Полный текст (584 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
من قول الشعراء والسحرة والكهان. حتى انتهوا آخر الأمر إلى رأي الوليد ابن المغيرة المخزومي": أن يقولوا: إن محمداً جاء بكلام هو السحر يفرق بين المرء وأخيه وأبيه، وبين المرء وزوجه وولده وعشيرته الأدنين.
هو إذن سحر البيان يعرفون سلطانه على الوجدان العربي، فهم في خشية من أن يدرك العرب، كل العرب لا البلغاء والشعراء منهم فحسب، إعجاز البيان القرآني.
أو هذا هو ما فهمتُه من وصفهم القرآن بالشعر والسحر، لا على أنهم حملوه حقيقة على النسق المألوف من شعر شعرائهم.
وهو أحد وجهين صحًّا لدى الباقلانى.
وأما الوجه الآخر مما صح عنده، فهو "أن يكون محمولاً على ما كان يطلق الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم في وصفهم إياه بالشعر، لدقة نظرهم في وجوه الكلام وطرق لهم في المنطق، وإن كان ذلك الباب خارجاًَ عما هو عند العرب شعر على الحقيقية".
ونضيف في رد هذا الوجه: أن العرب في عصر المبعث يعرفون مذهب الفلاسفة في وصف حكمائهم وذوي الفطنة منهم بالشعر، ولا كانوا يحملون الشعر على دقة النظر في وجوه الكلام وطرق لحكمائهم في المنطق!
ثم لا نتعلق بما تصدى له "الباقلانى" من رفض ما قد يزعمه زاعم من إنه وجد في القرآن شعراً. وأورد منه عدداً من الأمثلة، فيها أبيات لأبي نواس - وأين هو من عصر المبعث! - بها عبارات قرآنية على وجه التضمين، لا على وجه كونه شعراً في القرآن.
ذلك زعم يحتمل أن يكون قيل بعد عصر المبعث، ورد عليه الجاحظ من
стр. 37
قبل، بأنك إذا قست الشعر بهذا المقياس، فلن تعدم أن تجد في كل كلام حتى كلام السوقة والباعة، ما تحمله على الشعر!.
وما نعلم المشركين خاضوا أيام المبعث، في أن من آيات القرآن ما يمكن أن يُحمل على وزن الشعر ونسقه حين قالوا إن محمداً شاعر، وإنما أرادوا أن للقرآن مثل وقع الشعر على الوجدان والعقل، وذهبوا إلى وصف سحر بيانه، بما ألفوا من وصف روائع شعرهم.
وأوهن منه أن يرد الباقلانى على من يسأل عن هذا الوجه في حمل وصف المشركين للقرآن بالشعر على أن فيه مقاطع موزونة كوزن الشعر، بمثل قوله: "أعلم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال سديد. وهو أنهم قالوا: إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعراً. وأقل الشعر بيتان فصاعداً. وإلى ذلك مذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام.
"وقالوا أيضاً: إن ما كان على وزن بيتين إلا إنه يختلف وزنهما أو قافيتهما فبيس شعر.
"ثم منهم من قال إن الرجز ليس بشعر أصلاً، لاسيما إذا كان مشطوراً أو منهوكاً. وكذلك ما كان يقاربه في قلة الأجزاء. وعلى هذا يسقط السؤال".
وأضاف:
"ثم يقولون إن الشعر إنما يطلق متى قصد القاصد إليه على الطريق الذي يُتعمد ويُسلك، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوي فيه العامي والجاهل، والعالم بالشعر واللسان وتصرفه. وما يتفق من كل واحد،
стр. 38
فليس يكتسب اسم الشعر ولا صاحبُه اسم شاعر، لأنه لو صح أن يسمى شعراً كل ما اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر أو تنظيم انتظام بعض الأعاريض كان الناس لهم شعراء؛ ألا ترى أن العامي يقول لصاحبه:
أغلق الباب وائتني بالطعام.
ويقول الرجل لأصحابه: أكرموا من لقيتم من تميم.
ومتى تتبع الإنسان هذا النحو عرف إنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه".
ولخص احتجاجه لنفى الشعر عن القرآن، بأن "من سبيل الموزون من الكلام أن تتساوى أجزاؤه في الطول والقصر والسواكن والحركات، فإن خرج عن ذلك لم يكن موزوناً. . . "وليس في القرآن على الوزن الذي وصفناه أولاً، وهو الذي شرطنا فيه التعادل والتساوي في الأجزاء، غير الاختلاف الواقع في التقفية. ويبين ذلك أن القرآن خارج عن الوزن الذي بينا، وتتم فائدته بالخروج منه. وأما الكلام الموزون فإن فائدته تتم بوزنه" - ٨٤.
* * *
الباقلانى لم يزد هنا على ما سبقه إليه الجاحظ في رده على من زعم أن في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ شعراًَ، لأنه في تقدير:
* مستفعلن مفاعلن *
قال في (البيان والتبيين) :
"أعلم إنك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم لوجدت فيها مثل: * مستفعلن فاعلن * كثيراً وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعراً. ولو أن رجلاًَ من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن * مستفعلن مفعولان * فكيف يكون هذا شعراً وصاحبه لم يقصد إلى الشعر، ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام؟ وإذا جاء المقدار الذي يُعلم إنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إليها كان
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك شعراً. . . وسمعتُ غلاماً لصديق لي، وكان قد سقى بطنه، وهو يقول لغلمان مولاه: اذهبوا إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى.
"وهذا الكلام يخرج وزنه على خروج: فاعلاتن مفاعلن، مرتين. وقد علمتَ أن هذا الغلام لم يخطر على باله قط أن يقول بيت شعر أبداً. ومثل هذا كثير، ولو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته".
والجاحظ لا يسوق هذا الكلام، ردًّا على وصف قريش للقرآن بالشعر وإنما يرد على من التقطوا بعض آيات قرآنية زعموا أنها في وزن الشعر.
لكن يوهنه عندي، هذا التنظير بكلام العامة والسوقة، من الحاشية، والغلمان وباعة الباذنجان. فما هانت القضية إلى المدى الذي يساق فيه مثل هذا، في الاحتجاج لنفي الشعر عن البيان الأعلى.
مازلت أقول: "إن مثل هذا في كلام الباقلانى عن الوجوه التي يحتملها "ماحكاه القرآن عن الكفار من قولهم إنه شاعر، وإنه هذا شعر" لا موضع له. من حيث أرى أن الكفار من قريش، ما قصدوا إلى أن فيه بعض فقرات موزونة وزن الشعر، ولا خطر لهم على بال أن يتعلقوا بآيات فيه على وزن بيت أو بيتين من قصيد أو رجز، ولا بلغ بهم عقم الطبع وفساد السليقة، أن بيت أو بيتين له بمثل ما يجرى على ألسنة العامة في مبتذل الكلام.
وإنما هو سحر البيان، عرفه للقرآن مشركو قريش من قبل أن يسمع غيرهم من سائر العرب كلمات منه، وكان "الوليد بن المغيرة" يتحدث عن سليقة أصلية مرهفة حين لفت قومه إلى أنهم ما إن يقولوا إن القرآن شعر حتى ينكر العرب عليهم ذلك، وإنما غاية ما يبلغون من وصفه أن يقولوا ما نصح لهم به: إن محمداً جاء بكلام هو السحر يفرق بين الرجل وأخيه وزوجه وولده.
стр. 40
وهم قد عرفوا سحر الكلام، وأسر البيان.
ولا شيء غير هذا أفهمه من نص الحوار الذي دار بينهم أول المبعث، ورواه ابن إسحاق في (السيرة النبوية) .
وهو أيضاً ما عنوه حين وصفوه بسجع الكهان، ناظرين فيه إلى ما ألفوا من وقعه على وجدانهم وسيطرته على أفئدتهم، وذلك ما نعرض له بمزيد تفصيل في الحديث عن "السجع ورعاية الفاصلة" في النظم القرآني.
* * *
стр. 41
وإذ كانت صفة الشعر هي أقرب ما تعلقوا به، حرص القرآن على أن ينفي عن المصطفى ﵊ هذه الشاعرية، لا ذمًّا للشعر كما ذهب الباقلانى في الفصل الذي عقده "في نفي الشعر من القرآن"د
ولكن لأن الشعر مظنة الالتباس بالمعجزة البيانية، نفاذاً إلى الوجدان العربي وسلطاناً على عقولهم وأفئدتهم وضمائرهم.
وأول ما نزل من ذلك، آية "يس" المكية:
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٦٩، ٧٠.
ونص الآية صريح في أنها تحديد لصفة القرآن وبيان لمهمته ورسالته، وليست إعلاناً عن موقف عداء للشعر.
بعدها نزلت آية "الصافات" ترد على من جادلوا في المعجزة:
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣٦، ٣٧.
ثم آية الأنبياء:
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ - ٥.
وآية الطور:
﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ ٢٩: ٣١
وكل هذه الآيات مكيات، وكذلك آية "الحاقة" التي نزلت في أواخر العهد
стр. 42
المكي تحسم بأسلوب رادع، ذلك الجدلَ العقيم في صفة المعجزة والرسول:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣٨: ٤٣.
وأما الآيات المدنية من سورة الشعراء المكية:
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ .
فلم تأت في سياق نفي الشعر عن القرآن والاحتجاج للمعجزة كما وهم الباقلانى (ص ٧٦) وإنما نزلت في شعراء الأحزاب من قريش، أخذوا مكانهم في المعركة بين الوثنية والإسلام، يَكذبون ويُضلون ويستهوون الغاوين. وليس المقصود بالذم فيها مطلقَ الشعراء بل تمضي الآيات بعدها فتستثنى الشعراء المؤمنين الذين يتقون الله فيما يقولون، وينتصرون للحق دفعاً لما سيموا من ظلم المشركين، وقد وعد الله هؤلاء الشعراء المتقين بنصرهم على الظالمين:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ٢٢٧.
* * *
والسؤال الذي يعرض هنا هو:
لم جاءت معجزة النبي العربي بهذا البيان الذي تعلق المشركون في وصفه، بالشعر وبالسحر والكهانة، لما رسخ في يقينهم من سلطانه الذي لا عهد لهم بما يشبهه في كلام البشر، إلا أن تكون أخذةَ السحر وأسرَ الشعر وسيطرة الكهانة؟
ولم لم يؤيد الله رسوله المصطفى بآية من مثل ما جاء به الرسل الأولون كما اقترح الكفار من قومه وهم يحادونه ويجادلونه؟
стр. 43
التفت "الشريف المرتضى" - في: طيف الخيال - إلى ارتباط معجزة النبي العربي بمكان البيان في قومه.
وأزيد الموقف إيضاحاً، بما أطمئن إليه، والله أعلم، مما هدى إليه النظر في تاريخ الأديان المقارن من أن معجزات الأنبياء سايرت تدرج البشرية في مراحل تطورها من قديمها البدائي إلى عصر رشد الإنسان.
فلقد نلحظ أن موسى ﵇ تلقى رسالته وقد آن للبشرية أن تجاوز عصر السحر. فكانت معجزته التي غلبت أفانين السحرة في زمنه وتحدت براعة المهرة منهم، ليؤمن المرتابون أن ما جاء به "موسى" ليس في طاقة البشر، ويصدقوا بنبوته فيهديهم برسالته إلى عصر جديد.
لكن اليهود ما لبثوا أن زيفوا الرسالة الموسوية وحرفوا كلمات الله عن مواضعها:
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ البقرة: ٧٩.
ومضى حين من الدهر ضجت البشرية فيه من شر عصابات من يهود، وتزييفهم رسالة نبيهم فكانوا كما قال الله فيهم:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الجمعة: ٥.
حتى تقلى "عيسى ﵇" رسالته وقد آن للبشرية أن تنتقل من عصر عبادة الأبطال البديل من عصر تعدد الآلهة. وإذ كانت البطولة في ذلك الزمن تقترن بالخوارق، جاءت معجزة المسيح الخارقة، لكي يؤمن الناس بنبوته المؤَّيدة بما يجاوز خوارقهم البطولية، فيتبعوه وهو يخلصهم من عبادة الأبطال ويهديهم إلى التوحيد.
стр. 44
لكن معجزة المسيح الخارقة، ما لبث أن التبست على كثير من أتباعه، فقالوا بإلوهيته وهو الذي بعث لينسخ عصر الشرك وعبادة البشر، ويدعو عبادة الخالق وحده.
ومضت ستة قرون على مبعث المسيح ﵇، أنهكت فيها البشرية المتدينة بالصراع الذهبي بين القائلين بلاهوتية السيد المسيح والقائلين بناسوتيته، وآن العقيدة الدينية أن تتحرر من كل شائبة تمس التوحيد وهو جوهر الدين كله. فاصطفى الله لختام رسالاته "محمد بين عبد الله" بشراً سوياً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وتجوز عليه أعراض البشرية وعواطفها وهمومها، مثلما تجوز على سائر البشر.
وكانت المعجزة الكبرى الشاهدة على نبوة هذا البشر الرسول، كتاباً عربياً مبيناً يعيى العرب أن يأتوا بمثله، لكي يصدقوا بنبوته ويتبعوه وهو يقودهم برسالته إلى عصر الإنسان الذي لا يقر بالعبودية لغير خالقه.
وإذ جاء الإسلام مصدقاً لما بين يديه من رسالات الله ومهيمناً عليها بما نقى من جوهر الدين الحق، اختتمت به الرسالات بعد أن شارفت الإنسانية في تطورها مرحلة رشدها، وصارت أهلاً لأن تحتمل أمانة إنسانيتها وتكاليف وجودها الحر.
وما ينبغي أن يتعلق بالوهم، تجاهلُ المعجزات الأخرى للمصطفى ﵊ التي تواتر بها الخبر. وإنما الأمر أن موضوع هذه الدراسة خاص بإعجاز القرآن.
وليس صحيحاً أن المعتزلة أبطلوا سائر المعجزات غير القرآن، فالحق أنهم أثبتوها معجزة ودلالة على النبوة، وعدُّوها - بالنسبة إلى من لم يشاهدوها، ممن جاءوا بعد عصر المبعث - فرعاً على ثبوت النبوة، لكنهم لم يتعلقوا بها في الاحتجاج والرد على المخالفين. يقول "القاضي عبد الجبار" بعد احتجاجه لثبوت المعجزة القرآنية على وجه الإلزام:
стр. 45
"ولهذه الجملة لم يعتمد شيوخنا في إثبات نبوة محمد ﷺ ، على المعجزات التي إنما تُعلم بعد العلم بنبوته ﷺ . لأن ثبوت ذلك فرع على ثبوت النبوة، فكيف يصح أن يستدل به على النبوة؟ وجعلوا هذه المعجزات مؤكدة وزائدة في شرح الصدور فيمن يعرفها من جهة الاستدلال.. فأما من يشاهد ذلك - ممن عاصروا النبي ﷺ فحاله فيها كحاله مع القرآن، في إنه يمكنه الاستدلال بها كما يمكنه ذلك في القرآن، لأن ثبوتها بالمشاهدة أخرجها من أن يكون عِلمُ المشاهِد لها كالفرع على النبوة، فصح أن يستدل بها على النبوة، ولذلك أعتمد شيوخنا في تثبيت نبوة محمد ﷺ ، على القرآن، لأن عِلْمَ المخالف به كعلم الموافق، من حيث ظهر نقله - والتحدي به - على وجه الشياع. وهذا هو الذي ذكره شيخنا أبو علي في (نقض الإمامة) على ابن الراوندي، وفي غيره.
"فأما من شنع وزعم أنهم أبطلوا سائر معجزات محمد ﷺ ، فكلامه يدل على جهل. لأن شيوخنا أثبتوها معجزة ودلالة، لكنهم لم يجوزوا الاعتماد عليها في مكالمة المخالفين".
ثم أفرد القاضي عبد الجبار، فضلاً "للكلام في إثبات سائر معجزات الرسول ﷺ سوى القرآن، وبيان دلالتها على نبوته".
ونقل فيه عن شيوخه، أن "من هذه المعجزات ما يُعلم باضطرار، مما حدث في المجامع العظيمة وحصل النقل فن متظاهراً. . . وقد ذكر أبو هاشم في مواضع، فأما شيخنا أبو علي فقد ذكر ذلك في (نقض الإمامة) على ابن الراوندي".
* * *
стр. 46
(٢)
الجدل والتحدي وآيات المعاجزة
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾
(سورة الإسراء ٨٨)
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾
(سورة البقرة ٢٣ - ٢٤)
стр. 47
تلا المصطفى ﵊، في قومه قريش مل تلقى من كلمات معجزته، فآمن بها من آمن بمجرد أن أصغى إليه. وعز على طواغيت الوثنية القرشية أن يسلموا بنبوة بشر مثلهم، ابن امرأة من قريش تأكل القديد، جاء يسفه أحلامهم وينسخ دين آبائهم ويقوض أوضاعاً سائدة راسخة، توارثوها خلفاً عن سلف، واستقرت عليها حياتهم من قديم الدهور والأحقاب، وتهيأ بها لقريش شرفها ونفوذها الديني والتجاري على قبائل العرب، بحكم استئثارها بالوظائف الكبرى في "أم القرى" مثابة حج العرب، ومركز سيادتها على الأسواق العامة التي كانت تقام هناك بالبلد العتيق في موسم الحج، بعكاظ ومجنة وذي المجاز. . .
ولم يأتهم "محمد بن عبد الله" بآية من مثل ما أتى المرسَلون قبله. وتلا عليهم ما أوحى إليه من هذا القرآن العربي المبين، يعرفون كما لا يعرف سواهم أنه معجز، وما عهدوا على "محمد بين عبد الله" كذباً قط، ولا ارتابوا في أمانته ورجاحة عقله وكرم خلقه، لكنهم في مواجهة الدعوة التي ترفض دين آبائهم وتسفه أحلامهم وتمحق عبادتهم وتقوض ما ألفوا من أوضاع، تصدوا لمجادلته في معجزة نبوته.
ومن شأن هذه المجادلة أن تورطهم في اتهامه بما يوقنون أنه برئ منه. ولهذا ينبغي أن نفرق في موقفهم من المعجزة، بين حقيقة رأيهم فيها، وبين ما انساقوا إليه من دعاوى جدلية في خصومتهم العنيدة للمصطفى ﵊، لعلها تصد العرب عن الإيمان برسالته.
وفيما سبق من حديث المعجزة، نقلنا ما كان من حيرتهم في وصف القرآن بالشعر أو السحر والكهانة، مع إقرارهم فيما بينهم وبين أنفسهم بأنه ليس شيئاً من ذلك كله، ويقينهم أنه غير ما عرفوا من كلام البشر.
ولم تبلغ بهم الغفلة أن يتصوروا أن العرب يفوت عليهم أن يميزوا بين
стр. 48
القرآن ومنظوم الشعر وسجع الكهان وهمهمة السحر، وإنما تعلق أمل المشركين من قريش، في أن يصرفوا سمع العرب الوافدين إلى مكة في الموسم، عن هذا القرآن.
وتكلفوا بأهل مكة، بأن رابطوا في البيت الحرام يحولون بين المسلمين وبين تلاوة القرآن في الحرم، اتقاء نفاذه إلى قلوب المكيين وضمائرهم، مع الإلحاح في اضطهاد من يسلم منهم.
ولكن الدعوة مضت تكسب كل يوم مؤمناً بها. . .
وكلمات الله تصدع جبروت الوثنية وتزلزل صروحها، فتجذب من حزبِها جنوداً لله، أصحاباً لرسوله ﵊.
ومع الاضطهاد والتعذيب، كان المسلمون يزدادون ثباتاً على عقيدتهم واستبسالاً في احتمال الأذى. . .
وفي مهب الخطر، بدا للمشركين أن يكذبوا الرسول ويتهموه بافتراء القرآن.
لا عن ظن بأنه افتراه حقاً، ولا لأن فيهم من تصور "أن الكل قادرون على الإتيان بمثله".
ولكن ليلقوا ظلال الريب على رسالته، فيصد عنها من يحرصون على بقاء الأوضاع الموروثة والأعراف الراسخة، ومن يشق عليهم أن يعقوا آباءهم وينسلخوا من دينهم، ومن يشفقون من تصدع كيان القبيلة التي حازت شرف السيادة الدينية وجاه السيطرة الاقتصادية والأدبية على جزيرة العرب.
يقول القاضي عبد الجبار:
"على أن ما ظهر من أحوالهم يدل على أن القوم لم يكونوا شاكَين في أمر القرآن، لآن استجابة بعضهم تدل على نفي الشك، وكذلك إعظامُ من لم يستجب لحال القرآن، وعدوله إلى ما عدل إليه، وكذلك عدولهم إلى الحرب
стр. 49
وغيره، فلا يصح والحال هذه أن يكونوا شاكين في ذلك".
* * *
واحتدم الجدل على امتداد العهد المكي، من أول المبعث إلى آخر سورة نزلت بمكة وهي سورة المطففين على المشهور:
إن محمداً بشر لا يُنكر بشريته، فلماذا لا يقولون إنه تقوَّل القرآن، فهو أفك افتراه، وما عدا أن يكون من قول البشر؟
وفيهم من يكتتبون أساطير الأولين، فماذا عليهم لو زعموا أنها أساطير اكتتبها؟
وفيهم كذلك من التقطوا كلمات من صحف الأولين، وقد يفوت الأمر على من لم يسمعوا القرآن، لو أن المشركين ادعوا إنه تلقى كلمات من تلك الصحف، فهي تُملى عليه بكرة وأصيلاً؟
ويسجل القرآن مفترياتهم لا يكتمها، ويجادلهم فيها بما يهدي كلَّ ذي عقل وبصيرة إلى وجه الزيف فيما زعموا، كما في آيات:
القلم: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١٠: ١٥.
﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٤٥: ٤٧
المدثر: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ
стр. 50
قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ١١: ٢٦
الفرقان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ٤: ١١ ومعها الإسراء: ٨٧: ٩٦.
الأنعام: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٧: ٩.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٢٥: ٢٦.
سبأ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ
стр. 51
إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٤٣: ٤٧.
الأنبياء: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ١: ١٠.
الحاقَّة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ٤٨: ٥٢.
العنكبوت: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٤٨: ٥٢.
стр. 52
المطففين: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١٠: ١٤.
* * *
стр. 53
ولقد أملى لهم في هذا الجدل السقيم والمماراة الفاحشة، أن "محمد ابن عبد الله" يقر بأنه بشر مثلهم، وأنه لم يأتيهم بآية مما اقترحوه عليه.
وردًّا على هذه المزاعم الجدلية من المشركين، بدأ القرآن من أواسط العهد المكي - الذي أشتد فيه الجدل على ما نقلنا - يواجههم بالتحدي والمعاجزة، حسماً لكل جدل أو ريب فيه، وبرهاناً قاطعاً على إعجازه، وحجة بالغة على من زعموا أن محمداً ﷺ تقوله وافتراه أو اكتتبه من أساطير الأولين.
وأول ما نزل من آيات المعاجزة، آية الإسراء المكية، ردًّا على من جحدوا نبوة الرسول لكونه بَشَراً مثلهم، فكان إعجاز القرآن مع الإقرار ببشرية الرسول ﵊، تحدياً جهيراً لهؤلاء الذين أبوا إلا كفوراً واستكباراً:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ٨٨: ٩٦
بل هو بشر رسول لا ريب في بشريته المماثلة لبشرية سائر الناس، وهذا
стр. 54
القرآن معجزة رسالته، يتحداهم مجتمعين، إنساً وجناً، أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وهذه هي قضية الإعجاز مطروحة عليهم، وهم قوم لُدَّ خَصِمُون.
* * *
وسورة الإسراء المكية ترتيبها في النزول الخمسون - على المشهور - والتحدي فيها ﴿بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ .
وبعد أن ألقى القرآن هذا التحدي العام، في آية الإسراء، نزلت بعدها آية يونس تتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة فحسب، مثل هذا القرآن، وليدعوا من استطاعوا من دون الله:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ٣٨، ٣٩.
والمشهور في سورة يونس أنها نزلت بمكة بعد الإسراء مباشرة، إلا الآيات ٤٠، ٩٤، ٩٥، ٩٦ فنزلت بالمدينة (الإتقان ١ / ١٥) وآية التحدي هي الثامنة والثلاثون فهي في حيز المكيات. والتحدي فيها بسورة واحدة، قطعاً للجدل وتقوية للحجة.
بل لماذا وقد زعموا أن محمداً افتراه، لا يأتون بعشر سور مثله مفتريات، وإنه لبشر مثلهم؟ بهذا تحدتهم آية هود التي نزلت بعد سورة يونس مباشرة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١٣، ١٤.
стр. 55
بل لماذا واللغة لغتهم والبيان طوع ألسنتهم، لا يأتون بحديث مثله كما تحدتهم آية الطور:
﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٣٠: ٣٤.
وكل هذه الآيات في المعاجزة نزلت قبل الهجرة، من آية الإسراء وترتيبها في النزول الخمسون، إلى آية الطور وهي السورة السادسة والسبعون، على المشهور في ترتيب النزول.
وبعدها، في مستهل العهد المدني نزلت آية البقرة، أولى السور المدنيات، والتحدي فيها بسورة من مثله إنهاء لهذا الجدل الذي طال:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٢٣، ٢٤.
على هذا النحو حُسِمتْ قضية المعاجزة بالقرآن، وقد نزلت منه في العهد المكي سبع وثمانون سورة، أعيا العرب أن يأتوا بسورة من مثله.
ولا وجه لما تعلق به بعض المتكلمين فيما نقل "القاضي عبد الجبار" عنهم، من أن النبي ﷺ : "إنما تحداهم بالقرآن لما قوى أمره وظهر حاله وكثر أصحابه، وعاجلهم بالحرب فمنعهم الخوف من إيراد مثله".
وقد نقضه عليهم القاضي عبد الجبار، بما لا نرى ضرورة لنقله هنا، إذ يغنينا عنه أن آيات التحدي - عدا آية البقرة - نزلت قبل الهجرة التي تحول فيها الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة بعد أن بلغت الجولة
стр. 56
المكية ذروتها الرهيبة من ضراوة الاضطهاد والأذى والفتنة، دون أن يؤذن للمسلمين في قتال.
وآية البقرة آخر آيات التحدي، نزلت في مستهل العهد المدني، من قبل أن يبدأ الصدام المسلح بين الإسلام وأعدائه من مشركين ومنافقين ويهود. . .
* * *
فإلى من، اتجه هذا التحدي؟
هذا أوان ما وعدنا به - في الحديث عن المعجزة - من إيضاح لبيان موقف العرب عصرَ المبعث، بين إدراك المعجزة وبين معاجزته من يدعون منهم إنه من قول البشر، فيلزمهم - لتصح دعواهم - أن يأتوا بمثله إن استطاعوا.
وقد سبق القول إن إدراك المعجزة ميسر لكل العرب في عصر المبعث، لا ينفرد به بلغاؤهم دون عامتهم، على ما وَهِم الباقلانى.
وأمَّا المعاجزة، فصريح النص القرآني لآياتها، أن التحدي للإنس والجن جميعاً أن يأتوا بمثله.
لكن الخطاب فيها موجه إلى المشركين العرب الذين جادلوا في المعجزة، والمقام يقتضي أن من يتصدون للتحدي، إن استطاعوا، هم أعلى البلغاء مرتبة وأقدرهم على البيان، إذ تفرض طبيعة الموقف ألا ينتظر من عامة مشركي العرب التعرض لهذا التحدي، وإنما يندب له بطبيعة الحال من يتوهم في طاقته القدرة عليه. وقد أَلِفَ العرب في مواسمهم في أخريات الجاهلية أ، يقوم الشاعر الفحل منهم فيعاجز كل من حضروا الموسم بقصيدة ينشدها، ويتحداهم أن يعارضوها بمثلها. فلا يُفَهمُ أنه يتجه بالتحدي إلى عامة القوم، وإنما يتجه به إلى أقرانه الأكفاء من فحول الشعراء. والأمر في هذا لا يختلف عن عرفهم في المنافرة، وعن تقاليد فرسانهم وأبطالهم في النزال، حين يقف البطل فيتحدى الناس جميعاً فلا يقوم له منهم سوى أقرانه ونظرائه الأكفاء.
стр. 57
وموسى ﵇، عاجز بآيته قوم فرعون، فندب له أمهر السحرة في زمانه.
طبيعة الموقف إذن تفرض أن يعاجز القرآن من يتوهمون في أنفسهم القدرة على الإتيان بمثله نم أمراء البيان، وإن أطلق التحدي عاماً للناس جميعاً.
ويؤنس إلى تعلق التحدي بأبلغ بلغائهم قوله تعالى في آيتي التحدي، من سورتى يونس وهود: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
بما تُفهِم من مطالبتهم أن يدعوا للإتيان بمثل هذا القرآن، من يرونهم كفئاً له ويتوهمون أنهم قادرون عليه.
وفي هذا يقبل ما ذكره الباقلانى من تفاوت مراتبهم في البلاغة، دون أن يختلط بسياق إدراكهم جميعاً لإعجاز القرآن.
ونعجب مع الباقلانى لمن "ذهب إلى أن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيبٍ لو علموه لوصلوا إليه. وأعجب منه قول فريق منهم إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله تعالى في هذا الباب، وإنه يصح من كل واحد منهما الإعجاز على حد واحد".
ونراها مما أقحمه بعض المتكلمين على قضية التحدي، فكا خطر على بال المشركين حين تورطوا جدلاً في أن القرآن من قول البشر، أن أحداً من أبلغ بلغائهم يقدر على الإتيان بمثله.
* * *
والقرآن يتحدى الجن مع الإنس.
ونفهم من معاجزة الجن، ما تواترت به المرويات من أن العرب كان الشعر يبهرها فتتصور أن لكل شاعر فحل تابِِعَه من الجن يظاهره ويلهمه روائع القصيد. وشاهده في آية التحدي من سورة الإسراء:
стр. 58
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
لكن "الباقلانى" فهم من معاجزة الجن "أن نظم القرآن وقع موقعاً من البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن (؟!) كما يخرج عن عادة كلام الإنس، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا ويقصرون دونه كقصورنا، وقد قال الله :
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
"فإن قيل: هذه دعوى منكم وذلك أولئك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن الإتيان بمثله وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله إن كنا عاجزين، كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة وأسباب غامضة دقيقة لا نقدر نحن عليها ولا سبيل لنا للطفها إليها، وإذا كان كذلك لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل.
"قيل: قد يمكن أن نعرف ذلك بجزاء بخبر الله ، وقد يمكن أن يقال إن الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة الجن وما يروون لهم من الشعر ويحكون عنهم من الكلام. وقد علمنا أن ذلك محفوظ عندهم منقول عنهم. والقدر الذي نقلوه من ذلك قد تأملناه فهو في الفصاحة لا يتجاوز حد فصاحة الإنس، ولعله يقصر عنها. ولا يمتنع أن يسمع الناس كلامهم، ويقع بينهم وبينهم محاورات في عهد الأنبياء صلوات الله عليهم، وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ينقض العادات. على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان، ولهم أشعار محفوظة مدونة في دواوينهم. . . ".
ونقل بعدها مختارات في كلام الغيلان أو وصفها، من شعر تأبط شراً، وشمير بن الحارث الضبى، وعبيد بن أيوب، وذي الرمة.
стр. 59
على حين أبطل "القاضي عبد الجبار" قول من قال: إن مقتضى تحدي الإنس والجن بالقرآن، ألا نعلم كونه معجزاً إلا بعد أن نعلم تعذر المعارضة على الجن.
أبطله بقوله: "قد بينا أنا نعتبر في كونه القرآن ناقضاً للعادات، العادة المعروفة دون ما لا نعرف من العادات، فإذا لم يكن لنا في العقل طريق إلى معرفة الجن أصلاً لأنهم لا يُشاهَدون ولا تعرف أحوالهم بغير المشاهدة، فقد كفانا في معرفة كون القرآن معجزاً، خروجه عن عادة مَن تعرف عادته. ثم إذا علمنا بذلك صحة نبوته وخبَّرنا ﷺ بالجن وأحوالهم، وأنهم كالأنس في تعذر المعارضة عليهم، علمنا أن حالهم كحال العرب، لأن العلم بإعجاز القرآن موقوف على هذا العلم.
"يبين ذلك أنه ﷺ لو لم يخبرنا بالجن، كنا لا نعلم إيمانهم أصلاً، وكان لا يقدح ذلك في العلم بأن القرآن معجز. وكذلك القول في فقد المعرفة بحالهم. ولولا الخبر الوارد كنا لا نقول إن المعارضة متعذرة فكان لا يقدح في كون القرآن معجزاً، وكان يحل ذلك محل أن يجعل دلالة نبوته تمكنه من حمل الحبال الراسيات وطمر البحار، في أن ذلك إن تعذر على الإنس فقد صار دالاً على نبوته وإن لم نعلم تعذره على الجن أو الملائكة".
وفهُمُنا لمعاجزة الجن، على ما قدمنا من توابع الشعراء يظاهرونهم ويلهمونهم، يغنينا عن الخوض في مثل هذا الجدل الغريب والتعلق بمعتقدات العرب في الجن ومغامرات شعرائهم مع الغيلان، احتجاجاً لفوت القرآن فصاحةَ الجن!
وقد نرى عجباً من العجب، أن يسوق الباقلانى شعراً لتأبط شراً وذي الرمة وغيرهما، ليحكم به على مستوى كلام الجن والغيلان من جهة الفصاحة!
стр. 60
والذي حكاه الشعراء العرب عن مغامراتهم مع الغيلان ونقلوه من كلامهم، هو بلا ريب من كلام الشعراء أنفسهم.
ودون أن ندخل في مناقشة لحقيقة هذه المغامرات وما إذا كان الشعراء فيها يحكون عن مشاهدة لما تجسَّد من تصوراتهم، أو أن الأمر فيها لا يعدو تجاوب شعرية لمغامرات خيالية.
أقول إن الشاعر حين يحكي عن الجن ويتحدث بلسان الغيلان، فبِلُغَته يتكلم وبلسانه هو يعبر: وقد جمع "المرزبانى" في القرن الرابع جملة من (أشعار الجن) في كتاب له بهذا الاسم، أشار إليه أبو العلاء في (رسالة الغفران) حين التقى بالجني "أبي هدرش، الخيتعور، من بني الشيصبان: حيَّ من الجن".
وشخصية أبي هدرش من الشخوص المسرحية التي ابتدعها خيال أبي العلاء، ونظم على لسانه قصيدتين مطولتين تحكيان مغامراته. والقصيدتان مشحونتان بغريب الألفاظ، ولا كلمة منها أو من الحوار الذي أنطق فيه أبو العلاء أبا هدرش، يمكن أن نحكم بها على كلام الجن حقيقة، وإنما النصوص كلها لأبي العلاء تصوراً وصياغة ولفظاً!
وما تحدثت التوابع والزوابع في (رسالة ابن شهيد) وإنما تحدث "ابن شهيد" بلسانها، شعراًَ ونثراً.
وأقرب من هذا إلى ما نحن بصدده من معاجزة الجن، أن نذكر أن القرآن الكريم قد حكى عن الجن، فهل يخرج ما حكاه من ذلك، عن البيان القرآني المعجز، إلا كلام الجن على الحقيقة؟
وهل نطق الهدهد والنملة، بنص الكلمات التي نتلوها في سورة النمل؟
وكذلك قص علينا القرآن من قصص الغابرين، مثل حوار أهل الكهف، ونوح وابنه، وموسى وفرعون والسحرة، وامرأة العزيز ونسوة بالمدينة، والعزيز والملأ من قومه، وإبراهيم والملائكة. . .
стр. 61
ولا شيء من هذا كله يمكن أن يخرج عن البيان القرآني المعجز، لنحكم به على فصاحة هؤلاء الغابرين، في اللسان العربي!
* * *
وتلقانا هنا أيضاً، في قضية التحدي والمعاجزة، مسألة بالغة الدقة، لما داخلها من التباس، وهي:
هل كان التحدي موجهاً إلى العرب في عصر المبعث، أو إنه قائم أبداً على امتداد الزمان؟
ذهب فريق ممن كتبوا في الإعجاز إلى "اختصاص أهل العصر الأول بالتحدي" وذهب آخرون إلى أنه "تحد لسائر الناس على مر العصور والأجيال".
وتردد بعضهم بين بين، ذهبوا مرة إلى القول الأول، ثم انساقوا إلى القول الثاني من حيث يدرون أو لا يدرون.
وقد أرى أن الخلاف في هذه المسألة الدقيقة يحسمه أن نفرق بين الإعجاز والتحدي:
الإعجاز قائم في كل عصر لا يختص به أهل زمان دون زمان، وهذا هو ما نفهمه من كلام الإمام الطبري عما أيد الله به المصطفى من معجزة "على الأيام باقية، وعلى الدهور والأزمان ثابتة، وعلى مر الشهور والسنين دائمة".
فالحديث هنا عن المعجزة، لا عن التحدي كما فهم من نقل هذه الفقرة من كلام الطبري، واستخلص منها" أن الإعجاز فيها واقع في كل عصر، والتحدي بها لازم لأهل كل زمان".
стр. 62
فإن لم يكن للعرب في عصر المبعث وجه اختصاصٍ بالتحدي، فلأنهم أصحاب هذا اللسان العربي يدركون أسرار بيانه.
فمناط التحدي إذن، هو عجز بلغاء العرب في عصر المبعث عن معارضة هذا القرآن جون أن يُفهم من هذا أن حجة إعجازه خاصة بعصر دون عصر، أو على العرب دون العجم.
وكان الخلط بين ما في ثبوت عجز المشركين من العرب عن الإتيان بسورة من مثله، من حسم لموقف التحدي، وبين خلود المعجزة وبقاء الحجة بها ثابتة على مر الدهور، هو مدعاة الالتباس في القضية وطول الجدل فيها.
وقد نقل "القاضي عبد الجبار" كلام من سألوا عن العجم، ممن لا يعرفون الفصاحة أصلاً، كيف يعرفون مزية كلام فصيح على سواه؟ فإن كانوا لا يعرفون ذلك فيجب ألا يكونوا محجوجين بالقرآن.
وردَّ بأن الجميع يعرف إعجاز القرآن، في الجملة، بعجز العرب عن معارضته مع توافر الدواعي.
وقد أطال القاضي عبد الجبار الكلام في موقف العجم عن إعجاز القرآن، وهم يعرفون القدر المعتاد من الفصاحة فضلاً عن أن يعرفوا الخارج عن هذا الحد، ونقل أقوال شيوخه في هذه المسألة، ثم قال: "فأما قول من يقول: إن العجم إذا لم يصح فيهم تأتَّي مثل هذا القرآن ولا نعذُّره، فلا ينكشف ذلك فيهم أصلاًَ، فكيف يصح التحدي فيهم والاحتجاج بالقرآن عليهم؟ فبعيد، وذلك لأنا لا نقول إنه ﷺ تحداهم، وإنما تحدى أهل هذا الشأن، وجعل تعذر المعارضة عليهم دلالة على نبوته، ودلالة لسائر الناس على أن القرآن خارج عن العادة. . . فهم يعلمون أن تعذر المعارضة على أهل هذا اللسان هو الدلالة، فإذا أمكنهم معرفة ذلك فحالهم في أن الحجة قائمة عليهم، كحالهم لو عرفوا تعذر المعارضة من قِبَلِهم لو كانوا أهل الفصاحة".
стр. 63
واضطرب "الباقلانى" في موقفه من هذه القضية، فهو يشتد في حملته على خطأ من زعموا اختصاص أهل العصر الأول بالتحدي، "وقالوا: الذي بني عليه الأمر في تثبيت معجزة القرآن، أ، هـ وقع التحدي إلى الإتيان بمثله، وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه. فإذا نظر الناظر وعرف وجه النقل المتواتر في هذا الباب، وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه".
ثم لا يلبث أن يقول:
"إن هذه الآية - المعجزة - عِلْمٌ يلزم الكلَّ قبولُه والانقيادُ له، وقد علمنا تفاوت الناس في إدراكه ومعرفة وجه دلالته، لأن الأعجمي لا يعلم أنه معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه. وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة، فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم في توجُّه الحجة عليه. وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان من هذا الشأن. ما يعرفه العالي في هذه الصنعة. فربما حل في ذلك محل الأعجمي في أن لا تتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهي في الصنعة عنه. . .
"والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء، دون الآحاد. . . ".
وهو في هذا الكلام، لا يبعد عما ذهب إليه الذين ذهبوا إلى اختصاص أهل العصر الأول بالتحدي، فأشتد في نكيره عليهم.
وإذ يقول في أهل العصر الأول:
"إنا إذا علمنا أن أهل ذلك العصر - عصر النبي ﷺ كانوا عاجزين عن الإتيان بمثله، فمَن بعدهم أعجز، لأن فصاحة أولئك في وجوه ما كانوا يتفننون فيه من القول، مما لا يزيد عليه فصاحة من بعدهم، وأحسن أحوالهم أن يقاربوهم أو يساووهم، فأمَّا أن يسبقوهم فلا".
لا يلبث في الفقرة التالية لها مباشرة، أن يهدر اختصاص العرب في عصر المبعث، ويقول بأن التحدي مطروح عليهم وعلى غيرهم على حدَّ واحد:
стр. 64
ذلك "أما قد علمنا عجز سائر أهل الأعصار كعلمنا بعجز أهل العصر الأول. والطريق في العلم بكل واحد من الأمرين طريق واحد، لأن التحدي في الكل على جهة واحدة، والتنافس في الطباع على حد واحد، والتكليف على منهاج لا يختلف".
وأخشى أني أظلم القاضي الباقلانى بنقل فقرات من كلامه قد أراها تحدد موقفاً له من قضيتي الإعجاز والتحدي، فالحق أنني ما أكاد أستبين له رأياً في فقرة أنقلها من كلامه، حتى يبدو لي في فقرة أخرى، تالية، غير ما فهمتُه من الفقرة قبلها.
وأحسبه ما تحير في موقفه إلا لأنه لم يفصل بين الإعجاز باقياً أبداً ملزماً للناس جميعاً على اختلاف العصور وامتداد الزمن، وبين التحدي للعرب المشركين في عصر المبعث، قد حسمه عجزهم عن أن يأتوا بمثله، وفيهم أمراء البيان ومن يظاهرهم من جن فيما زعموا.
وكان "عبد القاهر الجرجاني" أجلى موقفاً وأوضح مسلكاً في بيانه لوجه اختصاص العرب في عصر المبعث بالتحدي، لا يعني اختصاصهم بالإعجاز، بل يعني أن ثبوت عجزهم عن الإتيان بمثله، قاطع الدلالة على عجز سواهم، ومن ثم يكون هذا العجز حاسماً لقضية التحدي، وأما الإعجاز فيبقى قائماً ما بقى الدهر.
قال في مقدمة رسالته (الشافية) :
"معلوم أن سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاصيل، وأن للتفاضل فيه غايات ينأى بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها بعضاً، وأن عِلْمَ ذلك علمٌ يخص أهله، وأن الأصل والقدوة فيه العرب - في لسانهم - ومن عداهم تبع لهم وقاصر فيه عنهم، وأنه لا يجوز أن يُدَّعَى للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي ﷺ ، الذي نزل فيه الوحي وكان فيه
стр. 65
التحدي، أنهم زادوا على أولئك الأولين أو كملوا في علم البلاغة أو تعاطيها لما لم يكملوا له. . .
"هذا خالد بن صفوان يقول: كيف نجاريهم وإنما نحكيهم؟ أم كيف نسابقهم وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم؟ . . .
"والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى أو ينكره إلا جاهل أو معاند، وإذ ثبت أنهم الأصل والقدوة، فَبِنَا أن ننظر في دلائل أحوالهم وأقوالهم حين تُلى عليهم القرآن وتُحدوا إليه وملئت مسامعهم من المطالبة بأن يأتوا بمثله ومن التقريع بالعجز عنه، وبُتَّ الحكم بأنهم لا يستطيعونه ولا يقدرون عليه".
* * *
وما من شك في أن عجز البلغاء من العصر الأول، عن معارضة القرآن، وفيهم أصل الفصاحة، برهان قاطع في قضية التحدي، فحين نقول إنها حَسمت في عصر المبعث، فلا يمكن بحال ما أن تُحمل هذا القول على مظنة اختصاص إعجازه بعصر المبعث دون سائر الأعصار، وإنما معناه أن من هم أصل العربية، لغة القرآن، هم الذين يُفترض أن يواجَهوا بالتحدي، لما يملكون من أسرار لغتهم التي نزل بها الكتاب العربي المبين. فاختصاصهم بالتحدي جاء من كونهم أهل الاختصاص بالعربية لغة القرآن، وقد حسمها عجزهم عن أن يأتوا بسورة من مثله، والمعجزة "على الأيام باقية وعلى الدهور والأزمان ثابتة" كما قال الإمام الطبري في مقدمة تفسيره.
* * *
стр. 66
(٣)
وجوه الإعجاز والبيان القرآني
اختلفت مذاهب السلف من علماء الإسلام في بيان الإعجاز، وتعددت أقوالهم في وجوهه. لكن إعجازه البلاغي لم يكن قط موضع خلاف، وإنما كان الجدل بين الفرق الإسلامية، في اعتباره الوجه في الإعجاز، أو القول بوجوه أخرى معه.
стр. 67
حُسمت قضية التحدي بعجز العرب المشركين في عصر المبعث، عن أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن.
لتظل قضية الإعجاز معروضة على الأجيال المتعاقبة، تلقاهم بهذا السؤال: لماذا أعيا العرب أن يأتوا بسورة من مثله، وقد تحداهم أن يفعلوا، وليدعوا من استطاعوا، وليستظهروا بالجن مجتمعين؟
وقد نزل القرآن بلغتهم، وكانت في عصر نزوله في عز أصالتها ونقائها، لم تَشُبْها شائبة من عجمة، ولا اختلطت بغيرها من الألسن.
فكيف عجز شعراؤهم الفحول وأمراء البيان من بلغائهم، ممن عبأتهم قريش لحربها ضد الرسالة والرسول، أن يأتوا بسورة من مثل سورة القصار، وهم الذين خاضوا المعركة ضد الإسلام بسلاح الكلمة وأجهدوا قرائحهم في هجاء المصطفى ﵇ بقصائد مطولات، كان يغني عنها أن يجتمعوا على الإتيان بسورة من مثل هذا القرآن؟
سورة واحدة فحسب، كانت تعقيهم كذلك من التورط في حملة الاضطهاد السفيهة الشرسة التي أرهقوا بها من أسلم منهم، وتكفيهم شر الحرب التي صَلُوا نارها سنين عدداً وأكلت فلذات أكبادهم وحصدت رءوس صناديدهم.
"لو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم، لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة ولم يركبوا الفواقر المبيدة، ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول إلى الحزن الوعر من الفعل. هذا ما لا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لب. وقد كان قومه قريش موصوفين برزانة الأحلام ووفارة العقول والألباب، وقد كان فيهم
стр. 68
الخطباء المصاقع والشعراء المفلقون، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بالجدل واللدد فقال سبحانه:
﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقال: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ . . .
ومعلوم بالضرورة أن رجلاً عاقلاً لو عطش عطشاًَ شديداً خاف منه الهلاك على نفسه، وبحضرته ماء معروض للشرب فلم يشربه حتى هلك عطشاً، أنه عاجز عن شربه غير قادر عليه. وهذا بَيَّنٌ واضح لا يشكل على عاقل".
ويؤكد القاضي المعتزلي عبد الجبار هذا الملحظ ويضيف إليه:
"فإن قيل: فقد قال أمية بين خلف الجمحي: "لو نشاء لقلنا مثل هذا". قيل له: إن إدعاء الفعل وإمكانه لا يمنع من الاستدلال على تعذره بأن لا يقع مع توفر الدواعي، يبين لذلك أن كل واحد منا يتمكن من أن يدعى ما يعلم أنه لا يمكنه أن يأتيه.
"فإن قال: فكيف استجاز ذلك مع ظهور كذبه؟ قيل له: لا يمتنع على الواحد والجمع اليسير أن يدعى ما يعلم خلافه، على طريق البَهْتِ والمكابرة، لبعض الأغراض. . .
"وبعد فإنا لا نُجَوَّز على الجمع اليسير ما ظنه السائل على كل حال، من تواطؤ على ترك المعارضة أو إخفائها، لأنه مع التنافس الشديد والتقريع العظيم وتحرك الطباع ودخول الحمية والأنفة وبطلان الرياسة والأحوال المعتادة والدخول تحت المذلة، لا يجوز في كثير من الأحوال على الواحد أن يسكت عن الأمر الذي يزيل به عن نفسه الوصمة والعار والأنفة، فكيف على الجامعة القليلة أو الكثيرة؟ مثل هذا لا يجوز على عاقل واحد إذا كان من أهل المعرفة فكيف على الجماعة؟
стр. 69
"وكيف يجوز أن يدعي فيهم النبوة ويوجب عليهم الدخول تحت الطاعة، ويعدلون عن الأمر الواضح الذي لا شبهة فيه؟ وهل حالهم في ذلك إلا كحال من يجوز عليه من شدة العطش والماء معروض والموانع زائلة، أن يعدل عن تناوله مع شدة الحاجة وتوفر الدواعي إليه؟ وذلك يوجب إخراجهم عن حد العقلاء".
* * *
ومن قديم فرضت قضية الإعجاز نفسها على السلف من علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم، وتعددت أقوالهم في وجوه هذا الإعجاز.
وأيًّا ما قالوا فيها، فالذي لا ريب فيه هو أن إعجازه البلاغي لم يكن قط موضع جدل أو خلاف، وإنما كان الجدل بين الفرق الإسلامية، في اعتباره الوجه في الإعجاز، أو القول معه بوجوه أخرى. وقد تبدو شبهة خلاف فيه، في ضجيج جدلهم الكلامي، لكن الشبهة تنجلي في المال، بإمعان النظر في موقفهم من خلال الجدل المثار.
* * *
* قال قوم فيه بالصرفة، عنوا بها "أن الله تعالى صرف الهمم عن معارضته"
وشاعت نسبة هذا القول إلى المعتزلة بعامة، ونُقل فيه كلام عدد من متقدمي شيوخهم - منهم، أبو إسحاق النظام، إبراهيم بن سيار - وهشام القوطي وعباد بن سليمان. ووجهُ احتجاجهم للصرفة، إنه إذا جاز عقلاً عدم تعذر المعارضة، ثم عجز بلغاء العرب - فضلاً عمن دونهم - عن معارضته وانقطعوا دونه، فذلك برهان على المعجزة "لأن العائق من حيث كان أمراً خارجاً عن مجارى العادات، صار كسائر المعجزات".
ولعلهم لم ينظروا في ذلك إلى المعجزة وإنما نظروا إلى دلالتها على النبوة،
стр. 70
فبصرف النظر عن المعجزة ذاتها، يكفي عجز البشر عنها لتكون الآية والبرهان. أو كما قالوا افتراضاً:
"ولو كان الله بعث نبياً في زمان النبوات، وجعل معجزته في تحريك يده أو مدَّ رجله في وقت قعوده بين ظهراني قومه، ثم قيل له: كما آيتك! فقال: (آيتي أن أحرك يدي أو أمد رجلي، ولا يمكن أحداً منكم أن يفعل مثل فعلي) - والقوم أصحاء الأبدان لا آفة بشيء من جوارحهم - فحرك يده أو مد رجله، فراموا أن يفعلوا مثل فعله فلم يقدروا عليه، كان ذلك آية دالة على صدقه، وليس يُنظَر في المعجزة إلى عظم حجم ما يأتي به النبي ولا إلى فخامة منظره، وإنما تعتبر صحتها بأن تكون أمراً خارجاً عن مجارى العادات ناقصاً لها، فمهما تكن بهذا الوصف، كانت آية دالة على صدق من جاء بها".
ويبدو أن مثل هذا الاحتجاج للنبوة بصرف الهمَم عن معارضة القرآن، قد أوقع في شبهة أن إعجازه البلاغي غير معتبر عند من لم ينظروا إليه. وذلك ما التفت إليه أعلام المعتزلة أنفسهم، فجهدوا في تقرير وجه إعجاز فصاحته ونظمه، وتجردوا للاحتجاج له.
فالجاحظ، وهو من تلاميذ "النظَّام" صنف كتابه (نظم القرآن) احتجاجاً لإعجاز هذا النظم، ومخالفاً به رأي من أكتفوا فيه بالقول بالصرفة، دون نظر إلى بلاغته المعجزة التي تفوت بلاغات البشر.
والذي فهمته من كلام القاضي عبد الجبار، وهو من أقطابهم، هو أن الاعتبار الأول عنده لإعجاز القرآن من جهة فصاحته، وأن القول بالصرفة حجة ملزمة لمن قالوا بها. قال في مبحث "بيان صحة التحدي بالكلام الفصيح":
"فإن قال - السائل -: هلا قلتم إن التحدي بالقرآن يصح لأمر يرجع إلى
стр. 71
التخلية والدواعي، فكأنه يتحداهم أن يأتوا بمثله فيمتنع عليهم ذلك لحصول منع فيهم أو لورود بعض الصوارف عليهم مما يختص القلب أو اللسان. . . فمن أين لكم مع تجويز ما ذكرناه، أنه خارج عن العادة من قدر الفصاحة؟ . . .
"قيل له: 'ن الذي ذكرته، لو صح، لأيد ما قلناه في التحدي. لأنه يؤذِن بأنه يصح من وجوه سوى الذي ادعيناه - في خروجه عن العادة في الفصاحة - وإنما يصح هذا السؤال بين من يعترف بإعجاز القرآن إذا اختلفوا في الوجه الذي صار به معجزاً. وغرضنا في هذا الباب الكلام على المخالفين الذين يظنون أن التحدي لا يصح به، على وجه، لكنا مع ذلك نبين فساد ما أوردتَه. وقد علمنا أن المنع من الكلام لا يكون إلا بما يجرى مجرى المنافي له. . . وإنما يقع المنع بأمر يختص محله وآلته، ولا يكون ذلك بما يضاد القدرة أو يغير حال الآلة والبنية. وما هذا حاله، يؤثر في صحة الكلام أصلاً، وقد علمنا أن من كان في زمانه ﷺ من الفصحاء، لم يعتذر عليهم الكلام، فلا يصح أن يقال إنهم اختصوا بمنع، وبانَ هو ﵊ منهم بالتخلية.
"فإن قال: امتنع عليهم ذلك بأن أعدمهم الله تعالى العلوم التي معها يكون الكلام الفصيح فصار ذلك ممتنعاً عليهم لفقد العلم؛
"قيل له" لست تخلو فيما ذهبت إليه من وجهين:
إما أن نقول: قد كان ذلك القدر من العلم حاصلاً من قبل معتاداً، فمنعوا منه عند ظهور القرآن، أو تقول: إن المنع من ذلك مستمر غير متجدد، وأنهم لم يختصوا، ولا من تقدمهم، بهذا القدر من العلم.
فإن أردت الوجه الأول فقد كان يجب أن يكون قدر القرآن في الفصاحة قدَر ما جرت به العادة من قبل، وإنما منعوا من مثله في المستقبل. لو كان كذلك لم يكن المعجز هو القرآن، لكونه مساوياً لكلامهم ولتمكنهم - قبلُ - كم فعل مثله في قدر الفصاحة، وإنما يكون المعجز ما حدث منهم من المنع،
стр. 72
فكان التحدي يجب أن يقع بذلك المنع لا بالقرآن. حتى لو لم ينزل الله تعالى القرآن ولم يظهر أصلاً، وجعل دليل نبوته امتناع الكلام عليهم على الوجه الذي اعتادوه، لكان وجه الإعجاز يختلف. وهذا مما نعلم بطلانه باضطرار، لأنه ﵊ تحدى بالقرآن وجعله العمدة في هذا الباب. على أن ذلك، لو صح، لم يقدح في صحة نبوته، لأنه كان يكون بمنزلة أن يقول ﷺ : دلالة نبوتي أني أريد المشي في جهة فيتأتى لي على العادة، وتريدون المشي فيتعذر عليكم.. فإذا وُجد الأمر كذلك دل على نبوته، لكون هذا المنع على هذا الوجه ناقضاً للعادة.
وإن أراد الوجه التالي مما قدمناه - أي أن المنع مستمر - فهو الذي يعُول عليه. أنا نعلم أن للقرآن المزية في الفصاحة من حيث يحتاج إلى قدر من العلم لم تجر العادة بمثله أن يفعله تعالى فيهم. . .
"فأما إدعاء السائل أنه ﷺ توافرت دواعيه وأتى بمثل القرآن، وانصرفت دواعيهم عن فعل مثله فلذلك لم يأتوا به، وأن وجه التحدي في ذلك وقوع الصرف فيهم عن مثله، فبعيد. لأنا نعلم باضطرار توافر دواعيهم إلى إبطال أمره والقدح في حاله، حتى لم يبق وجه في الدواعي إلا توافر فيهم، فكيف يصح مع ذلك إدعاء ما ذكرت؟
"فإن قلت: إن دواعيهم وإن توافرت فإنه تعالى صرفهم عن ذلك بجنس من الدواعي، فهذا يوجب إثبات ما لا يعقل من الدواعي. وإن قلت: إنه تعالى صرفهم بمنع، فهو الذي بَيَّنا فساده من قبل. وهذا الجملة تبطل قول من يتعلق في إعجاز القرآن بذكر الصرفة، لأنها إذا كُشفت فلابد من أن يراد بها بعض ما بينا فساده. ولا معتبر بالعبارات في هذا الباب وإنما المعتبر بالمعاني".
إلى هذا المدى، يمضي عبد الجبار المعتزلى في الرد على من يتعلق في إعجاز القرآن بالصرفة، وبيان وجه فساده إن اعتبر فيها بالألفاظ الموهمة احتمالَ
стр. 73
القدرة على الإتيان بمثله، في فصاحته، لولا صرفهم عن ذلك.
ومدار كلامه، على إعجاز القرآن بفصاحته والتحدي بأن يأتوا بمثله. وقد تجرد لبيان وجه "اختصاص القرآن بمزية في رتبة الفصاحة خارجة عن العادة" ردًّا على من قالوا: "فبَيًّنُوا أن للقرآن هذه الرتبة في الفصاحة ليتم ما ذكرتم"
وحين عرض لاختلاف مذاهب العلماء في وجه إعجاز القرآن، صرح بأن فصاحته الخارجة عن العادة هي وجه الإعجاز ومناط التحدي به، قال:
"واختلف العلماء في وجه دلالة القرآن: فمنهم من جعله معجزاً لاختصاصه برتبة الفصاحة خارجة عن العادة. وهو الذي نظرناه وبينَّا مذهب شيوخنا فيه.
"ومنهم من قال: لاختصاصه بنظم مباين للمعهود عندهم صار معجزاً. ومنهم من جعله معجزاً من حيثُ صرفت همهم عن المعارضة وإن كانوا قادرين متمكنين، ومنهم من جعله معجزاً لصحة معانيه واستمرارها على النظر وموافقتها لطريقة العقل".
وفي إبطال الصرفة، بالفهم الشائع، قال: إن المتقدمين قالوا بها لعجزهم عن معارضته.
"فلما رأى أتباعهم الأكابرَ ضاق ذرعهم بالقرآن وعدلوا عن المعارضة إلى الأمور الشاقة، تبعوهم في هذه الطريقة لعلمهم بأنهم عن ذلك أشد عجزاً. فذلك استمرت أحوالهم على هذا الوجه، لا للصرفة التي ظنها السائل. ولولا أنهم علموا أن القرآن في أعلى رتبة من الفصاحة الجامعة لشرف اللفظ وحسن المعنى حتى بهرهم ذلك، لقد كان يجوز أن يختلفوا في سائر المعارضة فيكون فيهم من يكفُّ وفيهم من يحاول. . . لكن الأمر في القرآن لَمَّا كان على ما ذكرناه عدلوا عن المعارضة لظهور حاله. ولولا صحة ذلك من هذا
стр. 74
الوجه، لقد كان القول بالصرفة يقوى من حيث لم تجرِ العادة مع التنافس الشديد وتباين الهمم وامتداد الأوقات، أن يقع الكفُّ عن الأمر المطلوب الذي قويت الدواعي إلى فعله، فكان يصح أن يُتعلق بالصرفة ويراد بها انصرافهم عن المعارضة وإن كانت غير مؤثرة، دون المعارضة المؤثرة، لأن هذه المعارضة يُعلم أنها لا تحصل، بما قدمناه من الأدلة. لكن ذلك يبعد، لأنه متى جُوز في انصرافهم عنها أن يكون الوجه فيه الصرفة، لم يأمن أن تكون المعارضة الصحيحة أيضاً ممكنة وإنما عدلوا عنها للصرفة التي ذكرها السائل وهذا بين فيما أردناه".
و"علي بن عيسى الرماني" وهو من المعتزلة أيضاً، لم يزد في القول بالصرفة، على أن ساقه بإيجاز مع وجوه إعجاز القرآن. قال:
"وأما الصرفة فهي صرف الهمم عن المعارضة، وعللا ذلك كان يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة. وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر منها للعقول".
على حين جعل رسالته كلها (النكت في إعجاز القرآن) للحديث عن إعجازه البلاغي، باستثناء الصفحتين الأخيرتين.
ويوشك أن يكون هذا هو الموقف الغالب على المتكلمين في إعجاز القرآن، ممن عدوا الصرفة وجهاً للإعجاز، ثم مضوا ينظرون في بلاغته المعجزة.
فالزمخشري المعتزلى، يقرر أنه "لابد من علم البيان والمعاني لإدراك معجزة رسول الله، ﷺ ، ومعرفة لطائف حجته".
* * *
وقد خالف أهل السنة، من قالوا بالإعجاز بالصرفة واكتفوا بها عن النظر في المعجزة. قال "الخطابي" بعد أن ساق كلامهم:
стр. 75
"وهذا أيضاً وجه قريب - من وجوه الإعجاز - إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله سبحانه:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
فأشار في ذلك إلى أمر طريقُه التكَلُّفُ والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد. والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة. فدل على أن المراد غيرها والله أعلم".
وذهب إلى أن البشر تعذر عليهم الإتيان بمثل القرآن، "لأنه معجزة البلاغة، جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمناً أحسن المعاني".
* * *
وسلَّم "ابن حزم الظاهري" بأن في كون القرآن كلام الله تعالى، وقد أصاره معجزاً ومنع من مماثلته، برهاناً كافياً. غير أنه أنكر أن يكون أحد قد قال إن كلام البشر معجز. ونص عبارته في (الفِصَل) :
"لم يقل أحد إن كلام غير الله تعالى معجز. لكن لما قاله الله تعالى - أي القرآن - وجعله كلاماً له، أصاره معجزاً ومنع من مماثلته. . . وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره".
وأراد "الفخر الرازي" أن يتحاشى هذا الخلاف، فقال في تفسير آية المعاجزة من سورة الإسراء:
"وللناس في إعجاز القرآن قولان: منهم من قال إنه معجز في نفسه، ومنهم من قال إنه ليس معجزاً إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن الإتيان بمعارضته، مع أن تلك الدواعي كانت قوية، كانت هذه الصرفة معجزة.
"والمختار عندنا في هذا الباب أن نقول:
следующие страницы →