← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الأول الآثار النبوية وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الآثار النبوية الحديثية المروية. المطلب الثاني: الآثار النبوية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها. المطلب الثالث: آثار مقامات النبي ﷺ المكانية.

стр. 37

المبحث الأول الآثار النبوية بعثة الرسل نعمة من الله على البشرية؛ لأن الحاجة إليهم ضرورية، فلا ينتظم للبشر حال، ولا يستقيم لهم دين إلا بدعوة الأنبياء والرسل ﵈. وأولوا العزم هم أفضل الرسل، وأفضل أولي العزم: رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي أُرسل رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *﴾ [الأنبياء]. فكانت بعثته مشعل نور، وهداية للثقلين، وفرقانًا بين الحق والباطل، ودعوة إلى التوحيد الخالص الذي أُسه وأساسه إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وحب رسول الله ﷺ أمرٌ أوجبه الله وشرعه لعباده، تبعًا لمحبته ﷻ ، وأن اتباعه ﷺ علامة على محبته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. يقول الحافظ ابن كثير ﵀: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، … وزعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية (١). ولا يكمُل إيمان العبد إلا إذا كان يحب الرسول ﷺ أكثر من نفسه وماله ووالده وولده والناس أجمعين (٢)، وهذا الحب ضابطه التوسط والابتعاد

стр. 38

عن الغلو (١). وقد قام المسلمون بأداء ما افترضه الله عليهم من محبة نبيّه ﷺ وتوقيره وإكرامه وبره واتباعه وطاعته حق قيام، وظهر من حبهم لرسول الله ﷺ ما جعلهم يفدونه بكل عزيز وغال، ويؤثرونه على الأهل والأوطان والأموال، حتى باعوا أنفسهم وأموالهم لربِّ العالمين. نصرة لدينه، ودفاعًا عن نبيه ﷺ (٢). وبرهان هذه المحبة هو اتباعه في جميع أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وجميع تصرفاته فأي أثر ثبت عنه من ذلك يبادرون بإحيائه وامتثاله. ولكن بسبب ضعف الإيمان وفشو الجهل أصبح بعض الناس يعظمون الرسول ﷺ بطرق لم يأت بها الشرع بل نهى عنها، فيقعون في الغلو في محبته ﷺ بدعوى أنهم يظهرون حبه وتعظيمه. وقد ضلوا وأضلوا، وأوهموا المخدوعين بهم أنهم أولى الناس بالنبي ﷺ ، وأكثرهم حبًّا له، فمال إليهم الأغرار، وظنوا أنهم من الأبرار الأخيار، وأنهم أحباب النبي ﷺ المصطفى المختار، فقد بالغوا في هذه المحبة حتى أخرجوه من نطاق البشرية إلى مرتبة الألوهية (٣). وقد حذّر نبيُّنا ﷺ من الغلو في قوله ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ في الدِّينِ فإنه أَهْلَكَ من كان قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ في الدِّينِ» (٤)، فالتحذير من الرسول ﷺ لا يقع إلا على شيء يكون خطرًا على المسلم وضررًا عليه (٥). وأيضًا نهى ﷺ عن إطرائه، فقال: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابن

стр. 39

مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عبد اللهِ وَرَسُولُهُ» (١). ولما قال بعض أصحابه: أنت سيدنا وابن سيدنا قال ﷺ : « … قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أو بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» (٢). فعلى المسلم أن يسلك سبيل الرشاد والتوسُّط الذي مدح الله به هذه الأمَّة فقال ﷻ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (٣). * * *

стр. 40

المطلب الأول الآثار النبوية الحديثية المروية بسط هذا المطلب في خمسة مسائل: المسألة الأولى: المراد بالآثار النبوية الحديثية المروية. المسألة الثانية: الأدلة على ثبوت حجية الآثار الحديثية المروية ووجوب إحيائها. المسألة الثالثة: اهتمام السلف بالآثار النبوية الحديثية المروية. المسألة الرابعة: حث السلف على إحياء الآثار الحديثية المروية. المسألة الخامسة: أحوال المتلقين للآثار النبوية الحديثية المروية. المسألة الأولى: المراد بالآثار النبوية الحديثية المروية: سبق بيان المراد بمصطلح الآثار في التمهيد (١)، وأنه يختلف بحسب أهل الاصطلاح، والمقصود به هنا في اصطلاح المحدثين من علماء الشرع، وهو المعنى المرادف للسنة والحديث المرفوع عن النبي ﷺ وهو: ما أُثر عن النبي ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير (٢) أو صفة خُلقية أو خَلقية. وهذا أعظم وأشرف ما خلّفه النبي ﷺ من آثار (٣)؛ لأنها وحي من الله أوحاه إلى رسوله ﷺ وأمر باتباعها؛ لحصول البركة في حياة المسلم، وليست كسائر الآثار.

стр. 41

والرسول ﷺ بلّغ هذا الوحي للناس فيما أُمر به ونُهي عنه، فهذا يدل على أنها مصدر وأصل من أصول الدين، وركن في بنائه القويم، يجب اتباعها ويحرم مخالفتها، ولا غنى للمسلمين عنها؛ لأنه لا يصح ولا يكتمل إيمان العبد إلا بها (١). فإن أحق ما عُني به المسلم العمل على اقتفاء آثار النبي ﷺ الحديثية وتجسيدها في حياته ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، من خلال إحيائها في نفسه وفي مجتمعه تعلمًا، وتعليمًا، وعملاً، ودعوة، فهذه الآثار النبوية الحديثية المروية تتميز بخصائص يستحيل إيجادها في آثار أخرى. ولقد حرص أئمة الحديث على نقل كل ما أُثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلقية أو خَلقية، وحافظوا عليه بطرق مُحكمة لم تعهدها البشرية طوال تاريخها، فواقعهم يشهد على جهودهم العظيمة، فقد حظيت آثار رسول الله ﷺ الحديثية من الحياطة والعناية الفائقة، والضوابط الدقيقة بما لم يحظَ بعشر معشاره أي علم من العلوم (٢)، ولولاهم بعد الله لدرست الآثار واضمحلت الأخبار، وعلا أهل الضلالة والهوى وارتفع أهل البدع والعمى (٣). المسألة الثانية: الأدلة على ثبوت حجية الآثار النبوية الحديثية المروية ووجوب إحيائها: أجمعت الأمة على وجوب اتباع الآثار النبوية الحديثية المروية (٤)، وإحياؤها هو نوع من الاتباع والاقتداء الذي حثنا عليه الشرع وبيَّن أهميته. ومما يؤكد ذلك ما دلَّت عليه الأدلة القطعية الكثيرة، التي لا تدع مجالاً

стр. 42

للشك، فمن أنكر ذلك فقد نابذ الأدلة القطعية، واتبع غير سبيل المؤمنين. فالأدلة الآمرة بوجوب طاعة النبي ﷺ واتباع سُنَّته ولزومها تؤكد على مصدريتها وأنها حجة بنفسها، وتدل أيضًا بوجه من الوجوه على إحياء هذه الآثار الحديثية بمعنى الاهتمام بها تعلمًا، وتعليمًا، وعملاً، ودعوة. وقد تعددت الأدلة على حجية الآثار النبوية الحديثية المروية، ووجوب إحيائها وتنوعت صورها واختلفت أساليبها، فمن ذلك ما يلي: (١) ١ الأمر بطاعة الرسول ﷺ (٢): قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وقال : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ *﴾ [آل عمران: ٣٢]. يقول إمام المفسرين أبو جعفر الطبري ﵀: هذا أمرٌ من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمرَ ونهى، وبعد وفاته باتباع سُنَّته، وذلك أن الله عمّ بالأمر بطاعته، ولم يخصص بذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخصّ ذلك ما يجبُ التسليم له (٣). وقال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، هذا أمر من الله ﷻ بطاعة الرسول ﷺ ؛ لأن طاعة الرسول ﷺ طاعة الله ﷻ (٤)، فمن أطاع الرسول ﷺ كان من أوليائه المتقين، وكانت له سعادة الدنيا والآخرة، ومن عصاه كان من أهل الشقاء والعذاب (٥).

стр. 43

٢ الأمر باتباع الحكمة وهي سُنَّة النبي ﷺ (١): قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقال : ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ *﴾ [البقرة]، وقال : ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١]، معنى: الْكِتَابَ: القرآن وَالْحِكْمَةَ: السُّنَّة، فالأمر باتباع الكتاب الذي هو القرآن يوجب الأمر باتباع الحكمة التي بُعث بها الرسول ﷺ وباتباعه وطاعته مطلقًا (٢). ٣ الأمر بالعمل بما جاء به النبي ﷺ : قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؛ أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه؛ فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر (٣)، ومما يدل على ذلك من السُّنَّة قول النبي ﷺ : «فعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي» (٤). وكذلك قوله ﷺ : «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَمَا أَمَرْتُكُمْ فَأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» (٥)، وهذا الأمر عام في كل ما جاء به النبي ﷺ وثَبَتَ عنه، ولهذا

стр. 44

اتفق علماء أهل السُّنَّة على عدم التفريق بين المتواتر والآحاد، ثم إن التفريق بين المتواتر والآحاد في الحجية أمر حادث لا أصل له في الكتاب، ولا في السُّنَّة، ولم يكن معروفًا لدى سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ﵃، كما أن هذا التفريق يترتب عليه رد الكم الهائل من الأحاديث النبوية، وتعطيل العمل بها دون دليل شرعي معتبر (١)، كما سيأتي في الفصل الثاني تفنيد الشبهات المتعلقة بالآثار النبوية المروية (٢). ٤ الأمر بالرجوع إلى الكتاب والسُّنَّة عند التنازع، والوعيد الشديد لمن خالف أمره ﷺ : قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، فيه أمر من الله ﷻ برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله ﷺ ؛ لأنهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما (٣)، فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسُّنَّة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر (٤). وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾ [النور]، عن أمره راجع إلى الرسول ﷺ ، أو إلى الله والمعنى واحد؛ لأن الأمر من الله، والرسول ﷺ مبلغ عنه، فتوعد المخالف عن أمره بالفتنة أو العذاب الأليم، وحذرهم من مخالفة أمر النبي ﷺ (٥). يقول الحافظ ابن كثير ﵀: أمرُ رسولِ الله ﷺ هو سبيله ومنهاجه وطريقته وسُنَّته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله ﷺ ، فما

стр. 45

وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مَرْدُود على قائله وفاعله، كائنًا ما كان (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً *﴾ [الأحزاب]، لم يكن لمؤمن بالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا فقد ضل ضلالاً مبينًا؛ أي: جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدى والرشاد (٢). ٥ بيان وجوب التأسي بالرسول ﷺ : قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله (٣). إذ إن المتابعة أن يُفعل مثل ما فعل ﷺ على الوجه الذى فعل، فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة، شُرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك (٤)؛ فالمتابعة إذن لا بد فيها من أمرين (٥): ١ المتابعة في صورة العمل. ٢ المتابعة في القصد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فهذه النصوص توجب اتباع

стр. 46

الرسول ﷺ وإن لم نجد ما قاله منصوصًا بعينه في الكتاب، كما أن تلك الآيات توجب اتباع الكتاب وإن لم نجد ما في الكتاب منصوصًا بعينه في حديث عن الرسول ﷺ غير الكتاب، فعلينا أن نتبع الكتاب، وعلينا أن نتبع الرسول ﷺ ، واتباع أحدهما هو اتباع للآخر؛ فإن الرسول ﷺ بلغ الكتاب والكتاب أمر بطاعة الرسول، ولا يختلف الكتاب والرسول البتة (١). ٦ بيان ثواب من أحيا أثرًا من آثاره ﷺ النبوية الحديثية المروية: عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (٢). سبب ورود هذا الأثر أن النبي ﷺ قاله للرجل الذي تصدق بصُرّة (٣) كادت كفه تعجز عن حملها، فتتابع الناس على إثر صدقته يتصدقون، فكان البادئ بهذا الخير له الفضل العظيم (٤). فهذه السُّنَّة الحسنة لم يأت بها الصحابي ﵁ من قبل نفسه؛ لأنَّ قول الرسول ﷺ : «من سَنَّ»؛ أي: من أحيا سُنَّة كانت مشروعة في كتاب الله وثابتة في سُنَّة رسول الله ﷺ ، لكن أميتت بعده وخفيت على الناس وكادوا أن يغفلوا عنها فأحياها وأيقظها، فاقتدى به غيره، (٥) ومعلوم أن إحياء السنن يؤجر المسلم عليه مرتين، مرة على فعل السُّنَّة، ومرة على إحيائها (٦).

стр. 47

ففي هذا الحديث الترغيب في إحياء السنن التي أُميتت وتُركت وهجرت، فإنه يُكتب لمن أحياها أجرها وأجر من عمل بها. وفيه التحذير من السنن السيئة، وأن من سن سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، حتى لو كانت في أول الأمر سهلة ثم توسعت فإن عليه وزر هذا التوسع، فإنه إذا توسع الأمر بسبب ما أفتى به الناس، فإن عليه الوزر، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة (١). ولا ريب أن في إحياء الآثار النبوية الحديثية الثابتة الصحيحة فضلاً كبيرًا، وفيه تحصيل ثواب عظيم من أبواب كثيرة، ينبغي للمسلم أن يدركه، ويحرص عليه، ولا يغفله (٢). وفي المقابل فليحذر من إحياء بدعة أميتت؛ لأنه سيكون عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهو محمول على من لم يتب من ذلك الذنب (٣). المسألة الثالثة: اهتمام السلف بالآثار النبوية الحديثية المروية: حفظ السلف سُنَّة رسول الله ﷺ في صدورهم، ونقلوها كما سمعوها، وشاهدوها من رسول الله ﷺ . ولقد همَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بتدوينها، ثم امتنع خشية أن تختلط بكتاب الله، واكتفى بحفظها بالصدور، والتحديث بها (٤). وكان المسلمون آنذاك على خير وهدى، فلما وقعت الفتنة، وساء فعل من لا خلاق لهم بالوضع في الحديث ما ليس منه، انتدب السلف للحفاظ على السُّنَّة، والذب عنها، فاتخذوا تدابير قوية، ووضعوا قواعد صلبة، بها يحفظ حديث رسول الله ﷺ من الزيادة والنقصان.

стр. 48

وكان ذلك أكبر دليل على عظم هذه الأمة وعلو شأنها، وأنها قادرة على التجديد الموافق لمقصد الشارع، فقواعد المحدثين شاهد من شواهد الجهود الجبارة في هذه الأمة، حيث وضعوا قواعد وأنظمة يعجز العصر الحديث بما فيه من تقدم وتطور في الوسائل أن يحكم كما أحكمت، وأن يتقن كما أتقنت، فرحمهم الله رحمة واسعة وجزاهم عن الإسلام والسُّنَّة خير الجزاء (١). وكان من تلك التدابير لحفظ السُّنَّة: تدوينها وفق قواعد متقنة، والفضل بعد الله في هذه الخطوة المباركة يعود لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ الذي كتب إلى أئمة أهل السُّنَّة (٢) في الآفاق: انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاجْمَعُوهُ وَاحْفَظُوهُ؛ فَإِنِّي أَخَافُ دُرُوسَ الْعِلْمِ، وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ (٣). فكتب قاضي المدينة أبو بكر بن حزم ﵀، ولكنه لم يُلم بجميع الأحاديث والآثار التي في المدينة، وكتب ابن شهاب الزهري ﵀، فكان هو الجامع لأكثر السُّنَّة والمدوّن لها، ثم تتابع العلماء والمحدّثون على التدوين، فقلّما تجد بلدًا من البلدان إلا وفيه عالم يجمع ويكتب (٤). حتى قُيّدت الآثار المروية عن الرسول ﷺ في أوائل القرن الثاني الهجري، وتتابع التدوين عبر القرون، وذلك من خلال التصانيف الكثيرة من السنن والصحاح والمسانيد والآثار المنقولة بواسطة العدل الضابط عن مثله إلى

стр. 49

منتهاه، حتى يصل إلى الرسول ﷺ ؛ حفظًا لها وصيانةً (١). فجمعوا ما سنَّه رسول الله ﷺ وما شرعه، في العقائد، والأحكام، العلمية والعملية، الواجبة والمندوبة، وقد جرى على ذلك الإمامان: البخاري، ومسلم في صحيحيهما، وغيرهما في الموطآت والجوامع (٢) والسنن (٣) والمسانيد (٤) والمصنفات (٥) التي لا يحصيها إلا الله (٦). فإنهم مع نقل السُّنَّة المتعلقة بالأحكام، نقلوا السُّنَّة المتعلقة بالعقائد (٧). وصنفت كتب العقيدة المسندة (٨)، التي جمعت السنن الخاصة في باب الاعتقاد، وأُفردت المسائل العقدية، وسمى بعض العلماء كتب العقيدة بالسُّنَّة؛ وذلك للتميز بين عقيدة أهل السُّنَّة، وعقيدة أهل البدعة (٩). وسموها كذلك باسم الشريعة؛ فسموا أصول الاعتقاد شريعة، وفرقوا بين شريعة أهل السُّنَّة، وشريعة غيرهم (١٠).

стр. 50

فهؤلاء الأئمة الأعلام، والمحدثون الحفاظ، الذي قال فيهم أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ﵀: قوم سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين، بسنن رسول الله ﷺ . قوم آثروا قطع المفاوز والقفار، على التنعم في الدمن والأوطار، وتنعموا بالبؤس في الأسفار، مع مساكنة العلم والأخبار، وقنعوا عند جمع الأحاديث والآثار بوجود الكسر والأطمار، … فعقولهم بلذاذة السُّنَّة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلّم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السُّنَّة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم (١). ولقد كان للعلماء الربانيين على مرّ العصور، يدٌ ظاهرة، في الحث على إحياء الآثار النبوية الحديثية المروية، والدفاع عنها، إرشادًا، وتعليمًا، وتأليفًا (٢). ولم تزل بحفظ الله وتوفيقه وإعانته، طائفة في كل عصر تكرّس جهودها، وتوجه همّها، وتنشئ أبناءها على العناية المكثفة بالآثار النبوية الحديثية المروية. فمصنفات أهل الحديث أكثر من أن تُحصر وأشهر من أن تُذكر، سواء كانت من خلال المصنفات المستقلة بالعقائد أو ما تضمنتها من أبواب ضمنها. فكثير من أئمة السلف اهتموا بالتصنيف؛ لإحياء هذا الأصل العظيم، واعتنوا به أشد العناية وسموا ذلك بعلم الأثر. فأفنوا أعمارهم من أجل المحافظة عليها، وقطعوا القفار، وكابدوا مشقة الأسفار، وأوصلوا الليل بالنهار؛ لأجل جمع آثار النبي ﷺ وتدوينها؛ ليُعمل بها، وبلغ من حرصهم على تتبع آثاره ﷺ القولية والفعلية بأن نقلوا إلينا دقائق

стр. 51

شؤون حياة النبي ﷺ : كغُسله ووضوئه، وأكله وشربه، ونومه واستيقاظه … هذا كان دينهم، وتلك كانت مهمتهم (١). ولم يكتفوا بذلك فحسب بل حفظوها عن أيدي العابثين، ودافعوا عنها، وردوا على من أنكرها، فألفوا الرسائل والكتب؛ للدفاع عن السُّنَّة والرد على أهل الباطل. فكان أول من تصدى للرد على من أنكر حجية السُّنَّة قديمًا فيما أعلم الإمام الشافعي ﵀ فقد جاء في كتاب الأُم (٢) وكتاب جماع العلم (٣) تفنيد شبهات من أنكر السُّنَّة كلها، كما عقد ﵀ فصلاً طويلاً في كتابه الرسالة (٤) أسماه: حجية خبر الآحاد والرد على من أنكره. وتبعه الإمام أحمد ﵀ فصنّف كتاب طاعة الرسول ﷺ (٥) ردَّ فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سُنَّة النبي ﷺ وترك الاحتجاج بها، وتبعهما عدد من العلماء (٦).

стр. 52

وبفضل الله ثم بفضل جهود السلف العلمية في إحياء الآثار النبوية الحديثية المروية بالاهتمام بها حفظًا، وضبطًا، وروايةً، وتفقهًا في معانيها، وذبًّا عنها، وردًّا على من أنكرها. ولا أدل على ذلك من هذه الكتب التي وصلت إلينا الزاخرة بالكثير من الآثار القولية والفعلية، محفوظة، مخدومة؛ لينصب جهد المسلم على إحيائها بالعلم، والتعلّم، والتعليم، والدعوة إليها (١). المسألة الرابعة: حث السلف على إحياء الآثار الحديثية المروية: ١ عن عبد الله بن مسعود ﵁ (ت: ٣٢ هـ)، قال: إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر (٢). ٢ قال ابن عباس ﵄ (ت: ٦٨ هـ): عليكم بالاستفاضة والأثر، وإياكم والبدَع (٣)، وقال: فإنَّ من أحدث رأيًا ليس في كتاب الله ولم تمضِ به سُنَّة رسول الله لم يدرِ ما هو عليه إذا لقِيَ الله (٤)، وقال: عليك بالاستقامة واتباع الأثر (٥). ٣ قال أنس ﵁ (ت: ٩٠ هـ): اتَّبعوا آثارنا، ولا تبتدعوا، فقد كُفِيتم (٦).

стр. 53

٤ كتب عمر بن عبد العزيز ﵀ (ت: ١٠١ هـ): بإحياء السُّنَّة وإماتة البدعة (١). ٥ قال الحسن البصري ﵀ (ت: ١١٠ هـ): لا تغتر بقولك: المرء مع من أَحَبّ، إنه من أَحَبّ قومًا اتبع آثارهم، ولن تلحق بالأبرار حتى تتبع آثارهم، وتأخذ بهديهم، وتقتدي بسُنَّتهم، وتصبح وتمسي وأنت عَلَى منهاجهم، حريصًا أن تكون منهم، وتسلك سبيلهم، وتأخذ طريقهم، وإن كنت مقصرًا في العمل؛ فإن مَلاكَ الأمرِ أن تكون عَلَى استقامة، أما رأيت اليهود والنصارى وأهل الأهواء المردية يحبون أنبياءهم وليسوا معهم؛ لأنهم خالفوهم في القول والعمل، وسلكوا غير طريقتهم فصار مأواهم النار؟ نعوذ بالله من النار (٢). ٦ قال ابن سيرين ﵀ (ت: ١١٠ هـ): كانوا يقولون: ما دام على الأثر فهو على الطريق (٣). ٧ قال الإمام أبو حنيفة ﵀ (ت: ١٥٠ هـ): عليك بالأثر وطريق السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة (٤). ٨ كان سفيان الثوري ﵀ (ت: ١٦١ هـ) يبغض أهل الأهواء وينهى عن مجالستهم أشد النهي، حيث كان يقول: عليكم بالأثر وإياكم والكلام في ذات الله (٥)، وقال ﵀: إنما الدين الآثار (٦) ٩ قال الإمام مالك بن أنس ﵀ (ت: ١٧٩ هـ): ما قلّتِ الآثار في قوم إلا ظهرت فيهم الأهواء، ولا قلَّت العلماء إلا ظهر في الناس الجفاء (٧).

стр. 54

١٠ قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (ت: ٢٤١ هـ): عليكم بالسُّنَّة، عليكم بالأثر، عليكم بالحديث، لا تكتبوا رأي فلان ورأي فلان فسمَّى أصحاب الرأي (١). ١١ قال سهل بن عبد اللّه التّستري ﵀ (ت: ٢٨٣ هـ): عليكم بالاقتداء بالأثر والسُّنَّة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي ﷺ والاقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه، وأذلوه وأهانوه (٢). المسألة الخامسة: أحوال المتلقين للآثار النبوية الحديثية: تقدم أن اتباع سُنَّة النبي ﷺ نوع من إحياء آثاره النبوية الحديثية المروية، ولذا فالموقف من اتباع السُّنَّة هو الموقف نفسه من الإحياء، فالقول فيهما واحد. وقد ضرب رسولنا الكريم ﷺ مثلاً في أحوال الناس حين تلقيهم ما جاء به ﷺ من العلم والهدى، والذي أصبح أثرًا من آثاره النبوية الحديثية المروية. حيث قال ﷺ : «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ (٣)، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (٤).

стр. 55

فشبّه النبي ﷺ المطر الذي ينزل على الأرض في حال حاجتهم إليه، بحال الناس، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بما جاء به من الهدى، بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنها: ١ طائفة حفظت الماء وأنبتت الكلأ وهو العشب، فارتوى الناس من مخزونات مياهها ورعوا من كلئها وذلك مثل: العلماء العاملين الحفاظ الفقهاء. ٢ طائفة أمسكت الماء ولم تنبت كلأها؛ لأنها أجادب فارتوى الناس من مخزون مياهها؛ لأن لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم وهم الحفاظ غير الفقهاء. وفي كلا الطائفتين خير. ٣ طائفة لم تمسك ماء ولم تنبت كلأ، وهذا مثل من لم يقبل هدى الله الذي جاء به الرسول ﷺ ولم يرفع بذلك رأسًا (١). فالقسم الأخير المقابل للحفاظ الفقهاء، هم من لم ينتفعوا بالهدى والعلم، وهذا القسم يتفرع منه طوائف من أهل الضلال: منهم من قبِل الآثار النبوية الحديثية المروية المتواترة دون الآحاد كالمعتزلة. ومنهم من قبِل ما يوافق عقولهم، وما يخالفه ردوه ولم يقبلوه كأهل الكلام والعقلانيين وهم من أفراخ المعتزلة. ومنهم من رد الآثار النبوية الحديثية المروية بأكملها، واكتفوا بالقرآن

стр. 56

دون السُّنَّة ك القرآنيين كما سيأتي بيان موقفهم (١). وقد أخبرنا النبي ﷺ عن هؤلاء وفضحهم قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، فقال ﷺ : «لا ألْفِيَنَّ أحدَكُم متَّكئًا على أريكته، يأتيه أمري: ممَّا أمرتُ به، أو نَهيتُ عنه، فيقولُ: لا أدْرِي، ما وجدْنا في كتاب الله اتَّبعْناهُ» (٢). وفي الآونة الأخيرة كثُرت وللأسف الشديد الهجمات الشرسة والحملات الشعواء على لواء السُّنَّة المطهرة، والآثار النبوية الشريفة؛ إذ جعلوا الاهتمام بالسنن، والحرص على تطبيقها في كل شؤوننا؛ عائقًا من عوائق تصحيح مسار المسلمين، وانتشالهم من أوحال الضعف بزعمهم. فجاءت كتاباتهم، ومحاضراتهم مقررة لهذه الفكرة النكراء، تارة بالتصريح، وأخرى بالتلويح باسم الغيرة على السُّنَّة! (٣). فالنبي ﷺ حذرنا من هؤلاء، وبيَّن لنا أنه ﷺ أُعطي القرآن وأُعطي السُّنَّة كلاهما من عند الله كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *﴾ [النجم]، وأما ما زعموه فهو أصل من أصول أهل البدع والضلال والانحراف عن الحق، ولو تم الاستغناء عن السُّنَّة؛ لانهدم الدين من أساسه، ولانفتح باب الزندقة على مصراعيه (٤). فالواجب على المسلم أن يسعى سعيًا حثيثًا لإحياء الآثار النبوية الحديثية المروية الصحيحة والدفاع عنها من خلال تعلّمها والعمل بها، وتعلِيمها

стр. 57

وتبليغها للناس، والمحافظة عليها، إذ إن مذهب أهل السُّنَّة والجماعة هو الاحتجاج بها وعدم ردها. أما الذين يرون الاقتصار على القرآن دون السُّنَّة فهؤلاء ضالون مضلون، كما سيأتي تفنيد شبهاتهم بالتفصيل في الفصل الثاني (١). * * *

стр. 58

المطلب الثاني الآثار النبوية المنفصلة عن جسد النبي (ص) وما أُلحق بها عُلم مما تقدّم (١) أن البركة تحصل باتباع الآثار النبوية الحديثية المروية، وهذه البركة متحققة في الامتثال بأقوال النبي ﷺ والاقتداء بأفعاله ﷺ ، وكذلك تشمل البركة ذات النبي ﷺ وما انفصل عن جسده ﷺ . والآثار التي انفصلت عن جسد النبي ﷺ على نوعين: ١ آثار ذهبت بوفاته ﷺ . ٢ آثار بقيت بعد وفاته ﷺ . أما النوع الأول: وهي الآثار التي ذهبت بوفاته ﷺ : فقد جاء عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يتبركون في حياة النبي ﷺ بما اتصل من جسده ﷺ : كيده (٢)، وكشحه (٣)، وريقه (٤)، وبصاقه (٥)، وفضل وضوئه (٦) ﷺ ، وحرصوا

стр. 59

عليها، واهتموا بها، وهذا النوع من التبرك قد انقطع بموته ﷺ . وأما النوع الثاني وهو الذي يعنينا في هذا المطلب: الآثار التي بقيت بعد وفاته ﷺ وهي الآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ : كالشعر، والعرق، وما أُلحق بها: كالبردة، والعمامة، والخاتم، وغيرها من الآثار التي سيتم إيرادها إن شاء الله تعالى في المسائل التالية. فبسط هذا المطلب في أربع مسائل: المسألة الأولى: المراد بالآثار النبوية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها. المسألة الثانية: الآثار المروية في الآثار النبوية المرئية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها. المسألة الثالثة: صحة الآثار النبوية الشريفة المُشاهدة في المتاحف. المسألة الرابعة: حكم إحياء الآثار النبوية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها. المسألة الأولى: المراد بالآثار النبوية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها: هي ما بقي بعد وفاة النبي ﷺ من آثار كانت متصلة بجسد النبي ﷺ وانفصلت عنه: كالشعر والعرق، أو ما لاصقت جسده ﷺ : كاللباس والنعل، أو ما استخدمه ﷺ من أدوات: كالقدح والدرع (١).

стр. 60

وبعد تتبع النصوص الشرعية نجد أن الآثار المتعلقة بجسد النبي ﷺ والباقية بعد موته ﷺ برهة من الزمن، على ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما انفصل عن جسد النبي ﷺ وبقي بعد وفاته ﷺ : كالشعر، والعرق. النوع الثاني: ما لاصق جسده ﷺ ولبسه: كالبردة، والعمامة، والخاتم، والنعل. النوع الثالث: ما استخدمه ﷺ من أدوات: كالدرع، والعصا، والسيف، والقدح، والمكحلة. وسأعرض في المسألة التالية الآثار المتعلقة بجسد النبي ﷺ بأنواعها المذكورة آنفًا، من خلال ذكر ما جاء عنها في الآثار المروية، وفق الترتيب التالي: * بيانها في حياة النبي ﷺ . * بيانها بعد وفاته ﷺ . * نهاية تلك الآثار ومآلها. المسألة الثانية: الآثار المروية في الآثار النبوية المرئية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها: النوع الأول: ما انفصل عن جسد النبي ﷺ وبقي بعد وفاته ﷺ . ١ الشعر: * بيانه في حياة النبي ﷺ : أ عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلاَّقِ: «خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ» (١). ب وعنه ﵁ قَالَ: فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الأَيْمَنِ، فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ

стр. 61

النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: بِالأَيْسَرِ فَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: «هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ ﵁» (١). ج وعنه أيضًا ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْحَلاَّقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلاَّ فِي يَدِ رَجُل (٢). * بيانه بعد وفاة النبي ﷺ : أ عَنِ ابن سِيرِينَ ﵀ (١١٠ هـ)، قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ: عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ رسول الله ﷺ أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ ﵁ أو مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ ﵃. فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (٣). ب عَنْ عُثْمَانَ بن عَبْدِ الله بن مَوْهَبٍ ﵀ (ت: ١٢٠ هـ)، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ أو شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ، فَاطَّلَعْتُ فِي الْحِجْلِ، فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا (٤). ج قال حنبل ﵀: أعطى بعض ولد الفضل بن الربيع أبا عبد الله (٥) وهو في الحبس ثلاث شعرات، فقال: هذه من شعر النبي ﷺ (٦). * نهايته ومآله: أ كان خالد بن الوليد ﵁ يضع شعرات للنبي ﷺ في قلنسوته، فسقطت عنه يوم اليمامة (٧).

стр. 62

ب حُكي أن معاوية ﵁ أوصى عند موته: أن يُوضع شعر رسول الله ﷺ ، في فمه وعينيه (١). ج أوصى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عند موته: أن يُجعل على كل عين شعرة، وشعرة على لسانه، ففُعل ذلك به عند موته (٢). أما عن نهاية أثر شعرات النبي ﷺ التي كانت عند بقية الصحابة ﵃، فلم أجد لها ذكرًا في كتب التاريخ والسير من بعد القرن الثالث الهجري؛ لانقطاع سندها وأخبارها منذ ذاك الحين. إذ أن آخر من صح أنه كان عنده شيء من شعر النبي ﷺ الإمام أحمد ﵀ (٣)، ولو بقيت بعده لبقي ذكر تداولها وتصريح من اقتناها؛ لأهمية ذلك الأثر ونسبته للنبي ﷺ والفخر به وحُقّ لهم ذلك، ولكن لما انقطع سند تداول الشعرات وخبرها دلّ على فقدانها، وأن نهايتها ومآلها كان في القرون المتقدّمة، والله أعلم. ٢ العرق: * بيانه في حياة النبي ﷺ : أ عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ (٤) عِنْدَنَا، فَعَرِقَ، وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ، فَجَعَلَتْ تَسْلِتُ (٥) الْعَرَقَ فِيهَا، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ما هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ» (٦).

стр. 63

ب وفي رواية: قالت ﵂: «يَا رَسُولَ اللهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، قَالَ: أَصَبْتِ» (١). * بيانه بعد وفاة النبي ﷺ : جاء في الصحيح أنه: لَمَّا حَضَرَت أَنَسَ بن مَالِكٍ ﵁ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ (٢) مِنْ ذَلِكَ الطيب (٣). * نهايته ومآله: قد انقطع العرق بموت النبي ﷺ ، وذهب بذهابه ﷺ ؛ لانقطاع منبعه، ولم أجد في الآثار الصحيحة أن أحدًا احتفظ بعرق النبي ﷺ إلا أم سُلَيْمٍ ﵂. فأثر العرق وإن بقي بعد وفاته ﷺ ، فلا يمكن بقاؤه لمدة طويلة؛ لأن طبيعة المواد السائلة عُرضة للجفاف والتبخر والانسكاب، وأيضًا للانتهاء بالاستخدام المستمر للذين توارثوها. خصوصًا وأن من يملك شيئًا من آثار الرسول ﷺ ضنين بها لنفسه، ولا يؤثر بها غيره، والله أعلم. النوع الثاني: ما لبسه: كالبردة، والخاتم، والعمامة، والنعل. ١ البردة (٤): * بيانها في حياة النبي ﷺ : أ جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبُرْدَةٍ، فَقَالَ سَهْلُ بن سَعْد ﵁ لِلْقَوْمِ: «أَتَدْرُونَ ما البُرْدَةُ؟ فَقَالَ القَوْمُ: هِيَ الشَّمْلَةُ.

стр. 64

فَقَالَ سَهْلٌ: هِيَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيَتُهَا. فَقَالَتْ المرأة: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكْسُوكَ هَذِهِ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَلَبِسَهَا، فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ما أَحْسَنَ هَذِهِ، فَاكْسُنِيهَا، فَقَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لَامَهُ أَصْحَابُهُ، قَالُوا: ما أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ، فَقَالَ: رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، لَعَلِّي أُكَفَّنُ فِيهَا (١). قَالَ سَهْل ﵁: فَكَانَتْ كَفَنَهُ» (٢). ب أعطى رسول الله ﷺ أهل أيلة (٣) بردة مع كتابه الذي كتب فيه أمانًا لهم (٤). ج لما أنشد كعب بن زهير ﵁ على النبي ﷺ قصيدته. رمى إليه ببردة كانت عليه ﷺ (٥). * بيانها بعد وفاة النبي ﷺ : أ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ﵁ قَالَ: أخرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ ﵂ كِسَاءً مُلَبَّدًا، وَقَالَتْ: فِي هَذَا نُزِعَ رُوحُ النَّبِيِّ ﷺ ، وفي رواية: إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِاليَمَنِ، وَكِسَاءً مِنْ هَذِهِ الَّتِي يَدْعُونَهَا المُلَبَّدَةَ (٦).

стр. 65

ب أن أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵂ أخرجت جبة (١) رسول الله ﷺ ثم قالت: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا (٢). ج كتب معاوية إلى كعب ﵄: بعنا بردة رسول الله ﷺ بعشرة آلاف درهم، فأبى عليه، وقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله ﷺ أحدًا، فلما مات كعب ﵁ بعث معاوية ﵁ إلى أولاده بعشرين ألف درهم، وأخذ منهم البردة (٣). د توارث خلفاء بني العباس بردة رسول الله ﷺ ، التي كانت أمانًا لأهل أيلة، بعدما اشتراها منهم أبو العباس السفاح (٤). * نهايتها ومآلها: ورد في حديث سهل بن سعد ﵁ المذكور آنفًا نهاية ومآل أحد بُرد النبي ﷺ ، وأما البردتان: الكعبية والأيلية (٥) اختلف المؤرخون في تحديد زمن فقدانها واختفائها، بعد اتفاقهم على ثبوتها، وتداولها بعد وفاته ﷺ ، والذي عليه أكثر المؤرخين أن (٦): ١ البردة الكعبية التي وهبها رسول الله ﷺ لكعب بن زهير ﵁، اشتراها معاوية ﵁ من أبناء كعب بعدما ورثوها من أبيهم، وفُقدت عند زوال بني أمية. وقيل: أوصى معاوية ﵁ بأن يُكفّن بثوب رسول الله ﷺ (٧).

стр. 66

٢ البردة الأيلية التي أعطاها رسول الله ﷺ أهل آيلة أمانًا لهم، اشتراها أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار، وتوارثها الخلفاء حتى سنة (٣٢٠ هـ)، ولكن فقدت عند مقتل المقتدر ﵀، وقيل: أحرقها هولاكو (١) سنة (٦٥٦ هـ) مع سقوط الدولة العباسية (٢). وآخر ذِكر للبردتين، ما ذكره الحافظ ابن كثير ﵀ في معرض حديثه عن نهاية ومآل بُردة رسول الله ﷺ : لا يدرى ما كان من أمرها بعد سقوط الدولة العباسية (٣). ٢ العمامة: * بيانها في حياة النبي ﷺ : ١ قال جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ» (٤). ٢ كَانَتْ لَرسول الله ﷺ عِمَامَةٌ تُسَمّى: السّحَابَ كساهَا عليًّا ﵁ وكان يلْبسُها وَيلْبسُ تحتها القلنسوة (٥)، فكان ربما طلع عليه علي ﵁ فيقول ﷺ : «أتاكم عليّ في السحاب»؛ يعني: عمامته التي وهبها له ﷺ (٦). * بيانها بعد وفاة النبي ﷺ : عن سعد الرازي الدشتكي يقول: رَأَيْتُ رَجُلاً بِبُخَارَى عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ

стр. 67

عَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ، فَقَالَ: كَسَانِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ (١). ٣ الخاتم: * بيانه في حياة النبي ﷺ : عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى رَهْطٍ أو أُنَاسٍ مِنْ الأَعَاجِمِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلاَّ عَلَيْهِ خَاتَمٌ فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ فَكَأَنِّي بِوَبِيصِ أو بِبَصِيصِ (٢) الْخَاتَمِ فِي إِصْبَعِ النَّبِيِّ ﷺ أو فِي كَفِّهِ (٣). * بيانه بعد وفاة النبي ﷺ : عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، وَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُمَرَ ﵁، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُثْمَانَ ﵁، حَتَّى وَقَعَ بَعْدُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (٤). * نهايته ومآله: فكانت نهايته ومآله وقوعه في بئر أريس، الذي سمي بعد هذه الحادثة بئر الخاتم، ولقد حاول بعض الصحابة ﵃ نزح (٥) البئر فلم يجدوه (٦).

стр. 68

٤ النعل (١): * بيانها في حياة النبي ﷺ : عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ : «كان نعلاه ﷺ لهما قبالان (٢)» (٣). * بيانها بعد وفاة النبي ﷺ : جاء في الصحيح: أن أَنَسَ بن مالك ﵁: أخْرَجَ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ (٤) لَهُمَا قِبَالَانِ، وقال: هذه نَعْلَا النَّبِيِّ ﷺ (٥)، وفي رواية أخرى: لما أخرجها أنس ﵁ لأحد التابعين (٦)، قَالَ ثَابِتٌ البُنَانِيُّ ﵀: هَذِهِ نَعْلُ النَّبِيِّ ﷺ (٧). * نهايتها ومآلها: أ آخر ذكر لها ما قاله صاحب كتاب فتح المتعال في وصف النعال، المتوفى (١٠٤١ هـ): وقد فحصت عن أمر هذه النعل الشريفة في زماننا هذا فلم أجد لها عند أحد ممن سألت خبرًا، وأظن أنها ذهبت في فتنة تيمورلنك (٨) حين خرّب دمشق وأحرقها سنة (٨٠٣ هـ) … ذهبتا في وقعة

стр. 69

تيمورلنك، ولا يدرى أين ذهبتا (١). النوع الثالث: ما استخدمه من أدوات: كالدرع، والعصا، والسيف، والقدح، والمكحلة. ١ الدرع: * بيانه في حياة النبي ﷺ : قالت عائشة ﵂: «توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير» (٢). وجاء في زاد المعاد: أن النبي ﷺ كان له سبعة أدرع (٣): ١ ذات الفضول، وهي درع من حديد رهنها النبي ﷺ عند اليهودي. ٢ ذات الوشاح. ٣ ذات الحواشي. ٤ السعدية. ٥ فضة. ٦ البتراء. ٧ الخرنق. * بيانه بعد وفاة النبي ﷺ ونهايته ومآله: قال الماوردي ﵀ (٤): حُكي أن درعه ﷺ المعروفة بالبتراء كانت على الحسين بن علي ﵄ يوم قُتل.

стр. 70

فأخذها عبيد الله بن زياد، فلما قَتلَ المختار (١) عبيد الله بن زياد صارت الدرع إلى عباد بن الحصين الحنظلي. ثم إن خالدًا بن عبد الله القسري، وكان أمير البصرة سأل عبادًا عنها فجحده إياها، فضربه مائة سوط فكتب إليه عبد الملك بن مروان مثل عباد لا يُضرب إنما كان ينبغي أن يُقتل أو يعفى عنه؛ ثم لا يعرف للدرع خبر بعد ذلك (٢). ولم أجد عن الدروع الأخرى بقاء ولا نهاية في كتب السيرة والتاريخ. ٢ العصا: (٣) * بيانها في حياة النبي ﷺ : قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ الْمَدِينَةَ … ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بن قَيْسِ … ، وَفِي يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَضِيبٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَكَلَّمَهُ … ، فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: إِنْ شِئْتَ خَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الأَمْرِ ثُمَّ جَعَلْتَهُ لَنَا بَعْدَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْقَضِيبَ ما أَعْطَيْتُكَهُ … » (٤). * بيانها بعد وفاة النبي ﷺ : قال ابن الجوزي ﵀: كان له ﷺ قضيب وهو اليوم عند الخلفاء [العباسيين] (٥).

стр. 71

* نهايتها ومآلها: قال الماوردي ﵀: وأما القضيب فهو من تركة رسول الله ﷺ التي هي صدقة وقد صار مع البردة من شعار الخلافة (١)، حتى سنة (٦٥٦ هـ) عندما سقطت الدولة العباسية على يد هولاكو، الذي قام بإحراق البردة والقضيب وذر رمادهما في دجلة (٢). ٣ السيف: (٣) * بيانه في حياة النبي ﷺ : عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر (٤). * بيانه بعد وفاة النبي ﷺ : قال الحافظ ابن كثير ﵀: صار إلى آل علي ﵃ سيف من سيوف رسول الله ﷺ ، فلما قتل الحسين بن علي ﵄ بكربلاء كان معه، فأخذه علي بن الحسين بن زين العابدين فقدم معه دمشق حين دخل على يزيد بن معاوية ثم رجع معه إلى المدينة (٥). وحين قدموا المدينة، لَقِيَ المسور بن مخرمة علي بن الحسين، فقال له: هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ فقال له علي: لا. فقال المسور: فهل أنت معطي سيف رسول الله ﷺ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وَايْم الله! لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدًا حتى تبلغ نفسي … (٦).

стр. 72

قال الحافظ ابن حجر ﵀: أراد المسور ﵁ بذلك صيانة سيف النبي ﷺ لئلا يأخذه من لا يعرف قدره، والذي يظهر أن المراد بالسيف المذكور ذو الفقار (١). ٤ القدح: (٢) * بيانه في حياة النبي ﷺ : عَنْ أبي حازم (٣) عن سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁ قال: … أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: «اسْقِنَا يَا سَهْلُ» فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا القَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ (٤). * بيانه بعد وفاة النبي ﷺ : أ قال أبو حازم ﵀: فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ القَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بن عَبْدِ العَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ (٥). و عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ ﵀ قَالَ: رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ وَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ، قَالَ: وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ (٦)، قَالَ أَنَسٌ ﵁: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هَذَا القَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ

стр. 73

كَذَا وَكَذَا (١) ب قَالَ ابن سِيرِينَ ﵀: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ ﵁ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: لا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَرَكَهُ (٢). ج قال أَنَسُ بن مَالِكٍ ﵁: أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ، قَالَ عَاصِمٌ ﵀: رَأَيْتُ القَدَحَ وَشَرِبْتُ فِيهِ (٣). د روى عبد الله ابن الإمام أحمد أنه رأى أباه: أخذ قصعة النبي ﷺ فغسلها في حَبِّ الماء، ثم شرب فيها (٤). ٥ المكحلة: * بيانها في حياة النبي ﷺ : عن ابن عباس ﵄، قال: أن النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه (٥). * بيانها بعد وفاة النبي ﷺ : قال الحافظ ابن كثير ﵀: وقد بلغني أن بالديار المصرية مزارًا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي ﷺ اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين، فمن ذلك مكحلة وقيل: ومشط، وغير ذلك فالله أعلم (٦). ولم أجد في كتب التاريخ والسير من بعد القرون الأولى نهاية ومآل،

стр. 74

ولا بقاء للسيف والقدح والمكحلة والعمامة وبقية الدروع وغيرها من الآثار. وهذا يدل والله أعلم على اندثارها أو ضياعها؛ لانقطاع سندها وخبرها، ولو كانت موجودة لصرح بها ورثتها والذين وصلهم شيءٌ منها. ومن الجدير بالذكر أن درع النبي ﷺ وسيفه وقدحه والمكحلة وغيرها من الآثار الخاصة به ﷺ ، جاء ذكر وجود بعضها في كتب المتأخرين من أصحاب السير والتاريخ، مع انقطاع سندها قبل ذلك، فهذا يدل والله أعلم على عدم صحة ثبوتها كما سيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية. إذ إن كتب السيرة والتاريخ لا يمكن الاعتماد عليها؛ لما فيها من نقل الغثّ والسمين، والصالح والطالح. قال صاحب كتاب السيرة الحلبية: ولا يخفى أن السير تجمع الصحيح والسقيم والضعيف والبلاغ والمرسل والمنقطع والمعضل دون الموضوع. ومن ثم قال الحافظ الزين العراقي ﵀: وليعلم الطالب أن السيرا تجمع ما صح وما قد أنكرا (١). المسألة الثالثة: مدى صحة الآثار النبوية الشريفة المُشاهدة في المتاحف: تبيَّن في المسألة السابقة نهاية ومآل بعض الآثار المرئية النبوية من خلال ذكر ما جاء عنها من الآثار المروية، والتي يمكن تلخيصها كالتالي: ١ آثار انقطعت بوفاة النبي ﷺ وذهبت بذهابه ﷺ : كاليد، والريق، والبصاق، وفضل الوضوء (٢). ٢ آثار دفنت في القبور (٣): كالبردة، والعصا، والشعر.

стр. 75

٣ آثار احترقت (١): كالبردة، والعصا. ٤ آثار فُقدت وضاعت (٢): كالشعر، والبردة، النعلين، والدرع، والخاتم. ٥ آثار نسبتها غير صحيحة: كالقدح، والعصا (٣)، والعمامة، والنعل (٤). والواجب التحقق من مدى صحة بعض الآثار التي تُعرض في المتاحف، وتُعرف في بعض البلدان بالأمانات المباركة (٥): كأسنان نبوية، ونعلين نبويتين، وخرقة السعادة، السجادة النبوية، وقبضة سيف من السيوف النبوية، وقوس نبوي، ولواء نبوي، ماء من الغسل النبوي، وآثار أخرى لبعض الأنبياء ﵈، وآثار لبعض الصحابة ﵃. وأعجب هذه الآثار بقاء ماء من الغسل النبوي حتى هذا القرن الخامس عشر! صحيح أنه جاء في الأثر عن أم سُليم ﵂ أنها احتفظت بعرق النبي ﷺ بقوارير (٦) لكن لم يؤثر عن الصحابة ﵃ في الأحاديث الصحيحة، أن أحدًا منهم احتفظ بشيء من فضل وضوء النبي ﷺ بعد موته. ولو سلمنا ببقاء فضل وضوئه بعد وفاته ﷺ ، فلا يمكن بقاؤه لمدة طويلة؛ لأن طبيعة المواد السائلة كما ذكرتُ سابقًا (٧) تكون عُرضة للجفاف
следующие страницы →