← Акыда

Акыда · id 1275

الإيمان - أبو عبيد - ط مسلم

أبو عبيد القاسم بن سلام

Полный текст (104 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مُقَدِّمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد فان أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لا يخفى على العاقل البصير أهمية دراسة مباحث الإيمان، والوقوف فيها على الحق مدعَّمًا بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة، وأئمة أهل العلم الراسخين. فإن الإيمان بالله سبحانه أساس سعادة العبد، وعليه مدار نجاته وفلاحه في دنياه وآخرته، فحاجة الإنسان إليه فوق كل حاجة وضرورته إليه فوق كل ضرورة.

стр. 2

فحريٌّ بأمر هذا وصفه، وخير هذا نعته أن تصرف في العناية به الأعمار وتنفق فيه الأوقات. وباب مباحث الإيمان زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام، وما ذاك إلا للبعد عن هدي السلف فيه، وانتهاج طرق مبتدعة في تقريره وتأصيله، لذا يتعين على طلاب العلم العناية به والاهتمام به وتأصيله وتقعيده على وفق الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة. فـ (مباحث الإيمان) هي أولى المسائل التي حصل فيها النزاع والتفرق في الأمة، وما تبع ذلك من سفكٍ للدماء، وظهورٍ للبدع والمحدثات. وذلك أن أول تفرق حصل هو خروج الخوارج الذين ضلوا في هذا الباب، فخرجوا على الأمة وكفروا أهل القبلة بالكبائر. بل قد جعل النبي ﷺ خروج الخوارج أصل التفرق في الأمة، ولولاه لما حصل تفرق. فقد روى الإمام أحمد (١) من حديث أبي بكرة ﵁ أن نبي الله ﷺ مر برجلٍ ساجدٍ وهو ينطلق إلى الصلاة، فقضى الصلاة ورجع عليه وهو ساجد، فقام النبي ﷺ فقال: "من يقتل هذا"؟ فقام رجل فحسر عن يديه، فاخترط سيفه وهزَّه ثم قال: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، كيف أقتل رجلًا ساجدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ ثم قال: "من يقتل _________ (١) (٣٤/ ٧٦) (٢٠٤٣١)، قال الألباني: "هذا إسناد صحيح على شرط مسلم" الصحيحة (٤٢٩٥).

стр. 3

هذا"؟ فقام رجل فقال: أنا، فحسر عن ذراعيه واخترط سيفه وهزَّه حتى أُرعدت يده فقال: يا نبي الله، كيف أقتل رجلًا ساجدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ فقال النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها". وفي لفظٍ له (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: فقال ﷺ : "إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فُوقه (٢)، فاقتلوهم، هم شر البرية". فهذا الحديث يظهر عظم الجهل بالدين عمومًا، وبهذا الباب على وجه الخصوص. ومما يبين أهمية هذا الباب أن تحقيق الإيمان والوصول إلى كماله موقوف على معرفته وضبطه. وقد اعتنى أهل العلم قديمًا وحديثًا بهذا الباب فكثرت فيه تصانيفهم وتنوعت، فمنها ما هو في ضمن كتاب، ومنها ما هو مفرد. ومن الكتب المفردة: كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ﵀، هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو كتاب عظيم النفع جليل القدر، وهو عمدة في بابه، ولا يستغني عنه دارس. _________ (١) (١٧/ ١٨٧) (١١١١٨)، وحسنه الألباني، الصحيحة (٥/ ٦٥٩). (٢) فوق السهم: موضع الوتر منه. انظر: غريب الحديث للمصنف (٥/ ٩٧).

стр. 4

ومما ينبئ عن أهميته ومكانته: * مكانة مصنفه؛ فهو من أئمة أهل زمانه حفظًا وفهمًا، وتحقيقًا وتفننًا وسعة اطلاع. * تقدمه الزمني؛ فوفاته كانت في الربع الأول من القرن الثالث. * المنهج الفريد الذي سار عليه مؤلفه فيه، وسيأتي الكلام عليه. * استفادة أهل العلم من الكتاب ونقلهم عنه، كابن نصر وشيخ الإسلام والحافظ ابن حجر رحم الله الجميع.

стр. 5

اسم الكتاب: اسم الكتاب كما جاء على طُرَّة المخطوط: "كتاب في الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته". وقد اشتهر باسم: "الإيمان" فقط، وكذا سماه ابن الحطاب والحافظ - رحمهما الله - (١). فلعل ذلك كان على سبيل الاختصار. توثيق نسبته إلى مؤلفه: لا شك في نسبة كتاب الإيمان لأبي عبيد ﵀، ويؤيد ذلك أمور: * نسبة الكتاب له في المخطوط، سواء ما جاء في طُرَّته، أو في أثنائه، فقد ورد اسم أبي عبيد ﵀ في أثنائه أكثر من أربعين مرة، في رؤوس الأسانيد وفي غيرها. * نقل أهل العلم منه مع نسبته إليه، كابن نصر وشيخ الإسلام والحافظ ابن حجر. * رواية الكتاب بالسند المتصل إلى المؤلف، إضافة إلى وقوعه في مسموعات بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر (٢)، وابن الحطاب - رحمهما الله - (٣). _________ (١) انظر: مشيخة ابن الحطاب (٢٢٠)، المعجم المفهرس (١/ ٥٩)، الفتح (١/ ١٠٣). (٢) انظر: المعجم المفهرس (١/ ٥٩). (٣) انظر: مشيخة ابن الحطاب (٢٢٠).

стр. 6

موضوع الكتاب: كتاب أبي عبيد ﵀ يبحث في مسائل الإيمان كما يظهر من عنوانه، وقد اشتمل على ثمانية أبواب وملحق. * الباب الأول: "باب نعت الإيمان في استكماله ودرجاته": عرَّف فيه الإيمان الشرعي وذكر خلاف المرجئة، ورجحان مذهب أهل السنة بالدليل، وتكلم من خلاله عن نزول الإيمان متفرقًا كالقرآن، وتدرج التشريع. * الباب الثاني: "باب الاستثناء في الإيمان": ذكر فيه مذهب أهل السنة في الاستثناء في الإيمان، وعبارات السلف في ذلك، ورد على المرجئة قولهم بأن إيمانهم كإيمان الملائكة. * الباب الثالث: "باب الزيادة في الإيمان والانتقاص منه": ذكر فيه مذهب أهل السنة وأدلتهم، وذكر تأويلات المخالفين ورد عليها. * الباب الرابع: "باب تسمية الإيمان بالقول دون العمل": رد فيه على المرجئة في إخراجهم العمل من الإيمان. * الباب الخامس: "باب من جعل الإيمان المعرفة بالقلب وإن لم يكن عمل": خصصه للرد على الجهمية. * الباب السادس: "باب ذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولًا بلا عمل، وما نهوا عنه من مجالستهم": ذكر فيه نقولًا عن السلف والأئمة في ذمهم لمذهب المرجئة، وتحذيرهم منه.

стр. 7

* الباب السابع: "باب الخروج من الإيمان بالمعاصي": ذكر فيه بعض النصوص التي فيها إطلاق الكفر أو الشرك أو نفي الإيمان أو البراءة من النبي ﷺ على بعض الذنوب، وذكر تأويلات المخالفين لها وردَّها، وبيَّن الصواب فيها بالدليل، ورَدَّ الشبه. * الباب الثامن: "باب ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروج من الإيمان": ذكر فيه بعض النصوص التي فيها تشبيه ذنب بآخر أعظم منه، وبين المراد بها، ورد على المخالف، وهو آخر أبواب الكتاب. وأما الملحق: فذكر فيه خمس فرق مخالفة لأهل السنة في باب الإيمان، وهم: الجهمية، والمعتزلة، والإباضية، والصفرية، والفضلية، وذكر دليل بعضهم، وأحال في الرد على الأربعة الأول على ما تقدم في الكتاب، وخصص الجهمية بالرد زيادةً في التشنيع عليهم.

стр. 8

منهج المؤلف: الناظر في تصانيف أهل العلم يجد أن لكل زمان طريقة في التصنيف تميزه - في الجملة - عن غيره. وكانت طريقة التصنيف في الزمن الذي عاش فيه أبو عبيد ﵀ تعتمد على سرد الأحاديث والآثار في الباب مجردة، كصنيع العدني وابن أبي شيبة في كتابيهما في الإيمان، وكذا ابن منده رحم الله الجميع. إلا أن أبا عبيد قد اختط لنفسه منهجًا سابقًا لزمانه، أصبح المنهج المعتمد في التأليف لدى أهل العلم فيما بعد. ومن أبرز سمات هذا المنهج: ١) الإكثار من الشرح والتعليق والتعقب والنقد، وعدم الاقتصار على سوق الأدلة والأقوال. ٢) بناء هيكل البحث على الشرح والبيان، وجعل النصوص للاستدلال، ولذا فإنه لا يسوق الأسانيد في كثير من الأحيان، بل كثيرًا ما يقتصر على إيراد المتن فقط بدون ذكر الصحابي، هذا مع سياقه أحيانًا للأسانيد كما هي العادة وقتئذٍ. ٣) تنويع الأدلة، فلم يقتصر ﵀ على الأدلة النقلية - مع كونها هي العمدة -، بل ذكر كذلك أدلة عقلية، وأكثر بشكل ملحوظ من أدلة اللغة والاحتجاج بكلام العرب ولغاتها، وهو إمام في هذا الباب. ٤) الاستطراد في الرد على المخالفين؛ سواء ما كان منثورًا في أثناء الأبواب - ولم يخلُ منها باب -، أو ما كان في أبواب مستقلة، وهي

стр. 9

الأبواب: الرابع والخامس والسادس. وقد لخص ﵀ في آخر الكتاب منهجه الذي سار عليه فقال: "كتبنا هذا الكتاب على مبلغ علمنا، وما انتهى إلينا من الكتابِ وآثارِ النَّبي ﷺ ، والعلماءِ بعده، وما عليه لغاتُ العرب ومذاهبُها، وعلى الله التَّوكل، وهو المستعان" (١). _________ (١) انظر: ص (١٠٩).

стр. 10

ترجمة موجزة للإمام أبي عبيد ﵀ - اسمه ونسبه ومولده: هو الإمام، الحافظ، المجتهد، البحر، ذو الفنون، أبو عبيد القاسم بن سلَّام - بتشديد اللام - بن عبد الله الهروي الأزدي بالولاء، الخراساني البغدادي صاحب المصنفات. كان أبوه سلام مملوكًا روميًّا لرجل هروي، وكان يتولى الأزد. ولد ﵀ سنة سبع وخمسين ومائة بهراة. وكان ﵀ يخضب بالحناء؛ أحمر الرأس واللحية، وكان مهيبًا وقورًا. شيوخه: أخذ أبو عبيد عن خلق من أهل العلم، فسمع من: إسماعيل بن جعفر، وشريك بن عبد الله، وهشيم، وإسماعيل بن عياش، وسفيان بن عيينة، وأبي بكر بن عياش، وعبد الله بن المبارك، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وعبيد الله الأشجعي، وغندر، وحفص بن غياث، ووكيع، وعبد الله بن إدريس، وعباد بن عباد، ومروان بن معاوية، وعباد بن العوام، وجرير بن عبد الحميد، وأبا معاوية الضرير، ويحيى القطان، وإسحاق الأزرق، وابن مهدي، ويزيد بن هارون، وخلق كثير. وقرأ القرآن على: أبي الحسن الكسائي، وإسماعيل بن جعفر، وشجاع بن أبي نصر البلخي.

стр. 11

وسمع الحروف من طائفة. وأخذ اللغة عن: أبي عبيدة، وأبي زيد، وجماعة. تلاميذه: تلقى العلم عن أبي عبيد عدد كبير من التلاميذ، فروى عنه: سعيد بن أبي مريم المصري - وهو من شيوخه -، وعباس بن عبد العظيم العنبري، وعباس بن محمد الدوري، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، والحارث بن أبي أسامة، وعلي بن عبد العزيز البغوي، وأبو بكر ابن أبي الدنيا، وأحمد بن يوسف التغلبي، ومحمد بن يحيى بن سليمان المروزي، وعبد الله بن جعفر العسكري راوي هذا الكتاب، وغيرهم. مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: تبوء أبو عبيد مكانة علمية عليَّة، وأثنى عليه أهل العلم من معاصريه وممن بعدهم، ومن ذلك: قال إسحاق بن راهويه ﵀: "أبو عبيد أوسعنا علمًا، وأكثرنا أدبًا، وأجمعنا جمعًا، إنا نحتاج إليه، ولا يحتاج إلينا". وقال ﵀: "إن الله لا يستحيي من الحق: أبو عبيد أعلم مني، ومن ابن حنبل، والشافعي". وقال الإمام أحمد ﵀: "أبو عبيد ممن يزداد كل يوم خيرًا"، وقال: "أبو عبيد أستاذ". وقال أبو داود ﵀: "ثقة مأمون".

стр. 12

وقال الدارقطني ﵀: "ثقة إمام جبل". وقال ابن حبان ﵀: "كان أحد أئمة الدنيا، صاحب حديث وفقه ودين وورع ومعرفة بالأدب وأيام الناس، ممن جمع وصنف واختار وذب عن الحديث ونصره، وقمع من خالفه وحاد عنه" (١). وقال شيخ الإسلام ﵀: "الإمام المجمع على إمامته وفضله" (٢). وقال ابن القيم ﵀: "وكان جبلًا نفخ فيه الروح علمًا وجلالةً ونبلًا وأدبًا" (٣). وفاته: توفي ﵀ سنة أربع وعشرين ومائتين بمكة - وقيل بالمدينة -، وله سبع وستون سنة، رحمه الله تعالى، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء (٤). _________ (١) الثقات (٩/ ١٧). (٢) منهاج السنة (٨/ ٥٤٣). (٣) إعلام الموقعين (١/ ٤٨). (٤) انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٣٩٢)، وفيات الأعيان (٤/ ٦٠)، الوافي بالوفيات (٢٤/ ٩١)، طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ١٥٣)، تهذيب الكمال (٢٣/ ٣٥٤)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠).

стр. 13

منهج التحقيق: سرت في عملي في كتاب أبي عبيد ﵀ على منهج أجمله في النقاط الآتية: ١) قابلت النص على الأصل المخطوط، واستظهرت ما أشكل علي قراءته لخلل في التصوير، أو استغلاق في الخط من مطبوعة الشيخ الألباني ﵀. ٢) أثبت في المتن صواب ما جزمت بخطئه، وما لم أجزم بخطئه أو لم أتوصل فيه للصواب فقد أثبته في المتن كما هو، ونبهت في الحاشية على ذلك. ٣) خرجت الأحاديث والآثار التي أوردها أبو عبيد ﵀؛ فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه، وإن كان في غيرهما فإني أعزوه إلى مظانه مع الكلام عليه حسب الإمكان. وصدرت التخريج بالحكم على إسناد أبي عبيد إن كان ساقه بإسناد. ووضعت أحكام الشيخ على الأحاديث والآثار ما أمكن، سواء من مطبوعته للكتاب، أو من كتبه الأخرى (١). ٤) أثبت الفروق بين الأصل والمطبوع (٢). ٥) علَّقت على بعض المواضع التي رأيت أنها تحتاج إلى تعليق. _________ (١) وحيث أطلقت لفظ: "الشيخ" فإني أريد به الشيخ الألباني ﵀. (٢) اعتمدت في ذلك على طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ، وأما طبعة المعارف فهي صورة عنها مع أخطاء قليلة.

стр. 14

٦) عرفت بما رأيت أنه يحتاج إلى تعريف، وشرحت الكلمات الغريبة. ٧) ضبطت ما قد يُشكل من الكلمات. ٨) صنعت فهارس فنية للكتاب، لتسهيل الاستفادة منه. وأشير إلى أن المصنف ﵀ يورد الصلاة على النبي ﷺ بلفظ: "صلى الله عليه" فقط في أكثر المواطن، فقمت بإكمالها دون الإشارة إلى ذلك.

стр. 15

وصف النسخة الخطية: اعتمدت في تحقيق الكتاب على النسخة الخطية الوحيدة، وهي نسخة الظاهرية المحفوظة تحت: مجموع (١١٦) (ق ١٣٤ - ١٥٦). وتقع في (٢٢) لوحة، في كل لوحة صفحتان، متوسط عدد الأسطر في كل صفحة: (١٩) سطرًا، ومتوسط عدد الكلمات في كل سطر: (١٠) كلمات. وهي نسخة قديمة؛ ذكر ناسخها أنه فرغ من نسخها في شوال سنة ثمان وثمانين وأربع مائة، يعني بعد وفاة المؤلف بـ: (٢٦٤) سنة. وهي منسوخة من نسخة الشيخ العفيف ومقابلة بها، كما يدل على ذلك علامات المقابلة التي فيها، ونص الناسخ على مقابلتها بها في خاتمتها، وفي أثنائها في اللوحة (١٢/ أ). وعلى النسخة سماع الشيخ العفيف أبي محمد عثمان بن أبي نصر. وعليها قيدا تملك: الأول باسم: محمد بن عبد العزيز المسكي الشافعي ﵁. والثاني باسم: يوسف بن عبد الهادي. وعليها قيد وقف باسم الشيخ علي الموصلي. وهذه النسخة - مع كونها قديمةً - غير جيدة، لأمور عدة: أولها: رداءة خطها. ثانيها: كثرة الأخطاء فيها. ثالثها: وجود سقط في بعض المواضع منها.

стр. 16

رابعها: أن فيها إشكالًا من ناحية تاريخ نسخها، ففي أولها يذكر الراوي عن ابن أبي نصر أنه - أي ابن أبي نصر - أخبر بها في صفر سنة عشرين وأربع مائة، وفي خاتمتها يجعل الناسخ تاريخ نسخها شوال سنة ثمان وثمانين وأربع مائة، أي بعد سماعها بثمان وستين سنة. وهذا يدل على أن ناسخها ليس هو من سمعها من ابن أبي نصر، وبخاصة إذا علمنا أنها رويت من طريق شيخين عنه - كما وقع في إسناد ابن حجر - وكل منهما قد توفي قبل هذا التاريخ بمدة. ولو فرض أن الذي سمعها منه غيرهما، وأنه عاش إلى هذا التاريخ؛ فيبعد أن يسمعها ثم ينسخها بعد ثمان وستين سنة. إلا إن يكون الناسخ لم يدرك ابن نصر أصلًا، وإنما وقعت له نسخة أحد تلاميذه - سواء سمعها من هذا التلميذ أم لا - فنسخها بإسنادها دون أن يذكر اسم التلميذ في أولها، وثبوت هذا يفسر وقوع الخلل فيها. وعلى أي تقدير، ففي النسخة إشكال ظاهر. وقد وقع فيها تقديم وتأخير في اللوحة (١٤)، فدخلت تتمة باب "تسمية الإيمان بالقول دون العمل" في أثناء الباب التالي: "باب من جعل الإيمانَ المعرفةَ بالقلب وإن لم يكن عملٌ". وقد بيَّن الناسخ وجه الصواب قولًا فقال: "تمام هذا الباب [أي باب من جعل الإيمانَ المعرفةَ بالقلب … ] من ثالث سطر من الكراسة، والإلحاق

стр. 17

في الجوانب من الكراسة الأخرى. السطور الفوقانية (١) تمامه [كذا] الإلحاق في الجوانب". ثم بينه فعلًا بأن فصل بالخط الكلام عن بعضه، فلم يبق فيها إشكال، ولله الحمد. هذا وأسأل الله أن يتقبل هذا العمل، وأن يجعله نافعًا مباركًا، إنه خير مسؤول، والحمد لله أولًا وآخرًا. ربيع بن أحمد البيطار المدينة النبوية rabie ١٤٠١@gmail.com ٢٦ جمادى ثان ١٤٣٢ هـ _________ (١) هكذا استظهرت هذه الكلمة، ورسمها في الأصل: "الفقوانية".

стр. 18

نماذج من النسخة الخطية: صورة طرَّة النسخة

стр. 19

صورة اللوحة الأولى

стр. 20

صورة اللوحة (١٤) التي وقع فيها التقديم والتأخير

стр. 21

صورة اللوحة الأخيرة

стр. 22

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ توكلت على الله باب نعت الإيمان في استكماله ودرجاته أخبرنا الشيخ أبو محمد؛ عبد الرحمن بن عثمان بن معروف - أعني ابن أبي نصر (١) - في داره بدمشق، في صفر سنة عشرين وأربع مائة، قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن [إبراهيم الأذرعي (٢)، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله

стр. 23

ابن جعفر بن] (¬*) أحمد بن بحر (١) العسكري - صاحب أبي عبيد القاسم بن سلَّام - هذه الرسالة وأنا أسمع. قال أبو عبيد: أما بعد، فإنك كنت تسألني عن الإيمان، واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته ونقصه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السُّنة من ذلك، وما الحجة على من فارقهم فيه؟ (٢). فإن هذا - رحمك الله - خطْبٌ قد تكلم فيه السلف من (٣) صدر هذه الأمة وتابعيها، ومن بعدهم إلى يومنا هذا، وقد كتبت إليك بما انتهى إليَّ علمُه من ذلك مشروحًا مُخَلَّصًا، وبالله التوفيق.

стр. 24

اعلم - رحمك الله - أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين (١)، فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسنة، وعمل الجوارح، وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما (٢) هي تقوى وبر، وليست من الإيمان. وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسُّنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا، وينفيان ما قالت الأخرى. والأصل الذي هو حجَّتنا في ذلك: اتباعُ ما نطق به القرآن، فإن الله تعالى ذكره علوًّا كبيرًا قال في مُحكم كتابه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 25

وإنا ردَدْنا الأمر إلى ما ابتعث الله عليه رسوله ﷺ وأنزل به كتابه؛ فوجدناه قد جعل بدء الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، فأقام النَّبي ﷺ على ذلك (١) بمكة بعد النبوة عشر سنين، أو بضع عشرة سنة (٢)؛ يدعو إلى هذه الشهادة خاصة، وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذٍ سواها، فمن أجاب إليها كان مؤمنًا، لا يلزمه اسم في الدين غيره، وليس يجب عليهم زكاة، ولا صيام، ولا غير ذلك من شرائع الدين. وإنما كان هذا التخفيف عن الناس يومئذ فيما يرويه العلماء: رحمةً من الله لعباده وترفُّقًا (٣) بهم، لأنهم كانوا حديث عهد بالجاهلية (٤) وجفائها، ولو حَمَّلهم الفرائض كلها معًا نفرت منه قلوبهم، وثقلت على أبدانهم، فجعل ذلك الإقرار بالألسُن وحدها هو الإيمان المفترض على الناس يومئذٍ، فكانوا على ذلك إقامتهم بمكة كلها، وبضعة عشر شهرًا بالمدينة بعد (٥) الهجرة. فلما أثاب الناس إلى الإسلام، وحسنت (٦) فيه رغبتُهم، زادهم الله في إيمانهم أن صرَف الصلاة إلى الكعبة بعد أن كانت إلى بيت المقدس، فقال:

стр. 26

﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ثم خاطبهم وهم بالمدينة باسم الإيمان المتقدِّم لهم في كل ما أمرهم به، أو نهاهم عنه؛ فقال في الأمر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، و ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في النهي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، و ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وعلى هذا كل مخاطبةٍ كانت لهم فيها أمر أو نهي (١) بعد الهجرة. وإنما سماهم بهذا الاسم بالإقرار (٢) وحده؛ إذ لم يكن هناك فرض غيره، فلما نزلت الشرائع بعد هذا وجبت عليهم وجوب الأول سواء لا فرق بينهما، لأنهما (٣) جميعًا من عند الله، وبأمره وبإيجابه. فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أَبَوا أن يصلوا إليها، وتمسَّكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه، والقبلة التي كانوا عليها؛ لم يكن ذلك مغنيًا عنهم شيئًا، ولكان فيه نقضٌ لإقرارهم، لأن الطاعة الأولى ليست بأحقّ باسم الإيمان من الطاعة الثانية، فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار؛ صارا جميعًا معًا هما يومئذٍ الإيمان، إذ أُضيفت الصلاة إلى الإقرار.

стр. 27

والشهيد على أن الصلاة من الإيمان قول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وإنما نزلت في الذين تُوُفُّوا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسُئل رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية (١)، فأي شاهد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية؟ فلبثوا بذلك بُرْهة من دهرهم، فلما أن داروا إلى الصلاة مسارعةً، وانشرحت لها صدورهم، أنزل الله فرْض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطَوه ذلك بالألسنة وأقاموا الصلاة، غير أنهم ممتنعون من الزكاة كان ذلك مزيلًا لما قبله، وناقضًا للإقرار، والصلاة، كما كان إباءُ (٢) الصلاة قبل ذلك ناقضًا لما تقدَّم من الإقرار. والمصدِّق لهذا جهادُ أبي بكر الصديق - رحمة الله عليه - بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة كجهاد رسول الله ﷺ أهلَ الشِّرك سواء، لا فرق بينها في سفك الدماء، وسبي الذُّرية، واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها. ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها؛ كلما نزلت شريعةٌ صارت مضافةً إلى

стр. 28

ما قبلها لاحقةً بها (١)، ويشملها جميعًا اسمُ الإيمان؛ فيقال لأهله: مؤمنون (٢). وهذا هو الموضع الذي غلط فيه من ذهب إلى أن الإيمان بالقول (٣)؛ لما سمعوا تسميةَ الله إيَّاهم مؤمنين؛ أوجبوا لهم الإيمان كلَّه بكماله (٤). كما غلطوا في تأويل حديث النَّبي ﷺ حين سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: "أن تؤمن بالله وكذا وكذا" (٥) (٦).

стр. 29

وحين سأله الذي عليه رقبةٌ مؤمنةٌ عن عتق العجمية؟ فأمر بعتقها، وسمَّاها مؤمنة (١) (٢). وإنما هذا على ما أعلمتك من دخولهم في الإيمان، ومن قبولهم وتصديقهم بما نزل منه، وإنما كان ينزل متفرقًا كنزول القرآن. والشاهد لما نقول والدليل عليه كتاب الله ﵎، وسنة رسول الله ﷺ . فمن الكتاب قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] في مواضع من القرآن مثل هذا. أفلست ترى أن الله ﵎ لم ينزل عليهم الإيمانَ جملةً، كما لم ينزل القرآنَ جملةً؟ فهذه الحجَّة من الكتاب، فلو كان الإيمان مكمَّلًا بذلك الإقرار ما كان للزيادة إذًا معنى، ولا لذكرها موضع. وأما الحجَّة من السنة: فالآثار (٣) المتواترة في هذا المعنى من زيادات قواعد

стр. 30

الإيمان بعضها بعد بعض؛ ففي حديث منها أربع، وفي آخر خمس، وفي الثالث تسع، وفي الرابع أكثر من ذلك. فمن الأربع حديث ابن عباس عن النَّبي ﷺ : أن وفد عبد القيس قدموا عليه، فقالوا: يا رسول الله! إن هذا الحي من ربيعة (١)، فقد حالت بيننا وبينك كفار مُضر، فلسنا نصل إلا في شهرٍ حرامٍ، فمُرْنا بأمرٍ نعمل به، وندعو إليه من وراءنا. فقال: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان"، ثم فسَّره لهم: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدُّوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدَّبَّاء، والحَنْتم، والنَّقِير، والمُقَيَّر". ١ - قال أبو عبيد: حدثناه عباد بن عباد المهلبي، قال: حدثنا أبو جمرة (٢)، عن ابن عباس، عن النَّبي ﷺ بذلك (٣).

стр. 31

ومن الخمس حديث ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت". ٢ - قال أبو عبيد: حدثناه (١) إسحاق بن سليمان الرازي، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، عن النَّبي ﷺ بذلك (٢). ومن (٣) التسع حديث أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ أنه قال: "إن للإسلام صُوًى ومنارًا كمنار الطريق" (٤) - قال أبو عبيد: صُوَى: هي ما غَلُظَ وارتفع من الأرض، واحدتها صُوَّة (٥) - "منها: أن تؤمن بالله، ولا تشرك به شيئًا، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن

стр. 32

تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئًا [فقد ترك سهمًا من الإسلام، ومن تركهن] (١) فقد ولَّى الإسلامَ ظهرَه". ٣ - قال أبو عبيد: حدثنيه يحيى بن سعيد القطان (٢)، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن رجل، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ (٣).

стр. 33

فظن الجاهلون بوجوه هذه الأحاديث أنها متناقضةٌ لاختلاف العدد منها، وهي بحمد الله ونعمته (١) بعيدةٌ (٢) من (٣) التناقض، وإنما وجوهها ما أعلمتك من نزول الفرائض بالإيمان متفرقًا، فكلما نزلت واحدةٌ ألحق رسولُ الله ﷺ عددَها بالإيمان، ثم كلَّما جدَّد اللهُ له منها أخرى زادها في العدد، حتى جاوز ذلك سبعين خُلَّة (٤). كذلك [في] (٥) الحديث المثبت عنه أنه قال: "الإيمان بضعة وسبعون جزءًا، أفضلها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". ٤ - قال أبو عبيد: حدثناه أبو أحمد الزبيري، عن سفيان بن سعيد، عن

стр. 34

سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١). فهذا الحديث (٢) - وإن كان زائدًا في العدد - فليس هو بخلاف ما قبله، وإنما تلك دعائم وأصول، وهذه فروعها زائداتٌ في شعب الإيمان من غير تلك الدعائم، فنرى والله أعلم أن هذا القول آخرُ ما وصف به رسولُ الله ﷺ الإيمانَ، لأن العدد إنما تناهى [به] (٣)، وبه كمُلت خصالُه. والمصدِّق له قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. ٥ - قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب - رحمة الله عليه -: إنكم تقرؤون آيةً لو أنزلت (٤) فينا لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، فذكر هذه الآية، فقال عمر: "إني لأعلم حيث أنزلت، وأي يوم أنزلت؛ بعرفة ورسول الله ﷺ (٥) واقفٌ بعرفة". قال سفيان: وأشك أقال: يوم الجمعة أم لا؟ (٦).

стр. 35

٦ - قال أبو عبيد (١): حدثنا يزيد، عن حماد بن (٢) سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال تلا ابن عباس هذه الآية وعنده يهودي، فقال اليهودي: لو أنزلت هذه الآية فينا لاتخذنا يومها عيدًا، قال ابن عباس: "فإنها نزلت في يوم عيد؛ يوم جمعة، ويوم عرفة" (٣). ٧ - قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: "نزلت عليه وهو واقفٌ بعرفة حين اضمحَلَّ الشِّركُ، وهُدم منارُ الجاهلية، ولم يطُف بالبيت عُرْيان" (٤). فذكر الله جلَّ ثناؤه إكمالَ الدين في هذه الآية وإنما نزلت - فيما يُروى - قبل وفاة النَّبي ﷺ بإحدى وثمانين ليلةً. ٨ - قال أبو عبيد: كذلك حدثنيه (٥) حجاج، عن ابن جريج (٦). فلو كان الإيمان كاملًا بالإقرار ورسولُ الله ﷺ بمكة في أول النبوة

стр. 36

كما يقول هؤلاء ما كان للكمال معنىً، وكيف يكمِّل شيئًا قد استُوعِب وأُتِي على (١) آخره (٢)؟ قال أبو عبيد: فإن قال لك قائل: فما هذه الأجزاء الثلاثة والسبعون (٣)؟ قيل له: لم تُسَمِّ لنا مجموعةً فنسمِّيَها، غير أن العلم يحيط أنها من طاعة الله وتقواه، وإن لم تُذكر لنا في حديثٍ واحدٍ، ولو تفقَّدت الآثارَ لوجدت (٤) متفرقةً فيها. ألا تسمع قوله في إماطة الأذى؛ قد (٥) جعله جزءًا من الإيمان (٦)؟ وكذلك (٧) قوله في حديثٍ آخر: "الحياء شعبةٌ من الإيمان" (٨). وفي الثالث: "الغَيْرة من الإيمان" (٩).

стр. 37

وفي الرابع: "البَذاذة من الإيمان" (١). وفي الخامس: "حُسْن العهد من الإيمان" (٢). فكل هذا من فروع الإيمان.

стр. 38

ومنه حديث عمار: "ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السَّلام على العالم" (١).

стр. 39

ثم الأحاديث المعروفة عند ذكر كمال الإيمان، حين قال: "أي الخلق أعظمُ إيمانًا؟ " فقيل: الملائكة، ثم قيل: النَّبيون (١)، ثم قيل: نحن يا رسول الله، فقال: "بل قوم يأتون بعدكم" … فذكر صفتهم (٢).

стр. 40

ومنه أيضًا قوله: "إن أكملَ - أو من أكمل - المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خلقًا" (١). وكذلك (٢) قوله: "لا يؤمن الرجل الإيمان كله حتى يدَع الكذبَ في المِزاح، والمراءَ وإن كان صادقًا" (٣). وقد روي مثله أو نحوه عن عمر بن الخطاب (٤)، وابن عمر (٥).
следующие страницы →