← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

(الضامنون لمَال جارهم ... حَتَّى يتم نواهض البقل) (قومٌ إِذا انتسبوا ففرعهم ... فرعي وَأثبت أصلهم أُصَلِّي) وسألهم مِيرَاثه من الأفقم فَأَعْطوهُ نخيلات فَلم تقنعه. فَسَأَلَهُمْ مِيرَاثه كَامِلا فَلم يعطوه شَيْئا. فَغَضب عَلَيْهِم وهجاهم ثمَّ عَاد إِلَى بني عبس وانتسب إِلَى أَوْس بن مَالك. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ الحطيئة راوية زُهَيْر. وَكَانَ جاهلياً إسلامياً. وَلَا أرَاهُ أسلم إِلَّا بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ َ لِأَنِّي لم أجد لَهُ ذكرا فِيمَن وَفد عَلَيْهِ من وُفُود الْعَرَب غير أَنِّي وجدته فِي خلَافَة أبي بكر ﵁ يَقُول: (أَطعْنَا رَسُول الله إِذْ كَانَ حَاضرا ... فيا لهفتي مَا بَال دين أبي بكر) وَقَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: كَانَ أسلم فِي عهد النَّبِي ﷺ َ ثمَّ ارْتَدَّ ثمَّ أسر وَعَاد إِلَى الْإِسْلَام. وروى ابْن أخي الْأَصْمَعِي عَن عَمه قَالَ: كَانَ الحطيئة جشعاً سؤولاً ملحفاً دنيء النَّفس كثير الشَّرّ بَخِيلًا قَبِيح المنظر رث الْهَيْئَة مغموز النّسَب فَاسد الدَّين وَمَا تشَاء أَن تَقول فِي شعر شَاعِر عَيْبا إِلَّا وجدته وقلما تَجِد ذَلِك فِي شعره.

стр. 877

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: التمس الحطيئة ذَات يَوْم إنْسَانا يهجوه فَلم يجده وضاق ذَلِك عَلَيْهِ فَجعل يَقُول: (أَبَت شفتاي الْيَوْم إِلَّا تكلما ... بسوءٍ فَمَا ادري لمن أَنا قَائِله) وَجعل يهدر بذا الْبَيْت فِي أشداقه وَلَا يرى إنْسَانا إِذْ اطلع فِي حَوْض فَرَأى وَجهه فَقَالَ: (أرى لي وَجها شوه الله وَجهه ... فقبح من وجهٍ وقبح حامله) وَكَانَ الْكَلْب بن كنيس تزوج الصراء أم الحطيئة فهجاه وهجا أمه فَقَالَ: (وَلَقَد رَأَيْتُك فِي النِّسَاء فسؤتني ... وَأَبا بنيك فساءني فِي الْمجْلس) فِي أَبْيَات. وَقَالَ يهجو أمه: (فقد ملكت أَمر بنيك حَتَّى ... تَركتهم أدق من الطحين) (لسَانك مبردٌ لَا عيب فِيهِ ... ودرك در جاذبةٍ دَهِين) وَقَالَ يهجوها أَيْضا:) (تنحي فاجلسي مني بَعيدا ... أراح الله مِنْك العالمينا) (أغربالاً إِذا اسْتوْدعت سرا ... وكانوناً على المتحدثينا) (حياتك مَا علمت حَيَاة سوءٍ ... وموتك قد يسر الصالحينا)

стр. 878

. وَقَالَ فِي هجاء أَبِيه وَعَمه وخاله: (لحاك الله ثمَّ لحاك حَقًا ... أَبَا ولحاك من عَم وخال) (فَنعم الشَّيْخ أَنْت لَدَى المخازي ... وَبئسَ الشَّيْخ أَنْت لَدَى الْمَعَالِي) (جمعت اللؤم لَا حياك رَبِّي ... وأبواب السفاهة والضلال) قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَدخل الحطيئة على عتيبة بن النهاس الْعجلِيّ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَا أَنا فِي عمل فأعطيك من غدده وَمَا فِي مَالِي فضلٌ عَن قومِي. فَلَمَّا خرج قَالَ لَهُ رجل من قومه: أتعرفه قَالَ: لَا قَالَ: هَذَا الحطيئة فَأمر برده فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: إِنَّك لم تسلم تَسْلِيم الْإِسْلَام وَلَا استأنست استئناس الْجَار وَلَا رَحبَتْ ترحيب ابْن الْعم. قَالَ: هُوَ ذَلِك. قَالَ: اجْلِسْ فلك (وَمن يَجْعَل الْمَعْرُوف من دون عرضه ... يفره وَمن لايتق الشتم يشْتم) قَالَ: ثمَّ من قَالَ: أَنا فَقَالَ عتيبة لغلامه: اذْهَبْ بِهِ إِلَى السُّوق فَلَا يشيرن إِلَى شَيْء إِلَّا اشْتَرَيْته لَهُ. فَانْطَلق بِهِ الْغُلَام فَجعل يعرض عَلَيْهِ الْحبرَة واليمنة وَبَيَاض مصر وَهُوَ يُشِير إِلَى الكرابيس والأكسية الْغِلَاظ. فَاشْترى لَهُ بِمِائَتي دِرْهَم وأوقر رَاحِلَته برا وَتَمْرًا فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: هَل من حاجةٍ غير هَذَا قَالَ: لَا حسبي قَالَ: إِنَّه قد أَمرنِي أَن لَا أجعَل لَك عِلّة

стр. 879

فِيمَا تُرِيدُ. قَالَ: لَا حَاجَة بِي أَن يكون لهَذَا يدٌ على قومِي أَكثر من هَذِه. . ثمَّ ذهب فَقَالَ: (سُئِلت فَلم تبخل وَلم تعط طائلاً ... فسيان لَا ذمٌ عَلَيْك وَلَا حمد) (وَأَنت امرؤٌ لَا الْجُود مِنْك سجيةٌ ... فنعطي وَقد يعدي على النائل الوجد) وأتى الحطيئة كَعْب بن زُهَيْر فَقَالَ لَهُ: قد علمت روايتي لكم وانقطاعي إِلَيْكُم وَقد ذهب الفحول غَيْرِي وَغَيْرك فَلَو قلت شعرًا تبدأ فِيهِ بِنَفْسِك ثمَّ تثني بِي فَإِن النَّاس لأشعاركم أروى. فَقَالَ كَعْب: (فَمن للقوافي شانها من يحوكها ... إِذا مَا ثوى كعبٌ وَفَوْز جَرْوَل) (نقُول وَلَا نعيا بِشَيْء نقُوله ... وَمن قائليها من يسيء وَيعْمل)) وَفِي الأغاني عَن جمَاعَة: أَن الحطيئة لما حَضرته الْوَفَاة اجْتمع إِلَيْهِ قومه فَقَالُوا: أوص يَا أَبَا مليكَة. قَالَ: ويلٌ للشعر من راوية السوء قَالُوا: أوص يَرْحَمك الله قَالَ: من الَّذِي يَقُول: (إِذا نبض الرامون عَنْهَا ترنمت ... ترنم ثَكْلَى أوجعتها الْجَنَائِز) قَالُوا: الشماخ. قَالَ: أبلغوا غطفان أَنه أشعر الْعَرَب قَالُوا: وَيحك أهذه وَصِيَّة أوص بِمَا ينفعك قَالَ: أبلغوا أهل ضابئ أَنه شَاعِر حَيْثُ يَقُول: (لكل جديدٍ لذةٌ غير أنني ... وجدت جَدِيد الْمَوْت غير لذيذ)

стр. 880

قَالُوا: أوص وَيحك بِغَيْر ذَا. قَالَ: أبلغوا أهل امْرِئ الْقَيْس أَنه أشعر الْعَرَب حَيْثُ يَقُول: (فيا لَك من ليلٍ كَأَن نجومه ... بِكُل مغار الفتل شدت بيذبل) قَالُوا: اتَّقِ الله ودع عَنْك هَذَا قَالَ: أبلغوا الْأَنْصَار أَن صَاحبهمْ أشعر الْعَرَب حَيْثُ يَقُول: (يغشون حَتَّى مَا تهر كلابهم ... لَا يسْأَلُون عَن السوَاد الْمقبل) قَالُوا: إِن هَذَا لَا يُغني عَنْك شَيْئا فَقل غير مَا أَنْت فِيهِ. فَقَالَ: (الشّعْر صعبٌ وطويلٌ سلمه ... إِذا ارْتقى فِيهِ الَّذِي لَا يُعلمهُ) (زلت بِهِ إِلَى الحضيض قدمه ... يُرِيد أَن يعربه فيعجمه) قَالُوا: هَذَا مثل الَّذِي أَنْت فِيهِ. فَقَالَ: فوردت نَفسِي وَمَا كَادَت ترد قَالُوا: يَا أَبَا مليكَة أَلَك حَاجَة قَالَ: لَا وَالله وَلَكِن أجزع على المديح الْجيد يمدح بِهِ من لَيْسَ لَهُ أَهلا. قَالُوا: فَمن أشعر النَّاس فَأَوْمأ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ: هَذَا اللِّسَان إِذا طمع فِي خير. واستعبر باكياً. قَالُوا لَهُ: قل: لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ:

стр. 881

(قَالَت وفيهَا حيدةٌ وذعر ... عوذٌ بربي مِنْكُم وَحجر) فَقيل لَهُ: مَا تَقول فِي عبيدك فَقَالَ: هم عبيد قنٌ مَا عاقب اللَّيْل النَّهَار. قَالُوا: فأوص للْفُقَرَاء بِشَيْء. قَالَ: أوصيهم بالإلحاح فِي الْمَسْأَلَة فَإِنَّهَا تجارةٌ لن تبور واست المسؤول أضيق قَالُوا: فَمَا تَقول فِي مَالك قَالَ: للْأُنْثَى من وَلَدي مثلا حَظّ الذّكر. قَالُوا: لَيْسَ هَكَذَا قضى الله. قَالَ: لكني هَكَذَا قضيت. قَالُوا: فَمَا توصي لِلْيَتَامَى قَالَ: كلوا أَمْوَالهم ونيكوا أمهاتهم. قَالُوا: فَهَل شيءٌ تعهد فِيهِ غير هَذَا قَالَ: نعم تحملوني على أتان وتتركوني راكبها حَتَّى أَمُوت فَإِن الْكَرِيم لَا يَمُوت على فرَاشه والأتان مركبٌ لم يمت عَلَيْهِ كريمٌ قطّ. فَحَمَلُوهُ على أتان وَجعلُوا) يذهبون بِهِ ويجيئون عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ. وَفِي الْإِصَابَة لِابْنِ حجر: أَنه عَاشَ إِلَى زمن مُعَاوِيَة ﵁. أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: (بِنَا تميماً يكْشف الضباب) على أَن الْمَنْصُوب على الِاخْتِصَاص رُبمَا كَانَ علما. أَقُول: تَمِيم هُوَ تَمِيم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر. وَهَذَا لَيْسَ مُرَاد الشَّاعِر وَإِنَّمَا مُرَاده الْقَبِيلَة. والضباب: جمع ضَبَابَة وَهُوَ

стр. 882

ندى كالغبار يغشى الأَرْض بالغدوات وأضب يَوْمنَا بِالْهَمْزَةِ: إِذا صَار ذَا ضباب. فَضرب الضباب مثلا لغمة الْأَمر وشدته أَي: بِنَا تكشف الشدائد فِي الحروب وَغَيرهَا. وأنشده س على أَن تميماً مَنْصُوب بإضمار فعل على معنى الِاخْتِصَاص وَالْفَخْر. وبِنَا مُتَعَلق بقوله: يكْشف. وَقدم للحصر. وَهَذَا الْبَيْت من أرجوزة لرؤبة بن العجاج وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أَوَائِل الْكتاب. الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة:) (إِنَّا بني ضبة لَا نفر) على أَن بني ضبة مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص تَقْدِيره: أخص بني ضبة الْجُمْلَة مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها وَهُوَ جملَة لَا نفر جِيءَ بهَا لبَيَان الافتخار. وضبة هُوَ ابْن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر وَأَبْنَاء ضبة ثَلَاثَة: سعد وَسَعِيد بِالتَّصْغِيرِ وباسل وَهُوَ أَبُو الديلم. قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: خرج باسل بن ضبة مغاضباً لِأَبِيهِ فَوَقع بِأَرْض الديلم فَتزَوج امْرَأَة من الْعَجم فَولدت لَهُ ديلماً. فَهُوَ أَبُو الديلم.

стр. 883

وَأنْشد بعده وهوالشاهد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة) (لنا يومٌ وللكروان يومٌ ... تطير البائسات وَلَا نطير) على أَن البائسات مَنْصُوب على الترحم. وَهَذَا الْبَيْت لقصيدة لطرفة بن العَبْد هجا بهَا عَمْرو بن الْمُنْذر امْرِئ الْقَيْس وأخاه قَابُوس بن (فليت لنا مَكَان الْملك عمرٍ و ... رغوثا حول قبتنا تخور) (من الزمرات أسبل قادماها ... وضرتها مركنةٌ درور) (يشاركنا لنا رخلان فِيهَا ... وتعلوها الكباش وَمَا تنور) (لعمرك إِن قَابُوس بن هندٍ ... ليخلط ملكه نوك كثير) (قسمت الدَّهْر فِي زمنٍ رخي ... كَذَاك الحكم يقْصد أَو يجور) لنا يومٌ وللكروان يومٌ ... ... ... ... ... ... الْبَيْت (فَأَما يومهن فَيوم سوءٍ ... تطاردهن بالحدب الصقور) (وَأما يَوْمنَا فنظل ركباً ... وقوفاً مَا نحل وَلَا نسير) وَكَانَ السَّبَب فِي هَذِه القصيدة على مَا حكى الْمفضل بن سَلمَة فِي كِتَابه الفاخر أَن عَمْرو بن الْمُنْذر كَانَ يرشح أَخَاهُ قَابُوس بن الْمُنْذر ليملك بعده فَقدم عَلَيْهِ المتلمس وطرفة فجعلهما فِي صحابة قَابُوس وَأَمرهمَا بلزومه. . وَكَانَ قَابُوس شَابًّا يُعجبهُ اللَّهْو وَكَانَ يركب يَوْمًا فِي الصَّيْد فيركض يتصيد وهما مَعَه يركضان حَتَّى يرجعا عَشِيَّة وَقد تعبا فَيكون قَابُوس من الْغَد

стр. 884

فِي الشَّرَاب فيقفان بِبَاب سرادقة إِلَى الْعشي. فَكَانَ قَابُوس يَوْمًا على الشَّرَاب فوقفا بِبَابِهِ النَّهَار كُله وَلم يصلا إِلَيْهِ فضجر طرفَة فَقَالَ هَذِه القصيدة. وَقَالَ يَعْقُوب بن السّكيت والأعلم الشنتمري فِي شرحهما لديوان طرفَة: إِن عَمْرو بن هِنْد الْمَذْكُور كَانَ شريراً وَكَانَ لَهُ يَوْم بؤس وَيَوْم نعْمَة فيومٌ يركب فِي صَيْده يقتل أول من يلقى ويومٌ يقف النَّاس بِبَابِهِ فَإِن اشْتهى حَدِيث رجل أذن لَهُ فَكَانَ هَذَا دهره كُله. فهجاه طرفَة وَذكر ذَلِك بقوله: فليت لنا مَكَان. . الخ الْملك بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَأَصلهَا الْكسر: وصفٌ من ملك على النَّاس أَمرهم: إِذا تولى السلطنة. وَلنَا: خبر لَيْت مقدم ورغوثاً: اسْمهَا مُؤخر وَمَكَان الْملك: ظرف وَكَانَ فِي الأَصْل صفة لرغوث فَلَمَّا قدم صَار حَالا. والرغوث بِفَتْح الرَّاء وَضم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَآخره ثاء مُثَلّثَة: النعجة الْمُرْضع يُقَال: رغث الْغُلَام أمه: إِذا رضعها.) وتخور: تصوت وأصل الخوار للبقر. فَجعله طرفَة للنعجة. وَقَوله: من الزمرات. . الخ بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم أَي: القليلات الصُّوف وخصها لِأَنَّهَا أغزر ألباناً يُقَال: رجل زمر الْمُرُوءَة: إِذا كَانَ قليلها. والقادمان: الخلفان وأصل القادمين للناقة لِأَن لَهَا أَرْبَعَة أخلاف: قادمين وَآخَرين فاستعار القادمين للشاة. وأسبل: طَال وكمل والضرة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة. لحم الضَّرع. والمركنة: الَّتِي لَهَا أَرْكَان أَي: جَوَانِب وأصل وَقيل: هِيَ المجتمعة. والدرور بِفَتْح الدَّال: الْكَثِيرَة الدّرّ. وَقَوله: يشاركنا. . الخ الرخل بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْأُنْثَى من أَوْلَاد الضَّأْن. وَلنَا: حَال من رخلان وَكَانَ قبل التَّقْدِيم صفة

стр. 885

أَي: يشاركنا فِي لَبنهَا رخلان لنا. وتنور بالنُّون: تنفر والنوار: النفور. يصف غزارة درها وَكَثْرَة أَوْلَادهَا وَأَنَّهَا قد ألفت الذُّكُور فَمَا تنفر مِنْهَا. وَقَوله: نوك كثير النوك بالنُّون: الحماقة وَكثير: يرْوى بِالْمُثَلثَةِ وبالموحدة. وَكَانَ قَابُوس يحمق ويزن فِي نَفسه. وَقَوله: قسمت الدَّهْر. . الخ هُوَ بِالْخِطَابِ على طَريقَة الِالْتِفَات: إِمَّا من قَابُوس على قَول الْمفضل بن سَلمَة وَإِمَّا من عَمْرو على القَوْل الآخر يخاطبه وَيذكر مَا كَانَ من يَوْم صَيْده وَيَوْم وقُوف النَّاس بِبَابِهِ. وَقد بَينه فِي الأبيات الَّتِي بعده. والرخي: السهل اللين. وكذاك الحكم جملَة اسمية على حذف مُضَاف أَي: ذُو الحكم. أرسلها مثلا. وَقَوله: يقْصد. . الخ بَيَان لجِهَة التَّشْبِيه. ويقصد: من قصد فِي الْأَمر قصدا من بَاب ضرب: إِذا توَسط وَطلب الْأسد وَلم يُجَاوز الْحَد. وَقَوله: لنا يَوْم. . الخ مُبْتَدأ وَخبر وَرُوِيَ فِي أَكثر الرِّوَايَات: لنا يَوْمًا وللكروان يَوْمًا بِنصب يَوْمًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ على أَنه بدل كل من الدَّهْر. والكروان بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الرَّاء قَالَ الأعلم: هُوَ جمع كروان وَهُوَ طَائِر وَنَظِيره شقذان وشقذان وورشان وورشان وحمار وَلم يذكر فِي أَمْثَاله أَبُو فيد مؤرج بن عَمْرو السدُوسِي إِلَّا الْوَجْه الثَّانِي كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة قَالَ: قَالُوا: كراً وكروان مثل فَتى وفتيان. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.

стр. 886

وَزعم ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على هَذَا الْكتاب: أَن الكروان هُنَا مُفْرد بِفَتْح الْكَاف وَالرَّاء وَأَن التَّأْنِيث بِاعْتِبَار قصد الْأَفْرَاد من الْجِنْس. انْتهى.) والبائسات مَنْصُوب على الترحم كَمَا يُقَال: مَرَرْت بِهِ الْمِسْكِين. وفاعل تطير ضمير الكروان. وَرُوِيَ بِالرَّفْع أَيْضا قَالَ ابْن السّكيت: وَهُوَ الْأَكْثَر وَقَالَ الأعلم: وَالرَّفْع على الْقطع وَقد يكون على الْبَدَل من الْمُضمر فِي تطير. وَهُوَ جمع بائسة من الْبُؤْس بِالضَّمِّ وَسُكُون الْهمزَة وَهُوَ الضّر يُقَال: بئس بِالْكَسْرِ: إِذا نزل بِهِ الضّر فَهُوَ بائس. وَقَوله: لَا نطير بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر. وَقَوله: فَأَما يومهن. . الخ السوء بِفَتْح السِّين قَالَ الْأَزْهَرِي فِي تهذيبه: وَتقول فِي النكرَة: هَذَا رجل سوءٍ وَإِذا عرفت قلت: هَذَا الرجل السوء وَلم تضف. وَتقول: هَذَا عمل سوءٍ وَلَا تقل عمل السوء لِأَن السوء يكون نعتاً للرجل وَلَا يكون السوء نعتاً للْعَمَل لِأَن الْفِعْل من الرِّجَال وَلَيْسَ الْفِعْل من السوء. كَمَا تَقول: قَول صدقٍ وَقَول الصدْق وَرجل صدقٍ وَلَا تَقول رجل الصدْق لِأَن الرجل لَيْسَ من الصدْق انْتهى. وَرُوِيَ بدله نحسٍ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. والحدب بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَا ارْتَفع من الأَرْض وَغلظ. يَقُول: يَوْم الكروان يَوْم نحسٍ لمطاردة الصقور لَهُنَّ. وَقَوله: مَا نحل وَلَا نسير أَي: نَحن قيام على بَابه نَنْتَظِر الْإِذْن فَلَا هُوَ يَأْذَن فنحل عِنْده وَلَا هُوَ يَأْمُرنَا بِالرُّجُوعِ فنسير عَنهُ. وَنحل مضارع حل يحل حلولاً من بَاب قعد: إِذا نزل.

стр. 887

وطرفَة هُوَ طرفَة بن العَبْد بن سُفْيَان بن سعد بن مَالك بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل. الشَّاعِر الْمَشْهُور. وطرفة بِالتَّحْرِيكِ فِي الأَصْل: وَاحِد الطرفاء وَهُوَ الأثل قَالَ فِي الْقَامُوس: الطرفة محركة: وَاحِدَة الطرفاء وَبهَا لقب طرفَة بن العَبْد واسْمه عَمْرو ولقب بِبَيْت قَالَه. وَهُوَ أشعر الشُّعَرَاء بعد امْرِئ الْقَيْس. ومرتبته ثَانِي مرتبَة وَلِهَذَا ثني بمعلقته. وَقَالَ الشّعْر صَغِيرا. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ أَجود الشُّعَرَاء قصيدةً. وَله بعد الْمُعَلقَة شعرٌ حسن. وَلَيْسَ عِنْد الروَاة من شعره وَشعر عبيدٍ إِلَّا الْقَلِيل. وَقتل وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين سنة. وَكَانَ السَّبَب فِي قَتله: أَنه وَفد مَعَ خَاله المتلمس على عَمْرو بن هِنْد فأكرمهما وبقيا عِنْده مُدَّة قَالَ الْمفضل بن سَلمَة: وَكَانَ لطرفة ابْن عَم عِنْد عَمْرو بن هِنْد واسْمه عبد عمرٍ وبن بشر بن عَمْرو بن مرْثَد بن سعد بن مَالك بن ضبيعة وَكَانَ طرفَة عدوا لِابْنِ عَمه عبد عَمْرو وَكَانَ سميناً بادناً فَدخل على عَمْرو بن هِنْد الْحمام فَلَمَّا تجرد قَالَ لَهُ عَمْرو بن هِنْد: لقد كَانَ بن عمك طرفَة رآك حِين مَا قَالَ وَكَانَ طرفَة هجا عبد عَمْرو فَقَالَ فِيهِ من جملَة أَبْيَات: (وَلَا خير فِيهِ غير أَن لَهُ غنى ... وَأَن لَهُ كشحاً إِذا قَامَ أهضما)

стр. 888

فَلَمَّا أنْشد الأبيات لعبد عَمْرو قَالَ لَهُ عبد عَمْرو: مَا قَالَ لَك شرٌ مِمَّا قَالَ لي ثمَّ أنْشدهُ:) فليت لنا مَكَان الْملك عَمْرو. . الأبيات الْمُتَقَدّمَة فَصدقهُ عَمْرو بن هِنْد وَقَالَ لَهُ: مَا أصدقك عَلَيْهِ مَخَافَة أَن تُدْرِكهُ الرَّحِم وينذره فَمَكثَ غير كثير ثمَّ دَعَا المتلمس وطرفة وَقَالَ: لعلكما قد اشتقتما إِلَى أهلكما وسركما أَن تنصرفا قَالَا: نعم فَكتب لَهما إِلَى عَامله على هجر أَن يقتلهما. وأخبرهما أَنه قد كتب لَهما بحباء وَأعْطى كل وَاحِد مِنْهُمَا شَيْئا فَخَرَجَا وَكَانَ المتلمس قد أسن فمرا بنهر الْحيرَة على غلْمَان يَلْعَبُونَ فَقَالَ المتلمس: هَل لَك أَن نَنْظُر فِي كتابينا فَإِن كَانَ فيهمَا خيرٌ مضينا لَهُ وَإِن كَانَ شرا ألقيناهما فَأبى عَلَيْهِ طرفَة. فَأعْطى المتلمس كِتَابه بعض الغلمان فقرأه عَلَيْهِ فَإِذا فِيهِ السوء. فَألْقى كِتَابه فِي المَاء وَقَالَ لطرفة: أطعني والق كتابك فَأبى طرفَة وَمضى بكتابه إِلَى الْعَامِل فَقتله. وَمضى المتلمس حَتَّى لحق بملوك بني جَفْنَة بِالشَّام ا. هـ. وروى يَعْقُوب بن السّكيت فِي شرح ديوانه الْقِصَّة بأبسط من هَذَا قَالَ: إِن طرفَة لما هجا عَمْرو بن هِنْد بالأبيات الْمُتَقَدّمَة لم يسْمعهَا عَمْرو بن هِنْد. حَتَّى خرج يَوْمًا إِلَى الصَّيْد فأمعن فِي الطّلب فَانْقَطع فِي نفر من أَصْحَابه حَتَّى أصَاب طريدته فَنزل وَقَالَ لأَصْحَابه: اجْمَعُوا حطباً وَفِيهِمْ ابْن عَم طرفَة فَقَالَ لَهُم: أوقدوا. فأوقدوا نَارا وشوى. فَبَيْنَمَا عَمْرو يَأْكُل من شوائه وَعبد عَمْرو يقدم إِلَيْهِ إِذْ نظر إِلَى خصر قَمِيصه منخرقاً فأبصر كشحه وَكَانَ من أحسن أهل زَمَانه جسماً وَقد كَانَ بَينه وَبَين طرفَة أمرٌ وَقع بَينهمَا مِنْهُ شَرّ فهجاه طرفَة بِأَبْيَات فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن هِنْد وَكَانَ

стр. 889

سمع تِلْكَ الأبيات يَا عبد عَمْرو لقد أبْصر طرفَة حسن كشحك ثمَّ تمثل فَقَالَ: (وَلَا خير فِيهِ غير أَن لَهُ غنى ... وَأَن لَهُ كشحاً إِذا قَامَ أهضما) فَغَضب عبد عَمْرو مِمَّا قَالَه وأنف فَقَالَ: لقد قَالَ للْملك أقبح من هَذَا قَالَ عَمْرو: وَمَا الَّذِي قَالَ فندم عبد عَمْرو وأبى أَن يسمعهُ. فَقَالَ: أسمعنيه وطرفة آمن. فأسمعه القصيدة الَّتِي هجاه بهَا وشرحنا مِنْهَا ثَمَانِيَة أَبْيَات تقدّمت فَسكت عَمْرو بن هِنْد على مَا وقر فِي نَفسه وَكره أَن يعجل عَلَيْهِ لمَكَان قومه فَأَضْرب عَنهُ وَبلغ ذَلِك طرفَة وَطلب غرته والاستمكان مِنْهُ حَتَّى أَمن طرفَة وَلم يخفه على نَفسه فَظن أَنه قد رَضِي عَنهُ. وَقد كَانَ المتلمس وَهُوَ جرير بن عبد الْمَسِيح هجا عَمْرو بن هِنْد. وَكَانَ قد غضب عَلَيْهِ فَقدم المتلمس وطرفة على عَمْرو بن هِنْد يتعرضان لفضله. فَكتب لَهما إِلَى عَامله على الْبَحْرين وهجر. وَكَانَ عَامله فيهمَا فِيمَا) يَزْعمُونَ ربيعَة بن الْحَارِث الْعَبْدي وَهُوَ الَّذِي كتب إِلَيْهِ فِي شَأْن طرفَة والمتلمس وَقَالَ لَهما: انْطَلقَا إِلَيْهِ فاقبضا جوائزكما. فَخَرَجَا. فزعموا أَنَّهُمَا لما هبطا النجف قَالَ المتلمس: يَا طرفَة إِنَّك غلامٌ غر حَدِيث السن وَالْملك من قد عرفت حقده وغدره وكلانا قد هجاه فلست آمنا أَن يكون قد أَمر فِينَا بشر فَهَلُمَّ نَنْظُر فِي كتابينا فَإِن يكن أَمر لنا بخيرٍ مضينا فِيهِ وَإِن يكن قد أَمر فِينَا بِغَيْر ذَلِك لم نهلك أَنْفُسنَا فَأبى طرفَة أَن يفك خَاتم الْملك وحرص المتلمس على طرفَة فَأبى. وَعدل المتلمس إِلَى غُلَام من غلْمَان الْحيرَة عبَادي فَأعْطَاهُ الصَّحِيفَة فقرأها فَلم يصل إِلَى مَا أَمر بِهِ فِي المتلمس حَتَّى جَاءَ غُلَام بعده فَأَشْرَف فِي الصَّحِيفَة

стр. 890

لَا يدْرِي لمن هِيَ فقرأها فَقَالَ: ثكلت المتلمس أمه فَانْتزع المتلمس الصَّحِيفَة من يَد الْغُلَام وَاكْتفى بذلك من قَوْله وَاتبع طرفَة فَلم يُدْرِكهُ وَألقى الصَّحِيفَة فِي نهر الْحيرَة ثمَّ خرج هَارِبا. وَقد كَانَ المتلمس فِيمَا يُقَال قَالَ لطرفة حِين قَرَأَ كِتَابه: تعلم أَن فِي صحيفتك لمثل الَّذِي فِي صحيفتي فَقَالَ طرفَة: إِن كَانَ اجترأ عَلَيْك فَمَا كَانَ ليجترأ عَليّ وَلَا ليغرني وَلَا ليقدم عَليّ فَلَمَّا غَلبه سَار المتلمس إِلَى الشَّام وَسَار طرفَة حَتَّى قدم على عَامل الْبَحْرين وَهُوَ بهجر. فَدفع إِلَيْهِ كتاب عَمْرو بن هِنْد فقرأه فَقَالَ: هَل تعلم مَا أمرت بِهِ فِيك قَالَ: نعم أمرت أَن تجزيني وتحسن إِلَيّ. فَقَالَ لطرفة: إِن بيني وَبَيْنك لخؤولةً أَنا لَهَا راعٍ فاهرب من ليلتك هَذِه فَإِنِّي قد أمرت بقتلك فَاخْرُج قبل أَن تصبح وَيعلم بك النَّاس فَقَالَ لَهُ طرفَة: اشتدت عَلَيْك جائرتي وأحببت أَن أهرب وَأَجْعَل لعَمْرو بن هِنْد عَليّ سَبِيلا كَأَنِّي أذنبت ذَنبا وَالله لَا أفعل ذَلِك أبدا فَلَمَّا أصبح أَمر بحبسه. وَجَاءَت بكر بن وَائِل فَقَالَت: قدم طرفَة فَدَعَا بِهِ صَاحب الْبَحْرين فَقَرَأَ عَلَيْهِم كتاب الْملك ثمَّ أَمر بطرفة وَحبس وتكرم عَن قَتله وَكتب إِلَى عَمْرو بن هِنْد: أَن ابْعَثْ إِلَى عَمَلك فَإِنِّي غير قَاتل الرجل. فَبعث إِلَيْهِ رجلا من بني تغلب يُقَال لَهُ عبد هِنْد بن جرذ وَاسْتَعْملهُ على الْبَحْرين وَكَانَ رجلا شجاعاً وَأمره بقتل طرفَة

стр. 891

وَقتل ربيعَة بن الْحَارِث الْعَبْدي فقدمهما عبد هِنْد فَقَرَأَ عَهده على أهل الْبَحْرين ولبث أَيَّامًا. وَاجْتمعت بكر بن وَائِل فهمت بِهِ وَكَانَ طرفَة يحضضهم. وانتدب لَهُ رجل من عبد الْقَيْس ثمَّ من الحواثر يُقَال لَهُ: أَبُو ريشة فَقتله. فقبره الْيَوْم مَعْرُوف بهجر.) وَزَعَمُوا أَن الحواثر ودته إِلَى أَبِيه وَقَومه. وَقَالَت أُخْت طرفَة تهجو عبد عَمْرو لما كَانَ من إنشاده الشّعْر للْملك: (أَلا ثكلتك أمك عبد عمرٍ و ... أبالخربات آخيت الملوكا) (هم دحوك للوركين دحاً ... وَلَو سَأَلُوا لأعطيت البروكا) ورثت طرفَة أُخْته بقولِهَا: (فجعنا بِهِ لما رجونا إيابه ... على خير حالٍ: لَا وليداً وَلَا قحما) ا. هـ. وَمثله فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة قَالَ: وَكَانَ طرفَة فِي حسبٍ من قومه جريئاً على هجائهم وهجاء غَيرهم. وَكَانَت أُخْته عِنْد عبد عَمْرو بن بشر ابْن مرْثَد وَكَانَ عبد عَمْرو سيد أهل زَمَانه فشكت أُخْت طرفَة شَيْئا من أَمر زَوجهَا إِلَيْهِ فَقَالَ: وَلَا عيب فِيهِ غير أَن لَهُ غنى ... ... ... ... ... . الْبَيْت (وَإِن نسَاء الْحَيّ يعكفن حوله ... يقلن عسيب من سرارة ملهما) وأهضم: منقبض. وسرارة بِالْفَتْح: خِيَار. وملهم بِالْفَتْح: مَوضِع

стр. 892

كثير النّخل فَخرج عَمْرو بن هِنْد يتصيد وَمَعَهُ عبد عَمْرو فَأصَاب حمارا فعقره فَقَالَ لعبد عَمْرو: انْزِلْ إِلَيْهِ فَنزل غليه فأعياه فَضَحِك عَمْرو بن هِنْد وَقَالَ: لقد أبصرك طرفَة حِين قَالَ: وَلَا عيب فِيهِ غير أَن لَهُ غنى ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وَقَالَ فِي آخرهَا: وَيُقَال: إِن الَّذِي قَتله الْمُعَلَّى بن حَنش الْعَبْدي وَالَّذِي تولى قَتله بِيَدِهِ مُعَاوِيَة بن مرّة الأيفلي حيٌ من طسم وجديس. ثمَّ قَالَ: وَكَانَ أَبُو طرفَة مَاتَ وطرفة صَغِير فَأبى أَعْمَامه أَن يقسموا مَاله فَقَالَ: (مَا تنْظرُون بِمَال وردة فِيكُم ... صغر البنون ورهط وردة غيب) (وَالظُّلم فرق بَين حييّ وائلٍ ... بكرٌ تساقيها المنايا تغلب) (والصدق يألفه الْكَرِيم المرتجى ... وَالْكذب يألفه الدنيء الأخيب) وَيُقَال: إِن أول شعر قَالَه طرفَة أَنه خرج مَعَ عَمه فِي سفر فنصب فخاً فَلَمَّا أَرَادَ الرحيل قَالَ: (يالك من قبرةٍ بِمَعْمَر ... خلا لَك الجو فبيضي واصفري) (ونقري إِن شِئْت أَن تنقري ... قد رفع الفخ فَمَاذَا تحذري) لَا بُد يَوْمًا أَن تصادي فاصبري ا. هـ)

стр. 893

وَعَمْرو بن هِنْد الْمَذْكُور هُوَ من مُلُوك الْحيرَة. كَانَ عاتياً جباراً وَيُسمى محرقاً أَيْضا لِأَنَّهُ حرق بني تَمِيم وَقيل: بل حرق نخل الْيَمَامَة. والنعمان بن الْمُنْذر صَاحب النَّابِغَة ابْن أخي عَمْرو بن هِنْد. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى نِسْبَة عَمْرو بن الْمُنْذر فِي نِسْبَة أَخِيه النُّعْمَان بن الْمُنْذر فِي الشَّاهِد الثَّالِث بعد هَذَا. تَتِمَّة ذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه طرفَة من الشُّعَرَاء أَرْبَعَة أَوَّلهمْ هَذَا. والثَّانِي طرفَة بن ألاءة بن نَضْلَة بن الْمُنْذر بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم. والثَّالِث طرفَة الجذمي أحد بني جذيمة الْعَبْسِي. وَالرَّابِع أَخُو عَامر بن ربيعَة.

стр. 894

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: (ويأوي إِلَى نسوةٍ عطلٍ ... وشعثاً مراضيع مثل السعالي) على أَن قَوْله: شعثاً مَنْصُوب على الترحم كَالَّذي قبله. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وشعثاً مَنْصُوب بإضمار فعل. قَالَ الأعلم: لِأَنَّهُ لما قَالَ: نسوةٍ عطل علم أَنَّهُنَّ شعثٌ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: وأذكرهن شعثاً. إِلَّا أَنه فعل لَا يظْهر لِأَن مَا قبله دلّ عَلَيْهِ فأغنى عَن ذكره. وَقَالَ ابْن خلف: الشَّاهِد أَنه نصب شعثاً كَأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ: إِلَى نسْوَة عطل صرن عِنْده مِمَّن علم أَنَّهُنَّ شعث وَلكنه ذكر ذَلِك تشنيعاً لَهُنَّ وتشويهاً. قَالَ الْخَلِيل: كَأَنَّهُ قَالَ: أذكرهن شعثاً إِلَّا أَن هَذَا فعلٌ لَا يسْتَعْمل إِظْهَاره لِأَن مَا قبله قد دلّ عَلَيْهِ فأغنى عَن ذكره على مَا يجْرِي الْبَاب عَلَيْهِ فِي الْمَدْح والذم. وأنشده سِيبَوَيْهٍ فِي مَوضِع آخر أَيْضا قبل هَذَا يجر شعثٍ عطفا على عطل. وَقَالَ: وَإِن شِئْت جررت على الصّفة. وَزعم يُونُس أَن ذَلِك أَكثر كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد أَخِيك وَصَاحِبك. ثمَّ قَالَ: وَلَو قَالَ: فشعث بِالْفَاءِ لقبح.

стр. 895

قَالَ النّحاس: وَمعنى قَوْله: لقبح: لَا يجوز. لِأَن عطلاً وشعثاً صفتان ثابتتان مَعًا فِي الْمَوْصُوف فعطفت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى بِالْوَاو لِأَن مَعْنَاهَا الِاجْتِمَاع وَلَو عطفت بِالْفَاءِ لم يجز لِأَنَّهُ لم يرد) أَن الشعث حصل لَهُنَّ بعد العطل. وَأورد هَذَا الْبَيْت صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَأولُوا الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ على أَن المنتصب على الْمَدْح كَمَا يَجِيء معرفَة يَجِيء نكرَة كَمَا فِي شعثاً فَإِنَّهُ مَنْصُوب على الترحم. وَأوردهُ أَيْضا ابْن النَّاظِم وَابْن هِشَام فِي شرح الألفية على أَن قَوْله: شعثاً مَنْصُوب بِفعل مُضْمر على الِاخْتِصَاص ليبين أَن هَذَا الضَّرْب من النِّسَاء أَسْوَأ حَالا من الضَّرْب الأول الَّذِي هُوَ العطل مِنْهُنَّ. وَمثل هَذَا يُسمى نصبا على الترحم. قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: لَا يجوز أَن يكون شعثاً مَنْصُوبًا مَفْعُولا مَعَه لِأَن شَرطه التَّشْرِيك مَعَ الْمَرْفُوع فِي نِسْبَة الْفِعْل. وَقد توهم من لَا عِبْرَة بِهِ جَوَاز: سرت والجبل وَهُوَ غير جَائِز إِذْ الْجَبَل لَا يسير وَلَو سلم جَوَازه فَلَا بُد من تَأْوِيله وَهُوَ أَن يَجْعَل كَأَن كل جزءٍ من الْجَبَل سَائِر لِأَنَّهُ إِذا سَار من مَوضِع من نواحي الْجَبَل فَذَاك مفارقٌ لَهُ. وَالْبَيْت مُطلق الروي فَهُوَ بِكَسْر اللَّام من السعالي كَمَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ. قَالَ النّحاس: هَكَذَا أخذناه عَن أبي إِسْحَاق وَأبي الْحسن وَهُوَ الصَّوَاب. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت العروضيون مِنْهُم الْأَخْفَش سعيد: مثل السعال بِإِسْكَان اللَّام. وَلَا يجوز إِلَّا ذَلِك على مَا رَوَوْهُ لأَنهم جَعَلُوهُ من المتقارب من الضَّرْب الثَّانِي من الْعرُوض الأولى.

стр. 896

وَقَوله: ويأوي. . الخ فَاعل يأوي ضمير الصياد: أَي: تَأتي مَأْوَاه ومنزله إِلَى نسْوَة. وعطل: جمع عاطل قَالَ فِي الصِّحَاح: والعطل بِالتَّحْرِيكِ: مصدر عطلت الْمَرْأَة: إِذا خلا جيدها من القلائد فَهِيَ عطل بِالضَّمِّ وعاطل ومعطال. وَقد يسْتَعْمل العطل فِي الْخُلُو من الشَّيْء وَإِن كَانَ أَصله فِي الْحلِيّ يُقَال: عطل الرجل من المَال وَالْأَدب فَهُوَ عطل بضمة وبضمتين. وَهَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا لِأَن الْمَعْنى: أَن هَذَا الصياد يغيب عَن نِسَائِهِ للصَّيْد ثمَّ يَأْتِي إلَيْهِنَّ فيجدهن فِي أَسْوَأ الْحَال. والشعث: جمع شعثاء من شعث الشّعْر شعثاً فَهُوَ شعث من بَاب تَعب: تغير وَتَلَبَّدَ لقلَّة تعهده بالدهن وَرجل أَشْعَث وَامْرَأَة شعثاء. والمراضيع: جمع مرضاع بِالْكَسْرِ وَهِي الَّتِي ترْضع كثيرا. والسعالي: بِفَتْح السِّين قَالَ أَبُو عَليّ القالي فِي كتاب الْمَقْصُور والممدود السعلي بِالْكَسْرِ وبالقصر: ذكر الغيلان وَالْأُنْثَى سعلاة: وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال: السعلاة: سَاحِرَة الْجِنّ. حَدثنَا أَبُو) بكر بن دُرَيْد قَالَ: ذكر أَبُو عُبَيْدَة وأحسب الْأَصْمَعِي قد ذكره أَيْضا قَالَ: لقِيت السعلاة حسان بن ثَابت فِي بعض طرقات الْمَدِينَة وَهُوَ غُلَام قبل أَن يَقُول الشّعْر فبركت على صَدره وَقَالَت: أَنْت الَّذِي يَرْجُو قَوْمك أَن تكون شَاعِرهمْ قَالَ: نعم قَالَت: فأنشدني ثَلَاثَة أَبْيَات على رُوِيَ وَاحِد وَإِلَّا قتلتك فَقَالَ: (إِذا مَا ترعرع فِينَا الْغُلَام ... فَمَا إِن يُقَال لَهُ: من هوه) (إِذا لم يسد قبل شدّ الْإِزَار ... فَذَلِك فِينَا الَّذِي لَا هوه) (ولي صاحبٌ من بني الشيصبان ... فحيناً أَقُول وحيناً هوه)

стр. 897

فخلت سَبيله. ا. هـ. والشيصبان بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَبعدهَا يَاء مثناة تحتية وَبعدهَا صَاد مُهْملَة مَفْتُوحَة وَبعدهَا بَاء مُوَحدَة قَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: هُوَ ابْن جني من الْجِنّ. . وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وروى أَبُو سعيد السكرِي هَذَا الْبَيْت فِي أشعار هُذَيْل كَذَا: (لَهُ نسوةٌ عاطلات الصدو ... رعوجٌ مراضيع مثل السعالي) وَقَالَ: عوج: مهازيل مثل الغيلان فِي سوء الْحَال هُوَ جمع عوجاء. قَالَ فِي الصِّحَاح: وَهَذَا الْبَيْت لأمية بن أبي عَائِد الْهُذلِيّ من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا سِتَّة وَسَبْعُونَ بَيْتا على رِوَايَة أبي سعيد السكرِي فِي أشعار الهذليين وَهَذَا مطْلعهَا: إِلَّا يَا لقومٍ لطيف الخيال يؤرق من نازحٍ ذِي دلال الطيف هُنَا مصدر طَاف الخيال يطِيف طيفاً. ويؤرق: يسهد. وَقَوله: من نازح أَي: من حبيب بعيد. وَهَذَا من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أوردهُ شَاهدا على فتح اللَّام الأولى وَكسر

стр. 898

الثَّانِيَة فرقا بَين المستغاث بِهِ والمستغاث من أَجله. قَالَ سِيبَوَيْهٍ مَعْنَاهُ: من لطيف الخيال من نازحٍ ذِي دلالٍ يؤرقني. وَذكر النازح لِأَنَّهُ أَرَادَ الشَّخْص. والدَّلال: الدّلَالَة بحسنٍ ومحبةٍ وَنَحْوهَا. (أجَاز إِلَيْنَا على بعده ... مهاوي خرقٍ مهابٍ مهال) أجَاز الخيال: أَي: قطع إِلَيْنَا على بعده. مهاوي: مَوَاضِع يهوى وَيسْقط فِيهَا وَهُوَ مفعول اجاز. والْخرق بِالْفَتْح: الفلاة الواسعة تنخرق فِيهَا الرِّيَاح. ومهاب بِالْفَتْح: مَوضِع هَيْبَة.) (صحارٍ تغول جنانها ... وأحداب طودٍ رفيع الحبال) صحارٍ: جمع صحراء. وتغول: تتلون كالغول. والْجنان بِالْكَسْرِ: جمع جَان وَهُوَ أَبُو الْجِنّ. وأحداب مَنْصُوب بالْعَطْف على مهاوي وَهُوَ جمع حدب بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض. (خيالٌ لجعدة قد هاج لي ... نكاساً من الْحبّ بعد اندمال) أَي: ذَلِك الخيال خيال جعدة. يُقَال: عرض لي نكس ونكاس بضمهما. واندمل: أَفَاق بعض الْإِفَاقَة. (تسدى مَعَ النّوم تمثالها ... دنو الضباب بَطل زلال)

стр. 899

أَي: غشينا خيالها كَمَا تغشى الضباب الأَرْض. الْأَصْمَعِي: الضباب: الْغَيْم. والطل: الندى. والزلَال: الصافي. (فباتت تسائلنا فِي الْمَنَام ... وأحبب إِلَيّ بِذَاكَ السُّؤَال) (تثني التَّحِيَّة بعد السَّلَام ... ثمَّ تفدي بعم وخال) (فقد هاجني ذكر أم الصَّبِي ... من بعد سقمٍ طَوِيل المطال) أَي: المطاولة. (وَمر الْمنون بأمرٍ يغو ... ل من رزء نفسٍ وَمن نقص مَال) (إِلَى الله أَشْكُو الَّذِي قد أرى ... من النائبات بعافٍ وعال) أَي: تَأْخُذ بِالْعَفو والسهولة أَو تقهر فتعلو وتعظم يُقَال عاله الْأَمر: إِذا تفاقم بِهِ شكا إِلَى الله مَا أَصَابَهُ من دهره. (وإظلال هَذَا الزَّمَان الَّذِي ... يقلب بِالنَّاسِ حَالا لحَال) مَعْطُوف على الَّذِي وَهُوَ مصدر أطل على الشَّيْء بِمَعْنى أشرف عَلَيْهِ. (وَجهد بلاءٍ إِذا مَا أَتَى ... تطاول أَيَّامه والليالي) عطف على الَّذِي أَيْضا. (فسل الهموم بعيرانةٍ ... مواشكة الرجع بعد النقال) أَي: سريعٌ رَجَعَ يَديهَا. والمناقلة: ضرب من السّير.)

стр. 900

ثمَّ أَخذ فِي وصف نَاقَته. . إِلَى أَن شبهها بِحِمَار الْوَحْش وَوَصفه بِشَيْء كثير إِلَى أَن ذكر أَنه أورد أتنه المَاء. . فَقَالَ: (فَلَمَّا وردن صدرن النقيل ... كأوب مرامي غويٌ مغالي) النقيل: المناقلة فِي السّير وَأَصله إِذا وَقع فِي حجارةٍ ناقل وَهُوَ أَن ينْقل قوائمه يَضَعهَا بَين كل حجرين. والمغالي: المرامي الَّذِي يغالي فِي الرَّمْي غَيره ينْظرَانِ أَيهمَا أبعد سَهْما. يَقُول: آبت كأوب السِّهَام. وأوبها إِذا نزع النازع فِي الْقوس فَإِذا أرسل السهْم فقد آب من حَيْثُ نزع. (فأسلكها مرْصدًا حَافِظًا ... بِهِ ابْن الدجى لاصقاً كالطحال) أَي: فأسلكها الْفَحْل وَهُوَ حمَار الْوَحْش مرْصدًا أَي: مَكَانا يرصد بِهِ الرَّامِي الْوَحْش. وَقَوله: بِهِ أَي: بالمرصد. وابْن الدجى: الصياد وَهُوَ جمع دجية وَهِي بَيت الصَّائِد تكون حفيرةً يسْتَتر فِيهَا لِئَلَّا يرَاهُ الْوَحْش. وَقَوله: لاصقاً. . الخ يَقُول: قد لصق الصياد بِأَرْض حفيرته ليخفى عَن الصَّيْد كَمَا لصق الطحال بالجنب. (مقيتاً معيداً لأكل القنيص ... ذَا فاقةٍ ملحماً للعيال) المقيت: المقتدر من أقات على الشَّيْء بِمَعْنى اقتدر عَلَيْهِ. والمعيد: الَّذِي قد اعْتَادَ صيد القنيص. والملحم: اسْم فَاعل من ألحم إِذا أطْعم اللَّحْم. ويأوي إِلَى نسوةٍ عطل ... الْبَيْت

стр. 901

فَاعله ضمير ابْن الدجى وَهُوَ الصياد. (تراح يَدَاهُ بمحشورةٍ ... خواظي القداح عجاف النصال) فِي الصِّحَاح: راحت يَده بِكَذَا: خفت لَهُ. والمحشورة: نبل قد ألطف قذذها وَهُوَ أسْرع لَهَا وَأبْعد. وخواظي القداح: جمع خاظية أَي: متينة مكتنزة. والقداح: جمع قدح بِالْكَسْرِ وَهُوَ عود السهْم. وعجاف النصال: أَي: قد أرهفت حَتَّى دقَّتْ. ثمَّ وصف قوسه ونباله وَصدق رميه. . إِلَى أَن قَالَ: (فعما قليلٍ سَقَاهَا مَعًا ... بمزعف ذيفان قشبٍ ثمال) المزعف: الْمَوْت السَّرِيع. والذيفان: السم. والقشب بِالْكَسْرِ: أَن يخلط بِشَيْء ليقْتل. وثمال بِالضَّمِّ: منقع. شبه السِّهَام بِهِ.) (سوى العلج أخطأه رائغاً ... بثجراء ذَات غرارٍ مسالٍ) يَقُول: سَقَاهَا بمزعف سوى العلج أخطأه فَلم يصبهُ. والعلج بِالْكَسْرِ: الْحمار الغليظ. وثجراء: صقيلة عريضة. وغرارها: حَدهَا. ومسال: ممطول وَمِنْه خد أسيل وأسال. (فجال عَلَيْهِنَّ فِي نفره ... ليفتنهن لزول الزَّوَال)

стр. 902

جال عَلَيْهِنَّ: أقبل وَاعْتمد عَلَيْهِنَّ فِي نفره حَتَّى نفر. ليفتنهن: أَي: ليشتق بِهن أَي: ليزول بِهن عَن الرَّامِي. (فَلَمَّا رآهن بالجلهتين ... يكبون فِي مطحرات الإلال) الجلهة: مَا اسْتقْبلت من الْوَادي. يكبون فِي مطحرات يَعْنِي سهاماً. والمطحر: الملزق. و (رمى بالجراميز عرض الوجين ... وارمد فِي الجري بعد انفتال) رمى: أَي: الْحمار يُقَال: رمى بالجراميز أَي: بِنَفسِهِ. والوجين: مَا اعْترض لَك من غلظ. وارمد: أسْرع فِي الْعَدو بعد أَن كَانَ انْفَتَلَ انفتالةً فجال. ثمَّ وصف الْحمار بِشدَّة عدوه حينما نفر من الصياد وَرَأى أتنه مصرعة. . إِلَى أَن قَالَ: (أشبه رَاحِلَتي مَا ترى ... جواداً ليسمع فِيهَا مقالي) (وأنجو بهَا عَن ديار الهوا ... ن غير انتحال الذَّلِيل الموَالِي) بهَا: أَي: براحلتي. والموَالِي: الَّذِي يَقُول أَنا مَوْلَاك. يَقُول: لَيْسَ كَمَا ينتحل الذَّلِيل الموَالِي. أَي: لَا أَقُول ذَلِك وَلَا أَفعلهُ أَي: انتحالاً. (وأطلب الْحبّ بعد السلو ... حَتَّى يُقَال: امرؤٌ غير سَالَ)

стр. 903

اشْتهى أَن يعاود الْحبّ والهوى بَعْدَمَا رأى النَّاس أَنه قد أقلع. (أسلي الهموم بأمثالها ... وأطوي الْبِلَاد وأقضي الكوالي) أَي: وأقضي مَا تَأَخّر عَليّ من الْحُقُوق. يُقَال: دين كالئ: إِذا تَأَخّر. أَي: أَقْْضِي الدَّين بوفادةٍ على هَذِه الرَّاحِلَة إِلَى ملك أَو أضْرب فِي الأَرْض لمكسب. (وَأَجْعَل فقرتها عدَّة ... إِذا خفت بيُوت أمرٍ عضال) وَهَذَا آخر القصيدة يُقَال: بعير ذُو فقرة: إِذا كَانَ قَوِيا على الرّكُوب. وبيُوت: هُوَ أَمر جَاءَ بياتاً. وعضال: شَدِيد. يَقُول: أجعلها عدَّة إِذا نزل بِي أَمر معضل هربت عَلَيْهَا. وأُميَّة هَذَا هُوَ أُميَّة بن أبي عَائِذ. بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْعمريّ. أحد بني عَمْرو بن الْحَارِث بن) تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. . شَاعِر إسلامي مخضرم على مَا فِي الْإِصَابَة عَن المرزباني. وَفِي الأغاني: أَنه من شعراء الدولة الأموية وَأحد مداحهم. لَهُ فِي عبد الْملك بن مَرْوَان وَعبد الْعَزِيز قصائد. وَقد وَفد إِلَى عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بِمصْر وَأنْشد قصيدته الَّتِي أَولهَا: ...

стр. 904

(أَلا إِن قلبِي مَعَ الظاعنينا ... حزينٌ فَمن ذَا يعزي الحزينا) (وَسَار بمدحه عبد الْعزي ... ز ركبان مَكَّة والمنجدونا) (وَقد ذَهَبُوا كل أَوب بهَا ... فَكل أناسٍ بهَا معجبونا) (محبرة من صَحِيح الكلا ... م لَيست كَمَا لفق المحدثونا) وَطَالَ مقَامه بِمصْر عِنْده وَكَانَ يأنس بِهِ. وَوَصله بصلات سنية فتشوق إِلَى الْبَادِيَة وَإِلَى أَهله فَأذن لَهُ وَوَصله. وَأنْشد بعده وَهُوَ (لحا الله جرما كلما ذَر شارقٌ ... وُجُوه كلابٍ هارشت فازبأرت) على أَن قَوْله: وُجُوه كلاب مَنْصُوب على الذَّم. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لعَمْرو بن معد يكرب. وَهِي: (وَلما رَأَيْت الْخَيل زوراً كَأَنَّهَا ... جداول زرعٍ أرْسلت فاسبطرت) (فَجَاشَتْ إِلَيّ النَّفس أول مرةٍ ... فَردَّتْ على مكروهها فاستقرت) (علام تَقول الرمْح يثقل عَاتِقي ... إِذا أَنا لم أطعن إِذا الْخَيل كرت) (لحا الله جرما كلما ذَر شارقٌ ... وُجُوه كلابٍ هارشت فازبأرت) (فَلم تغن جرمٌ نهدها أَن تلاقيا ... وَلَكِن جرما فِي اللِّقَاء ابذعرت)

стр. 905

. (ظللت كَأَنِّي للرماح دريةٌ ... أقَاتل عَن أَبنَاء جرمٍ وفرت) (فَلَو أَن قومِي أنطقتني رماحهم ... نطقت وَلَكِن الرماح أجرت) هَذَا الْمِقْدَار أوردهُ أَبُو تَمام فِي الحماسة. وَفِي ديوانه أَكثر من هَذَا. وقصة هَذِه الأبيات: هُوَ مَا حَكَاهُ الْمفضل الطبرسي فِي شرح الحماسة: أَن جرما ونهداً وهما قبيلتان من قضاعة كَانَتَا من بني الْحَارِث بن كَعْب فقتلت جرمٌ رجلا من أَشْرَاف بني الْحَارِث فارتحلت عَنْهُم وتحولت فِي بني زبيد. فَخرجت بَنو الْحَارِث يطْلبُونَ بِدَم أخيهم فَالْتَقوا فعبأ عمرٌ وجرما لنهد وتعبأ هُوَ وَقَومه لبني الْحَارِث. ففرت جرم واعتلت بِأَنَّهَا كرهت دِمَاء نهد) فهزمت يومئذٍ بَنو زبيد. فَقَالَ عمرٌ وهَذِه الأبيات يلومها. ثمَّ غزاهم بعد فانتصف مِنْهُم. فَقَوله: زوراً هُوَ جمع أَزور وَهُوَ المعوج الزُّور بِالْفَتْح أَي: الصَّدْر. يَقُول: لما رَأَيْت الفرسان منحرفين لِلطَّعْنِ وَقد خلوا أَعِنَّة دوابهم وارسلوها علينا كَأَنَّهَا أَنهَار زرعٍ أرْسلت مياهها فاسبطرت أَي: امتدت. والتشبيه وَقع على جري المَاء فِي الْأَنْهَار لَا على الْأَنْهَار فَكَأَنَّهُ شبه امتداد الْخَيل فِي انحرافها عِنْد الطعْن بامتداد المَاء فِي الْأَنْهَار وَهُوَ يطرد ملتوياً ومضطرباً. وَهَذَا تَشْبِيه بديع. وَقَوله: فَجَاشَتْ. . الخ جَاشَتْ: ارْتَفَعت من فزع. وَهَذَا لَيْسَ لكَونه جَبَانًا بل هَذَا بَيَان حَال النَّفس. وَنَفس الجبان والشجاع سواءٌ فِيمَا يدهمها عِنْد الوهلة الأولى ثمَّ يَخْتَلِفَانِ: فالجبان يركب نفرته والشجاع يَدْفَعهَا

стр. 906

فَيثبت. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان: وجدت فرسَان الْعَرَب سِتَّة نفر: ثَلَاثَة مِنْهُم جزعوا من الْمَوْت عِنْد اللِّقَاء ثمَّ صَبَرُوا وَثَلَاثَة لم يجزعوا. قَالَ عَمْرو: فَجَاشَتْ إِلَيّ النَّفس أول مرةٍ ... ... ... ... ... الْبَيْت وَقَالَ ابْن الإطنابة: (وَقَوْلِي كلما جشأت وجاشت: ... مَكَانك تحمدي أَو تستريحي) (إِذْ يَتَّقُونَ بِي الأسنة لم أخم ... عَنْهَا وَلَكِنِّي تضايق مقدمي) فَأخْبر هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَنهم هابوا ثمَّ أقدموا. وَقَالَ عَامر بن الطُّفَيْل: (أَقُول لنفسٍ مَا أُرِيد بقاءها ... أقلي المراح إِنَّنِي غير مُدبر) وَقَالَ قيس بن الخطيم: (وَإِنِّي فِي الْحَرْب الضروس موكلٌ ... بإقدام نفيسٍ مَا أُرِيد بقاءها) وَقَالَ الْعَبَّاس بن مرداس: (أَشد على الكتيبة لَا أُبَالِي ... أحتفي كَانَ فِيهَا أم سواهَا) فَأخْبر هَؤُلَاءِ انهم لم يجزعوا.

стр. 907

الْفَاء زَائِدَة وجاشت: جَوَاب لما عِنْد الْكُوفِيّين والأخفش. وَعند الْبَصرِيين للْعَطْف وَالْجَوَاب مَحْذُوف يقدر بعد قَوْله: فاستقرت أَي: طاعنت أَو أبليت. والقرينة عَلَيْهِ قَوْله: علام تَقول الرمْح. . الْبَيْت كَذَا قَالَ شرَّاح الحماسة وَهَذَا تعسف نَشأ من أبي تَمام فَإِنَّهُ حذف بَيت الْجَواب اختصاراً كعادته. لَكِن كَانَ على الشَّارِح مُرَاجعَة الأَصْل. وَالْجَوَاب هُوَ الْبَيْت الثَّالِث) الْمَحْذُوف وَهُوَ: (هَتَفت فَجَاءَت من زبيد عصابةٌ ... إِذا طردت فاءت قَرِيبا فَكرت) وفاءت بِمَعْنى رجعت. وَأول مرّة: ظرف. وَقَوله: علام تَقول الرمْح. . الخ أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن على فِيهِ تعليلية. وَأوردهُ فِي شرح الألفية أَيْضا شَاهدا على إِعْمَال تَقول عمل ظن. وَمَا استفهامية وَلها حذف ألفها. وأثقله الشَّيْء: أجهده. والعاتق: مَا بَين الْمنْكب والعنق وَهُوَ مَوضِع الرِّدَاء. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: يرْوى الرمْح بِالنّصب وَالرَّفْع: فَأَما الرّفْع فعلى ظَاهر الْأَمر وَأما النصب فعلى اسْتِعْمَال القَوْل بِمَعْنى الظَّن وَذَلِكَ مَعَ اسْتِفْهَام الْمُخَاطب كَقَوْلِه: أجهالاً تَقول بني لؤَي وعَلى قَوْله: فَمَتَى تَقول الدَّار تجمعنا

стр. 908

وروى لنا أَبُو عَليّ بَيت الحطيئة: (إِذا قلت أَنِّي آيبٌ أهل بلدةٍ ... حططت بهَا عَنهُ الولية بالهجر) بِفَتْح الْهمزَة من أَنِّي قَالَ: وَمَعْنَاهَا إِذا قدرت وظننت أَنِّي آيب. فَإِن قيل: فَلَيْسَ هُنَا اسْتِفْهَام فَكيف جَازَ اسْتِعْمَال القَوْل اسْتِعْمَال الظَّن قيل: لم يجز هَذَا للاستفهام وَحده بل لِأَن الْموضع من مَوَاضِع الظَّن. وَلَو كَانَ للاستفهام مُجَرّد من تقاضي الْموضع لَهُ وتلقيه إِيَّاه فِيهِ لجَاز أَيْضا أأقول زيدا مُنْطَلقًا وأيقول زيدا عمرا جَالِسا وَلما لم يجز ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يكَاد يَسْتَفْهِمهُ عَن ظن غَيره علمت بِهِ أَن جَوَازه إِنَّمَا هُوَ لِأَن الْموضع مُقْتَض لَهُ. وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك جَازَ أَيْضا: إِذا قلت أَنِّي آيب بِفَتْح همزَة أَنِّي من حَيْثُ كَانَ الْموضع متقاضياً للظن. وَهَذِه رِوَايَة غَرِيبَة لَطِيفَة. وَلَو كسرت هُنَا همزَة إِن لكَانَتْ كالرفع فِي قَوْلك: أَتَقول زيدٌ منطلق إِذا حكيت وَلم تعْمل. وَأما إِذا وإِذا فِي الْبَيْت ففيهما نظر: وَذَلِكَ ان كل وَاحِدَة مِنْهُمَا محتاجة إِلَى ناصب هُوَ جوابهما وكل واحدةٍ مِنْهُمَا جوابها مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ مَا قبلهَا. وَشرح ذَلِك أَن تَقول: إِن إِذا الأولى جوابها مَحْذُوف حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا أَنا لم أطعن وَجب طرحي الرمْح عَن عَاتِقي. فَدلَّ قَوْله: علام تَقول الرمْح يثقل عَاتِقي على مَا أَرَادَهُ من وجوب طرح الرمْح إِذا لم يطعن بِهِ) كَقَوْلِك: أَنْت ظَالِم إِن فعلت أَي: إِن فعلت ظلمت ودلك أَنْت ظَالِم على ظلمت. وَهَذَا بابٌ وَاضح. . وَإِذا الأولى وَمَا نَاب عَن

стр. 909

جوابها فِي مَوضِع جَوَاب إِذا الثَّانِيَة أَي: نائبٌ عَنهُ ودال عَلَيْهِ وتلخيصه: أَنه كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا الْخَيل كرت وَجب إلقائي الرمْح مَعَ تركي الطعْن بِهِ. وَمثله من التَّرْكِيب: أزورك إِذا أكرمتني إِذا لم يَمْنعنِي من ذَلِك مَانع فاعرف صِحَة الْغَرَض فِي هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ طَرِيق ضيق وكل مجتازٍ فِيهِ قَلِيل التَّأَمُّل لمحصول حَدِيثه فَإِنَّمَا يأنس بِظَاهِر اللَّفْظ وَلَا يوليه والتبريزي جعل إِذا الأولى ظرفا لقَوْله: يثقل وَإِذا الثَّانِيَة ظرفا لقَوْله: لم أطعن بِضَم الْعين لِأَنَّهُ يُقَال: طعنه بِالرُّمْحِ من بَاب قتل. وَقَوله: لحا الله جرما. . الخ أصل اللحو نزع قشر الْعود. يَدْعُو عَلَيْهِم بِالْهَلَاكِ: أَي: قشرهم الله غَدَاة كل يَوْم. والذرور فِي الشَّمْس بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة: أَصله الانتشار والتفريق وَيُقَال: ذرت الشَّمْس: طلعت. وشارق: الشَّمْس. وكلما مَنْصُوب على الظّرْف. ووجوه: مَنْصُوب على الذَّم والشتم وَيجوز أَن يكون بَدَلا من جرما. وهارشت فِي الصِّحَاح: الهراش: المهارشة بالكلاب وَهُوَ تحريش بَعْضهَا على بعض. وَقَوله: فازبأرت أَي: انتفشت حَتَّى ظهر أصُول شعرهَا وتجمعت للوثب. وَهَذِه الْحَالة أشنع حالات الْكلاب. وَهَذَا تحقير للمشبه وتصوير لقباحة منظره. شبه وُجُوههم بِوُجُوه الْكلاب فِي هَذِه الْحَالة.

стр. 910

وَقَوله: فَلم تغن جرمٌ. . الخ أَي: لم تقاوم جرم نهداً بل فرت مِنْهَا. وَقَالَ الطبرسي: لم تغن أَي: لم تكف جرمٌ نهداً وَلكنهَا فرت. قَالَ الشَّاعِر: وأغن نَفسك عَنَّا أَيهَا الرجل وابذعرت: تَفَرَّقت. وَقَالَ الإِمَام المرزوقي وَالْمعْنَى: لم تنصر جرم نهداً وَقت الالتقاء وَلَكِن جرما انْهَزَمت وهامت على وَجههَا فمضت واصطلت نهدٌ بِنَار الْحَرْب ومست حَاجَتهَا إِلَى من ينصرها ويذب عَنْهَا الْأَعْدَاء. وأضاف نهدها إِلَى ضمير جرم أَن اعتمادهم كَانَ عَلَيْهَا واعتقادهم الِاكْتِفَاء بهَا ا. هـ. وَهَذَا غَفلَة عَن سَبَب الأبيات. وَإِضَافَة نهد إِلَى ضمير جرم للملابسة فَإِن جرما أعدت لمقاتلة نهد كَمَا أَن زبيداً أعدت لمقاتلة بني الْحَارِث. وَقَوله: ظللت كَأَن. . الخ أَي: بقيت نهاري منتصباً فِي وُجُوه الْأَعْدَاء والطعن يَأْتِي من) جوانبي أذب عَن جرم وَقد هربت. فالدرية هِيَ الْحلقَة الَّتِي يتَعَلَّم عَلَيْهَا الطعْن وَأما الدرأة بِالْهَمْز فَهِيَ الدَّابَّة الَّتِي يسْتَتر بهَا من الصَّيْد يُقَال: درأتها نَحْو الصَّيْد وَإِلَى الصَّيْد وللصيد: إِذا سقتها من الدرء وَهُوَ الدّفع. وَجُمْلَة كَأَنِّي خبر ظللت. وَجُمْلَة أقَاتل حَال وَيجوز الْعَكْس. قَالَ يُوسُف بن السيرافي فِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق: يَقُول: صرت لِكَثْرَة الطعْن فِي وَدخُول الرماح فِي جَسَدِي كالحلقة الَّتِي يتَعَلَّم عَلَيْهَا الطعْن. وحكايته: أَن جرما كَانَت مَعَ زبيد ونهداً مَعَ بني الْحَارِث بن كَعْب فَالْتَقوا فانهزمت جرم وَبَنُو زبيد وَكَاد عمرٌ ويُؤْخَذ وَقَاتل يَوْمئِذٍ قتالاً شَدِيدا.

стр. 911

وَقَوله: فَلَو أَن قومِي يَقُول: لَو صَبَرُوا وطعنوا برماحهم أعداءهم لأمكنني مدحهم وَلَكِن فرارهم صيرني كالمشقوق اللِّسَان لِأَنِّي إِن مدحتهم بِمَا لم يَفْعَلُوا كذبت ورد عَليّ. يُقَال: أجررت لِسَان الفصيل: إِذا شققت لِسَانه لِئَلَّا يرضع أمه. قَالَ أَبُو الْقَاسِم الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى أخبرنَا ابْن شقير قَالَ: حضرت الْمبرد وَقد سَأَلَهُ رجلٌ عَن معنى قَول الشَّاعِر: فَلَو أَن قومِي أنطقتني رماحهم ... ... ... ... ... ... ... الْبَيْت فَقَالَ: هَذَا كَقَوْل الآخر: (وقافيةٍ قيلت فَلم أستطع لَهَا ... دفاعاً إِذا لم تضربوا بالمناصل) (فأدفع عَن حق بِحَق وَلم يكن ... ليدفع عَنْكُم قالة الْحق باطلي) قَالَ أَبُو الْقَاسِم: معنى هَذَا: أَن الفصيل إِذا لهج بِالرّضَاعِ جعلُوا فِي أَنفه خلالة محددة فَإِذا جَاءَ يرضع أمه نخستها تِلْكَ الخلالة فمنعته من الرَّضَاع فَإِن كف. . وَإِلَّا أجروه. والإجرار: أَن يشق لِسَان الفصيل أَو يقطع طرفه فَيمْتَنع حِينَئِذٍ من الرَّضَاع ضَرُورَة. فَقَالَ قَائِل الْبَيْت الأول: إِن قومِي لم يقاتلوا فَأَنا مجرٌ عَن مدحهم لِأَنِّي مَمْنُوع كَأَن رماحهم حِين قصروا عَن الْقِتَال بهَا أجرتني عَن مدحهم كَمَا يجر الفصيل. عَن الرَّضَاع. ففسره أَبُو الْعَبَّاس بالبيتين اللَّذين مضيا. وللإجرار مَوضِع آخر وَهُوَ أَن يطعن الْفَارِس الْفَارِس فَيمكن الرمْح فِيهِ ثمَّ يتْركهُ مُنْهَزِمًا يجر الرمْح فَذَلِك قَاتل لَا محَالة. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:

стр. 912

وَقَول الآخر: ونقي بِأَفْضَل مالنا أحسابنا ونجر فِي الهيجا الرماح وندعي ا. هـ قَوْله: وندعي أَي: ننتسب فِي الْحَرْب كَمَا ينتسب الشجاع فِي الْحَرْب فَيَقُول: أَنا فلَان ابْن فلَان.) ومعدي اشتقاقه مثل اشتقاق معدان وَيزِيد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يجوز أَن يكون من الْعدوان فقلبت الْوَاو يَاء لما بني على مفعل أَو يكون بني على مفعول فقلبت الْوَاو يَاء ثمَّ خففت الْيَاء لطول الِاسْم لِأَنَّهُ جعل مَعَ كرب كالاسم الْوَاحِد. وكرب يجوز أَن يكون من الكرب الَّذِي هُوَ أَشد الْغم أَو من كرب فِي معنى قَارب أَو من أكربت الدَّلْو: إِذا شددتها بالكرب وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشد على الْعِرَاقِيّ قَالَ ابْن جني: فسره ثَعْلَب: أَنه عداهُ الكرب أَي: تجاوزه وَانْصَرف عَنهُ.

стр. 913

وعصم بِضَم الْعين وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ. وزبيد مصغر زبدة أَو زبد والزبد: الْعَطاء يُقَال: زبده زبداً: إِذا أعطَاهُ. وَقَالَ شَارِح ديوانه: وَسمي زبيداً لِأَنَّهُ قَالَ: من يزبدني نَصره وَكَذَا رَأَيْت فِي جمهرة الْأَنْسَاب. إِنَّمَا سمي زبيداً لِأَنَّهُ قَالَ: من يزبدني نَصره لما كثر عمومته وَبَنُو عَمه فَأَجَابُوهُ كلهم. فسموا كلهم زبيداً مَا بَين زبيد الْأَصْغَر إِلَى مُنَبّه بن صَعب وَهُوَ زبيد الْأَكْبَر. وَأَخُوهُ زبيد الْأَصْغَر كلهم يدعى زبيداً ا. هـ. وكنية عَمْرو أَبُو ثَوْر. وَهُوَ الْفَارِس الْمَشْهُور صَاحب الغارات والوقائع فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. قَالَ فِي الِاسْتِيعَاب: وَفد على النَّبِي ﷺ َ فِي سنة تسع. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: فِي سنة عشر فِي وَفد زبيد فَأسلم ا. هـ. وَأقَام مُدَّة فِي الْمَدِينَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى قومه وَأقَام فيهم سَامِعًا مُطيعًا وَعَلَيْهِم فَرْوَة بن مسيك فَلَمَّا توفّي النَّبِي ﷺ َ ارْتَدَّ. قَالَ النَّوَوِيّ فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات: ارْتَدَّ مَعَ الْأسود الْعَنسِي فَسَار إِلَيْهِ خَالِد بن سعيد فَقتله فَضَربهُ خَالِد على عَاتِقه فَانْهَزَمَ وَأخذ خالدٌ سَيْفه. فَلَمَّا رأى عَمْرو الأمداد من أبي بكر ﵁ أسلم وَدخل على المُهَاجر بن أبي أُميَّة بِغَيْر أَمَان فأوثقه وَبعث بِهِ إِلَى أبي بكر فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: أما تَسْتَحي كل يَوْم مهزوماً أَو مأسوراً لَو عززت هَذَا الدَّين لرفعك الله قَالَ: لَا جرم لأقبلن وَلَا أَعُود. فَأَطْلقهُ وَعَاد إِلَى قومه. ثمَّ عَاد إِلَى الْمَدِينَة فَبَعثه أَبُو بكر ﵁ إِلَى الشَّام فَشهد اليرموك ا. هـ.) وَله فِي يَوْم اليرموك بلاءٌ حسن وَقد ذهبت فِيهِ إِحْدَى عَيْنَيْهِ. ثمَّ بَعثه

стр. 914

عمر ﵁ إِلَى الْعرَاق وَله فِي الْقَادِسِيَّة أَيْضا بلَاء حسن وَهُوَ الَّذِي ضرب خطم الْفِيل بِالسَّيْفِ فانهزمت الْأَعَاجِم وَكَانَ سَبَب الْفَتْح. وَمَات فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين من الْهِجْرَة. وَفِي كَيْفيَّة مَوته خلاف. قيل: مَاتَ عطشاً يَوْم الْقَادِسِيَّة وَقيل: قتل فِيهِ وَقيل: بل مَاتَ فِي وقْعَة نهاوند بعد الْفَتْح وَقيل: غير ذَلِك. وعمره يَوْمئِذٍ مائَة وَعِشْرُونَ وَقيل: مائَة وَخَمْسُونَ. وَلم يذكرهُ السجسْتانِي فِي المعمرين. رُوِيَ أَن رجلا رَآهُ وَهُوَ على فرسه فَقَالَ: لأنظر مَا بَقِي من قُوَّة أبي ثَوْر. فَأدْخل يَده بَين سَاقه وجنب الْفرس فَفطن لَهَا عَمْرو فضم رجله وحرك الْفرس فَجعل الرجل يعدو مَعَ الْفرس وَلَا يقدر أَن ينْزع يَده حَتَّى إِذا بلغ مِنْهُ صَاح بِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أخي: مَالك قَالَ: يَدي تَحت ساقك فخلى عَنهُ. وَقَالَ لَهُ: إِن فِي عمك بَقِيَّة. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: لما تقدم فِي الْبَيْت قبله أَعنِي أَن نصب وُجُوه على الشتم. قَالَ النّحاس: وَيجوز رَفعه على إِضْمَار مُبْتَدأ أَو على أَن تَجْعَلهُ بَدَلا من أقارع عَوْف: تبدل النكرَة من الْمعرفَة مثل: لنسفعاً بالناصية. ناصيةٍ كاذبةٍ. وَنقل ابْن السَّيِّد البطليوسي عَن يُونُس بن حبيب فِي أَبْيَات الْمعَانِي أَنه

стр. 915

قَالَ: لَو شِئْت رفعت مَا نصبته على الِابْتِدَاء وتضمر فِي نَفسك شَيْئا لَو أظهرته لم يكن مَا بعده إِلَّا رفعا كَأَنَّك قلت: لَهُم وُجُوه قرودٍ ا. هـ. وَهَذَا الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدةٍ يعْتَذر بهَا إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر مِمَّا وشت بِهِ بَنو قريع. وَقَبله: (لعمري وَمَا عمري عَليّ بهينٍ ... لقد نطقت بطلاً عَليّ الأقارع) وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن جملَة وَمَا عمري عَليّ بهين مُعْتَرضَة بَين الْقسم وَجَوَابه. . الْعُمر بِفَتْح الْعين هُوَ الْعُمر بضَمهَا لَكِن خص اسْتِعْمَال المفتوح بالقسم أَي: مَا قسمي بعمري هينٌ عَليّ حَتَّى يتهم متهمٌ بِأَنِّي أَحْلف بِهِ كَاذِبًا. والبطل بِالضَّمِّ هُوَ الْبَاطِل وَنصب على الْمصدر أَي: نطقت نطقاً بَاطِلا.) وَقَوله: أقارع عَوْف بدلٌ من الأقارع. ولَا أحاول لَا أُرِيد. والمجادعة بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة هُوَ أَن يَقُول كلٌ من شَخْصَيْنِ: جدعاً لَك أَي: قطع الله أَنْفك. وَهِي كلمة سبّ من الجدع وَهُوَ قطع الْأذن وَالْأنف. يَقُول: هم سُفَهَاء يطْلبُونَ من يشاتمهم. والأقارع: هم بَنو قريع بن عَوْف بن كَعْب بن زيد مَنَاة بن تَمِيم الَّذين كَانُوا سعوا بِهِ إِلَى النُّعْمَان حَتَّى تغير لَهُ. وَسَمَّاهُمْ أقارع لِأَن قريعاً أباهم سمي بِهَذَا الِاسْم. وَهُوَ تَصْغِير أَقرع وَلِهَذَا جمعه على الأَصْل. وَالْعرب إِذا نسبت الْأَبْنَاء إِلَى الْآبَاء فَرُبمَا سمتهم باسم الْأَب كَمَا قَالُوا: المهالبة والمسامعة فِي بني الْمُهلب وَبني مسمع. وَزعم
следующие страницы →