← Акыда

Акыда · id 1275

الإيمان - أبو عبيد - ط مسلم

أبو عبيد القاسم بن سلام

Полный текст (104 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كما يقول هؤلاء ما كان للكمال معنىً، وكيف يكمِّل شيئًا قد استُوعِب وأُتِي على (١) آخره (٢)؟ قال أبو عبيد: فإن قال لك قائل: فما هذه الأجزاء الثلاثة والسبعون (٣)؟ قيل له: لم تُسَمِّ لنا مجموعةً فنسمِّيَها، غير أن العلم يحيط أنها من طاعة الله وتقواه، وإن لم تُذكر لنا في حديثٍ واحدٍ، ولو تفقَّدت الآثارَ لوجدت (٤) متفرقةً فيها. ألا تسمع قوله في إماطة الأذى؛ قد (٥) جعله جزءًا من الإيمان (٦)؟ وكذلك (٧) قوله في حديثٍ آخر: "الحياء شعبةٌ من الإيمان" (٨). وفي الثالث: "الغَيْرة من الإيمان" (٩).

стр. 37

وفي الرابع: "البَذاذة من الإيمان" (١). وفي الخامس: "حُسْن العهد من الإيمان" (٢). فكل هذا من فروع الإيمان.

стр. 38

ومنه حديث عمار: "ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السَّلام على العالم" (١).

стр. 39

ثم الأحاديث المعروفة عند ذكر كمال الإيمان، حين قال: "أي الخلق أعظمُ إيمانًا؟ " فقيل: الملائكة، ثم قيل: النَّبيون (١)، ثم قيل: نحن يا رسول الله، فقال: "بل قوم يأتون بعدكم" … فذكر صفتهم (٢).

стр. 40

ومنه أيضًا قوله: "إن أكملَ - أو من أكمل - المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خلقًا" (١). وكذلك (٢) قوله: "لا يؤمن الرجل الإيمان كله حتى يدَع الكذبَ في المِزاح، والمراءَ وإن كان صادقًا" (٣). وقد روي مثله أو نحوه عن عمر بن الخطاب (٤)، وابن عمر (٥).

стр. 41

ثم من أوضح ذلك وأبْينه حديث النَّبي ﷺ في الشفاعة، حين قال: "فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، وبَرَّة من إيمان، ومثقال ذرَّة" (١) وإلا صولب (٢). ومنه حديثه في الوسوسة، حين سئل عنها، فقال: "ذلك صريح الإيمان" (٣). وكذلك حديث علي ﵇: "إن الإيمان يبدأ لمظةً في القلب، فكلما ازداد الإيمان عظمًا ازداد ذلك البياض عظمًا" (٤). في أشياء من هذا النحو كثيرة يطول ذكرها تبين (٥) لك التفاضل في الإيمان

стр. 42

بالقلوب والأعمال، وكلها يشهد (١) أو أكثرُها أن أعمال البِرِّ من الإيمان، فكيف تُعانَد هذه الآثار بالإبطال والتكذيب؟! ومما يصدِّق تفاضلَه بالأعمال قولُ الله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا (٢) الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، فلم يجعل اللهُ للإيمان حقيقة (٣) إلا بالعمل على هذه الشروط، والذي يزعم (٤) أنه بالقول خاصَّةً يجعله مؤمنًا حقًّا وإن لم يكن هناك عمل؛ فهو معائدٌ للكتاب والسنة (٥) (٦). ومما يبين لك تفاضلَه في القلب، قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ألست ترى أن هاهنا منزلًا دون منزل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠].

стр. 43

كذلك ومثله قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. فلولا أن هناك موضعَ مزيدٍ ما كان لأمره بالإيمان معنى. ثم قال أيضًا: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]. أفلست تراه ﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يرْضَ منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعَل أحدهما من الآخر؟ فأي شيء يُتَّبع بعد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومنهاج السلف بعده، الذين هم موضع القُدوة والإمامة؟ فالأمر الذي عليه السُّنة عندنا: ما مضى عليه علماؤنا، مما اقتصصنا في كتابنا هذا: أن (١) الإيمان بالنِّية والقول والعمل جميعًا (٢)، وأنه درجات بعضها

стр. 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 45

فوق بعض، إلا أن أولَها وأعلاها الشهادةُ باللسان، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعةً وسبعين جزءًا (١)، فإذا نطق بها القائل، وأقرَّ بما

стр. 46

جاء من عند الله؛ لزِمه اسمُ الإيمان بالدخول فيه (١)، [لا] (٢) بالاستكمال عند الله، ولا على تزكية النفوس، وكلما ازداد لله طاعةً وتقوىً، ازداد به إيمانًا (٣).

стр. 47

باب الاستثناء في الإيمان (١) ٩ - قال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبي الأشهب، عن الحسن قال: قال رجل عند ابن مسعود: أنا مؤمن، فقال ابن مسعود: "أفأنت من أهل الجنة؟ " فقال: أرجو، فقال ابن مسعود: "أفلا (٢) وكَلت الأولى كما وكَلت الأخرى؟ " (٣).

стр. 48

١٠ - قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان بن سعيد، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: بينا نحن نسير إذ لقينا ركبًا، فقلنا: من أنتم؟ فقالوا: نحن المؤمنون، فقال: "أولا (١) قالوا: إنا من أهل الجنة؟ " (٢). ١١ - قال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر كلاهما عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال رجل عند عبد الله: أنا مؤمن، فقال عبد الله: "فقل: إني في الجنة؟! ولكن آمنا بالله وملائكته، وكتبه، ورسله" (٣). ١٢ - قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن مُحِلّ (٤) بن محرز قال: قال لي إبراهيم: "إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته، وكتبه، ورسله" (٥).

стр. 49

١٣ - قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: "إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه ورسله" (١). ١٤ - قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، قال: "إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ … الآية [البقرة: ١٣٦] " (٢).

стр. 50

١٥ - قال أبو عبيد: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم، قال: قال رجل لعلقمة: أمؤمن أنت؟ فقال: "أرجو إن شاء الله" (١). قال أبو عبيد: ولهذا كان يأخذ سفيان ومن وافقه الاستثناءَ فيه، وإنما كراهتهم عندنا أن يبُتُّوا (٢) الشهادة بالإيمان مخافةَ ما أعلمتك (٣) في الباب الأول من التزكية والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمّون أهل الملة جميعًا مؤمنين، لأن ولايتهم وذبائحهم وشهاداتهم ومناكحتهم وجميع سننهم (٤) إنما هي على الإيمان (٥)، ولهذا كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه جميعًا واسعين. ١٦ - قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، قال: "من قال: أنا مؤمن، فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن، لقول الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقد علم أنهم داخلون" (٦).

стр. 51

وهذا (١) عندي وجه حديث عبد الله حين أتاه صاحبُ معاذ فقال: ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثةَ أصناف: مؤمنٌ ومنافقٌ وكافرٌ، فمن أيِّهم كنت؟ قال: "من المؤمنين" (٢)، إنما نراه أراد: أني كنت من أهل هذا الدين لا من الآخرين. فأما الشهادة بها عند الله؛ فإنه كان عندنا أعلم بالله وأتقى له من أن يريده، فكيف يكون ذاك (٣) والله يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]؟ (٤).

стр. 52

والشاهد على ما نظن أنه كان قبل هذا لا يقول: أنا مؤمن على تزكية ولا على غيرها، ولا نراه أنه كان ينكره على قائله بأي وجهٍ كان (١)، إنما كان يقول: آمنت بالله وملائكته (٢) وكتبه ورسله، لا يزيد على هذا اللفظ، وهو الذي كان أخذ به إبراهيم وطاووس وابن سيرين (٣) ثم أجاب عبد الله إلى أن قال: أنا مؤمن، فإن كان الأصل محفوظًا (٤) عنه فهو عندي على ما أعلمتك، وقد رأيت يحيى بن سعيد ينكره، ويطعن في إسناده لأن أصحاب عبد الله على خلافه (٥). وكذلك نرى مذهب الفقهاء الذين كانوا يتسمَّون بهذا الاسم بلا استثناء؛ فيقولون: نحن مؤمنون، منهم أبو (٦) عبد الرحمن السلمي، وإبراهيم التَّيمي، وعون بن عبد الله، ومَن بعدهم مثل: عمر بن ذر، والصلت بن بهرام ومسعر بن كدام، ومن نحا نحوهم، إنما هو عندنا منهم على الدخول في الإيمان لا

стр. 53

على الاستكمال. ألا ترى أن الفرق بينهم وبين إبراهيم وابن سيرين وطاووس (١) إنما كان أن هؤلاء كانوا [لا يتسمَّون] (٢) به أصلًا، وكان الآخرون يتسمَّون به. فأما (٣) على مذهب من قال: كإيمان الملائكة والنَّبيين؛ فمعاذ الله، ليس هذا طريق العلماء، وقد جاءت كراهيته مفسرة عن عِدَّة منهم: ١٧ - قال أبو عبيد: حدثنا هُشيم، - أو حُدِّثت عنه -، عن جويبر (٤)، عن الضَّحاك: أنه كان يكره أن يقول الرجل: أنا على إيمان جبريل وميكائيل ﵇ (٥). ١٨ - قال أبو عبيد: حدثنا سعيد بن الحكم (٦) بن أبي مريم المصري، عن

стр. 54

نافع بن (١) عمر الجُمَحي، قال: سمعت ابن أبي مليكة، وقال له إنسان: إن رجلًا من مجالسيك (٢) يقول: إن إيمانه كإيمان جبرائيل، فأنكر ذلك وقال: "سبحان الله! والله لقد (٣) فضَّل جبريل ﵇ في الثناء على محمد ﷺ ، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] " (٤). ١٩ - قال أبو عبيد: حُدِّثنا عن ميمون بن مهران، أنه رأى جارية تغنِّي، فقال: "من زعم أن هذه على إيمان مريم بنت عمران فقد كذب" (٥).

стр. 55

وكيف يسَع أحدًا (١) أن يُشَبِّه البشر بالملائكة، وقد عاتب الله المؤمنين في غير موضع من كتابه أشدَّ العتاب، وأَوْعَدَهم أغلظَ الوعيد، ولا يُعلم فَعَل بالملائكة من ذلك شيئًا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩، ٣٠]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ … الآية [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]. فأوعَدَهم النار في آية، وآذنهم بالحرب في أخرى، وخوَّفهم بالمقت في ثالثة، واستبطأهم في رابعة، وهم (٢) في هذا كله يسميهم مؤمنين. فما تشبُّه هؤلاء من جبريل وميكائيل مع مكانهما من الله؟ إني (٣) لخائف أن يكون هذا من الاجتراء على الله، والجهل بكتابه.

стр. 56

باب الزيادة في الإيمان والانتقاص منه (١) ٢٠ - قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن جامع بن شدَّاد، عن الأسود بن هلال، قال: قال معاذ بن جبل لرجل: "اجلس بنا نؤمن ساعة"، يعني: نذكر الله (٢). وبهذا القول كان يأخذ سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس، يرون أعمال البِرِّ جميعًا من الازدياد في الإسلام، لأنها كلها عندهم منه. وحجَّتهم في ذلك ما وصف الله به المؤمنين في خمسة (٣) مواضع من كتابه؛ منه قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].

стр. 57

وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. وموضعان آخران قد ذكرناهما في الباب الأول (١). فاتَّبع أهل السُّنة هذه الآيات، وتأوَّلوها أن الزيادات هي الأعمال الزاكية. وأما الذين رأوا الإيمان قولًا ولا عمل؛ فإنهم ذهبوا في هذه الآيات إلى أربعة أوجه: أحدها: أن قالوا: أصلُ الإيمان الإقرارُ بجُمَل الفرائض، مثل الصلاة والزكاة وغيرها، والزيادةُ بعد هذه الجمل؛ وهو (٢) أن تؤمنوا بأن هذه الصلاة المفروضة (٣) هي خمس، وأن الظهر هي أربع ركعات، والمغرب ثلاث (٤)، وعلى هذا رأوا سائر الفرائض. والوجه الثاني: أن قالوا: أصلُ الإيمان الإقرارُ بما جاء من عند الله، والزيادة تمكنٌ من ذلك الإقرار. والوجه الثالث: أن قالوا: الزيادة في الإيمان: الازدياد من اليقين. والوجه الرابع: أن قالوا: إن الإيمان لا يزداد أبدا، ولكن الناس يزدادون منه. وكل هذه الأقوال لم أجد لها مصدِّقًا في تفسير الفقهاء، ولا في كلام العرب.

стр. 58

فالتفسير ما ذكرناه عن معاذ حين قال: "اجلس بنا نؤمن ساعة"، فيُتَوَهَّم على مثله أن يكون لم يعرف الصلوات الخمس، ومبلغ ركوعها وسجودها إلا بعد رسول الله ﷺ (١)، وقد فضَّله النَّبي ﷺ على كثير من أصحابه في العلم بالحلال والحرام، ثم قال: "يتقدم العلماء برَتْوة" (٢)؟ هذا لا يتأوله أحدٌ يعرف معاذًا.

стр. 59

وأما في اللغة: فإنا لم نجد المعنى فيه يحتمل تأويلهم، وذلك كرجل (١) أقرَّ لرجل (٢) بألف درهمٍ له عليه، ثم بيَّنها، فقال: مائة منها في جهة كذا، ومائتان في جهة كذا، حتى استوعب الألف، ما كان هذا يسمى زيادة، وإنما يقال له: تلخيصٌ وتفصيلٌ، وكذلك لو لم يلخِّصها، ولكنه ردَّد ذلك الإقرار مرَّات، ما قيل له زيادة أيضًا، وإنما هو تكرير وإعادة، لأنه لم يغيِّر المعنى الأول، ولم يزِد فيه شيئًا.

стр. 60

فأما الذين قالوا: يزداد من الإيمان، ولا يكون الإيمان هو الزائد (١)، فإنه مذهبٌ غير موجود؛ لأن رجلًا (٢) لو وُصِف مالُه فقيل: هو ألفٌ، ثم قيل: إنه ازداد مائة بعدها، ما كان له معنى يفهمه الناس إلا أن يكون المائة هي الزائدة على الألف، وكذلك سائر الأشياء، فالإيمان مثلها، لا يزداد الناس منه شيئًا إلا كان ذلك الشيء هو الزائد في الإيمان. وأما الذين جعلوا الزيادة ازديادَ اليقين فلا معنى لهم؛ لأن اليقين من الإيمان، فإذا كان الإيمان عندهم كله برمته إنما هو الإقرار، ثم استكمله هؤلاء المقرُّون بإقرارهم، أفليس قد أحاطوه باليقين من قولهم؟ فكيف يزداد من شيء قد استُقصي وأُحيط به؟! أرأيتم رجلًا نظر إلى النهار بالضحى حتى أحاط عليه كله بضوئه، هل كان يستطيع أن يزداد يقينًا بأنه نهار، ولو اجتمع عليه الإنس والجن؟ هذا يستحيل ويخرج مما (٣) يعرفه الناس (٤).

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 62

باب تسمية الإيمان بالقول دون العمل قال أبو عبيد: قالت هذه الفرقة: إذا أقرَّ بما جاء من عند الله، وشهد شهادة الحق بلسانه فذلك الإيمان كله، لأن الله سمَّاهم مؤمنين. وليس ما ذهبوا إليه عندنا قولًا، ولا نراه شيئًا، وذلك من وجهين: أحدهما (١): ما أعلمتك في الثُّلث الأول (٢)، أن الإيمان المفروض في صدر الإسلام لم يكن يومئذٍ شيئًا إلا إقرارٌ فقط. وأما الحجَّة الأخرى: فإنا وجدنا الأمور كلها يستحقُّ الناس بها أسماءها مع ابتدائها والدخول فيها، ثم يفْضُل فيها بعضُهم بعضًا، وقد شملهم فيها اسمٌ واحدٌ. من ذلك أنك تجد القوم صفوفًا بين مستفتحٍ الصلاة، وراكعٍ وساجدٍ، وقائمٍ وجالسٍ، فكلهم يلزمه اسمُ المصلِّي، فيقال لهم: مصلُّون، وهم مع هذا فيها متفاضلون. وكذلك صناعات الناس؛ لو أن قوما ابتنوا حائطًا، وكان بعضهم في تأسيسه، وآخر قد نصَّفه، وثالث قد قارب الفراغ منه، قيل لهم جميعًا: بناةٌ، وهم متباينون في بنائهم. وكذلك لو أن قومًا أُمروا بدخول دارٍ، فدخلها أحدُهم، فلما تعتَّب البابَ أقام مكانه، وجاوزه الآخرُ بخطوات، ومضى الثالثُ إلى وسطها، قيل لهم

стр. 63

جميعًا: داخلون، وبعضهم فيها أكثر مدخلًا (١) من بعض. فهذا الكلام المعقول عند العرب السائرُ فيهم، فكذلك المذهب في الإيمان، إنما هو دخولٌ في الدين قال الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ١ - ٣]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، فالسِّلم: الإسلام، وقوله: ﴿كَافَّةً﴾ معناها عند العرب: الإحاطة (٢) بالشيء. قال رسول الله ﷺ : "بُني الإسلام على خمس" (٣)، فصارت الخمس كلها هي الملَّة التي سمَّاها الله سِلمًا مفروضًا. فوجدنا أعمالَ البِرِّ، وصناعاتِ الأيدي، ودخولَ المساكن؛ كلُّها تشهد على اجتماع الاسم، وتفاضل الدرجات فيها. هذا في التشبيه والنظر، مع ما احتججنا (٤) به من الكتاب والسنة. فهكذا الإيمان هو درجاتٌ ومنازلٌ، - وإن كان سمَّى أهلَه معًا (٥) اسمًا واحدًا -؛ إنما (٦) هو عملٌ من أعمال تعبَّد الله به عباده، وفرَضَه على جوارحهم، وجعل أصلَه في معرفة القلب، ثم جعل المنطقَ شاهدًا عليه، ثم

стр. 64

الأعمالَ مصدقةً له، وإنما أعطى الله كل جارحةٍ عملًا لم يعطه الأخرى، فعمل القلب: الاعتقاد (١)، وعمل اللسان: القول، وعمل اليد: التناول، وعمل الرجل: المشي، وكلها يجمعها اسم العمل. فالإيمان على هذا التأويل (٢) إنما هو كلُّه مبنيٌّ على العمل، من أوله إلى آخره، إلا أنه يتفاضل في الدرجات على ما وصفنا. وزعم من خالفَنا أنه (٣) القولُ دون العمل، وهذا عندنا متناقضٌ؛ لأنه إذا جعله قولًا فقد أقرَّ أنه عمل، وهو لا يدري بما أعلمتك من العلَّة الموهومة عند العرب في تسمية أفعال الجوارح عملًا (٤). وتصديقه في تأويل الكتاب: في عمل القلب واللسان، قول الله في القلب: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. وقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. وقال رسول الله ﷺ : "إن في الجسد لمضغة، إذا صلحت صلح سائر الجسد، وهي القلب" (٥).

стр. 65

وإذا كان القلب مطمئنًّا مرَّة، ويصغى أخرى، ويوْجل ثالثة، ثم يكون منه الصلاح والفساد، فأي عمل أكثر من هذا؟ ثم أبين ما ذكرنا قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]. فهذا ما في عمل القلب. وأما عمل اللسان، فقوله (١): ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]. فذكر القول ثم سمَّاه عملًا عند ذكر إحاطته به (٢). ثم قال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١]. هل كان عمل رسول الله ﷺ معهم إلا دعاؤه إيَّاهم إلى الله، وردّهم عليه قولَه بالتكذيب وقد أسماها (٣) هاهنا عملًا؟ وقال في موضعٍ ثالثٍ: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ إلى قوله (٤): ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٥١ - ٦١]. فهل يكون التصديق إلا بالقول، وقد جعل صاحبها هاهنا عاملًا؟ ثم قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، فأكثر ما يعرِف الناسُ من الشكر

стр. 66

أنه الحمد والثناء باللسان، وإن كانت المكافأة قد تُدعى شكرًا. فكل هذا الذي تأوَّلنا إنما هو على ظاهر القرآن، وما وجدنا أهل العلم يتأوَّلونه، والله أعلم بما أراد، إلا أن هذا المستفيض في كلام العرب غير المدفوع. فتسميتهم الكلام عملًا، من ذلك أن يقال: لقد عمل فلانٌ اليوم عملًا كثيرًا، إذا نطق بحق وأقام شهادةً (١)، ونحو هذا. وكذلك إن أسمع رجلٌ صاحبه مكروهًا، قيل: قد عمل به (٢) الفاقِرة (٣)، وفعل به الأفاعيل، ونحوه من القول، فسموه عملًا، وهو لم يزِده (٤) على المنطق. ومنه الحديث المأثور: "من عدَّ كلامَه من عمله، قلَّ كلامُه إلا فيما ينفعه" (٥).

стр. 67

فوجدنا تأويلَ القرآن، وآثارَ النَّبي ﷺ ، وما مضت عليه العلماء، وصحَّةَ النظر، كلها تصدِّق أهلَ السُّنة في الإيمان وتنفي (١) القول الآخر، فأي شيءٍ يُتَّبع بعد هذه الحُجَج (٢) الأربع؟ وقد يلزم أهل هذا الرأي - ممن يدعي أن المتكلِّم بالإيمان (٣) مستكملٌ له - من الشِّنْعة (٤) ما هو أشدُّ مما ذكرنا، وذلك فيما قص علينا من نبأ إبليس في إبائه السجودَ (٥) لآدم، فإنه قال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤]،

стр. 68

فجعله الله بالاستكبار كافرًا، وهو مقرٌّ به (١) غير جاحدٍ له، ألا تسمع [قوله] (٢): ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩]، فهذا الآن مقرٌّ بأن اللهَ ربَّه، وأثبت القدر أيضًا في قوله: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾. وقد تأوَّل بعضهم قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أنه كان كافرًا قبل ذلك، ولا وجه لهذا عندي، لأنه لو كان كافرًا قبل أن يؤمر بالسجود لما كان في عداد (٣) الملائكة (٤)، ولا كان عاصيًا إذا (٥) لم يكن ممن أُمر بالسجود. وينبغي في هذا القول أن يكون إبليس قد عاد إلى الإيمان بعد الكفر، لقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، وقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. فهل يجوز لمن يعرف الله وكتابه وما جاء من عنده أن يثبت الإيمان لإبليس اليوم؟

стр. 69

باب من جعل الإيمانَ المعرفةَ بالقلب وإن لم يكن عملٌ (١) قال أبو عبيد: قد ذكرنا ما كان من مفارقة هؤلاء (٢) القوم (٣) إيَّانا [في أن] (٤) العمل من الإيمان، على أنهم وإن كانوا لنا مفارقين فإنهم ذهبوا إلى مذهبٍ قد يقع الغَلط في مثله. ثم حدثت فرقةٌ ثالثةٌ شَذَّت عن الطائفتين جميعًا؛ ليست من أهل العلم ولا الدين، فقالوا: الإيمان معرفةٌ بالقلوب بالله وحده، وإن لم يكن هناك قولٌ ولا عملٌ. وهذا منسلخٌ عندنا من قول أهل الملَّة الحنيفيَّة (٥)، لمعارضته (٦) لكلام الله ورسوله ﷺ بالرَّدِّ والتكذيب. ألا تسمع قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ … الآية [البقرة: ١٣٦]. فجعل القول فرضًا حتمًا كما جعل معرفته (٧) فرضًا، ولم يرضَ بأن يقول: اعرفوني بقلوبكم.

стр. 70

ثم أوجب مع الإقرار: الإيمانَ بالكتب والرسلِ كإيجاب الإيمان، ولم يجعل لأحدٍ إيمانًا إلا بتصديق النَّبي ﷺ في كل ما جاء به، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، يعني النَّبي ﷺ ، فلم يجعل الله معرفتهم به - إذ تركوا الشهادة له بألسنتهم - إيمانًا. ثم سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان؟ فقال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله" (١) … في أشياء كثيرةٍ من هذا لا تحصى. وزعمت هذه الفرقة: أن الله رضي منهم (٢) بالمعرفة، ولو كان أمر الله ودينه على ما يقول هؤلاء ما عُرف الإسلام من الجاهلية، ولا فُرِّقت الملل بعضها من بعض؛ إذ كان يرضى منهم بالدعوى على قلوبهم [من] (٣) غير إظهار الإقرار بما جاءت (٤) به النبوة والبراءةِ مما سواها، وخلْع الأنداد والآلهة بالألسنة بعد القلوب. ولو كان هذا يكون به (٥) مؤمنًا ثم شهد رجلٌ بلسانه: أن الله ثاني اثنين، كما

стр. 71

يقول المجوس والزنادقة، أو ثالثُ ثلاثةٍ كقول النصارى، وصلَّى للصليب، وعبد النيران بعد أن يكون قلبه على المعرفة بالله، لكان يلزم قائل هذه المقالة أن يجعله مؤمنًا مستكملًا للإيمان (١) كإيمان الملائكة والنَّبيين! فهل يلفظ بهذا أحدٌ يعرف الله أو مؤمن له بكتاب (٢) أو رسول؟ وهذا (٣) عندنا كفرٌ لن يبلغه إبليس فمن دونه من الكفار قط.

стр. 72

باب ذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولًا بلا عمل، وما نهَوا عنه من مجالستهم (١) ٢١ - قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني (٢)، قال: قال حذيفة (٣): "إني لأعرف أهل دينين، أهل ذينك الدينين في النار، قوم يقولون: الإيمان قولٌ وإن زنى وإن سرق، وقومٌ يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟ وإنما هما صلاتان، قال: فذكر صلاة المغرب أو العشاء، وصلاة الفجر" (٤). قال: وقال ضمرة بن ربيعة يحدثه عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن حميد المقرائي، عن حذيفة. قارن حديث حذيفة هذا؛ قد قرن الإرجاء بحجة الصلاة (٥).

стр. 73

وبذلك وصفهم ابن عمر أيضًا: ٢٢ - قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت الجزري، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "صنفان ليس لهم في الإسلام نصيبٌ: المرجئة، والقدرية" (١). ٢٣ - حدثنا (٢) أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: "اجتمع الضَّحاك وميسرة وأبو البختري، فأجمعوا (٣) على أن الشهادةَ بدعةٌ، والإرجاءَ بدعةٌ، والبراءةَ بدعةٌ" (٤).

стр. 74

٢٤ - قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: "ما ابتُدعت في الإسلام بدعةٌ أضرُّ (١) على أهلها من هذا الإرجاء" (٢). ٢٥ - قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن مهدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: دخل فلانٌ - قد سمَّاه إسماعيل، ولكن تركت اسمه أنا - على جندب بن عبد الله البَجَلي، فسأله عن آيةٍ من القرآن، فقال: "أُحرِّج عليك إن كنت مسلمًا لمَا قُمت"، قال: أو قال: "أن تجالسني"، أو نحو هذا القول (٣). ٢٦ - قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، قال: قال لي سعيد بن جبير - غير سائلِه ولا ذاكرٍ (٤) له شيئًا -: "لا تجالس فلانًا - وسمَّاه أيضًا -، فقال: إنه كان يرى هذا الرأي" (٥). والحديث في مجانبة الأهواء كثير، ولكنَّا إنما قصدنا في كتابنا لهؤلاء خاصة.

стр. 75

وعلى مثل هذا القول كان سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس ومَن بعدهم من أرباب العلم وأهل السُّنة - الذين كانوا مصابيحَ الأرض وأئمةَ العلم في دهرهم من أهل العراق والحجاز والشام وغيرها - زارِّين (١) على أهل البدع كلها، ويرَون الإيمان قولًا وعملًا.
следующие страницы →