إِنَّمَا هِيَ لَام الْيَمين كَانَ موضعهَا فِي آخر الْكَلَام فَلَمَّا صَارَت فِي أَوله صَارَت كاليمين فَلَقِيت بِمَا يلقى بِهِ الْيَمين.
وَإِن أظهرت الْفِعْل بعْدهَا على يفعل جَازَ ذَلِك وجزمته فَقلت: لَئِن تقم لَا يقم إِلَيْك.
(لَئِن تَكُ قد ضَاقَتْ عَلَيْكُم بُيُوتكُمْ ... ليعلم رَبِّي أَن بَيْتِي وَاسع)
وأنشدني بعض بني عقيل: الطَّوِيل
(لَئِن كَانَ مَا حدثته الْيَوْم صَادِقا ... أَصمّ فِي نَهَار القيظ للشمس باديا)
(وأركب حمارا بَين سرجٍ وفروةٍ ... وأعر من الخاتام صغرى شماليا)
стр. 5520
فألغى جَوَاب الْيَمين من الْفِعْل وَكَانَ الْوَجْه فِي الْكَلَام أَن يَقُول: لَئِن كَانَ كَذَا لآتينك وتوهم إِلْغَاء اللَّام كَمَا قَالَ الآخر: الطَّوِيل
(فَلَا يدعني قومِي صَرِيحًا لحرةٍ ... لَئِن كنت مقتولاً وتسلم عَامر)
فَاللَّام فِي لَئِن ملغاة وَلكنهَا كثرت فِي الْكَلَام حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا إِن.
-
أَلا ترى أَن الشَّاعِر قد قَالَ: الرمل
(فلئن قومٌ أَصَابُوا غرَّة ... وأصبنا من زمانٍ رققا))
(للقد كَانُوا لَدَى أزماننا ... لصنيعين: لبأسٍ وتقى)
فَأدْخل على لقد لاماً أُخْرَى لِكَثْرَة مَا تلْزم الْعَرَب اللَّام فِي لقد حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا مِنْهَا.
وَأنْشد بعض بني أَسد: الوافر
(فَلَا وَالله لَا يلفى لما بِي ... وَلَا للما بهم أبدا دَوَاء)
(كَمَا مَا امرؤٌ فِي معشرٍ غير رهطه ... ضَعِيف الْكَلَام شخصه متضائل)
قَالَ: كَمَا ثمَّ زَاد مَعهَا مَا أُخْرَى لِكَثْرَة كَمَا فِي الْكَلَام فَصَارَت كَأَنَّهَا مِنْهَا.
وَقَالَ الْأَعْشَى: الْبَسِيط لَئِن منيت بِنَا عَن غب معركةٍ الْبَيْت فَجزم لَا تلفنا وَالْوَجْه الرّفْع كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون مَعَهم وَلكنه لما جَاءَ بعد حرف ينوى بِهِ الْجَزْم صير مَجْزُومًا جَوَابا
стр. 5521
للمجزوم وَهُوَ فِي معنى رفع.
وأنشدني الْقَاسِم بن معن عَن الْعَرَب: الطَّوِيل
(حَلَفت لَهُ إِن تدلج اللَّيْل لَا يزل ... أمامك بيتٌ من بيوتي سَائِر)
وَالْمعْنَى: حَلَفت لَهُ لَا يزَال بَيت فَلَمَّا جَاءَ بعد المجزوم صير جَوَابا للجزم.
-
وَمثله فِي الْعَرَبيَّة: آتيتك كي إِن تحدث بِحَدِيث أسمعهُ مِنْك فَلَمَّا جَاءَ بعد الْجَزْم جزم. انْتهى نَصه بِحُرُوفِهِ.
وَأما كَلَامه الثَّانِي فقد قَالَه عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لايأتون بِمثلِهِ من سُورَة الْإِسْرَاء قَالَ: لَا يأْتونَ جَوَاب لقَوْله: لَئِن وَالْعرب إِذا أجابت: لَئِن بِلَا جعلُوا مَا بعد لَا رفعا لِأَن لَئِن كاليمين وَجَوَاب الْيَمين بِلَا مَرْفُوع.
وَرُبمَا جزم الشَّاعِر لِأَن لَئِن إِن الَّتِي يجازى بهَا زيدت عَلَيْهَا لَام فَوجه الْفِعْل فِيهَا إِلَى فعل وَلَو أَتَى بيفعل لجَاز جزمه. وَقد جزم بعض الشُّعَرَاء ب لَئِن وَبَعْضهمْ بِلَا الَّتِي هِيَ جوابها.
قَالَ الْأَعْشَى:
(لَئِن منيت عَن غب معركةٍ ... لاتلفنا عَن دِمَاء الْقَوْم ننتقل)
وتلقنا بِالْقَافِ أَيْضا. وأنشدتني عقيلية فصيحة: لَئِن كَانَ مَا حدثته الْيَوْم صَادِقا الْبَيْتَيْنِ وأنشدني الْكسَائي للكميت بن مَعْرُوف:)
(لَئِن تَكُ قد ضَاقَتْ عَلَيْكُم بِلَادكُمْ ... ليعلم رَبِّي أَن بَيْتِي وَاسع)
انْتهى كَلَامه
стр. 5522
وَوَافَقَهُ ابْن مَالك فِي التسهيل: وَقد يُغني جَوَاب الأداة مسبوقة بالقسم. يَعْنِي إِن لم يتَقَدَّم مُبْتَدأ أَو أخر الْقسم عَن الشَّرْط وَجب الِاسْتِغْنَاء عَن جَوَابه بِجَوَاب الشَّرْط وَإِن أخر الشَّرْط استغني فِي أَكثر الْكَلَام عَن جَوَابه بِجَوَاب الْقسم وَلَا يمْتَنع الِاسْتِغْنَاء بِجَوَاب الشَّرْط مَعَ تَأَخره.
وَمن شَوَاهِد ذَلِك عِنْده قَول الفرزدق: الطَّوِيل
(
لَئِن بل لي أرضي بلالٌ بدفعةٍ ... من الْغَيْث فِي يمنى يَدَيْهِ انسكابها)
مَعَ أَبْيَات أخر.
قَالَ نَاظر الْجَيْش:
وَهَذِه الأبيات أَدِلَّة ظَاهِرَة على الْمُدعى غير أَن المُصَنّف لم ينْسب هَذَا الْمَذْهَب لبصري وَلَا كُوفِي جَريا مِنْهُ على طريقتة المألوفة وَهِي أَنه إِذا قَامَ الدَّلِيل عِنْده على شَيْء اتبعهُ ثمَّ إِنَّه قد يُنَبه على خلاف فِي ذَلِك إِن كَانَ وَقد لَا يتَعَرَّض إِلَى ذَلِك.
وَالْجَمَاعَة يذكرُونَ أَن هَذَا القَوْل إِنَّمَا هُوَ قَول الْفراء. فال ابْن عُصْفُور: وَلَا يجوز جعل الْفِعْل جَوَابا للشّرط إِذا توَسط بَينه وَبَين الْقسم.
فَأَما قَول الْأَعْشَى: لَئِن منيت بِنَا الْبَيْت وَقَوله: لَئِن كَانَ مَا حدثته الْبَيْت فَاللَّام فِي لَئِن يَنْبَغِي أَن تكون زَائِدَة كَالَّتِي فِي قَوْله: أَمْسَى لمجهودا وَمن ثمَّ قَالَ أَبُو حَيَّان: وَهَذَا الَّذِي أجَازه ابْن مَالك هُوَ مَذْهَب الْفراء وَقد مَنعه أَصْحَابنَا وَالْجُمْهُور. ثمَّ نقل كَلَام ابْن عُصْفُور.
وَأَقُول: إِن ابْن عُصْفُور لم يذكر دَلِيلا على امْتنَاع مَا ذكره المُصَنّف بل عمد إِلَى
стр. 5523
الْأَدِلَّة على هَذَا الحكم فأخرجها عَن ظَاهرهَا بِغَيْر مُوجب وَحكم بِزِيَادَة اللَّام مَعَ إِمْكَان القَوْل بِعَدَمِ الزِّيَادَة.
وَبعد فَلَا يخفى على النَّاظر وَجه الصَّوَاب. فالوقوف مَعَ مَا ورد عَن الْعَرَب حَيْثُ لَا مَانع يمْنَع من الْحمل على ظَاهر مَا ورد عَنْهُم. انْتهى كَلَام نَاظر الْجَيْش.)
وَالْبَيْت من قصيدة مَشْهُورَة للأعشى تقدم شرح أَبْيَات مِنْهَا قي الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الستمائة.
وَقَبله.
(إِنِّي لعمر الَّذِي حطت مناسمها ... تخذي وسيق إِلَيْهِ الباقر الغيل)
(لَئِن قتلتم عميداً لم يكن صدداً ... لَنَقْتُلَنَّ مثله مِنْكُم فنمتثل)
وَإِن منيت بِنَا عَن غب معركةٍ ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت يُخَاطب بهَا يزِيد بن مسْهر الشَّيْبَانِيّ وَكَانَ حرض بني سيار أَن يقتلُوا سيداً من رَهْط الْأَعْشَى على مَا تقدم سَببه هُنَاكَ.
وَقَوله: حطت مناسمها الْحَط بمهملتين: الِاعْتِمَاد. والمنسم كمجلس: طرف خف الْبَعِير وَالضَّمِير الْمُؤَنَّث ضمير الْإِبِل وَإِن لم يجر لَهَا ذكر لِأَن المناسم خَاصَّة بهَا تدل عَلَيْهَا. والعائد إِلَى وتخدي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْملَة: تسير سيراً شَدِيدا فِيهِ اضْطِرَاب لشدتة. وَرُوِيَ: لَهُ بدل تخدي فالعائد مَذْكُور. والباقر: اسْم جمع للبقر. والغيل بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة والمثناة التَّحْتِيَّة: جمع غيل بِفَتْح فَسُكُون بِمَعْنى الْكثير. يَقُول: أقسم بِاللَّه الَّذِي تسرع الْإِبِل إِلَى بَيته ويساق إِلَيْهِ الْهَدْي.
стр. 5524
ض
وَقَوله: لَئِن قتلتم ... ... ... . إِلَخ اللَّام موطئة آذَنت أَن الْجَواب الْآتِي وَهُوَ قَوْله لَنَقْتُلَنَّ جَوَاب الْقسم لَا جَوَاب الشَّرْط. والعميد: الْكَبِير الَّذِي يعمد فِي الْأُمُور الشَّدِيدَة ويقصد.
والصدد بِفتْحَتَيْنِ: المقارب.
وَقَوله: فنمتثل أَي: نقْتل الأمثل وَهُوَ الْأَفْضَل. يَعْنِي: وَالله لَئِن قتلتم
منا دون السَّيِّد لنقتل أعظمكم.
وَتقدم شرحهما بِأَكْثَرَ من هَذَا مَعَ أَبْيَات أخر فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسبْعين بعد السبعمائة.
وَقَوله: وَإِن منيت هَكَذَا جَاءَت الراوية بالْعَطْف على قَوْله: قتلتم وَالْمَشْهُور فِي كتب النَّحْوِيين: لَئِن منيت بِاللَّامِ الموطئة. وَالْأَمر سهل.
ومنيت بِالْخِطَابِ وَالْبناء للْمَفْعُول من مني لَهُ أَي: قدر. ومني يمني كرمي يَرْمِي بِمَعْنى قدر وَالِاسْم بِالْفَتْح والْقصر.
(لَا تأمن الْمَوْت فِي حلٍّ وَلَا حرمٍ ... إِن المنايا توافي كل إِنْسَان))
(واسلك طريقك تمشي غير محتشمٍ ... حَتَّى تبين مَا يمني لَك الماني)
(فَكل ذِي صاحبٍ يَوْمًا يُفَارِقهُ ... وكل زادٍ وَإِن أبقيته فَانِي)
(وَالْخَيْر وَالشَّر مقرونان فِي قرنٍ ... بِكُل ذَلِك يَأْتِيك الجديدان)
روى السَّيِّد المرتضي فِي أَمَالِيهِ أَن مُسلما الْخُزَاعِيّ ثمَّ المصطلقي قَالَ: شهِدت رَسُول الله ﷺ َ وَقد أنْشدهُ منشد هَذِه الأبيات لسويد فَقَالَ ﷺ َ: لَو أَدْرَكته لأسلم.
وَالتَّاء نَائِب الْفَاعِل بِتَقْدِير الْمُضَاف وَالْأَصْل مني اجتماعك بِنَا فالباء من بِنَا
مُتَعَلقَة بِهَذَا الْمُضَاف فَلَمَّا حذف صَار الضَّمِير
стр. 5525
الْمَجْرُور ضمير رفع.
وَقَوله: عَن غب معركةٍ عَن: هُنَا بِمَعْنى بعد مُتَعَلقَة بقوله منيت.
وَبِه اسْتشْهد ابْن النَّاظِم فِي شرح الألفية. وَالْغِب بِالْكَسْرِ والمغبة بِالْفَتْح: الْعَاقِبَة وروى أَيْضا: عَن جد معركة بِكَسْر الْجِيم بِمَعْنى الشدَّة والمجاهدة فِيهَا. والمعركة: مَوضِع الْحَرْب يُقَال: عركت الْقَوْم فِي الْحَرْب عركاً أَي: أوقعتهم فِي الشدَّة. وعراك معاركةً وعراكاً: أَي قَاتل. وأصل العرك الدَّلْك والفرك وَمن لَازمه التليين والتذليل.
وَقَوله: لاتلفنا لَا: نَافِيَة وتلفنا: مجزوم بإن بِحَذْف الْيَاء على أَنه جَزَاء الشَّرْط. وألفى كوجد معنى وَعَملا فتتعدى إِلَى مفعولين أَصلهمَا الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر كَقَوْلِه: الْبَسِيط
(قد جربوه فألقوه المغيث إِذا ... مَا الروع عَم فَلَا يلوي على أحد)
كَذَا قَالَ ابْن مَالك. فالمفعول الأول لألفى فِي الْبَيْت ضمير الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر وَجُمْلَة ننتفل: هِيَ الْمَفْعُول الثَّانِي.
وَذهب ابْن عُصْفُور إِلَى أَنَّهَا تتعدى إِلَى مفعول وَاحِد وَأَن الْمَنْصُوب الثَّانِي حَال وَاسْتدلَّ بِالْتِزَام تنكيره. ورد بوروده معرفَة كَمَا فِي الْبَيْت وَدَعوى زِيَادَة اللَّام ضَعِيفَة. وَعَن دِمَاء مُتَعَلقَة بقوله ننتفل بِالْفَاءِ.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وانتفل من الشَّيْء أَي: انْتَفَى مِنْهُ وتنصل كَأَنَّهُ إِبْدَال مِنْهُ. وَأنْشد الْبَيْت.
قَالَ شَارِح جمهرة الْأَشْعَار: يُقَال: انتفل وانتفى بِمَعْنى وَاحِد كَمَا قَالَ: الطَّوِيل
(
أمنتفلاً عَن نصر بهثة خلتني ... إِلَّا إِنَّنِي مِنْهُم وَإِن كنت أَيْنَمَا))
стр. 5526
وَقيل: ننتفل: نجحد وَالْمعْنَى: إِن قدر أَن تلقانا بعد المعركة لم ننتف من قتلنَا قَوْمك وَلم نجحد. انْتهى.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: قَوْله: لَئِن منيت بِنَا من مني بِأَمْر كَذَا إِذا ابْتُلِيَ بِهِ من مني يمنى من بَاب فتح يفتح وَمنا يمنو من بَاب نصر ينصر.
وَأما مني يمني إِذا أنزل الْمَنِيّ فمصدره منياً على وزن فعل بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْعين وبابه من بَاب ضرب يضْرب. وَمنى أَيْضا بِمَعْنى قدر وَمِنْه الْمنية وَهُوَ الْمَوْت لِأَنَّهُ مُقَدّر على الْخلق كلهم. ومنيت على صِيغَة الْمَجْهُول وبنا جَار ومجرور مفعول نَاب عَن الْفَاعِل.
وَقَوله: لاتلفنا جملَة مجزومة لِأَنَّهَا جَوَاب الشَّرْط وننتفل: جملَة وفعت حَالا من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي لَا تلفنا. هَذَا خُلَاصَة كَلَامه فيهذا الْبَاب فَتَأَمّله ترى الْعجب العجاب.
وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث والْعشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
(
لَئِن كَانَ مَا حدثته اليرم صَادِقا ... أَصمّ فِي نَهَار القيظ للشمس باديا)
على أَنه جَاءَ أَصمّ جَوَابا مَجْزُومًا لإن الشّرطِيَّة بعد تقدم الْقسم الْمشعر بِهِ اللَّام الموطئة وَهُوَ قَلِيل فِي الشّعْر كالبيت الَّذِي قبله.
стр. 5527
وَهَذِه اللَّام تدخل على أَدَاة شَرط حرفا كَانَت أم اسْما كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق تؤذن بِأَن الْجَواب بعْدهَا مَبْنِيّ على قسم قبلهَا لَا على شَرط وَمن ثمَّ تسمى اللَّام المؤذنة وَتسَمى الموطئة أَيْضا لِأَنَّهَا وطأت الْجَواب للقسم أَي: مهدته لَهُ سَوَاء كَانَ الْقسم قبلهَا مَذْكُورا كَقَوْلِه تَعَالَى: وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم لَئِن جَاءَتْهُم آيَة ليُؤْمِنن بهَا أم غير مَذْكُور كَقَوْلِه تَعَالَى: لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون مَعَهم وَلَئِن قوتلوا لَا ينصرونهم ولءن نصروهم ليولن الأدبار.
وَقد يكْتَفى بنيتها عَن لَفظهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وَالْأَصْل: وَلَئِن لم تغْفر لنا.
وَلَوْلَا نِيَّتهَا لقيل: وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين كَمَا قيل: وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: وَإِن أطعمتموهم إِنَّكُم لمشركون.
وَقَول بَعضهم: لَيْسَ هُنَا قسم مُقَدّر وَإِنَّمَا الْجُمْلَة الاسمية جَوَاب الشَّرْط على أضمار الْفَاء فقد قَالَ الشَّارِح وَغَيره: مَرْدُود لِأَن حذفهَا خَاص بالشعر. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَا بُد من هَذِه اللَّام مظهرةً أَو مضمرة. يَعْنِي اللَّام الَّتِي تقارن أَدَاة الشَّرْط.)
وَقَالَ ابْن مَالك فِي شرح التسهيل: وَأكْثر مَا تكون اللَّام مَعَ إِن. وَمن مقارنتها غير إِن من أخواتها قَوْله تَعَالَى: وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم
стр. 5528
من كتابٍ وحكمةٍ ثمَّ جَاءَ رسولٌ مصدقٌ لما مَعكُمْ اتؤمنن بِهِ ولتنصرنه.
-
وَمثله قَالَ الْقطَامِي: الْكَامِل
(وَلما رزقت ليأتينك سيبه ... جلباً وَلَيْسَ إِلَيْك مَا لم ترزق)
(لمتى صلحت ليقضين لَك صالحٌ ... ولتجرين إِذا جزيت جميلاً)
اه.
وَكَذَا فِي الْمُغنِي لِابْنِ هِشَام لكنه قَالَ: وعَلى هَذَا فَالْأَحْسَن فِي قَوْله تَعَالَى: لما آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ إِن لَا تكون موطئة وَمَا شَرْطِيَّة بل للابتداء وَمَا موصلة لِأَنَّهُ حمل على الْأَكْثَر.
قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: وَقد شبه بَعضهم إِذْ ترد للتَّعْلِيل وَإِن شَرط وهما متقاربان.
قَالَ ابْن هِشَام: وَأغْرب مَا دخلت عَلَيْهِ اللَّام إِذْ وَهُوَ نَظِير دُخُول الْفَاء فِي: فَإِن لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ. شبهت إِذْ بِأَن
فَدخلت الْفَاء بعْدهَا كَمَا تدخل فِي جَوَاب الشَّرْط. انْتهى.
قَالَ ابْن مَالك: وَلَا بُد من هَذِه اللَّام مظهرةً أَو مضمرة. وَقد يَسْتَغْنِي بعد لَئِن عَن جَوَاب لتقدم مَا يدل عَلَيْهِ فَيحكم بِأَن اللَّام زَائِدَة. فَمن ذَلِك قَول عمر بن أبي ربيعَة:
стр. 5529
الْبَسِيط
(ألمم بِزَيْنَب إِن الْبَين قد أفدا ... قل الثواء لَئِن كَانَ الرحيل غَدا)
وَمثله: الطَّوِيل
(فَلَا يدعني قومٌ صَرِيحًا لحرةٍ ... لَئِن قلت مقتولاً وَيسلم عَامر)
انْتهى.
وَقَالَ ابْن عُصْفُور: وَهَذِه اللَّام الدَّاخِلَة على أَدَاة الشَّرْط عِنْد الْبَصرِيين زَائِدَة للتَّأْكِيد وموطئة لدُخُول اللَّام على الْجَواب ودالة على الْقسم إِذا حذف. انْتهى.
وَمثله لِابْنِ جني فِي سر الصِّنَاعَة قَالَ: وَاللَّام فِي لَئِن إِنَّمَا هِيَ زَائِدَة مُؤَكدَة يدلك على أَنَّهَا زَائِدَة وَأَن اللَّام الثَّانِيَة هِيَ الَّتِي تلقت الْقسم جَوَاز سُقُوطهَا فِي نَحْو قَول الشَّاعِر: الطَّوِيل
(فأقسمت أَنِّي لَا أحل بصهوةٍ ... حرامٌ على رمله وشقائقه)
(فَإِن لم تغير بعض مَا قد صَنَعْتُم ... لأنتحين للعظم ذُو أَنا عارقه
))
وَلم يقل: فلئن. ويدلك أَيْضا على أَنَّك إِذا قلت: وَالله لَئِن قُمْت لأقومن أَن اعْتِمَاد الْقسم على اللَّام فِي لأقومن وَأَن اللَّام فِي لَئِن زَائِدَة مِنْهَا بدٌ قَول كثير:
стр. 5530
الطَّوِيل
(لَئِن عَاد لي عبد الْعَزِيز بِمِثْلِهَا ... وأمكنني مِنْهَا إِذن لَا أقيلها)
فرفعه أقيلها يدل على أَن اعْتِمَاد الْقسم عَلَيْهِ وَلَو أَن اللَّام فِي لَئِن عَاد لي هِيَ جَوَاب الْقسم لَا نجزم لَا أقيلها كَمَا تَقول: إِن تقم إِذن لَا أقِم. انْتهى كَلَامه.
وَهَذَا الْبَيْت مَا بعده: الطَّوِيل
(وأركب حمارا بَين سرجٍ وفروةٍ ... وأعر من الخاتام صغرى شماليا)
كَذَا أنشدهما الْفراء وَقَالَ: أنشدنيهما بعض عقيل فصيحة وَلم يُصَرح بقائلهما.
وَقَوله: لَئِن كَانَ مَا ... إِلَخ اللَّام زَائِدَة ومَا: عبارَة عَن الْكَلَام وحدثته: بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالتَّاء للخطاب: نَائِب الْفَاعِل وَالْهَاء ضمير مَا. وَقد طَغى قلم الْعَيْنِيّ هُنَا فَقَالَ: حدثته على صِيغَة الْمَجْهُول وَالضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ نَائِب عَن الْفَاعِل. انْتهى. والْيَوْم: ظرف عَامله حدثته وصادقاً: خبر كَانَ من الْهَاء. وَفِيه إِسْنَاد مجازي لِأَن المتصف بِالصّدقِ حَقِيقَة قَائِل الْكَلَام لَا الْكَلَام. وأَصمّ: جَوَاب
الشَّرْط وَفِي مُتَعَلقَة بِهِ. والقيظ: شدَّة الْحر والفصل الَّذِي يَقُول لَهُ النَّاس الصَّيف. وللشمس مُتَعَلق ببادياً. والبادي: البارز. وَرُوِيَ بدله: ضاحياً. بِمَعْنَاهُ. وبادياً: حَال من فَاعل أَصمّ.
وَقَوله: أركب بِالْجَزْمِ مَعْطُوف على أَصمّ. والفروة مَعْرُوفَة. وركوب الْحمار بَين السرج والفروة هَيْئَة من يندد بِهِ ويفضح بَين النَّاس. وَقَوله: وأعر:
стр. 5531
مجزوم بِحَذْف الْيَاء للْعَطْف على أَصمّ أَيْضا وَهُوَ بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء مضارع أعراه إعراء أَي: جعله عَارِيا. والخاتام: كالخيتام لُغَة فِي الْخَاتم بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا. وَأَرَادَ بصغرى شِمَاله خنصرها فَإِن الْخَاتم يكون زِينَة للشمال فَإِن الْيَمين لَهَا فَضِيلَة الْيمن فَجعل الْخَاتم فِي الشمَال للتعادل.
يَقُول: إِن كَانَ مَا نقلٍ يَعْنِي لَك من الحَدِيث صَحِيحا جعلني الله صَائِما فِي تِلْكَ الصّفة وأركبني حمارا للخزي والفضيحة والنكال وَجعل حنصر شمَالي عَارِية من حسنها وَزينتهَا هَذَا مَا ظهر لي فِيهِ. وَالله أعلم.
وَعقيل بِالتَّصْغِيرِ: أَبُو قَبيلَة وَهُوَ عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة.
وَأنْشد بعده)
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد التسْعمائَة)
الطَّوِيل
(حَلَفت لَهُ إِن تدلج اللَّيْل لَا يزل ... أمامك بيتٌ من بيوتي سَائِر)
على أَنه جزم لَا يزل فِي ضَرُورَة الشّعْر بجعله جَوَاب الشَّرْط وَكَانَ الْقيَاس
أَن يرفع وَيجْعَل جَوَابا للقسم لكنه جزم للضَّرُورَة فَيكون جَوَاب الْقسم محذوفاً مدلولاً عَلَيْهِ بِجَوَاب الشَّرْط.
وَقَالَ ابْن عُصْفُور: وَلَيْسَ حَلَفت فِيهِ قسما كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْفراء بل هُوَ خبر مَحْض غير مُرَاد بِهِ معنى الْقسم لِأَن الْقسم إِذا تقدم على الشَّرْط بني الْجَواب عَلَيْهِ وَلم يبن على الشَّرْط. انْتهى.
стр. 5532
وَلَا يخفى تعسفه وَالصَّوَاب مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق.
قَالَ الْفراء: أَنْشدني هَذَا الْبَيْت الْقَاسِم بن معن عَن الْعَرَب وَالْمعْنَى: حَلَفت لَهُ لَا يزَال أمامك بَيت. فَلَمَّا جَاءَ بعد المجزوم صير جَوَابا للجزم. وتدلج: مضارع أدْلج إدلاجاً وَمَعْنَاهُ سَار اللَّيْل كُله فَإِن سَار من آخر اللَّيْل فقد أدْلج بتَشْديد الدَّال. واللَّيْل: ظرف لَهُ. ويزل: مضارع زَالَ يزَال من أَخَوَات كَانَ. وأمامك بِالْفَتْح بِمَعْنى قدامك خَبَرهَا مقدم. وبَيت: اسْمهَا مُؤخر. وَمن بيوتي: صفة لَهُ. وَكَذَا سَائِر. وَأَرَادَ بِالْبَيْتِ جمَاعَة من أَقَاربه وَهَذَا مَشْهُور. يَقُول: إِن سَافَرت فِي اللَّيْل أرْسلت جمَاعَة من أَهلِي يَسِيرُونَ أمامك يخفرونك ويحرسونك إِلَى أَن تصل إِلَى مأمنك.
وَهَذَا الْبَيْت لم أَقف على قَائِله وَلَا تتمته. وَالله أعلم بِهِ.
وَأنْشد بعده: الرجز
إِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالتسْعين بعد الستمائة وَفِي الشَّاهِد الْحَادِي والثمانين بعد الْخَمْسمِائَةِ. فَرَاجعه.
стр. 5533
وَأنْشد بعده: لَئِن منيت بِنَا عَن غب معركةٍ وَتقدم شَرحه قَرِيبا.
(الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد التسْعمائَة)
الطَّوِيل
(فَإِن يَك من جنٍ لأبرح طَارِقًا ... وَإِن يَك إنساً مَا كها الْإِنْس تفعل)
على أَن أَدَاة الشَّرْط إِذا لم يكن لَهَا جَوَاب فِي الظَّاهِر يجب أَن يكون شَرطهَا مَاضِيا لفظا وَمعنى نَحْو: أكرمك إِن أتيتني وَمعنى فَقَط نَحْو: أكرمك إِن لم تقطعني.
وَقد يَجِيء فِي الشّعْر مُسْتَقْبلا. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يجوز فِي الشّعْر آتِي من يأتني.
وَتقدم نَقله فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالتسْعين بعد الستمائة.
وَكَذَا شَرط إِن فِي هَذَا الْبَيْت جَاءَ مُسْتَقْبلا مَعَ أَنه لَا جَزَاء لَهَا فِي الظَّاهِر. وَهُوَ خَاص بالشعر.
وَقد خلا كتاب الضرائر لِابْنِ عُصْفُور من ذكر هَذِه الضَّرُورَة.
وَبَيَان أَن إِن لَا جَوَاب لَهَا هُنَا: أَن قَوْله: لأبرح جَوَاب قسم مُقَدّر وَاللَّام الموطئة محذوفة أَي: وَالله فلئن يَك من جنٍ لأبرح. وَهَذَا دَلِيل جَوَاب الشَّرْط الْمَحْذُوف وَالتَّقْدِير: فَإِن يَك من جنٍ فقد أَبْرَح.
وَلَا يجوز أَن يكون لأبرح جَوَاب الشَّرْط لاقترانه بِاللَّامِ الَّتِي يُجَاب بهَا الْقسم فَإِن إِن لَا تَأتي فِي جوابها اللَّام وأبرح وَإِن كَانَ مَاضِيا إِلَّا أَنه فِي معنى الْمُسْتَقْبل لِأَنَّهُ دَلِيل جَوَاب الشَّرْط كَمَا قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق بعد هَذِه الأبيات.
والماضي الْمُتَصَرف إِذا وَقع جَوَاب
стр. 5534
قسم فالأكثر أَن يقْتَرن بِاللَّامِ مَعَ قد نَحْو قَوْله تَعَالَى: تالله لقد آثرك الله علينا أَو رُبمَا كَقَوْل الشَّاعِر: الطَّوِيل
(لَئِن نزحت دارٌ لسلمى لربما ... غنينا بخيرٍ والديار جَمِيع)
أَو بِمَا مرادفة رُبمَا كَقَوْل آخر: الْخَفِيف
(فلئن بَان أَهله ... لبما كَانَ يؤهل)
وَقد يَسْتَغْنِي بِاللَّامِ الْمَاضِي الْمُتَصَرف فِي النّظم والنثر قَالَ تَعَالَى: وَلَئِن أرسلنَا ريحًا فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون.
وَفِي الحَدِيث عَن امرأةٍ من غفار أَنَّهَا قَالَت: وَالله لنزل رَسُول الله ﷺ َ إِلَى الصُّبْح فَأَنَاخَ.
)
وَفِي حَدِيث سعيد بن زيد: أشهد لسمعت رَسُول الله ﷺ َ يَقُول: من أَخذ شبْرًا من الأَرْض ظلما الحَدِيث.
وَإِن وجدت استطالة قسم جَازَ إِفْرَاد الْفِعْل كَقَوْلِه تَعَالَى: وَالسَّمَاء ذَات البروج وَالْيَوْم الْمَوْعُود وشاهدٍ ومشهودٍ قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود وكقول النَّبِي ﷺ َ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ وددت أَن اقاتل فِي سَبِيل الله فأقتل الحَدِيث. وَإِن تُوجد استطالة وَالْفِعْل غير متصرف وَجب الاقتران بِاللَّامِ مُفْردَة كَقَوْلِه:
стр. 5535
المتقارب لعمري لنعم الْفَتى مالكٌ كَذَا فِي شرح التسهيل لِابْنِ مَالك.
وَهَذَا الْبَيْت من لامية الْعَرَب للشنفرى. وَقَبله:
(وَلَيْلَة نحسٍ يصطلي الْقوس رَبهَا ... وأقطعه اللَّاتِي بهَا يتنبل)
(دعست على غطشٍ وبغشٍ وصحبتي ... سعارٌ وإرزيزٌ ووجرٌ وأفكل)
(فأيمت نسواناً وأيتمت إلدةً ... وعدت كَمَا أبدأت وَاللَّيْل أليل)
(وَأصْبح عني بالغميصاء جَالِسا ... فريقان: مسؤولٌ وَآخر يسْأَل
)
(فَقَالُوا: لقد هرت بليلٍ كلابنا ... فَقُلْنَا: أذئبٌ عس أم عس فرعل)
(فَلم يَك إِلَّا نبأةٌ ثمَّ هومت ... فَقُلْنَا: قطاةٌ ريع أم ريع أجدل)
فَإِن يَك من جنٍ لأبرح طَارِقًا ... ... ... ... ... . . الْبَيْت قَوْله: وَلَيْلَة نحس الْوَاو وَاو رب وَأَرَادَ بالنحس الْبرد وَلِهَذَا يصطلي بِالْقَوْسِ والسهام صَاحبهَا لشدَّة الْبرد.
وَقَوله: دعست ... إِلَخ دعست: دفعت دفعا بإسراع وعجلة وَهُوَ جَوَاب رب. والغطش: الظلمَة. والبغش: الْمَطَر الْخَفِيف. وَجُمْلَة وصحبتي ... إِلَخ حَال من التَّاء.
والسعار بِالضَّمِّ: حرٌ يجده الْإِنْسَان فِي جَوْفه من شدَّة الْجُوع وَالْبرد. وإرزيز بِالْكَسْرِ: صَوت أحشائه من الشدَّة. والوجر بِالْجِيم وَالرَّاء الْمُهْملَة: الْخَوْف. والأفكل: الرعدة.
وأيمت نسواناً أَي: جعلتهن أيامى بقتل أَزوَاجهنَّ. وأيتمت إلدةً أَي: جعلت الْأَوْلَاد أيتاماً بقتل أبائهم.
следующие страницы →