ولو ذهبت أسجل ما وجدته لهم في هذا الاتجاه لطال بنا المقام (١) . وأقول: إن المادة الشعرية الكبيرة التي تركها شعراء الشيعة وأدباؤها فيها من هذا "الغلو" ما لا يخطر على البال.. ويبدو أن لهيب العاطفة وجذوة الحماس يغطي سلطان التقية فتظهر الحقيقة عارية بلا خداع أو تزوير.. ولهذا فإن هذا الموضوع يستحق دراسة خاصة.
وفي مقام توحيد الألوهية فإن مزارات الشيعة ومشاهدها اليوم قد أصبحت من أكبر مظاهر الشرك بالله تعالى، ولا أمل في تغيير هذا المنكر عندهم، لأنه مؤيد بتلك الروايات المنسوبة زوراً لأهل البيت، عكس الأمر عند أهل السنة والذي هو انحرف في واقعهم تنكره أصولهم، وقد رأى هذا الشرك كل من زار تلك المشاهد.
يقول الشيخ موسى جار الله بعد زيارة له لإيران والعراق استمرت عدة أشهر بأنه رأى المشاهد والقبور عندهم معبودة (٢) .
ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي بعد زيارة له إلى إيران عن مشهد علي الرضا: "فإذا دخل غريب في مشهد سيدنا علي الرضا لم يشعر إلا وأنه داخل الحرم فهو غاص بالحجيج مدوي بالبكاء والضجيج، عامر بالرجل والنساء، مزخوف بأفخر الزخارف والزينات، قد تدفقت إليه ثروة الأثرياء، وتبرعات الفقراء" (٣) .
وقد ذكر صاحب التحفة الاثني عشرية بأنهم لا يزالون يغلون في قبور
стр. 1017
الأئمة ويطوفون حولها، بل ويصلون إليها مستدبرين القبلة، إلى غير ذلك من الأمور التي يستقل لديها فعل المشركين مع أصنامهم (١) . ثم قال: إن حصل لك ريب من ذلك فاذهب إلى بعض مشاهدهم لترى الحقيقة بعينك (٢) .
وتجد شيخهم المعاصر محمد المظفر في كتابه الذي ألفه لبيان عقائد طائفته وسماه "عقائد الإمامية" والذي ارتضاه شيعته فلم نر أحدًا أنكر عليه شيئًا مما جاء فيه، وقد صاغه بأسلوب يغلب عليه طابع الدعاية للتشيع، ومع ذلك تجده لم يحجم عن التأكد على عقيدة الرافضة في قبور الأئمة فذكر أن مما امتازت به طائفته واختصت به في أضرحة أئمتهم "تشيدها وإقامة العمارات الضخمة عليها، ولأجلها يضحون بكل غال ورخيص عن إيمان وطيب نفس" (٣) .
ثم صرح بأن سبب ذلك ما زعمه من "وصايا" الأئمة وحثهم شيعتهم على الزيارة، وترغيبهم فيما لها من الثواب الجزيل عند الله تعالى.. وباعتبار أن هاتيك القبور - كما يزعم - من خير المواقع لاستجابة الدعاء (٤) ، والانقطاع إلى الله تعالى (٥) .
ثم ذكر آداب ومناسك الزيارة عندهم بلا حياء ولا خوف من إعلان هذه المظاهر الوثنية (٦) .
стр. 1018
وما فتئ ثلة شيوخهم المعاصرين يجاهرون - بلا وجل أو خجل - بأن كربلاء أفضل من الكعبة المشرفة، فهذا كبير مراجع الشيعة ومن يتزعم الدعوة للتقريب بين السنة والشيعة يدعي أن كربلاء أفضل من الكعبة البيت الحرم الذي جعله الله قياماً للناس ومثابة وأمنًا وبارك فيه بنص التنزيل الإلهي.
فيترنم مرجع الشيعة محمد حسين آل كاشف الغطاء مخالفاً لنص القرآن وإجماع المسلمين يترنم بهذا البيت الوثني وهو قوله:
ومن حديث كربلاء والكعبة ... لكربلاء بان علو الرتبة
وهو يرى أن هذا من ضرورات مذهبهم فيقول بأن كربلاء "أشرف بقاع الأرض بالضرورة" (١) . لأنه قد شهدت بذلك آثارهم وأخبارهم - كما يقرر -.
وهذه الشهادة التي يعتمدها يجب أن تنجعل برهان ودليلاً على كذب هذه الأخبار، ومروق من وضعها عن الدين، وخروج من صدق بها عن إجماع المسلمين.. وأين كربلاء من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) .
فهل بعد هذا يبقى قول لقائل:
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٣) .
هذا وأقوال شيوخهم المعاصرين في هذا المعنى كثيرة (٤) .
стр. 1019
وإذا كانت كتب الشيعة القديمة تقرر بأن الله قد تاب على الأنبياء بتوسلهم بالأئمة (١) ، فإن هذا المعنى المتناهي في الغلو والذي يتضمن تفضيل الأئمة على الأنبياء (٢) . والمتناهي في السذاجة والغفلة؛ إذ يفترض وجود هؤلاء الأئمة في حياة الأنبياء السابقين، والموغل في الدعوة إلى الشرك بالله سبحانه وعبادة غيره جل شأنه.. فإن هذا المعنى الذي يحمل هذه "البلايا" وغيرها يقرره بعض كبار شيوخهم ويوصي ابنه بالعمل بمقتضاه فيقول آيتهم وحجتهم عبد الله الممقاني: "وعليك بني بالتوسل بالنبي وآله صلى الله عليهم أجمعين، فإني قد استقصيت الأخبار فوجدت أنه ما تاب الله على نبي من أنبيائه من الزلة (٣) إلا بالتوسل بهم (٤) .
واذا كانت مصادرهم القديمة تجعل زيارة قبر الحسين أفضل من الحج إلى بيت الله سبحانه، فإن هذا المعنى الخطير يتكرر على ألسنة شيوخهم المعاصرين، ويدعون إلى هذا، لأن فيه - كما يخدعون أتباعهم - " الثواب الجزيل عند الله باعتبار
стр. 1020
أنها من أفضل الطاعات والقربات.." (١) .
ولهذا يوصي آيتهم عبد الله الممقاني ابنه بزيارة الحسين في كل يوم يقول: "وعليك بني بزيارته (يعني قبر الحسين) في كل يوم من البعد مرة، والمضي إليه في كل شهر مرة، وإن كنت في بلدة بعيدة ففي السنة مرة" (٢) .
لاحظ أن هذا الشيخ لم يوص ابنه بالصلاة.. بل أوصاه بالاتجاه إلى القبر حيث ترفع للشرك رايات، لأن ذلك عندهم من أفضل القربات.. وهذه شرعة المشركين.
وقد علق الابن (٣) . على هذه الوصية بقوله: "قد ورد أن من زاره - عارفاً بحقه - كتب الله له ثواب ألف حجة وألف عمرة".
إلي أن قال: "وكأنما زار الله (!!) . وحق على الله ألا يعذبه بالنار، ألا وإن الإجابة تحت قبته والشفاء في تربيه.." (٤) . ومن زار قبر الحسين ﵇ ليله النصف من شعبان وليلة الفطر، وليله عرفة في سنة واحدة كتب الله له ألف حجة مبرورة، وألف عمرة متقبلة، وقضيت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة (٥) . "ومن أتاه يوم عرفة عارفاً بحقه كتب الله له ألف حجة، وألف عمرة متقبلات، وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل" (٦) .
وهكذا تتفق كتب الشيعة قديمها وجديدها على هذا الاعتقاد الوثني وينسبون هذا لأئمة أهل البيت بل وللإسلام، ولا يعلم المسلمون كلهم بهذا الأمر،
стр. 1021
بل ينفرد بنقله الرافضة دون غيرهم.. ولا شك أنهم بشذوذهم هذا يعلنون كذبهم، ويفضحون مذهبهم.. ولقد كان لهذه "النصوص" أثرها الخطير في دنيا الشيعة، حيث أحيت عقيدة المشركين في مزارات الشيعة ومشاهدها فأصبحت المشاهد معمورة والمساجد مهجورة، وعلماؤهم يؤيدون هذا المنكر ويسعون لتثبيته واستمراره.
بل قد جاءت روايات لهم صريحة في التحذير من هذا المنكر الذي يفعلونه.
ولكن مراجعهم تتستر على مثل هذه النصوص ولا تود أن تظهر لأولئك الأتباع الأغرار، بل إنها تنكر وجودها عندهم إمعاناً في حجب هذا "النور" عن شيعتهم وأتباعهم.
يقول مجتهد الشيعة الأكبر - كما يصفونه - محسن الأمين في كتابه "الحصون المنيعة" وهو يدافع عن اتخاذ الشيعة للقبور مساجد.. يقول في رده للنصوص الواردة في أمهات كتب المسلمين في النهي عن اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها بأن ذلك مما انفرد أهل السنة بنقلة وهو معارض بما زعمه متواتراً من طرق أهل البيت (١) .
أقول: إن هذا النهي قد جاء أيضاً من طرق الشيعة بروايات كثيرة أخرجها الحر العالمي في وسائل الشيعة وغيره - كما مر (٢) . - فإما أن كان هذا المدعو بالأمين غير أمين وأراد التكتم على حقيقة موجودة في كتبهم، أو هو جاهل بما في مدوناتهم.. مع أنه آية من آياتهم المنسوبة زواراً إلى الله سبحانه.
وفي باب الأسماء والصفات: يقرر شيوخهم المعاصرين مذهب المتأخرين عند الشيعة وهو التعطيل، ويقتفون أثر المعتزلة في ذلك حذو القذة بالقذة
стр. 1022
فيقولون - مثلا - بخلق القرآن (١) ، وينكرون رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة (٢) ، وينكرون صفاته سبحانه (٣) . الثابتة له بالكتاب والسنة، ويصفون الله سبحانه بالسلوب بقول شيخهم المظفر في كتابه عقائد الإمامية تحت عنوان عقيدتنا في الله: ".. ليس هو بجسم ولا صورة، وليس جوهراً ولا عرضاً، وليس له ثقل أو خفة، ولا حركة أو سكون، ولا مكان ولا زمان، ولا يشار إليه" (٤) .
وأنت ترى أنهم في وصفهم له سبحانه بهذه الصفات السلبية المحضة قد نفوا الوجود الحق له تعالى، ولا جديد عندهم في ذلك، فهذه كلمات رددها الجهمية من قبلهم وهم على آثارهم يهرعون، ومن هنا يخطئ من يظن أن الجهمية المعطلة قد توارت عن الوجود واندثرت.
وهم يكفرون من يخالفهم في تعطيلهم. يقول المظفر: "ومن قال.. إنه ينزل إلى السماء الدنيا، أو إنه يظهر إلى أهل الجنة كالقمر، أو نحو ذلك فإنه بمنزلة الكافر به.. وكذلك يلحق بالكافر من قال: إنه يتراءى لخلقه يوم القيامة" (٥) .
ويزعمون أن العقل دلهم على هذا التعطيل (٦) .
وهل كان العقل مصدراً للتلقي في أمر غيبي، وهل يوافق العقل السوي على وصف الله سبحانه بهذه الصفات السلبية التي ليس عليها دليل، ويرد ما نزل به الوحي؟
ثم ما حصيلة الأفكار والفلسفات التي تحدثت عن هذه المسألة بمعزل عن
стр. 1023
الوحي الإلهي؟ إنها لم تخلف سووي ركام من التناقضات، وعبث كعبث الأطفال، وعادت على أصحابها بالحيرة والقلق.
وما نهاية من جعل العقل دليله وقائده من المتكلمين في التاريخ الإسلامي؟ أليست هي الحيرة والضياع. وقد وجد من جرب الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية أنها لا تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً، وأن أقرب الطرق طريقة القرآن، ولكنهم حين أعراضوا عنها كان سعيهم في ضلال (١) ، وأضاعوا الجهد والوقت، وأشغلوا الأمة، وصرفوها عن وظائفها الواجبة.
ومنهج أهل السنة في الأسماء والصفات منهج عظيم لالتزامه بالكتاب والسنة، وحفظه لوقت المسلم وجهده وطاقته وعقله من أن يبددها في البحث عما لم يكلف به، ولا سبيل للوصول إلى معرفة كيفيته.
بقي أن نضيف اتجاهاً آخر لمعاصريهم في عقيدتهم في التوحيد وهو اقتفاء أثر الصوفية الذين يذهبون إلى القول بأن التوحيد مراتب أدناها مرتبة عندهم هو مدلول كلمة الإسلام العظيمة: "لا إله إلا الله" فشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، ووصلوا عن طريق هذه المراتب إلى الكفر البواح، والقول بالاتحاد، وأن المخلوق عين الخالق؛ فخرجوا بذلك عن العقل والنقل، والدين، وفاقوا النصارى في شركهم الذين قالوا بحلول الإله في عيسى؛ لأن النصارى قالوا بحلول خاص وهؤلاء قالوا بالحلول العام.
ولكن شيوخ الشيعة الذين ينقلون لهذه الطائفة على مر العصور وكر الدهور حثالة المذاهب المبتدعة، وزبالة الأفكار البشرية الساقطة، وغثاء النفوس المعقدة.. أخذوا بهذا الاتجاه الصوفي المريب، ونقلوه إلى قومهم، بل عدوه هو عقيدتهم المعتمدة.
стр. 1024
يقول شيخهم وآيتهم إبراهيم الزنجاني (١) . في كتاب عقائد الإمامية الاثني عشرية (٢) . تحت عنوان "عقيدة الشيعة في التوحيد": "إن مراتب التوحيد أربع.. توحيد العوام وتوحيد الخواص، وتوحيد خاص الخاص، وتوحيد أخص الخواص، والأول مدلول كلمة لا إله إلا الله" (٣) .
ويذكر بأن شيعته تمتاز عن المسلمين جميعاً بعقيدة توحيد خاص الخاص، وتوحيد أخص الخواص (٤) .
ويقول بأن المقام لا يتسع لشرح وتفاصيل هذه المراتب، لكنه يقول بأنهم أخذوها عن أمير المؤمنين علي في قوله: "أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده.. نفي الصفات عنه.. فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده.." (٥) .
وهذا النص الذي ينسبه - زواراً وافتراءً - إلى أمير المؤمنين علي يتضمن تعطيل الله سبحانه من صفاته الثابتة بالكتاب والسنة. والاعتقاد بأن نفي الصفات هو كمال التوحيد، هو اعتقاد الجهمية الذين جعلوا من أصولهم "التوحيد" وضمنوه نفي الصفات، وكان مؤدى قولهم ونهاية أمرهم، تعطيل الذات؛ لأن نفي الصفات يؤدي إلى نفي الذات، لأن ذات مجردة عن الصفات، لا يتصور لها وجود في الخارج.
стр. 1025
ولأن مذهب الجهمية في تعطيل الصفات مؤد لمذهب الحلول والاتحاد (١) . صار - فيما يظهر - هو عمدته، في ما ذهب إليه من القول بالتوحيد الخاص وخاص الخاص.
وحسبك أن تعرف مبلغ ضلالهم في اعتبارهم التوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، وأمر الله به الأولين والآخرين هو في المرتبة الدنيا من مراتب توحيدهم، وهم عندهم مقام يليق بالعوام ويناسب حالهم، وهل عندهم بذلك من علم فيخرجوه لنا؟ (٢) .
وهذا كلام الله المنزل على رسوله ﷺ ، وهذا سنة الرسول ﷺ ، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول ﷺ . هل جاء هذا التقسيم عن أحد منهم؟ إن يتبعون في ذلك إلا أقوال شيوخهم وزنادقتهم، وما لهم بذلك من علم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس وما تمليه عليهم شياطين الإنس والجن.
وحسبك أيضاً أن تدرك أن مبلغ أمرهم في سلوك هذه المقامات والتي باعترافهم ليست من مدلول معنى لا إله إلا الله هو الوصول بالسالك إلى مقام الإلحاد وهو ما يسمى بالحلول أو الاتحاد (٣) .
стр. 1026
الإمامة:
الإمامة بإقرار المعاصرين كالنبوة (١) ، واستمرار للنبوة (٢) ، أو "تنصيب من الله كالنبوة" (٣) .
وهي من أركان الإسلام عندهم. قال كاشف الغطا: "إن الشيعة زادوا في أركان الإسلام ركناً آخر وهو الإمامة" (٤) .. إلخ.
ولا أجد عندهم تغييراً لشيء من غلوهم الذي جاء الحديث عنه فيما سبق، لكن ثمة دعوى جديدة في كتبهم التي تكتب للعالم الإسلامي حول ثلاث مسائل: الأولى تفكيرهم لمنكر الإمامة، والثانية حكمهم على حكومات المسلمين بأنها حكومات كافرة، والثالثة تكفيرهم للصحابة.
المسألة الأولى: موقف المعاصرين من تكفير أصولهم للمسلمين:
تجد في هذه المسألة موقفين للمعاصرين قد يظن من ليس على دراية بأصولهم أنهما مختلفان:
الموقف الأول: يقول بأن منكر الإمامة لا يخرج عن الإسلام، وينكر على من يقول بأن الشيعة يكفرون غيرهم.
والموقف الثاني: يجاهر بالتكفير بدون تقية ولا مواربة.
стр. 1027
أما بالنسبة للموقف الأول فيقول محسن الأمين - في الرد على موسى جار الله الذي قال: "إن كتب الشيعة صرحت أن كل الفرق كافرة وأهلها نواصب" (١) . - قال محسن الأمين: سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم، لا يعتقد أحد من الشيعة بذلك، بل هي متفقة على أن الإسلام هو ما عليه جميع فرق المسلمين من الإقرار بالشهادتين إلا من أنكر ضروريًا من ضروريات الدين كوجوب الصلاة وحرمة الخمر وغير ذلك، وعمدة الخلاف بين المسلمين هو في أمر الخلافة، وهي ليست من ضروريات الدين بالبديهة؛ لأن ضروري الدين ما يكون ضروريًا عند جميع المسلمين وهي ليست كذلك (٢) .
ويقول محمد حسين آل كاشف الغطا: "ومن لم يؤمن بالإمامة فهو مسلم، ومؤمن بالمعنى الأعم، تترتب عليه جميع أحكام الإسلام من حرمة دمه وماله وعرضه، ووجوب حفظه، وحرمة غيبته (٣) وغير ذلك، لا أنه بعدم الاعتقاد بالإمامة يخرج من كونه مسلماً - معاذ الله - نعم يظهر أثر التدين بالإمامة في منازل القرب، والكرامة يوم القيامة (٤) .
وبمثل هذا الرأي قال آخرون من شيعة هذا العصر (٥) .
أما فيما يتعلق بالموقف الثاني، فإنه لا يزال "طغام" من شيوخهم وآياتهم يهذون في هذا الضلال، ويصرحون بتكفير المسلمين مثل: شيخهم علي اليزدي
стр. 1028
الحائري (١) ، وشيخهم عبد الحسين المرشتي (٢) ، وشيخهم عبد الهادي الفضلي (٣) .
وقد يسلك بعض هؤلاء الشيوخ المسلكين جميعاً، أي يخرج تارة بوجه التكفير، وحيناً بالوجه الآخر حسب المناسبات والأحوال، وفي التقية متسع، وهو هؤلاء محمد رضا المظفر الذي يشير في كتابه "عقائد الإمامية" إلى أن المسلم عندهم هو من يشهد الشهادتين أياً كان مذهبه (٤) .
ولكنه في كتابه "السقيفة" يحكم بردة المسلمين بأجمعهم بعد وفاة الرسول ﷺ يقول: "مات النبي ﷺ ولابد أن يكون المسلمون كلهم - لا أدري الآن - قد انقبلوا على أعقابهم" (٥) .
فانظر كيف يحكم على الصحابة والقرابة والأمة جميعاً بالردة، ويشك في إيمان واحد منهم.. ولم يلغ غلو أحد من الشيعة السابقين ذلك إلا ما ينسب إلى طائفة "الكاملية" الذين يكفرون علياً لتخليه عن المطالبة بحقه، ويكفون الصحابة
стр. 1029
لعدم مبايعتهم لعلي، لكن هذه الطائفة لا وجود لها اليوم بهذا الاسم، وكان يظن أنه لا قائل بمذهبها في هذا الزمن. ثم ما لبث هذا الظن أن توارى، فها هي تعيش في أحضان الاثني عشرية في هذا العصر، ويجاهر بمذهبها بعض الشيوخ الكبار عندهم.
والمذهب الاثنا عشري مؤهل لإخراج كثير من فرق الغلو، بمدوناته التي جمعت من الشذوذ فأوعت.
وهذا الموقف من شيخهم المظفر له أمثاله عند شيوخهم المعاصرين (١) .
هذان موقفان في الظاهر مختلفان، وهما في الحقيقة متفقان، فالذين يحكمون بإسلام الأمة لا يختلفون عمن يحكم بكفرها، أما كيف ذلك فإليك البيان: إنهم يقولون: إننا نحكم بإسلام الناس في ظاهر الأمر فقط، أما في الباطن فهم كافرون وهم مخلدون في النار بإجماع الطائفة.
وقد صرح بهذه "الحقيقة" شيوخهم القدامى، والمعاصرون، وتجد إذا تأملت في كلام القائلين بأنهم لا يكفرون المسلمين إشارات إلى هذا المهذب يدركها من عرف عقيدتهم في هذا الأمر، وطريقتهم في التقية.
وممن صرح بذلك من شيوخهم السابقين زين الدين بن علي العاملي المقلب عندهم بالشهيد الثاني (المتوفى سنة ٩٦٦هـ) حيث يقول: "إن القائلين بإسلام أهل الخلاف (يعني أهل السنة وسائر المسلمين من غير طائفتهم) يريدون.. صحة
стр. 1030
جريان أكثر أحكام المسلمين عليهم في الظاهر، لا أنهم مسلمون في نفس الأمر، ولذا نقلوا الإجماع على دخولهم النار" (١) .
ويقول: "كأن الحكمة في ذلك (٢) . هو التخفيف عن المؤمن (٣) . لمسيس الحاجة إلى مخالطتهم في أكثر الأزمنة والأمكنة" (٤) .
ويقول شيخهم المجلسي: "ويظهر من بعض الأخبار بل كثير منها أنهم في الدنيا أيضاً في حكم الكفار، لكن لما علم الله أن أئمة الجور وأتباعهم يستولون على الشيعة وهم يبتلون بمعاشرتهم.. أجرى الله عليهم حكم الإسلام توسعة، فإذا ظهر القائم يجري عليهم حكم سائر الكفار في جميع الأمور، وفي الآخرة يدخلون النار ماكثين فيها أبداً مع الكفار، وبه يجمع بين الأخبار كما أشار إليه المفيد والشهيد الثاني" (٥) .
أما أقوال المعاصرين فيقول آيتهم العظمى شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي: "أصول دين الإسلام على قسمين:
قسم يترتب عليه جريان حكم المسلم وهو الشهادة بالوحدانية والشهادة بالرسالة.
وقسم: يتوقف عليه النجاة في الآخرة، والتخلص من عذاب الله، والفوز برضوانه، والدخول في الجنة، فيحرم دخولها على من لم يعترف به ويساق إلى النار في زمرة الكافرين ويسمى هذا القسم بأصول الإيمان".
ثم ذكر أن من هذا القسم "الاعتقاد بالإمامة، والاعتراف بالإمام"، وقال: "إن الدليل على ذلك هو ارتداد جماعة من الصحابة بعد ارتحال النبي ﷺ
стр. 1031
إلى الكفر، ومن المعلوم أنه لم يصدر بعد ارتحال النبي من الصحابة ما يصلح أن يكون موجباً للارتداد إلى الكفر، ولم يعدلوا عن الشهادة بالوحدانية والنبوة غير أنهم أنكروا الإمامة" (١) .
وبعد هذا البيان تتجلى سحابة التقية، ويتضح أن حكم بعض شيوخهم المعاصرين على مخالفيهم بالإسلام إنما يعنون به "الإسلام الظاهر" كما اصطلحوا عليه، وأنت إذا تأملت كلامهم أدركت مغزاهم؛ فانظر إلى قول آل كاشف الغطاء تجده أشار إلى هذا المذهب بقوله: "نعم يظهر أثر التدين بالإمامة في منازل القرب والكرامة يوم القيامة"، ومع ذلك فقد اعتد بكلامه بعض المنتسبين لأهل السنة" (٢) .
أما محسن الأمين فإنه رمز له المذهب الباطل في عدة جمل من كلامه كقوله: "الإسلام هو ما عليه جماعة الناس من الفرق كلها"، فلا شك بأن من الفرق ما هو خارج عن الإسلام بالاتفاق، ولكن يريد هنا مصطلح الإسلام عندهم.
وكقوله: "إلا من أنكر ضرورياً من ضروريات الدين كوجوب الصلاة وحرمة الخمر".
فالإمامة عندهم أعظم من وجوب الصلاة وحرمة الخمر - كما تقدم - بلا خلاف بينهم، فنبه بالأدنى على الأعلى تقية.
أما قوله: "وعمدة الخلاف بين المسلمين هو في أمر الخلافة وهي ليست من ضروريات الدين.." فهذا فيه "تقية" قد لا يتنبه لها من لم يتعامل مع "أساليبهم" ولهذا فات هذا على البعض (٣) .
فهو هنا يعني الخلافة عند المسلمين لا مسألة الإمامة عندهم، ولذا عبر بالخلافة.
стр. 1032
وعندهم أنهما متغايران تماماً، قال أحد شيوخهم المعاصرين: "الإمامة تعني رئاسة دين، والخلافة رئاسة دولة، كما فهم من النصوص الواردة" (١) . ولذلك قالوا: إن إمامة علي بدأت بعد وفاة الرسول ﷺ (٢) ، وأن الصحابة في خلافتهم "فصلوا الدين عن الدولة" (٣) .
المسألة الثانية: موقفهم من الحكومات الإسلامية
لما قال الشيخ موسى جار الله: "إن الشيعة تعتبر الحكومات الإسلامية وقضاتها طواغيت" (٤) .
أجابه أحد آيات الشيعة بقوله: "الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون الغاشمون المستحلون من آل محمد ما حرم الله ورسوله.. أما غيرهم من حكومات الإسلام فإن من مذهب الشيعة وجوب مؤازرتهم في أمر يتوقف عليه عز الإسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولا يجوز عندهم شق عصا المسلمين وتفريق جماعتهم بمخالفته، بل يجب أن تعامل سلطانها القائم بأمورها والحامي لثغورها معاملة الخلفاء بالحق" (٥) .
وبمثل هذا "الأسلوب" قال آخرون من شيوخهم (٦) .
فهل هذا القول يعتبر خروجاً من شيعة هذا العصر عن أصل مذهبهم الذي مضى الحديث عنه في هذه المسألة؟ أو أن في الأمر تقية ومداراة، لأن الخطاب
стр. 1033
مع سنيّ وموجه لأهل السنة وما يكون كذلك تجري فيه التقية؟
وللجواب على ذلك أقول: لا يزال جمع من شيوخهم المعاصرين يصرح بأن مذهبهم لا يعترف إلا بحكومة الاثني عشر، ولا يذكرون في ذلك خلافاً بينهم.
يقول شيخهم محمد جواد مغنية: إن شروط الإمامة "لم تتوافر في واحد ممن تولى الخلافة غير الإمام علي وولده الحسن بخاصة من جاء بعدهما - كذا - فمن الطبيعي إذن - كما يقول - أن لا يعترفوا بإمامة أي حاكم غير علي وأبنائه، وأن ينظروا إليه نظرهم إلى من غضب أهل البيت حقهم الإلهي ودفعهم عن مقامهم ومراتبهم التي رتبهم الله فيها، وكان الحاكم يرى في الشيعة العدو الللدود والحزب المعارض لحكمه.
ثم قال: "فمبدأ التشيع لا ينفصل بحال عن معارضة الحاكم إذا لم تتوفر فيه الشروط وهي: النص: والحكمة، والأفضلية.. ومن هنا كانوا يمثلون الحزب المعارض ديناً وإيماناً" (١) .
فأنت ترى أنه ينسب إلى عموم الشيعة رفض أي حكومة غير حكومة الأئمة المنصوص عليهم بزعمهم، ولذلك يحكمون بهذا الحكم حتى على الخلافة الراشدة وخلافة النبوة. يقول شيخهم الصادقي (٢) : "الخلفاء الثلاثة شركاء في التآمر على الإسلام" (٣) . ويقول شيخهم الآخر: "تلاعبت الأيادي الأثيمة بالإسلام والمسلمين من الحكام والحاكمين منذ وفاة النبي الكريم محمد ﵌" (٤) .
стр. 1034
كما أنهم يرون أن حكم الأمة الإسلامية بيد الغائب المنتظر، وكل من تولى الحكم سواه فهو غاصب، ويستثنى بعضهم ولاية الفقيه الشيعي، لأن له حق النيابة، يقول شيخهم عبد الهادي الفضلي: "إن دولة المنتظر هي دولة الإسلام" (١) . ولا يوجد دولة للإسلام غيرها، لذلك يقول: "إن علينا أن نعيش في فترة الغيبة مترقبين لليوم الموعود الذي يبدؤه الإمام المنتظر ﵇ بالقضاء على الكفر" (٢) .
ولكن لا يعني انتظارهم لعودة مهديهم موادعة الحكومات الإسلامية.
فهو يقول: "إن الذي يفاد من الروايات في هذا المجال هو أن المراد من الانتظار هو: وجوب التمهيد والتوطئة بظهور الإمام المنتظر" (٣) . ثم يشرح معنى التوطئة بقوله: "إن التوطئة لظهور الإمام المنتظر تكون بالعمل السياسي عن طريق إثارة الوعي السياسي، والقيام بالثورة المسلحة" (٤) .
فأنت ترى من خلال هذه "الأقوال" رفضهم لأي حكومة إسلامية إلا حكومة شيعية، والأمر بتهيئة الناس لقبول ثوراتهم عن طريق نشر معتقداتهم بمختلف الوسائل وهو ما يسميه الفضلي "بالوعي السياسي".
وغير خفي أن هذا المنهج الذي صار إليه شيوخ الاثني عشرية غير متفق مع خط الاثني عشرية التي كانت عليه أولاً، ولذلك جاء في الغيبة للنعماني: "عن أبي الجاورد، عن أبي جعفر ﵇، قال: قلت له ﵇: أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله، وأن تلزم بيتك، وإياك والخوارج منا، فإنهم ليسوى على شيء ولا إلى شيء.." (٥) .
стр. 1035
قال المجلسي: "والخوارج منا أي مثل زيد وبني الحسن" (١) . فروايتهم تمنع الخروج ولو كان عن طريق أهل البيت، فكيف ممن عداهم من شيوخ الشيعة؟ وأمرهم أبو عبد الله - حسب رواياتهم - بعد غيبة مهديهم بالكف عن إثارة الفتن فقالوا: "كونوا أحلاس بيوتكم فإن الفتنة على من أثارها" (٢) .
وقال الباقر: "اسكنوا ما سكنت السموات والأرض، أي ولا تخرجوا على أحد" (٣) .
وعقد شيخهم النعماني باباً في هذا الشأن بعنوان "باب ما روي فيما أمر به الشيعة من الصبر والكف والانتظار في حال الغيبة وترك الاستعجال بأمر الله وتدبيره" (٤) .
ثم ساق مجموعة من رواياتهم في ذلك، وعقب عليها بقوله: "انظروا رحمكم الله إلى هذا التأديب من الأئمة ﵈ إلى أمرهم ورسمهم في الصبر والكف، والانتظار للفرج، وذكرهم هلاك المستعجلين.." (٥) .
هذا ما يقرر شيوخ الاثني عشرية في القرن الثالث.. فإما أن المعاصرين لا يعرفون مذهبهم، وإما أنهم لا يهتمون بأمر "الانتظار" لعلمهم أن ذلك المنتظر لن يخرج، لأنه لم يوجد، ولذلك دعوا إلى الثورة وتأسيس الدولة.
هذا ما يقوله ويجاهر به الشيوخ المعاصرين، فزادوا على حكمهم بكفر الحكومات الإسلامية، إلى الدعوة إلى الخروج عليها، قبل خروج منتظرهم.
بل إن شيخهم الخميني يقرر بأنه لا يجوز البدء في الجهاد حتى يخرج المنتظر (٦) .
стр. 1036
ولكنه يخالف ذلك بتصدير ثورته بالقوة - كما سيأتي (١) .- لأن مذهبهم يتغير حسب الأحوال والظروف فهو تابع لأهواء الشيوخ، والتأويلات عندهم باب واسع.. بل لا حدود لها ولا قيود..
ومن منطلق هذا الاعتقاد يرون أن حكم الكفار للديار الإسلامية أولى من حكم المسلمين، وقد نقل الشيخ رشيد رضا أن الرافضي (أبو بكر العطاس) قال: "إنه يفضل أن يكون الإنكليز حكاماً في الأراضي المقدسة على ابن سعود" (٢) .
وقد كشف لنا آيتهم حسين الخراساني أن كل شيعي يتمنى فتح مكة والمدنية، وإزالة الحكم الوهابي - كما يسميه - عنها. وقال: "إن طوائف الشيعة يترقبون من حين وآخر أن يوماً قريباً آت يفتح الله لهم تلك الأراضي المقدسة لمرة أخرى - كذا - ليدخلوها آمنين مطمئنين فيطوفوا ببيت ربهم، ويؤدوا مناسكهم، ويزوروا قبور سادتهم ومشايخهم.. ولا يكون هناك سلطان جائر يتجاوز عليهم بهتك أعراضهم، وذهاب حرمة إسلامهم، وسفك دمائهم المحقونة، ونهب أموالهم المحترمة ظلماً وعدوناً، حقق الله تعالى آمالنا" (٣) .
هكذا يتمنى هذا الرافضي فتح الديار المقدسة، وكأنها بيد كفار، ويعلل هذا التمني بأنه يريد الحج والزيارة، وكأنه وطائفته قد منعوا من ذلك، والواقع أنه يريد إقامة الشرك وهدم التوحيد في الحرمين الطاهرين.
فإذا كان هذا ايجاهر به شيوخهم، وذاك ما استقرت عليه أصولهم فما حقيقة قول عبد الحسين وأضرابه؟
الواقع أن قوله لا يختلف عن قول من استشهدنا بكلامه من شيوخهم، إلا أنه صاغ كلامه بأسلوب التورية، وبطريقة تخدع من لا يعرف أساليبهم في التقية؛
стр. 1037
فهو يقول: "إن الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون لآل محمد". وهو في هذا لم يخرج عن مذهبه، فهم يعدون كل من تولى الحكم من المسلمين غير أمير المؤمنين على والحسن هو ظالم لآل محمد، لأن منصب الإمامة مختص بهم، وحق من حقوقهم لا يشركون فيه أحد. ومن يتولاه من غيرهم فهم ظالم لهم، ولذلك قال ابن بابويه: "فمن ادعى الإمامة وهو غير إمام فهو الظالم الملعون" (١) . ولهذا يعدون أبا بكر ﵁ أول ظالم لهم.
وفي قوله: "وإن الشيعة ترى وجوب مؤازرتهم - أي الحكام - في أمر يتوقف عليه عز الإسلام". فهو في هذا أيضاً لم يخرج عن طريقة الروافض، ومراده بـ"عز الإسلام" انتصار مذهب طائفته، أي أن الدخول في حكومات المسلمين للإطاحة بها، أو التمكين للشيعة من القيام بمذهبهم، أو استغلال مواردها لتمويل نشاطهم واجب.. ولهذا ترى شيخهم الخميني يؤيد ما صنعه النصير الطوسي من دخوله في العمل وزيراً لهولاكو بقصد هدم دول الخلافة الإسلامية، وإظهار مذهب الشيعة فيقول:
"إن من باب التقية الجائزة دخول الشيعي في ركب السلاطين، إذا كان في دخوله الشكلي نصر للإسلام والمسلمين مثل دخول نصير الدين الطوسي" (٢) .
فمذهب القوم - كما ترى - لم يزدد إلا غلواً وتطرفاً.
المسألة الثالثة: موقف المعاصرين من الصحابة رضوان الله عليهم
هل تغير شيء في مذهب هذه الطائفة في أمر الصحابة عما عرضناه من قبل في ضوء أصولهم - ولاسيما - بعد قيام دعوات التقارب والوحدة.. وتكالب العدو الكافر على الأمة من كل حدب وصوب.. ومضي القرون المتطاولة ولم
стр. 1038
تعرف الأمة أشرف ولا أعظم ولا أفضل من ذلك الجيل القرآني الفريد جيل الصحابة رضوان الله عليهم؟
فهل تفتحت عقول الشيعة وقلوبهم على الحقيقة، وعرفت خطورة تلك الأسطورة التي تتناقلها كتبهم القديمة من حكاية ردة الصحابة، ومن افتعال ذلك الصراع المكذوب بين الآل والأصحاب؟! أما آن لها أن تؤمن بالتنزيل الإلهي، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة، وما علم من الدين والتاريخ بالضرورة وتوازن بالعقل بين الأخذ بذلك، أو الاغترار بنقل حثالة من الكذابين استفاض ذمهم وتكذيبهم.. فهل يقبل عقل سليم تصديق شرذمة من الكذابين، وتكذيب الصحابة أجمعين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؟!
إن تلك الصفحات السوداء التي تتضمن الطعن واللعن والتكفير لأولئك الصحب العظام وهم الذين تلقوا هذا الدين، ونقلوه لنا، هي في الحقيقة طعن في دين الإسلام ورسول الإسلام.. وإن على الصادقين المخلصين من الشيعة وهم يريدون التقارب مع المسلمين أن يعلنوا براءتهم من تلك الأقوال الشاذة الملحدة التي تتناول خيار صحابة رسول الله باللعن والتكفير ويبينوا لأقوامهم أولاً وللمسلمين عامة أن تلك الروايات والأقوال هي آراء لبعض الطوائف المنحرفة الضالة القديمة يبوؤن بإثمها وإثم من اتبعهم فيها إلى يوم القيامة حتى يزيلوا تلك النفرة التي سكنت في قلوب أهل السنة منذ أقدم العصور إلى الآن.
وإن أجدى طريق لإزالتها هو بيان أنهم لا يعتقدون صحة تلك الآراء التي يستوحش منها المؤمنون في كل بقاع الأرض، فأي مؤمن صادق الإيمان يعلم أن فرقة من الفرق تدين بلعن صدّيق هذه الأمة الذي لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح بهم، أو فاروقها الذي لم يَفْرِ في الإسلام فريه أحد، ثم بعد ذلك يقبل على دراسة مذهبها، إلا إذا أوتي قدرة فكرية خاصة.
وأي مؤمن يثق بآراء هذه الطائفة إذا كان يعلم أنها تدين بهذا اللعن! إن إزالة هذه الأدران والبلايا هي من أركان التقارب وأسسه،
стр. 1039
وإن عليهم أن يعلنوا هذه الإزالة والتغيير (١) ، إذا كانوا صادقين في رغبتهم في التآلف مع المسلمين، وليس الأمر مؤامرة لنشر معتقداهم في ديار السنة.
فماذا يقول شيعة العصر الحاضر في هذه المسألة؟ لقد خرج من شيعة العصر الحاضر رجل يدعى "أحمد الكسروي" قال عنه الأستاذ محمود الملاح بأنه: "لم يظهر في عالم الشيعة (٢) . أحد في عياره منذ ظهور اسم شيعي على وجه الأرض" (٣) . وقد عمل أستاذاً في جامعة طهران، كما تولى عدة مناصب قضائية (٤) .
وقد اكتشف الكسروي بطلان مذهب الشيعة حول الصحابة، وتخلص من تلك الأساطير التي وضعتها تلك الزمرة الحاقدة حول الصحابة وارتدادهم لمخالفتهم النص على إمامة علي - كما يزعمون - وبين ضلال طائفته في هذا المذهب فقال: "وأما ما قالوا عن ارتداد المسلمين بعد موت النبي ﷺ إلا ثلاثة أو أربعة منهم فاجتراء منهم على الكذب والبهتان، فلقائل أن يقول: كيف ارتدوا وهو كانوا أصحاب النبي، آمنوا به حين كذبه الآخرون ودافعون عنه، واحتملوا الأذى في سبيله ثم ناصروه في حروبه ولم يرغبوا عنه بأنفسهم. ثم أي نفع لهم في خلافة أبي بكر ليرتدوا عن دينهم لأجله فأي الأمرين أسهل احتمالاً: أكذب رجل أو رجلين من ذوي الأغراض الفاسدة، أو ارتداد بضع مئات من خلص المسلمين؟ فأجيبونا إن كان لكم جواب" (٥) .
وقد كان لهذا الاتجاه عند الكسروي أثره في التفاف بعض المثقفين حوله
стр. 1040
وإقبال الشباب عليه فأحاط به الآلاف منهم، وقاموا بنصرته وبث آرائه ونشر كتبه.
إلا أن خصومه من الروافض عاجلوه بالقتل قبل انتشار دعوته وظهورها (١) .
وقد ظهرت كتابات لبعض المعاصرين من الشيعة ممن يتظاهر بالدعوة للتقارب وهي موضوعة للدفاع عن معتقد التشيع والدعاية للشيعة، وموجهة لبلاد السنة.
وقد تضمنت القول بأن الشيعة لا تسب فضلاً عن أن تكفر الخلفاء الثلاثة وأنها تقدر أصحاب رسول الله ﷺ .
فالخنيزي في كتابه الدعوة الإسلامية إلى وحدة أهل السنة والإمامية يقول: "بأن الإمامية - في هذا العصر - لا تمس كرامة الخلفاء البتة فهذه كتاباتهم، وهذه كتبهم تنفي علناً السب عن الخلفاء وتثني عليهم" (٢) .
وقال الخنيزي: وممن صرح بنفي السب محمد باقر أحد مشاهير المجتهدين في كربلاء في منظموته المطبوعة في بمبي قال:
فلا نَسُبّ عمراً كلا ولا ... عثمان والذي تولى أولاً
ومن تولى سبهم ففاسق ... حكم به قضى الإمام الصادق
ثم قال:
стр. 1041
وعندنا فلا يحل السبُّ ... ونحن أيم الله لا نسب (١) .
ولذلك فإن الخنيزي يقلب عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ويترضى عنه (٢) . ويطلق على عائشة وحفصة أمهات المؤمنين.. وكذا يلقب أبا بكر بأمير المؤمنين (٣) .
ويقول: "إن جعفر الصادق يقول مفتخراً: ولدني أبو بكر مرتين، لأن أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فهي بكرية أماً وأباً". ويقول: إن من قضاء جعفر الصادق "فسق من سب الخلفاء الثلاثة" (٤) .
ويرى الشيعي أحمد مغنية أن الشيعة تثني على عمر بن الخطاب وتترضى عنه، وأن القول بأن الشيعة تنال من عمر هو من أحط أنواع الدس، ثم يكشف السبب في وجود مثل هذه الإشاعة عنهم فيقول: "إن المفرقين وجدوا في اتفاق الاسمين: عمر بن الخطاب الخليفة العظيم، عمر بن سعد قاتل الحسين ميداناً واسعاً يتسابق فيه في تشويه الحقيقة والدس على الشيعة بأحط أنواع الدس.. وكان طبيعياً أن يكون لعنة اللعنات عمر بن سعد، لأنه بطل الجريمة وقائد المجرمين الجبناء، ومَنْ من المسلمين لا يلعن عمر بن سعد قاتل ابن بنت رسول الله ﷺ ؟!
إن أولئك الآثمين المفرقين استغلوا كلمة (عمر) وقالوا: إن الشيعة تنال من خليفة النبي عمر بن الخطاب ﵁ وإني في الوقت الذي أثور فيه على الدساسين التجار أصحاب الغابات والمصالح الرخيصة لا أنكر وجود أفراد بالأمس من سواد الشيعة وبسطائها لا يفرقون بين هذين الاسمين، بل لا يعرفون أن في دنيا التاريخ الإسلامي عمرين تقياً وشقياً" (٥) .
стр. 1042
فهو يرى أن وجود هذا التشابه في الأسماء، واستغلال المفرقين من الأعداء لذلك، ووجود بعض عوام الشيعة في الماضي الذين لا يفرقون بين العمرين.. كل ذلك ساعد على نسبة سب عمر إلى الشيعة.. أما كتب الشيعة، وشيوخها فهي بريئة من هذه التهمة.. لأنها ترى فيه الخليفة النقي العظيم خليفة رسول الله.
وهذا أحد روافض العراق قد لجأ إلى مصر لنشر التشيع وأنشأ جمعية لهذا الغرض سمها "جمعية أهل البيت" وسمى نفسه ب"إمام التشيع في جمهورية مصر العربية" (١) . على الرغم بأنه لا يوجد في مصر شيعة بعد جهود العظيم صلاح الدين الأيوبي.. وقد أصدر في مصر كتاباً بعنوان "تقدير الإمامية للصحابة" وفي هذه الكتيب نفى أن تكون الشيعة ترمي الشيخين ومن بايعيهما بلعن أو تفكير" (٢) .
وقال: بأن الشيعة لو كفرتهما لكفرت علياً، لأنه بابيعهما، ولكفّرت سلمان وعماراً لأنهما بايعوهما؛ بل إن سلمان تولى على المدائن لعمر فكيف يتصور منه أن يلي لعمر لو كان يرى كفره (٣) .؟! ثم قال: بأن الشيعة تؤمن بالقرآن وقد جاء فيه الثناء على الأصحاب واستدل بالآية المائة من سورة التوبة، والآية التاسعة والعشرين من سورة الفتح، ثم أردف ذلك ببعض ما جاء في نهج البلاغة والصحيفة السجادية من الثناء عليهم (٤) .
ونقل بعد هذا أقوال بعض شيوخهم المعاصرين في مدح الصحابة، واستدل بقول باقر الصدر: "إن الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة كانوا أفضل وأصلح بذرة لنشوء أمة رسالية، حتى إن تاريخ الإنسان لم يشهد جيلاً عقائدياً أروع وأنبل وأطهر من الجيل الذي أنشأ الرسول القائد" (٥) .
стр. 1043
ثم ختم حديثه عن هذه المسألة بقوله: "إن من ينسب إليهم ذلك (أي الصحابة) فهو إما أن يكون خصماً سيء النية، وإما لم يطلع على مذهب الشيعة إلا من خلال كتب خصومها، ولم يتمكن من الاطلاع على كتب أصحاب المذهب نفسه" (١) .
وفي تفسير الكاشف لرئيس المحكمة الجعفرية في بيروت محمد جواد مغنية يقول: إن الشيعة لا ينالون من الصحابة، ويستدل بقوة زين العابدين علي بن الحسين في الصحيفة السجادية من دعاء له في الصلاة على أتباع الرسل وهو: "اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلو البلاء الحسن في نصره.. وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته.." (٢) .
ثم قال جواد: هذه المناجاة جاءت في الصحيفة السجادية التي تعظمها الشيعة وتقدس كل حرف منها (٣) . وهي رد مفحم لمن قال: إن الشيعة ينالون من مقام الصحابة (٤) .
وبمثل هذه الأقوال قال آخرون من شيعة العصر الحاضر (٥) .
стр. 1044
النقد:
هل تغير موقف الشيعة المعاصرين نحو الصحابة؟
هل حقيقة ما يقول هؤلاء أو تقية ومصانعة؟
إننا نقول للخنيزي وأحمد مغنية، والرفاعي، ومحمد جواد مغنية وغيرهم ممن يقول إننا نقدر الصحابة، ولا ننقصهم ونترضى عنهم: تلك كلمات طيبة تنزل على قلوبنا برداً وسلاماً، ومرحباً بهذه الروح الكريمة الجامعة الموحدة بين المسلمين.
وإننا لنفتح صدورنا لكل كلمة توفق ولا تفرق.. ونستبشر بكل محاولة صادقة لرفع تلك الأدران والصفحات السوداء التي تمس صحابة رسول الله ﷺ .
ولكن ألا يعلم الخنيزي وغيره أن المكتبة الشيعية المعاصرة قد أخرجت كتباً مليئة بالسب والطعن والتكفير لخيار صحابة رسول الله ﷺ ، فلم القول بأن شيعة العصر الحاضر لا يسبون، وأن سب الشيخين عندهم فسق؟
فهذا أحد آيات الشيعة ويدعى "حسين الخراساني" يقول في كتابه "الإسلام على ضوء التشيع" والذي أهداه إلى مكتبة دار التقريب بالقاهرة، وجاء على غلافه بأنه قد نشر باللغات الثلاثة العربية والفارسية والإنجليزية، وحاز على رضى وزارة المعارف الإيرانية، يقول في هذا الكتاب: تجويز الشيعة لعن الشيخين أبي بكر وعمر وأتباعهما، فإنما فعلوا ذلك أسوة لرسول الله ﷺ واقتفاء الأثره" (١) ،
стр. 1045
"فإنهم ولا شك - كما يفتري - قد أصبحوا مطرودين من حضرة النبوي - كذا- وملعونين من الله تعالى بواسطة سفيره ﷺ " (١) .
فانظر كيف يعلن أحد آياتهم لا واحد من عوامهم، أن اتجاه الشيعة هو اللعن والتكفير لعظيمي هذه الأمة وأفضل الخلق بعد النبيين، ومن أمر الرسول ﷺ أمته بالاقتداء بهما، وأنهم يرون لعنهما شريعة وديناً، فكيف ينكر أولئك وجود السب، مع اللعن والتكفير الصريح والذي يجاهر به، ويطبع باللغات المختلفة؟
وقد وقع بيدي كتاب من كتب الأدعية عندهم باللغة الأردية موثق من ستة من شيوخ الشيعة، وصف كل منهم بأنه "آية عظمى" منهم الخوئي والخميني وشريعتمداري.. وفي هذا الكتاب الموثق من هؤلاء الآيات دعاء بالعربية بحدود صفحتين يتضمن لعن أبي بكر وعمر ﵄ وابنتيهما أمهات المؤمنين وحفصة ﵄، ومما جاء في هذا الدعاء:
"اللهم العن صنمي قريش وجبتيها، وطاغوتيها، وإفكيها، وابنتيهما الذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفاً كتابك، وأحبا أعدائك، وجحدا آلائك - كذا - وعطلا أحكامك، وألحدا في آياتك.." (٢) .
هكذا يوجه هؤلاء الآيات كل شيعي على وجه الأرض، لأن يدعو بهذا الدعاء ويتعبد الله بهذا اللعن ليزرعوا الحقد والكراهية في نفوس أتباعهم ضد خير القرون ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. وليضعوا العقبات والعراقيل في وجه كل تآلف وتقارب.. وحتى يضمنوا أن باطلهم لا ينكشف، يخدعون ويخادعون
стр. 1046
بقولهم: إننا لا نسب.. وهيا إلى التقارب والتعاون.
إذن الشيعة لم تترك السب واللعن، ولا يزال طائفة من شيوخهم يهذون بهذا الضلال، وعوامهم على أثرهم يهرعون يشتمون ويكفرون.
وقد كشف لنا الشيخ موسى جار الله حينما زار ديار الشيعة في إيران والعراق وحضر مجالسها، ومحافلها وحلقات درسها في البيوت والمساجد والمدارس فاطلع على ما يدور في واقع الشيعة من تكفير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه حتى قال:
"كان أول شيء سمعته وأنكرته هو لعن الصديق والفاروق، وأمهات المؤمنين: السيدة عائشة والسيدة حفصة، ولعن العصر الأول كافة، وكنت أسمع هذا في كل خطبة وفي كل حفلة ومجلس في البداية والنهاية، وأقراه في ديابيج الكتب والرسائل وفي أدعية الزيارات كلها، حتى في الأسقية ما كان يسقي ساق إلا ويعلن، وما كان يشرب شارب إلا ويعلن. وأول كل حركة وكل عمل هو الصلاة على محمد وآل محمد، واللعن على الصديق والفاروق عثمان الذين غصبوا حق علي - بزعمهم - وظلموه، حتى أصبح السب واللعن عندهم أعرف معروف يلتذ به الخطيب، ويفرح عنده السامع، وترتاح إليه الجماعة" (١) .
وهذا الواقع المظلم الذي تجري ألسنة أهله باللعن والتكفير والسب ليس بغريب على من يرتضع منذ طفولته كره أصحابه رسول الله ﷺ ويلقن من صغره أن ما يقع له من مصائب هو بسببهم، وتجرى أمامه في كل عام "التمثيليات" التي تصور ما جرى على أهل البيت من ظلم - كما يزعمون - من قبل الصحابة أو بسببهم، وقد أشار صاحب الوشيعة إلى ما شاهده من أعمالهم في ذلك. وقال بأن كل هذه التمثيليات والألعاب فيها إغراء وعداوة وبغضاء (٢) ، بل هي مدرسة لزرع الحقد والكراهية ضد خير القرون وأتباعهم.
стр. 1047
وهذا ليس من أفعال عوامهم، بل شيوخهم وآياتهم يغرونهم بذلك ويدفعونهم إليه بمختلف الوسائل، فقد قدم إلى آيتهم ومرجعهم محمد آل كاشف الغطاء السؤال التالي:
"ما يقول مولانا حجة الإسلام.. في المواكب المشجية التي اعتاد الجعفريون اتخاذها في العشر من المحرم تمثيلاً لفاجعة ألطف وإعلاماً لما انتهك فيها من حرمة الرسول ﷺ في عترته المجاهدين بالتمثيل للشهداء وجهادهم، وماجرى عليهم، وما جرى على الأطفال من القتل والقسوة، وبإعلانهم الحزن لذلك بأنواعه من ندب، ونداء وعويل، وبكاء، وضرب بالأكف على الصدور، وبالسلاسل على الظهور، فهل هذه الأعمال مباحة في الشرع أم لا أفتونا مأجورين"؟
فأجاب آيتهم على ذلك بقوله:
"بسم الله الرحمن الرحيم، قال : ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ، لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (١) ، ولا ريب أن تلك المواكب المحزنة، وتمثيل هاتيك الفاجعة المشجية من أعظم شعائر الفرقة الجعفرية.." (٢) .
فهو يعد هذه "البدعة الخطيرة في دينهم" والتي هي من أعظم الباطل، من شعائر الله، فإذا كان هذا رأي مرجعهم فما بالك بمن دونه مع أنه يجري فيها تعذيب للنفس وقتلها وتكفير للمسلمين من الصحابة والتابعين، والنياحة ولطم الخدود، والشرك بدعاء المخلوق.. إلخ مما يعلم بطلانه من الإسلام بالضرورة، ومع ذلك يتفاخر شيخهم محسن الأمين أنه أقام مجلساً للعزاء في دمشق - كما يزعم - حضره عدد كبير، "وختم باللطم المهيج المؤثر" (٣) .
стр. 1048
وهذه الأعمال التي تجري منهم في المحرم من كل عام لا موضوع لها إلا سب الصحابة، وإعلان الشرك بالله؛ حيث تسمع أصواتهم تردد "يا حسين يا حسين" وتصب اللعنات على العصر الأول، ولاسيما الخلفاء الثلاثة رضوان الله عليهم، فتزرع في نفوسهم أحقاداً لا حدود لها، ولذلك ترى المعاصرين منهم يكتبون عن الصراع المزعوم بين الآل والأصحاب وكأنه واقع الساعة، كأنه خطر محيط بالأمة يهدد وجودها.
هذا ولا تزال مظاهر الطعن والتكفير للصحابة موجودة ومستمرة عبر روافد أخرى، وشيوخهم يمدونهم بهذا الغي ويدفعونهم إليه، ولا يقصرون، فمن هذه المظاهر الموجودة، والروافد الجارية التي لا تنبت إلا أشجار الحنظل، ولا تزرع إلا الفرقة والحقد والبغضاء والتي لم تتوقف حتى هذه الساعة ما يلي:
أولاً: لا تزال تقوم حركة نشطة لبعث التراث الرافضي القديم ونشره بين الناس وترويجه بينهم، وهذا التراث مليء باللعن والتكفير والتخليد بالنار للمهاجرين والأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وفي مقدمته الخلفاء الثلاثة وبقية العشرة المبشرين بالجنة ما عدا أمير المؤمنين علياً (١) .
فكيف يقال أن شيعة هذا العصر لا يسبون وهم قد ألبسوا تلك الصفحات السوداء المظلمة ثياباً جديدة ونشروها بين أتباعهم بلا نقد ولا اعتراض؟
ثانياً: ولا يزال أيضاً هناك مجموعة كبيرة من شيوخهم المعاصرين قد تفرغوا لهذا "الباطل" فلا همّ لهم فيما يكتبون وينشرون إلا سب رجال الصدر الأول وتجريحهم وكأنه لا همّ للشيعة في هذا العصر إلا هذا.
وقد تخصصت كتب عندهم لهذا تفوق ماجاء في كتبهم القديمة في البذاءة وسوء المقال، مثل كتاب الغدير - لشيخهم المعاصر عبد الحسين الأميني النجفي- المليء بالدس والكذب
стр. 1049
والطعن فيمن رضي الله عنهم ورضوا عنه.. وعليه تفريظات عدد من آياتهم.
وكانت حملته ضد صحابة رسول الله ولا سيما الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ محل رضى أعداء الأمة، كما تجد ذلك - مثلاً - في كلمات بولس سلامة الشاعر النصراني الذي استكتبه هذا الرافضي في مقدمة الجزء السابع من الكتاب، فكتب كلمات يظهر فيها رضاه وغبطته بما قام به هذا "الأفاك" ضد الأمة ودينها، وإشادته بحملته المسعورة ضد فاروق هذه الأمة وعظيمها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه والتي كانت فتوحاته وجهاده ونشره للإسلام شجى وغصة في حلوق الأعداء إلى اليوم (١) .
ومثل كتاب (أبو هريرة) لشيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي الذي اتهم فيه أبا هريرة ﵁ رواية الإسلام بالكذب والنفاق في حين تجده يدافع عن الكذابين الوضاعين أمثال جابر الجعفي (٢) . وغيره (٣) . ومثل كتاب السقيفة لشيخهم محمد رضا المظفر الذي صور فيه الصحابة عصابة لا هدف لها إلا التآمر على الإسلام حتى قال: ممات النبي ﷺ ، ولابد أن يكون المسلمون كلهم (لا أدري الآن) قد انقلبوا على أعقابهم (٤) .
стр. 1050
وغيرها كثير (١) .
ثالثاً: تلك الأدعية التي يرددها الشيعة كل يوم وهي لا تكاد تخلو من لعن خيار هذه الأمة وروادها وأحباء رسول الله ﷺ وأصهاره وبعض زوجاته أمهات المؤمنين.. ولا تختلف كتب الأدعية المؤلفة حديثاً عما تراه في كتبهم القديمة، كما نجد في كتاب "مفاتيح الجنان" لشيخهم المعاصر عباس القمي، و"ضياء الصالحين" لشيخهم محمد الجوهري وغيرهما.
وبعد هذا كله فهل يبقى لإنكار هؤلاء المنكرين تفسير إلا التقية والكذب؟ فالخنيزي الذي يقول إن الشيعة لا تسب، هل يتجاهل ما سطره شيوخهم القدامى والمعاصرون في ذلك؟! بل إن الخنيزي نفسه ارتكب جريمة السب فهو يطعن في الصديق ﵁ (٢) ، ويزعم بأن ما ورد عندهم في الكافي من سب للصحابة وتكفيرهم يوجد مثله في صحيح البخاري (٣) . وهي دعوى لا حقيقة
стр. 1051
لها.. إلا البحث عن مسوغ لمذهبهم في الصحابة، ولو كان في صحيح البخاري مثل مما يوجد في الكافي لكان في السنة من هو كالشيعة يطعن ويكفر، ولكن الرجل يريد إثبات معتقده الباطل بأي وسيلة.
أما الأستاذ أحمد مغنية الذي يرى أن الشيعة إنما تلعن عمر بن سعد لا عمر بن الخطاب وإنما وقع الوهم في التشابه في الأسماء فهل خفي عليه أن عمر بن الخطاب قد تعرض للعن والتكفير في كتب الشيعة المعتمدة وعلى رأسها الكافي والبحار، وتفسير القمي والعياشي وغيرهما؟ كما سلف نقل ذلك (١) . فلا حاجة لإعادته.
وهل غاب عنه أن شيعة العصر الحاضر أيضاً لا يزالون على هذا النهج يتخبطون كما رأينا من صاحب "الغدير" و"السقيفة" و"الإسلام على ضوء التشيع".. وغيرهم.
بل إن من يلهج بالدعوة للوحدة الإسلامية منهم لا يزال في هذا الضلال يهذي ويفتري؛ فهذا آيتهم محمد الخالصي من كبار مراجع الروافض في العراق وممن يتزعم الدعوة إلى الوحدة الإسلامية بين السنة والشيعة يشكك في إيمان أبي بكر وعمر ﵄ فيقول: "وإن قالوا: إن أبا بكر وعمر من أهل بيعة الرضوان الذين نص على الرضى عنهم القرآن في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) .
قلنا: لو أنه قال: لقد رضي عن الذين يبايعونك تحت الشجرة لكان في الآية دلالة على الرضى عن كل من بايع ولكن لما قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ فلا دلالة فيها إلا على الرضى عمن محض الإيمان" (٣) .
стр. 1052
ومعنى هذا أن أبا بكر وعمر لم يمحضا الإيمان فلم يشملهما رضى الله في زعم هذا الرافضي، وهل هناك فهم أسقم من هذا الفهم الذي يجعل وصفهم بالإيمان دليلاً على خروج خيارهم من الإيمان؟
ولهذا الخالصي أمثاله من روافض العصر الحاضر (١) .
فهل خفي ذلك على أحمد مغنية أو أراد خداع أهل السنة؟! الله أعلم بالحقيقة.. والتقية بلية الشيعة ومصيبتها.
أما الرفاعي الذي يقول بأن الشيعة تقدر الصحابة.. وأن من نسب إلى الشيعة خلاف ذلك فهو خصم سيء النية.. فهل يخفى عليه أن الذي نسب إلى الشيعة هذا المذهب هو كتبهم.. والذي سجل عليهم هذا العار هو مشايخهم أمثال الكليني والقمي والعياشي والمجلسي، وليس خصماً سيء النية أو جاهلاً بما في كتبهم؟!
والرفاعي نفسه قد رجع في كتيبه الذي سماه "تقدير الإمامية للصحابة" إلى البحار (٢) . للمجلسي، والذي حوى من السب واللعن والتكفير ما تقشعر منه جلود المؤمنين؛ حتى إنه عقد باباً بعنوان باب كفر الثلاثة (٣) . (أي الخلفاء قبل علي) فكيف يقول بأن الشيعة تقدر الصحابة؟ وإذا كان يؤمن بمبدأ تقدير الصحابة فعليه أن ينشر ذلك في الوسط الشيعي لا في القاهرة، وأن يجاهد من أجل إقناع إخوانه الإمامية حتى يغيروا هذا البلاء الذي عم وطم في كتبهم أو يعرضوا عنها ويعلنوا فسادها، أما نفي ما هو واقع فلا يجدي في الدفاع لأنه سيؤول من قبل الشيعة والمطلعين على كتبهم من غير الشيعة بأنه تقية.
стр. 1053
وهذا الرفاعي الذي يكتب في القاهرة بين أهل السنة "تقدير الإمامية للصحابة" ويتجاهل ما جاء في كتبهم قديمها وحديثها، وما يجري في واقعهم من عوامهم وشيوخهم.. هو نفسه يسب خيار صحابة رسول الله ﷺ ؛ فهو من الذين يقولون ما لا يفعلون، كما هو من الذين ينكرون ما يعرفون.. فيتهم فاروق هذه الأمة بالتآمر وأنه أول من قال بالرجعة من المسلمين (١) . كما يسب أبا بكر وعمر وأبا عبيدة رضوان الله عليهم (٢) .
والغريب أنه يستدل بما جاء في رسالة محمد باقر الصدر والتي سماها "التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية" مع أن هذه الرسالة محاولة يائسة وعاجزة لإثبات أصالة مذهب الرافضة.. وأن الصحابة رضوان الله عليهم ليسوا بأهل لحمل الرسالة وتبليغ الشريعة - كما يفتري - وأن الجدير بحملها والمبلغ لها هو علي.. وهذا مع ما فيه من النيل من صحابة رسول الله فهي دعوى جاهلية غبية، أو حاقدة مغرضة تحاول النيل من السنة المطهرة، وتواتر هذا الدين.
فهي تزعم أن نقل الواحد أوثق من نقل المجموع.. وهذا "إفراز" لعقيدة عصمة الأئمة، وتكفير الصاحبة.. والثناء المزعوم على الصحابة الذي نقله من رسالة الصدر قد قاله الصدر من باب تخدير القارئ حتى يتقبل ما يفتريه على استدلاله ويبطله، فالصدر يقول: "وبالرغم من أن الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة كانوا أفضل وأصلح بذرة لنشوء أمة رسالية.. بالرغم من ذلك نجد من الضروري التسليم بوجود اتجاه واسع منذ كان النبي حياً يميل إلى تقديم الاجتهاد في تقدير المصلحة واستنتاجها من الظروف على التعبد بحرفية النص الديني، وقد تحمل الرسول ﷺ المرارة في كثير من الحالات بسبب هذا الاتجاه.." (٣) .
стр. 1054
فهل ترى في هذا النص مدحاً؟ إنه يزعم أن الصحابة رضوان الله عليهم يجتهدون مع وجود النص؛ بل يرفضون أوامر رسول الله، ويتبعون مصالحهم.. فهل هذا تقدير للصحابة؟! إن من المعروف إنه لا اجتهاد مع النص، وأن مخالفة أمر رسول الله جرم عظيم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) .
وكل هذه الدعاوى من هذا الرافضي لتأييد فريته وهي دعوى النص على علي وأن الصحابة أعرضوا عن العمل بها لمصلحة راعوها، فأي مصلحة لهم في بيعة أبي بكر؟!
ولا يستدل الرفاعي من رسالة الصدر فحسب؛ بل ينشر باطلها، ويتحفه بتقريظه وتأييده، ويقول في كتيب آخر: إن الإمامية يقدرون الصحابة، فأي تقدير هذا؟! إلا إن كان يريد أن تقدير الإمامية للصحابة هو السب واللعن والتكفير.
فما أجرأ هؤلاء على الكذب!!
وأما محمد جواد مغنية الذي يقول بأن الشيعة لا تنال من مقام الصحابة ويستدل بقول علي بن الحسين.
فأقول: إنكم لم تقتفوا أثر الإمام علي بن الحسين..؛ لأن ما جاء في كتبكم قديمها وحديثها، وما يحدث في واقعكم دليل على مفارقتكم لنهجه..؛ لأنه كان باعترافكم، وبنقلكم عنه، كان يترضى عن الصحابة.. رضي الله عن الجميع، فأنتم ليس بإمامكم اقتدتم، ولا بقولكم صدقتم والتزمتم.. ومغنية الذي يكتب هذا الكلام.. هو الذي يقول في كتابه "في ظلال نهج البلاغة" عن الخليفة الراشد ذي النورين صاحب الجود والحياء، وصهر النبي ﷺ في ابنتيه، ومجهز جيش العسرة، وصاحب الهجرتين والمبشر بالجنة من رسول الله ﷺ . يقول هذا الرافضي فيه:" إن عثمان انحرف عن سنة الرسول وخالف شريعة الإسلام، واستأثر
стр. 1055
هو وذووه بأموال المسلمين فامتلكوا القصور والمزارع والرياش والخيول والعبيد والإماء، ومن حولهم ملايين الجياع والمعدمين" (١) . ويقول: "وكان الزبير وطلحة وعائشة وراء ما حدث لعثمان وعليهم تقع التبعة في دمه.." (٢) . ويتهم عمر ﵁ وأهل الشورى الذين فوض لهم عمر اختيار خليفة من بعده يتهم الجميع بالخيانة والتآمر (٣) .
فأي احترام لمقام الصحابة وهذا الكلام الحاقد يوجه لخيارهم!!
وأي إيذاء لرسول الله ﷺ أشد من هذا الإيذاء الذي يوجه له بسب بعض زوجاته، وأصهاره، وخيار أصحابه.
وبعد كهذا كله.. فكيف نفسر هذا التناقض من هؤلاء الراوفض؟ هل هذا تقية؟ والتقية عندهم تسعة أعشار الدين ولا دين لمن لا تقية له، أو هي مؤامرة للدعاية للشيعة والتشيع؟
وقبل أن أرفع القلم في هذا الموضوع أحاول أن أكشف بعض الحقائق المهمة والأسرار الخفية في حقيقة ثنائهم على الصحابة والتي قد لا يهتدي إليها من لم يدمن المطالعة في كتبهم ويتأمل في أساليبهم ومصطلحاتهم.
حقيقة ثناء الروافض على الصحابة:
إن هؤلاء الروافض - كما يزعمون - أنهم يوالون أهل البيت ويعنون بهم أئمتهم الاثني عشر ويتناولون البقية ولا سيما من خرج منهم لطلب الإمامة بالسب والتجريح بل التكفير والتخليد بالنار. فكذلك يزعمون - أحياناً - أنهم يوالون الصحابة ويريدون بهم الثلاثة أو الأربعة أو السبعة الذين لم يرتدوا كما تصور ذلك أساطيرهم.