← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12759

الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق

عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

Полный текст (584 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق المؤلف: د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) الناشر: دار المعارف الطبعة: الثالثة عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

стр. 2

الإهداء إلى شيخي الوالد، العالم العارف القدوة، الشيخ: عليّ عبد الرحمن إلى أستاذى الإمام: أمين الخولى فى قلوبنا وضمائرنا وعقولنا وإلى تلاميذى الزملاء الأصدقاء: طلاب جامعة القرويين أهدى هذه الدراسة القرآنية نقلا لرسالة العلم من جيل إلى جيل عائشة عبد الرحمن.

стр. 3

دليل الجزء الأول: الإعجاز البياني - مدخل: خطوات على الطريق. * المبحث الأول - المعجزة. - الجدل والتحدى، آيات المعاجزة. - وجوه الإعجاز والبيان القرآني. - البلاغيون والإعجاز. * المبحث الثاني: دراسة استقرائية. - فواتح السور، وسرُّ الحرف. - دلالات الألفاظ، وسر الكلمة. - الأسلوب وسر التعبير. * الجزء الثاني: مسائل ابن الأزرق - فى المطبوعات، والمخطوطات. - المسائل: نص ودراسة. - خاتمة. الفهارس.

стр. 4

فاتحة: ْلولا نسب لى فى الشيوخ عريق، لتهيبت التصدى لهذا الموضوع الدقيق الصعب الذى توارد عليه أئمة من علماء السلف أفنوا أعمارهم فى خدمة القرآن الكريم، وقدموا إلى المكتبة الإسلامية ثمار جهودهم السخية الباذلة. ولولا ما أعلم من مكانة جليلة للمرأة المسلمة فى تاريخنا، لأحجمت عن التقدم إلى هذا الميدان الجليل، إشفاقا من أن يُنكر مكاني فيه. . . مع الكتاب المعجزة عشت عمرى كله، وفي المدرسة القرآنية كانت تلمذتي الطويلة التي تولاها أبي فى مراحلها الأولى. وإليها انتهى تخصصى فى الدراسة - العليا التى وجهنى إليها أستاذى الإمام "أمين الخولى"، وظل لمدى ثلث قرن يقود خطاي على الطريق الشاق، ويحمينى من عثرة الرأى ومزالق التأويل وسطحية النظر، ويأخذني بضوابط منهجه الدقيق الصارم الذى لا يجيز لنا أن نفسر كلمة من كلمات الله تعالى دون استقراء لمواضع ورودها بمختلف صيغها فى الكتاب المحكم، ولا أن نتناول موضوغا قرآنيا أوظاهرة من ظواهره الأسلوبية، دون اسيعاب لنظائرها وتدبر سياقها الخاص فى الآية والسورة، وسياقها العام فى القرآن كله. *** وقد شغلتني قضية الإعجار البياني دون أن أتجه إليها قصدا: فأثناء اشتغالى بالتفسير البياني والدراسات القرآنية، تجلى لي من أسراره الباهرة ما لفتنى إلى موقف العرب الأصلاء من المعجزة القرآنية فى عصر المبعث، ووجهنى إلى محاولة منهجية في فهم عجزهم عن الإتيان بسورة من مثل هذا القرآن، وقد تحداهم أن يفعلوا، والعربية لغته ولغتهم، والبيان طوع ألسنتهم. وهم لا ريب قد أدركوا من أسرار إعجازه البياني، ما أياسهم من محاولة

стр. 5

الإتيان بلفظ يقوم مقام اللفظ منه، أو أن يأتوا بآية على غير الوجه الذى جاءت به فى البيان المعجز. . . وهذا هو مجال المحاولة المتواضعة التى أقدمها اليوم فى فهم إعجاز البيان القرآني، لا أجحد بها جهود السلف الصالح فى خدمة القرآن الكريم، تفسيرًا وإعرابًا وبلاغة وإعجازًا، وقد زودتنى بمعالم هادية على الطريق الذى سرت فيه من حيث انتهت خطواتهم. واثقة أن الأجيال بعدنا حين تبدأ من حيث انتهى بنا الجهد، سوف تجتلى من أسراره الباهرة ما تضيفه إلى عطاء السلف الصالح، رضى الله عنهم. الجزء الأول، في الإعجاز البياني، يجمع خلاصة مما لمحت من أسراره الباهرة، فى دراساتي القرآنية المنشورة من قبل: وبحوث قدمتها إلى مؤتمرات: المستشرقين بالهند (سنة ١٩٦٤) والأدباء العرب ببغداد (١٩٦٥) وندوة علماء الإسلام بالمغرب (١٩٦٨) وأسبوع القرآن بجامعة أم درمان الإسلامية (١٩٦٨) ومحاضرات فى الدراسات القرآنية العليا بجامعة القرويين. وأما الجزء الثاني، فمحاولة تطبيقة لمنهج الدرس الاستقرائى للنص القرآني، بدراسة نحو مائتى مسألة فى كلمات قرآنية، سأل فيها نافع بن الأزرق، عبدَ الله بن عباس رضى الله عنهما، وطلب إليه فى تفسير كل مسألة منها أن يأتي بشاهد له من كلام العرب. قدمتها فى الطبعة الأولى، ولم أكن وقفت على مخطوطات ثلاث للمسائل، بالخزانة الظاهرية بدمشق ودار الكتب المصرية، أتاحت لى فى هذه الطبعة

стр. 6

الجديدة أن أعود على بدء فأدرس المسائل بعد بضع عشرة سنة انقطعت فيها لخدمة القرآن، مزودة بما تعلمت وعلَّمت فى هذه المرحلة الأخيرة من عمرى، وما أشرفت عليه من رسائل فى علوم القرآن والحديث والعربية، لطلاب الدراسات العليا بجامعات القرويين والأزهر وعين شمس وكلية البنات بالرياض، وما قرأت معهم من ذخائر مخطوطة ومطبوعة، أجدتْ عليَّ مزيد نضج وتثبت، وتواضع وتهيب. والله من وراء القصد، له سبحانه الفضل والمنة، ومنه التوفيق وبه المستعان.

стр. 7

الجزء الأول الإعجاز البياني - مدخل: خطوات على الطريق. - المبحث الأول: المعجزة - الجدل والتحدى - وجوه الإعجاز والبيان القرآني - علماء السلف والإعجاز البياني - المبحث الثاني: محاولة فى فهم الإعجاز البياني

стр. 8

من إعجاز القرآن أن يظل مشغلة الدارسين العلماء جيلا بعد جيل، ثم يبقى أبدًا رحبَ المدى سخى المورد، كلما حسب جيل أنه بلغ منه الغاية، امتد الأفق بعيدًا وراء كل مطمح، عاليا يفوت طاقة الدارسين.

стр. 9

من إعجاز القرآن أن يظل مشغلة الدارسين العلماء جيلا بعد جيل، ثم يظل أبدًا رحب المدى سخى المورد كلما حسب جيل أنه بلغ منه الغاية، امتد الأفق بعيدًا وراء كل مطمح، عاليا يفوت طاقة الدارسين. فى القرن الثالث للهجرة، كانت البيئة الإسلامية تموج بأقوال فى الإعجاز أخذت وضعا حادا فى صراع الفرق الإسلامية، فانتصر أعلام كل فرقة لرأيهم فيه وتصدوا لنقض أراء مخالفيهم. ولم تنفرد قضية الإعجاز فى أول الأمر بالبحث والنظر، وإنما عولجت مع غيرها من القضايا التي نشط فيها الكلام وتجادلت الفرق، وبخاصة تلك التي تتصل بالنبوة والمعجزة، كالذى فى (تأويل مشكل القرآن) لابن قتيبة، و (مقالات الإسلاميين) لأبى الحسن الأشعرى، و (حجج النبوة، للجاحظ) و (الانتصار) لأبى الحسين الخياط الذى نقض كتب "ابن الراوندى"، ومنها (الزمرد) ، و (الدامغ) و (الفريد) فى نظم القرآن. أو تناولها المفسرون فى سياق التفسير كالذى فى (جامع البيان) للطبرى و (مجاز القرآن) لأبى عبيدة. . . . على أن القضية لم تبث أن استقلت بالتأليف المفرد: ففى القرن الثالث ظهرت كتب فى الإعجاز تحمل فى الغالب عنوان (نظم القرآن) وللجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) كتاب بهذا الاسم لم يصل إلينا، وإن كان الجاحظ أشار إليه فى كتابه (الحجج) كما أشار إليه الباقلاني فى كتابه (إعجاز القرآن) .

стр. 10

وألف " السجستاني: أبو بكر عبد الله " كتابه (نظم القرآن) في النصف الثاني من القرن الثالث وأوائل الرابع، وكذلك أبو زيد البلخى، أحمد بن سليمان ت (٣٢٢) ومعاصره "أبو بكر أحمد بن على": ابن الإخشيد" (ت ٣٢٦) وقد أشار إلى كتابه الخياط فى (الانتصار) والزمخشرى فى خطبة (الكشاف) . وفى أواخر القرن الثالث، ظهر أول كتاب - فيما نعلم - بعنوان (إعجاز القرآن، في نظمه وتأليفه) لأبي عبد الله بن يزيد الواسطى المعتزلى (ت ٣٠٦ هـ) وقد ذكر حاجى خليفة فى (كشف الظنون) أن كتاب الواسطى فى إعجاز القرآن شرحه الشيخ عبد القاهر الجرجاني فى شرحين: الكبير وسماه المعتضد، والشرح الصغير. وظن أعلام هذه الطبقة الأولى ممن كتبوا فى نظم القرآن وإعجازه، أنهم استوفوا الكلام فيه فلم يدعوا لمن بعدهم مجالا لجديد يقال. كتب الجاحظ فى (حجج النبوة) يقدم كتابه (نظم القرآن) إلى الفتح بن خاقان: ". . . فكتبت لك كتابًا أجهدت فيه نفسى وبلغت منه أقصى ما يمكن مثلى فى الاحتجاج للقرآن والرد على كل طعان. فلم أدع فيه مسألة لرافضى ولا لحديثى ولا لحشوى، ولا لكافر مبادٍ ولا لمنافق مقموع ولا لأصحاب النظام ولمن نجم بعد النظام ممن يزعم أن القرآن حق وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة. وشهد أبو الحسين الخياط لهذا الكتاب فقال فى (الانتصار) : ومن قرأ كتاب عمرو الجاحظ فى الرد على المشبهة وكتابه فى الأخبار

стр. 11

وإثبات النبوات، وكتابه فى نظم القرآن، علم أن له فى الإسلام غناء عظيمًا لم يكن الله ليضيعه عليه، ولا يُعرف كتاب فى الاحتجاج لنظم القرآن وعجيب تأليفه وأنه حجة لمحمد على نبوته غير كتاب الجاحظ. ونقل أبو حيان التوحيدى" فى (البصائر) قول أبى حامد القاضى "فى كتاب أبى زيد البلخى: "لم أر كتابا فى القرآن مثل كتاب لأبى زيد البلخى، وكان فاضلا يذهب إلى رأى الفلاسفة، لكنه يتكلم فى القرآن بكلام لطيف دقيق فى مواضع، وأخرج سرائره وسماه نظم القرآن، ولم يأت على جميع المعاني فيه". *** وتلقى القرن الرابع هذا الجهد فلم يجد فيه مع ذلك ما يغنى، بل كان فى تقديره كما قال القاضى أبو بكر الباقلاني في (إعجاز القرآن) : لأوقد كان يجوز أن يقع ممن عمل الكتب النافعة فى معاني القرآن وتكلم فى فوائده من أهل صنعة العربية وغيرهم من أهل صناعة الكلام، أن يبسطوا القول فى الإبانة عن وجه معجزته والدلالة على مكانه، فهو أحق بكثير مما صنفوا فيه من القول. . . فالحاجة إليه أمَس، والاشتغال به أوجَبُ. "وقد قصَّر بعضهم فى هذه المسألة حتى تحول قوم منهم إلى مذاهب البراهمة فيها، ورأوا أن عجز أصحابهم عن نصرة هذه المعجزة يوجب أن لا مستنصرَ فيها ولا وجه لها، حين رأوهم قد برعوا فى لطيف ما أبدعوا وانتهوا إلى الغاية فيما أحدثوا ووضعوا، ثم رأوا ما صنفوه فى هذا المعنى - إعجاز القرآن - غير كامل فى بابه ولا مستوفى فى وجهه، قد أخِل بتهذيب طرقه وأهمل ترتيب

стр. 12

بيانه. "وقد يُعذرَ بعضهم فى تفريط يقع منه فيه وذهاب عنه، لأن هذا الباب مما لا يمكن إحكامه إلا بعد التقدم في أمور شريفة المحل عظيمة المقدار دقيقة المسلك لطيفة المأخذ. . . "وقد صنف الجاحظ فى نظم القرآن كتاباً لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ولم يكشف عما يلتبس فى أكثر هذا المعنى". وكذلك قال أبو سليمان الخطابي (٣٨٨ هـ) في مقدمة رسالته فى الإعجاز: "قد أكثر الناس الكلام فى هذا الباب قديما وحديثاً وذهبوا فيه كل مذهب من القول. وما وجدناهم بعدُ صدروا عن رِيٍّ، وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز فى القرآن ومعرفة الأمر فى الوقوف على كيفيته " وقدم هذا القرن الرابع رصيده، واختار عنوان (إعجاز القرآن) الذى كتب على رسائل من تصدوا للتأليف فيه من أعلام هذا القرن. ومن أشهر ما وصل إلينا من مصنفاتهم فى الإعجاز: (النكت في إعجاز القرآن) لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني - ت ٣٨٤ هـ (بيان إعجاز القرآن) للخطاب، أبي سليمان حمد بن محمد - ت ٣٨٦ هـ (إعجاز القرآن) لأبي بكر الباقلاني - ت ٤٠٣ هـ ومعها مجلد (إعجاز القرآن) من كتاب (المغنى: فى أبواب التوحيد والعدل) للقاضى عبد الجبار أبي الحسن المعتزلى " - ت ٣١٥ هـ.

стр. 13

وقد نقلنا آنفاً من كلام الباقلاني فيمن سبقوه، ما ندرك معه كيف رأى أن موضوع إعجاز القرآن " قلَّ أنصاره واشتغل عنه أعوانه وأسلمه أهله، فصار عرضة لمن شاء أن يتعرض فيه، حتى عاد مثل الأمر الأول على ما خاضوا فيه عند ظهور أمره، فمن قائل قال إنه سحر وقائل يقول إنه شعر، وآخر يقول إنه أساطير الأولين، وقالوا: (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) . إلى الوجوه التى حكى الله عنهم أنهم قالوا فيه وتكلموا به، فصرفره إليه " وتجرد الباقلاني لتفصيل القول فى مسألة الإعجاز وفاء بما قصر عنه سلفه، ليجىء فى نظم القرآن، بما يكون مستفادا من كتاب خاصة، وموجها ما وصل إليه جهده، إلى الخاصة "من أهل صناعة العربية الذين وقفوا على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرفوا جملة من طرق المتكلمين ونظروا فى شىء من أصول الدين. *** وظن الباقلاني أنه أغلق الباب وقال فيه الكلمة الأخيرة، فجاء "عبد القاهر الجرجاني" فى القرن الخامس، وعرض السؤال فى قضية الإعجاز كأن لم يُعرض من قبل، وبدأ القولَ فيها كمن يرى الميدان خالياً ليس فيه دليل، بحيث احتاج إلى وضع كتاب (دلائل الإعجاز) ، مقدمة لفهمه بإدراك أسرار العربية، فاستفرغ طاقته فى عرض أسالييها ونحوها وملاحظها البلاغية من حيث هى الهادية إلى دلائل الإعجاز. ولم يبدأ فى كتابه حتى نظر فى كتب السلف فلم ير إلا شرًّا وتخليطا وأنكر تصدى كثير مهم لتفسير القرآن وتأويله وقد أعوزتهم آلة فهمه وإدراك إعجازه، وقال فيما قال: "ولو أن هؤلاء القوم إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة فلم يأخذوا أنفسهم

стр. 14

بالتقَوِّى فيه والتصرف فيما لم يعلموا منه، ولم يخوضوا فى التفسير ولم يتعاطوا التأويل، لكان البلاء واحداً ولكانوا إذا لم يبنوا لم يهدموا وإذا لم يصلحوا لم يكونوا سببا للفساد. ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما أعيا الطبيب وحير اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه إلى حدٍّ يُئس من تلافيه، فلم يبق للعارف الذى يكره الشغب إلا التعجب والسكوت. وما الآفة العظمى إلا واحدة وهى أن يجىء من الإنسان يجرى لفظه ويكثر من غير تحصيل، وأن يحسن البناء على غير أساس وأن يقول الشىء لم يقتله علماً. . . "ثم إنا وإن كنا فى زمان هو ما هو عليه من إحالة الأمور عن جهاتها وتحويل الأشياء عن حالاتها ونقل النفوس عن طباعها وقلب الخلائق المحمودة إلى أضدادها، ودهر ليس للفضل وأهله لديه إلا الشر صرفاً والغيظ بحتاً وإلا ما يدهش معقولهم، حتى صار أعجز الناس رأيا عند الجميع من كانت له همة أن يستفيد علماً أو يزداد فهما أو يكتسب فضلا. . . "فإن الإلْف من طباع الكريم، وإذا كان من حق الصديق عليك ولا سيما إذا تقادمت صحبته وصحَّت صداقته ألا تجفوه بأن تنكبك الأيام وتضجرك النوائب وتحرجك محن الزمان فتتناساه جملة وتطويه طيًّا، فالعلم الذى هو صديق لا يحول عن العهد ولا يدغل فى الود، وصاحب لا يصح عليه النكث والغدر ولا يُظن به الخيانة والمكر، أولى منه بذلك وأجدر، وحقه عليك أكبر. . " ٢٧ وظن الجرجاني أنه قطع قول كل دارس وجاء فى بيان فوت نظم القرآن بما قصر عنه الأوائل والأواخر، وأتى به على وجه يؤخذ باليد ويُتناول من كتب ويُتصور فى النفس كتصور الأشكال، بين ما ادعيناه من الفصاحة العجية فى القرآن" ٧٠ وأوجب على كل ذى عقل ودين أن ينظر فى الكتاب الذى وضعه فيه:

стр. 15

"فإن عَلِم أنه الطريق إلى البيان والكشف عن الحجة والبرهان، تبع الحق وأخذ به. وإن رأى أن له طريقا غيره أومأ لنا إليه ودلنا عليه، وهيهات ذلك! أو كما أضاف، الجرجاني متحدياً: إني أقول مقالا لست أخفيه. . . ولست أرهب خصماً إن بدا فيه ما من سبيل إلى إثبات معجزة. . . فى النظم إلا بما أصبحت أبديه قولوا وأصغوا للبيان تروا. . . كالصبح منبلجا فى عين رائيه ومع الدلائل، قدم الجرجاني (الرسالة الشافية) فى إعجاز القرآن - نشرت مع: ثلاث رسائل فى الإعجاز - وحسب أنه أتى فيها "بما يشفى من له طبع إذا قدحتَه أورى، وقلب إذا أريته رأى. . . فأما من لا يرى ما تريه ولا يهتدى للذى تهديه، فأنت معه كالنافخ فى الفحم من غير نار وكالملتمس الشم من أخشم. وكما لا يقيم الشعر فى نفس من لا ذوق له، لا يفهم هذا البابَ من لم يؤتَ الآلة التى بها يفهم. إلا أنه إنما يكون البلاء أو ظن العادم لها أنه قد أوتيها، وأنه ممن يكمُل للحكم ويصح منه القضاء فجعل يخبط ويخلط ويقول القولَ لو علم عِيه لاستحيا منه. . . "فليس الكلام إذن بمغن عنك ولا القول بنافع، ولا الحجة مسموعة، حتى تجد مَن فيه عون لك، ومن إذا أبى عليك أي ذاك طبعُه فردَّه إليك وفتح سمعه لك ورفع الحجاب بينه وبينك وأخذ به إلى حيث أنت، وصرت ناظره إلى الجهة التى أليها أومأت، فاستبدل بالنفار أنساً وأراك من بعد الإباء قبولا. وبالله التوفيق". *** فى القرن الخامس أيضاً، ظهر ابن حزم الظاهرى (ت ٤٥٦ هـ) فتصدى للسلف ممن تكلموا فى إعجاز القرآن، واشتدت وطأته على القاضى الباقلاني

стр. 16

فوصفه بالكفر أعظم الكفر، والهذيان المحض والحمق العتيق ونقل من كتابه (الانتصار) أقوالا من باب الدلالة على القرآن معجزة للنبى، صلى الله عليه وسلم، ما رآه من الكفر الصريح والكيد للإسلام، من هذا النذل المستخف الباقلاني. وجاء القرن السادس فلم ير فى فصل ابن حزم ما ينهي الصراع المذهبى بين المفسرين والمتكلمين في الإعجاز والنبوة، كما لم يجد فى شافيهّ الجرجاني ما يشفى غليلا أو يروى ظمأ. ولا صح عنده أن عبد القاهر جاء بدلائل الإعجاز على نحو يؤخذ باليد أو بلغ منها ما قاله من (إقرار الأمور قراوها ووضع الأشياء فى مواضعها، وبيان ما يشكل وحل ما يتعقد والكشف عما يخفى، حتى يزداد السامع ثقة بالحجة واستظهارا على الشبهة واستبانة للدليل"، وتقدم ابن رشد الحفيد (ت ٥٩٥ هـ) إلى الميدان فأنكر هذه الخصومات المذهبية التى أضرت بالإسلام أشد الضرر. وصرح بأن الأقاويل الشرعية المصرح بها في الكتاب العزيز للجميع، ثلاث خواص دلت على الإعجاز: إحداها أنه لا يوجد أتم إقناعاً وتصديقا للجميع منها. والثانية أنها تقبل النصرة بطبيعها إلى أن تنتهى إلى حد لا يقف على التأويل فيها - إن كانت مما فيه تأويل - إلا أهل البرهان. والثالثة أنها تتضمن التنبيه لأهل الحق على التأويل الحق. وهذا ليس يوجد لا فى مذاهب الأشعرية ولا في مذاهب المعتزلة أعنى أن تأويلاتهم لا تقبل النصرة ولا تتضمن التنبيه على الحق ولا هى حق، ولهذا كثرت، البدع. ." ". . . فعسى أن يكون ذلك مبدأ لمن يأتي بعد، فإن النفس مما تخلل هذه الشريعة من الأهواء الفاسدة والاعتقادات المحرفة، في غاية الحزن والتألم. وبخاصة ما عرض لها من ذلك من قِبَلِ مَن ينسب نفسه إلى الحكمة. فإن

стр. 17

الأذية من الصديق هى أشد"من الأذية من العدو. أعنى أن الحكمة هى صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، فالأذية ممن ينسب إليها أشد الأذية مع ما يقع بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة. وهما المصطحبتان بالطبع والمتحابتان بالجوهر والغريزة. وقد آذاها أيضا كثير من الأصدقاء الجهال ممن ينسبون أنفسهم إليها، وهى الفِرق الموجودة فيها". وفى عصر أبي الوليد ابن رشد، قدم الإمام فخرالدين الرازى - محمد بن عمر، (ت ٦٠٦ هـ) كتابه (نهاية الإيجاز فى دراية الإعجاز) يوجر به أن يستدرك ما فات غيره وإن عذب ما قالوه وبخاصة عبد القاهر الجرجاني، الذى قال فيه الرازى، فى مقدمة كتابه، إنه "أهمل فى رعاية ترتيب الأصول والأبواب، وأطنب فى الكلام كل الإطناب. . ولما وفقنى الله لمطالعة كتابيه - دلائل الأعجاز، والشافية - التقطت منهما معاقد فوائدهما ومقاصد فرائدهما، وراعيت الترتيب مع التهذيب، والتحرير مع التقرير، وضبط أوابد الإجمالات فى كل باب بالتقسيمات اليقينية، وجمعت متفرقات الكلم فى الضوابط العقلية، مع الاجتاب عن الإطناب الممل، والاحتراز عن الاختصار المخل". وفي القرن السابع أيضاً، قدم ابن أبي الأصبع المصرى (ت ٦٥٤) كتابه (بديع القرآن) . *** ثم لم يمض غير قرن واحد، حتى كان الإمام يرحيى بن حمزة العلوى - (ت ٧٤٩ هـ) يرى اليدان قفرأ خاليا، ولا ينقضى له عجب من حال علماء البيان وأهل البراعة فيه عن آخرهم، وهو أنهم أغفلوا بلاغة القرآن فى مصنفاتهم. . مع أن ما ذكروه من الأسرار المعنوية واللطائف البيانية من

стр. 18

البديع وغيره، إنما هو بيان لطائف الإعجاز وإدراك دقائقه واستنهاض عجائبه. فكيف ساغ لهم تركها وأعرضوا عن ذكرها، وذكروا فى آخر مصنفاتهم ما هو بمعزل عنها،. . "ثم لو عذرنا من كان منهم ليس له حظ فى المباحث الكلامية ولا كانت له قدم راسخة فى العلوم الإلهية، وهم الأكثر منهم، كالسكاكى وابن الأثير وماحب التبيان. . . فما بال من كان له فيها اليد الطولى كالرازى، فإنه أعرض عن ذلك فى كتابه المصنف فى علم البيان، فلم يتعرض لهذا المباحث ولا شَم. منها رائحة، ولكنه ذكر فى صدر (كتاب النهاية) كلاما - قليلا فى وجه الإعجاز، لا ينقع من غلة ولا يشفى من علة ". وقدم ابن حمزة العلوى كتابه الموسوم بالطراز، المتضمن أسرار البلاغة وحقائق الإعجاز، لينقع الغلة ويشفى العلة. *** ولكن القرن التالى، لم يجد فى الطراز أكثر مما وجده مصنفه فى تراث السلف، وألقى البقاعى - برهان الدين بن عمر، ت ٨٨٥ هـ - دلوه فى النبع السخى، فخرج بكتاب سماه (نظم الدرر) وصفه حاجى خليفة فى (كشف الظنون) فقال (إنه كتاب لم يسبقه إليه أحد. جمع فيه من أسرار القرآن ما تتحير فيه العقول، وأتقن فيه المناسبات، وأوضح المعاني المشكلات. وقال فى بيان فضله: هل رأيتم يا أولي التفسير مَن. . . صاغ تفسيرا كنظم الدررِ دقً معنى جلَّ سبكاً لفظُه. . . فى وجوه الفكرمثل الغرر ولم يمهل الزمن البقاعى فى انتظار جواب ما سأل عنه، بل تصدى له من معاصريه مَن خالفوه وجرحوه، حتى كادت تكون فتنة!

стр. 19

وقد حمل البقاعى ذلك منهم على داء الحسد، فقال فيما نقل حاجى خليفة في الكشف: "إني بعدما توغلت فيه واستقامت لى مبانيه فوصلت إلى قريب من نصفه، فبالغ الفضلاء فى وصفه بحسن سبكه وغزارة معانيه وإحكام رصفه، دبَّ داء الحسد في جماعة أولى نكد ومكر، فصوبوا من سهام الشرور والأباطيل وأنواع الزور ما كثرت بسببه الوقائع وطال الأمر فى ذلك سنين وعَم الكرب" وفات البقاعى أن يدرك أن المجال يتسع لآراء مخالفيه، وأن أعلام السلف قالوا فى مصنفاتهم فى تفسير القرآن ونظمه وإعجازه، مثل ما قال فى كتابه (نظم الدرر) فلم يُسلَّم لأحد منهم أن يدعى القول الفصل فى الكتاب المعجز -. فى القرن الثامن، لخص "البدر الزركشى" الأقوال فى الإعجاز، فى النوع الثامن والثلاثين من كتابه (البرهان فى علوم القرآن) آل إليه الجلال السيوطى فى "فصل فى وجوه الإعجاز" من كتابه (الإتقان فى علوم القرآن) . وفى العصر الحديث، عقد "الشيخ محمد عبده" فى (تفسير الذكر الحكيم) فصلا "فى تحقيق وجوه الإعجاز بمنتهى الاختصار والإيجاز" مهد له بقوله: "وللباحثين فيه أقوال كُتبت فيها فصول وألفت فيها رسائل وكتب. وقد عقدت هذا الفصل لما علمت من شدة حاجة المسلمين أنفسهم إليها، دع أمر دعوة غيرهم أو الاحتجاج عليهم بها. . . "ولعمرى إن مسألة النظم والأسلوب لإحدى الكبر، وأعجب العجائب لمن فكر وأبصر. ولم يوفها أحد حقها على كثرة ما أبدأوا فيها وأعادوا". وجاء من بعده السيد مصطفى صادق الرافعى فنظر فى تراث المكتبة القرآنية فلم يرَ فيه كله شيئاً ذا بال، بل وجد أن القوم من علمائنا رحمهم الله

стр. 20

قد أكثروا من الكلام فى إعجاز القرآن وجاءوا بقبائل من الرأى لونوا فيها مذاههم ألواناً مختلفات وغير مختلفات، بيد أنهم يمرون فى ذلك عُرضا على غير طريق، وويشتقون فى الكلام ههنا وههنا من كل ما تمترس به الألسنة فى اللدد والخصومة وما يأخذ بعضه على بعض من مذاهبهم ونحلهم، وليس وراء ذلك كله إلا ما تحصره هذه المقاييس من صناعة الحق - فسرها بهامشه فقال: كناية عن علماء الكلام، وفنهم يقوم على الجدل والمنطق! - وإلى أشكال من هذه التراكيب الكلامية، ثم فتنة متماحلة لا تقف عند غاية فى اللجاج والعسر. والرافعى لا يتحرج من القول بالظن فى مصنفات السلف: فهر يحكم على كتاب الجاحظ، ولم يصل إلينا، بأنه لم يحاول فيه "أكثر من توكيد القول فى الفصاحة والكشف عنها على ما يفى بالابتداء فى هدا المعنى، إذ كان هو الذى ابتدأ التأليف فيه ولم تكن علوم البلاغة قد وضعت بعد. وقال فى كتاب الواسطى، ولم يصل إلينا كذلك: "ولا نظن الواسطى بنى إلا على ما ابتدأه الجاحظ، كما بنى عبد القاهر فى دلائل الإعجاز على الواسطى " ثم يشير إلى كتاب لابن سراقة فى إعجاز القرآن، ضاع فيما ضاع من تراثنا، فيحكم عليه قائلا: "على أن كتابه لوكان مما ينفع الناس لمكث فى الأرض" وتصدى الرافعى للموضوع الجليل، فتناوله أول الأمر مبحثاً من مباحث كتابه (تاريخ آداب العرب) ثم أفرده مستقلا ليكون كما قال: (كتابا بنفسه، تعم به المنفعة ويسهل على الناس تناوله" ونشره بعنوان (إعجاز القرآن) ولم يحتمل ﵀ أن يختلف معاصروه فى كتابه، فيكون منهم من يراه فصل الخطاب وشهد له بأنه كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور

стр. 21

الذكر الحكيم) كما قال سعد زغلول، ومن يوجب "على كل مسلم عنده نسخة من القرآن أن تكون عنده نسخة من هذا الكتاب " كما قال الدكتور يعقوب صروف فى تقريظه للكتاب. ويكون منهم علماء شيوخ لا يحسنون الرأى فى الكتاب ولايتقبلوفه بمثل ما تقبله به سعد زغلول ويعقوب صروف - وليسا من أصحاب الكلمة فى مثل هذا الموضوع - فيقف الرافعى منهم مثل الموقف الذى أنكره على السلف من "اللدد فى الخصومة والفتنة المتماحلة لا تقف عند غاية فى اللجاج والعسر" كتب فى مقدمة الطبعة الثالثة من (إعجاز القرآن) : "وأما بعد فهذه هى الطبعة الثالثة من نسخ كتابى تظهر اليوم، وإن فينا مع فريق الطاعة فريق المعصية، ومع أهل اليقين عصبة الشك، ومع طائفة الحقيقة دعاة الشبهة، ومع جماعة الهداية أفراد الضلالة. يتخذون الحلم دُرْبة لإفساد الناس وتحليل عُقدهم الوثيقة وتوهين أخلاقهم الصالحة القوية* ويزعمون للعلم معنى إن يكن بعضه فى العلم فأكثره فى الجهل، وإن يكن له صواب فله خطلأ يغمر صوابه وإن كان فيه ما يرجع إلى عقول العلماء ففيه كذلك مايرجع إلى عقولهم هم،، * وناهيك بها عقولا ضعيفة معتلة غلب عليها الكيد وأفسدها التقليد ونزع بها لؤم الطبع شر منزع، حتى استهلكها ما أوبقهم من فساد الخلق، وما يستهويهم من غوايات المدنية، فجاءونا فى أسماء العلماء ولكن بأفعال أهل الجهل، وكانوا فى العلم كالنبات الذى خبُث لا يخرج في الأرض الطيبة إلا خبيثا. . . "وإنك لن تجد سيماهم إلا فى أخلاقهم فتعرفهم بهذه الأخلاق، فستنكرهم جميعا، ولتعلمن عليهم كل سوء، ولترينهم حشو أجسامهم طينا وحماة، فى زعم كذبٍ يسمي لك الطين طيباً والحمأة مسكا! ولتجدن أحدهم وما فى السفلة أسفل منه شهواتٍ ونزغاتٍ، وإنه مع ذلك لُيزوِّر لك ويلبس عليك"

стр. 22

فما فيه من لون عندك يعيبه إلا هو عنده تحت لون يزينه، ولا رذيلة تقبحه إلا هى فى معنى فضيلة تجمله. فخذ منه الكذب فى فلسفة المنفعة، والتسفلَ فى شفاعة الغريزة، والوقاحة فى زعم الحرية، والخطأ فى علة الرأى، والإلحاد فى حجة العلم، وفسادَ الطبيعة فى دعوى الرجوع إلى الطبيعة! وبالجملة، خذ أفعالهم فسَمها غيرَ أسمائها وانحلها غير صفاتها، واكذِبْ بالألفاظ على المعاني وقل: علماء ومصلحون، وأنت تعنى ما شئت إلا حقيقة العلم والإصلاح. "أيتها الحصاة! ما يسخر منك الساخر بأكثر من أن يجلوك على الناس فى علبة جوهرة. "وأنت أيها القارئ فلا يغرنك منهم من يلبس العمامة ويتسم بسمة الشرع ثم يذهب أين ذهب وشعلة الجحيم العلمية تدور فى رأسه تهفو من هنا وهنا! "وَمَن تراه فى ثياب المعلم يتلبس بالنشء كما يتلبس الداء بعضو حيٍّ لا يدع أبدا أن يغمز غمزة، ويبتلى بما فيه من ضعة وبلاء فلايصلح إلا على إفساد الحياة، ولا يقوى إلا على إضعاف القوى، ولا يعيش إلا على غذاء من الموت، كان هذا المعلم أخزاه الله كان دودة فى قبر ثم نفخه الله إنسانا فيما يبلو به الخلقَ ويضرب الحياة به ضربة انحلال وبِلى وتعفن! "وَمن تراه سخِر به القدر أشد سخرية قط، فضغطه في قالب من قوالب الحياة المصنوعة فإذا هو فى تصاريف الدنيا كاتب مرشد متنصح، ينفث دخان قلبه الأسود ويعمل كما تعمل الأعاصير على إهداء الوجوه والأعين والأنفاس صحفاً منشرة من غبار الأرض، إن لم تكن مرضًا فأذى، وإن لم تكن أذى فضيق، وإن لم تكن ضيقا فلن تكون شيئا مما يساغ أو يقبل أو يحب. "على إنك ترى أصحابنا العلماء لا يتحاملون على شىء، ما يتحاملون على القرآن الكريم. فهم يخصونه بمكاره العلم كله ويجفون عنه أشد جفاء، لكنهم وإياه فى غرورهم وأوهامهم لكالطيارات غرها أن تصعد فى الجو فمضت حاشدة فى حملة حربية إلى فلك الشمس. .

стр. 23

وأعتذر عن هذه الإطالة فى نقل فقرات من مقدمة السيد الرافعى لكتابه (الإعجاز) فعباراته فيها تعكس صدى رأى علماء جيله فى هذا الكتاب، بقدر ما تكشف لنا عن طريقته في النظر والتناول، ومنطقه فى البرهنة والاحتجاج وأسلويه فى المناقشة والجدل. . فبمثل هذا التدفق جرى قلمه فى موضوع الإعجاز. وبمثل هذه الطواعية الخطابية صال وجال فى الميدان كمن يقول، كم ترك الأول للآخر! واستراح حيث ظن أنه ألقم الأوائل والآواخر حجراً، وقال: (فى غير الجهات التى كتب فيها كل من قبله "! *** ثم لم يلبث أن صار هو من الأول الذى ترك لنا ما ترك. لم تمض أعوام على ظهور كتابه فى الإعجاز، حتى بدا الميدان لمن بعده خاليا أو يكاد، فرأى الدكتور عبد العليم أن ينشر فى الهند كتاب الباقلاني فى (إعجاز القرآن) فى الوقت الذى رأى فيه الزميل السيد أحمد صقر أن ينشر الكتاب نفسه فى مصر، لأنه فى تقديره "أعظم كتاب ألف فى الإعجاز إلى اليوم". وهو رأى لم يسلم به الدارسون من قدامى ومحدثين، وينقل الزميل فى مقدمته لإعجاز الباقلاني، أن بعض المتعصبين كرهوا نشر الكتاب، قال: "حدثى من أثق بصحة حديثه أن دارا للنشر والطبع استشارت كبيرا منهم فى طبع هذا الكتاب بتحقيقى، فكتب إليها بخط يده يقول: (أنا لا أنصح بطبع كتاب إعجاز القرآن للباقلاني، لأنه ليس أنفسَ كتاب فى موضوعه) . ولما لقيت كاتب هذا التقرير العجيب قذفت سامعتيه بهذا التحدى: دلنى على كتاب واحد فى إعجاز القرآن تربو قيمته على كتاب الباقلاني. فأبلس ولم يحر جوابا" قلت وأنا أقرأ هذا التعليق: رحم الله ابن حزم! ورحمنا الله إن كانت

стр. 24

حياتنا عَقُمت، فليس لها أن تعرف من الإعجاز، غير ما قاله قائل منذ عشرة قرون! *** ونبدأ نحن من حيث انتهى السلف، وتراثهم بين أيدينا علامات على الطريق، لا نغض من قيمته ولا نحط من أقدار أهله، وإنما نرى فى كل منهم جهد عصر ومستوى بيئة، وحتمية تقدم وسنة حياة. ونمض ونترك للأجيال بعدنا ما نترك، والباب مفتوح أبداً ليس لأحد أن يدعى أنه أغلقه، والمجال رحب يتلقى كل حين جديدا لن يلبث أن يصير من القديم، دون أن تسلم الحياة بأن أحدا قال الكلمة الأخيرة فيه. لقد قالها الجاحظ من قديم وهو يقدم كتابه (نظم القرآن) إلى الفتح ابن خاقان، وقالها الباقلاني من بعده، والجرجاني وابن حزم والرازى والعلوى والبقاعى. . . فما لبث الزمن أن نسخ ما قالوا. وكذلك قالها الرافعى فى كتابه الذى بدا لسعد زغلول كأنه تنزيل من التنزيل " وأوجب يعقوب صروف "على كل مسلم عنده نسخة من القرآن، أن يقتنى نسخة منه ". فما مضت أعوام حتى جاء من لم ير كتابا ظهر فى الإعجاز بعد كتاب الباقلاني من القرن الرابع للهجرة! فإن تكن الخصومة المذهية والفكرية فيما مضى، قد وضعت قضية الإعجاز فى دوامة الصراع المذهبى والجدل الكلامى والعداوة الشخصية، فإنا نعود بعد هذا كله فنقول ما قلناه فى مستهل هذا المدخل: لعل من إعجاز القرآن أن تظل الأجيال تتوارد عليه جيلا بعد جيل، وهو رحب المدى سخى المورد، كلما حسب جيل أنه بلغ منه مبلغاً، امتد الأفق بعيدا وراء كل مطمح وفوق كل طاقة. . .

стр. 25

ومع إدراكي أن الإعجاز البياني للقرآن يفوت كل محاولة وجهد، أتقدم فى خشوع إلى الميدان الجليل فأضع إلى جانب محاولات السلف الصالح، ما هدى إليه عكوفى الطويل على تدبر كلمات الله، من وجهٍ فى هذا الإعجاز: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) . صدق الله العظيم

стр. 26

المبحث الأول ١ - المعجزة ٢ - قضية التحدى وآيات المعاجزة ٣ - وجوه الإعجاز والبيان القرآني ٤ - البلاغيون والإعجاز

стр. 27

المعجزة من فجر المبعث، فرض القرآن إعجازه على كل من سمعوه من العرب، على تفاوت مراتبهم فى البلاغة، وقد تحير المشركون فى وصفه، وحرصرا على أن يصدوا العرب عن سماعه، عن يقين بأنه ما من عربى يخطئه أن يميز بين هذا القرآن، وقول البشر.

стр. 28

قضية الإعجاز البياني بدأت تفرض وجودها على العرب من أول المبعث. فمنذ تلا المصطفى ﵊ فى قومه ما تلقى من كلمات ربه، أدركت قريش ما لهذا البيان القرآني من إعجاز لا يملك أي عربي يجد حسَّ لغته وذوقها الأصيل، سليقة وطبعًا، إلا أن يسلم بأنه ليس من قول البشر. من هنا كان حرص طواغيت الوثنية من قريش، على أن يحولوا بين العرب وبين سماع هذا القرآن. فكانوا إذا دنا الموسم وآن وفود قبائل العرب للحج، ترصدوا لها عند مداخل مكة، وأخذوا بسبل الناس لا يمر بهم أحد إلا حذروه من الإصغاء إلى ما جاء به "محمد بن عبد الله" من كلام قالوا إنه السحر يفرق بين المرء وأبيه وأخيه، وبين المرء وزوجه وولده وعشيرته. وربما وصلت آيات منه إلى سمع أشدهم عداوة للإسلام، فألقى سلاحه مصدقا ومبايعًا، عن يقين بأن مثل هذه الآيات ليست من قول البشر. حدثوا أن عمر بن الخطاب خرج ذات مساء متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ، ورهطا من أصحابه، فى بيت عند الصفا سمع أنهم مجتمعون فيه، فلقيه فى الطريق من سأله: - أين تريد يا عمر، أجاب: أريد محمدًا هذا الصابئ الذى فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسبَّ آلهتها، فأقتله. قال له محدثه: - غرْتك نفسك ياعمر! أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمدًا، أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم، سأله عمر، وقد رابه ما سمع:

стр. 29

- أي أهل بيتى تعنى، فأخبره أن صهره وابن عمه "سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل " قد أسلم. وكذلك أسلمت زوجه، أخت عمر "فاطمة بنت الخطاب ". فأخذ عمر طريقه إلى بيت صهره مستثار الغضب، يريد أن يقتله ويقتل زوجه فاطمة. فما كاد يدنو من الباب حتى سمع تلاوة خافتة لآيات من سرة طه، فدخل يلح فى طلب الصحيفة التى لمح أخته تخفيها عند دخوله. . . وانطلق من فوره إلى البيت الذى اجتمع فيه المصطفى ﷺ بأصحابة، فبايعه. وأعز الله الإسلام بعمر، وقد كان من أشد قريش عداوة للإسلام. وفي حديث بيعة العقبة، أن الرسول ﷺ ندب صاحبه مصعب بن عمير ليذهب مع أصحاب العقبة إلى يثرب، ليقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام. فنزل هناك على أسعد بن زرارة الأنصارى الخزرجى. فحدث أن خرجا يومًا إلى حى بني عبد الأشهل على رجاء أن يسلم بعض القوم. فلما سمع كبيرا الحى سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير بمقدم مصعب وأسعد، ضاقا بهما وأنكرا موضعهما من الحى. قال سعد بن معاذ لصاحبه أسيد بن حضير: لا أباً لك! انطلق إلى هذين الرجلين فازجرهما وانههما عن أن يأتيا ديارنا. فإنه لولا أن أسد بن زرارة منى حيث علمتَ، كفيتك ذلك: هو ابن خالتى ولا أجد عليه مقْدَما. والتقط أسيد بن حضير حربته ومضى إلى صاحبي رسول الله ﷺ ، فزجرهما متوعدا: - ماجاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت لكما بنفسيكما حاجة. قال له مصعب بن عمير:

стр. 30

- أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهتَه كُفَّ عنك ما تكره، فركز أسيد حربته واتكأ عليها يصغي إلى ما يتلو مصعب من القرآن. ثم أعلن إسلامه من فوره، وعاد إلى قومه فعرفوا أنه جاء بغير الوجه الذى ذهب به. وما زال أسيد بسعد بن معاذ حتى صحبه إلى ابن خالته أسعد بن زرارة فبادره سعد سائلا فى غضب وإنكار: "يا أبا أمامة، لولا ما بينى وبينك من القرابة مارُمتَ هذا منى. أتغشانا فى دارنا بما نكره،! ولم يجب أبو أمامة، بل أشار إلى صاحبه مصعب الذى استمهل سعد بن معاذ حتى يسمع منه، ثم تلا آيات من القرآن، نفذت إلى قلب ابن معاذ فمزقت عنه حجب الغفلة وغشاوة الضلال. أعلن إسلامه وعاد إلى قومه فسألهم: يا بنى عبد الأشهل، كيف تعلمون أمرى فيكم، أجابوا جميعًا: سيدنا، وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة. فعرض عيم الإسلام فوالله ما أمسى فى حي بنى عبد الأشهل رجل أو امرأة إلا مسلمًا ومسلمة. وفي ترجمة الصحابى جبير بن مطعم بن عدى القرشى ﵁، أنه أتى رسول الله ﷺ فى بعض أسارى بدر، وجبير وقتئذ مشرك، فدخل على المصطفى ﷺ وهو يقرأ فى المغرب بسورة الطور، فلما انتهى ﷺ إلى آيات منها، كاد قلب جبير يطير، ومال إلى الإسلام. وفى حديث العقبة الأولى أن وفد الخزرج أسلموا بمجرد أن تلا عليهم المصطفى ﵊، آيات من القرآن، وأقام مصعب بن عمير القرشى سنة فى يثرب يقرأ القرآن فلم ييق بيت من بيوت الأنصار إلا وفي

стр. 31

قرآن، فكان أن فتحت يثرب بالقرآن، قل الهجرة بسنتين. هل فرض القرآن إعجازه على هؤلاء الذين استنارت بصائرهم فآمنوا بالمعجزة القرآنية بمجرد سماعهم آيات منها، دون غيرهم ممن لجوا فى العناد والتكذيب، ذهب القاضى أبو بكر الباقلاني إلى هذا، حين عدَّ تفاوت العرب، عصر المبعث، فى الفصاحة، من الوجوه الصارفة عن الإسلام، لمن ظلوا منهم على الشرك والتكذيب أمدًا طال أو قصر. ذكر آية التوبة: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦) . فرأى فيها الدليل البين على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه: فإن قيل: لو كان كذلك على ما قلتم، لوجب أن يكون حال الفصحاء الذين كانوا فى عصر النبى ﷺ ، على طريقة واحدة عند سماعه،. قيل له: لا يحب ذلك، لأن صوارفهم كانت كثيرة: مها أنهم كانوا يشكون، ففيهم من يشك فى إثبات الصانع، وفيهم من يشك فى التوحيد، وفيهم من يشك فى النبوة. . . فكانت وجوه شكوكهم مختلفة وطرق شبَههم متباينة. فمنهم من قلَّت شبهه وتأمل الحجة حق تأملها ولم يستكبر فأسلم. ومنهم من كثرت شبهه أو أعرض عن تأمل الحجة حق تأملها، ولم يكن فى البلاغة على حدود النهاية فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر وراعى واعتبر، واحتاج إلى أن يتأمل عجز غيره عن الإتيان بمثله، فلذلك وقف أمره. . . ولو كانوا فى الفصاحة على مرتبة واحدة، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة، لتوافوا إلى القبول جملة واحدة.

стр. 32

وعاد الباقلاني فأكد المعنى، وأبْعَدَ فسّوى بين العربي الذي ليس في المرتبة العليا من الفصاحة والأعجمي، من حيث لا يتهيأ له "كما لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية من العجم والترك وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن يعلموا أن العرب - البلغاء - قد عجزوا عن ذلك. . . "وكذلك نقول: إن من كان من أهل اللسان العربي إلا إنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه تعرف اللغة وما يعدونه فصيحاً بليغاً بارعاً من غيره، فهو كالأعجمي في إنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا بمثل ما بينا أن يعرف بع الفارسي الذي بدأنا بذكره. وهو - أي العربي غير البليغ - ومن ليس من أهل اللسان، سواء". ص ١٧١ وفي هذا الكلام نظر، من حيث أن العرب في عصر المبعث فصحاء، وهم وإن تفاوتوا في مراتب البلاغة والاقتدار على فن القول، وتميز منهم خاصة من خطباء بلغاء وشعراء فحول، فما كانوا بحيث يغيب عنهم جيد القول من رديئة، وعاليه من هابطه، أو يفوتهم حِسُّ لغتهم في ذوقها وبيانها. شأنهم في هذا شأن "أم جندب": لم تُعرف لها مشاركة في قول الشعر ولا كان لها حظ منه، ولكنها بحسها اللغوي المرهف سليقة وطبعاً، استطاعت أن تميز مواضع الضعف والقوة في قصيدتي امرئ القيس وعلقمة بن عبدة الفحل، في وصف الخيل. فعامة العرب في عصر المبعث، مهما يتفاوتوا في البلاغة والاقتدار على فن القول، كانت لهم هذه الحاسة النقدية التي أرهفتها سليقة لغوية أصلية لم تفسد. وأرى الباقلاني قد خلط هنا بين الفصاحة وبين القدرة البلاغية: فالفصاحة عامةٌ في العرب قبل أن يخرجوا من جزيرتهم ويخالطوا غيرهم من الأمم مخالطة لغوية. وقد اعتمد علماء اللغة ما سُمع من عرب الجاهلية وعصر المبعث، حجةً في الفصاحة، دون أن يفوت اللغويين في تدوينهم معجم

стр. 33

الفصحى أن العرب الفصحاء ليسوا سواء في المقدرة البيانية والمرتبة البلاغية. وليس الأمر في إعجاز القرآن أن يتوهم كل فرد القدرة على الإتيان بمثله ثم يعجز، أو "أن يكون الرجوع فيه إلى جملة الفصحاء دون الآحاد" كنص عبارة الباقلانى. بل العبرة فيه إنهم جميعاً فصحاء قادرون على أن يدركوا فوت البيان القرآني بلاغَة بلغائهم، وفي هذا أيضاً أرى الباقلانى قد اختلط عليه الفرق بين المعجزة وبين التحدي. فمن حيث هو معجز. الأمر فيه واضح لكل ذي سليقة عربية أصلية. وإدراكُ إعجازه كان ميسراً لهم جميعاً في عصر المبعث لا ينفرد به خاصة بلغائهم دون العامة. وما تلا المصطفى ﵊ آيات معجزته وهو يُقدر أن البلغاء وحدهم هم الذين يدركون إعجازهم. وأما من حيث تحديهم أن يأتوا بسورة من مثله، فتلك قضية أخرى معروضة على أبلغ بلغائهم ومن يظاهرونهم من جِِنَّ فيما زعموا، على ما يأتي بيان ذلك بتفصيل في قضية التحدي والمعاجزة. ونوجز القول هنا في إيضاح الفرق بين إدراك المعجزة وبين التحدي، فنلفت إلى أن الشاعر العربي كان يقول قصيدته فيتلقاها جمهور المستمعين بالإعجاب والتقدير أو الصد والتهاون. وأما أن يعارضها آخر منهم، فذلك محصور في أقرانه من الشعراء لا يعدوهم إلى عامة القوم. * * * والمشركون من قريش حين كانوا يأخذون سُبُلَ الحاج إلى مكة ليصرفوهم عن سماع القرآن، لم يكونوا يتحرون الخطباء البلغاء والشعراء الفحول منهم أو يُقدرون أن الوافدين على الموسم كانوا سواء في المرتبة البلاغية، بل التقدير أنهم جميعاً عرب خُلص فحاء يجدون حس لغتهم فطرة وطبعاً ويميزون

стр. 34

أساليبها بسليقتهم اللغوية. ومن هنا كان التوجيه القرآني - في آية التوبة - خاصاً بمن لم يسمعوا منهم كلام الله، وليس بمن هم في المرتبة العليا من البلاغة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - ٦ والذين بادروا منهم إلى الإيمان بالمعجزة، لم يكونوا جميعاً من صناع القول المشهود لهم بالمرتبة البلاغية العليا، وإنما أدركوا بسليقتهم أن هذا القرآن معجز. والذين تأخر إسلامهم، كانوا في الغالب ممن صَدُّوا عن سماع القرآن أو صُدوا عنه، ثم لما أصغوا إليه آمنوا به، وليسوا جميعاً شعراء وخطباء. أريد لأقرر أن القرآن لن يفرض إعجازه البياني من أول المبعث. على هؤلاء الذين سبقوا إلى الإيمان به فحسب، بل فرضه كذلك على من ظلوا على سفههم وشركهم، عناداً وتمسكاً بدين الآباء ونضالاً عن أوضاع دينية واقتصادية واجتماعية لم يكونوا يريدون لها أن تتغير. وقد أمعنوا في إيذاء المصطفى واضطهاد من آمنوا برسالته وما كان لديه ﷺ ما يواجه به الوثنية الباغية في عنفوان شراستها، سوى كلمات الله يتلوها فتزلزل صروح الوثنية وكأنها تريد أن تنقض. وفي الخبر أن من طواغيت قريش وصناديد الوثنية العتاة من كانوا يتسللون في أوائل عصر المبعث خفية عن قومهم، ليسمعوا آيات هذا القرآن دون أن يملكوا إرادتهم: روى "ابن إسحاق" في السيرة أن أبا سفيان بن حرب الأموي، وأبا جهل ابن هشام المخزومي، والأخنس بن شريق الزهري، خرجوا ذات ليلة متفرقين على غير موعد إلى حيث يستمعون من رسول الله ﷺ وهو يصلي ويتلو القرآن في بيته. فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، ولا أحد منهم يعلم بمكان صاحبيه. فباتوا يستمعون إليه حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض:

стр. 35

"لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاًَ". ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة التالية. عاد كل منهم إلى مجلسه لا يدري بمكان صاحبيه. فباتوا يستمعون إلى القرآن حتى طلع الفجر فتفرقوا وجمعهم الطريق فتلاوموا، وانصرفوا على ألا يعودوا". لكنهم عادوا فتسللوا في الليلة وباتوا يستمعون إلى القرآن. وفي (السيرة) أيضاً أن الملأ من قريش بعثوا أحد صناديدهم "عتبة بن ربيعة" إلى رسول الله ﷺ ليعرض عليه أموراً أرسلوه بها. فقرأ المصطفى آيات من سورة "فُصَّلَتْ" عاد "عقبة" بعدها إلى قريش مأخوذاً، فما لمحوه حتى صاحوا: عاد أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. وقد تحير المشركون من قريش فيما بينهم، بم يصفون هذا القرآن: قالوا هو شعر، وقالوا هو سحر، وقالوا هم كهانة. وقد عرفوا الشعر كله رجزه وقصيده ومقبوضة ومبسوطة، وعرفوا السحر ونفثه وعُقَدة، وعرفوا الكهانة وسجعها وزمزمتها. وما جهلوا أن القرآن ليس شيئاًَ من ذلك كله، فإذا كانوا قد وصفوه هكذا فلقد أقروا بأن له من السلطان على عقولهم وأفئدتهم ما لم يعهدوا له شبيهاً إلا في أخذة السحر ونفوذ الشعراء والكهان. ذلك حين اجتمعوا في دار الندوة وقد دنا أول موسم بعد المبعث وآن وفود القبائل للحج. وإذ تواطأ طواغيت قريش على أن يأخذوا سبل الناس إلى مكة ويصدوهم عن سماع القرآن. كان عليهم أن يتفقوا فيما بينهم على قول واحد في هذا القرآن يلقون به العرب, حتى لا يختلفوا فيه ويرد بعضهم قول بعض. وشهدت دار الندوة حيرتهم في وصفهم إياه بالسحر أو الشعر أو الكهانة، وإنهم ليعلمون - كما قال قائلهم - أن العرب بحيث لا يفوتها أن تميز القرآن

стр. 36

من قول الشعراء والسحرة والكهان. حتى انتهوا آخر الأمر إلى رأي الوليد ابن المغيرة المخزومي": أن يقولوا: إن محمداً جاء بكلام هو السحر يفرق بين المرء وأخيه وأبيه، وبين المرء وزوجه وولده وعشيرته الأدنين. هو إذن سحر البيان يعرفون سلطانه على الوجدان العربي، فهم في خشية من أن يدرك العرب، كل العرب لا البلغاء والشعراء منهم فحسب، إعجاز البيان القرآني. أو هذا هو ما فهمتُه من وصفهم القرآن بالشعر والسحر، لا على أنهم حملوه حقيقة على النسق المألوف من شعر شعرائهم. وهو أحد وجهين صحًّا لدى الباقلانى. وأما الوجه الآخر مما صح عنده، فهو "أن يكون محمولاً على ما كان يطلق الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم في وصفهم إياه بالشعر، لدقة نظرهم في وجوه الكلام وطرق لهم في المنطق، وإن كان ذلك الباب خارجاًَ عما هو عند العرب شعر على الحقيقية". ونضيف في رد هذا الوجه: أن العرب في عصر المبعث يعرفون مذهب الفلاسفة في وصف حكمائهم وذوي الفطنة منهم بالشعر، ولا كانوا يحملون الشعر على دقة النظر في وجوه الكلام وطرق لحكمائهم في المنطق! ثم لا نتعلق بما تصدى له "الباقلانى" من رفض ما قد يزعمه زاعم من إنه وجد في القرآن شعراً. وأورد منه عدداً من الأمثلة، فيها أبيات لأبي نواس - وأين هو من عصر المبعث! - بها عبارات قرآنية على وجه التضمين، لا على وجه كونه شعراً في القرآن. ذلك زعم يحتمل أن يكون قيل بعد عصر المبعث، ورد عليه الجاحظ من

стр. 37

قبل، بأنك إذا قست الشعر بهذا المقياس، فلن تعدم أن تجد في كل كلام حتى كلام السوقة والباعة، ما تحمله على الشعر!. وما نعلم المشركين خاضوا أيام المبعث، في أن من آيات القرآن ما يمكن أن يُحمل على وزن الشعر ونسقه حين قالوا إن محمداً شاعر، وإنما أرادوا أن للقرآن مثل وقع الشعر على الوجدان والعقل، وذهبوا إلى وصف سحر بيانه، بما ألفوا من وصف روائع شعرهم. وأوهن منه أن يرد الباقلانى على من يسأل عن هذا الوجه في حمل وصف المشركين للقرآن بالشعر على أن فيه مقاطع موزونة كوزن الشعر، بمثل قوله: "أعلم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال سديد. وهو أنهم قالوا: إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعراً. وأقل الشعر بيتان فصاعداً. وإلى ذلك مذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام. "وقالوا أيضاً: إن ما كان على وزن بيتين إلا إنه يختلف وزنهما أو قافيتهما فبيس شعر. "ثم منهم من قال إن الرجز ليس بشعر أصلاً، لاسيما إذا كان مشطوراً أو منهوكاً. وكذلك ما كان يقاربه في قلة الأجزاء. وعلى هذا يسقط السؤال". وأضاف: "ثم يقولون إن الشعر إنما يطلق متى قصد القاصد إليه على الطريق الذي يُتعمد ويُسلك، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوي فيه العامي والجاهل، والعالم بالشعر واللسان وتصرفه. وما يتفق من كل واحد،

стр. 38

فليس يكتسب اسم الشعر ولا صاحبُه اسم شاعر، لأنه لو صح أن يسمى شعراً كل ما اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر أو تنظيم انتظام بعض الأعاريض كان الناس لهم شعراء؛ ألا ترى أن العامي يقول لصاحبه: أغلق الباب وائتني بالطعام. ويقول الرجل لأصحابه: أكرموا من لقيتم من تميم. ومتى تتبع الإنسان هذا النحو عرف إنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه". ولخص احتجاجه لنفى الشعر عن القرآن، بأن "من سبيل الموزون من الكلام أن تتساوى أجزاؤه في الطول والقصر والسواكن والحركات، فإن خرج عن ذلك لم يكن موزوناً. . . "وليس في القرآن على الوزن الذي وصفناه أولاً، وهو الذي شرطنا فيه التعادل والتساوي في الأجزاء، غير الاختلاف الواقع في التقفية. ويبين ذلك أن القرآن خارج عن الوزن الذي بينا، وتتم فائدته بالخروج منه. وأما الكلام الموزون فإن فائدته تتم بوزنه" - ٨٤. * * * الباقلانى لم يزد هنا على ما سبقه إليه الجاحظ في رده على من زعم أن في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ شعراًَ، لأنه في تقدير: * مستفعلن مفاعلن * قال في (البيان والتبيين) : "أعلم إنك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم لوجدت فيها مثل: * مستفعلن فاعلن * كثيراً وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعراً. ولو أن رجلاًَ من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن * مستفعلن مفعولان * فكيف يكون هذا شعراً وصاحبه لم يقصد إلى الشعر، ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام؟ وإذا جاء المقدار الذي يُعلم إنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إليها كان

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك شعراً. . . وسمعتُ غلاماً لصديق لي، وكان قد سقى بطنه، وهو يقول لغلمان مولاه: اذهبوا إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى. "وهذا الكلام يخرج وزنه على خروج: فاعلاتن مفاعلن، مرتين. وقد علمتَ أن هذا الغلام لم يخطر على باله قط أن يقول بيت شعر أبداً. ومثل هذا كثير، ولو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته". والجاحظ لا يسوق هذا الكلام، ردًّا على وصف قريش للقرآن بالشعر وإنما يرد على من التقطوا بعض آيات قرآنية زعموا أنها في وزن الشعر. لكن يوهنه عندي، هذا التنظير بكلام العامة والسوقة، من الحاشية، والغلمان وباعة الباذنجان. فما هانت القضية إلى المدى الذي يساق فيه مثل هذا، في الاحتجاج لنفي الشعر عن البيان الأعلى. مازلت أقول: "إن مثل هذا في كلام الباقلانى عن الوجوه التي يحتملها "ماحكاه القرآن عن الكفار من قولهم إنه شاعر، وإنه هذا شعر" لا موضع له. من حيث أرى أن الكفار من قريش، ما قصدوا إلى أن فيه بعض فقرات موزونة وزن الشعر، ولا خطر لهم على بال أن يتعلقوا بآيات فيه على وزن بيت أو بيتين من قصيد أو رجز، ولا بلغ بهم عقم الطبع وفساد السليقة، أن بيت أو بيتين له بمثل ما يجرى على ألسنة العامة في مبتذل الكلام. وإنما هو سحر البيان، عرفه للقرآن مشركو قريش من قبل أن يسمع غيرهم من سائر العرب كلمات منه، وكان "الوليد بن المغيرة" يتحدث عن سليقة أصلية مرهفة حين لفت قومه إلى أنهم ما إن يقولوا إن القرآن شعر حتى ينكر العرب عليهم ذلك، وإنما غاية ما يبلغون من وصفه أن يقولوا ما نصح لهم به: إن محمداً جاء بكلام هو السحر يفرق بين الرجل وأخيه وزوجه وولده.

стр. 40

وهم قد عرفوا سحر الكلام، وأسر البيان. ولا شيء غير هذا أفهمه من نص الحوار الذي دار بينهم أول المبعث، ورواه ابن إسحاق في (السيرة النبوية) . وهو أيضاً ما عنوه حين وصفوه بسجع الكهان، ناظرين فيه إلى ما ألفوا من وقعه على وجدانهم وسيطرته على أفئدتهم، وذلك ما نعرض له بمزيد تفصيل في الحديث عن "السجع ورعاية الفاصلة" في النظم القرآني. * * *
следующие страницы →