← Акыда

Акыда · id 1275

الإيمان - أبو عبيد - ط مسلم

أبو عبيد القاسم بن سلام

Полный текст (104 стр.). Показаны 71–104 · переход к 76.

стр. 71

يقول المجوس والزنادقة، أو ثالثُ ثلاثةٍ كقول النصارى، وصلَّى للصليب، وعبد النيران بعد أن يكون قلبه على المعرفة بالله، لكان يلزم قائل هذه المقالة أن يجعله مؤمنًا مستكملًا للإيمان (١) كإيمان الملائكة والنَّبيين! فهل يلفظ بهذا أحدٌ يعرف الله أو مؤمن له بكتاب (٢) أو رسول؟ وهذا (٣) عندنا كفرٌ لن يبلغه إبليس فمن دونه من الكفار قط.

стр. 72

باب ذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولًا بلا عمل، وما نهَوا عنه من مجالستهم (١) ٢١ - قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني (٢)، قال: قال حذيفة (٣): "إني لأعرف أهل دينين، أهل ذينك الدينين في النار، قوم يقولون: الإيمان قولٌ وإن زنى وإن سرق، وقومٌ يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟ وإنما هما صلاتان، قال: فذكر صلاة المغرب أو العشاء، وصلاة الفجر" (٤). قال: وقال ضمرة بن ربيعة يحدثه عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن حميد المقرائي، عن حذيفة. قارن حديث حذيفة هذا؛ قد قرن الإرجاء بحجة الصلاة (٥).

стр. 73

وبذلك وصفهم ابن عمر أيضًا: ٢٢ - قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت الجزري، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "صنفان ليس لهم في الإسلام نصيبٌ: المرجئة، والقدرية" (١). ٢٣ - حدثنا (٢) أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: "اجتمع الضَّحاك وميسرة وأبو البختري، فأجمعوا (٣) على أن الشهادةَ بدعةٌ، والإرجاءَ بدعةٌ، والبراءةَ بدعةٌ" (٤).

стр. 74

٢٤ - قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: "ما ابتُدعت في الإسلام بدعةٌ أضرُّ (١) على أهلها من هذا الإرجاء" (٢). ٢٥ - قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن مهدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: دخل فلانٌ - قد سمَّاه إسماعيل، ولكن تركت اسمه أنا - على جندب بن عبد الله البَجَلي، فسأله عن آيةٍ من القرآن، فقال: "أُحرِّج عليك إن كنت مسلمًا لمَا قُمت"، قال: أو قال: "أن تجالسني"، أو نحو هذا القول (٣). ٢٦ - قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، قال: قال لي سعيد بن جبير - غير سائلِه ولا ذاكرٍ (٤) له شيئًا -: "لا تجالس فلانًا - وسمَّاه أيضًا -، فقال: إنه كان يرى هذا الرأي" (٥). والحديث في مجانبة الأهواء كثير، ولكنَّا إنما قصدنا في كتابنا لهؤلاء خاصة.

стр. 75

وعلى مثل هذا القول كان سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس ومَن بعدهم من أرباب العلم وأهل السُّنة - الذين كانوا مصابيحَ الأرض وأئمةَ العلم في دهرهم من أهل العراق والحجاز والشام وغيرها - زارِّين (١) على أهل البدع كلها، ويرَون الإيمان قولًا وعملًا.

стр. 76

باب الخروج من الإيمان بالمعاصي قال أبو عبيد: أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم؛ فإن الآثار جاءت بالتَّغليظ على أربعة (١) أنواعٍ: فاثنان منها فيها نفيُ الإيمان والبراءةُ من النَّبي ﷺ ، والآخران فيها تسميةُ الكفر وذكرُ الشِّرك. وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديثَ ذوات عدد (٢): فمن النوع الذي فيه نفي الإيمان: حديث النَّبي ﷺ : "لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" (٣). وقوله: "ما هو بمؤمن من لا يأمن جاره غَوائله" (٤). وقوله: "الإيمان قَيد الفَتك (٥)، لا يفتك مؤمنٌ" (٦).

стр. 77

وقوله: "لا يبغض الأنصارَ أحدٌ يؤمن بالله ورسوله" (١). ومنه قوله: "والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابُّوا" (٢). وكذلك قول أبي بكرٍ الصديق ﵁: "إياكم والكذب؛ فإنه يجانب الإيمان" (٣). وقول عمر ﵁: "لا إيمان لمن لا أمانة له" (٤).

стр. 78

وقول سعد (١): "كل الخلال يُطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب" (٢). وقول ابن عمر: "لا يبلغ أحدٌ حقيقةَ الإيمان حتى يدع المراء، وإن كان محقًّا، ويدَع المزاحة في الكذب" (٣). ومن النوع الذي فيه البراءة: قول النَّبي ﷺ : "من غشَّنا فليس منَّا" (٤). وكذلك قوله: "ليس منَّا من حمل السلاح علينا" (٥). وكذلك قوله: "ليس منَّا من لم يرحم صغيرنا" (٦).

стр. 79

في أشياء من هذا القبيل (١). ومن النوع الذي فيه تسمية الكفر: قول النَّبي ﷺ حين مُطِروا، فقال: "أتدرون ما قال ربكم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ وكافرٌ، فأما الذي يقول: مُطرنا بنجم كذا وكذا؛ كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب، والذي يقول هذا رزق الله ورحمته؛ مؤمنٌ بي كافرٌ (٢) بالكوكب" (٣). وقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضُكم رقابَ بعض" (٤). وقوله: "من قال لصاحبه يا (٥) كافر فقد باء به أحدهما" (٦). وقوله: "من أتى ساحرًا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول، أو أتى حائضًا أو امرأةً

стр. 80

في دبرها؛ فقد برئ مما (١) أنزل على محمدٍ ﷺ ، أو كفر بما أنزل على محمدٍ ﷺ " (٢). وقول عبد الله: "سِبَاب المؤمن فسوقٌ، وقتاله كفرٌ" وبعضهم يرفعه (٣). ومن النوع الذي فيه ذكر الشِّرك: قول النَّبي ﷺ : "إن (٤) أخوف ما أخاف على أمتي الشِّرك الأصغر"، قيل: يا رسول الله، وما الشِّرك الأصغر؟ قال: "الرِّياء" (٥).

стр. 81

ومنه قوله: "الطِّيَرة شركٌ وما منَّا إلا … ولكن الله يُذهبه بالتوكل" (١). وقول عبد الله في التَّمائم والتِّوَلة: "إنها من الشِّرك" (٢). وقول ابن عباس: "إن القوم يشركون بكلبهم يقولون: كلبُنا يحرسنا، ولولا كلبنا لسُرِقنا" (٣). فهذه أربعة أنواع من الحديث، قد كان الناس فيها على أربعة أصنافٍ من التأويل: فطائفةٌ تذهب إلى كفر النعمة، وثانيةٌ تحملها على التَّغليظ والتَّرهيب، وثالثةٌ تجعلها كفرَ أهل الرِّدة، ورابعةٌ تُذهبها كلُّها وتَرُدُّها. فكل هذه الوجوه عندنا مردودةٌ غيرُ مقبولةٍ، لِمَا يدخلها من الخلل والفساد. فالذي يُرَدُّ به المذهب (٤) الأول: ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك

стр. 82

أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعام الله وآلائه، وهو كالمخبر على نفسه بالعُدْم وقد وهب الله له الثروة، أو بالسُّقْم وقد منَّ الله عليه بالسلامة، وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفرانًا، إن كان ذلك (١) فيما بينهم وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض؛ إذا تَنَاكَروا اصطناعَ المعروف عندهم وتَجَاحَدوه. ينبئك عن ذلك مقالة النَّبي ﷺ للنساء: "إنكن تُكْثرن اللَّعن، وتَكْفُرن العشير - يعني: الزوج - وذلك أن تغضب إحداكن، فتقول: ما رأيت منك خيرًا قط" (٢)، فهذا ما في كفر النعمة. وأما القول الثاني: المحمول على التَّغليظ؛ فمن (٣) أفظع ما تُؤُوِّل على رسول الله ﷺ وأصحابه؛ أن جعلوا الخبر (٤) عن الله وعن دينه وعيدًا لا حقيقةَ له، وهذا يؤول إلى إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحدٍ منها، كان ممكنًا في العقوبات كلها.

стр. 83

وأما الثالث الذي بلغ به (١) كفرَ الرِّدة نفسِها؛ فهو شرٌّ من الذي قبله، لأنه مذهب الخوارج الذين مَرَقوا من الدين بالتأويل، فأكفروا (٢) الناسَ بصغار الذنوب وكبارها (٣)، وقد علمت ما وصفهم [به] (٤) رسول الله ﷺ من المروق، وما أذن فيهم من سفك دمائهم (٥). ثم قد وجدنا الله ﵎ يكذب مقالتهم؛ وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل، لأن رسول الله ﷺ قال: "من بدَّل دينه فاقتلوه" (٦)، أفلا ترى أنهم لو كانوا كفَّارًا لما كانت عقوباتهم القطعَ والجلدَ؟ وكذلك قول الله فيمن قُتل مظلومًا: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، فلو كان القتل كفرًا، ما كان للولي عفوٌ (٧) ولا أخذُ دِيَة، ولزِمَه القتل. وأما القول الرابع: الذي فيه تضعيف هذه الآثار، فليس مذهبَ من يُعتدُّ بقوله، ولا (٨) يُلتفت إليه، إنما هو احتجاج أهل الأهواء والبدع؛ الذين قَصُر

стр. 84

علمهم (١) عن الاتساع في الآثار (٢)، وعيِيَت أذهانهم عن وجوهها، فلم يجدوا شيئًا أهونَ عليهم من أن يقولوا: متناقضةٌ، فأبطلوها كلها. وإن الذي عندنا في هذا الباب كله: أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانًا، ولا توجب كفرًا، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقتَه وإخلاصَه الذي نعت الله به أهلَه، واشترطه عليهم في مواضع من كتابه؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١ - ١١٢]. وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. قال أبو عبيد: فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله ونفت عنه المعاصي كلها، ثم فسَّرته السُّنة بالأحاديث التي فيها خِلال الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب.

стр. 85

فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوتَ بغيرها، قيل: ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين، ولا الأمانات (١) التي يعرف بها أنه الإيمان، فنفت عنهم حينئذ حقيقتَه (٢) ولم يزُل عنهم اسمُه (٣). فإن قال [قائل] (٤): كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمنٍ، واسم الإيمان غير زائلٍ عنه؟ قيل: هذا كلام العرب المستفيضُ عندنا غير المستنكر في إزالتهم العمل (٥) عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمُحكم لعمله: ما صنعت شيئًا ولا عملت عملًا، وإنما وقع معناهم هاهنا [على] (٦) نفي التجويد، لا على الصَّنعة نفسها، فهو عندهم عاملٌ بالاسم، وغير عامل في الإتقان (٧)، حتى تكلَّموا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كالرجل (٨) يعق أباه ويبلغ منه الأذى، فيقال: ما هو بولد، وهم يعلمون أنه ابن صُلبه ثم يقال مثله في الأخ، والزوجة، والمملوك.

стр. 86

وإنما مذهبهم في هذا كله (١): المزايلةُ (٢) في (٣) الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة والبِرِّ، وأما النكاح والرِّق والأنساب، فعلى ما كانت عليه؛ في أماكنها وأسمائها (٤). فكذلك هذه الذنوب التي يُنفى بها الإيمان، إنما أحبطت الحقائقَ منه والشرائعَ (٥) التي هي من صفاته، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك، ولا يقال لهم إلا: مؤمنون، وبه الحكم عليهم. وقد وجدنا مع هذا شواهد (٦) لقولنا من التَّنزيل والسنة. فأما التَّنزيل: فقول الله جلَّ ثناؤه في أهل الكتاب، حين قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. ٢٧ - قال أبو عبيد: حدثنا الأشجعي، عن مالك بن مغول، عن الشعبي، في هذه الآية قال: "أما إنه كان بين أيديهم، ولكن نبَذوا العمل به" (٧).

стр. 87

ثم أحلَّ الله لنا ذبائحهم، ونكاح نسائهم، فحكم لهم بحكم الكتاب إذ (١) كانوا [به] (٢) مقرين، وله منتحلين، فهم بالأحكام والأسماء في الكتاب داخلون، وهم له (٣) بالحقائق مفارقون، فهذا ما في القرآن. وأما السنة: فحديث النَّبي ﷺ الذي يحدث به رفاعة في الأعرابي الذي صلَّى صلاة فخفَّفها، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع فصلِّ، فإنك لم تُصلِّ"، حتى فعلها مرارًا كل ذلك يقول: " [لم] (٤) تصلِّ" (٥)، وهو قد رآه يصليها، أفلست ترى أنه مصلٍّ بالاسم، وغير مصلٍّ بالحقيقة. وكذلك في [صلاة] (٦) المرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، والمصلي بالقوم الكارهين (٧) له أنها غير مقبولة (٨).

стр. 88

ومنه حديث عبد الله بن عمرو (١) في شارب الخمر أنه: "لا تقبل له صلاة أربعين ليلةً" (٢). وقول عليٍّ ﵇: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٣). وحديث عمر ﵁: في المقدِّم ثِقْله ليلة النَّفر أنه: لا حج له (٤).

стр. 89

ومقالة (١) حذيفة: "من تأمل خَلْق امرأة من وراء الثياب وهو صائمٌ؛ أبطل صومه" (٢). قال أبو عبيد: فهذه الآثار كلُّها، وما كان مضاهيًا لها، فهو عندي على ما فسَّرت (٣) لك (٤). وكذلك الأحاديث التي فيها البراءة، فهي مثل قوله: من فعل كذا وكذا

стр. 90

فليس منَّا (١)؛ لا نرى شيئًا منها يكون معناه التَّبرُّؤ من رسول الله ﷺ ولا من ملَّته، إنما مذهبه عندنا: أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا، فهذه النعوت وما أشبهها (٢). وقد كان سفيان بن عيينة يتأول قوله: "ليس منَّا": ليس مثلنا، وكان يرويه عن غيره أيضًا. فهذا التأويل وإن كان الذي قاله إمامٌ من أئمة العلم، فإني لا أراه، من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النَّبي ﷺ ؛ لزمه أن يصير من يفعله مثل النَّبي ﷺ ، وإلا فلا فرْق بين الفاعل والتَّارك، وليس للنبي ﷺ عديلٌ ولا مثلٌ من فاعل ذلك ولا تاركه (٣). فهذا ما في نفي الإيمان وفي البراءة من النَّبي ﷺ ، إنما أحدهما من الآخر، وإليه يؤُول. وأما الآثار المرويات (٤) بذكر الكفر والشِّرك ووجوبهما (٥) بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تُثبت على أهلها كفرًا (٦) ولا شركًا يزيلان الإيمان عن

стр. 91

صاحبه، إنها وجوهها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون. وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسُّنة نحوًا ممَّا وجدنا في النوعين الأولين. فمن الشاهد على الشِّرك في التَّنزيل: قول الله ﵎ في آدم وحواء عند كلام إبليس إياهما: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إلى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠]، وإنما هو في التأويل أن الشيطان قال لهما: سمِّيا ولدكما عبد الحارث (١)، فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهَّم عليهما الإشراك بالله مع النبوة، والمكانِ من الله، فقد سمَّى فعلهما شركًا، وليس هو الشِّرك بالله. وأما الذي في السنة: فقول النَّبي ﷺ : "أخوف ما أخاف على أمتي الشِّرك الأصغر" (٢)، فقد فَسَّر لك بقوله: "الأصغر" أن هاهنا شركًا سوى الذي يكون به صاحبه مشركًا بالله. ومنه قول عبد الله: "الرِّبا بضعة وستون بابًا، والشِّرك مثل ذلك" (٣).

стр. 92

فقد أخبرك أن في الذنوب أنواعًا كثيرة تسمى بهذا الاسم، وهي غير الإشراك التي يتخذ لها مع الله إلها غيره (١)، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلا أنها (٢) أخلاق المشركين، وتسميتهم، وسننهم، وألفاظهم، وأحكامهم، ونحو ذلك من أمورهم. وأما الفرقان الشاهد عليه في التَّنزيل: قول الله - جلَّ وعزَّ -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال (٣) ابن عباس: "ليس بكفرٍ ينقل عن ملَّة" (٤). وقال عطاء بن أبي رباح: "كفرٌ دون كفرٍ" (٥). فقد تبيَّن لنا أنه (٦) كان ليس بناقلٍ عن ملَّة الإسلام أن الدين باق على حاله، وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا أخلاق (٧) الكفار وسنَّتهم، على ما أعلمتك من الشِّرك سواء، لأن من سنن الكفار الحكمَ بغير ما أنزل الله.

стр. 93

ألا تسمع قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملَّة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية؛ إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون. وهكذا قوله: "ثلاثٌ (١) من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والأنواء" (٢). ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي: "ثلاثٌ (٣) من سنَّة الجاهلية: النِّياحة، وصَنعة الطعام، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم" (٤).

стр. 94

وكذلك الحديث في آية المنافق (١): "إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (٢). وقول عبد الله: "الغناء ينْبت النِّفاق في القلب" (٣). ليس وجوه هذه الآثار كلِّها في الذنوب (٤): أن راكبها يكون جاهلًا ولا كافرًا ولا منافقًا وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده، ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار (٥)، محرمةٌ منهيٌّ عنها في الكتاب وفي السنة، ليتحاماها المسلمون ويتجنَّبوها، فلا يتشبهوا بشيءٍ من أخلاقهم ولا شرائعهم. ولقد رُوي في بعض الحديث: "إن السَّواد خِضاب الكفار" (٦)، فهل يكون لأحدٍ أن يقول: إنه يكفر من أجل الخِضاب؟

стр. 95

وكذلك حديثه في المرأة إذا استعطرت، ثم مرَّت بقومٍ يوجد ريحُها: "أنها زانية" (١)، فهل يكون هذا على الزِّنا الذي تجب فيه الحدود؟ ومثله قوله: "المستبَّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان" (٢)، أفيُتَّهم عليه (٣) أنه أراد الشياطين (٤) الذين هم أولاد إبليس؟ إنما هذا كلُّه على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسُّنن، وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفرٍ (٥) أو شركٍ لأهل القبلة فهو عندنا على هذا.

стр. 96

ولا يجب اسم الكفر والشِّرك الذي تزول به أحكام الإسلام، ويلحق صاحبه الرِّدة (١) إلا بكلمة الكفر خاصَّة دون غيرها (٢)، وبذلك جاءت الآثار مفسرة. ٢٨ - قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن جعفر بن برقان، عن ابن أبي نُشْبة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ من أصل الإسلام: الكفُّ عمَّن قال: لا إله إلا الله؛ لا نكفِّره بذنبٍ، ولا نخرجه من الإسلام بعملٍ، والجهاد ماضٍ من يوم بعثني اللهُ إلى أن يقاتل آخرُ أمتي الدَّجال، لا يبطله جورُ جائرٍ، ولا عدلُ عادلٍ، والإيمان بالأقدار كلِّها" (٣). ٢٩ - قال أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد، عن الصلت بن دينار، عن أبي عثمان النهدي، قال: دخلت على ابن مسعود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: "لا يبلغ بعبدٍ كفرًا ولا شركًا حتى يذبح لغير الله، أو يصلِّي لغيره" (٤).

стр. 97

٣٠ - قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، قال: جاورت مع جابر بن عبد الله بمكة ستَّة أشهر، فسأله رجلٌ: هل كنتم تسمُّون أحدًا من أهل القبلة كافرًا؟ فقال: "مَعاذ الله"، قال: فهل تسمُّونه: مشركًا؟ قال: "لا" (١).

стр. 98

باب ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروجٍ من الإيمان (١) قال أبو عبيد: حديث النَّبي ﷺ : "لعْنُ المؤمن كقتْله" (٢)، وكذلك قوله: "حُرْمة ماله كحُرْمة دمه" (٣). ومنه قول عبد الله: "شارب الخمر كعابد اللَّات والعُزَّى" (٤)، وما كان من هذا النوع مما يُشَبَّه فيه الذنب بآخرَ أعظم منه. وقد كان في الناس من يحمل ذلك على التساوي (٥) بينهما. ولا وجه لهذا عندي؛ لأن الله قد جعل الذنوبَ بعضَها أعظمَ من بعضٍ،

стр. 99

فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. في أشياء كثيرةٍ من الكتاب والسُّنة يطوْل ذكرها، ولكن وجوهها عندي أن الله قد نهى عن هذه كلها، وإن كان بعضُها عنده أجلَّ من بعضٍ؛ يقول: من أتى شيئًا من هذه (١) فقد لحق بأهل المعاصي، كما لحق بها الآخرون؛ لأن كل واحدٍ منهم على قدر ذنبه قد لزمه اسم المعصية، وإن كان بعضُهم أعظمَ جرمًا من بعض. وفسَّر ذلك كلَّه الحديثُ المرفوع، حين قال: "عدَلَت شهادةُ الزور الإشراكَ بالله" ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] (٢). فقد تبيَّن لنا الشِّركُ والزورُ؛ إنما (٣) تساويا في النهي؛ نهى الله عنهما معًا في مكانٍ واحدٍ، فهما في النهي متساويان، وفي الأوزار والمأثم متفاوتان.

стр. 100

ومن هنا وجدنا الجرائم كلَّها؛ ألا ترى السارق يُقطع في ربع دينارٍ فصاعدًا، وإن كان دون ذلك لم يلزمه قطعٌ؟ فقد يجوز في الكلام أن يقال: هذا سارقٌ كهذا، فيجمعهما (١) في الاسم، وفي ركوبهما المعصية، ويفترقان في العقوبة على قدر الزيادة في الذَّنب، وكذلك البكر والثَّيب يزنيان، فيقال: هما لله عاصيان معًا، وأحدهما أعظمُ ذنبًا وأجلُّ عقوبةً من الآخر. وكذلك قوله: "لعْنُ المؤمن كقتله" (٢)، إنما اشتركا في المعصية حين ركباها، ثم يلزم كلَّ واحدٍ منهما من العقوبة في الدنيا بقدر ذنبه. ومثل ذلك قوله: "حرمة ماله كحرمة دمه" (٣)، وعلى هذا وما أشبهه (٤) أيضًا. قال أبو عبيد: كتبنا هذا الكتاب على مبلغ علمنا، وما انتهى إلينا من الكتابِ وآثارِ النَّبي ﷺ ، والعلماءِ بعده، وما عليه لغاتُ العرب ومذاهبُها، وعلى الله التَّوكل، وهو المستعان.

стр. 101

قال أبو عبيد: ذكر الأصناف الخمسة (الذين تركنا صفاتهم في صدر كتابنا هذا من تكلم به في الإيمان هم (١): الجهميَّة، والمعتزلة، والإباضيَّة، والصُّفَّرية، والفَضْليَّة) (¬*). فقالت الجهميَّة (٢): الإيمان معرفة الله بالقلب، وإن لم يكن معها شهادة لسانٍ، ولا إقرارٌ بنبوةٍ، ولا شيءٌ من أداء الفرائض. احتجوا في ذلك بإيمان الملائكة، فقالوا: قد كانوا مؤمنين من قبل (٣) أن يخلق اللهُ الرسلَ. وقالت المعتزلة (٤): الإيمان بالقلب واللسان مع اجتناب الكبائر، فمن

стр. 102

قارفَ منها شيئًا - كبيرةً (١) - زال عنه الإيمان، ولم يلحق بالكفر، فسُمِّي: فاسقًا؛ ليس بمؤمنٍ ولا كافرٍ، إلا أن أحكام الإيمان جاريةٌ عليه. وقالت الإباضيَّة (٢): الإيمان جماع الطاعات، فمن ترك شيئًا كان كافر نعمةٍ، وليس بكافر شركٍّ (٣). واحتجوا بالآية التي في "إبراهيم": ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وقالت الصُّفَّرية (٤) مثلَ ذلك في الإيمان: أنه جميع الطاعات، غير أنهم قالوا

стр. 103

في المعاصي، صغارِها وكبارِها: كفرٌ وشركٌ ما فيه إلا المغفور (١) منها خاصَّةً. وقالت الفَضْليَّة (٢) مثلَ ذلك في الإيمان، أنه أيضًا جميعُ الطاعات، إلا أنهم جعلوا المعاصي كلها - ما غُفر منها وما لم يُغفر - كفرًا وشركًا، قالوا: لأن الله جلَّ ثناؤه لو عذَّبهم عليها كان غير ظالمٍ، لقوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥، ١٦]. وهذه الأصناف الثَّلاثة من فرق الخوارج معًا، إلا أنهم اختلفوا في الإيمان. وقد وافقت الشِّيعةُ فرقتين منهم، ووافقت (٣) الرافضةُ المعتزلة، ووافقت الزَّيديةُ الإباضيَّة. وكل هذه الأصناف يَكسِر قولَهم ما وصفنا في (٤): "باب الخروج من

стр. 104

الإيمان بالذنوب"، إلا الجهميَّة فإن الكاسرَ لقولهم قولُ أهل الملَّة، وتكذيبُ القرآن إيَّاهم حين قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، فأخبر الله عنهم بالكفر؛ إذ أنكروا بالألسنة، وقد كانت قلوبُهم بها عارفةً. ثم أخبر الله عن إبليس أنه كان من الكافرين، وهو عارفٌ بالله بقلبه ولسانه أيضًا. في أشياء كثيرةٍ يطول ذكرها، كلها ترُدُّ قولهم (١) أشدَّ الرَّدِّ، وتبطله أقبحَ الإبطال (٢).