← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تقديم الوالدة حفظها الله الحمد لله الذي أنعم فأكرم، الحمد لله الذي منّ فأجزل، الحمد لله الذي أعطى فأكثر، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده سبحانه حمد الشاكرين، وأثني عليه ثناء الذّاكرين، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، له الفضل وله النعمة وله الثناء الحسن، أحمدهُ ﵎ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فقد روى الإمام مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»، أسأل الله أن يجمع لنا هذه الخصال. ابنتي: أعجز عن وصف شعوري لما رأيت الكتاب مطبوعًا بين يديّ … لطالما دعوت ربي ورجوته أن أنفع ديني وأخدم أمتي، وأن أنشر العلم … ، فلم يسعني الوصول لما أتطلّع إليه، فمنَّ عليّ الكريم بفضله بمن يواصل مسيرتي وينفعني، ويحيي كتبي، ويستعمل مكتبتي فيما يرضي ربي . فجنينا بفضل الله وتوفيقه ثمرة ذلك في هذه الرسالة المباركة، التي أسأل الله أن يجعلها من العلم النافع الذي يكون حجة لكِ لا عليكِ، وأن ينفع بها الأمة الإسلامية؛ تنفعها في سلامة عقيدتها، التي هي أُس الدين وأساسه.

стр. 2

ابنتي: أوصيك بتقوى الله وهي الوصية التي أوصى الله ﷻ بها الأولين والآخرين: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا *﴾ [النساء: ١٣١]. واعلمي بارك الله فيكِ أن قيمة المرء بالعلم النافع، كما قال الناظم: وقيمة المرء ما قد كان يُحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداءُ فقم بعلم ولا تطلب به بدلاً فال ناس موتى وأهل العلم أحياءُ واحرصي على العمل بالعلم؛ فإن العلم ثمرته العمل: وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن وختامًا: أسأل الله لكِ يا ابنتي مزيدًا من التوفيق والتفوّق والنجاح، وأن لا يحرمنا الأجر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. والدتك .. حرر يوم الخميس ٢١/ ٧/ ١٤٤٠ هـ

стр. 3

تقديم الوالد حفظه الله ابنتي وسميّةُ أمي: أرى أمامك مستقبلاً مشرقًا زاخرًا بالإنجازات المميزة ومفعمًا بالنجاحات الباهرة كم أنا فخورٌ بكِ يا ابنتي .. وفّقك ربّي وسدّدك وأسعدك في الدنيا والآخرة .. والدك

стр. 4

تقريظ المشرف الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد فإن الاهتمام بالآثار والعناية بها والسعي لإحيائها من الموضوعات المهمة في هذا العصر، وتأتي هذه الأهمية من جوانب متعددة منها: من جانب صلة ذلك بالجانب العقدي والآثار المترتبة عليه، ومما لا شك فيه أن إحياء الآثار له صلة كبيرة وواضحة بالجانب العقدي، إذ أول شرك وقع بين الناس كان بسبب إحياء الآثار، كما حصل لقوم نوح ﵇، وأن كثيرًا من البدع والانحرافات في هذه الأمة كانت بسبب إحياء آثار، سواء كانت آثار كتب ومؤلفات أو آثار مشاهد وأماكن ومزارات. من جانب الاهتمام بموضوع الإحياء سواء اهتمامًا بإقامة الفعاليات الخاصة بذلك أو بكتابة المقالات والبحوث في تقرير ذلك والدعوة إلى تبنيه والعناية به، أو السعي في اكتشاف الآثار وإعادة بنائها وترميمها وتسهيل الوصول إليها لعامة الناس. وقد كثرت في هذا الزمن وتعددت الدعوات لإحياء الآثار، وإبراز آثارها الإيجابية حسب زعمهم من الناحية التاريخية والاقتصادية والاجتماعية. حتى التبس ذلك على كثير من الناس، وخفي عليهم الحكم الشرعي، والموقف الصحيح من ذلك. فأصبحت هناك حاجة ماسة لدراسة ذلك الأمر دراسة علمية شرعية،

стр. 5

وتحرير الحكم الشرعي، وبيان الموقف الصحيح من ذلك وفق ما دلت عليه الأدلة الشرعية من نصوص الكتاب والسنة ومن أقوال العلماء من سلف هذه الأمة. من هنا جاءت هذه الرسالة العلمية الموسومة ب (إحياء الآثار دراسة عقدية) من إعداد الأخت الباحثة الفاضلة: منيرة بنت عبد العزيز المقوشي، والذي هدفت فيه إلى جمع شتات الموضوع ودراسته بدقة، وتأصيل علمي؛ لحماية جناب التوحيد، ولسدّ طرق الشرك ووسائله؛ من خلال جمع الجهود العملية، والدعوة إلى التمسك بالسنة وتجنب البدعة. ومن خلال إشرافي على الباحثة في إعداد هذه الرسالة، تبين لي اجتهادها في تحرير المسائل تحريرًا علميًّا مبنيًّا على الأدلة الشرعية الصحيحة، وفق فهم السلف الصالح، والضوابط العلمية السليمة، متوخية فيه الحق، ومتحرية الصدق والإنصاف، وأرادت فيه الخير للمسلمين، أحسبها كذلك والله حسيبها ولا أزكي على الله أحدًا. وقد حرصت الباحثة وسعت في استيعاب جميع المسائل المتعلقة بهذا الموضوع، فلم تدخر جهدًا ولا وقتًا في تحرير ذلك وبيانه بيانًا يزيل الاشتباه والإشكال حوله. ومن ذلك أن تحرير مصطلح الآثار، والذي يكاد ينحصر في كثير من الأذهان حول مفهوم محدد محصور في الآثار المكانية المحسوسة المرئية غير المشروعة. فلم تقف الباحثة عند هذا المفهوم المحصور، وتكتفِ به في رسالتها، وإنما اجتهدت في تحرير هذا المصطلح وتوسعة مدلوله جمعًا بين ما لدى علماء السلف وأهل اللغة وأهل علم الآثار بعد تأسيسه كعلم مستقل؛ فانتهت إلى أن الآثار تشمل: الآثار المروية والمرئية، كما يشمل الآثار الزمانية والمكانية، وسواء كانت آثارًا شرعية أو بدعية أو شركية، مادية أو معنوية، ثابتة أو مزيفة، اندرست أو ما زالت باقية، فاستوعبت ذلك كله حسب ما وقفت عليه، مع اجتهاد وحرص كبيرين في ذلك.

стр. 6

فجاءت الرسالة مشتملة على: نحو ستين مسألة مصنفة في تسعة وثلاثين مطلبًا متضمنة في اثني عشر مبحثًا تحت ثلاثة فصول رئيسة. كما لم تدخر الباحثة في جمع ما يثيره المخالفون من شبه يزعمون أنها استدلالات تؤيد ما ذهبوا إليه من إحياء الآثار والعناية بها وتشريع ذلك، وقد بلغت الشبه ثلاثين شبهة، وقامت الباحثة بتفنيدها، وبيان فسادها وبطلانها في مجموع نحو مائة وجه. وقد اجتهدت الباحثة في تصنيف الآثار، فصنفتها تصنيفًا، قد لا تجده لدى من كتب في ذلك، فجاءت في خمسة أصناف هي الآثار: النبوية، والدينية، والوثنية والجاهلية، وآثار القبور والمشاهد. وهذه الآثار في الجملة لا تخرج عن أحد هذه الحالات: آثار ثابت إحياؤها، وخص الشرع قصدها إما للتعبد بها أو عندها أو للاتعاظ والاعتبار والتذكير بالآخرة. أو آثار غير ثابت إحياؤها، وليس لها خصوصية في الشرع، ولا تقصد لا بالعبادة ولا بالزيارة، فضلاً عن شد الرحال إليها. وساقت نماذج وأمثلة لتلك الآثار، مع بيان الحكم الشرعي لإحياء تلك الأصناف، وأبرز صور المخالفات المترتبة على إحياء الآثار في تلك التصنيفات. وعنيت الباحثة بتحرير بعض الأنواع التي يغفل عنها ولا يتطرق لها كالآثار النبوية سواء كانت: آثارًا حديثية مروية وبيان أنها أعظم وأشرف ما خلّفه النبي ﷺ من آثار، والأدلة على وجوب إحيائها واهتمام السلف بها وحثهم على إحيائها. أو آثارًا نبوية منفصلة عن جسد الرسول ﷺ ، وبيان أن دعوى وجود آثار النبي ﷺ المحسوسة في زماننا هذا، دعوى مجردة عن البرهان والدليل القاطع، إذ إنها تصنف ضمن الآثار المزيفة. كما لم تغفل عن موقف المخالفين من أتباع الفرق والمستشرقين فأبانت حرصهم على إحياء آثار الوثنية الجاهلية والأمم الهالكة، أو مما لم يثبت

стр. 7

صحة نسبته للرسول ﷺ من آثاره، وإهمال الآثار المروية الصحيحة وتعطيلها، وفندت ما تشبثوا به من شبهات وأباطيل. واختتمت الرسالة ببيان المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار، وبيان أسباب تلك المخالفات، والمفاسد المترتبة على إحياء الآثار من عودة المظاهر الشركية، وزعزعة الولاء والبراء لدى المسلمين، وإساءة سمعة الدين الإسلامي، وتفشي القومية والعنصرية، ووقوع الكذب بكل أشكاله. وأحسب أن الباحثة اجتهدت في إخراج البحث بأتم تحرير وأكمل صورة، ولم تدخر جهدًا ولا وقتًا في تحقيق هذا الهدف وهذه الغاية. أسأل الله أن يبارك في الباحثة وهذا البحث، وأن يقيم به الحجة، ويزيل به الشبهة، وأن يعم بنفعه المسلمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

стр. 8

مقدمة الرسالة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ ، أما بعد فقد قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. فطر الله البشر على التوحيد، وهو الأصل الذي كانوا عليه، ثم بعد ذلك تفرقوا واختلفوا بسبب الشرك، والذي كانت بدايته إحياء آثار قوم صالحين. فأول شرك حصل على وجه الأرض كان في قوم نوح ﵇، ولم يظهر ذلك إلا بعد مرور نحو عشرة قرون بعد آدم ﵇، حيث إنهم كانوا على التوحيد، ولم يزل الشيطان دائبًا جادًّا مشمرًا في عداوة بني آدم، فزين لقوم نوح إحياء آثار الصالحين بنصب صورهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وذهب العلم وجاء جيل جاهل عُبدت، كما جاء في الأثر الصحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أَمَّا وَدٌّ: كانت لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ: كانت لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ: فكانت لِمُرَادٍ، ثم لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عند سَبَأٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ: فكانت لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ: فكانت لِحِمْيَرَ، لآِلِ ذِي الْكَلَاعِ.

стр. 9

أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسمّوها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك، وَتَنَسَّخَ العلم عُبِدَتْ (١). فلو جاءهم الشيطان نعوذ بالله منه من أول مرة وأمر قوم نوح بعبادتهم لم يطيعوه ولم يقبلوا ذلك؛ بل أمر الأولين بنصب الصور لتكون ذريعة لمن بعدهم أن يعبدوا الله عندها، ثم تكون عبادة الله عندها ذريعة إلى عبادتها ممن يخلفهم. وللأمم المتأخرة ورث من الأمم الأولى فالأصنام التي في الأمم البائدة قد انتقلت إلى العرب كما جاء في الأثر الصحيح الموقوف عن ابن عباس ﵄ المذكور آنفًا. والتي لم تضمحل إلا بعد أن بعث الله محمدًا ﷺ بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك، فقام ﷺ بتبليغ ما بعثه الله به أكمل قيام، وأوذي في الله أشد الأذى فصبر على ذلك وصبر معه أصحابه ﵃ على تبليغ الدعوة. حتى أزال الله من الجزيرة العربية جميع الأصنام والأوثان التي كانت تُعبد من دون الله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وكسرت الأصنام، وهدمت الأوثان، وعلت كلمة التوحيد وظهر الإسلام. ولعل من خلال الإشارة إلى ما سبق، وجب التنبه إلى ما حدث في هذا الزمان الذي عج بالفتن، وتخبط الناس فيه بين الشبهات والشهوات، وكثرت فيه الدعوات حول إحياء معالم الماضي والتراث، والتباكي على اندراس الآثار، والمناداة بإحيائها، والافتتان بتتبعها، والعناية بها في مواضعها أو في معارض مخصصة، ولا يزال الجدال قائمًا بين الكثير من الناس حولها. فالحديث عن هذا الموضوع الشائك يحتاج إلى بحث علمي دقيق رصين، بعيدًا عن الأحاسيس والعواطف الجياشة، من منظور شرعي عقدي

стр. 10

بحت؛ حفاظًا على الدين، وصيانة له من الوثنيات الجاهلية، وتجنبًا للانجراف في مستنقع الشرك والبدع. ونظرًا لما يؤدي إليه إحياء الآثار من مخاطر تمس العقيدة، تقدمت بأطروحة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحت عنوان: إحياءُ الآثارِ دراسة عقدية تحريًا للحق، وتقصيًا لما كتبه أهل العلم الراسخون في ذلك؛ لكشف الشبهة، وإيضاح الحجة، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. أهمية الموضوع وأسباب اختياره: ١ الإفراط والغلو في الآثار المرئية الجاهلية، والتفريط والإهمال للآثار النبوية الحديثية المروية. ٢ كثرة الدعوات المؤيدة لإحياء الآثار المرئية والاهتمام والاعتناء بها، وإغفال النتائج الوخيمة المترتبة على إحيائها. ٣ ازدياد عدد المقالات والكتب المؤلفة في إحياء الآثار والمطالبة بالعناية بها؛ بحجة الحفاظ على الآثار والتراث وامتلاؤها بالشبهات والانحرافات العقدية. ٤ كثرة الافتتان بالآثار الوثنية والجاهلية، والولاء لها، والتهاون بإحيائها واستبعاد وقوع المخالفات العقدية. ٥ أن التنقيب عن الآثار والبحث عنها لم يظهر إلا في القرن الماضي، حيث يعدّ من العلوم الحديثة التي يُخشى أن تعارض أصولها أصول الدين الإسلامي. أهداف الموضوع: ١ حماية جناب التوحيد، وسد ذرائع الشرك ووسائله. ٢ الدعوة إلى التمسك بالسُّنَّة وتجنب البدعة، من خلال الرد على شبهات المخالفين لأهل السُّنَّة في تعظيمهم للآثار وتبركهم بها واعتبارها وسائل وأسباب شفائية.

стр. 11

٣ تتبع الردود العلمية المتفرقة، والجهود العملية للعلماء المتعلقة بإحياء الآثار، وجمع شتات الموضوع ودراسته بدقة؛ للوصول إلى المنهج الحق وتمييزه عن غيره من المناهج البدعية وهذا الأمر من الواجبات التي ينبغي أن يقوم بها طلاب العلم. الدِّراسات السَّابقة: لم أجد بعد التتبع في المكتبات العامَّة والتِّجاريَّة والرَّسائل الجامعيَّة من تناول هذا الموضوع بالبحث على نحو مستوفٍ. وقد وجدت بعض العناوين المقاربة، والتي تتداخل مع جزئيات بعض عناوين الرسالة، وهي كما يلي: ١ الآثار والمشاهد وأثر تعظيمها في الأمة الإسلامية، للدكتور: عبد العزيز بن عبد الله الجفير: رسالة علميَّة مقدمة لنيل درجة الماجستير في قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين في جامعة أم القرى، عام ١٤١٧ هـ ١٩٩٧ م، وهذه الرسالة تناولت ما يتعلق بالآثار والمشاهد وأثر تعظيمهما على الأمة الإسلامية. وكحال أي عمل بشري لن يبلغ الكمال؛ فالكمال لله ، ولكتابه، ولدينه، فقد تبيَّن على حد علمي القاصر أن هذه الرسالة على أصالتها، وقيمتها العلمية، ووفرة معلوماتها، إلا أنها تفتقر إلى السبر والتقسيم، والتفصيل في أقسام الآثار وأنواعها والمخالفات العقدية الناشئة عن تعظيم الآثار. حيث إن دائرة تعظيم الآثار أضيق من دائرة الإحياء والعناية والاهتمام بها؛ وبسبب انفتاح دائرة الإحياء واشتمالها على الغلو والتعظيم وما هو أكثر من ذلك أو أقل منه بكثير، حصل التساهل به وهذه حجة أغلب من يتهاون في مسألة إحياء الآثار المرئية الوثنية الجاهلية بأنهم لم يقصدوا تعظيمها ولا تقديسها.

стр. 12

لهذا السبب أتت هذه الرسالة توضح أن إحياء الآثار الوثنية والجاهلية وسيلة موصلة للشرك، وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي، يجب الاهتمام به؛ حتى لا تصل الأمة إلى مرحلة لا تحمد عقباها. وكما أن الرسالة التي بين أيديكم تناولت الآثار بالعموم ولم تقتصر على الآثار المحسوسة، وكذلك هي إعادة ترتيب وتقسيم مع تكميل الناقص وإضافة بعض المباحث والفصول مثل: ١ الآثار بأنواعها من خلال اعتبارات مختلفة، ومن حيثيات متنوعة؛ كالآثار باعتبار: المروي والمرئي، الشرعي والشركي، المكاني والزماني، المادي والمعنوي، الثابت والمزيف، الباقي والمندرس، وحكم إحياء كل نوع منها من حيث الزيارة والتردد، وأيضًا من ناحية الاهتمام بعين الآثار وتهيئتها؛ لتسهيل الوصول إليها. ٢ إحياء الآثار المروية الحديثية، وموقف المخالفين في هذا الجانب وتفنيد شبهاتهم. ٣ ربطها بالواقع ك: أ ضرب الأمثلة على الآثار المتواجدة حاليًّا. ب ذكر الأمصار ذوات الآثار وانشغال الناس بها. ج عرض للمحاولات المعاصرة لإحياء الآثار وردود العلماء العلمية وجهودهم العملية في إزالة الآثار والقضاء عليها. ٤ أسباب المخالفات العقدية والمفاسد المترتبة على إحياء الآثار. ٥ شبهات المبتدعة، والمستشرقين حول الآثار بأنواعها، وتفنيدها. ومن الدراسات السابقة أيضًا: ٢ أحكام الآثار في الشريعة الإسلامية دراسة عقدية، للدكتور: خالد بن عبد العزيز السيف:

стр. 13

بحث قصير مؤلَّف من (٥٥) صفحة منشور في مجلة الدراسات العقدية في العدد: (١٦)، ١٤٣٧ هـ. تناول هذا البحث بعض الآثار المرئية المحسوسة وأحكامها إجمالاً، اعتمد على ضابط معنى الآثار عند خبراء الآثار: بأن الأثر ما كانت قيمته من تراكم الزمن، وتباعد التاريخ عليه، وما عدا ذلك ليس بأثر. فتحديد معنى الأثر في هذه الرسالة مرتكز على قيمته، بحيث إنه إذا كان الأثر متعلقًا بشخص أو غيره لا يسمى أثرًا لعدم سريان مقولة التاريخ عليه. ٣ التبرك بآثار النبي ﷺ دراسة عقدية، للدكتور: فهد بن سعد المقرن: بحث مؤلَّف من (٥٢) صفحة منشور في مجلة دراسات إسلامية، في العدد: (٢٥)، ١٤٣٥ هـ ١٤٣٦ هـ، ورد في البحث الإجابة عن عدة تساؤلات، اشتملت على: حكم التبرك بآثار النبي ﷺ في حال حياته، وبعد مماته، وصحة آثاره الباقية إلى يومنا هذا في عدة متاحف، والمنهج الشرعي اتجاه آثار النبي ﷺ . ٤ أحكام الآثار في الفقه الإسلامي، للدكتور: عبد الله الرميح: رسالة علميَّة مقدمة لنيل درجة الدُّكتوراه في قسم الفقه بكلية الشريعة، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تناول فيها الباحث الأحكام الفقهيَّة المتعلقة بالآثار. ٥ الآثار والمشاهد وحكم المحافظة عليها في الشريعة الإسلامية، للباحث: نائل إبراهيم نجم الصرايرة: رسالة علميَّة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الفقه وأصوله بجامعة مؤته، ٢٠١١ م. ٦ حماية الآثار في الفقه الإسلامي، للباحث: أحمد خالد أحمد نوفل: رسالة علميَّة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بغزة، ١٤٣٨ هـ ٢٠١٧ م.

стр. 14

٧ الآثار وتعظيمها بزيارتها لاستعادة تلك الأمجاد، للشيخ الفقيه عبد الله بن حميد ﵀: رسالة قيّمة لا تتجاوز صفحاتها (٤) صفحات، فيها رد على من طالب بإحياء آثار مقامات النبي ﷺ . ٨ حكم الإسلام في إحياء الآثار، لسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: رسالة قيّمة لا تتجاوز صفحاتها (١٠) صفحات، فيها رد على من طالب بإحياء آثار مقامات النبي ﷺ ، وكذلك كتب الشيخ ﵀ مقالين عنوانهما: الرد على مصطفى أمين، والرد على صالح محمد جمال وكلها مدرجة في مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ﵀. ٩ إحياء الآثار الدينية والوثنية، للشيخ سعد بن عبد الرحمن الحصيّن ﵀: رسالة قيّمة لا تتجاوز صفحاتها (١٠) صفحات، وكذلك للشيخ مقالات أخرى حول الآثار بعنوان: الآثار والصّحافة الجاهلة والقدوة الضالة، الآثار بين الوحي والفقه وبين الفكر المخالف لهما، بل هو سد لذرائع الشرك. ١٠ التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة، للشيخ: عبد المحسن العباد البدر: رسالة قيّمة مؤلَّفة من (٤٧) صفحة، حذّر فيها المؤلف من تعظيم الآثار، وأنها وسيلة مفضية إلى الشرك. ١١ إحياء الآثار مقالات وبحوث، لمعالي الشيخ: د. صالح الفوزان: مجموعة مقالات وبحوث، بلغ عددها تقريبًا (١٣) مقالاً وبحثًا، تدور أغلبها حول الآثار المتعلقة بالنبي ﷺ ، اعتنى بها وجمعها الشيخ: فهد بن إبراهيم الفعيم. ١٢ حكم زيارة أماكن السيرة النبوية، للشيخ: د. سعد بن ناصر الشثري: رسالة مؤلَّفة من (٥١) صفحة، تناول فيها المؤلف حكم زيارة المواضع المتعلقة بالسيرة النبوية على جهة: العبادة وكذلك السياحة، كما تناول فيها حكم تهيئتها للزيارة.

стр. 15

خطة البحث: تشتمل الرسالة على مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة، وفهارس. المقدمة، وفيها: أهمية الموضوع، أسباب اختياره، أهدافه، الدراسات السابقة، خطة البحث، منهج البحث، شكر وتقدير. التمهيد، وفيه: التعريف بمفردات العنوان إحياء الآثار. * الفصل الأول: أنواع الآثار؛ وفيه تمهيد، وخمسة مباحث: المبحث الأول: الآثار النبوية؛ وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الآثار النبوية الحديثية المروية. المطلب الثاني: الآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها. المطلب الثالث: آثار مقامات النبي ﷺ المكانية. المبحث الثاني: الآثار الدينية؛ وفيه مطلبان: المطلب الأول: آثار المواسم الدينية الزمانية. المطلب الثاني: آثار المساجد وأماكن التعبّد. المبحث الثالث: آثار الأمم الهالكة؛ وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: سفينة نوح ﵇ بجبل الجودي. المطلب الثاني: ديار عاد بالأحقاف. المطلب الثالث: ديار ثمود بالحجر. المطلب الرابع: ديار قوم لوط بالسدوم. المطلب الخامس: ديار أصحاب مدين بالبدع. المطلب السادس: حكم إحياء آثار الأمم الهالكة. المبحث الرابع: الآثار الوثنية والجاهلية؛ وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: الآثار الفرعونية. المطلب الثاني: الآثار الفينيقية. المطلب الثالث: الآثار البابلية. المطلب الرابع: الآثار الجاهلية.

стр. 16

المطلب الخامس: حكم إحياء الآثار الوثنية والجاهلية. المبحث الخامس: آثار القبور والمشاهد؛ وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بالقبور والمشاهد. المطلب الثاني: حكم إحياء آثار القبور والمشاهد. * الفصل الثاني: موقف الفرق والمستشرقين من الآثار وتفنيد شبهاتهم؛ وفيه تمهيد، ومبحثان: المبحث الأول: موقف الفرق والمستشرقين من الآثار؛ وفيه مطلبان: المطلب الأول: موقف الفرق المخالفة لأهل السُّنَّة من الآثار. المطلب الثاني: موقف المستشرقين من الآثار. المبحث الثاني: تفنيد أبرز شبهات الفرق والمستشرقين حول الآثار؛ وفيه مطلبان: المطلب الأول: أبرز الشبهات حول الآثار الحديثية والمروية وآثار المواسم الزمانية. المطلب الثاني: أبرز الشبهات حول الآثار المرئية. * الفصل الثالث: المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار؛ وفيه تمهيد، وخمسة مباحث: المبحث الأول: المخالفة المتعلقة بكلمة التوحيد؛ وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المراد بكلمة التوحيد وحكم مخالفتها. المطلب الثاني: سبب الانحراف عن كلمة التوحيد. المطلب الثالث: عواقب مخالفة كلمة التوحيد وثمار تحقيقها. المبحث الثاني: المخالفة المتعلقة بالتبرك بالآثار؛ وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المراد من التبرك بالآثار. المطلب الثاني: أقسام التبرك بالآثار وأحكامه. المطلب الثالث: أسباب الانحراف في التبرك بالآثار. المطلب الرابع: عواقب التبرك بالآثار. المبحث الثالث: المخالفة المتعلقة بالتوسل بالآثار؛ وفيه أربعة مطالب:

стр. 17

المطلب الأول: المراد من التوسل. المطلب الثاني: أقسام التوسل وأحكامه. المطلب الثالث: أسباب الانحراف في التوسل بالآثار. المطلب الرابع: عواقب التوسل بالآثار. المبحث الرابع: أبرز صور المخالفات التعبّدية المترتبة على إحياء الآثار، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار النبوية. المطلب الثاني: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار الدينية. المطلب الثالث: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار الأمم الهالكة والآثار الوثنية. المطلب الرابع: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار القبور والمشاهد. المبحث الخامس: أسباب المخالفات العقدية والمفاسد المترتبة على إحياء الآثار، وفيه مطلبان: المطلب الأول: أسباب المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار. المطلب الثاني: المفاسد المترتبة على إحياء الآثار. الخاتمة، وفيها: أهم التوصيات والنتائج. الفهارس، وفيها: ١ فهرس الآيات القرآنية. ٢ فهرس الآثار المروية المرفوعة إلى النبي ﷺ . ٣ فهرس الآثار المروية الموقوفة على الصحابة ﵃. ٤ فهرس الآثار المرئية. ٥ فهرس المصادر والمراجع. ٦ فهرس الرموز. ٧ فهرس الموضوعات.

стр. 18

منهج البحث: اعتمدت على المنهج التاريخي التحليلي النقدي، حيث تمّ جمع المادة العلمية من المصادر التاريخية، ودراستها دراسة تحليلية نقدية برؤية شرعية عقدية، وذلك ببيان: ١ أنواع الآثار وأقسامها. ٢ الحكم الشرعي من إحياء جميع أنواع الآثار. ٣ موقف المبتدعة، والمستشرقين من الآثار. ٤ تفنيد أبرز شبهات الفرق والمستشرقين حول الآثار، وذلك باستقراء ردود العلماء العلمية، وجهودهم العملية في الرد على أهل البدع، وبيان مخالفتهم لمنهج أهل السُّنَّة والجماعة، وتحليل جهودهم على أسس علمية منهجية دقيقة؛ بقصد التوصل إلى حقائق ذات براهين علمية واضحة. ٥ أبرز صور المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار. ٦ أسباب المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار. ٧ المفاسد المترتبة على إحياء الآثار. أما عن المنهج المتبع في كتابة الرسالة فعلى النحو التالي: ١ إيراد المسائل من غير توسع في تقريرها إلا ما تدعو الحاجة المُلحّة إليه. ٢ عزو الآيات بذكر السورة ورقم الآية مع كتابتها بالرسم العثماني. ٣ تخريج الأحاديث من مظانها فإن كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إلى موضعه فيهما، وإن لم يكن فيهما، اجتهدت في تخريجه من كتب السُّنَّة الأخرى، مع ذكر حكم أهل العلم عليها صحةً أو ضعفًا ما أمكن. ٤ توثيق النقول بعزوها إلى مصادرها الأصلية إن وجدت، أو الإحالة إلى الكتب المعتمدة التي نقلتها. ٥ بيان معاني الألفاظ الغريبة من كتب اللغة وغريب الحديث. ٦ الاقتصار في الترجمة على من احتيج إلى بيان حاله من الأعلام.

стр. 19

٧ الالتزام بتدوين سنة الوفاة للعالم في حال النقل عن مجموعة من العلماء؛ لمعرفة المتقدّم من المتأخر من الأقوال والرمز له ب (ت: … )، ولم ألتزم بتدوينه عند النقل عن عالم أو عالمين. ٨ عند الرجوع لمصدر أو مرجع واحد لكن بطبعات أو دور نشر مختلفة، يتم الإشارة في الحاشية ب [ط: … ]، بعد اسم الكتاب والمؤلف، وقبل رقم الجزء والصفحة للكتاب؛ لتمييز طبعة الكتاب أو دار النشر التي تم الرجوع لها. ٩ استخدمت الأقواس التالية: أ الآيات القرآنية: ﴿ … ﴾ ب الآثار النبوية المروية الحديثية « … ». ج الآثار المروية الموقوفة على الصحابة ﵃ .... د النص المقتبس … ، وفي بعض المواضع استخدمت: … إذا أسندت النص إلى قائله. هـ تخصيص كلمة أو تمييز مصطلح .... و تمييز الأرقام ( … ). ز إدراج إضافة على نص منقول في صلب البحث، وكذلك استُخدم في الحاشية لتوضيح طبعة الكتاب [ … ]. * * *

стр. 20

شكر وتقدير ولا يفوتني في ختام هذه المقدمة أن أحمد ربي وأشكره، أول الشكر وآخره، المستحق سبحانه للحمد والثناء كله، المنعم والمتفضل ، فأحمده حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه على عونه وتوفيقه وتيسيره فهو أهل الثناء والمجد، فله الحمد والشكر من قبل ومن بعد. قال تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ *﴾ [النمل]. والفضل لله ثم لوالديّ الغاليين اللذين لهما الأثر الكبير في تفاصيل حياتي، ولن أبلغ ما حييت شكرهما، فأسأله سبحانه أن يرزقني برهما ويحفظهما ويُلبسهما لباس الصحة والعافية، ويغفر لهما ويرحمهما كما ربياني صغيرة. وأشكره سبحانه الذي رزقني إخوة لم يدخروا جهدًا لمساعدتي، والذين كانوا وما زالوا بعد الله عونًا وسندًا لي في هذه الحياة، لا حرمني الله منهم وحفظهم ورعاهم وأسعدهم في الدنيا والآخرة. واعترافًا بالفضل أتقدّم بالشكر الجزيل لمعلّمي ومشرفي الفاضل: د. محمد بن ناصر السحيباني، الذي لم يألُ جهدًا في توجيهي وإرشادي لتقويم الرسالة، ولم يتوانَ عن إسداء المرئيات السديدة، وإبداء الملاحظات الدقيقة، جزاه الله خيرًا وأحسن إليه. كما أتقدم بجزيل الشكر والعرفان للمناقِشَيْنِ الكريمين: أ. د. فهد بن سعد المقرن، ود. عبد الرحمن بن عبد الله الشدي؛ لتفضلهما بتقويم الرسالة وتقييمها، مواصلين السعي لإكمال الفائدة المرجوة منها، وبذل ما في وسعهما لرفع مستوى الرسالة تقبل الله منهما، وأجزل لهما المثوبة. كما أشكر فضيلة الشيخ أ. د فهد بن سليمان الفهيد على تفضله بالتقديم

стр. 21

للرسالة، وتقويمها بالملاحظات الموفقة، والاقتراحات المسددة جزاه الله خيرًا وأحسن الله إليه وبارك في علمه. ولن أنسى في هذا المقام أن أتقدم بصادق الشكر والعرفان للأخت الفاضلة: حصة الحارثي، التي اقترحت عنوان الرسالة في عام (١٤٣٥ هـ)، مشيرةً لأهمية هذا الموضوع في وقتنا الحالي جزاها الله خير الجزاء، وجعله في موازين حسناتها. وكذلك الشكر موصول للشيخ الفاضل: عبد الجبار بن عبد العظيم آل ماجد على تعاونه، واعتنائه لنشر هذا الكتاب، ومتابعته لمراحل طباعته بحرص واهتمام شكر الله سعيه وأثابه وجزاه عنّي خير الجزاء. وكذلك أشكر الأستاذ الفاضل: غسان البابا صاحب مؤسسة السنابل للصف الإلكتروني، على سرعة إنجازه ودقة عمله، وتنفيذه للمطلوب بصدر رحب بارك الله في جهوده وجعلها ذخرًا للإسلام والمسلمين. كما أشكر كل من قدّم لي عونًا، أو أسدى إليّ يدًا، أو كان له دورًا في إتمام هذه المسيرة العلمية بالإفادات، والتوجيهات والنصائح أو حتى بالدعاء. وأسدي بالفضل إلى جامعتي، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ممثّلة في كلية أصول الدين، وفي قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة جزاء ما قدموه لي ولطلاب وطالبات الدراسات العليا من خدمات جليلة؛ تسهيلاً، وترغيبًا لطلب العلم والبحث والتحصيل العلمي المنضبط أدام الله الجامعة ومنسوبيها ذخرًا للإسلام والمسلمين. هذا وأسأل الله سبحانه أن ينفع بهذا الجهد المقل اليسير، ويجعله خالصًا صوابًا، وأن يعم نفعه العباد وأرجاء البلاد، ويجعله حجة لي يوم ألقاه، وأصلي وأسلم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 22

التمهيد التعريف بمفردات العنوان إحياء الآثار أولاً: التعريف ب إحياء: لغةً: إحياء مفرد، مصدره أَحْيَا (١)، وأصلها حيي، وجاء في مقاييس اللغة أن: الحاء والياء والحرف المعتل، لها أصلان: (٢) ١ الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة، وليس هو المعنى المراد. ٢ الحَياةُ التي هي ضد الموت (٣)، والإحياء من الإنشار، والنشور هو البعث بعد الموت (٤)، فأحياه: جعله حيًّا، واستحياه: استبقاه (٥). وأحيا الليل: قام فيه وسهره، وأحيا النار: نفخ فيها حتى تحيا، وأحيا الأرض: أخصبها (٦)، ويقال: أحْيوا ما بين العشاءَين؛ أي: اشْتَغلوا بالصلاة والعبادة والذكر ولا تعطلوه فتجعلوه كالميتة بعُطْلَته (٧). والأصل الثاني هو المعنى المراد من الإحياء في هذه الرسالة. الإحياء في اصطلاح اللغويين: ١ المباشرة بالتأثير على الشيء من عناية وإحاطة واهتمام (٨).

стр. 23

٢ بعث الحيوية والنشاط والإنعاش والتجديد (١). ٣ هو جعل الشيء حيًّا ذا قوة إحساسية (٢). العلاقة بين المعنى اللّغوي والاصطلاحي عند أهل اللغة: تكمن العلاقة بينهما في أن الإحياء هو مباشرة الشيء واستبقاؤه بالعناية والاهتمام، وإعادة الحياة له قبل أن يموت ذكره، أو يندثر أثره. الإحياء في اصطلاح علماء الشرع: ١ إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميمًا (٣). ٢ إحياء الميت وإيجاد الحياة فيه (٤). ٣ إعادة الأمر بعد إهماله، والاشتغال به، ودوام مواصلته، وعدم الانقطاع عنه، أو تعطيله وجعله كالميت في عطلته (٥). نلحظ من خلال هذه التعريفات أن الإحياء في مفهوم العلماء المتقدمين يدور حول الإحياء الذي يعود أصله إلى خلاف الموت، دون الإشارة إلى المفهوم الاصطلاحي الآخر وهو إعادة الشيء وتجديده، وإحياؤه بالتهيئة وتسهيل الوصول إليه. بينما عُرف هذا عند المتأخرين والمعاصرين من العلماء، وهذا يدل كما سيأتي على أنه لم يكن الإحياء بالمفهوم الاصطلاحي عند المتقدمين معروفًا ولا متداولاً لديهم. العلاقة بين معنى الإحياء عند أهل اللغة وعلماء الشرع: يتبين أن للإحياء معانٍ مترابطة، ولا يخرج بعضها عن بعض، إذ إن الإحياء بالعموم هو إعادة الشيء وتجديده أو استبقاؤه من خلال الاهتمام

стр. 24

والإحاطة والحفظ والصون والحماية، بعد أن أُهمل وكاد أن يموت ويندثر ويختفي. ثانيًا: التعريف ب «الآثار»: لغة: الآثار أصلها أثر، وجمع الأثر آثار وأُثور (١)، وجاء في مقاييس اللغة أن: الهمزة، والثاء، والراء، لها ثلاثة أصول: (٢) ١ تقديم الشيء وتفضيله، وأصلها قوله تعالى: ﴿قَالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١]؛ أي: لقد قدّمك الله علينا، وفضلك بالعلم والحلم والفضل (٣)، وليس هو المعنى المراد هنا. ٢ ذكر الشيء وخبره، وأصلها قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]؛ أي: أخبارهم ومساعيهم، وخطاهم وسننهم (٤). فيقصد بالأَثَرِ: الخَبَرُ (٥)، ويسمى الحديث مأثور: (٦) أي: منقول قرنًا عن قرن (٧)، وأَثَرَ الحديث: نَقَلهُ (٨)، ويقال أيضًا: أَثَرَتُ الحديث بمعنى رويته، ويسمى كذلك المحدّث أثريًّا نسبة للأثر (٩)، ويقال كذلك الأثريّ: العالم بالآثار (١٠)، والآثار: الأعْلام (١١). ٣ رسم الشيء الباقي وعلامته: وأصلها قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ

стр. 25

عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]؛ أي: عَلامة مِنْ عِلْم، ويجوز أن يكون على معنى بقية من علم، ويجوز أن يكون على معنى ما يؤثر من العلم (١). الآثار في اصطلاح اللغويين: ١ هي اللوازم المعلّلة بالشيء (٢). ٢ بقيّة ما يُرَى من كلّ شيء وما لا يرى بعد أن تبقى فيه علقة (٣). ٣ حصول ما يدل على وجود الشيء والنتيجة (٤). العلاقة بين المعنى اللّغوي والاصطلاحي للآثار عند أهل اللغة: تكمن العلاقة بينهما في أن الأثر هو بقية الشيء المنقول من قرن إلى قرن سواء كان مرويًّا أو مرئيًّا، وهذا مقتضى ورودها اللغوي، وكما أنه هو المعنى المراد به في هذه الرسالة. الآثار في اصطلاح علماء الشرع: ١ ما أُثر عن النبي ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير (٥). ٢ ما يروى من السُّنَّة عن النبي ﷺ مرفوعًا، أو موقوفًا على الصحابة ﵃ (٦).

стр. 26

٣ ما رُوي عن الصحابة ﵃ موقوفًا، وعن التابعين مقطوعًا (١). ٤ كل علم روي بالإسناد عن من يُقبل قوله، وقيّد وصل سنده بالكتابة (٢). ٥ هو ما أُثر عمن سلف؛ أي: نُقل عنهم وبقي أثرًا من آثارهم (٣). ٦ ما يدل على بقية الشيء (٤). ٧ ما يُستدل به على آثار الأقدام وما يتصل بها من القافة ك أريه القافة (٥). ٨ ما يترتب على الشيء، كقولهم: أثر النكاح (٦). العلاقة بين معنى الآثار عند أهل اللغة وعلماء الشرع: اشترك علماء الشرع في أن معنى الآثار: ما روي عن النبي ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير، وإن كان لهم معانٍ أخرى أعم من تخصيص الأثر بما روي عن النبي ﷺ لكنهم لم يختلفوا في نسبة الأثر للحديث المرفوع. وهذا المعنى الشرعي مرتبط بالمعنى اللغوي في أصله، حيث إن معنى الأثر عند أهل اللغة المذكور آنفًا هو بقية الشيء المنقول من قرن إلى قرن ويدخل ضمنه الخبر المروي.

стр. 27

فالآثار بالمعنى الشرعي واللغوي هو المراد والمقصود في المطلب الأول من هذه الرسالة، إذ إنه يتضمن معنى أحد أنواع الآثار. علم الآثار في اصطلاح خبراء الآثار: لم يتفق خبراء الآثار على تعريف موحد لعلم الآثار؛ وذلك بسبب حداثته، حيث إنه يعتبر وليد القرن الماضي (١)، ولم يُوضع له حد معين، إلا أنه يمكن ذكر خلاصة ما نهجه أصحاب هذا الفن في بيان المعنى الاصطلاحي لعلم الآثار، حيث لا تخرج عن مسلكين: المسلك الأول: ذهب أصحابه إلى أن علم الآثار يشمل الموروثات المادية المحسوسة، والتي تسمى ب أركيولوجيا Archaeology وكذلك يشمل الموروثات البشرية المعنوية والفكرية والاعتقادية والثقافية، والتي تسمى ب أنثروبولوجيا Anthropology. وبناء على هذا المسلك وضعوا تعريفات تشمل المورثات الحسية والمعنوية، ومن هذه التعريفات التي سلكت هذا المسلك (٢): ١ مخلفات الأمم السابقة سواء المادية منها أو الفكرية، الثابتة أو المنقولة، الظاهرة منها أو المطمورة (٣). ٢ كل ما أنتجه الإنسان من عناصر مادية، أو نتاج ثقافي خلال تاريخه الحضاري (٤). ٣ ما خلّفه السابق للاحق (٥).

стр. 28

المسلك الثاني: ذهب أصحابه إلى أن علم الآثار يختص بالموروثات البشرية المادية المحسوسة فقط والتي يطلق عليها أركيولوجيا Archaeology. فمن هذه التعريفات التي سلكت هذا المسلك (١): ١ دراسة بقايا الماضي، من خلال التعرف على أبنيتها وتماثيلها ومحنطاتها ونقودها وما شاكل ذلك (٢). ٢ جميع الأشكال الملموسة والمنظورة التي تحفظ أثر النشاط البشري، أو هي الأثر الحقيقي أو العظيم للصناعة والفن البشري خلال القرون (٣). ٣ هو أحد العلوم الذي يتعرف على ماضي البشرية من خلال أنشطته المادية (٤). ٤ موروثات مادية محسوسة خلفها الإنسان في مكان ما، واكتسبت قيمتها الأثرية من تراكم الزمن عليها وتباعده (٥). يمكن الجمع لمعنى الآثار بالإجمال عند اصطلاح أهل اللغة وأهل الشرع وخبراء الآثار بأنه: ما تركه السابق للاحق من موروثات فكرية أو مادية. والمتأمل لما سبق يجد أن معاني الآثار الاصطلاحية عند أهل كل فن، والمعنية في هذه الرسالة، لا تخرج عن أحد معنيين، وهما: ١ الآثار الحديثية المروية: والتي هي ما روي عن النبي ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير أو صفة خُلقية أو خَلقية، وهذا المعنى الشرعي.

стр. 29

٢ الآثار المحسوسة المرئية: والتي هي الموروثات البشرية سواء كانت الفكرية أو المادية، وهذا المعنى الاصطلاحي. وأما عن معنى إحياء الآثار كمصطلح مركب فلم أقف على معنى يشتمل على المراد ويستوعب المقصود، فاجتهدت: أولاً: في بيان تعريف إحياء الآثار، بأنه: العناية والاهتمام بما خلفه السابق للاحق من موروثات مروية أو مرئية، سواء كان بالمحافظة عليها وإبقائها، أو بالتنقيب عنها واستخراجها بعد أن كانت مندثرة، وإعادة ترميمها وتجديدها وتهيئتها. ثانيًا: في تحديد بيان المعاني التي يتضمنها هذا المصطلح، وهي: ١ إحياء الآثار المروية بالعلم والحفظ والدراسة والمذاكرة. ٢ إحياء الآثار المرئية يشمل عدة معاني، منها ما يلي: أ إحياؤها بالزيارة والتردد عليها. ب إحياؤها بالتنقيب عنها ونبش الأرض لاستخراجها بعد أن كانت مطمورة. ج إحياؤها بالاهتمام بها والترميم والتحسين وعمارتها والبناء عليها، وتهيئتها، وتسهيل الوصول إليها، وتزيينها بالجص والزخارف ونحو ذلك. ولعل من المناسب الإشارة إلى أن علم الآثار والتنقيب عن القطع والهياكل الأثرية بصورته الحديثة علمٌ غربي محض، لا اهتمام للمسلمين به ولا عناية؛ بل اهملوه؛ لعدم أهميته. ويُلاحظ ذلك من خلال ما تم عرضه من معاني الآثار المذكورة آنفًا عند السلف المتقدمين والمصنفين المتأخرين إذا ذُكر علم الآثار فإنه يقصد به: المرويات النبوية التي من أقواله وأفعاله وسيرته ﷺ ، فتلك الكتب التي تجمع سُنَّة الرسول ﷺ هي كتب الآثار، وكذلك آثار السلف الصالح.

стр. 30

هذا هو المراد من مصطلح علم الآثار عند المسلمين وقد سبق أن بيّنت مدلول هذه الكلمة آنفًا. وكذلك ما اصطلحه أهل اللغة، في المعاجم الكبرى والتي شملت جميع العلوم والفنون، حيث إنهم يترجمون علم الآثار بأنه: علم يبحث عن أقوال وأفعال العلماء الراسخين وسيرهم في أمر الدين والدنيا (١)، وهذا هو غاية ما يفهم من مصطلح علم الآثار قبل قرنين تقريبًا. أما عن تأسيس «علم الآثار» كعلم مستقل له مقدماته وأدواته ونظرياته، وتصنيفه من العلوم الإنسانية المعروفة بالمصطلح العصري إنما هو من اختراعات الغرب. فقد نشأ وأُسس على أيديهم؛ بل وتولوه حتى في ديار المسلمين، وتربعوا على أعلى المناصب من خلاله وصنف فيه مؤلفوهم المؤلفات والرسائل (٢). وبالطبع من خلال ما تقدّم يتبين مدى البون الشاسع بين مراد المسلمين وأهدافهم من الآثار، وبين نظرة الغرب المادية البحتة من دراسة الآثار واعتبارها حضارة من الحضارات (٣). حتى إنهم جعلوا مقياس الحضارة ما يكتشفون ويجدون من المخلفات المادية والفكرية التي سيطرت في القديم على الإنسان من علو طبقة على طبقة. بينما مقياس الحضارة الحقيقي هو تخليص الإنسان وتحريره من عبودية

стр. 31

المخلوق، بإثراء فكره، ونشر العلوم النافعة، وتفقيه الناس، وسد فاقتهم واحتياجاتهم، وتوفير الأمن الفكري والأمان المعيشي. لذلك نجد أن المجتمع الإسلامي يبرز في عصور القوة بالعلم النافع بين أفراده، وتفتح فيه المدارس والجامعات على اختلاف تخصصاتها، وتكثر فيها المؤلفات النافعة. وفي المقابل فإن في عصور الضعف والظلم والطغيان يبرز فن العمارة والزخارف، وتشييد القصور التي يتفاخر أصحابها على أنها من عجائب الدنيا، ثم تصنف بعد انهيار الدولة وسقوط أصحابها بأنها آثار (١). والنتيجة التي نخرج بها أن علم الآثار في أصله غربي، ولا علاقة للمسلمين بالمفهوم الذي يرمي إليه المستشرقون. ولا يُفهم من ذلك تنقّص علم التاريخ أو نبذه والتحذير منه؛ بل إن التاريخ هو أداة ربط الخلف بالسلف، إذ إن معرفة تاريخ الأمم مهم، وكما قيل: من ليس له ماضٍ ليس له حاضر. فالتاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا (٢). كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسُنَّة الله وأيامه في عباده، ودأب الأمم وعاداتهم (٣). وقد أغنى الله ﷻ المسلمين بأعظم تاريخ، وأروع سيرة تحكي حياة أفضل البشر نبيّنا محمد ﷺ ، وسيرة خلفائه ﵃ ومن بعدهم من الأئمة والحفاظ والقادة والفاتحين، والعلماء الأفذاذ، بما تشحذ به عقول المسلمين

стр. 32

اليوم؛ ليتغذوا من سيرهم وأخلاقهم وصبرهم ومثابرتهم وجدهم، وثمرة جهودهم التي لا زال المسلمون ينهلون ويحصدون منها كل نافع ومفيد (١)، هذا هو التاريخ الذي يحتاجه المسلمون اليوم. أما عن تاريخ الأمم الهالكة، والتاريخ الجاهلي وتاريخ الفراعنة والبابلية وغيرهم من الآثار الوثنية، فلا حاجة للمسلمين إلا الاعتبار والاتعاظ بما حصل لهم من عذاب ونكال بسبب كفرهم وطغيانهم. ولم يظهر الشغف لمعرفة التاريخ القديم وتعظيم الأمم البائدة والفخر والاعتزاز بهم إلا بعد ظهور الاهتمام بعلم الآثار الذي يزعمون أنه فرع من فروع علم التاريخ (٢). وما حصل بسببه من افتتان الناس بأمور تنافي الدين الإسلامي، والعقيدة الصحيحة: كاستخراج الأصنام، والتعصب للوثنيات، وإحياء القبور والغلو فيها وتعظيمها وتقديسها. * * *

стр. 33

الفصل الأول أنواع الآثار وفيه تمهيد وخمسة مباحث: تمهيد. المبحث الأول: الآثار النبوية. المبحث الثاني: الآثار الدينية. المبحث الثالث: آثار الأمم الهالكة. المبحث الرابع: الآثار الوثنية والجاهلية. المبحث الخامس: آثار القبور والمشاهد.

стр. 34

تمهيد قبل الخوض في مباحث هذا الفصل سأعرّف بالمعنى المراد من مفردات العنوان: أنواع الآثار. ١ - النوع لغة: النون والواو والعين كلمتان تدلان على معنيين: الأول: النوع من الشيء، والضرب منه، وطائفة من الشيء مماثلة له، وليس هذا من نوع ذاك. والثاني: ضرب من الحركة كقولهم: ناع الغصن ينوع، إذا تمايل، فهو نائع؛ لذلك يقال: جائع نائع؛ أي: مضطرب من شدة جوعه متمايل (١). والمعنى الأول هو المعنى المراد بعنوان هذا الفصل. والمراد بالنوع في اصطلاح أهل اللغة: اسم دال على تخصيص أشياء كثيرة مختلفة، ويقصد به كل مقول يخصص به شيء واحد؛ لتُعرف ماهية جنسه (٢). فالجنس مطلق، والنوع مقيد، حيث إن النوع يُعدّ أحد أقسام الجنس المختلفة التي تُحمل على نوعها؛ لأن الواحد من الجنس نوع (٣).

стр. 35

٢ - الآثار: سبق التفصيل في تحديد المعنى المراد بالآثار في التمهيد (١)، وسيأتي أيضًا تحديد المراد من كل نوع بالتفصيل في بداية كل مطلب؛ لأن في كل مبحث أو مطلب يكون للآثار معنى خاص متعلقٌ بما يُضاف إليه. وقد اشتملت هذه الرسالة على الآثار بأنواعها من خلال اعتبارات مختلفة، ومن حيثيات متنوعة، كالآثار باعتبار: ١ المروي والمرئي. ٢ الشرعي والشركي. ٣ المكاني والزماني. ٤ المادي والمعنوي. ٥ الثابت والمزيف. ٦ الباقي والمندرس. وتختلف قيمة الآثار وسبب إحيائها وتعامل من حولها بحسب نوع الأثر، فمنها ما يكون قيمته من: ١ تراكم الزمن على الأثر وتباعده وهذا ما اصطلحه خبراء الآثار. ٢ اتصال الأثر بشخص معظّم. ٣ تفضيل الشرع له، ومجيء الأمر الإلهي بإحيائه. ولا يفهم من هذا التقسيم الإقرار بصحة قيمة الآثار من عدمها، ولكن المراد أن الأثر يبقى أثرًا في أصله على اختلاف قيمته، عدا ما فضّله الشرع فهو يتعالى عن إطلاق مسمى أثر عليه، وإن كان ينطبق عليه اصطلاح خبراء الآثار، ولكن نسميه بما سماه وما اصطلحه الشرع وليس لنا تغيير مسماه، كما سيأتي بيانه بالتفصيل في موضعه.

стр. 36

المبحث الأول الآثار النبوية وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الآثار النبوية الحديثية المروية. المطلب الثاني: الآثار النبوية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها. المطلب الثالث: آثار مقامات النبي ﷺ المكانية.

стр. 37

المبحث الأول الآثار النبوية بعثة الرسل نعمة من الله على البشرية؛ لأن الحاجة إليهم ضرورية، فلا ينتظم للبشر حال، ولا يستقيم لهم دين إلا بدعوة الأنبياء والرسل ﵈. وأولوا العزم هم أفضل الرسل، وأفضل أولي العزم: رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي أُرسل رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *﴾ [الأنبياء]. فكانت بعثته مشعل نور، وهداية للثقلين، وفرقانًا بين الحق والباطل، ودعوة إلى التوحيد الخالص الذي أُسه وأساسه إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وحب رسول الله ﷺ أمرٌ أوجبه الله وشرعه لعباده، تبعًا لمحبته ﷻ ، وأن اتباعه ﷺ علامة على محبته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. يقول الحافظ ابن كثير ﵀: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، … وزعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية (١). ولا يكمُل إيمان العبد إلا إذا كان يحب الرسول ﷺ أكثر من نفسه وماله ووالده وولده والناس أجمعين (٢)، وهذا الحب ضابطه التوسط والابتعاد

стр. 38

عن الغلو (١). وقد قام المسلمون بأداء ما افترضه الله عليهم من محبة نبيّه ﷺ وتوقيره وإكرامه وبره واتباعه وطاعته حق قيام، وظهر من حبهم لرسول الله ﷺ ما جعلهم يفدونه بكل عزيز وغال، ويؤثرونه على الأهل والأوطان والأموال، حتى باعوا أنفسهم وأموالهم لربِّ العالمين. نصرة لدينه، ودفاعًا عن نبيه ﷺ (٢). وبرهان هذه المحبة هو اتباعه في جميع أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وجميع تصرفاته فأي أثر ثبت عنه من ذلك يبادرون بإحيائه وامتثاله. ولكن بسبب ضعف الإيمان وفشو الجهل أصبح بعض الناس يعظمون الرسول ﷺ بطرق لم يأت بها الشرع بل نهى عنها، فيقعون في الغلو في محبته ﷺ بدعوى أنهم يظهرون حبه وتعظيمه. وقد ضلوا وأضلوا، وأوهموا المخدوعين بهم أنهم أولى الناس بالنبي ﷺ ، وأكثرهم حبًّا له، فمال إليهم الأغرار، وظنوا أنهم من الأبرار الأخيار، وأنهم أحباب النبي ﷺ المصطفى المختار، فقد بالغوا في هذه المحبة حتى أخرجوه من نطاق البشرية إلى مرتبة الألوهية (٣). وقد حذّر نبيُّنا ﷺ من الغلو في قوله ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ في الدِّينِ فإنه أَهْلَكَ من كان قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ في الدِّينِ» (٤)، فالتحذير من الرسول ﷺ لا يقع إلا على شيء يكون خطرًا على المسلم وضررًا عليه (٥). وأيضًا نهى ﷺ عن إطرائه، فقال: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابن

стр. 39

مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عبد اللهِ وَرَسُولُهُ» (١). ولما قال بعض أصحابه: أنت سيدنا وابن سيدنا قال ﷺ : « … قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أو بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» (٢). فعلى المسلم أن يسلك سبيل الرشاد والتوسُّط الذي مدح الله به هذه الأمَّة فقال ﷻ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (٣). * * *

стр. 40

المطلب الأول الآثار النبوية الحديثية المروية بسط هذا المطلب في خمسة مسائل: المسألة الأولى: المراد بالآثار النبوية الحديثية المروية. المسألة الثانية: الأدلة على ثبوت حجية الآثار الحديثية المروية ووجوب إحيائها. المسألة الثالثة: اهتمام السلف بالآثار النبوية الحديثية المروية. المسألة الرابعة: حث السلف على إحياء الآثار الحديثية المروية. المسألة الخامسة: أحوال المتلقين للآثار النبوية الحديثية المروية. المسألة الأولى: المراد بالآثار النبوية الحديثية المروية: سبق بيان المراد بمصطلح الآثار في التمهيد (١)، وأنه يختلف بحسب أهل الاصطلاح، والمقصود به هنا في اصطلاح المحدثين من علماء الشرع، وهو المعنى المرادف للسنة والحديث المرفوع عن النبي ﷺ وهو: ما أُثر عن النبي ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير (٢) أو صفة خُلقية أو خَلقية. وهذا أعظم وأشرف ما خلّفه النبي ﷺ من آثار (٣)؛ لأنها وحي من الله أوحاه إلى رسوله ﷺ وأمر باتباعها؛ لحصول البركة في حياة المسلم، وليست كسائر الآثار.
следующие страницы →