Полный текст (584 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
التخلية والدواعي، فكأنه يتحداهم أن يأتوا بمثله فيمتنع عليهم ذلك لحصول منع فيهم أو لورود بعض الصوارف عليهم مما يختص القلب أو اللسان. . . فمن أين لكم مع تجويز ما ذكرناه، أنه خارج عن العادة من قدر الفصاحة؟ . . .
"قيل له: 'ن الذي ذكرته، لو صح، لأيد ما قلناه في التحدي. لأنه يؤذِن بأنه يصح من وجوه سوى الذي ادعيناه - في خروجه عن العادة في الفصاحة - وإنما يصح هذا السؤال بين من يعترف بإعجاز القرآن إذا اختلفوا في الوجه الذي صار به معجزاً. وغرضنا في هذا الباب الكلام على المخالفين الذين يظنون أن التحدي لا يصح به، على وجه، لكنا مع ذلك نبين فساد ما أوردتَه. وقد علمنا أن المنع من الكلام لا يكون إلا بما يجرى مجرى المنافي له. . . وإنما يقع المنع بأمر يختص محله وآلته، ولا يكون ذلك بما يضاد القدرة أو يغير حال الآلة والبنية. وما هذا حاله، يؤثر في صحة الكلام أصلاً، وقد علمنا أن من كان في زمانه ﷺ من الفصحاء، لم يعتذر عليهم الكلام، فلا يصح أن يقال إنهم اختصوا بمنع، وبانَ هو ﵊ منهم بالتخلية.
"فإن قال: امتنع عليهم ذلك بأن أعدمهم الله تعالى العلوم التي معها يكون الكلام الفصيح فصار ذلك ممتنعاً عليهم لفقد العلم؛
"قيل له" لست تخلو فيما ذهبت إليه من وجهين:
إما أن نقول: قد كان ذلك القدر من العلم حاصلاً من قبل معتاداً، فمنعوا منه عند ظهور القرآن، أو تقول: إن المنع من ذلك مستمر غير متجدد، وأنهم لم يختصوا، ولا من تقدمهم، بهذا القدر من العلم.
فإن أردت الوجه الأول فقد كان يجب أن يكون قدر القرآن في الفصاحة قدَر ما جرت به العادة من قبل، وإنما منعوا من مثله في المستقبل. لو كان كذلك لم يكن المعجز هو القرآن، لكونه مساوياً لكلامهم ولتمكنهم - قبلُ - كم فعل مثله في قدر الفصاحة، وإنما يكون المعجز ما حدث منهم من المنع،
стр. 72
فكان التحدي يجب أن يقع بذلك المنع لا بالقرآن. حتى لو لم ينزل الله تعالى القرآن ولم يظهر أصلاً، وجعل دليل نبوته امتناع الكلام عليهم على الوجه الذي اعتادوه، لكان وجه الإعجاز يختلف. وهذا مما نعلم بطلانه باضطرار، لأنه ﵊ تحدى بالقرآن وجعله العمدة في هذا الباب. على أن ذلك، لو صح، لم يقدح في صحة نبوته، لأنه كان يكون بمنزلة أن يقول ﷺ : دلالة نبوتي أني أريد المشي في جهة فيتأتى لي على العادة، وتريدون المشي فيتعذر عليكم.. فإذا وُجد الأمر كذلك دل على نبوته، لكون هذا المنع على هذا الوجه ناقضاً للعادة.
وإن أراد الوجه التالي مما قدمناه - أي أن المنع مستمر - فهو الذي يعُول عليه. أنا نعلم أن للقرآن المزية في الفصاحة من حيث يحتاج إلى قدر من العلم لم تجر العادة بمثله أن يفعله تعالى فيهم. . .
"فأما إدعاء السائل أنه ﷺ توافرت دواعيه وأتى بمثل القرآن، وانصرفت دواعيهم عن فعل مثله فلذلك لم يأتوا به، وأن وجه التحدي في ذلك وقوع الصرف فيهم عن مثله، فبعيد. لأنا نعلم باضطرار توافر دواعيهم إلى إبطال أمره والقدح في حاله، حتى لم يبق وجه في الدواعي إلا توافر فيهم، فكيف يصح مع ذلك إدعاء ما ذكرت؟
"فإن قلت: إن دواعيهم وإن توافرت فإنه تعالى صرفهم عن ذلك بجنس من الدواعي، فهذا يوجب إثبات ما لا يعقل من الدواعي. وإن قلت: إنه تعالى صرفهم بمنع، فهو الذي بَيَّنا فساده من قبل. وهذا الجملة تبطل قول من يتعلق في إعجاز القرآن بذكر الصرفة، لأنها إذا كُشفت فلابد من أن يراد بها بعض ما بينا فساده. ولا معتبر بالعبارات في هذا الباب وإنما المعتبر بالمعاني".
إلى هذا المدى، يمضي عبد الجبار المعتزلى في الرد على من يتعلق في إعجاز القرآن بالصرفة، وبيان وجه فساده إن اعتبر فيها بالألفاظ الموهمة احتمالَ
стр. 73
القدرة على الإتيان بمثله، في فصاحته، لولا صرفهم عن ذلك.
ومدار كلامه، على إعجاز القرآن بفصاحته والتحدي بأن يأتوا بمثله. وقد تجرد لبيان وجه "اختصاص القرآن بمزية في رتبة الفصاحة خارجة عن العادة" ردًّا على من قالوا: "فبَيًّنُوا أن للقرآن هذه الرتبة في الفصاحة ليتم ما ذكرتم"
وحين عرض لاختلاف مذاهب العلماء في وجه إعجاز القرآن، صرح بأن فصاحته الخارجة عن العادة هي وجه الإعجاز ومناط التحدي به، قال:
"واختلف العلماء في وجه دلالة القرآن: فمنهم من جعله معجزاً لاختصاصه برتبة الفصاحة خارجة عن العادة. وهو الذي نظرناه وبينَّا مذهب شيوخنا فيه.
"ومنهم من قال: لاختصاصه بنظم مباين للمعهود عندهم صار معجزاً. ومنهم من جعله معجزاً من حيثُ صرفت همهم عن المعارضة وإن كانوا قادرين متمكنين، ومنهم من جعله معجزاً لصحة معانيه واستمرارها على النظر وموافقتها لطريقة العقل".
وفي إبطال الصرفة، بالفهم الشائع، قال: إن المتقدمين قالوا بها لعجزهم عن معارضته.
"فلما رأى أتباعهم الأكابرَ ضاق ذرعهم بالقرآن وعدلوا عن المعارضة إلى الأمور الشاقة، تبعوهم في هذه الطريقة لعلمهم بأنهم عن ذلك أشد عجزاً. فذلك استمرت أحوالهم على هذا الوجه، لا للصرفة التي ظنها السائل. ولولا أنهم علموا أن القرآن في أعلى رتبة من الفصاحة الجامعة لشرف اللفظ وحسن المعنى حتى بهرهم ذلك، لقد كان يجوز أن يختلفوا في سائر المعارضة فيكون فيهم من يكفُّ وفيهم من يحاول. . . لكن الأمر في القرآن لَمَّا كان على ما ذكرناه عدلوا عن المعارضة لظهور حاله. ولولا صحة ذلك من هذا
стр. 74
الوجه، لقد كان القول بالصرفة يقوى من حيث لم تجرِ العادة مع التنافس الشديد وتباين الهمم وامتداد الأوقات، أن يقع الكفُّ عن الأمر المطلوب الذي قويت الدواعي إلى فعله، فكان يصح أن يُتعلق بالصرفة ويراد بها انصرافهم عن المعارضة وإن كانت غير مؤثرة، دون المعارضة المؤثرة، لأن هذه المعارضة يُعلم أنها لا تحصل، بما قدمناه من الأدلة. لكن ذلك يبعد، لأنه متى جُوز في انصرافهم عنها أن يكون الوجه فيه الصرفة، لم يأمن أن تكون المعارضة الصحيحة أيضاً ممكنة وإنما عدلوا عنها للصرفة التي ذكرها السائل وهذا بين فيما أردناه".
و"علي بن عيسى الرماني" وهو من المعتزلة أيضاً، لم يزد في القول بالصرفة، على أن ساقه بإيجاز مع وجوه إعجاز القرآن. قال:
"وأما الصرفة فهي صرف الهمم عن المعارضة، وعللا ذلك كان يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة. وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر منها للعقول".
على حين جعل رسالته كلها (النكت في إعجاز القرآن) للحديث عن إعجازه البلاغي، باستثناء الصفحتين الأخيرتين.
ويوشك أن يكون هذا هو الموقف الغالب على المتكلمين في إعجاز القرآن، ممن عدوا الصرفة وجهاً للإعجاز، ثم مضوا ينظرون في بلاغته المعجزة.
فالزمخشري المعتزلى، يقرر أنه "لابد من علم البيان والمعاني لإدراك معجزة رسول الله، ﷺ ، ومعرفة لطائف حجته".
* * *
وقد خالف أهل السنة، من قالوا بالإعجاز بالصرفة واكتفوا بها عن النظر في المعجزة. قال "الخطابي" بعد أن ساق كلامهم:
стр. 75
"وهذا أيضاً وجه قريب - من وجوه الإعجاز - إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله سبحانه:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
فأشار في ذلك إلى أمر طريقُه التكَلُّفُ والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد. والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة. فدل على أن المراد غيرها والله أعلم".
وذهب إلى أن البشر تعذر عليهم الإتيان بمثل القرآن، "لأنه معجزة البلاغة، جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمناً أحسن المعاني".
* * *
وسلَّم "ابن حزم الظاهري" بأن في كون القرآن كلام الله تعالى، وقد أصاره معجزاً ومنع من مماثلته، برهاناً كافياً. غير أنه أنكر أن يكون أحد قد قال إن كلام البشر معجز. ونص عبارته في (الفِصَل) :
"لم يقل أحد إن كلام غير الله تعالى معجز. لكن لما قاله الله تعالى - أي القرآن - وجعله كلاماً له، أصاره معجزاً ومنع من مماثلته. . . وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره".
وأراد "الفخر الرازي" أن يتحاشى هذا الخلاف، فقال في تفسير آية المعاجزة من سورة الإسراء:
"وللناس في إعجاز القرآن قولان: منهم من قال إنه معجز في نفسه، ومنهم من قال إنه ليس معجزاً إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن الإتيان بمعارضته، مع أن تلك الدواعي كانت قوية، كانت هذه الصرفة معجزة.
"والمختار عندنا في هذا الباب أن نقول:
стр. 76
القرآن في نفسه إما أن يكون معجزاً أو لا يكون. فإن كان معجزاً فقد حصل المطلوب. وإن لم يكن معجزاً بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوافرة على الإتيان بهذه المعارضة، وما كان لهم عنها صارف ومانع، وعلى هذا التقدير كان الإتيان بمعارضته واجباً لازماً، فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضاً للعادة فيكون معجزاً. فهذا هو الطريق الذي نختاره في هذا الباب"
نقله "ابن كثير" ورأى أن هذه الطريقة إنما تصلح على سبيل التنزل والمجادلة، لكنها غير مرضية، لأن القرآن في نفسه معجز، قال:
"وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة، وقول المعتزلة في الصرفة، فقال: إن كان القرآن معجزاً في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضتُه، فقد حصل المدعَّى وهو المطلوب. وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا مع شدة عداوته له، كان ذلك دليلاً على أنه من عند الله لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك.
"وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية، لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته كما قررنا، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق. وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار كالعصر وإنا أعطيناك الكوثر".
والمسألة كما ترى قد عولجت في مجال الجدل النظري وإن آلت بالمعتزلة أنفسهم، بعد الجيل الأول من شيوخهم، إلى أن اعتبار الصرفة وجهاً من وجوه الإعجاز، لا يعطل النظر في وجه إعجازه البلاغي. والذين ذكروا الصرفة، من غير المعتزلة، استيعاباً لمذاهب المتكلمين في الإعجاز، لم يلبثوا أن خصوا إعجازه البلاغي بالعناية والاهتمام.
* * *
стр. 77
*وقال قوم إن إعجاز القرآن بقيَمه ومثُله وأحكام، ووجههُ استحالةُ أن يأتي مثلها من بشر أمي في قوم أميين، في زمان ومكان هيهات أن يشارفا ذلك الأفق القرآني العالي.
وهؤلاء أيضاً لم يكونوا بحيث يفوتهم أن البيان القرآني - أو النظم كما سماه بعضهم - هو الذي فرض إعجازه على العرب من مستهل الوحي، وأن قضية التحدي واجهت المشركين في العهد المكي وحُسمت بآية البقرة أولى السور المدنيات، قبل أن يتم التشريع والأحكام بتمام الوحي في آخر العهد المدني.
وهو وإن لم ينصوا على التفاتهم إلى هذا الملحظ، فقد عبر عنه مسلكهم حين أكتفوا بأن عَدُّوا القيم والأحكام بين وجوه الإعجاز، ثم تفرغوا للنظر في الإعجاز البلاغي للقرآن.
بل إنهم لم يستطيعوا فصل الأحكام والقيم والمثل القرآنية، عن النظم البليغ المعجز الذي نزلتْ به. فالخطابي يقول شرحاً لهذا الوجه من الإعجاز:
"وأعلم أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمناً أحسن المعاني: من توحيد له عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته: من تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأكر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساوئها. واضعاً كل شيء منها موضعه الذي لا يُرَى شيء أولى منه. . .
"ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق، أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قُدَرُهم، فانقطع الخلق دونه. . . ".
و"الباقلانى" كتب بعض فقرة في "إعجاز المعاني التي تضمنها، في أصل وضع الشريعة والأحكام، والاحتجاجات في أصل الدين والرد على الملحدين" ثم اتجه بكل هذا إلى أن المعاني والأحكام "جاءت على تلك الألفاظ البديعة وموافقة بعضها بعضاً في اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر ويمتنع. وذلك أنه قد علم أن تخير
стр. 78
الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة والأسباب الدائرة بين الناس، أسها وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة وأسباب مؤسسة مستحدثة. فإذا برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور. ثم انضاف إلى ذلك التصرفُ البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يُبتدأ تأسيسه ويراد تحقيقه، بَانَ التفاضلُ في البراعة والفصاحة. ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى والمعاني وفقها، لا يفضل أحدهما على الآخر فالبراعة أظهر والفصاحة أتم".
ويوشك أن يكون هذا هو النهج الغالب على من عدواً قيم القرآن وأحكامه وجهاً من وجوه إعجازه، لم يفصلوها عن نظمه المعجز الذي حشدوا جهدهم للنظر في بلاغته.
وإعجاز القيم والمثل والأحكام القرآنية، ليس موضع جدل أو خلاف. لكنه كما التفت الخطابي "ليس بالأمر العام في كل سورة من سور القرآن، وقد كانت المعاجزة بسورة واحدة. ومعلوم بالضرورة أن سورة واحدة لا تجمع كل ما ذكروه من أحكام القرآن ومعانيه ومثله وآدابه"٢٧.
فضلاً عن كون التشريع والأحكام، مما اتجهت إليه عناية القرآن في العهد المدني أكثر، بعد حسم قضية المعاجزة، بآية البقرة: أولى السور المدنية.
* * *
* ويقال مثل هذا فيمن ذهبوا إلى أنه معجز بما ذَكَر من أحداث قبل أن تقع، وأخير عن أمور كانت لا تزال مطوية في مضمر الغيب، ثم حدثت تماماً كما أنبأ عنها.
وهو أحد وجوه قال بها الأشاعرة في الإعجاز ولم يختلف أحد معهم في صدق ما أخبر به القرآن من أحداث قبل أن تقع، حتى أصحاب الصرفة من المعتزلة قالوا
стр. 79
به. فشيخهم "النظام" يقرر أن "الآية والأعجوبة في القرآن، ما فيه من الإخبار عن الغيوب".
وأهل السنة لم يترددوا في تقرير أن هذا وجه من وجوه الإعجاز، لكنه عندهم ليس الوجه العام الذي يتحقق في كل سورة، فتقع به المعاجزة. والأمر فيه كما قال الخطابي:
"وزعمت طائفة أن إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان. نحو قوله سبحانه:
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وكقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ .
ونحوهما من الأخبار التي صدقت. . .
"قلت: ولا يُشَك في أن هذا وما أشبهه من أخباره، نوع من أنواع إعجازه. ولكنه ليس بالأمر العام في كل سورة من سور القرآن. وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها فقال:
﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ من غير تعيين - للسورة - فدل ذلك على أن المعنى غير ما ذهبوا إليه.
ويوضح القاضي عبد الجبار مذهب المعتزلة في هذا الوجه: إن اعتبرُ به في صدق النبوة فصحيح، وأما أن يقال إنه مناط التحدي بإعجاز القرآن، فبعيد. أو كما قال:
"فأما من قال إنه ﷺ إنما تحدى بالقرآن من حيث تضمن الإخبار عن الغيوب، فبعيد، لأنه قد تحدى بمثل كل سورة من غير تخصيص، ولا يتضمن كل ذلك الإخبار عن الغيوب. ولأنا نعلم أنه تحدى بجملته لا ببعضه".
стр. 80
"فإن قال: جوَّزوا، وإن كانت المعارضة ممكنة، أنهم ظنوا أنه تحداهم بما تضمنه من الإخبار عن الغيوب. ولولا ظنهم ذلك لما طلب بعضهم إلى بعض أخبارَ الفرُس. قيل له: إن هذا الوجه مما يدل على النبوة - على ما سنذكره - لكنه ﷺ تحدى بالقرآن لمرتبته في قدر الفصاحة، لا لما ذكرتَه، للوجوه التي بيَّناها من قبل. ولا يجوز في العرب أن تنصرف في هذا الباب عن الطريقة المعتادة لهم في التحدي، إلى طريقة غير معتادة. لأنهم قد عرفوا أن المنازعة والمباراة في سائر الكلام كيف تقع، وأنه لا معتبر فيه بالمعاني - وحدها - وإنما يعتبر قدوه في الفصاحة: إما على كل وجه، أو في نظم مخصوص، على ما تقدم ذكره. وذلك يُسقط هذا السؤال".
أضيف إليه: أن كثيراً من الصحابة آمنوا بالمعجزة، بمجرد سماع آيات منها. وأن كل السابقين الأولين سبقوا إلى الإسلام إثر نزول السور الأول من الوحي، دون أن ينتظروا حتى تتحقق أحداث أنبأ بها ليدركوا وجه إعجازه.
وهذا الملحظ نفسه، وارد على من ذهبوا إلى أن القرآن كان معجزاً، بما جاء به من أخبار الماضي الغابر "ووجهه أنه كان معلوماً من حال النبي ﷺ أنه كان أمياً، ولم يكن يعرف شيئاً من كتب المتقدمين وأنبائهم وسيرهم. ثم أتى القرآن بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور ومهمات السير، من حين خلق الله آدم ﵇ إلى حين مبعث محمد ﷺ ".
والذين ذكروا هذا الوجه في الإعجاز، لم يستطيعوا أن يفصلوه عن البيان القرآني. وقد علموا أن التوراة والإنجيل فيهما الكثير من أخبار الأمم الخالية وقصص الأنبياء منذ خلق الله سبحانه آدم. ولعلها في التوراة والإنجيل أكثر تفصيلاً. ولم يقل أحد إن الكتب السماوية كانت معجزات لرسلها وآيات نبوتهم، ولا علمنا أن عيسى وموسى ﵉، تحديا قومهما أن يأتوا بسفر أو إصحاح من مثل التوراة والإنجيل.
стр. 81
وواضح أن القرآن قدر مكان البيان في العرب، ودرايتهم بفنون القول، بحيث يستطيعون أن يحكموا في إعجازه.
* * *
* والإعجاز البلاغي هو الذي "ذهب إليه الأكثرون من علماء أهل النظر" وسيطر على مباحث المتكلمين في الإعجاز، سواء منهم من جعلوه الوجهَ الذي يصح به التحدي بالسورة الواحدة من القرآن، ويفسر موقف العرب، عصرَ المبعث، من المعجزة، والذين ذكروا مع إعجازه البلاغي غيره من وجوه الإعجاز الأخرى التي لا مشاحة فيها، وإنما الخلاف في أن تنفصل عن إعجاز نظمه وبلاغته.
والواقع أن المصنفات الأولى في الإعجاز، على اختلاف مذاهب أصحابها، جاءت أشبه بمباحث بلاغية مما قدروا أن إعجاز القرآن يُعرف بها، وإن استوعبت أقوال المتكلمين في وجوه الإعجاز، فرسائل الخطابي السني، والرماني المعتزلى، والباقلانى الأشعري تأخذ مكانها في المكتبة البلاغية.
وبعد أن استقلت البلاغة بالتأليف والتصنيف، وُجَّهت إلى خدمة الإعجاز البلاغي:
"الجرجاني" يضع كتابه في النظم والبلاغة ويقدمه باسم (دلائل الإعجاز) .
و"أبو هلال العسكري" يضع علم الفصاحة والبلاغة تالياً لعلم التوحيد، ويقدم (كتاب الصناعتين) بقوله: "أعلم علمك الله الخير أن أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالحفظ، بعد المعرفة بالله جل ثناؤه، علمُ البلاغة والفصاحة، الذي يعرف به إعجاز كتاب الله".
و"الزمخشري" البلاغي، وهو من المعتزلة، يقرر أنه "لابد من علم البيان والمعاني لإدراك معجزة رسول الله ومعرفة لطائف حجته".
стр. 82
و"ابن سنان الخفاجي" وإن قال بالصرفة وصرح بأنا "إذا عُدنا إلى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته" قرر في مقدمة (سر الفصاحة) أنه "لابد لمن يبحث في إعجاز القرآن من معرفة سر الفصاحة والبلاغة، سواء أقال بالصرفة أو بغيرها".
و"السكاكى" إمام البلاغيين المدرسيين، يقول في كتابه مفتاح العلوم: "أعلم أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامه الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكما يدرك طيب النغم العارض للصوت. ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطرة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والحذق فيهما".
و"حمزة بن يحيى العلوي" يصنف كتابه المرسوم بالطراز في (أسرار البلاغة) ، يتلوها فصل في حقائق الإعجاز، يمهد له بأن "الكلام في بيان كون القرآن معجزاً، خليق بإيراده في المباحث الكلامية والأسرار الإلهية لكونه مختصاً بها ومن أهم قواعدها، لما كان علامة دالة على النبوة وتصديقاً لصاحب الشريعة، حيث اختاره الله تعالى بياناً لمعجزته وعلماً دالاً على نبوته وبرهاناً على صحة رسالته".
ثم يؤكد صلة المباحث البلاغية بالإعجاز، من حيث "كانت وصلة وذريعة إلى بيان السر واللباب. والغرض المقصود عند ذوي الألباب، إنما هو بيان لطائف الإعجاز وإدراك دقائقه واستنهاض هممه".
من هنا كان بدؤه بالمباحث البلاغية مدخلاً إلى هذا الفصل في الإعجاز. وقد نقلنا في مدخلنا هنا، عَجَبه الذي لا ينقضي من حال علماء البيان وأهل البراعة فيه لما أغفلوا من هذا الشأن.
وجرى المتأخرين على أن يجمعوا في الإعجاز كل ما قال السلف من وجوه. كصنيع "الشيخ محمد عبده" في الفصل الذي كتبه في تفسيره عن الإعجاز فبدأ بإعجازه بأسلوبه ونظمه وبلاغته، وبتأثيره في القلوب والعقول. ثم ذكر إعجازه بأخبار الغيب فيه، وتعبيره عن المعاني بما يقبله المختلفون في فهمها مع موافقة
стр. 83
الحق، وبسلامته من الاختلاف، وبالعلوم الدينية والتشريع، وبعجز الزمان عن إبطال شيء منه، وتحقق مسائل كانت مجهولة للبشر.
* * *
ولا أعرض هنا للذين خاضوا حديثاً فيما سموه "الإعجاز العلمي" وتأولوا فيه آيات قرآنية في اختراع الذرة وسفن الفضاء وقانون الجاذبية ودوران الأرض وهندسة السدود، وغير ذلك مما لم يخطر على بال أي عربي في عصر المبعث وصدر الإسلام، ولا كان بحيث يلتقط لمحةً منه، أيُّ صحابي من ألوف المؤمنين الذين لقوا المصطفى ﷺ وأصغوا إلى كلمات ربه فبهرهم إعجازها وخروا لله ساجدين.
وهل كان طواغيت الوثنية القرشية وهم يأخذون سبل العرب إلى مكة في الموسم ويحذرونهم من الإصغاء "إلى ما جاء به محمد من كلام هو السحر" يحسبون حساباً لأي شيء سوى إدراك العرب أن هذا البيان القرآني ليس من قول البشر؟
لا أحد يحجر على أي إنسان في أن يفهم القرآن كما يشاء، ولكن المحنة أن يؤلَّف فيه من ليسوا من أهل الاختصاص، وتروج في البيئة الإسلامية أقاويل وتأويلات مقحمة على القرآن نصاً وروحاً، لا يعرف لها فقهاء العربية والإسلام والمتخصصون في القرآن، سنداً ولا دليلاً، وإنما تستند إلى ملتقطات من معارف المحدثين، في التشريح وعلم الأجنة ورياضيات الفلك وبيولوجيا القمر.. والتكنولوجيا. . . و. . .
ولا شيء من هذا صح في أي خبر أن الرسول ﵊ قاله لتلاميذه الصحابة لكي يفهموا هذا الإعجاز العلمي، فضلاً عن أن يبينوه للناس!.
وقد يلفتنا أن أكثر المحدثين ممن خاضوا في مجال التفسير العلماني وصنفوا الكتب في القرآن والعلوم، ردوا النظريات والكشوف العلمية في عصرنا إلى أصول لها في
стр. 84
القرآن وليسوا من أهل الاختصاص في الدراسة القرآنية وعلوم العربية والإسلام.
وطالما نبه علماء الدراسات القرآنية إلى ما ينبغي لكل دارس يتعرض لشيء منها، من اختصاص بالعربية وفقه لأساليب كلامها، وإطلاع على طرق المتكلمين وأصول الدين.
و"من هنا تهيب كثير من السلف - كما قال الخطابي - تفسير القرآن، وتركوا القول فيد حذراً أن يزلوا فيذهبوا عن المراد، وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين. فكان الأصمعي، وهو إمام أهل اللغة، لا يفسر شيئاً من غريب القرآن".
* * *
стр. 85
(٤)
البلاغيون والإعجاز البياني
خطوات على الطريق
стр. 86
هذا الإجماع على إعجاز البيان القرآني، هو الذي نقل القضية إلى الميدان البلاغي على وجه التخصيص، إلى جانب ما يعرض له المفسرون، وبخاصة البلاغيون منهم، من ملاحظ بلاغية في سياق تفسيرهم لآيات الكتاب المحكم.
وقد ظهرت محاولات مبكرة في الإعجاز البلاغي، واشتهر عبد القاهر الجرجاني بأنه صاحب مذهب الإعجاز في النظم، واشتهر أبو بكر الباقلانى بأنه أول من بسط القول في بلاغة القرآن.
والواقع أن كل المصنفات الأولى التي تحمل عنوان (نظم القرآن) تشير إلى أن مصنفيها اتجهوا إلى الدرس البلاغي "احتجاجاً لنظم القرآن" كما قال الجاحظ في تقديمه كتاب (نظم القرآن) إلى الفتح بن خاقان، ومثله كتاب أبي بكر السجستاني في (نظم القرآن) والكتابان من تراث القرن الثالث.
وإذا كنا لا نملك الحكم على مناهج المصنفين الأوائل في الإعجاز البلاغي، ممن لم تصل إلينا كتبهم، فلننظر في مناهج الذين بقيت كتبهم معالم لخطواتهم على الطريق.
سبق "الخطابي" من القرن الرابع الهجري - ت ٣٨٨ هـ - في رسالته (بيان إعجاز القرآن) إلى شرح فكرة الإعجاز بالنظم، إيضاحاً للإعجاز من جهة البلاغة "الذي قال به الأكثرون من علماء أهل النظر" قبله، وإن كانت فكرتهم فيه قائمة على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن. أو كما قال:
"وفي كيفيتها - جهة البلاغة - يعرض لهم إشكال ويصعب عليهم منه الانفصال. ووجدتُ عامة أهل هذه المقالة - الإعجاز من جهة البلاغة - قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن دون التحقيق له وإحاطة العلم به، ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي أختص بها القرآن، الفائقة في وصفها سائر البلاغات، وعن المعنى الذي يتميز
стр. 87
به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة، قالوا: إنه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام، وإنما يعرفه العالمون عند سماعه ضرباً من المعرفة لا يمكن تحديده. وأحالوا على سائر أجناس الكلام الذي يقع فيه التفاضل، فتقع في نفوس العلماء به عند سماعه معرفةُ ذلك، ويتميز في أفهامهم قبيلُ الفاضل من المفضول منه. قالوا: وقد يخفى سببه عند البحث ويظهر أثره في النفس حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به. قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا يوجد مثلها لغيره منه، والكلامان معاً فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة.
"قلت: وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشَفى من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أُحِيلَ على إبهام. . .
"فأما من لم يرضَ من المعرفة بظاهر السمة دون البحث عن ظاهر العلة. . . فإنه يقول إن الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حس السامع الهشاشة في نفسه، وما يتحلى به من الرونق والبهجة التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب وتَحصى الأقوال عن معارضته وتنقطع به الأطماع عنها، أمر لابد له من سبب، بوجوده يجب له هذا الحكمُ وبحصوله يستحق هذا الوصف" ٢٤: ٢٦
ومناط البلاغة في النظم القرآني، عند الخطابي، إنه "اللفظ في مكانه إذا أبدل فسد معناه أو ضاع الرونق الذي يكون منه سقوط البلاغة" ٢٩
وهذا الملحظ الدقيق، هو المحور الذي أدار عليه عبد الظاهر مذهبه في الإعجاز بالنظم، وهو أيضاً مما يلتقي - إلى حد ما - مع جوهر فكرتنا في الإعجاز البياني، ثم نختلف بعد ذلك في تحقيق مغزاه ولمح أبعاده وطريق الاحتجاج له:
فالخطابي حين يقول بسقوط البلاغة لفساد المعنى أو ضياع الرونق، يتجه إلى الرونق اللفظي فيجعله غير فساد المعنى.
стр. 88
وسنرى الجرجاني يعتمد هذه التفرقة بين المعنى واللفظ أساساً لنظريته في النظم، على حين لا نرى اللفظ منفصلاً عن معناه بحيث يمكن أن يصح أحدهما والآخر فاسد، بل يفسد المعنى بفساد لفظه، ولا عبرة عندنا برونق لفظي مع فساد المعنى. ثم إن الخطابي في شرح فكرته في النظم المعجز، يرى من الإعجاز أن تأتي بلاغات القرآن جامعة لطبقات ثلاث متفاوتة من حيث المستوى بعد استبعاد الهجين المذموم. قال:
"والعلة فيه - يعني إعجاز القرآن من جهة البلاغة - أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية: فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق. وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، دون النوع الهجين المذموم الذي لا يوجد في القرآن شيء منه البتة:
"فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه. والقسم الثاني أوسطه وأقصده، والقسم الثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة" ٢٦
والعبارة موهمة، قد يُفهم منها أن في القرآن ما هو من الدرجة العليا في البلاغة وفيه ما هو من أوسطها وأدناها. وذلك مردود عندنا من ناحيتين:
أولاهما: أن فهمنا للإعجاز البياني، فوت لأعلى درجات البلاغة دون أوسطها وأدناها.
والأخرى، أن هذه الدرجات الثلاث لا تجتمع، بالضرورة، في السورة الواحدة، وبسورة واحدة كان التحدي والمعاجزة.
وسبق "الخطابي" أيضاً إلى لمح فروق دقيقة في الدلالة، لألفاظ قرآنية جرت معاجمنا وكتب المفسرين على القول بترادفها مع "ألفاظ أخرى في معناها" مثل: العلم والمعرف، الحمد والشكر، العتق وفك الرقبة، (٢٩: ٣٣) . . .
стр. 89
وهذا أيضاً مما نتزود به لطريقنا إلى فهم الإعجاز البياني، على ما سوف نوضحه في: "الترادف وسر الكلمة".
وتجرد الخطابي لدفع شبهات من جادلوا في بلاغة عبارات قرآنية قالوا إنها جاءت على غير المسموع من فصيح كلام العرب. وفي ردَّ الخطابي عليهم ملاحظُ دقيقة، غير أنا نختلف معه، من حيث المبدأ، في قبول عرض العبارات القرآنية على ما نقل عصر التدوين من فصيح كلام العرب. والأصل أن يعرض هذا الذي نقلوه على القرآن، إذ هو الفصحى والنص الموثق الذي لم يصل إلينا من أصيل العربية بنص آخر صح له مثل ما صح للقرآن من توثيق يحميه من شوائب الرواية النقلية، وما لألفاظه من حرمة لا تجيز رواية بالمعنى، فضلاً عما في الشواهد الشعرية من ضرورات لا مجال لمثلها في الشواهد القرآنية.
وتفرغ الخطابي في النصف الأخير من رسالته، لنقض ما سموه "معارضات للقرآن" من مدّعي النبوة، فبسط القول في معنى المعارضة وشروطها ورسومها، وضرب الأمثلة من معارضات امرئ القيس وعلقمة في وصف الفرس، وامرئ القيس والحارث بن التوءم اليشكرى في إجازة أبيات، كما ضرب أمثلة من تنازع الشاعرين معنى واحداً، كأبيات في وصف الليل لامرئ القيس والنابغة الذبيانى، وفي وصف الخمر للأعشى والأخطل، وفي صفة الخيل لأبي دؤاد الإيادي والنابغة الجعدي. وقابل هذا كله إسفاف مسيلمة الكذاب وسُخف من تكلم في الفيل مبيناً سقم كلامهم وعدم استيفائه شروط المعارضة ورسومها. . .
ولهذا الفصل من رسالة الخطابي قيمته في المباحث البلاغية والنقدية المبكرة. ونرى مع ذلك أن أبا سليمان كان في غنى عن الاشتغال بهذيان من ادّعوا النبوة بعد عصر الرسول ﷺ وجاءوا بسخافات هابطة سقيمة يعارضون بها القرآن فيما زعموا. وهي عندنا أهون من أن توضع في الميزان أو يشار إليها في مجال الاحتجاج لإعجاز القرآن من جهة البلاغة. ومجرد ذكرها في هذا المقام الجليل، ولو للكشف عن سقمها وإسفافها، يرفع شأنها ويعطيها من القيمة ما لا تستحق. . .
* * *
стр. 90
وبلاغة القرآن هي موضوع "علي بن عيسى الرماني" - من القرن الرابع أيضاً - في رسالته (النكت في إعجاز القرآن) : مهد لها بسرد مذاهب القوم في وجوه سبعة للإعجاز، ثم تفرغ للنظر في إعجازه من جهة البلاغة.
والبلاغة عنده على ثلاث طبقات، عليا ووسطى ودنيا "فما كان أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن. وما كان دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس" ٧٥
خلافاً لما ذهب إليه أبو سليمان الخطابي من أن بلاغة القرآن تحوز هذه البلاغات في طبقاتها الثلاث.
وليست البلاغة عند الرماني: "في إفهام المعنى، لأنه قد يُفهِمُ المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عَيِىّ، ولا البلاغة أيضاً بتحقيق اللفظ على المعنى، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلف. وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ: فأعلاها طبقة في الحُسن بلاغة القرآن وأعلى طبقات البلاغة للقرآن خاصة" ٧٦
ثم كان منهجه في بيان إعجاز القرآن من جهة البلاغة، أن جعل البلاغة عشرة أقسام: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.
وعقد لكل باب منها فصلاً يبدأ بتعريف الباب، ثم يقدم شواهد قرآنية منه، ففي باب الإيجاز مثلاًَ، يبدأ فيعرفه بأنه "تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى. وهو على وجهين: إيجاز حذف، وإيجاز قِصَر. فالحذف إسقاط كلمة للاجتراء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام. والقصر بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف"
ثم يقدم من شواهد الحذف:
стр. 91
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ﴿لَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾
"ومنه حذف الأجوبة وهو أبلغ من الذكر. وما جاء منه في القرآن كثير كقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ كأنه قيل: لكان هذا القرآن. ومنه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ كأنه قيل: حصلوا على النعيم المقيم الذي لا يشوبه التنغيص والتكدير.
"وإنما صار الحذف في مثل هذا أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب فيه كل مذهب، ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان.
"وأما الإيجاز بالقصر دون الحذف فهو أغمض من الحذف وإن كان الحذف غامضاً، للحاجة إلى العلم بالمواضع التي يصلح فيها من المواضع التي لا يصلح. فمن ذلك:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾
﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾
واستطرد الرماني إلى بيان وجه الإعجاز بإيجاز القصر في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ عن طريق المقارنة بينها وبين ما استحسنه الناس من الإيجاز في قولهم: "القتل أنفى للقتل" فذكر أن التفاوت بينهما يظهر من أربعة أوجه:
- أن العبارة القرآنية أكثر فائدة، ففيها كل ما في قولهم: القتل أنفى للقتل، مع زيادة معان حسنة، منها إبانة العدل لذكره القصاص، وإبانة الغرض المرغوب فيه لذكره الحياة، والاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله.
- الإيجاز في العبارة، فعدد حروف "القتل أنفى للقتل" أربعة عشر حرفاً
стр. 92
وقوله تعالى ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ عشرة أحرف.
- البعد عن التكليف بالتكرير الذي فيه على النفس مشقة. ففي قوله: "القتل أنفى للقتل" تكريرٌ غيرهُ أبلغُ منه. ومتى كان التكرير كذلك فهو مقصَّر في البلاغة عن أعلى طبقة.
- العبارة القرآنية أحسن تأليفاً بالحروف المتلائمة، يُدْرَك بالحس ويوجد في اللفظ. فإن الخروج من الفاء إلى اللم - في القصاص - أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة - في: القتل أنفى - لبعد الهمزة من اللام. وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء، أعدل من الخروج من الألف إلى اللام.
"فباجتماع الأمور التي ذكرناها صار (الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أبلغ من (القتل أنفى للقتل) وإن كان بليغاً حسناً"
واستأنف الرماني القول في الإيجاز، فأوضح الفرق بينه وبين التقصير، وذكر أوجه الإيجاز ومسالكه ومراتبه، من حيث كانت المعرفة بها "سبيلاً إلى معرفة فضيلة ما جاء في القرآن منه على سائر الكلام، وعلوه على غيره من أنواع البيان" وختم الباب بقوله:
"الإيجاز تهذيب الكلام بما يحسن به البيان. والإيجاز تصفية الألفاظ من الكدر وتخليصها من الدرن. والإيجاز البيانُ عن المعنى بأقل ما يمكن من الألفاظ. والإيجاز إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير" ٨٠.
* * *
وعلى هذا النهج سار "الرماني" في الأبواب الأخرى التسعة، للبلاغة عنده. وقد تمهلت في الوقوف عنده دون ضجر بنقل ما نقلتُ منه، لأني أقدر أن الرماني قدم في (النكت) محاولة جليلة من المحاولات الرائدة في التصنيف البلاغي وتنسيق أبواب ومصطلحات فيه. كما أردت أن ألفت إلى كونه لم يخرج عن موضوع الإعجاز فيما عرض له من أبواب البلاغة، بل كان همه أن يقدم لكل باب شواهده القرآنية، وان يلمح بذوق مرهف ما فيها من نكت بلاغية.
وهذا ما نفتقده في أكثر الكتب التي تناولت إعجاز القرآن من جهة البلاغة، بعد
стр. 93
الرماني. فنرى الباقلانى مثلاً يُخرج في كتابه عن الدراسة القرآنية إلى دراسات للشعر، ونرى عبد القاهر يستكثر في (الدلائل) من الاستشهاد بالشعر. وقلما يأتي بشواهد قرآنية تجلو الملحظ البلاغي. وهذا هو ما غلب على جمهرة المصنفين من البلاغيين فيما عدا قلة منهم جعلت للشواهد القرآنية المكان الأول في مباحثها البلاغية، كابن أبي الأصبع المصري - في القرن السابع - الذي سار في (بديع القرآن) على نهج الرماني، في تقديم الشاهد القرآني.
ونرجئ التعرض لرأي الرماني في بلاغة اللفظ والمعنى إلى حيث يتسع المجال لمثل هذا في "مذهب النظم للجرجاني"
ونتابع خطوات السلف على الطريق، انطلاقاً من هذه الخطوة الرائدة التي وصل إليها جهد الرماني في دراسته البلاغية للقرآن، وقد بدا واضح الفكرة والمنهج، لم تختلط عنده بالجدل الكلامي، ولا شُغل عنها بالنظر في هذيانِ مُدَّعِى معارضة القرآن.
* * *
وفصاحة القرآن كانت مناط النظر، في الجزء الخاص بإعجاز القرآن، من (كتاب المغني) للقاضي المعتزلى عبد الجبار.
لم يتناوله تناول البلاغيين، كزميلة الرماني، وإنما كان همّه الاستدلال لإعجاز القرآن، من جهة فصاحته التي انفرد بها، وصحة التحدي به. فاقتضى هذا بطبيعة الحال، أن ينظر في مفهوم الفصاحة وإعجازها، فكان أن عرض لقضية النظم، مقصوداً به النمط الخاص من صياغة الكلام، وبيَّن وجهة نظر المعتزلة فيها. والملحظ الدقيق في النظم عنده. بمعنى النسق والطريقة، أنه لا يكفي عدم السبق إلى مثله، ليكون وجهاً لإعجاز. وإلا كان يجب القول بإعجاز من يبتدع طريقة ركيكة من النظم، لم يُسبق إليها "وقد علمنا أنه لابد من أن يُعتبر مع النظم المبتدع، رتبتُه في الفصاحة".
ومن ثم ينبغي أن يتبين المقصود بالنظم: إن أريد به مجرد السبق إلى طريقة
стр. 94
مبتدعة، فبعيد "وإن أراد من قال: "إن وجه إعجاز القرآن النظم المخصوص" هذا المعنى، وهو أنه تعالى خصه بالقرآن على نظام لم تجر العادة بمثله، مع اختصاصه برتبة في الفصاحة - معجزة - فهو الذي بينَّاه. لأن خروجه عن العادة في الفصاحة، يوجب كونه معجزاً، بإنفراد واختصاصه بنظم، من دون هذا الوجه لا يوجب كونه معجزاً. وإنما يُقوى ويؤكد كونَه معجزاً فإن سلَّم هذا المخالفُ بما ذكرناه، فهو الذي نصرناه.
"فإن قال: إنه يكون معجزاً للنظم فقط، ولكونه على هذه الطريقة المباينة لمنظوم كلامهم ومنثورة، وإن لم يختص برتبة الفصاحة، فالذي قدمناه يبطله. ومتى اعتُبر في كونه معجزاً كلا الأمرين: فإن أراد أنه بمجموعهما يتم ذلك، فقد بينا أنه قد يتم بأن يَبيِن من كلامهم برتبة عظيمة في الفصاحة. وإن أراد أنه يؤكد ذلك فهو صحيح، وهذا هو الأقرب. لأنهم لا يريدون النظام دون رتبة الفصاحة، وإنما يريدون بذلك أنه تعالى جاء بالقرآن على أوكد الوجوه في نقض العادة والمباينة، وأوكدها أن يكون نظاماً مبايناً لما تعارفوه، مع رتبته العظيمة في الفصاحة، وهذا بيَّن".
ولم ير "القاضي عبد الجبار" أن إبدال لفظة بأخرى موضع تعلق، "وذلك لأن هذه الطريقة تقارب الحكاية، فكما أن حكاية الكلام لا تدل على معرفة، فكذلك وضع لفظة بدل أخرى ووزنهما واحد، لا يدل على المعرفة. وإن كان من يتمكن في هذا الباب، لابد من أن يكون له قدر من العلم بالألفاظ التي تتفق معانيها وأوزانها، حتى يمكنه أن يأتي بَدلَ واحدة منها ما يماثلها أو يقاربها، لكن هذا القدر من العلم لا يكفي في التصرف المخصوص الذي قدمنا ذكره، لأنه يحتاج في ذلك إلى قدر مخصوص من العلم زائد على ذلك، حتى يمكنه أن يورد هذا القدر من الفصاحة، وبذلك أبطلنا قول من يقول: إن المفحم يمكنه قول الشعر على هذه الطريق؛ لأن إبدال الكلمات لا يُعدَ تمكيناً من الشعر وإن كان الكلام شعراً. حتى إذا صح منه أن يبتدئ ذلك ويتصرف فيه، عُدَّ ذلك منه شعراً".
стр. 95
وعقد القاضي فصلاً (في اختصاص القرآن بمزية في رتبة الفصاحة خارجة عن العادة) فلم يتناول الموضوع تناول البلاغيين بل مضى على طريقته في الاستدلال لإعجاز القرآن بعلو مرتبته في الفصاحة إلى حيث بايَنَ الفصيح من كلام العرب، وأعياهم أن يأتوا بمثله، قال: بينا أن العرب كانت عارفة بما يباين المعتاد من الفصيح، للتجربة والعادة. فلم تكن عند سماع القرآن والوقوف على مزيته محتاجة إلى تجربة مجددة، وعلمت خروجَه عن العادة. ومَن قصَّر حاُله عن حالهم فكَمِثْل، لأنه إذا عرف بالتجربة تعذر مثل كلامهم عليه، فبأن يتعذر عليه أوْلى. وإن كان لا يمتنع أن يكون في العرب من ظن في الوقت أن مثل القرآن يواتيه إن رامه، ثم تبين تعذره. وإن كان ذلك - الظن - يبعد من أهل التقدم في الفصاحة، كما يبعد ممن جرب مقادير ما يمكنه أن يفعله، أن تلتبس عليه حال الأمور العظيمة. وقد أورد بعضُ شيوخنا عند جحد بعض اليهود أن للقرآن مزية، بعض ما ذكرناه من حال العرب. ثم تلا عليه قوله تعالى:
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وبعضهم تلا قوله تعالى:
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
وإذا تأمل السامع لقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾
إلى آخر الآيات، علم أن كزيته على ما نسمع من الكلام الفصيح عظيمةٌ، وإنما يشتبه مثلُ ذلك على من لاحظَّ له" ١٦ / ١٣٤
ثم كان أكثر ما تجرد له القاضي عبد الجبار: الرد على مطاعن المخالفين في القرآن (٣٣٧) وبطلان القول بأن للتنزيل في القرآن تأويلاً باطناً غير ظاهر، على ما يحكى الباطنية (٣٦٣) وبطلان طعنهم في القرآن بأن فيه تناقضاً واختلافاً فيما يتصل باللفظ والمعنى والمذهب (٣٨٧) وبيان فساد طعنهم من جهة التكرار والتطويل وما يتصل بذلك (٣٩٧) .
стр. 96
وفي كل ذلك، كان يجادل على طريقة الكلاميين لا البلاغيين. وحسبنا على كل حال، أنه أكد نصره لوجه إعجاز القرآن بفصاحته، وأعطانا مفهوماً محرراً لمعنى النظم: لا يراد به مجردُ طريقة مبتدعة في صياغة الكلام تُباين ما عرف العرب من منظوم ومنثور، وإنما انفرد معها برتبه في الفصاحة عرفها أهلُ التقدم منهم بمجرد سماعه، دون أن يظنوا أن مثل القرآن يُواتى من رامه. . .
* * *
وجاء "الباقلانى" في أواخر القرن الرابع، فقدم كتابه المشهور في (إعجاز القرآن) ، وليس دراسة قرآنية خالصة للإعجاز كما يُفهم من عنوانه وكما تَعدِ مقدمتُه، بل هي أقرب إلى الجدل الكلامي والمذهبي، والنقد الأدبي لنصوص طوال، من الشعر والنثر.
ففي الفصول الأولى، يتصدى الباقلانى لتخطئة أقوال في الإعجاز، رفضها الأشاعرة وهو منهم، ولإبطال زعم من زعموا أن علم وحدانية الله لا يمكن بالقرآن، والرد على زعم المجوس أن بعض كتبهم معجز. . .
وهو في هذا كله يورد شبهات الخصوم دون ذكر أسمائهم، ويشتد في تجريحهم والطعن عليهم والزراية بهم.
بعد ذلك ينقل عن الأشاعرة ثلاثة أوجه في الإعجاز، فلا يطيل الوقوف عند الأول والثاني منها - الإخبار عن غيب المستقبل، وعن الماضي منذ خلق الله آدم - بل يمر بهما سريعاً كي يخلص للوجه الثالث وهو "بديع نظم القرآن وعجيب تأليفه وتناهيه في البلاغة" فتحسبه قد تجرد للدرس البلاغي لبديع نظم القرآن، لكنه لا يلبث أن يستطرد بين حين وآخر إلى جدل كلامي مُجهِد.
بل إنه فيكا يختص بالفصول البلاغية التي عقدها، لا يفرغ للنظر في أسرار البيان القرآني، وإنما يعمد إلى نقل قصائد وخطب طوال من مختار الشعر والنثر، ويتعجل النقد لما ينقده منها "لكيلا يتوهم متوهم أن جنس الشعر معارض لنظم القرآن، فتخطفه الطير أو تَهوِى به الريح في مكان سحيق".
стр. 97
وقد يكتفي بإيراد النصوص الشعرية والنثرية المختارة، ويعقب عليها بأن هبوطها عن مستوى النظم القرآني لا يخفى على ذي بصر وبصيرة.
نقل نصوصَ سبع خطب للرسول ﷺ ، وكتابيه إلى كسرى والنجاشي، وعهد صلح الحديبية، ليقول بعدها: "إن من كان له حظ في الصنعة وقسط من العربية، لا يشتبه عليه الفرق وكلام النبي" ﵊.
ونقل بعدها خطبة لأبي بكر الصديق، وعهده إلى عمر، وكتابين من أبي عبيدة ابن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب ورده عليهما، وعهده إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، وخطبةً لعثمان بن عفان، وكتابه إلى علي بن أبي طالب، ورثاء عليَّ لأبي بكر، وخطبتين من خطب الإمام علي، وكتابه إلى عبد الله بن عباس، وخطباً لابن مسعود ﵃ جميعاً - وعمر بن عبد العزيز، والحجاج بن يوسف، وقس بن ساعدة، وخطبة أبي طالب فر زواج محمد ﷺ من خديجة ﵂ (١٦٩: ٢٣٤)
وعقب على هذا الحشد الكاثر - الذي ملأ به سبعين صفحة - بعبارة توجز القول بأن "من تأمل الخطب المتقدمة ونحوها، سيقع له الفصلُ بين كلام الآدميين وكلام رب العالمين".
وملأ ثلاث صفحات من كلام مسيلمة الكذاب وسجاح التميمية، ليقول: "ومن كان له عقل لم يشتبه عليه سخف هذا الكلام" (٢٣٨: ٢٤٠)
وتتبع القصائد المشهورة لكبار الشعراء، ينقلها وينقدها بيتاً بيتاً، حتى لتستغرق القصيدة الواحدة بضع عشرات من الصفحات، كمعلقة امرئ القيس (٢٤٣: ٢٧٧) وقد انتهى منها إلى القول:
"فأما نهج القرآن ونظمه، وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه في جهته وتحار في بحره وتضل دون وصفه. ونحن نذكر لك في تفصيل حذا ما تستدل به على الغرض وتستولي على الأمد وتصل به إلى المقصد، وتتصور إعجازه كما تتصور
стр. 98
الشمس وتتيقن تناهي بلاغته كما تتيقن العجز. . . وأعلم أن هذا علم شريف المحل عظيم المكان قليل الطلاب ضعيف الأصحاب، ليس له عشيرة تحميه، ولا أهل عصمة تفطن لما فيه، وهو أدق من السحر وأهول من البحر وأعجب من الشعر.
"ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه طبق الأرض أنواره وجلل الآفاق ضياؤه ونفذ في العالم حُكمُه وقُبِل في الدنيا رسمه، وطَمسَ ظَلام الكفر بعد أن كان مضروب الرواق ممدود الأطناب مبسوط الباع مرفوع العماد. . .
فكان كما وصفه الله تعالى جل ذكره من أنه نور فقال:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الآية
"فأنظر إن شئت إلى شريف هذا النظم وبديع هذا التأليف وعظيم هذا الرصف، كلُّ كلمة من هذه الآية تامة، وكلُّ لفظ بديع واقع" ٢٨٤
وتتوقع بعد هذا أن يفرغ الباقلانى لما "تستدل به على الغرض وتستولى على الأمد وتتصور إعجاز النظم القرآني كما تتصور الشمس".
فإذا به يستأنف نقل النصوص الطوال من شعر البحتري وأبي نواس وابن الرومي وأبي تمام وابن المعتز وأبي فراس، ومختارات من نثر الجاحظ وابن العميد. . .
ليقول إن هذا كله مما يمكن أن يوازي بغيره أو يعارض، احتجاجاً لما ذكره قبل هذه الصفحات المئات، من أن نظم القرآن:
"ليس له مثال يحتذى عليه ولا إمام يقتدي به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقاً كما يتفق للشاعر البيت النادر والكلمة الشاردة والمعنى الفذ الغريب والشيء القليل العجيب. وكما يلحق من كلامه بالوحشيات ويضاف من قوله إلى الأوابد. لأن ما جرى هذا المجرى ووقع هذا الموقع فإنما يتفق للشاعر في لُمَعٍ من شعره وللكاتب في قليل من رسائله وللخطيب في يسير من خطبه. ولو كان كل شعره نادراً ومثلاً
стр. 99
سائراً ومعنى بديعاً ولفظاً رشيقاً، وكل كلامه مملوءاً من رونقه ومائه، ومحلى ببهجته وحسن روائه، ولم يقع فيه المتوسط بين الكلامين والمتردد بين الطرفين، ولا البارد المستثقل والغث المستنكر، لم يبن الإعجاز في الكلام ولم يظهر بَيَّنُ التفاوتِ العجيب بين النظام والنظام" ١٦٤
ومن أشق الأمور على دارس ينظر في كتاب الباقلانى، أن يستخلص له من بين ذلك الحشد الكاثر من الجدل الخطابي والنصوص الطوال من الشعر والنثر، فكرةَ ّواضحة في الإعجاز البلاغي لنظم القرآن. فقد عقد بعد هذا كله فصلاً "في وصف وجوه من البلاغة" بدأه بقوله:
"ذكر بعض أهل الأدب والكلام أن البلاغة على عشرة أقسام" ثم نقل هذه الأقسام العشرة عن "الرماني" - لم يصرح باسمه -، فملأ بها ثلاثين صفحة (٣٩٦: ٤٢٦) ثم تعقبها بالنقد الذي لا يستبين منه مذهبٌ واضح في الإعجاز البلاغي في بديع نظم القرآن.
وفيما تناوله من أنواع هذا البديع، بمعنى البلاغة، لم يلتزم منهج الرماني في الاستشهاد بالقرآن، بل قدم مع الشواهد القرآنية شواهد من الشعر والنثر. وربما بدأ بتقديم هذا الشواهد من كلام البشر، ثم عقب عليها بقوله: "ونظير ذلك في القرآن. . . " أو: "ومثله في القرآن. . . "
وهذا التنظير والمماثلة، مما ينبو عنه حِسَّ من يدرك أن الإعجاز البياني لا يحتمل وجودَ المثل والنظير. . .
وأقدم هنا مثلاً من نظر "الباقلانى" في الإعجاز البلاغي، وأسلوبه في التنظير: "ويعدون من البديع، الموازنة، وذلك كقول بعضهم: "أصبر على حر اللقاء ومضض النزال وشدة المِصاع" - أي المجالدة بالسيف - وكقول امرئ القيس:
سليم الشظا عبل الشوى شنج النَّسَا. . . له حجبات مشرفات على الفال
стр. 100
"ونظيره من القرآن:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾
"ومن البديع صحةُ التقسيم، ومن ذلك قول نصيب. . . وقول الآخر. . . وقول المقنع الكندي. . . وكقول عروة بن حِزام. . .
"ونحوه قول الله :
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ .
"ومن البديع التكميلُ والتتميم، كقول القائل:
"وما عسيت أن أشكرك على مواعيد لم تُشَنْ بمكل، ومرافدَ لم تُشَب بمنَّ، وبِشْرٍ لم يمازجه مَلَقٌ، ولم يخالطه مذق. . .
وكقول نافع بن خليفة:
رجال إذا لم يقبلوا الحق منهمُ. . . ويعطوه، عادوا بالسيوف القواطع
وذلك كقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . .﴾ الآية.
"ومن البديع الترصيعُ، وذلك على ألوان. . .
منها قول امرئ القيس:
مخش مجش مقبل مدبر معاً. . . كتيس ظباءِ الحُلَّبِ العدوان
ومن ذلك كثير من مقدمات أبي نواس:
يا مِنَّةً امتنَّها السُّكْرُ. . . ما ينقضى منى لها الشكر"
ثم لم يقدم على الترصيع شاهداً من القرآن. . .
كما لم يقدم أي شاهد قرآني لعددٍ من أنواع البديع اكتفى لها بشواهد من
стр. 101
الشعر والنثر: كالمساواة، والمبالغة، وصحة التفسير، والتكافؤ، والكناية والتعريض، والاعتراض، والرجوع، والاستثناء. . .
* * *
وتحاول أن تلتمس في تناول الباقلانى لفنون البديع، ملحظاً له في أسرار الإعجاز، أو نكتة بلاغية فيما يقدم من شواهد قرآنية، فيلقاك بمثل قوله:
"فكر في هذه الكلمات، من القرآن، كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره، وكالياقوت يتلألأ بين شذوره ص ٢٩٣.
"وما رأيك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾
هذه تشتمل على كلمات، سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف. . .
"أنظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها، واحتج بها على ظهور قدرته ونفاذ أمره، أليس كل كلمة منها في نفسها غُرَّة وبمفردها دُرَّة؟ وهو مع ذلك يصدر عن علو الأمر ونفاذ القهر، ويتجلى في بهجة المقدرة، ويتحلى بخالصة العزة، ويجمع السلاسة إلى الرصانة، والسلامة إلى المتانة، والرونق الصافي، والبهاء الضافي. - ٢٨٦
"ثم أنظر في آية أية، وكلمة كلمة، هل تجدها كما وصفنا من عجيب لنظم وبديع الرصف؟ فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غايةً وفي الدلالة آية، فكيف إذا قارنتْها أخواتُها وضامَّتْها ذواتها، مما تجرى في الحسن مجراها وتأخذ في معناها؟ - ٢٨٩.
"فلعلك ترجع إلى عقلك وتستر ما عندك إن غلطت في أمرك أو ذهبت في مذاهب وهمك أو سلطت على نفسك وجهَ ظنك. متى نهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر آية في أشياء مختلفة فيجعلها مؤتلفة من غير أن يبين على كلامه إعياءُ الخروج والتنقل، أو يظهر على خطابه آثار التكلف والتعمل؟
стр. 102
"هيهات هيهات! إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت زاهرة، والبحر يغمر الأنهار وإن كانت زاخرة.." _ ٢٩٠
"ومنَ المؤتلف قوله تعالى:
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾
"وهذه ثلاث كلمات، كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر - ٢٩٦
"أي خاطر يتشوف إلى أن يقول:
﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. . .﴾ الآية؟
"وأي لفظ يدرك هذا المضمار، وأي حكيم يهتدي إلى ما لهذا من النور، وأي فصيح يهتدي إلى هذا النظم؟ - ٣٠٣.
"ثم تأمل قوله:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ. . .﴾
"كل كلمة من ذلك على ما قد وصفتها، من أنه إذا رآها الإنسان في رسالة، كانت عينَها، أو في خطبةٍ كانت وجهها، أو قصيدة كانت غرة غرتها وبيت قصيدتها، كالياقوتة التي تكون فريدة العقد وعين القلادة ودرة الشذر، إذا وقع بين كلام وشَّحه، وإذا ضُمن في نظام زيَّنه، وإذا اعترض في خطاب تميز عنه وبان بحسنه منه - ٣٠٤.
"أرفع طرف قلبك وأنظر بعين عقلك وراجع جلية بصيرتك، إذا تفكرت في كلمة كلمة مما نقلناه إليك وعرضناه عليك، ثم فيما ينتظم من الكلمات إلى أن يتكامل فصلاًََ وقصة، أو يتم حديثاً وسورة؛
"لا، بل فكر في جميع القرآن على هذا الترتيب، وتدبره على نحو هذا التنزيل، فلم ندَّع ما ادعيناه لبعضه، ولم نصف ما وصفناه إلا في كلمة، وإن كانت الدلالة في البعض أبين وأظهر، والآية أكشف وأبهر؛
стр. 103
"وإذا تأملت على ما هديناك إليه ووقفناك عليه، فانظر هل تجد وقع هذا النور في قلبك واشتماله على لبَّك وسريانَه في حسك ونفوذه في عروقك، وامتلاءك به إيقاناً وإحاطة، واهتداءك به إيماناً وبصيرة؟ أم هل تجد الرعب يأخذ منك مأخذه من وجه، والهزة تعمل في جوانبك من لون، والأريحية تستولى عليك من باب؟ وهل تجد الطرب يستفزك للِطيفِ ما فطنتَ له، والسرور يحركك من عجيب ما وقفت عليه، وتجد في نفسك من المعرفة التي حدثت لك عزة، وفي أعطافك ارتياحاً وهزة، وترى لك في الفضل تقدماً وتبريزاً وفي اليقين سبقاً وتحقيقاً، وترى بالعين التي يجب أن تلحظ بها، ومراتبهم بحيث أن ترتبها؟
"هذا كله في تأمل الكلام ونظامه وعجيب معانيه وأحكامه. فإن جئت إلى ما نبسط في العالم من بركته وأنواره، وتمكن في الآفاق من يمينه وأضوائه، وثبت في القلوب من إكباره وإعظامه.. فهل يدلك هذا على عظيم شأنه وراجح ميزانه وعالي مكانه؟ - ٣٠٨
"ونظم القرآن في مؤتلفة ومختلفة، وفي فصله ووصله، وافتتاحه واختتامه، وفي كل نهج يسلكه وطريق يأخذ فيه وباب يتهجم عليه ووجه يؤمه، على ما وصفه الله تعالى به لا يتفاوت: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
"وغيره من الكلام كثير التلون دائم التغير، يقف بك على بديع مستحين ويعقبه بقبيح مستهجن، ويطلع عليك بوجه الحسناء ثم يعرض للهُجْرِ بخَدَّ القبيحة الشوهاء، ويأتيك باللفظة المستنكرة بين الكلمات التي هي كاللآلي الزهر، وقد يأتيك باللفظة الحسنة بين الكلمات البهم، وقد يقع إليك منه الكلام المثبج، والنظم المشوش والحديث المشوه - ٣١٤.
"وعلى هذا فقِسْ بحثك عن شرف الكلام وماله من علو الشأن، لا يطلب مطلباً إلا انفتح، ولا يسلك قلباً إلا انشرح، ولا يذهب مذهباً إلا استنار وأضاء، ولا يضرب مضرباً إلا بلغ فيه السماء. لا تقع منه على فائدة فقدرت أنها أقصى
стр. 104
فوائدها إلا قصّرت، ولا تظفر بحكمة فظننت أنها زُبدة حِكَمِها إلا وقد أخللتَ" - ٣٢٢
* * *
إلى أين وصل الباقلانى في بيان إعجاز القرآن من جهة البلاغة، بعد طول الجهد وعناء النقل للمطولات من القصائد والخطب والتصدي لنقدها؟
أوثر هنا أيضاً أن أترك له تلخيص جهده فيه واستخلاص ثمرته، وإيضاح الشوط الذي قطعه على الطريق لفهم الإعجاز البلاغي، حيث يقول:
"فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه، وطرقه وأبوابه: من تعديل النظم وسلامته وحسنه وبهجته، وحسن موقعه في السمع وسهولته على اللسان، ووقوعه في النفس موقع القبول وتصوره تصور المشاهدَ، وتشكله على جهته حتى يحل نحل البرهان ودلالة التأليف، مما لا ينحصر حسناً وبهجة وسناء ورفعة.
"وإذا علا الكلام في نفسه كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس، ما يذُهل ويبهج، ويقلق ويؤنس، ويطمع ويؤيس، ويُضحك ويبكي، ويحزن ويُفرح، ويسكن ويزعج، ويشجي ويطرب، ويهز الأعطاف ويستميل نحوه الأسماع، ويورث الأريحية والعزة، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجوداً، ويرمي السامع من وراء رأيه مرمى بعيداً. وله مسالك في النفوس لطيفة، ومداخل إلى القلوب دقيقة.
"وبِحَسَبِ ما يترتب في نظمه ويتنزل في موقعه، ويجرى على سمت مطلعه ومقطعه، يكون عجيبُ تأثيراته وبديع مقتضياته. وكذلك على حسب مصادره يُتصور وجوه موارده. وقد ينبئ الكلام عن محل صاحبه، ويدل على مكان متكلمه وينبه على عظيم شأن أهله وعلى علو محله" - ٤١٩
стр. 105
ثم يقول خاتمة لكتابه في إعجاز القرآن:
"وقد بيَّنا في نظم القرآن أن الجملة تشتمل على بلاغة منفردة، والأسلوب يختص بمعنى آخر من الشرف. ثم الفواتح والخواتم، والمبادئ والمثاني، والطوالع والمقاطع، والوسائط والفواصل.
"ثم الكلام في نظم السور والآيات، ثم في تفاصيل التفاصيل، ثم في الكثير والقليل.
"ثم الكلام الموشح والمرصع،. . . والمجنسَّ والموشع، والمحلى والمكلل، والمطوق والمتوج، والموزون والخارج عن الوزن، والمعتدل في النظم والمتشابه فيه، في منظر بهيج ونظم أنيق ومعرض رشيق، غير معتاص على الأسماع ولا مُتَلَوَّ على الأفهام. . . ممتلئ ماء ونضارة، ولطفاً وغضارة. يسرى في القلوب كما يَسرى السرور، ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم، ويضئ كما يضئ الفجر، ويزخر كما يزخر البحر. طموح العباب جموح على المتناول المنتاب. كالروح في البدن، والنور المستطير في الأفق، والغيث الشامل والضياء الباهر:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
"من توهم أن الشعر يلحظ شأوه بان ضلاله ووضح جهله، إذ الشعر سَمت قد تناولته الألسن وتداولته القلوب وانثالت عليه الهواجس، وضرب الشيطان فيه بسهمه وأخذ منه بحظه. وما دونه من كلامهم فهو أدنى محلاً وأقرب مأخذاً وأسها مطلباً..
"أنظر وفقك الله لما هديناك إليه، وفكر فيما دللناك عليه، فالحق منهج واضح والدين ميزان راجح، والجهل لا يزيد الأعَمى، ولا يورث إلا ندماً.." - ٤٦١
* * *
وما استكثرتُ من نقل آراء الباقلانى في بلاغة القرآن بنص عبارته، إلا حرصاً مني على أن يأخذ بها موضعه من قضية الإعجاز البلاغي. لا أظلمه. . .
стр. 106
ومضى الباقلانى بعد أن ترك للبلاغين ممن تكلموا في الإعجاز بعده، هذا الرصيد الضخم من ألفاظه البديعة وعباراته الفخمة، في النصاعة والبراعة والفخامة والسلاسة، والنضارة والغضارة، والرونق والماء، والحسن والبهاء والبهجة والسناء، والنور والضياء، والدر والياقوت، وفريدة العقد وعين القلادة ودرة الشذر، والبحر الزاخر والنجوم الزاهرة، والكبريت والأحمر. . .
وترك لمدرسة السكاكي، طريقته في التناول البلاغي: تقدم مع الشواهد من قول البشر شاهداً من القرآن، دون تفرقة أو تمييز، بل على القول بالمثل والنظير. . .
* * *
والجرجاني - من القرن الخامس الهجري - يعرض في رسالته (الشافية) لقضية الإعجاز في جدل المتكلمين خصومه المذهبيين، متعقباً شبهات من صرفوا الإعجاز عن وجهة البلاغي، وبخاصة من قالوا فيه بالصرفة.
وإذ كانت البلاغة عنده ليست إلا النظم، يقرر أن العرب إنما عجزوا عن الإتثيان بمثله في النظم - ١١٧
"وإن التحدي كان أن يجيئوا في أي معنى شاءوا بنظم يبلغ نظم القرآن في الشرف أو يقرب منه" - ١٤١.
ويذهب الجرجاني إلى استحالة أن يكون التحدي بالكلم المفردة أو بمعانيها التي هي لها بوضع اللغة. فذلك متاح لأهل اللغة. كما يُبطل أن يكون النظم: "الإتيان بكلام في زنة كلمات القرآن بمقاطعة ومفاصله، على نحو ما يأتي الشاعر بقصيدة يعارض بها أخرى في وزنها وعلة رَوِيَّها" - ١٩٨
"وإذ امتنع ذلك لم يبق إلا أن يكون الإعجاز في النظم والتأليف، لأنه ليس من بعد ما أبطلنا أن يكون فيه، إلا النظم" - ٢٠١.
ويحدد معنى النظم والتأليف، بأنه "ليس شيئاً غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأنَّا إن بقينا الدهلا نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة مسلكاً
стр. 107
ينظمها وجامعاً يجمع شملها ويؤلفها ويجعل بعضها بسبب من بعض، غيرَ توخي معاني النحو وأحكامه فيها، طلبنا ما كلُّ محالٍ دونه" - ٢٠١.
وهو يتجه بمعاني النحو إلى مواضعها في نسق الكلام ونظم الأسلوب، لا إلى الصنعة الإعرابية التي تُجَرى بمعزل عن المعنى.
* * *
ويمتنع عند عبد القاهر، أن يَفهم هذا الإعجاز البلاغي في النظم، مَن لم يؤت الآلة التي بها يفهم وهي العلم بالبلاغة والفصاحة. وكتابه (دلائل الإعجاز) يُفَصَّل القول في هذا العلم الشريف بما يتفاضل به الكلام في نظمه. أي أن الدلائل مقدمة لفهم الإعجاز ووسيلة إليه. ومعقد البلاغة عنده "أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته، ويُختار له اللفظ الذي هو أخص به وأكشف عنه وأتم له، وأحرى بأن يكسبه نبلا ويظهر فيه مزية. ولا تفاضل بين لفظتين في الدلالة حتى يكون إحداهما أدل على معناها من الأخرى.
"وهل تجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لاخواتها؟ وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافة: قلقة ونابية ومستكرها، إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى ام تَلِقْ بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقاً للتالية في مؤادها؟
"فالألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وإنما تثبت لها الفضيلة وخلافها، في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ. ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينك تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر. . . " - ٣٨
وقد تجرد في الفصول الأولى من كتابه (دلائل الإعجاز) للاحتجاج لمذهبه في أن
стр. 108
العبرة في الفصاحة والبلاغة ليست إلا بالنظم، دون الألفاظ التي هي مجرد خَدَمٍ للمعاني. ومن حيث رأى أن الإعجاز في نظم القرآن يُفهم بإدراك أسرار الفصاحة، فرغ في كتابه لمباحث بلاغية خالصة يجلو بها وجه الفصاحة. وفيما بين مبحث وآخر يقدم لمحات من البيان القرآني في سياق الاستشهاد أو التنظير.
والكتاب على هذا الوضع، من المصنفات البلاغية القيمة، ولعله من خير ما كُتبَ في قضية النظم، لكن اتصاله بالإعجاز غير مباشر، إذ ينظر في أساليب البلاغة العربية، وفي تقديره أنها الوسيلة إلى فهم الكتاب العربي المبين. قال يشرح وجه الإعجاز بالنظم: "إنا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا: لولا أنهم حين سعوا كلاماً لم يسمعوا قط مثله، وأنهم قد رازوا أنفسهم فأحسوا بالعجز عن أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه أو يقع قريباً منه، لكان محالاً أن يَدَعوا معارضته وقد تُحدوا إليه وقرعوا فيه وطولبوا به. . .
"فخبرونا عنهم؟ عماذا عجزوا؟ أعن معان من دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول، أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإن قلتم عن الألفاظ، فماذا أعجزهم من اللفظ أم ما بهرهم منه؟ فقلنا: أعجزتم مزايا ظهرت لهم في نظمه وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آية ومقاطعها، ومجارى ألفاظه ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة، وتنبيه وإعلام وتذكير وترغيب وترهيب، مع كل حجة برهانٌُ وصفة وتبيان، وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة وعشراً عشراً وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة تُنكر شأنها أو يُرى غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقاً بهر العقول وأعجز الجمهور، ونظاماً والتئاماً وإتفاقاً وإحكاماً، لم يَدَع في نفس بليغ منهم ولو حَكَّ بيافوخه السماء، موضعَ طمع. حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول، وخلدت القروم فلم تملك أن تصول. . . " - ٣٢
ثم لم يمض الجرجاني في الاحتجاج لهذا الوجه من الإعجاز تدبراً لأسرار النظم القرآني المعجز، بل قدر أن الدراية بذلك "لا تتأتى عن طريق حفظ متن الدليل
стр. 109
وظاهر لفظه. . . وإنما يستقصى الدارس النظَر في أبواب البلاغة باباً باباً، حتى يعرف بها الشاهد والدليل، فلا يكون كمن قيل فيه:
يقولون أقوالاً ولا يعلمونها. . . فلو قيل هاتوا حَقَّقوا، لم يحققوا"
وقطعاً لعذر المتهاون، يقدم الجرجاني مباحثه البلاغية "يهدي فيها إلى أمور في نظمها، لا غنى بالعاقل عن معرفتها، والوقوف عليها والإحاظة بها" - ٣٣
وهو فيما يعرض له من أبواب البلاغة، لا يتحرى تناولها في النظم القرآني والاستئهاد لها منه، وإنما يصرف النظر عنه عمداًَ، مصرحاً بقوله:
"إن الجهة التي يقف منها - الباحث - والسبب الذي تُعرف به بلاغة النظم، استقراء كلام العرب وتتبع أشعارهم والنظر فيها" - ٣٣
ومن ثم مضى في مباحثه البلاغية، فاستوفى القول في: تحقيق الفصاحة والبلاغة، وتوقف النظم على التركيب النحوي، ونظم الكلام ومكان النحو منه، والكناية والإستعارة، ومزايا النظم بحسب المعاني والأغراض، والتقديم والتأخير، والحذف والإثبات، والتعريف والتنكير، والقصر والاختصاص. . .
ملتمساً لكل فصل منهلا شواهده من بليغ الشعر والنثر، وقد يقدم بين حين وآخر شاهداً قرآنياً على سبيل التنظير.
ومحتجاً بهذا كله لشرف علم البيان الذي "لا ترى علماً هو أرسخ منه أصلاً وأبسق فرعاً وأحلى جنى وأعذب وِرْداً وأكرم نتاجاً وأنور سراجاً. والذي لولاه لم تر لساناً يحرك الوشى ويصوغ الحلى ويلفظ الدر وينفث السحر ويقرى الشهر ويريك بدائع من الزهر ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها وتصويره إياها، ابقيت كامنة مستورة، ولما استبنتَ لها يدَ الدهر صورة، ولاستمر السرار بأهلَّتها واستولى الخفاء على جملتها، إلى فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء" - ٤
* * *
وما نجادل فيما ذهب إليه "الجرجاني" من أن الدراية بأسرار للعربية، هي
стр. 110
السبيل إلى فهم إعجاز النظم القرآني، فغير مُتصور أن يكون لمن أعوزته الدراية بأسرار التعبير في لغةٍ ما، أن يقدر روائع نصوصها، فضلاً عن أن يميز وجه البلاغة فيها.
ثم إن الجرجاني في تقديره لبلغاء العرب، قد نجا مما تورط فيه "الباقلاني" حين تعقب مشهور القصائد والخطب لفحول لاشعر وأمراء البيان، بالتهوين والتحقير والزراية، فانساق بهذا، من حيث لا يدي، إلى أن العرب الفصحاء في عصر المبعث، ما سلموا بإعجاز القرآن إلا وهم هابطوا المستوى جاهلون بأسرار البيان. وقد نرى الوجه في الإعجاز، أن يكونوا قد بلغوا من علو المستوى في الفصاحة والبلاغة، ما يجعلهم قادرين على إدراك هذا الإعجاز.
لكنا نختلف مع الجرحاني، في أن تُلتمس أسرار البيان العربي في شعر الشعراء ونثر البلغاء، ولا تلتمس في النص الأعلى الذي لا يمكن أن يصحَّ لنا ذوق العربية بمعزل عنه.
وإذا كنا نأخذ على المتأخرين من علماء البلاغة، التماسهم ملاحظها وشواهدها من النماذج الشعرية والنثرية التي أرضت ذوقهم، وكان ينبغي أن يجتلوا بلاغة العربية في كتابها الأكبر،
فكيف يهون أن نتناول مباحث البلاغة بمعزل عن القرآن الكريم، في كتاب يقدم هذه المباحث مدخلاً لفهم النظم القرآني ودلائل إعجازه؟!
على أي حال، نرى الجرجاني في (دلائل الإعجاز) قدم ملاحظ دقيقة مما لمحه من أسرار البلاغة العربية، ولم يقدم دراسة قرآنية للإعجاز البلاغي، وهذه المباحث تأخذ مكانها في الدرس البلاغي، ولعلها تجلو براعة بلغاء العرب واقتدارهم على فن القول، لكن دون أن تتصل بإعجاز القرآن إلا على وجه التوطئة والوسيلة والتمهيد. . .
ويظل السؤال قائماً: ما وجه فوت النظم القرآني نظم البلغاء من العرب؟ وماذا بهرهم من أسرار بيانه فانقطعوا دون وأعياهم أن يأوا بسورة من مثله؟
ولعل إدراك الجرجاني لقوصر (دلائله) عن أن تتجاوز المدخل إلى الموضوع،
следующие страницы →