← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

صاحبه، وأن النبي أقر كلاً منهم وأخبر بأنها هكذا أنزلت (١) . فبان أن الجميع نازل من عند الله، والفرق بين ذلك وأسطورة الشيعة فرق واضح جلي. وقد اختلط على هذا الأفاك الأمر في مسألة القراءات والقرآن فظن التلازم بينهما، وهو جهل واضح؛ فالقرآن متواتر بإجماع المسلمين يتناقله الأجيال عن الأجيال حتى يبلغوا به النبي ﷺ بينما القراءات فيها المتواتر والآحاد والشاذ، ومنها المدرج (٢) . والموضوع. ولم يقل أحد أن القرآن أخذ عن السبعة أو العشرة؛ إذ إن القراءات "مذهب من مذاهب النطق في القرآن يذهب به إمام من الأمة القراء مذهباً يخالف غيره". قال الزركشي: "واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات اختلاف الوحي المذكور في كتابه الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما" (٣) . والقراءات غير الأحرف السبعة (٤) . التي أنكرها هذا الرافضي - وخلط بينها وبين القراءات السبع - مع أن الحديث في الأحرف السبعة ثابت عن النبي ﷺ (٥) .

стр. 982

وقد جاءت الرواية بنزول القرآن على سبعة أحرف في كتب الشيعة نفسها في جملة أحاديث حتى بوّب القمي لها في كتابه الخصال (١) . والمتأمل لأسانيد تلك القراءات يرى أن جملة منها متصلة بمن ترى الشيعة إمامتهم كأمير المؤمنين عليّ، وجعفر وغيرهما. وقد مر بنا نقل اعتراف الشيعة بذلك (٢) . الشبهة الحادية عشرة: قال الملحد: "الدليل الحادي عشر: في ذكر الأخبار المعتبرة الصريحة في وقوع السقط ودخول النقصان في الموجود من القرآن، وأنه أقل مما نزل إعجازاً على قلب سيد الإنس والجان، وهي متفرقة في الكتب المعتبرة التي عليها المعول عند الأصحاب"، وذكر أخباراً كثيرة من كتب طائفته في ذلك. وهذه الروايات الكثيرة التي استشهد بها لا تدل على تحريف القرآن الذي أجمعت عليه الأمة، وتكفل الله بحفظه وقامت القرائن والبراهين القطعية على سلامته؛ إنما تشهد على كذب هذه الروايات وسقوط تلك الأحاديث، التي ينسبونها للأئمة وأنه لا ثقة برواياتها بعد هذا، وأن كتبهم هي المحرفة المفتراة.. وقد انكشف أمرها بهذه الفرية.. وبانت حقيقتها بهذه الأسطورة. ودلالة أخباره على مطلوبه إنما يلزم بها أهل ملته، أما أمة الإسلام فلا. وقد شهد شاهد من أهلها بأن أخبارهم في هذا الباب إنما رواها الغلاة والكذابون والمطعون في دينهم ممن لا تحل الرواية عنهم، والذي شهد بذلك شيخهم البلاغي في آلاء الرحمن، حيث قال: "هذا وإن المحدث المعاصر جهد في كتاب فصل الخطاب في جميع (٣) . الروايات التي استدل بها على النقيصة".

стр. 983

وفي جملة ما أورده من الروايات ما لا يتيسر احتمال صدقها، ومنها ما هو مختلف باختلاف يؤول به إلى التنافي والتعارض.. هذا مع أن القسم الوافر من الروايات ترجع أسانيده إلى بضعة أنفار، وقد وصف علماء الرجال كلاً منهم إما بأنه ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفو الرواية، وإما بأنه مضطرب الحديث والمذهب يعرف حديثه وينكر ويروي عن الضعفاء، وإما بأنه كذب متهم لا أستحل أن أروي من تفسيره حديثاً واحداً، وأنه معروف بالوقف وأشد الناس عداوة للرضا ﵇، وإما بأنه كان غالباً كذاباً، وإما بأنه ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعول عليه ومن الكذابين، وإما بأنه فاسد الرواية يرمى بالغلو. ومن الواضح أن أمثال هؤلاء لا تجدي كثرتهم شيئاً (١) . كذلك يذكر مرجع الشيعة في زمنه ميرزا مهدي الشيرازي بأن أخبارهم في ذلك شاذة ضعيفة في إسنادها، متناقضة في متونها؛ حيث قال: "وأما ما ورد في الأخبار التي ظاهرها وقوع التحريف في بعض الآي فلا يثبت بها ذلك (حيث) إنها شاذة ضعيفة الأسانيد، فإن كثيراً منها عن السياري (٢) . الذي ضعفه علماء الرجل كما في الفهرست لشيخ الطائفة، والخلاصة للعلامة، والرجل للنجاشي أنه "ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفو الرواية" (٣) . ثم بيّن تناقض متنها بقوله: "معارضة بعضها مع البعض من وجهين أحدهما: تعارضها في تعيين الساقط.. وثانيهما: ما ورد في روايات من سقوط اسم علي في مواضع كثيرة، مع أن بعض الروايات تدل على أن الله تعالى لم يسم علياً في

стр. 984

القرآن" (١) . هذا قول البلاغي والشيرازي في رجالهم وأسانيدهم. ولسنا بحاجة إلى حكم الروافض، ولكن نذكرها لبيان تناقض أقوالهم، وشعورهم بتفاهة قولهم وسقوطه، ومحاولتهم التستر على مذهبهم، أو نفي هذا الكفر والعار الذي ألحقه بالطائفة شيوخهم الأوائل، بوضعهم هذا الإلحاد والكفر في أصولهم أمثال الكليني وإبراهيم القمي، والمجلسي وأضربهم. ونأخذ أقوالهم في الحكم على أسانيدهم لهذا السبب. الشبهة الثانية عشر: قال الملحد: "الدليل الثاني عشر الأخبار الواردة في الموارد المخصوصة من القرآن الدالة على تغيير بعض الكلمات والآيات والسور بإحدى الصور المتقدمة وهي كثيرة جداً (يعني حسب أساطيرهم) ، حتى قال السيد نعمة الله الجزائري في بعض مؤلفاته كما حكي عنه: أن الأخبار الدالة علي ذلك تزيد على ألفي حديث وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد والعلامة المجلسي وغيرهم، بل الشيخ أيضاً صرح في التبيان بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة ونحن نذكر ما يصدق دعواهم" (٢) . ثم أخذ في ذكر ما جاء في أخبارهم مما يزعمون أنه هو القرآن السالم من التحريف، فذكر (١٠٦٢) مثالاً على ترتيب سور القرآن، وعلى مدى مائة صفحة، وسأذكر شيئًا منها لتتبين حقيقة الأهداف المتوخاة من هذه الافتراءات. وقبل ذلك أقول: إن كثيرة أخبارهم في هذا الباب إنما يلزم بها أهل دينه، أما أمة الإسلام فلا.. وهذه الكثرة التي يحكيها تدل على أن دين الشيعة سداه ولحمته الكذب، والكيد للإسلام بمحاربة ركنه العظيم، وأصله الذي يقوم عليه هو القرآن.

стр. 985

وهذا الملحد يحكي كثرة هذا الباطل عندهم واستفاضته، وآخرون يدعون ندرته وشذوذه، والكل من شيوخهم المعتبرين عندهم.. أليس هذا عنوان تاقض هذا المذهب وأصحابه؟! وهذه الدعوى يعدها دليلاً على إثبات مراده، وهي عنوان كفره، ووصمة عار يلطخ بها قومه إلى الأبد، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، وليس بعد الكفر ذنب. وهو بهذه الدعوى يريد أن يصرف قومه عن كتاب الله، لأن كتابهم المزعوم لا زال مع غائبهم الموهوم رهين العزلة الدائمة، والغيبة الأبدية، لأنه لم يولد أصلاً. أما الأمثلة التي ساقها فهي محاولة يائسة لوضع سند لعقائدهم في كتاب الله، وإقناع أتباعهم والحائرين من بني قومهم الذين حيرهم وزلزل بنيانهم خلو أصل الإسلام العظيم من أمر ولاية الاثني عشر، وهي عندهم الدين كله، فمما قال هذا الملحد: ١ـ سورة البقرة: " ... عن جابر الجعفي عن أبي عبد الله في قول الله : (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله (في علي) قالوا نؤمن بما أنزل علينا) (١) . فأنت ترى أنهم أقحموا "في علي" على الآية الكريمة، ولم يفطن هؤلاء الزنادقة أن الآية في بني إسرائيل، وأن ما زادوه يكاد يلفظه السياق، وأن لفظ الآية يكذبهم؛ فقولهم: "بما أنزل علينا" نص صريح في أنها ليست في هذه الأمة. ولكن هؤلاء إما أنهم زنادقة أعاجم لا يفقهون معنى الآيات، وإما أن هذا أمر مقصود لإضلال الشيعة والخروج بهم إلى طريق الكفر والإلحاد.. ٢ ـ سورة الأنعام: روى الكليني عن أبي عبد الله: "إن الذين فارقوا أمير

стр. 986

المؤمنين وصاروا أحزاباً" (١) . يحاولون بذلك تغيير قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢) . ولم يعرف هؤلاء الملحدون كيف يضعون؛ إذ إن الآية مكية، ولم يكن ثمة أمير للمؤمنين في حياة النبي ﷺ ، والجميع أتباع لرسول الله لا أتباع لعلي حتى يفارقوه. ٣ ـ سورة براءة: قال الملحد: "روى الكليني والعياشي عن أبي الحسن الرضا أن الحسين بن الجهم قال له: إنهم يحتجون علينا بقول الله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ قال: وما لهم في ذلك، لقد قال الله: (فأنزل الله سكينته على رسوله) .. وما ذكر فيها بخير قال: قلت له: وهكذا قراءتها؟ قال: هكذا قراءتها، وعن أبي جعفر مثله، ألا ترى أن السكينة إنما نزلت على رسوله وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وهو الكلام الذي تكلم به عتيق (يعني أبا بكر) ". قال الملحد: "والآية تدل على عدم إيمان الصاحب" (٣) . فترى هؤلاء الزنادقة حاولوا تحريف قوله سبحانه: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ (٤) . بحذفهم "عليه" وزيادتهم (على رسوله) ، وهدف الرافضة تكفير أبي بكر بتحريف النص الذي هو أعظم مناقب الصديق ﵁، وغاب عن هؤلاء الأعاجم أن هذا التغيير لا يؤدي الغرض الذي يذهبون إليه (٥) .

стр. 987

فأنت ترى أن "تحريفاتهم" وأساطيرهم، تسير في فلك الولاية وتكفير الصحابة. وعلى هذا المنوال تجري غالب أساطير هذا الملحد التي ذكرها. وبعد أن عرض هذا الملحد شبهاته الاثني عشر (١) ، حاول أن يرد على الجناح الآخر من الشيعة الذي أبى أن يوافق على هذه الأسطورة، لوضوح فسادها، وعقد الباب الآخر لكتابه في هذا الشأن، حيث عرض أدلتهم وحاول الإجابة عليها. وسأذكر فيما يلي حجج المنكرين لهذه الفرية من الشيعة، وأشير إلى إجابات هذا الملحد عليها، وأناقشه فيما يقول. والحقيقة أن هذا الباب الذي عقده أبطل به افتراءاته؛ لأنه لم يستطيع أن يجيب على أدلة قومه المنكرين لكفره - كما سترى -: قال الملحد: "الباب الثاني في ذكر أدلة القائلين بعدم تطرق التغيير مطلقاً في كتاب الله تعالى، وأن الموجود هو تمام ما أنزل على رسول الله ﷺ .. وهي أمور عديدة: الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) : قال الملحد: "واعترض بأن المراد الحفظ من تطرق شبه المعاندين؛ حيث

стр. 988

لا يوجد فيه بحمد الله مدخل إلى القدح فيه" (١) . فانظر إلى هذا الاعتراض الأبله من هذا الملحد؛ حيث عدّ قولهم "بالتحريف" ليس من شبه المعاندين فلا يدخل في عموم الحفظ!. إن الحفظ أقرب معانيه: الحفظ من التغيير والتبديل، والآية ظاهرة في العموم وإن كره الكافرون. وقال: "واعترض أيضاً: بأن الضمير في قوله: "له" راجع النبي ﷺ لا إلى القرآن فلا شاهد عليه" (٢) . ومن الواضح الجلي أن الضمير يعود إلى الذكر، والضمير في لغة العرب يعود إلى أقرب مذكور، "فهو واضح من السياق" (٣) . ثم هل يحفظ الله رسوله ويضيع كتابه؟!، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً. وقال الملحد: "لو سلم شموله للحفظ من التغيير (٤) . أيضاً فإنما هو القرآن في الجملة، لا لكل فرد، فإن ذلك واقع، ربما مزق كما صنع الوليد وغيره" (٥) . وهذا اعتراض جاهل زعم أن احتراق نسخة من القرآن هو تغيير له، ولهذا رد على هذا بعض شيوخهم المنكرين لهذا الكفر، فقال: "هذا كلام لم يصدر عن روية، فإن المراد من حيث هو؛ أعني ما أرسل به محمد ﷺ ، لا ما رسم فيه من النسخ، فإن جميعها يؤول إلى التلف وهو في الصدور، والصحف محفوظة، حتى لو فرض - ونعوذ بالله - تلف كل نسخة على وجه الأرض.. لكان أيضاً محفوظاً" (٦) .

стр. 989

الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) . وقد تلجلج الملحد واضطرب في الإجابة عن الآية، فهو تارة يقول: "إن الحذف والتغيير وإن كان باطلاً لكن ليس المراد من الآية" (٢) . أما لماذا لا يكون مراداً مع أن التغيير فيه هو من أبطل الباطل، فإن شهوة التعصب عند هذا الملحد تقول: "ظاهرها (يعني الآية) أن لا يجوز أن يحصل فيه ما يستلزم بطلانه من تناقض أحكامه أو كذب في إخباراته وقصصه" (٣) . فانظر إلى هذا التأويل الذي يدل على عقلية سقيمة، أو زندقة مقنعة، أو كلاهم معاً، فإن القرآن لو وقع فيه - معاذ الله - ما يراه الملحد من التغيير لوقع فيه التناقض في أحكامه والكذب في أخباره. ثم قال: "وأما ثانياً (٤) . فلأنه منقوض بمنسوج التلاوة والحكم أو التلاوة فقط" (٥) . وهذه عودة على حجته التي نقضناها.. وكأنه بهذا يكذب رب العالمين لأنه يزعم أن النسخ من الباطل وقد وقع في كتاب الله، فانظر ما أعظم جرمه؟! والنسخ حق لأنه جاء من عند الحق، وقد أقر به حتى شيوخ هذا الملحد المتقدمين كالمرتضى والطبرسي (٦) ، فكأن هذا ومن يشايعه من المعاصرين قد ركبوا طورًا من الغلو لم يخطر ببال أسلافهم.

стр. 990

ثم قال الملحد: "فيكفي في انتفاء الباطل عنه انتفائه من ذلك الفرد المحفوظ عند أهل البيت" (١) . فتعجب من نظرة هؤلاء الروافض، كيف يؤولون آيات حفظ الله لكتابه، بكتابهم الموهوم، مع غائبهم المزعوم، والذي لم تعرف الأمة عنهما شيئاً، ولم تر لهما أثرًا. ثم ماذا يجدي حفظه عند منتظرهم، وهل يغني ذلك شيئاً للناس؟ وإلا لأغنى عدم تغيره عند الله.. ولا شك أن الله سبحانه حفظ القرآن بعد نزوله ليبقى للأمة دستوراً ومنهج حياة إلى أن تقوم الساعة، ولا معنى ولا حكمة من الحفظ إلا هذا. الثالث: الأخبار الكثيرة الواردة - عندهم - في بيان ثواب سور القرآن (٢) . قال الصدوق: "وما روي من ثواب قراءة كل سورة من القرآن، وثواب من ختم القرآن كله، وجواز قراءة سورتين في ركعة نافلة، والنهي عن قراءة سورتين في ركعة فريضة (هذا حسب رواياتهم) تصديق لما قلناه في أمر القرآن، وأن مبلغه ما في أيدي الناس، وكل ما روي من النهي عن قراءة القرآن كله في ليلة واحدة، وأنه لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام تصديق لما قلناه" (٣) .

стр. 991

الرابع: الأخبار المتواترة عن النبي ﷺ والأئمة بعرض أخبارهم عليه والعرض على المحرف لا وجه له، وعلى المنزل المحفوظ لا يستطاع (١) . الخامس: من الأدلة التي استدل بها الجناح المناهض لخرافة التحريف عند أصحابهم - بأنه قد ورد عندهم.. متواتراً - الأمر بالتمسك بالكتاب والعترة، وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر، لأنه لا يجوز أن تؤمر الأمة بالتمسك بما لا تقدر على التمسك به (٢) .

стр. 992

السادس: أنه لو سقط منه شيء لم تبق ثقة في الرجوع إليه (١) . السابع: أن سقوط شيء منه مع شدة هذا الضبط والاهتمام خارج عن مجاري العادات. قال السيد شارح الوافية (٢) . فيه: أن طول المدة أدعى لضبط ما تمد إليه الأعناق، ولا يرو إلا لداع، وأنى يخفى مثله وهو صلى عليه وآله إذا تغشاه الوحي ثقل حتى إذا كان راكباً ارتدت قوائم الدابة، فإذا تسرى عنه تلا عليهم ما نزل عليه فليكن كخطيب مصقع أو كشاعر مغلق ينشد البيت بعد البيت، ويلقي الكلام بعد الكلام في مظان الحكمة، ومحل الحاجة خصوصاً إذا كان لوروده شاهد معلوم وعلامة بينة وهو صلى الله عليه وآله إنما يأتيهم بالوعد والوعيد، والترغيب والتهديد، والتكاليف الحادثة، وأقاصيص الأمم السافلة، والأقاويل الغريبة، وهناك أمم من الناس يتطلعون لما برز منه رغبة أو رهبة، وقد كلفهم بتلقيه وتلاوته، وحفظه والنظر في معانيه، ووعدهم على ذلك الجنات..

стр. 993

وجعل تلاوته من أعظم أنواع العبادات.. ولهذا كان منهم من يقطع الليل بتلاوته. على أنه لم يقنع بهذا كله حتى وكل لكتابته وحفظه وحراسته أربعة عشر (١) . يعرضون عليه، ويدرسونه لديه، لأنه معجز النبوة ومأخذ الأحكام ومأخذ الأحكام الشرعية، ومرجع الأمة، وشاهد الأئمة، حتى إن جماعة منهم كعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب ختموه عليه عدة ختمات. وما زال يفشو أمره وينتشر ضياؤه، ويعلو سناؤه يوماً فيوماً وعاماً فعاماً وقرناً فقرناً حتى صار من أعظم المتواترات ظهوراً، ومن هنا تعرف سرّ ما قال سيدنا المرتضى فيما حكى عنه شيخنا أبو علي في المجمع أن: العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقايع العظام ... (ثم نقل ما سبق أن نقلنا عن الشريف المرتضى) (٢) . وقال: إن القرآن المجيد ليس بذلك الكثير الذي لا يمكن جمعه ولا بالمبثوث الذي لا يضم نشره؛ وإنما هو بمنزلة ديوان شعر لعظيم من الشعراء قد اشتمل على نفائس الشعر وطرف الحكمة وشوارد الأمثال، وله حملة وحفاظ، وناس يتناشدونه في مجامعهم، ويكتبونه في دفاترهم بحيث إذا ذهب عليهم بيت منه فضلاً عن قصيدة أو مقطوعة افتقدوه ... ونادى منادي السلطان في حملته وحفاظه والذين يتناشدونه ويكتبونه أن ائتونا بما عندكم.. أتراه يشذ عليه بعد هذا شيء؟ والكتاب العزيز أجلّ مما ضربنا، وحملته وكتابه وحفظته أكثر مما قلناه، وتوجه الرغبات إليه أشد، وله قراء كثيرون وحفاظ. وجمعيه في أيام النبي ﷺ

стр. 994

وآله - فضلاً عما بعده - جماعة حتى قال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي صلى الله عليه وآله في بئر معونة مثل ذلك، وروى البخاري عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: أربعة من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي. هذا كله مضافاً إلى شدة اعتناء الله جل ذكره بشأنه وصدق وعد الله بحفظه وإظهار هذا الدين الذي هو من أعظم أركانه، حتى جعل أشد الناس إباء لظهوره، وأقلهم احتفالاً بمكانه من السعادة في حفظه وصيانته كما حفظ بيضة الإسلام مع تهالكهم في استئصال ذريته (١) . وتوفر الدواعي على نشره للمسلمين والكفار والمنافقين للتحدي والإعجاز واشتماله على أمهات الأحكام، والقراءة في المصحف والعلم بما فيه والتعلم والتعليم لأنفسهم ولأولادهم، وللختم في شهر رمضان، وفي كل شهر مرة، وفي كل سبعة أيام أو ثلاث أو ليلة كله، أو قراءة شيء منه في كل ليلة، والحفظ وشرف الحمل والنظر فيه والتفكر في معانيه، وأمثاله، ووعده ووعيده.. إلى غير ذلك مما لا تحصى (يعني من دواعي حفظه) مع كثرة المسلمين وغلبتهم حتى في غزوة تبوك كان عسكر الإسلام ثلاثين ألفاً، وفي حجة الوداع اجتمع سبعون ألفاً (٢) . وقد ضاق ذرعاً صاحب فصل الخطاب وهو ينقل هذه الكلمات عن شيوخه المنكرين لهذه الفرية وعقب عليها بقوله: "انتهى ما أوردنا نقله من الكلمات التي تشبه بكلام من لا عهد له بمباحث الإمامة، وحال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في الضلالة والغواية في حياته وبعد وفاته" (٣) .

стр. 995

ولجملة من شيوخهم كلمات من هذا القبيل في دحض هذه الفرية لظهور فسادها، ولذلك قال الألوسي بعدما ذكر إنكار الطبرسي لهذا الكفر: "وهو كلام دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال، والحمد لله على أن ظهر الحق وكفى الله المؤمنين القتال" (١) . وبعد، فهذا الكتاب الذي كتبه صاحبه وصوبه سهماً إلى كتاب الله سبحانه، لم يضر كتاب الله شيئاً، بل ارتد إلى طائفته وعاد عليها بأسوأ العواقب، فقد أصبح فضيحة الشيعة الكبرى، وكان من أعظم الأدلة والبراهين على سقوط أخبارهم وتهافت رواياتها، وأنه لا عبرة بتواترها واستفاضتها، ولهذا قال أحد شيوخ الشيعة المعاصرين: "ما أجاد في تأليفه، ولا وافق الصواب في جمعه، وليته لم يؤلفه، وإن ألفه لم ينشره، وقد صار ضرره أكثر من نفعه، بل لا نفع يتصور من نشره، فإنه جهز السلاح للعدو وهيأه..". ثم قال: "ويقال: إن بعض أعداد الدين وخصماء المذهب حرضه على تأليف ذلك الكتاب وهو ﵀ لم يشعر بذلك الغرض الفاسد، وليس هذا الحدس أو النقل ببعيد" (٢) . هكذا يتمنون أن تكون هذه المسألة مستورة لا مفضوحة، وأن تبقى رواياتها متفرقة لا مجموعة، لأنه قد صار ضرره عليهم أكثر من نفعه، بل لا نفع من نشره، وليبق سري التداول بينهم. فهل هذا يدلنا على أن لديهم كتباً لا تحظى بالنشر، لأن معلوماتها مثيرة للعالم الإسلامي، وآثارها خطيرة فبقيت رهينة التداول بينهم؟ إن هذا ليس ببعيد (٣) .

стр. 996

الوجه الرابع: التظاهر بإنكار هذه الفرية مع محاولة إثباتها بطرق ماكرة خفية درج بعض شيوخهم المعاصرين على التظاهر بإنكار هذه الفرية، والدفاع عن كتاب الله سبحانه.. لكنك تلاحظ المنكر في فلتات لسانه، وترى الباطل يحاول دسه في الخفاء هنا وهناك.. ومن أخبث من سلك هذا الطريق شيخهم الخوئي (١) . في تفسيره "البيان"؛ فهو يقرر: "أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف" (٢) . ولكنه يقطع بصحة جملة من روايات التحريف فيقول: "إن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين، ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر" (٣) . وبتتبع رواياتهم وأساطيرهم بهذا الخصوص ويعتبر رواياتهم التي تتحدث عن مصحف لعلي فيه زيادات ليست في كتاب الله القرآن وقد ذكرت فيها أسماء الأئمة، وأساطيرهم التي تقول بنقص القرآن، كل ذلك يعتبره ثابتاً عندهم، ولكنه يرى أنه من قبيل التفسير الذي نزل من عند الله وأن تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله شرحاً للمراد (٤) . أما أساطيرهم التي دلت على التحريف بعنوانه (على حسب تعبيره) وبلغت عندهم باعترافه عشرين رواية وهو يعني بذلك أساطيرهم التي تقول بأن الصحابة حرفوا القرآن وبدلوه، حيث استشهد لذلك بقوله: ما عن الكافي والصدوق

стр. 997

بإسنادهما عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن كتاباً - إلى أن ذكر جوابه بتمامه وفيه قوله ﵇: اؤتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه. وكان موقفه من هذه الأساطير هو قبولها، ولكنه يقول بأنها لا تدل على تحريف ألفاظ القرآن "فهي ظاهرة الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الآيات على غير معانيها.. ولولا هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة وحرمة النبي منهم مرعية، ولما انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي ﷺ فيهم (١) . فهو يزعم بأن الأمة وفي طليعتهم الصحابة حملوا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية، أما تحريفات الكليني والقمي والعياشي لآيات القرآن فهي التفسير الحقيقي عنده لكتاب الله، فإذا كان هذا مبلغ علم أكبر مراجع الشيعة اليوم، وغاية دفاعه عن كتاب الله، فإن أمر الشيعة اليوم في غاية الخطورة. وهو لا ينسى وهو يضع هذه "السموم" هنا وهناك أن يحاول إطفاء غضب القارئ ولاسيما حينما يجد أن تأويله عند من عرف نصوصهم وخبر أخبارهم بعيد التصديق فيقول: "وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من طرح هذه الروايات" (٢) . ويقول عن أساطير نقص القرآن عندهم: أكثر هذه الروايات بل كثيرها ضعيفة السند.. ثم نقل عن بعض علمائهم قوله: "إن نقصان الكتاب مما لا أصل له وإلا لاشتهر وتواتر نظرًا إلى العادة في الحوادث العظيمة وهذا منها بل أعظمها" (٣) . ثم يقول عن أساطيرهم التي دلت - كما يقول - علي وقوع التحريف في القرآن بالزيادة النقصان: وإن الأمة بعد النبي ﷺ غيرت بعض الكلمات وجعلت

стр. 998

مكانها كلمات أخرى، وذكر لذلك أمثلة، ومما أورده "ما عن العياشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله ﵁ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ قال: هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين فوضعوا اسمًا مكان اسم، أي أنهم غيروا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران". وكان جوابه عن ذلك أنها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفاً واحداً حتى من القائلين بالتحريف (١) . لاحظ مبلغ الخداع؛ فهو بهذا التعقيب على الزمرة الأخيرة من أساطيرهم يوهم القارئ أن ما سبق عرضه من أنواع أساطيرهم ليس بطلانها موضوع اتفاق بين المسلمين.. وهو يجعل من يرمي كتاب الله سبحانه بهذه الفرية ممن يعد قوله ضمن إجماع المسلمين. إن هذه المحاولة من شيخ الشيعة هي مجرد غطاء جميل خادع لتحقيق هدف خبيث، فهي مؤامرة الهدف منها المساس بكتاب الله بطرق خفية ماكرة، ولذلك لم يثر كتابه فصل الخطاب، بل اعتبر البعض منهم ذلك من قبيل الدفاع عن القرآن، ولقد لاحظت أنه يحاول أن يثبت "أسطورته" من طرق أهل السنة بأسلوب غريب ماكر، حيث قال - وهو يتظاهر بالدفاع عن كتاب الله -: إن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة عند علماء أهل السنة يستلزم - في زعمه - اشتهار القول بالتحريف (٢) . وقال: "إن الالتزام بصحة هذه الروايات (يعني: روايات نسخ التلاوة) التزام بوقوع التحريف في القرآن" (٣) . وقال: "فيمكن أن يدعي أن

стр. 999

القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة" (١) . وهذا الكيد الذي سطره شيخ الشيعة في العصر الحاضر ليس جديداً، فقد ردده بعض الملاحدة من قبل، ورد عليهم أهل السنة (٢) . والأمر واضح بيِّن، والفرق جليّ بين النسخ والتحريف لا يخفى إلا على مغرض صاحب هوى - كما أسلفنا - ذلك أن التحريف من صنع البشر، وقد ذم الله فاعله، قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ..﴾ (٣) . والنسخ من الله سبحانه. قال : ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤) . وهو لا يستلزم مس كتاب الله سبحانه بأي حال، وعلماء الشيعة القدامى الذين ينكرون هذه الفرية يقرون به كالطبرسي في مجمع البيان والمرتضى في الذريعة وغيرهما - كما سلف -. وترى أنه يخادع في القول حينما يقرر: "أن القول بعدم التحريف هو المشهور بل المتسالم عليه بين علماء الشيعة ومحققيهم" (٥) . ويستدل على ذلك بما قاله الطبرسي في مجمع البيان في إنكار هذه الفرية (٦) ، مع أن الطبرسي قرر بعد هذا بصفحات نسخ التلاوة واستدل له، في حين أن الخوئي يرى أن نسخ التلاوة قول بالتحريف، أليس هذا تناقضاً؟! بل تراه يقول بأن القول بعدم التحريف هو قول علماء الشيعة ومحققيهم، في حين أن مذهب جملة من أساطين شيوخهم المجاهرة بهذا الكفر كالكليني،

стр. 1000

والقمي، والطبرسي صاحب الاحتجاج وغيرهم من رؤوس هذا الكفر (١) . وهم يعدون عندهم من كبار شيوخهم ومحققيهم، أليس هذا خداعاً؟! بل الأمر أشد من هذا، ذلك أن شيخهم إبراهيم القمي قد أكثر من أخبار هذه الأسطورة في تفسيره، وكان هذا معتقده مع آخرين من شيوخهم. قال الكاشاني: "وأما اعتقاد مشايخنا في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن.. وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي، فإن تفسيره مملو منه وله غلو فيه". ثم ذكر بقية من سار في الإلحاد من شيوخهم (٢) . فأنت ترى أنه يعترف بأن تفسير القمي مملو من هذا الكفر. ومع ذلك فإن هذا الخوئي الذي يتظاهر بالإنكار يذهب إلى صحة تفسير هذا القمي، ويقرر أن روايات تفسيره كلها ثابتة وصادرة من المعصومين، لأنها انتهت إليه بواسطة المشايخ الثقات - كما يزعم - من

стр. 1001

الشيعة (١) . فتبين من خلال ذلك أن الخوئي صاحب البيان هو في غايته كصاحب فصل الخطاب، إلا أن الأخير استخدم الطريقة المكشوفة، والأول سلك مسلك المكر والاحتيال. المجال الثاني: (اتجاه المعاصرين في تأويل كتاب الله) : هل تخلص شيعة العصر الحاضر من لوثة ذلك الاتجاه المغرق في التأويل الباطني الذي درج عليه شيوخهم القدامى في تأويل كتاب الله كالقمي والكليني والعياشي والكاشاني والبحراني وأضرابهم.. أو هم على آثارهم يهرعون؟ إن المتتبع لما يكتبه شيعة العصر الحاضر في تفسير كتاب الله يجد أن العقلية الشيعية المعاصرة لا تزال في الغالب تعيش أسيرة لتلك التأويلات التي وضعها علماؤهم السابقون والتي عرضنا لها فيما مضى.. وآية ذلك أن تلك التفاسير الباطنية تأخذ المكانة الأولى عندهم في الوثاقة والاعتماد، ولا أدل على هذا من توثيق أكبر مراجع الشيعة في العصر الحاضر وهو الخوئي لأسانيد وروايات القمي في تفسيره (٢) . وتفسير القمي قد بلغ الغاية في التأويل الباطني وأربى على النهاية. وكذلك الطبطبائي وهو من كبار شيوخهم المعاصرين يقرر أن تفسير العياشي محل ثقة الشيعة واعتمادهم.. إلى عصرنا هذا (٣) ، وتفسير العياشي على خطى القمي في المنهج الباطني الغالي الذي يكفر الصحابة، ويفسر كل آيات القرآن بالأئمة وأعدائهم، ويدس أساطير التحريف في تفسيره. وهكذا سائر التفاسير ذات الاتجاه الغالي تحظى بتوثيق الشيعة واعتمادهم.. كتفسير البرهان، وتفسير الصافي، ومرآة الأنوار وغيرها (٤) . فماذا بقي بعد هذا؟ أما اتجاه المعاصرين في تأويل كتاب الله، فقد أخذ وجهين مختلفين: وجه غال متطرف، ووجه معتدل متوسط، إذا ما قسناه بالاتجاه الغالي: فقد ظهرت ملامح التطرف والغلو في تأويل كثير من آيات القرآن بعقائدهم التي شذوا بها عن أمة الإسلام، فهذا أحد علمائهم المعاصرين ويدعا "علي محمد دخيل" يتحدث عن غيبة مهديهم المنتظر - وهو كما يقول بعض كتاب الشيعة من أشهر الكتاب الإمامية الذين عالجوا الغيبة (٥) .- فيعقد فصلاً بعنوان: "المهدي في القرآن الكريم" ويورد في هذا الفصل خمسين آية من القرآن كلها يزعم تأويلها بالمهدي ويتوصل

стр. 1002

بذلك إلى أن موضوع المهدي لا يختلف عن ضروريات الإسلام الأخرى، وإنكاره إنكار لضرورة من ضروريات الدين (١) . بل بلغت تأويلات شيوخهم المتأخرين لآيات القرآن بالمهدي إلى (١٢٠) آية (٢) . ولم يقنع بعض المعاصرين بذلك فوضع مستدركًا لهم ليبلغ بها إلى (١٣٢) آية (٣) . ونجد شيخهم المعاصر - محمد رضا الطبيسي النجفي (ت١٣٦٥هـ) - يفسر (٧٦) آية من كتاب الله بعقيدة الرجعة عندهم (٤) ، وهذا شطط لم يبلغ مداه شيوخهم القدامى. حيث بدأ التأويل بمسألة الرجعة في آية واحدة عند ابن سبأ (٥) . ثم لم يزل الأمر يزيد، ففسر شيوخهم القدامى بالرجعة عشرين آية ونيفاً (٦) . وفي القرن الثاني عشر تطور الأمر إلى تأويل (٦٤) آية بتلك العقيدة الباطلة على يد شيخهم الحر العالمي (٧) ، ثم كانت نهاية الشطط على يد هذا الطبيسي وغيره من شيوخهم المعاصرين. وقد يستمر طريق التأويل إلي أرقام أخرى. وفي تفسير الميزان للإمام الأعظم عندهم محمد حسين الطبطبائي كثير من التفسيرات الباطنية التي يختارها من كتب التفسير القديمة عندهم. يذكرها تحت عنوان "بحث روائي".. ومن الأمثلة التي

стр. 1003

نقلها مقرًا لها ما ذكره عن تفسيرهم البرهان في قوله سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ﴾ (١) . قال: "الآية مثل ضربه الله لعائشة وحفصة أن تظاهرتا على رسول الله وأفشتا سره" (٢) . فانظر كيف يحرف معاني القرآن، ويكفر أمهات المؤمنين بذلك. وعند قوله سبحانه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٣) نقل ما يروونه عن (الصادق) أنه قال: "نحن وجه الله" (٤) . وهكذا يلتقي التأويل الباطني الغابر بالحاضر.. صورة واحدة ووجه واحد. والأمثلة كثيرة. ولكن هناك وجه معاصر معتدل، ومظاهر اعتداله تكمن في ثلاث ظواهر، الأولى: اختفاء ذلك الغلو بتفسير كثير من آيات القرآن بالإمامة وما يدور في فلكها.. والثانية: تطهره من ملامح أسطورة التحريف وأخبارها وآثارها في تفسيره، والثالثة: التنزه عن ذلك التكفير الصريح الواضح لخير جيل عرفته البشرية.. جيل الصحابة رضوان الله عليهم. ومن أمثلة هذا الاتجاه تفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية، والتفسير المبين له أيضًا. فأنت تلحظ ثناءه على الصحابة في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (٥) الآية. حيث قال: "لا لشيء إلا لوقوفهم مع الحق، وإعلاء كلمة الإسلام

стр. 1004

وتضحيتهم في سبيله ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ إيمانًا وقولاً وعملاً، وبهؤلاء المهاجرين وأمثالهم من الأنصار استقام الإسلام وانتشر في شرق الأرض وغربها، ولا بدع فإن قائدهم محمد ﷺ ، ولن تكون الأمة فاسدة وقائدها صالحاً ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ، المراد بالذين: الأنصار، وتبوءوا: سكنوا، والدار: دار الهجرة وهي المدينة، والإيمان مفعول لفعل محذوف أي: وأخلصوا الإيمان، وقد أثنى الله على الأنصار بأنهم: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ جاء في التفاسير: أن المراد بالذين جاءوا من بعد الصحابة التابعون لهم بإحسان أخذا بقرينة السياق، ومع هذا فإن الثناء يعم ويشمل كل من سار بسيرة الصحابة إلى يوم القيامة" (١) . فإذا قرأت هذا الكلام لا تعرف أن قائله من الروافض الذي يكفرون صحابة رسول الله ويشتمونهم ... وقد مر بنا أن له كلاماً في الطعن في بعض صحابة رسول الله.. ولكنه لم يصرح بالتكفير كغيره من شيعته. وعند قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . قال: "المراد بالذكر هنا القرآن الكريم، وضمير "له" يعود إليه، والمعنى أن القرآن موجود فعلاً بين الدفتين، المألوف لدى كل الناس، وهو بالذات الذي نزل على محمد ﷺ بلا تقليم وتطعيم، على العكس من الكتاب المعروف بالتوراة، فإنه غير الذي جاء به موسى ﵇، وكذلك الكتاب المعروف بالإنجيل فهو غير

стр. 1005

الذي جاء به عيسى ﵇" (١) . في حين أن الرجل لم يدع التأويل لبعض الآيات بمقتضى أصول عقيدته، لكنه لم يجاهر بالغلو في التأويل كالآخرين من طائفته، فنجده مثلاً في تفسيره الكاشف يوؤل قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) بقوله: "معنى الآية أن الله سبحانه أكمل الدين مع هذا اليوم بالنص على علي بالخلافة". هذا الاتجاه المعتدل إنما هو ثمرة اعتماده على جمع الجوامع لشيخهم الطبرسي، كما ألملح إلى ذلك في المقدمة.. والطبرسي قد اعتمد في الغالب على مرويات أهل السنة وتفاسيرهم، كما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) . فإذن هناك وجهان للاتجاه الشيعي في تأويل القرآن: اتجاه غال، واتجاه معتدل. كما كان لهم في القرون الماضية كتب تفسير باطنية غالبة كتفسير القمي والعياشي والكاشاني والبحراني وغيرهم، وكتب تفسير معتدلة مثل تفسير التبيان للطوسي، ومجمع البيان، وجمع الجوامع للطبرسي.. وقد جاء في أخبارهم بالأمر لهم بظهورهم بوجهين مختلفين حتى لا يعرف الناس حقيقة مذهبهم. وقال إمامهم: "إن هذا خير لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا (أي لعرف الناس المذهب) ولكان أقل لبقائنا وبقائكم" (٤) . وأنت إذا قارنت بين المنهجين وجدت الاتجاه الغالي المتطرف يستقي مادته من روايات الشيعة وأخبارهم، أما الاتجاه المعتدل فتلاحظ أنه قد فتح قلبه وعقله لروايات أهل السنة وآثارهم في التفسير، فتخلص من لوثة الغلو والتطرف، إما

стр. 1006

تقية أو اقتناعاً، لكنك لا تجد تفسيراً شيعياً اعتمد على رواياتهم فقط يخلو من الطريقة الباطنية في التفسير. فأي الطريقين هو الذي يمثل مذهب الشيعة؟! لقد ذكرت فيما سلف محاولة بعض شيوخ الشيعة قطع الطريق على هذا الاتجاه المعتدل بحمله على التقية (١) . وقد صرح شيخهم المجلسي بأن اعتمادهم على مرويات أهل السنة إنما هو للاحتجاج عليهم، وعقد لذلك باباً بعنوان " الباب الثامن والعشرون ما ترويه العامة (يعني أهل السنة) من أخبار الرسول ﷺ وأن الصحيح من ذلك عندهم (يعني شيعته) والنهي عن الرجوع إلى أخبار المخالفين" (٢) . ثم استثنى من ذلك مقام الاحتجاج عليهم لنشر التشيع. بل إن مرجع الشيعة في العراق "الخوئي" يعتبر ما جاء عن الصحابة في تفسير القرآن هو معنى التحريف الذي جاء به رواياتهم (٣) . وحين أشار محب الدين الخطيب إلى أن القرآن الذي ينبغي أن يكون الجامع لنا ولهم على التقارب نحو الوحدة، قد قامت أصول الدين عندهم على تأويل آياته وصرف معانيها إلى غير ما فهمه منها الصحابة عن النبي ﷺ وإلى غير ما فهمه منها أئمة الإسلام عن الجيل الذي نزل عليه القرآن (٤) . ردّ عليه أحد شيوخ الشيعة بقوله: "إن الشيعة ترى من الكيد للإسلام أن يأخذوا.. تفسيرهم للقرآن عمن تقصدهم وتعنيهم بالذات أمثال أبي هريرة

стр. 1007

وسمرة بن جندب.. وأنس بن مالك ممن أتقنوا صناعة التلفيق والدس والكذب والافتراء" (١) . فهذا الجواب ينسبه المؤلف للشيعة.. فإذا كانت الشيعة تعتقد أن تلقي الدين عن طريق الصحابة هو من الكيد للإسلام فلهم دينهم ولنا ديننا.. إذ إن قولهم هذا يؤدي إلى رفض الإسلام كلية. أليس هذا يعني أن ذلك الطريق المعتدل والوجه الآخر هو من باب التقية..؟! إن بعض أصحاب ذلك الاتجاه المعتدل وهو شيخهم محمد جواد مغنية لا يقر بوجود اتجاه باطني في التفسير عندهم. ويقول بأن الاثني عشرية أبعد الناس من هذه البدع والضلالات، وأن كتبهم تشهد بذلك وهي في متناول كل يد (٢) ، وكذلك شيخهم الآخر محسن الأمين يقر بوجودها، ولكنه يقول بأنها روايات شاذة (٣) . ومثل ذلك يقول الخنيزي، مع إنكاره لبعض ما هو واقع في كتبهم من روايات (٤) . وهذا الإنكار لما هو واقع وموجود أمارة التقية، والأمر ليس مجرد روايات شاذة - كما يزعمون - بل تفاسير كاملة تخصصت في التأويل الباطني يأتي في طليعتها تفسير القمي الموثق من كبار شيوخهم، وأبواب كاملة في الكافي أصح كتاب عندهم في الحديث، وفي البحار وغيرهما، أبواب تضم عشرات الأحاديث كلها تفسير الآيات تفسيراً باطنياً، فلم هذه "الجرأة" في إنكار الحقائق الواضحات، وهل يظنون أنهم يخدمون دينهم بهذه الوسيلة؟!

стр. 1008

كما أن هذا الإنكار منقوض بصنيع من شيوخهم المعاصرين الذين لا يزالون يهذون في هذا الضلال. بل إن شيوخهم وآيتهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي يرى أن تلك التأويلات الباطنية للآيات والواردة في حق الأئمة هي مسلمة عندهم بحكم الضرورة (١) . إذن الصورة في مجال التأويل متشابهة بين الأوائل والأواخر، والجديد عند المعاصرين أنهم ارتضوا ما كتبه أسلافهم، حتى المتأخرون منهم فقد اعتبروا ما كتبه

стр. 1009

المجلسي وغيره من المتأخرين مراجع معتمدة في الرواية فاتسع بذلك نطاق التأويل عندهم وازداد بفضل جهود شيوخ الدولة الصفوية الذي أربوا على النهاية في هذا. لكن بعض المعاصرين كتب بعض التفاسير المعتدلة كما فعل بعض شيوخهم الأقدمين.. وأنكر وجود التأويلات المتطرفة عندهم.. وإذا كان الإنكار في القديم قد يصدق، فإنه اليوم بعد ظهور حركة الطبع لا يجدي ولا يفيد، ويحمل على التقية لا محالة. أما ظهورهم بوجهين مختلفين فهذا أمر قد قرر في مذهبهم حتى لا يقف الناس على حقيقتهم (١) .

стр. 1010

السنة عند المعاصرين: إن الشيعة المعاصرين لم يتغير شيء من مواقفهم حول المسائل التي تحدثنا عنها في مبحث السنة، فلا يزالون يعتبرون أقوال أئمتهم الاثني عشر كأقوال الله ورسوله. يقول شيخهم الخميني: "إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها" (١) . ويقول محمد جواد مغنية: "قول المعصوم وأمره تماماً كالتنزيل من الله العزيز العليم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) " (٣) . فكأنهم بهذا قد اعتبروا هؤلاء الأئمة بما فيهم الغائب الذي لم يوجد أصلاً، والحسن العسكري الذي عده ابن الجوزي من الضعفاء في الموضوعات.. اعتبروا هؤلاء كأنبياء الله ورسله.. وهذا مبني على دعوى عصمتهم التي تبين لنا زيفها وبطلانها فيما مضى. أما دعواهم أن الرسول كتم جزءاً من الشيعة وأودعها علياً فهذا لا يكفون عن التصريح به في كتبهم "الدعائية" كما سجل ذلك شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطا في كتابه "أصل الشيعة وأصولها" (٤) . أما تلك الكتب الوهمية كالجفر والجامعة والتي تتحدث عنها كتب الرواية عندهم.. فلما نعى الشيخ موسى جار الله على الشيعة المعاصرين تصديقهم بمثل هذه الأوهام. أجابه أحد مراجع الشيعة المعاصرين وهو محسن الأمين - بلا حياء -

стр. 1011

بقوله: "إن ضاعت صحيفة الفرائض والجفر والجامعة وما ذكر معها عنده وعند أمثاله (يعني موسى جار الله) فلم تضع عند أهلها" (١) . بل إن من شيوخهم الكبار عندهم في هذا العصر من يتباهى بذكر تلك الكنوز الوهمية، والأسماء التي لا مسمى لها ويذهب يعدد هذه "الكتب" بكل خفة عقل. ويفتخر بكثرة هذه الأوهام التي لا حقيقة لها.. وإذا سئل أين هذه "الكتب المزعومة" أجاب بأنها المنتظر.. ولولا خشية الإطالة لنقلنا كلامهم في ذلك (٢) . ومنتظر الشيعة الذي تزعم غيبته وحياته منذ مئات السنين حتى أصبحت هذه الدعوى عار عليها وفضيحة لها تزداد على مر السنين. هذا المنتظر الذي لم يولد أصلاً نسب له بعض الأفاكين "رقاعاً" صدرت عنه مضى الحديث عنها (٣) . وكان يظن بشيعة العصر الحاضر، ولا سيما وهم يرفعون شعار التقريب، ودعوة الوحدة مع أهل السنة أنهم قد ارتفعوا بمذهبهم قومهم عن ترهات الماضي لكن لم يحصل شيء من ذلك واعتبروا هذه الرقاع من "السنة التي لا يأتيها الباطل" (٤) . وأدهى من ذلك أن هذا المنتظر يزعمون أنه على صلة مباشرة ببعض شيوخهم حتى الآن، وهذا يعني استمرار حكاية التوقيعات، وخروج الفتاوى

стр. 1012

المعصومة والنصوص التي هي كالوحي الإلهي - كما يزعمون -. قال شيخهم محمد تقي المدرسي: "لا نستبعد - بل هو كائن فعلاً - وجود علاقات سرية بين الإمام (١) . (ع) وبين مراجع الشيعة، وهذا هو السر العظيم" (٢) . ومع اعتماد على هذه الأوهام، وقبولهم لمرويات الكذابين، فإنهم لا يزالون في غيهم يعمهون في إعراضهم، عن سنة المصطفى ﷺ التي نقلها أصحابه ﵃ بلا حجة وبرهان إلا دعوى أنهم ردوا إمامة علي المنصوصة بزعمهم حتى قال أحد مراجعهم وآياتهم في هذا العصر: "إن ما يرونه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب وعمر بن العاص ونظائرهم ليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة" (٣) . بل صرح بعض معاصريهم أن الشيعة ترى أن قبول رواية صحابة رسول الله من الكيد للإسلام (٤) . ولذا قال بعض معاصريهم: "إن الشيعة لا تعول على تلك الأسانيد (أي أسانيد أهل السنة) ، بل لا تعتبرها ولا تعرج في مقام الاستدلال عليها فلا تبالي بها وافقت مذهبها أو خالفته" (٥) . وقال: "إن لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبرة عندهم ودونوها في كتب لهم مخصوصة وهي كافية وافيه لفروع الدين وأصوله، عليها مدار علمهم وعملهم، وهي لا سواها الحجة عندهم" (٦) .

стр. 1013

ولأن هذا هو حقيقة موقفهم من السنة النبوية.. فإن لهم نشاطاً واسعاً لمحاربة السنة والتشكيك فيها.. ولكبار شيوخهم حملات مسعورة ضد المكثرين من الرواية من صحابة رسول الله ﷺ كما صنع آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في كتابه (أبو هريرة) وغيره، ولهم سب وتجريح لكبار محدثي الأمة، ولأمهات كتب المسلمين ما لا يوجد مثله في كتب طائفة من طوائف الكفر، كما تجد ذلك في كتاب الغدير لشيخهم الأميني.. والمجال لا يتسع لنقل شواهد من هذا الغثاء. الإجماع عند المعاصرين: لا جديد في حديثهم في ذلك حتى نثبته، اللهم إلا محاولة صياغة مذهبهم في "الإجماع" بأسلوب خادع قد يغتر به من لا علم له بحقيقة مقالتهم.. يقول - مثلاً -: محمد جواد مغنية: إجماع الصحابة بأن تتفق كلمة الأصحاب جميعاً على حكم شرعي، وقد أوجب السنة والشيعة الأخذ بهذا الإجماع واعتباره أصلاً من أصول الشريعة، ثم يذكر أن الشيعة قالوا بحجته لوجود الإمام مع الصحابة (١) . انظر إلى هذا التحايل رغم أن مؤدى قوله أن الشيعة ترى أن الحجة في قول المعصوم لا في الإجماع نفسه، لكنه استعمل هذا الأسلوب الملتوي للخداع والتغرير (٢) ، وقد انخدع بذلك البعض (٣) .

стр. 1014

اعتقادهم في أصول الدين: ففي مقام توحيد الربوبية وإفراد الله جل شأنه بأفعاله فإن للمعاصرين كلمات في إعطاء الأئمة ما للرب جل شأنه بأفعاله مما لم يؤثر عن أسلافهم من الاثني عشرية. فهذا أحد شيوخهم ويدعى عبد الحسين العاملي قالوا: إنه كان آية من آياتهم التي ينسبونها - زوراً - إلى الله سبحانه. يقول هذا العاملي في مدح أمير المؤمنين علي - برأه الله مما يفترون -: أبا حسن أنت عين الإله ... وعنوان قدرته السامية وأنت المحيط يعلم الغيوب ... فهل عندك تعزب من خافية وأنت مدير رحى الكائنات ... وعلة إيجادها الباقية لك الأمر إن شئت تنجي غداً ... وإن شئت تفسح بالناصية (١) . انظر كيف جعل مخلوقًا من مخلوقات الله هو الإله بعينه، والمتصف بما للرب من تدبير وإحياء وإماتة.. فهو مدبر أمر الكائنات وعلة إيجادها ومظهر القدرة الإلهية.. وهو المحيط بعلم الغيب، بل هو مالك يوم الدين، إذ له الأمر في ذلك اليوم، ونجاة العباد، وهلاكهم بمشيئته (٢) . وهذا ثمرة مرة (طبيعية) لروايات الكليني والقمي والمجلسي.. التي سلف عرض أمثلة من موادها التي تتجه إلى هذا الاتجاه.

стр. 1015

واثنا عشرية اليوم تمثل في رواياتها، وبلسان طائفة من شيوخها السبئية وغيرها من الفرق التي تؤله علياً، والتي كنا نظن أنها بادت وانقرضت، فإذا بها تعيش في أحضان الاثني عشرية حتى يقال بأن السبئية هي الاسم الأقدام والاثنا عشرية هي الاسم الأحدث لحقيقة واحدة.. وتلك الكلمات لم تصدر عن عامي من عوامهم، أو كاتب صغير من كتابهم، بل صدرت من آية من آياتهم يرجع لقوله الآلاف. وتجد أن محمد حسيين آل كاشف الغطا أحد كبار مراجع الشيعة وآياتهم، ومن ينادي بالتقريب بين أهل السنة والشيعة يقول في مدح أئمته: يا كعبة الله إن حجت لها الـ أملاك فعرشه ميقاتها أنتم مشيئته التي خلقت بها الـ أشياء بل ذرئت بها ذراتها أنا في الورى قال لكم إن لم أقل ما لم تقله في المسيح غلاتها (١) . لقد جعل أئمته هم الكعبة التي تحج إليها الملائكة، وجعل عرش الرحمن هو ميقاتها، وجعلهم هم مشيئة الله وقدرته التي خلقت بها الأشياء. وقطع على نفسه عهداً أن يقول في أئمته ما لم تقله غلاة النصرانية في المسيح، ولعله بهذه الأوصاف قد وصل إلى ما أراد. هذا ما يقوله كبير مراجع الشيعة في هذا العصر، ومن يمثلهم في مؤتمرات ومن يعتبر عند بعض أهل السنة الذين لم يطلعوا على حقيقته من معتدلي الشيعة ولهذا قدموه إماماً لهم في مؤتمر القدس الأول (٢) ، لأن له وجهين وقولين والتقية لا تنتهي أسرارها وأساليبها عندهم.

стр. 1016

ولو ذهبت أسجل ما وجدته لهم في هذا الاتجاه لطال بنا المقام (١) . وأقول: إن المادة الشعرية الكبيرة التي تركها شعراء الشيعة وأدباؤها فيها من هذا "الغلو" ما لا يخطر على البال.. ويبدو أن لهيب العاطفة وجذوة الحماس يغطي سلطان التقية فتظهر الحقيقة عارية بلا خداع أو تزوير.. ولهذا فإن هذا الموضوع يستحق دراسة خاصة. وفي مقام توحيد الألوهية فإن مزارات الشيعة ومشاهدها اليوم قد أصبحت من أكبر مظاهر الشرك بالله تعالى، ولا أمل في تغيير هذا المنكر عندهم، لأنه مؤيد بتلك الروايات المنسوبة زوراً لأهل البيت، عكس الأمر عند أهل السنة والذي هو انحرف في واقعهم تنكره أصولهم، وقد رأى هذا الشرك كل من زار تلك المشاهد. يقول الشيخ موسى جار الله بعد زيارة له لإيران والعراق استمرت عدة أشهر بأنه رأى المشاهد والقبور عندهم معبودة (٢) . ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي بعد زيارة له إلى إيران عن مشهد علي الرضا: "فإذا دخل غريب في مشهد سيدنا علي الرضا لم يشعر إلا وأنه داخل الحرم فهو غاص بالحجيج مدوي بالبكاء والضجيج، عامر بالرجل والنساء، مزخوف بأفخر الزخارف والزينات، قد تدفقت إليه ثروة الأثرياء، وتبرعات الفقراء" (٣) . وقد ذكر صاحب التحفة الاثني عشرية بأنهم لا يزالون يغلون في قبور

стр. 1017

الأئمة ويطوفون حولها، بل ويصلون إليها مستدبرين القبلة، إلى غير ذلك من الأمور التي يستقل لديها فعل المشركين مع أصنامهم (١) . ثم قال: إن حصل لك ريب من ذلك فاذهب إلى بعض مشاهدهم لترى الحقيقة بعينك (٢) . وتجد شيخهم المعاصر محمد المظفر في كتابه الذي ألفه لبيان عقائد طائفته وسماه "عقائد الإمامية" والذي ارتضاه شيعته فلم نر أحدًا أنكر عليه شيئًا مما جاء فيه، وقد صاغه بأسلوب يغلب عليه طابع الدعاية للتشيع، ومع ذلك تجده لم يحجم عن التأكد على عقيدة الرافضة في قبور الأئمة فذكر أن مما امتازت به طائفته واختصت به في أضرحة أئمتهم "تشيدها وإقامة العمارات الضخمة عليها، ولأجلها يضحون بكل غال ورخيص عن إيمان وطيب نفس" (٣) . ثم صرح بأن سبب ذلك ما زعمه من "وصايا" الأئمة وحثهم شيعتهم على الزيارة، وترغيبهم فيما لها من الثواب الجزيل عند الله تعالى.. وباعتبار أن هاتيك القبور - كما يزعم - من خير المواقع لاستجابة الدعاء (٤) ، والانقطاع إلى الله تعالى (٥) . ثم ذكر آداب ومناسك الزيارة عندهم بلا حياء ولا خوف من إعلان هذه المظاهر الوثنية (٦) .

стр. 1018

وما فتئ ثلة شيوخهم المعاصرين يجاهرون - بلا وجل أو خجل - بأن كربلاء أفضل من الكعبة المشرفة، فهذا كبير مراجع الشيعة ومن يتزعم الدعوة للتقريب بين السنة والشيعة يدعي أن كربلاء أفضل من الكعبة البيت الحرم الذي جعله الله قياماً للناس ومثابة وأمنًا وبارك فيه بنص التنزيل الإلهي. فيترنم مرجع الشيعة محمد حسين آل كاشف الغطاء مخالفاً لنص القرآن وإجماع المسلمين يترنم بهذا البيت الوثني وهو قوله: ومن حديث كربلاء والكعبة ... لكربلاء بان علو الرتبة وهو يرى أن هذا من ضرورات مذهبهم فيقول بأن كربلاء "أشرف بقاع الأرض بالضرورة" (١) . لأنه قد شهدت بذلك آثارهم وأخبارهم - كما يقرر -. وهذه الشهادة التي يعتمدها يجب أن تنجعل برهان ودليلاً على كذب هذه الأخبار، ومروق من وضعها عن الدين، وخروج من صدق بها عن إجماع المسلمين.. وأين كربلاء من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) . فهل بعد هذا يبقى قول لقائل: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٣) . هذا وأقوال شيوخهم المعاصرين في هذا المعنى كثيرة (٤) .

стр. 1019

وإذا كانت كتب الشيعة القديمة تقرر بأن الله قد تاب على الأنبياء بتوسلهم بالأئمة (١) ، فإن هذا المعنى المتناهي في الغلو والذي يتضمن تفضيل الأئمة على الأنبياء (٢) . والمتناهي في السذاجة والغفلة؛ إذ يفترض وجود هؤلاء الأئمة في حياة الأنبياء السابقين، والموغل في الدعوة إلى الشرك بالله سبحانه وعبادة غيره جل شأنه.. فإن هذا المعنى الذي يحمل هذه "البلايا" وغيرها يقرره بعض كبار شيوخهم ويوصي ابنه بالعمل بمقتضاه فيقول آيتهم وحجتهم عبد الله الممقاني: "وعليك بني بالتوسل بالنبي وآله صلى الله عليهم أجمعين، فإني قد استقصيت الأخبار فوجدت أنه ما تاب الله على نبي من أنبيائه من الزلة (٣) إلا بالتوسل بهم (٤) . واذا كانت مصادرهم القديمة تجعل زيارة قبر الحسين أفضل من الحج إلى بيت الله سبحانه، فإن هذا المعنى الخطير يتكرر على ألسنة شيوخهم المعاصرين، ويدعون إلى هذا، لأن فيه - كما يخدعون أتباعهم - " الثواب الجزيل عند الله باعتبار

стр. 1020

أنها من أفضل الطاعات والقربات.." (١) . ولهذا يوصي آيتهم عبد الله الممقاني ابنه بزيارة الحسين في كل يوم يقول: "وعليك بني بزيارته (يعني قبر الحسين) في كل يوم من البعد مرة، والمضي إليه في كل شهر مرة، وإن كنت في بلدة بعيدة ففي السنة مرة" (٢) . لاحظ أن هذا الشيخ لم يوص ابنه بالصلاة.. بل أوصاه بالاتجاه إلى القبر حيث ترفع للشرك رايات، لأن ذلك عندهم من أفضل القربات.. وهذه شرعة المشركين. وقد علق الابن (٣) . على هذه الوصية بقوله: "قد ورد أن من زاره - عارفاً بحقه - كتب الله له ثواب ألف حجة وألف عمرة". إلي أن قال: "وكأنما زار الله (!!) . وحق على الله ألا يعذبه بالنار، ألا وإن الإجابة تحت قبته والشفاء في تربيه.." (٤) . ومن زار قبر الحسين ﵇ ليله النصف من شعبان وليلة الفطر، وليله عرفة في سنة واحدة كتب الله له ألف حجة مبرورة، وألف عمرة متقبلة، وقضيت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة (٥) . "ومن أتاه يوم عرفة عارفاً بحقه كتب الله له ألف حجة، وألف عمرة متقبلات، وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل" (٦) . وهكذا تتفق كتب الشيعة قديمها وجديدها على هذا الاعتقاد الوثني وينسبون هذا لأئمة أهل البيت بل وللإسلام، ولا يعلم المسلمون كلهم بهذا الأمر،
следующие страницы →