Полный текст (5 658 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وَقَوله: فَلَو أَن قومِي يَقُول: لَو صَبَرُوا وطعنوا برماحهم أعداءهم لأمكنني مدحهم وَلَكِن فرارهم صيرني كالمشقوق اللِّسَان لِأَنِّي إِن مدحتهم بِمَا لم يَفْعَلُوا كذبت ورد عَليّ. يُقَال: أجررت لِسَان الفصيل: إِذا شققت لِسَانه لِئَلَّا يرضع أمه. قَالَ أَبُو الْقَاسِم الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى أخبرنَا ابْن شقير قَالَ: حضرت الْمبرد وَقد سَأَلَهُ رجلٌ عَن معنى قَول الشَّاعِر: فَلَو أَن قومِي أنطقتني رماحهم ... ... ... ... ... ... ... الْبَيْت
فَقَالَ: هَذَا كَقَوْل الآخر:
(وقافيةٍ قيلت فَلم أستطع لَهَا ... دفاعاً إِذا لم تضربوا بالمناصل)
(فأدفع عَن حق بِحَق وَلم يكن ... ليدفع عَنْكُم قالة الْحق باطلي)
قَالَ أَبُو الْقَاسِم: معنى هَذَا: أَن الفصيل إِذا لهج بِالرّضَاعِ جعلُوا فِي أَنفه خلالة محددة فَإِذا جَاءَ يرضع أمه نخستها تِلْكَ الخلالة فمنعته من الرَّضَاع فَإِن كف. . وَإِلَّا أجروه. والإجرار: أَن يشق لِسَان الفصيل أَو يقطع طرفه فَيمْتَنع حِينَئِذٍ من الرَّضَاع ضَرُورَة. فَقَالَ قَائِل الْبَيْت الأول: إِن قومِي لم يقاتلوا فَأَنا مجرٌ عَن مدحهم لِأَنِّي مَمْنُوع كَأَن رماحهم حِين قصروا عَن الْقِتَال بهَا أجرتني عَن مدحهم كَمَا يجر الفصيل. عَن الرَّضَاع. ففسره أَبُو الْعَبَّاس بالبيتين اللَّذين مضيا.
وللإجرار مَوضِع آخر وَهُوَ أَن يطعن الْفَارِس الْفَارِس فَيمكن الرمْح فِيهِ ثمَّ يتْركهُ مُنْهَزِمًا يجر الرمْح فَذَلِك قَاتل لَا محَالة. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
стр. 912
وَقَول الآخر: ونقي بِأَفْضَل مالنا أحسابنا ونجر فِي الهيجا الرماح وندعي ا. هـ قَوْله: وندعي أَي: ننتسب فِي الْحَرْب كَمَا ينتسب الشجاع فِي الْحَرْب فَيَقُول: أَنا فلَان ابْن فلَان.)
ومعدي اشتقاقه مثل اشتقاق معدان وَيزِيد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يجوز أَن يكون من الْعدوان فقلبت الْوَاو يَاء لما بني على مفعل أَو يكون بني على مفعول فقلبت الْوَاو يَاء ثمَّ خففت الْيَاء لطول الِاسْم لِأَنَّهُ جعل مَعَ كرب كالاسم الْوَاحِد. وكرب يجوز أَن يكون من الكرب الَّذِي هُوَ أَشد الْغم أَو من كرب فِي معنى قَارب أَو من أكربت الدَّلْو: إِذا شددتها بالكرب وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشد على الْعِرَاقِيّ قَالَ ابْن جني: فسره ثَعْلَب: أَنه عداهُ الكرب أَي: تجاوزه وَانْصَرف عَنهُ.
стр. 913
وعصم بِضَم الْعين وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ. وزبيد مصغر زبدة أَو زبد والزبد: الْعَطاء يُقَال: زبده زبداً: إِذا أعطَاهُ. وَقَالَ شَارِح ديوانه: وَسمي زبيداً لِأَنَّهُ قَالَ: من يزبدني نَصره وَكَذَا رَأَيْت فِي جمهرة الْأَنْسَاب. إِنَّمَا سمي زبيداً لِأَنَّهُ قَالَ: من يزبدني نَصره لما كثر عمومته وَبَنُو عَمه فَأَجَابُوهُ كلهم. فسموا كلهم زبيداً مَا بَين زبيد الْأَصْغَر إِلَى مُنَبّه بن صَعب وَهُوَ زبيد الْأَكْبَر. وَأَخُوهُ زبيد الْأَصْغَر كلهم يدعى زبيداً ا. هـ.
وكنية عَمْرو أَبُو ثَوْر. وَهُوَ الْفَارِس الْمَشْهُور صَاحب الغارات والوقائع فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام.
قَالَ فِي الِاسْتِيعَاب: وَفد على النَّبِي ﷺ َ فِي سنة تسع. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: فِي سنة عشر فِي وَفد زبيد فَأسلم ا. هـ.
وَأقَام مُدَّة فِي الْمَدِينَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى قومه وَأقَام فيهم سَامِعًا مُطيعًا وَعَلَيْهِم فَرْوَة بن مسيك فَلَمَّا توفّي النَّبِي ﷺ َ ارْتَدَّ.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات: ارْتَدَّ مَعَ الْأسود الْعَنسِي فَسَار إِلَيْهِ خَالِد بن سعيد فَقتله فَضَربهُ خَالِد على عَاتِقه فَانْهَزَمَ وَأخذ خالدٌ سَيْفه. فَلَمَّا
رأى عَمْرو الأمداد من أبي بكر ﵁ أسلم وَدخل على المُهَاجر بن أبي أُميَّة بِغَيْر أَمَان فأوثقه وَبعث بِهِ إِلَى أبي بكر فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: أما تَسْتَحي كل يَوْم مهزوماً أَو مأسوراً لَو عززت هَذَا الدَّين لرفعك الله قَالَ: لَا جرم لأقبلن وَلَا أَعُود. فَأَطْلقهُ وَعَاد إِلَى قومه. ثمَّ عَاد إِلَى الْمَدِينَة فَبَعثه أَبُو بكر ﵁ إِلَى الشَّام فَشهد اليرموك ا. هـ.)
وَله فِي يَوْم اليرموك بلاءٌ حسن وَقد ذهبت فِيهِ إِحْدَى عَيْنَيْهِ. ثمَّ بَعثه
стр. 914
عمر ﵁ إِلَى الْعرَاق وَله فِي الْقَادِسِيَّة أَيْضا بلَاء حسن وَهُوَ الَّذِي ضرب خطم الْفِيل بِالسَّيْفِ فانهزمت الْأَعَاجِم وَكَانَ سَبَب الْفَتْح. وَمَات فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين من الْهِجْرَة.
وَفِي كَيْفيَّة مَوته خلاف. قيل: مَاتَ عطشاً يَوْم الْقَادِسِيَّة وَقيل: قتل فِيهِ وَقيل: بل مَاتَ فِي وقْعَة نهاوند بعد الْفَتْح وَقيل: غير ذَلِك. وعمره يَوْمئِذٍ مائَة وَعِشْرُونَ وَقيل: مائَة وَخَمْسُونَ.
وَلم يذكرهُ السجسْتانِي فِي المعمرين.
رُوِيَ أَن رجلا رَآهُ وَهُوَ على فرسه فَقَالَ: لأنظر مَا بَقِي من قُوَّة أبي ثَوْر. فَأدْخل يَده بَين سَاقه وجنب الْفرس فَفطن لَهَا عَمْرو فضم رجله وحرك الْفرس فَجعل الرجل يعدو مَعَ الْفرس وَلَا يقدر أَن ينْزع يَده حَتَّى إِذا بلغ مِنْهُ صَاح بِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أخي: مَالك قَالَ: يَدي تَحت ساقك فخلى عَنهُ. وَقَالَ لَهُ: إِن فِي عمك بَقِيَّة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: لما تقدم فِي الْبَيْت قبله أَعنِي أَن نصب وُجُوه على الشتم.
قَالَ النّحاس: وَيجوز رَفعه على إِضْمَار مُبْتَدأ أَو على أَن تَجْعَلهُ بَدَلا من أقارع عَوْف: تبدل النكرَة من الْمعرفَة مثل: لنسفعاً بالناصية. ناصيةٍ كاذبةٍ. وَنقل ابْن السَّيِّد البطليوسي عَن يُونُس بن حبيب فِي أَبْيَات الْمعَانِي أَنه
стр. 915
قَالَ: لَو شِئْت رفعت مَا نصبته على الِابْتِدَاء وتضمر فِي نَفسك شَيْئا لَو أظهرته لم يكن مَا بعده إِلَّا رفعا كَأَنَّك قلت: لَهُم وُجُوه قرودٍ ا. هـ.
وَهَذَا الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدةٍ يعْتَذر بهَا إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر مِمَّا وشت بِهِ بَنو قريع. وَقَبله:
(لعمري وَمَا عمري عَليّ بهينٍ ... لقد نطقت بطلاً عَليّ الأقارع)
وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن جملَة وَمَا عمري عَليّ بهين مُعْتَرضَة بَين الْقسم وَجَوَابه. . الْعُمر بِفَتْح الْعين هُوَ الْعُمر بضَمهَا لَكِن خص اسْتِعْمَال المفتوح بالقسم أَي: مَا قسمي بعمري هينٌ عَليّ حَتَّى يتهم متهمٌ بِأَنِّي أَحْلف بِهِ كَاذِبًا. والبطل بِالضَّمِّ هُوَ الْبَاطِل وَنصب على الْمصدر أَي: نطقت نطقاً بَاطِلا.)
وَقَوله: أقارع عَوْف بدلٌ من الأقارع. ولَا أحاول لَا أُرِيد. والمجادعة بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة هُوَ أَن يَقُول كلٌ من شَخْصَيْنِ: جدعاً لَك أَي: قطع الله أَنْفك. وَهِي كلمة سبّ من الجدع وَهُوَ قطع الْأذن وَالْأنف. يَقُول: هم سُفَهَاء يطْلبُونَ من يشاتمهم. والأقارع: هم بَنو قريع بن عَوْف بن كَعْب بن زيد مَنَاة بن تَمِيم الَّذين كَانُوا سعوا بِهِ إِلَى النُّعْمَان حَتَّى تغير لَهُ. وَسَمَّاهُمْ أقارع لِأَن قريعاً أباهم سمي بِهَذَا الِاسْم. وَهُوَ تَصْغِير أَقرع وَلِهَذَا جمعه على الأَصْل.
وَالْعرب إِذا نسبت الْأَبْنَاء إِلَى الْآبَاء فَرُبمَا سمتهم باسم الْأَب كَمَا قَالُوا: المهالبة والمسامعة فِي بني الْمُهلب وَبني مسمع. وَزعم
стр. 916
الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة
أَن الأقارع جمع أَقرع. ثمَّ نقل من الصِّحَاح أَن الأقرعين: الْأَقْرَع بن حَابِس وَأَخُوهُ مرْثَد. وَهَذَا كَمَا ترى لَا مُنَاسبَة لَهُ هُنَا.
وَالسَّبَب فِي غضب النُّعْمَان على النَّابِغَة هُوَ مَا حَكَاهُ شَارِح ديوانه وَغَيره عَن أبي عَمْرو وَابْن الْأَعرَابِي أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَ النَّابِغَة مِمَّن يُجَالس النُّعْمَان ويسمر عِنْده ورجلٌ آخر من بني يشْكر يُقَال لَهُ: المنخل وَكَانَ جميلاً يتهم بالمتجردة امْرَأَة النُّعْمَان. وَكَانَ النُّعْمَان قَصِيرا دميماً قَبِيح الْوَجْه أبرش. وَكَانَت المتجردة ولدت للنعمان غلامين. وَكَانَ النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّهُمَا ابْنا المنخل. وَكَانَ النَّابِغَة رجلا حَلِيمًا عفيفاً وَله منزلَة يحْسد عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان يَوْمًا وَعِنْده المتجردة والمنخل صفها يَا نَابِغَة فِي شعرك. فَقَالَ قصيدته الدالية الَّتِي أَولهَا: أَمن آل مية رائحٌ أَو مغتدي وَسَتَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي هَذَا الْكتاب فوصف النَّابِغَة فِيهَا بَطنهَا وروادفها وفرجها وَلَذَّة مجامعتها. فَلَمَّا سمع المنخل هَذِه القصيدة لحقته غيرَة. فَقَالَ للنعمان: مَا يَسْتَطِيع أَن يَقُول هَذَا الشّعْر إِلَّا من قد جرب فوقر ذَلِك فِي نفس النُّعْمَان.
ثمَّ أَتَى النُّعْمَان بعد ذَلِك رهطٌ من بني سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وهم بَنو قريع فبلغوه أَن النَّابِغَة يصف المتجردة وَيذكر فِيهَا وان ذَلِك قد شاع بَين النَّاس. فَتغير النُّعْمَان عَلَيْهِ. وَكَانَ للنعمان بوابٌ يُقَال لَهُ عِصَام بن شهبر الْجرْمِي. فَأتى النَّابِغَة فَقَالَ لَهُ عِصَام: إِن النُّعْمَان واقعٌ بك فَانْطَلق. فهرب النَّابِغَة إِلَى غَسَّان مُلُوك الشَّام وَهُوَ آل جَفْنَة وَمكث
стр. 917
عِنْدهم ومدحهم بقصائد كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَكَانَ سَبَب وُقُوع بني قريع فِي النَّابِغَة عِنْد النُّعْمَان: هُوَ مَا حَكَاهُ أَبُو عبيد والأصمعي قَالَا: كَانَ لمرة بن ربيعَة بن قريع بن عَوْف بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم سيف جيد. فحسده)
النَّابِغَة فَدلَّ على السَّيْف النُّعْمَان بن الْمُنْذر فَأَخذه من مرّة فحقد مرّة على النَّابِغَة وأرصد لَهُ بشر حَتَّى تمكن مِنْهُ فَوَقع فِيهِ عِنْد
النُّعْمَان فَبعد أَن هرب النَّابِغَة وَمكث عِنْد آل جَفْنَة أرسل إِلَى النُّعْمَان قصائد يعْتَذر إِلَيْهِ بهَا وَيحلف لَهُ: أَنه مَا فرط مِنْهُ ذَنْب.
وَاشْتَدَّ ذَلِك على النُّعْمَان وَعرف أَن الَّذِي بلغه كذب. فَبعث النُّعْمَان إِلَى النَّابِغَة: إِنَّك لم تعتذر من سخطةٍ إِن كَانَت بلغتك وَلَكنَّا تغيرنا لكمن شَيْء مِمَّا كُنَّا لَك عَلَيْهِ وَلَقَد كَانَ فِي قَوْمك ممنع وتحصين فتركته ثمَّ انْطَلَقت إِلَى قومٍ قتلوا جدي وبيني وَبينهمْ مَا قد علمت. وَكَانَ النُّعْمَان وَأَبوهُ وجده قد أكْرمُوا النَّابِغَة وشرفوه وَأَعْطوهُ مَالا عَظِيما حَتَّى كَانَ لَا يَأْكُل وَلَا يشرب إِلَّا فِي أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة. فَرضِي عَنهُ النُّعْمَان ووهب لَهُ مائَة بعير من عصافيره وَهِي إبل كَانَت للنعمان تسمى بهَا.
والنابغة قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
والنعمان هَذَا آخر مُلُوك الْحيرَة. ثمَّ ولي بعده إِيَاس بن قبيصَة الطَّائِي ثَمَانِيَة
стр. 918
أشهر واضطرب ملك فَارس وضعفوا وَكَانَت مُلُوك الْحيرَة من تَحت أَيْديهم وأتى الله بِالْإِسْلَامِ فغزا أَهله النَّبِي ﷺ َ.
وَأول من ملك الْحيرَة مَالك بن فهم بن عَمْرو بن دوس بن الأزد. ملك الْعَرَب بالعراق عشْرين سنة. والحيرة هِيَ أَرض فِي الْعرَاق بَلْدَة قريبَة من الْكُوفَة. قَالَ الْهَمدَانِي فِي جَزِيرَة الْعَرَب: سَار تبع أَبُو كرب فِي غزوته الثَّانِيَة. فَلَمَّا أَتَى مَوضِع الْحيرَة خلف هُنَاكَ مَالك بن فهم بن غنم بن دوس على أثقاله. وتخلف مَعَه من ثقل من أَصْحَابه فِي نَحْو اثْنَي عشر ألفا.
وَقَالَ: تحيروا هَذَا الْموضع فَسُمي الْموضع الْحيرَة وَهُوَ من قَوْلهم: تحير المَاء.
إِذا اجْتمع وَزَاد وتحير الْمَكَان بِالْمَاءِ: إِذا امْتَلَأَ فمالكٌ أول مُلُوك الْحيرَة وأبوهم. وَكَانُوا يملكُونَ مابين الْحيرَة والأنبار وَكَانَ مَكَان الْحيرَة من أطيب الْبِلَاد وأرقه هَوَاء وأخفه مَاء وأعذاه تربة وأصفاه جواً قد تَعَالَى عَن عمق الأرياف واتضع عَن حزونة
стр. 919
الْغَائِط واتصل بالمزارع والجنان والمتاجر الْعِظَام لِأَنَّهَا كَانَت من ظهر الْبَريَّة على مرفأ سفن الْبَحْر من الْهِنْد والصين وَغَيرهمَا ا. هـ.
قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: وَملك بعد مَالك بن فهم ابْنه جذيمة بن مَالك وَهُوَ الأبرش والوضاح وَكَانَ ملكه سِتِّينَ سنة. ثمَّ عَمْرو بن عدي بن نر ابْن ربيعَة اللَّخْمِيّ وَعَمْرو هَذَا هُوَ ابْن أُخْت جذيمة الأبرش وَفِيه قيل: شب عمروٌ عَن الطوق ثمَّ امْرُؤ الْقَيْس بن عَمْرو بن عدي)
وَيُقَال: بل الْحَارِث بن عَمْرو وَأَنه هُوَ الَّذِي كَانَ يدعى محرقاً. ثمَّ النُّعْمَان ابْن امْرِئ الْقَيْس وَهُوَ النُّعْمَان الْأَكْبَر الَّذِي بنى الخورنق. ثمَّ الْمُنْذر بن امْرِئ الْقَيْس وَهُوَ الْمُنْذر الْأَكْبَر ابْن مَاء السَّمَاء أَخُو النُّعْمَان الْأَكْبَر. ثمَّ الْمُنْذر بن الْمُنْذر وَهُوَ الْأَصْغَر. ثمَّ أَخُوهُ عَمْرو بن الْمُنْذر وَهُوَ عَمْرو بن هِنْد وَسمي محرقاً أَيْضا. لِأَنَّهُ حرق بني تَمِيم وَقيل بل حرق نخل الْيَمَامَة. ثمَّ النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن الْمُنْذر صَاحب النَّابِغَة وَهُوَ آخر مُلُوك لخم كَمَا ذكرنَا.
وَاعْلَم أَن هَذِه القصيدة غَالب أبياتها شَوَاهِد فِي كتب الْعَرَبيَّة وَهِي خَمْسَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا. فَلَا بَأْس بإيرادها مختصرةً تتميماً للفائدة. وَهِي على هَذَا التَّرْتِيب:
(عَفا ذُو حسىً من فرتنى فالفوارع ... فجنبا أريكٍ فالتلاع الدوافع)
عَفا: درس وامحى. وذُو حسى: بلد فِي بِلَاد بني مرّة وَهُوَ بِضَم الْحَاء
стр. 920
وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْقصر. وفرتنى: أَي: من منَازِل فرتنى وَهُوَ بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَبعدهَا تَاء مَفْتُوحَة يَليهَا نون قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ مَقْصُور وَهُوَ اسْم امْرَأَة. وَالْعرب تسمي الْأمة فرتنى. والفوارع: جمع فارعة قَالَ فِي الصِّحَاح: وفارعة الْجَبَل: أَعْلَاهُ. وتلاع فوارع: مشرفات المسايل. وأريك بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ مَوضِع فِي ديار غَنِي بن يعصر.
وَأنْشد هَذَا الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أريك فِي بِلَاد ذبيان قَالَ: وهما أريكان: أريكٌ الْأسود وأريكٌ الْأَبْيَض. والأريك: الْجَبَل الصَّغِير. وَقَالَ الْأَخْفَش: إِنَّمَا سمي أريكاً لِأَنَّهُ جبل كثير الْأَرَاك. والتلاع بِالْكَسْرِ: مجاري المَاء إِلَى الأودية وَهِي مسايل عِظَام. والدوافع: تدفع المَاء إِلَى الميث والميث يدْفع المَاء إِلَى الْوَادي الْأَعْظَم. كَذَا فِي الشَّرْح.
(فمجتمع الأشراج عفى رسومها ... مصايف مرت بَعدنَا ومرابع)
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مُجْتَمع الأشراج: مسايل فِي الأَرْض تصب إِلَى الأودية وَالْوَاحد شرج بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَآخره جِيم. والرسوم: الْآثَار. وعفى: درس ومحا. والمصايف: جمع مصيف. ومرابع: جمع مربع.
стр. 921
أَرَادَ آيَات الدَّار. وَاللَّام بِمَعْنى بعد أَي: بعد سِتَّة أَعْوَام. وتوهمت: تفرست.
وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أنْشدهُ على أَن الْعَام صفة ذَا وسابع خبر اسْم الْإِشَارَة. وَأوردهُ ابْن هِشَام أَيْضا فِي شرح الألفية على أَن سابعاً اسْتعْمل مُفردا ليُفِيد)
الاتصاف بِمَعْنَاهُ مُجَردا وَهَذَا بِخِلَاف مَا يَسْتَعْمِلهُ الشَّخْص مَعَ أَصله ليُفِيد أَن الْمَوْصُوف بِهِ بعض الْعدَد الْمعِين نَحْو: سَابِع سَبْعَة وثامن ثَمَانِيَة وَنَحْوهمَا:
(رمادً ككحل الْعين مَا إِن تبينه ... ونؤيٌ كجذم الْحَوْض أثلم خاشع)
أَي: من الْآيَات رماد ونؤيٌ. اسْتَأْنف وَفسّر بعض الْآيَات. زَعَمُوا: أَن الرماد يبْقى ألف سنة.
وروى: لأياً أبينه اللأي بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْهمزَة: البطء وَنصب على نزع الْخَافِض: أَي: أستبينه بعد بطء. والنؤي بِضَم النُّون وَسُكُون الْهمزَة حفيرة تحفر حول الخباء وَيجْعَل ترابها حاجزاً لِئَلَّا يدْخلهُ الْمَطَر. والجذم بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: الأَصْل وَالْبَاقِي.
وخاشع: لاطيء بِالْأَرْضِ قد اطْمَأَن وَذهب شخوصه.
(كَأَن مجر الرامسات ذيولها ... عَلَيْهِ قضيمٌ نمقته الصوانع)
هَذَا الْبَيْت أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي شرح الشافية فِي بَاب الْمَنْسُوب على أَن فِيهِ حذف مُضَاف: أَي: كَأَن أثر مجر الرامسات. ومجر مصدر ميمي
стр. 922
لَا اسْم مَكَان فَإِن أَسمَاء الْمَكَان وَالزَّمَان والآلة لَا ترفع فضلا عَن أَن تنصب. وذيولها:
قد انتصب بمجر فمجر مصدر مُضَاف لفَاعِله وذيولها مَفْعُوله وَإِنَّمَا كَانَ بِتَقْدِير مُضَاف وَهُوَ أثر مجر أَو مَكَان مجر لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مصدرا فَلَا يَصح الْإِخْبَار بقوله قضيم وَإِن كَانَ اسْم مَكَان فَلَا يَصح نَصبه الْمَفْعُول. والرامسات: الرِّيَاح الشَّدِيدَة الهبوب من الرمس وَهُوَ الدّفن. وذيولها: مآخيرها: وَذَلِكَ أَن أوائلها تَجِيء بِشدَّة ثمَّ تسكن. وَرُوِيَ بجر ذيولها على أَنه بدل من الرامسات وَعَلِيهِ فالمجر اسْم مَكَان وَلَا حذف. والقضيم: حَصِير منسوج خيوطه سيور. كَذَا فِي الْقَامُوس وَكَذَا قَالَ شَارِح ديوانه: شبه آثَار هَذِه الرامسات فِي هَذَا الرَّسْم بحصير من جريد أَو أَدَم ترمله الصوانع أَي: تعمله وتخرزه.
وَمثله لذِي الرمة: ريحٌ لَهَا هباب الصَّيف تمنيم أَي: نمنمة كالوشي. وَقَالَ العجاج: سجاحة الأولى دروج الأذيال وَلَا يُنَاسِبه قَول الجاربردي فِي شرح الشافية: إِن القضيم جلدٌ أَبيض يكْتب فِيهِ فَإِن الصوانع جمع صانعة والمعهود فِي نسَاء الْعَرَب النسج وَمَا أشبهه لَا الْكِتَابَة. وَالْمعْنَى يَقْتَضِيهِ أَيْضا فَإِن)
الرمل الَّذِي تمر عَلَيْهِ الرّيح يشبه نسج الْحَصِير. والصنع: إجادة الْفِعْل وَلَيْسَ كل صنع فعلا وَلَا يجوز نسبته إِلَى الْحَيَوَانَات غير الْآدَمِيّين وَلَا إِلَى الجمادات وَإِن كَانَ
стр. 923
الْفِعْل ينْسب إِلَيْهِمَا. وَلَا يُقَال صنعٌ بِفتْحَتَيْنِ إِلَّا للرجل الحاذق الْمجِيد وَلَا صناع بِالْفَتْح إِلَّا لامْرَأَة تتقن مَا تعمله ضد الخرقاء.
وَفِي الْقَامُوس: رجل صنع الْيَدَيْنِ بِالْكَسْرِ والتحريك وصنيع الْيَدَيْنِ وصناعهما: حاذقٌ فِي الصَّنْعَة. وَامْرَأَة صناع الْيَدَيْنِ كسحاب: حاذقة ماهرة بِعَمَل
الْيَدَيْنِ وجمعهما صنع ككتب.
وَقَوله: نمقته: أَي: حسنته. قَالَ الشَّارِح: كل مَا ألزق بعضه إِلَى بعض وأقيم سطوره من نخل أَو كتاب فَهُوَ منمق:
(على ظهر مبناةٍ جديدٍ سيورها ... يطوف بهَا وسط اللطيمة بَائِع)
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المبناة بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: نطع يَقُول: هَذَا الْحَصِير على هَذَا النطع يطوف بِهِ بَائِع فِي الْمَوْسِم. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ من يَبِيع مَتَاعا يفرش نطعاً وَيَضَع عَلَيْهِ مَتَاعه والنطع يُسمى مبناة. فَيَقُول: نشر هَذَا التَّاجِر حَصِيرا على نطع. وَإِنَّمَا سميت مبناة لِأَنَّهَا كَانَت تتَّخذ قباباً والقبة وَالْبناء سَوَاء والأنطاع تبنى عَلَيْهَا القباب. والنطع بِكَسْر فَسُكُون وبفتحتين وكعنب: بِسَاط من الْأَدِيم. واللطيمة قَالَ أَبُو عَمْرو: سوقٌ فِيهَا بز وَطيب. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اللطيمة: العير الَّتِي تحمل دق الْمَتَاع وأفضله وَتحمل إِلَى الْأَسْوَاق والمواسم وَلَا تسمى لطيمة إِلَّا وفيهَا طيب. وَقَوله: جَدِيد سيورها أَرَادَ الْأَدِيم وَأنْشد: وقدت من أديمهم سيوري
(فأسبل مني عبرةٌ فرددتها ... على النَّحْر: مِنْهَا مستهلٌ ودامع)
مستهلٌ: سَائل منصب لَهُ وَقع وَمِنْه استهلت السَّمَاء بالمطر: إِذا رام مطرها. ودامع: قاطر
стр. 924
(على حِين عاتبت المشيب على الصِّبَا ... فَقلت: ألما تصح والشيب وازع)
يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الظروف.
(وَقد حَال همٌ دون ذَلِك داخلٌ ... دُخُول الشغاف تبتغيه الْأَصَابِع)
أَي: دون هَذَا الَّذِي أشبب بِهِ وأبكي عَلَيْهِ دون الصِّبَا. وَرُوِيَ: وَقد جال همٌ وَرُوِيَ أيضاُ:
(وَلَكِن هما دون ذَلِك داخلٌ ... مَكَان الشغاف ... ... ... . .))
أَي: غلاف الْقلب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الشغاف: دَاء يدْخل تَحت الشراسيف فِي الْبَطن فِي الشق الْأَيْمن إِذا التقى هُوَ وَالطحَال مَاتَ صَاحبه. يَقُول: هَذَا الْهم الَّذِي هُوَ لي هُوَ مضوع الشغاف الَّذِي يكون فِيهِ الْقلب.
ثمَّ رَجَعَ إِلَى الشغاف فَقَالَ: تبتغيه الْأَصَابِع: أَي: تلتمسه أَصَابِع المتطببين ينظرُونَ أنزل من ذَلِك الْموضع أم لَا وَإِنَّمَا ينزل عِنْد الْبُرْء.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: هَذَا قَول الْأَصْمَعِي وَأبي عُبَيْدَة. وَقيل مَعْنَاهُ: تلتمسه هَل انحدر نَحْو الطحال فيتوقع على صَاحبه الْمَوْت أم لم ينحدر فترجى لَهُ السَّلامَة.
وَقَالَ أَبُو عَليّ الْبَغْدَادِيّ يَعْنِي أَصَابِع الْأَطِبَّاء يلمسونني هَل وصل إِلَى الْقلب أم لَا لِأَنَّهُ إِذا اتَّصل بِالْقَلْبِ تلف صَاحبه. وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّابِغَة: أَنه من موجدة النُّعْمَان عَلَيْهِ بَين رَجَاء ويأس كَهَذا العليل الَّذِي يخْشَى عَلَيْهِ الْهَلَاك وَلَا يأس مَعَ ذَلِك من برئه. وَهَذَانِ التأويلان أشبه بغرض النَّابِغَة من التَّأْوِيل الأول:
(وَعِيد أبي قَابُوس فِي غير كنهه ... أَتَانِي ودوني راكسٌ فالضواجع)
стр. 925
. أَبُو قَابُوس: كنية النُّعْمَان بن الْمُنْذر. قَالَ الْأَصْمَعِي: أَي: جَاءَنِي وعيده فِي غير قدر الْوَعيد.
أَي: لم أكن بلغت مَا يغْضب عَليّ غفيه. وراكس: وَاد. والضواجع: جمع ضاجعة وَهُوَ منحنى الْوَادي.
(فَبت كَأَنِّي ساورتني ضئيلةٌ ... من الرقش فِي أنيابها السم ناقع)
المساورة: المواثبة والأفعى لَا تلدغ إِلَّا وثباً. وضئيلة: هِيَ الْحَيَّة الدقيقة القليلة اللَّحْم.
وَالْعرب تَقول: سلط الله عَلَيْهِ أَفْعَى حارية. تحري. أَي: ترجع من غلظ إِلَى دقة ويقل دَمهَا ويشتد سمها. قَالَ:
(داهيةٌ قد صغرت من الْكبر ... جَاءَ بهَا الطوفان أَيَّام زخر)
وَقَوله: ناقع. أَي: ثَابت يُقَال: نقع ينقع نقوعاً: إِذا ثَبت. والرقش من الْحَيَّات: المنقطة بسواد.
وَهِي من شِرَارهَا فَلِذَا خصها بِالذكر. وَقَالَ شَارِح ديوَان الحطيئة فِي شرح هَذَا الْبَيْت من شعره:
(كَأَنِّي ساورتني ذَات سم ... نقيعٍ مَا يلائمها رقاها)
النقيع: المنقوع الْمَجْمُوع وَذَلِكَ: أَن الْحَيَّة تجمع سمها من أول الشَّهْر إِلَى النّصْف مِنْهُ فَإِن)
أَصَابَت شَيْئا لفظته فِيهِ وَإِن جَاءَ النّصْف وَلم تصب شَيْئا تنهشه لفظته من فِيهَا بِالْأَرْضِ ثمَّ استأنفت تجمع إِلَى رَأس الشَّهْر ثمَّ تفعل كفعلها الأول فَهَذَا دأبها الدَّهْر كُله ا. هـ.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أوردهُ على أَن ناقعاً رفع على أَنه خبر عَن السم وَيجوز فِي غير الشّعْر ناقعاً على الحالية. وَقَوله: فِي أنيابها هُوَ الْخَبَر. وَأوردهُ الْمرَادِي فِي شرح الألفية وَكَذَلِكَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن بَعضهم قَالَ ناقع صفة للسم وَهُوَ
стр. 926
ابْن الطراوة فَإِنَّهُ قَالَ: يجوز وصف الْمعرفَة بالنكرة إِذا كَانَ الْوَصْف خَاصّا لَا يُوصف بِهِ إِلَّا ذَلِك الْمَوْصُوف. وَهَذَا لَا يُجِيزهُ أحد من الْبَصرِيين إِلَّا الْأَخْفَش. وَلَا حجَّة فِي هَذَا الْبَيْت قَالَ ابْن هِشَام: إِنَّه خبر للسم. والظرف مُتَعَلق بِهِ أَو خبر ثَان.
(يسهد فِي ليل التَّمام سليمها ... لحلي النِّسَاء فِي يَدَيْهِ قعاقع)
ليل التَّمام بِكَسْر التَّاء: أطول لَيْلَة فِي السّنة. والسليم: اللديغ. قَالَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الصُّغْرَى: سمت الْعَرَب الملسوع سليما تفاؤلاً كَمَا سموا الْمهْلكَة مفازة من قَوْلهم فوز الرجل: إِذا مَاتَ كَأَنَّهُمَا لفظتان لِمَعْنى. وَكَانَ ينشد قَول الشَّاعِر:
(كَأَنِّي من تذكر آل ليلى ... إِذا مَا أظلم اللَّيْل البهيم)
(سليمٌ بَان عَنهُ أقربوه ... وأسلمه المداوي وَالْحَمِيم)
وَلَو كَانَ على مَا ذهب إِلَيْهِ فِي السَّلِيم لقيل لكل من بِهِ عِلّة صعبة: سليم مثل المبرسم وَالْمَجْنُون والمفلوج بل كَانَ يلْزم أَن يُقَال للْمَيت: سليم ا. هـ.
وَفِيه أَن الْمَنْقُول عَنهُ أَنه هُوَ وَابْن الْأَعرَابِي قَالَا: إِن بني أَسد تَقول: إِنَّمَا سمي السَّلِيم سليما لِأَنَّهُ أسلم لما بِهِ. على أَن الْعلَّة لَا يجب إطرادها: فَتَأمل.
وَقَوله: لحلي النِّسَاء الخ كَانَ الملدوغ يَجْعَل الْحلِيّ فِي يَدَيْهِ والجلاجل
حَتَّى لَا ينَام فيدب السم فِيهِ.
стр. 927
وَرُوِيَ أَيْضا: نناذرها الحاوون وَهُوَ جمع حاوٍ وَهُوَ الَّذِي يمسك الْحَيَّات. أَي: أنذر بَعضهم بَعْضًا بِأَنَّهَا لَا تجيب راقياً. وَرُوِيَ: من سوء سَمعهَا يَعْنِي أَنَّهَا حَيَّة صماء وَقَوله: تطلقه: تخف عَنهُ مرّة وتشتد عَلَيْهِ مرّة.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل عِنْدَمَا أنْشد هَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة من قَوْله: وَعِيد أبي قَابُوس إِلَى هَذَا الْبَيْت وَمن التَّشْبِيه الصَّحِيح هَذِه الأبيات وَهَذِه صفة الْخَائِف المهموم وَمثل ذَلِك قَول الآخر:)
(تبيت الهموم الطارقات يعدنني ... كَمَا تعتري الأوصاب رَأس الْمُطلق)
والْمُطلق: هُوَ الَّذِي ذكره النَّابِغَة فِي قَوْله: تطلقه طوراً. . الخ. وَذَلِكَ أَن المنهوش إِذا ألح الوجع بِهِ تَارَة وَأمْسك عَنهُ تَارَة فقد قَارب أَن يوأس من برئه. وَإِنَّمَا ذكر خَوفه من النُّعْمَان وَمَا يَعْتَرِيه من لوعة فِي أثر لوعة والفترة بَينهمَا. والخائف لَا ينَام إِلَّا غراراً فَلذَلِك شبه بالملدوغ المسهد. ا. هـ.
(أَتَانِي أَبيت اللَّعْن أَنَّك لمتني ... وَتلك الَّتِي تستك مِنْهَا المسامع)
(مقَالَة أَن قد قلت: سَوف أناله ... وَذَلِكَ من تِلْقَاء مثلك رائع)
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: قَوْله: أَبيت اللَّعْن: أَي: أَبيت أَن تَأتي من الْأَخْلَاق المذمومة مَا تلعن عَلَيْهِ. وَكَانَت هَذِه تَحِيَّة لخم وجذام وَكَانَت مَنَازِلهمْ الْحيرَة وَمَا يَليهَا. وتحية مُلُوك غَسَّان: يَا خير الفتيان وَكَانَت
стр. 928
مَنَازِلهمْ الشَّام. وَحكى ثَعْلَب عَن الْفراء أَن المشيخة كَانُوا يضيفونه على الْغَلَط لِأَنَّهُ إِذا أَضَافَهُ خرج دَمًا فَيَقُول: أَبيت اللَّعْن كَأَنَّهُمْ شبهوه بِالْإِضَافَة على الْغَلَط. وَقَالَ: أَرَادَ بَيت اللَّعْن أَي: يَا من هُوَ بَيت اللَّعْن. وَالْقَوْل هُوَ الأول ا. هـ. وتستك: تنسد وَلَا تسمع. ورائع مفزع ومخوف. وَقَوله: مقَالَة أَن قد قلت تَفْسِير لِأَنَّك رَوَاهُ الْأَصْمَعِي بِرَفْع مقَالَة على أَنه بدل من: أَنَّك لمتني. وَرُوِيَ بِفَتْح التَّاء أَيْضا.
قَالَ الْأَخْفَش فِي كتاب المعاياة: إِنَّه نصب ملامة على: أَنَّك لمتني فجَاء بِهِ من بعد مَا تمّ الِاسْم وَهُوَ من الصِّلَة وَهَذَا رَدِيء. ا. هـ. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: ويحكى أَن ابْن الْأَخْضَر سُئِلَ بِحَضْرَة ابْن الأبرش عَن وَجه النصب كَذَا
فِي النّسخ وَصَوَابه عَن وَجه الْفَتْح فِي قَول النَّابِغَة: مقَالَة أَن قد قلت وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ: وَلَا تصْحَب الأردى فتردى مَعَ الردي فَقيل لَهُ: الْجَواب فَقَالَ ابْن الأبرش: قد أجَاب. يُرِيد أَنه لما أضيف إِلَى الْمَبْنِيّ اكْتسب مِنْهُ الْبناء فَهُوَ مَفْتُوح لَا مَنْصُوب. وَمحله الرّفْع بَدَلا
стр. 929
من: أَنَّك لمتني وَقد رُوِيَ بِالرَّفْع. وَهَذَا الْجَواب عِنْدِي غير جيد لعدم إِبْهَام الْمُضَاف. وَلَو صَحَّ لصَحَّ الْبناء فِي نَحْو: غلامك وفرسه وَنَحْو هَذَا مِمَّا لَا قَائِل بِهِ.
ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ مَنْصُوب على إِسْقَاط الْبَاء أَو بإضمار أَعنِي أَو على المصدرية. وَفِي الْبَيْت إشكالٌ لَو سَأَلَ السَّائِل عَنهُ كَانَ أولى وَهُوَ إِضَافَة مقَال إِلَى أَن قد قلت فَإِنَّهُ فِي التَّقْدِير مقَالَة)
قَوْلك وَلَا يُضَاف الشَّيْء إِلَى نَفسه. وَجَوَابه: أَن الأَصْل مقَالَة فَحذف التَّنْوِين للضَّرُورَة لَا للإضافة وَأَن وصلتها بدلٌ من مقَالَة أَو من أَنَّك لمتني أَو خبرٌ لمَحْذُوف.
وَقد يكون الشَّاعِر إِنَّمَا قَالَ: مقَالَة أَن بِإِثْبَات التَّنْوِين وَنقل حَرَكَة الْهمزَة فأنشده النَّاس بتحقيقها فاضطروا إِلَى حذف التَّنْوِين. ا. هـ.
وَلَا يخفى أَن هَذَا كُله تعسفٌ وَإِنَّمَا هُوَ من إِضَافَة الْأَعَمّ إِلَى الْأَخَص لِأَن مقَالَة أَعم من قَوْلك. وَهِي من الْإِضَافَة البيانية كشجر الْأَرَاك. أَي: مقَالَة هِيَ هَذَا القَوْل.
(أتوعد عبدا لم يخنك أَمَانَة ... وتترك عبدا ظَالِما وَهُوَ ضالع)
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ظَالِم: جَائِر مُتَحَامِل. وضلع أَي: جَار. وَرُوِيَ: ظالع
أَي: مذنب وَأخذ من ظلع الْبَعِير وَهُوَ أَن يقي ويعرج.
(حملت عَليّ ذَنبه وَتركته ... كذي العر يكوى غَيره وَهُوَ راتع)
هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: العر بِالْفَتْح: الجرب نَفسه.
وَأنْشد:
стр. 930
والعر بِالضَّمِّ: قرح يَأْخُذ الْإِبِل فِي مشافرها وأطرافها شَبيه بالقرع وَرُبمَا تفرق فِي مشافرها مثل القوباء يسيل مِنْهُ مَاء أصفر.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شَرحه لأدب الْكَاتِب: فِي مَعْنَاهُ خَمْسَة أَقْوَال.
أَحدهمَا: أَن هَذَا أمرٌ كَانَ يَفْعَله جهال الْأَعْرَاب كَانُوا إِذا وَقع العر فِي إبل أحدهم اعْترضُوا بَعِيرًا صَحِيحا من تِلْكَ الْإِبِل فكووا مشفره وعضده وَفَخذه يرَوْنَ أَنهم إِذا فعلوا ذهب العر من إبلهم. كَمَا كَانُوا يعلقون على أنفسهم كعوب الأرانب خشيَة العطب ويفقؤون عين فَحل الْإِبِل لِئَلَّا تصيبها الْعين. وَهَذَا قَول الْأَصْمَعِي وَأبي عَمْرو وَأكْثر اللغويين.
ثَانِيهَا: قَالَ يُونُس: سَأَلت رؤبة بن العجاج عَن هَذَا فَقَالَ: هَذَا وَقَول الآخر:
كالثور يضْرب لما عافت الْبَقر شيءٌ كَانَ قَدِيما ثمَّ تَركه النَّاس. وَيدل عَلَيْهِ قَول الراجز:
(وَكَانَ شكر الْقَوْم عِنْد المنن ... كي الصحيحات وفقء الْأَعْين)
ثَالِثهَا: قيل: إِنَّمَا كَانُوا يكوون الصَّحِيح لِئَلَّا يتَعَلَّق بِهِ الدَّاء لَا ليبرأ السقيم حكى ذَلِك ابْن دُرَيْد.)
رَابِعهَا: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هَذَا أَمر لم يكن وَإِنَّمَا هُوَ مثل لَا حَقِيقَة.
стр. 931
أَي: أخذت البريء وَتركت المذنب فَكنت كمن كوى الْبَعِير الصَّحِيح وَترك السقيم لَو كَانَ هَذَا مِمَّا يكون. قَالَ: وَنَحْو من هَذَا قَوْلهم: يشرب عجلَان ويسكر ميسرَة. وَلم يَكُونَا شَخْصَيْنِ موجودين.
خَامِسهَا: قيل: أصل هَذَا: أَن الفصيل كَانَ إِذا أَصَابَهُ العر لفسادٍ فِي لبن أمه عَمدُوا إِلَى أمه فكووها فتبرأ: وَيبرأ فصيلها ببرئها لِأَن ذَلِك الدَّاء إِنَّمَا كَانَ سرى إِلَيْهِ فِي لَبنهَا. وَهَذَا أغرب الْأَقْوَال وأقربها إِلَى الْحَقِيقَة.
وَمن روى كذي العر بِفَتْح الْعين فقد غلط. لِأَن العر الجرب وَلم يَكُونُوا يكوون من الجرب وَإِنَّمَا كَانُوا يكوون من القروح الَّتِي تخرج فِي مشافر الْإِبِل وقوائمها خَاصَّة.
وَقَوله: كذي العر حَال من مفعول تركته أَو تَقْدِيره: تركا كَتَرْكِ ذِي العر وَجُمْلَة: يكوى غَيره تفسيرية وَجُمْلَة: هُوَ راتعٌ حَال من غير. وَهَذَا ضربه مثلا لنَفسِهِ. يَقُول: أَنا بَرِيء وغيري سقيم فحملتني ذَنْب السقيم وَتركته.
وَقد قَالَ الْكُمَيْت:
(وَلَا أكوي الصِّحَاح براتعاتٍ ... بِهن العر قبلي مَا كوينا)
قَالَ ابْن أبي الإصبع: فِي التحبير أنْشد ابْن شرف القيرواني ابْن رَشِيق:
(غَيْرِي جنى وَأَنا المعاقب فِيكُم ... فكأنني سبابة المتندم)
وَقَالَ لَهُ هَل سَمِعت هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ: سمعته وأخذته أَنْت وأفسدته فَقَالَ مِمَّن فَقَالَ: من النَّابِغَة الذبياني حَيْثُ يَقُول:
стр. 932
وكلفتني ذَنْب امرئٍ وَتركته كذي العر يكوى غَيره وَهُوَ راتع فَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي أَخَذته. وأما إفساده فلأنك قلت فِي صدر بَيْتك: إِنَّك عوقبت بِجِنَايَة غَيْرك وَلم يُعَاقب صَاحب الْجِنَايَة ثمَّ قلت فِي عجز بَيْتك: إِن صَاحب الْجِنَايَة قد شركك فِي الْعقُوبَة. فتناقض معناك: وَذَلِكَ أَنَّك شبهت نَفسك بسبابة المتندم وسبابة المتندم أول شَيْء يألم فِي المتندم ثمَّ يشركها المتندم فِي الْأَلَم فَإِنَّهُ مَتى تألم عُضْو من الْحَيَوَان تألم كُله لِأَن الْمدْرك من كل مدركٍ حَقِيقَته وَحَقِيقَته على الْمَذْهَب الصَّحِيح هِيَ جملَته الْمُشَاهدَة مِنْهُ والمكوي من الْإِبِل يألم وَمَا بِهِ عر وَصَاحب العر لَا يألم جملَة. فَمن هَهُنَا أخذت الْمَعْنى وأفسدته انْتهى.
وَهَذَا تدقيق فلسفي لَا مدْخل لَهُ فِي الشّعْر.)
(وَذَلِكَ أمرٌ لم أكن لأقوله ... وَلَو كبلت فِي ساعدي الْجَوَامِع)
كبلت: جمعت من الكبل وَهُوَ الْقَيْد. والْجَوَامِع: الأغلال جمع جَامِعَة.
(أَتَاك بقولٍ لهله النسج كَاذِبًا ... وَلم يَأْتِ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ ناصع)
يُقَال: ثوب لهله النسج وهلهل النسج: إِذا كَانَ رَقِيقا وَكَذَلِكَ هلهال. وَلِهَذَا سمي الشَّاعِر لعمري وَمَا عمري عَليّ بهين ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت أقارع عوفٍ لَا أحاول غَيرهَا ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
стр. 933
تقدم شرحهما.
(أَتَاك امرؤٌ مستعلن لي بغضةً ... لَهُ من عَدو مثل ذَلِك شَافِع)
(فَإِن كنت لَا ذَا الضغن عني منكلاً ... وَلَا حلفي على الْبَرَاءَة نَافِع)
(وَلَا أَنا مَأْمُون بشيءٍ أقوله ... وَأَنت بأمرٍ لَا محَالة وَاقع)
(حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَة ... وَهل يأثمن ذُو إمةٍ وَهُوَ طائع)
الضغن بِالْكَسْرِ: الحقد. والإمة بِالْكَسْرِ وَالْقَصْد والاستقامة. يَقُول: هَل يَأْثَم من كَانَ على طريقةٍ حسنةٍ وَهُوَ طائع.
(بمصطحباتٍ من لصاف وثبرةٍ ... يزرن ألالاً سيرهن تدافع)
الْبَاء مُتَعَلقَة بحلفت. وَأَرَادَ بالمصطحبات الْإِبِل الَّتِي يحجّ عَلَيْهَا من لصاف وثبرة. ولصاف بِفَتْح اللَّام وَكسر الْفَاء كحذام وَيجوز أَن يكون كسحابٍ وَهُوَ جبل
فِي بِلَاد بني يَرْبُوع. وثبرة فِي بِلَاد بني مَالك. وألال بِضَم الْهمزَة ولامين: جبل صَغِير عَن يَمِين الإِمَام بِعَرَفَة. وَقَوله: سيرهن تدافع: أَي: من الإعياء: أَي: يتحاملن تحاملاً من الْجهد والتعب.
قَالَ الشَّارِح: سمام بِالْفَتْح طير يشبه السماني سريع الطيران شبه الْإِبِل بهَا. تباري الشَّمْس يَعْنِي فِي ارتفاعها. ويروى: تباري الرّيح أَي: تعارضها لسرعتها. والخوص بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: جمع خوصاء: أَي: غائرة عيونها ذَاهِبَة فِي الرَّأْس من الْجهد. والرذايا: المعييات أرذاهن السّفر فَلم تنبعث فَتركت
стр. 934
وَأخذ عَنْهَا رَحلهَا. وَقد أرذيت الشَّيْء: طرحته يُقَال: جمل رذي وناقة رذية. وَكَذَلِكَ المعيية والطليح والطلح والرجيع. وودائع: قد اسْتوْدعت الطَّرِيق.
(عَلَيْهِنَّ شعثٌ عامدون لبرهم ... فهن كآرام الصريم خواضع))
ويروى: فهن كأطراف الحني وَهُوَ جمع حنية وَهِي الْقوس الَّتِي حنيت. يَقُول: قد ضمرت الْإِبِل ودقت من السّير. وخواضع: خواشع. والآرام: جمع ريم. والصريم: مَا انْفَرد من الرمل.
(إِلَى خير دينٍ نُسكه قد عَلمته ... وميزانه فِي سُورَة الْمجد ماتع)
إِلَى: مُتَعَلقَة بقوله: عامدون. ومِيزَانه: سنَنه وشرائعه. والسُّورَة بِالضَّمِّ. الْمنزلَة. وماتع: مُرْتَفع يُقَال: متع النَّهَار: إِذا علا.
(فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي ... وَإِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع)
قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: يحْتَمل أَن تكون إِن نَافِيَة كَأَنَّك قلت: مَا خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع لِأَنَّك كالليل المدركي أَيْنَمَا كنت. وَيجوز أَن تكون إِن للجزاء كَأَنَّهُ قَالَ: إِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع أدركتني وَلم أفتك كَمَا يدركني اللَّيْل. وَالْأول أشبه ا. هـ.
وَقد اعْترض الْأَصْمَعِي على النَّابِغَة فِي هَذَا الْبَيْت فَقَالَ: تشبيهه الْإِدْرَاك بِاللَّيْلِ يُسَاوِيه إِدْرَاك النَّهَار فَلم خصّه دونه وَإِنَّمَا كَانَ سَبيله أَن يَأْتِي بِمَا لَيْسَ لَهُ قسيم حَتَّى يَأْتِي بِمَعْنى ينْفَرد بِهِ أَقُول: إِنَّمَا قَالَ: كالليل وَلم يقل:
стр. 935
كالصبح مثلا لِأَنَّهُ وَصفه فِي حَال سخطه فشبهه بِاللَّيْلِ وهوله. فَهِيَ كلمة جَامِعَة لمعانٍ كَثِيرَة. كَذَا فِي تَهْذِيب الطَّبْع.
وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد تَلْخِيص الْمِفْتَاح أوردهُ شَاهدا لمساواة اللَّفْظ للمعنى. وَمَا أحسن قَول ابْن هَانِئ الأندلسي فِي هَذَا الْمَعْنى:
(أَيْن المفر وَلَا مفر لهاربٍ ... وَلَك البسيطان: الثرى وَالْمَاء)
(خطاطيف حجنٌ فِي حبالٍ متينةٍ ... تمد بهَا إيد إِلَيْك نوازع)
الخطاطيف: جمع خطَّاف وَهِي الحديدة الَّتِي تخرج بهَا الدلاء وَغَيرهَا من الْبِئْر. وحجن: معوجة جمع أحجن وحجناء. يَقُول: أَنا فِي قبضتك تقدر عَليّ مَتى شِئْت لَا أَسْتَطِيع الْهَرَب مِنْك وَهُوَ مثل. ونوازع: جواذب يُقَال: نزعت من الْبِئْر دلواً أَو دلوين. وبئر نزوع: إِذا كَانَ
(سيبلغ عذرا أَو نجاحاً من امرئٍ ... إِلَى ربه رب الْبَريَّة رَاكِع)
رَاكِع: فَاعل سيبلغ وَهُوَ بِمَعْنى الخاضع والذليل يَعْنِي بِهِ نَفسه.
(وَأَنت ربيعٌ ينعش النَّاس سيبه ... وسيفٌ أعيرته الْمنية قَاطع)
أَي: أَنْت بِمَنْزِلَة الرّبيع. ينعش: يرفع وَيجْبر. وسيبه: عطاؤه. أَي: أَنْت سيب وَعَطَاء)
لوليك وَسيف لأعدائك.
(وتسقي إِذا مَا شِئْت غير مصردٍ ... بزوراء فِي أكنافها الْمسك كارع)
غير مصرد: أَي: غير مَمْنُوع وَلَا مَقْطُوع. يُقَال: صرد عَليّ الشَّرَاب:
стр. 936
صَاحب الصِّحَاح هُوَ الْقدح. وكارع: أَي أَن الْمسك على شفَاه ذَلِك الْإِنَاء.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الزَّوْرَاء: دَار بِالْحيرَةِ وحَدثني من رَآهَا وَزعم أَن أَبَا جعفرٍ هدمها.
(أَبى الله: إِلَّا عدله ووفاءه ... فَلَا النكر معروفٌ وَلَا الْعرف ضائع)
وَهَذَا آخر القصيدة أَي: مَا يُرِيد الله إِلَّا عدل النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَإِلَّا وفاءه فَلَا يَدعه أَن يجور وَلَا أَن يغدر فَلَا النكر يعرفهُ النُّعْمَان وَلَا الْجَمِيل يضيع عِنْده.
تمّ الْجُزْء الثَّانِي
стр. 937
(بَاب الِاشْتِغَال)
الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة
(فكلاً أَرَاهُم أَصْبحُوا يعقلونه ... صحيحات مَال طالعات بمخرم)
على أَنه مِمَّا اشْتغل الْفِعْل فِيهِ بِنَفس الضَّمِير إِذْ التَّقْدِير: يعْقلُونَ كلا هَذَا الْبَيْت من معلقَة زُهَيْر بن أبي سلمى وَضمير الْجمع فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة عَائِد إِلَى الْحَيّ وهم قَبيلَة بني ذبيان وَقَوله: فكلاً أَي: فَكل وَاحِد من المقتولين الْمَذْكُورين قبل هَذَا الْبَيْت وروى الأعلم: يعقلونهم بإرجاع الضَّمِير إِلَى كل مجموعاً بِاعْتِبَار الْمَعْنى نَحْو قَوْله تَعَالَى: كل فِي فلك يسبحون ويعقلونه: أَي: يؤدون عقله أَي: دِيَته يُقَال عقلت الْقَتِيل من بَاب ضرب: أدّيت دِيَته قَالَ الْأَصْمَعِي: سميت الدِّيَة عقلا تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ لِأَن الْإِبِل كَانَت تعقل بِفنَاء ولي الْقَتِيل ثمَّ كثر الِاسْتِعْمَال حَتَّى أطلق الْعقل على الدِّيَة إبِلا كَانَت أَو نَقْدا وعقلت عَنهُ: غرمت عَنهُ مَا لزمَه من دِيَة وَجِنَايَة وَهَذَا هُوَ الْفرق بَين عقلته وعقلت عَنهُ: وَمن الْفرق بَينهمَا أَيْضا عقلت لَهُ دم فلَان: إِذا تركت الْقود للدية وَعَن الْأَصْمَعِي: كلمت القَاضِي أَبَا يُوسُف بِحَضْرَة الرشيد فِي ذَلِك فَلم يفرق بَين عقلته وعقلت عَنهُ حَتَّى
فهمته كَذَا فِي الْمِصْبَاح فتفسير الأعلم فِي شَرحه للديوان يعقلونه بقوله: يغرمون دِيَته
стр. 938
غير جيد وَالْمعْنَى: أرى حَيّ ذبيان أَصْبحُوا يعْقلُونَ كل وَاحِد من المقتولين من بني عبس فالرؤية وَاقعَة على ضمير الْحَيّ وَالْعقل وَاقع على ضمير كل فَلَا يَصح قَول أبي جَعْفَر النَّحْوِيّ وَقَول الْخَطِيب)
التبريزي فِي شرحيهما لهَذِهِ الْمُعَلقَة: إِن كلا مَنْصُوب بإضمار فعل يفسره مَا بعده كَأَنَّهُ قَالَ: فَأرى كلا وَيجوز الرّفْع على أَن لَا يضمر لَكِن النصب أَجود لتعطف فعلا على فعل لِأَن قبله وَلَا شاركت فِي الْحَرْب وَوجه الرّفْع حِينَئِذٍ: أَن يكون كل مُبْتَدأ وَجُمْلَة يعقلونه الْخَبَر وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض وَقَوله صحيحات مَال أَي: لَيست بعدة وَلَا مطل يُقَال: مَال صَحِيح: إِذا لم تدخله عِلّة فِي عدَّة ومطل وَالْمَال عِنْد الْعَرَب: الْإِبِل وَعند الْفُقَهَاء: مَا يتمول أَي: مَا يعد مَالا فِي الْعرف وَقَوله: طالعات بمخرم هُوَ بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الثَّنية فِي الْجَبَل وَالطَّرِيق يَعْنِي: أَن إبل الدِّيَة تعلو فِي أَطْرَاف الْجَبَل عِنْد سوقها إِلَى أَوْلِيَاء المقتولين يُشِير إِلَى وفائهم وروى أَبُو جَعْفَر والخطيب المصراع الثَّانِي: علالة ألف بعد ألف مصتم والعلالة: بِضَم الْمُهْملَة هَاهُنَا: الزِّيَادَة وَبِنَاء فعالة للشَّيْء الْيَسِير نَحْو القلامة والمصتم بِضَم الْمِيم وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة: التَّام والكامل
وروى صعوداء فِي شَرحه لديوان زُهَيْر: صحيحات ألف بعد ألف مصتم
стр. 939
وَالْبَيْت الْمَذْكُور. على رِوَايَة الأعلم ملفق من بَيْتَيْنِ. وَهَذِه رِوَايَته:
(فكلاً أَرَاهُم أَصْبحُوا يعقلونهم ... علالة ألف بعد ألف مصتم)
(تساق إِلَى قوم لقوم غَرَامَة ... صحيحات مَال طالعات بمخرم)
وَقَالَ: وَقَوله: تساق إِلَى قوم أَي: يدْفع إبل الدِّيَة قوم إِلَى قوم ليبلغوها هَؤُلَاءِ وَيَنْبَغِي أَن نورد مَا قبل هَذَا الْبَيْت حَتَّى يَتَّضِح مَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ السَّبَب الَّذِي قيلت هَذِه القصيدة لأَجله فَنَقُول: قَالَ الشُّرَّاح: إِن زهيراً مدح بِهَذِهِ القصيدة الْحَارِث بن عَوْف وهرم بن سِنَان المريين وَذكر سعيهما بِالصُّلْحِ بَين عبس وذبيان وتحملهما الْحمالَة وَكَانَ ورد بن حَابِس الْعَبْسِي قتل هرم بن ضَمْضَم المدي فِي حَرْب عبس وذبيان قبل الصُّلْح وَهِي حَرْب داحس ثمَّ اصْطلحَ النَّاس وَلم يدْخل حُصَيْن بن ضَمْضَم أَخُو هرم بن ضَمْضَم فِي الصل فِي الصُّلْح وَحلف: لَا يغسل رَأسه حَتَّى يقتل ورد بن حَابِس أَو رجلا من بني عبس ثمَّ من بني غَالب وَلم يطلع على ذَلِك أحدا وَقد حمل الْحمالَة الْحَارِث بن عَوْف بن أبي حَارِثَة وهرم بن سِنَان بن أبي حَارِثَة فَأقبل رجل من بني عبس ثمَّ من بني غَالب حَتَّى نزل بحصين بن ضَمْضَم فَقَالَ: من)
أَنْت أَيهَا الرجل فَقَالَ: عبسي فَقَالَ: من أَي عبس فَلم يزل ينتسب
حَتَّى انتسب إِلَى غَالب فَقتله حُصَيْن فَبلغ ذَلِك الْحَارِث بن عَوْف وهرم بن سِنَان فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمَا وَبلغ بني عبس فَرَكبُوا نَحْو الْحَارِث فَلَمَّا بلغ الْحَارِث ركُوب بني عبس وَمَا قد اشْتَدَّ عَلَيْهِم من قتل صَاحبهمْ وَإِنَّمَا أَرَادَت بَنو عبس أَن يقتلُوا
стр. 940
الْحَارِث بعث إِلَيْهِم بِمِائَة من الْإِبِل مَعهَا ابْنه وَقَالَ للرسول: قل لَهُم: آللبن أحب إِلَيْكُم أم أَنفسكُم فَأقبل الرَّسُول حَتَّى قَالَ مَا قَالَ فَقَالَ لَهُم الرّبيع بن زِيَاد: إِن أَخَاكُم قد أرسل إِلَيْكُم: آلإبل أحب إِلَيْكُم أم ابْنه تَقْتُلُونَهُ فَقَالُوا: نَأْخُذ الْإِبِل ونصالح قَومنَا وَيتم الصُّلْح فَقَالَ زُهَيْر فِي ذَلِك هَذِه القصيدة وَبعد أَن تغزل بِخَمْسَة عشر بَيْتا قَالَ:
(سعى ساعياً غيظ بن مرّة بَعْدَمَا ... تبزل مَا بَين الْعَشِيرَة بِالدَّمِ)
الساعيان: الْحَارِث بن عَوْف وهرم بن سِنَان وَقيل: خَارِجَة بن سِنَان وَهُوَ أَخُو هرم بن سِنَان وهما ابْنا عَم لِلْحَارِثِ بن عَوْف لِأَنَّهُمَا ابْنا سِنَان بن أبي حَارِثَة والْحَارث هُوَ ابْن عَوْف بن أبي حَارِثَة وابْن أبي حَارِثَة هُوَ ابْن مرّة بن نشبة بن مرّة بن غيظ بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان وَمعنى سعيا: أَي: عملا عملا حسنا حِين مشيا للصلح وتحملا الدِّيات وتبزل أَي: تشقق يَقُول: كَانَ بَينهم صلح فتشقق بِالدَّمِ الَّذِي كَانَ بَينهم فسعيا فِي إحكام الْعَهْد بعد مَا تشقق بسفك الدِّمَاء
(فأقسمت بِالْبَيْتِ الَّذِي طَاف حوله ... رجال بنوه من قُرَيْش وجرهم)
أَرَادَ بِالْبَيْتِ الْكَعْبَة المعظمة وجرهم: أمة قديمَة كَانَت أَرْبَاب الْبَيْت قبل قُرَيْش وبنوه بِفَتْح النُّون من الْبناء وَضمّهَا خطأ
(يَمِينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حَال من سحيل ومبرم)
стр. 941
يَمِينا: مصدر مُؤَكد لقَوْله أَقْسَمت وَجُمْلَة لنعم السيدان الخ جَوَاب الْقسم وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب أَفعَال الْمَدْح على أَن الْمَخْصُوص بالمدح إِذا تَأَخّر عَن نعم يجوز دُخُول نواسخ الْمُبْتَدَأ عَلَيْهِ فَإِن ضمير التَّثْنِيَة فِي وجدتما هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح وَقد دخل عَلَيْهِ النَّاسِخ وَهُوَ وجد وعلى مُتَعَلقَة بِهِ والسحيل: بِفَتْح السِّين وَكسر الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: المسحول أَي: الَّذِي لم يحكم فتله والمبرم: مفعول من أبرم الفاتل الْحَبل: إِذا أعَاد عَلَيْهِ الفتل ثَانِيًا بعد أول فَالْأول سحيل وَالثَّانِي مبرم وَقيل: السحيل: مَا فتل من خيط وَاحِد)
والمبرم: مَا فتل من خيطين وَأَرَادَ بالسحيل الْأَمر السهل الضَّعِيف وبالمبرم الشَّديد الْقوي
(تداركتما عبساً وذبيان بَعْدَمَا ... تفانوا ودقوا بَينهم عطر منشم)
عبس وذبيان: أَخَوان وهما ابْنا بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس
بن عيلان بن مُضر أَي: تداركتماهما بِالصُّلْحِ بَعْدَمَا تفانوا بِالْحَرْبِ ومنشم الْمَشْهُور بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر الشين الْمُعْجَمَة زَعَمُوا أَنَّهَا امْرَأَة عطارة من خُزَاعَة تحالف قوم فأدخلوا أَيْديهم فِي عطرها على أَن يقاتلوا حَتَّى يموتوا فَضرب زُهَيْر بهَا الْمثل أَي: صَار هَؤُلَاءِ فِي شدَّة الْأَمر بِمَنْزِلَة أُولَئِكَ وَقيل: كَانُوا إِذا حَاربُوا اشْتَروا مِنْهَا كافوراً لموتاهم فتشاءموا بهَا وَزعم بَعضهم: أَنَّهَا امْرَأَة من بني غُدَانَة وَهِي صَاحِبَة
стр. 942
يسَار الكواعب وَكَانَت امْرَأَة مَوْلَاهُ وَكَانَ يسَار من أقبح النَّاس وَكَانَ النِّسَاء يضحكن من قبحه فَضَحكت مِنْهُ منشم يَوْمًا فَظن أَنَّهَا خضعت إِلَيْهِ فَرَاوَدَهَا عَن نَفسهَا فَقَالَت لَهُ: مَكَانك فَإِن للحرائر طيبا فَأَتَت بمُوسَى فأشمته طيبا ثمَّ أنحت على أصل أَنفه فاستوعبته قطعا فَخرج هَارِبا وَدَمه يسيل فَضرب الْمثل فِي الشَّرّ بِطيب منشم وَقيل غير ذَلِك
(وَقد قلتما إِن ندرك السّلم وَاسِعًا ... بِمَال ومعروف من القَوْل نسلم)
السّلم والسّلم: الصُّلْح يذكر وَيُؤَنث وَمنا مُذَكّر لقَوْله: وَاسِعًا: أَي: مُمكنا وَقَالَ الأعلم: أَي: كَامِلا مكيناً وَقَوله: نسلم أَي: من الْحَرْب وَرُوِيَ بِضَم النُّون أَي: نوقع السّلم بَين الْقَوْم وَالصُّلْح
(فأصبحتما مِنْهَا على خير موطن ... بعيدين فِيهَا من عقوق ومأثم)
أَي: أصبحتما من الْحَرْب على خير منزلَة وَمن للبدل وبعيدين: خبر بعد خبر والعقوق: قطيعة الرَّحِم والمأثم: الْإِثْم عليا معد: مؤنث أَعلَى أَي: فِي عليا منزلَة هَذِه الْقَبِيلَة وَرُوِيَ بدل وَغَيرهَا هديتما وَهُوَ دُعَاء أَي: دَامَت هدايتكما إِلَى طَرِيق الْفَلاح وَمعنى يستبح كنزاً يصب مجداً مُبَاحا والكنز كِنَايَة عَن الْكَثْرَة يَقُول: من فعل فعلكما فقد أُبِيح لَهُ الْمجد وَاسْتحق أَن يعظم عِنْد النَّاس رُوِيَ يعظم بِالْفَتْح أَي: يصر عَظِيما وبالضم مَعَ كسر الظَّاء أَي: يَأْتِ بِأَمْر عَظِيم وَمَعَ فتح الظَّاء أَي: يعظمه النَّاس وعظيمين خبر ثَالِث ...
стр. 943
(فَأصْبح يحدى فيهم من تلادكم ... مَغَانِم شَتَّى من إفال المزنم))
(تعفى الكلوم بالمئين فَأَصْبَحت ... ينجمها من لَيْسَ فِيهَا بمجرم)
أَي: تمحى الْجِرَاحَات بالمئين من الْإِبِل وَإِنَّمَا يَعْنِي أَن الدِّمَاء تسْقط بالديات
وَقَوله: ينجمها أَي: تجْعَل نجوماً على غارمها وَلم يجرم فِيهَا أَي: لم يَأْتِ بجرم من قتل تجب
(ينجمها قوم لقوم غَرَامَة ... وَلم يهريقوا بَينهم ملْء محجم)
يَعْنِي أَن هذَيْن الساعيين حملا دِمَاء من قتل وَغرم فِيهَا قوم من رهطهما على أَنهم لم يصبوا دم أحد ملْء محجم أَي: أَنهم أعْطوا فِيهَا وَلم يقتلُوا ويهريقوا: أَصله يريقوا وزيدت الْهَاء الْمَفْتُوحَة
(فَمن مبلغ الأحلاف عني رِسَالَة ... وذبيان: هَل أقسمتم كل مقسم)
(فَلَا تكتمن الله مَا فِي نفوسكم ... ليخفى وَمهما يكتم الله يعلم)
الأحلاف: أَسد وغَطَفَان وطيئ وَمعنى هَل أقسمتم الخ أَي: هَل حلفتم كل الْحلف لتفعلن مَا لَا يَنْبَغِي وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي بحث هَل وَقَوله: فَلَا تكتمن الله الخ أَي: لَا تضمروا خلاف
стр. 944
مَا تظهرونه فَإِن الله يعلم السِّرّ فَلَا تكتموا مَا فِي أَنفسكُم من الصُّلْح وَتَقولُوا: لَا حَاجَة لنا إِلَيْهِ وَقيل معنى قَوْله: هَل أقسمتم هَل حلفتم على إبرام حَبل الصُّلْح فتخرجوا من الْحِنْث فَلَا تخفوا الله مَا تضمرون من الْغدر وَنقض الْعَهْد ويكتم: بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول بِخِلَاف يعلم فَإِنَّهُ للْفَاعِل
(يُؤَخر فَيُوضَع فِي كتاب فيدخر ... ليَوْم الْحساب أَو يعجل فينقم)
جَمِيع الْأَفْعَال بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول مَا عدا الْأَخير يُقَال: نقم مِنْهُ من بَاب ضرب
بِمَعْنى عاقبه وانتقم
(وَمَا الْحَرْب إِلَّا مَا علمْتُم وذقتم ... وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ المرجّم)
يَقُول: مَا الْحَرْب إِلَّا مَا جربتم وذقتم فإياكم أَن تعودوا إِلَى مثلهَا وَقَوله: وَمَا هُوَ عَنْهَا أَي: مَا الْعلم عَن الْحَرْب بِالْحَدِيثِ أَي: مَا الْخَبَر عَنْهَا بِحَدِيث يرْجم فِيهِ بِالظَّنِّ فَقَوله: هُوَ كِنَايَة عَن)
الْعلم لِأَنَّهُ لما قَالَ إِلَّا مَا علمْتُم دلّ على الْعلم كَذَا قَالَ الْخَطِيب وَأَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ وَقَالَ صعوداء فِي شَرحه: هُوَ ضمير مَا وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا الَّذِي علمْتُم وَقَالَ الزوزني: هُوَ ضمير القَوْل لَا الْعلم لِأَن الْعلم لَا يكون قولا أَي: وَمَا هَذَا الَّذِي أَقُول بِحَدِيث مرجّم أَي: هَذَا مَا شهِدت عَلَيْهِ الشواهد الصادقة من التجارب وَلَيْسَ من أَحْكَام الظنون وَقَالَ الأعلم: هُوَ كِنَايَة عَن الْعلم يُرِيد: وَمَا علمْتُم بِالْحَرْبِ وعَن: بدل من الْبَاء أَي: مَا هُوَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يرْمى بِهِ بالظنون ويشكّ وَأورد الشَّارِح الْمُحَقق هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الْمصدر على أَن ضمير الْمصدر يعْمل فِي الْجَار وَالْمَجْرُور وَقَالَ: أَي: مَا حَدِيثي عَنْهَا. فَجعله ضمير
стр. 945
الحَدِيث. والمرجّم: الَّذِي يرجّم بالظنون والترجيم: الظَّن. وَالْمعْنَى: أَنه يحضّهم على قبُول الصُّلْح ويخوفهم من الْحَرْب:
(مَتى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضرى إِذا ضرّيتموها فتضرم)
أَي: إِن لم تقبلُوا الصُّلْح وهجتم الْحَرْب لم تحمدوا أمرهَا والْبَعْث: الإثارة وذميمة: أَي: تذمون عَاقبَتهَا. وَرُوِيَ: دَمِيمَة بِالْمُهْمَلَةِ: أَي:
حقيرة وَهَذَا بِاعْتِبَار المبدأ وضري بالشَّيْء من بَاب تَعب ضراوة: اعتاده واجترأ عَلَيْهِ ويعدّى بِالْهَمْزَةِ والتضعيف قَالَ صعوداء فيش رحه: من الْعَرَب من يهمز ضري فَيَقُول: قد ضرئ بِهِ: فَمن هَذِه اللُّغَة تَقول: وتضرأ إِذا ضرأتموها وضرمت النَّار من بَاب تَعب أَيْضا: التهبت.
(فتعرككم عَرك الرَّحَى بثفالها ... وتلقح كشافاً ثمَّ تحمل فتتئم)
مَعْطُوف على جَوَاب الشَّرْط وَيقْرَأ بِضَم الْمِيم للوزن قَالَ صعوداء: وَإِن رفعته مستانفاً كَانَ صَوَابا أَقُول: يمنعهُ مَا بعده من الْأَفْعَال السَّبْعَة فَإِنَّهَا مجزومة أَي: تطحنكم وتهلككم: وأصل العرك: دلك الشَّيْء. والثفال: بِكَسْر الْمُثَلَّثَة: جلدَة تكون تَحت الرَّحَى إِذا أَدْبَرت يَقع عَلَيْهَا الدَّقِيق. وَالْبَاء للمعيّة نَحْو قَوْله تَعَالَى تنْبت بالدهن. أَي: وَمَعَهَا الدّهن. وَجَاء فلَان بِالسَّيْفِ: أَي: وَمَعَهُ السَّيْف. وَالْمعْنَى: عَرك الرَّحَى طاحنة
стр. 946
لِأَن الرَّحَى لَا تطحن إِلَّا وَتَحْت مجْرى الدَّقِيق ثفال. فَعَرَكَ: مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي: الْحبّ.
قَالَ صعوداء: فظع بِهَذَا أَمر الْحَرْب وَأخْبر بأشد أَوْقَاتهَا. قَالَ: والكشاف فِي لُغَة كنَانَة وهذيل وخزاعة: الْإِبِل الَّتِي لم تحمل عَاميْنِ: وَتَمِيم وَقيس وَأسد وَرَبِيعَة يَقُولُونَ: الْكَشَّاف الَّتِي إِذا نتجت ضربهَا الْفَحْل بعد أَيَّام فلقحت وَبَعْضهمْ يَقُول: هِيَ الَّتِي يحمل عَلَيْهَا فِي الدَّم: وَأَبُو مُضر)
طبّ بعسّ الْبَوْل غير ظلام قَالَ: فَهُوَ لَا يدنو مِنْهَا جاملاً فَكيف يدنو إِلَيْهَا فِي دَمهَا وَقَالَ: الْكَشَّاف عندنَا: أَن يحمل على النَّاقة عَاميْنِ متوالين وَذَلِكَ مُضر بهَا وَهُوَ أردأ النِّتَاج: وَإِلَى
هَذَا ذهب زُهَيْر أَي: إِن الْحَرْب تتوالى عَلَيْكُم فينالكم مِنْهَا هَذَا الضَّرَر. وَرُوِيَ: ثمَّ تحمل فتتئم والإتآم: أَن تضع اثْنَيْنِ: وَلَيْسَ فِي الْإِبِل إتآم إِنَّمَا الإتآم فِي الْغنم خَاصَّة وَإِنَّمَا يُرِيد بذلك تفظيع الْحَرْب وتحذيرهم إِيَّاهَا. جعل آفَة الْحَرْب إيَّاهُم بِمَنْزِلَة طحن الرَّحَى الحبّ وَجعل صنوف الشَّرّ تتولد من تِلْكَ الحروب بِمَنْزِلَة الْأَوْلَاد الناشئة من الْأُمَّهَات.
قَالَ أَبُو جَعْفَر والخطيب: شبه الْحَرْب بالناقة لِأَنَّهُ جعل مَا يحلب مِنْهَا من الدِّمَاء بِمَنْزِلَة مَا يحلب من النَّاقة من اللَّبن كَمَا قَالَ:
(إِن المهالب لَا يزَال لَهُم فَتى ... يمري قوادم كل حَرْب لاقح)
стр. 947
وَقيل: إِنَّمَا شبه الْحَرْب بالناقة إِذا حملت ثمَّ أرضعت لِأَن هَذِه الحروب تطول وَهِي أشبه بِالْمَعْنَى. وَقَوله: تتئم أَي: تَأتي بتوأمين الذّكر توأم وَالْأُنْثَى توأمة.
(فتنتج لكم غلْمَان أشأم كلهم ... كأحمر عَاد ثمَّ تُوضَع فتفطم)
مَعْطُوف على قَوْله فتتئم. نتجت النَّاقة ولدا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول: إِذا وَضعته. وأشأم: قَالَ أَبُو جَعْفَر والخطيب. فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَنه مصدر كَأَنَّهُ قَالَ: غلْمَان شُؤْم وَالْآخر: أَنه صفة لموصوف أَي: غلْمَان امْرِئ أشأم أَي: مشؤوم.
وَقَالَ الأعلم: أشام هُنَا صفة للمصدر على معنى الْمُبَالغَة وَالْمعْنَى: غلْمَان شُؤْم أشام كَمَا يُقَال: شغل شاغل. وكلهم: مُبْتَدأ وكأحمر عَاد: خَبره. .
وَقَالَ صعوداء: وَإِن شِئْت رفعت كلا بأشأم كَمَا تَقول مَرَرْت بِرِجَال كريم أبوهم. وَفِيه أَن كلا إِذا أضيفت لضمير لَا تقع معمولة لعامل لَفْظِي.
وَيُرِيد بأحمر عَاد: عَاقِر النَّاقة واسْمه قدار بن سالف وأحمر لقبه. قَالَ الْأَصْمَعِي: اخطأ زُهَيْر فِي هَذَا لِأَن عَاقِر النَّاقة لَيْسَ من عَاد وَإِنَّمَا هُوَ من ثَمُود. وَقَالَ الْمبرد: لَا غلط لِأَن ثَمُود يُقَال لَهَا عَاد الْآخِرَة وَيُقَال لقوم هود عَاد الأولى وَالدَّلِيل على هَذَا قَوْله تَعَالَى وَأَنه أهلك عاداً الأولى وَقَالَ صعوداء والأعلم لَا غلط لكنه جعل عاداً فَكَانَ ثَمُود اتساعاً مجَازًا المعني مَعَ تقَارب مَا بَين عَاد وَثَمُود فِي الزَّمن والأخلاق.)
والإرضاع والفطم معروفان أَي: لاتنزع إِلَّا عَن حَوْلَيْنِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ
стр. 948
طول شدتها وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِع إِلَّا عَن تَمام لِأَن الْمَرْأَة إِذا أرضعت ثمَّ فطمت فقد تمت.
(فتغلل لكم مَا لَا تغل لأَهْلهَا ... قرى بالعراق من قفيز وَدِرْهَم)
مَعْطُوف على قَوْله: فتفطم أَي: فتغلل لكم هَذِه الْحَرْب من الدّيات بدمائ قَتْلَاكُمْ مَا لَا تغلّ قرى بالعراق وَهِي تغل القفيز وَالدِّرْهَم. وَهَذَا تهكّم بهم واستهزاء. يُقَال: أغلّت الضّيعة بِالْألف. صَارَت ذَات غلّة. والغلّة كل شَيْء من ريع الأَرْض أَو من أجرتهَا وَنَحْو ذَلِك.
(لعمري لنعم الحيّ جرّ عَلَيْهِم ... بِمَا لَا يواتيهم حُصَيْن بن ضَمْضَم)
جرّ: من الجريرة: وَهِي الْجِنَايَة. وفاعله حُصَيْن. وَالْجُمْلَة صفة لموصوف مَحْذُوف هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح أَي: لنعم الْحَيّ حَيّ جر عَلَيْهِم. . الخ. وعمري: مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: قسمي. وَجُمْلَة لنعم الْحَيّ الخ جَوَاب
الْقسم. ولَا يواتيهم: لَا يوافقهم رُوِيَ: لَا يماليهم والممالأة: المعاونة. وحصين بن ضَمْضَم هُوَ ابْن عَم النَّابِغَة الذبياني لِأَن النَّابِغَة هُوَ ابْن مُعَاوِيَة بن ضباب بن جَابر بن يَرْبُوع بن غيظ بن مره بن عَوْف بن سعد بن ذبيان وحصين هُوَ ابْن ضَمْضَم بن ضباب إِلَى آخر النّسَب.
وجنايته: أَنه أَنه لما اصطلحت قَبيلَة ذبيان مَعَ قَبيلَة عبس أَبى حُصَيْن بن ضَمْضَم أَن يدْخل فِي الصُّلْح واستتر مِنْهُم ثمَّ عدا على رجل من بني عبس فَقتله كَمَا تقدم بَيَانه. وَإِنَّمَا مدح حيّ ذبيان لتحملهم الدِّيات إصلاحاً لذات الْبَين:
(وَكَانَ طوى كشحاً على مستكنّة ... فَلَا هُوَ أبداها وَلم يتجمجم)
стр. 949
طوى بإضمار قد عِنْد الْمبرد قَالَ: لِأَن كَانَ فعل مَاض اسْمهَا ضمير حُصَيْن وَلَا يخبر عَنهُ إِلَّا باسم أَبُو بِمَا ضارعه. وَخَالفهُ أَصْحَابه فِي هَذَا. . والكشح: الْجنب وَقيل: الخاصرة يُقَال: طوى كشحه على فعلة: إِذا أضمرها فِي نَفسه. والمستكنّة: المستترة وَهِي صفة لموصوف أَي غدرة مضمرة أَو نِيَّة مستترة أَو حَالَة مستكنة لِأَنَّهُ كَانَ قد أضمر قتل ورد بن حَابِس الْقَاتِل أَخَاهُ هرم بن ضَمْضَم أَو يقتل رجلا من بني عبس وَلِهَذَا كَانَ أَبى من الصُّلْح.
وَقَوله: وَلم يتجمجم أَي: لم يدع التَّقَدُّم فِيمَا أضمر وَلم يتَرَدَّد فِي إِنْفَاذه يُقَال: جمجم الرجل وتجمجم: إِذا لم يبين كَلَامه وَسَيَأْتِي هَذَا الْبَيْت إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي خبر كَانَ وَقَالَ سأقضي حَاجَتي ثمَّ اتقِي عدوي بِأَلف من ورائي ملجم حَاجته هِيَ ادراك ثَأْره وملجم قَالَ صعوداء:)
يرْوى بِكَسْر الْجِيم
أَي: ألف فَارس ملجم فرسه وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا أَي: ألف فرس ملجم. وَالْفرس مِمَّا يذكر وَيُؤَنث.
(فشدّ وَلم تفزع بيُوت كَثِيرَة ... لَدَى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أم قشعم)
أورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي الْمُغنِي على أَن حَيْثُ قد تجر بِغَيْر من على غير الْغَالِب.
وَقَوله: فَشد. . الخ أَي: حمل حُصَيْن على ذَلِك الرجل من عبس فَقتله. وَلم تفزع بيُوت كَثِيرَة أَي: لم يعلم أَكثر قومه بِفِعْلِهِ. وَأَرَادَ بِالْبُيُوتِ أَحيَاء وقبائل. يَقُول: لَو علمُوا بِفِعْلِهِ لفزعوا أَي: لأغاثوا الرجل الْمَقْتُول وَلم يدعوا صيناً يقْتله. وَإِنَّمَا أَرَادَ بقوله هَذَا أَلا يفسدوا صلحهم
стр. 950
بفعلة.
وَرُوِيَ: وَلم يفزع بيُوت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. قَالَ الْخَطِيب: أَي: لم يفزع أهل بيُوت ثمَّ حذف يَقُول: شدّ على عدوه وَحده فَقتله وَلم يفزع الْعَامَّة بِطَلَب وَاحِد أَي: لم يستعن عَلَيْهِ بِأحد وَإِنَّمَا قصد الثأر. وَقيل: مَعْنَاهُ أَي: لم يعلمُوا بِهِ. وَرُوِيَ: وَلم ينظر بُيُوتًا أَي: لم يُؤَخر أهل بَيت ورد بن حَابِس فِي قَتله لكنه عجل فَقتل هَذَا الرجل.
يُقَال: أنظرته بِالْألف أَي: أَخَّرته. وَرُوِيَ أَيْضا: وَلم ينظر من نظرت الرجل. أَي: انتظرته.
وَقَوله: لَدَى حَيْثُ الخ أَي: حَيْثُ كَانَ شدَّة الْأَمر يَعْنِي مَوضِع الْحَرْب وأم قشعم هِيَ الْحَرْب وَيُقَال: هِيَ الْمنية. وَالْمعْنَى أَن حصيناً شدّ على الرجل الْعَبْسِي فَقتله بعد الصُّلْح وَحَيْثُ حطت رَحلهَا الْحَرْب وَوضعت أَوزَارهَا وسكنت. وَيُقَال: هُوَ دُعَاء على حُصَيْن أَي: عدا على الرجل بعد الصُّلْح وَخَالف الْجَمَاعَة فصيّره الله إِلَى هَذِه الشدَّة وَيكون معنى أَلْقَت رَحلهَا على هَذَا ثبتَتْ وتمكنت.
وَقيل: أم قشعم: كنية العنكبوت وَقيل: كنية الضبع. وَالْمعْنَى: فَشد على
صَاحب ثَأْره بمضيعة من الأَرْض وَقَالَ صعوداء فِي شَرحه: وَقَالَ قوم: أم قشعم: أم حُصَيْن هَذَا الَّذِي شدّ أَي: فَلم يفزع الْبيُوت الَّتِي بِحَضْرَة بَيت أمه والرحل: مَا يستصحبه الْمُسَافِر من الْمَتَاع
(لَدَى أَسد شاكي السِّلَاح مقاذف ... لَهُ لبد أَظْفَاره لم تقلم)
لَدَى: مُتَعَلقَة بقوله أَلْقَت رَحلهَا وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات تَلْخِيص الْمعَانِي وَغَيره على أَن التَّجْرِيد والترشيح قد يَجْتَمِعَانِ: فَإِن شاكي السِّلَاح تَجْرِيد لِأَنَّهُ وصف بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ وَهُوَ الرجل الشجاع وَمَا بعده ترشيح لِأَن هَذَا الْوَصْف مِمَّا يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ وَهُوَ الْأسد الْحَقِيقِيّ قَالَ الأعلم والخطيب: أَرَادَ بقوله لَدَى أَسد الْجَيْش وَحمل لفظ الْبَيْت على الْأسد وَقَالَ)
الزوزني: الْبَيْت
следующие страницы →