← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

دستور دولة الآيات: أعلنت الجمهورية الإسلامية في إيران دستورها، في كتاب أصدرته وزارة الإرشاد الإسلامي ونشر في طبعته الأولى عام ١٤٠٦هـ، وكانت مواد هذا الدستور قد نشرت من قبل في مجلة الشهيد الإيرانية في إصدار خاص (١) . وهذا عرض لبعض مواد الدستور ليتبين هل هو يمثل الدستور لدولة إسلامية - كما يزعمون - أو لا؟ يقرر الدستور في "الأصل الثاني عشر": أن المذهب الجعفري دين للدولة يقول: "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثني عشري، وهذا الأصل يبقى إلى الأبد غير قابل للتغيير" (٢) ، وكذلك ينص الدستور على فكرة الاثني عشرية في الإمامة، بحيث يربط مذهب خميني في ولاية الفقيه بقضية الإمامة فيقول: "إن ولاية الفقيه اعتماداً (يعني معتمدة) على استمرار ولاية الأمر والإمامة" (٣) . فتراهم يعلنونها طائفية متعصبة في دستورهم وهم يسمون أنفسهم "بالجمهورية الإسلامية"، ولعل قولهم هذا يوحي أن مذهبهم لا يدخل في اسم الإسلام، بل لابد من النص عليه مع الإسلام كدين آخر مشارك له، مع أنك تراهم كثيراً ما يدعون بأن مذهبهم لا يختلف عن المذاهب الإسلامية إلا في الفروع، وإذا كان الأمر في تصورهم كذلك فلماذا ينص على المذهب الجعفري بذاته في دستورهم؟

стр. 1122

ثم لماذا تكون هذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد؟ أطلعوا الغيب أم اتخذوا عند الرحمن عهداً، ولماذا لا يفتحون عقولهم وقلوبهم لرؤية الحق الذي عند أهل السنة، ويتخلصون من داء التعصب المقيت، فيجب أن تسمى هذه الدولة بموجب هذه المادة "الجمهورية الجعفرية" ذلك أن الدولة الإسلامية تقوم على أساس الإسلام لا المذهب، وحين يتبنى الخليفة شيئاً من هذا المذهب أو ذاك، فإنما يتبناه بناء على قوة الدليل، وليس بناء على الوراثة أو التعصب، ولكنهم برهنوا بهذه المادة على متابعتهم لما قاله بعض شيوخهم وهو أن الاثني عشرية دين لا مذهب (١) . وجاء في بعض مواد الأصل الثاني من الدستور ما يضع أخبارهم عن الأئمة موضع سنة رسول الله ﷺ ، فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير حيث يقول: "يقوم نظام الجمهورية الإسلامية على أساس الاجتهاد المستمر من قبل الفقهاء جامعي الشرائط على أساس الكتاب وسنة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين" (٢) . فليس في هذه المادة اعتراف بسنة النبي ﷺ ، لأنهم لا يؤمنون بها، بل يأخذون بسنة المعصومين الذين يعدونهم أفضل من الأنبياء والمرسلين. فهل يبقى للدستور صفته الإسلامية وهو يلغي سنة رسول الله ﷺ من حسابه؟ وهم سيأخذون بمقتضى هذه المادة بما جاء في أصول الكافي، والبحار للمجلسي وغيرهما بكل ما فيها من كفر وضلال، لأن هذه هي المصادر التي نقلت لهم سنة المعصومين. وترى في بعض مواد الدستور النعرة الفارسية، واللوثة القومية، يقول الأصل الخامس عشر من الدستور: "اللغة والكتابة الرسمية والعامة هي الفارسية لشعب إيران، فيجب أن تكون

стр. 1123

الوثائق والمراسلات والمتون الرسمية والكتب الدراسية بهذه اللغة". فترى أن هذه المادة موضوعة على أساس القومية الإيرانية، لأن للإسلام لغة واحدة هي العربية لا باعتبارها لغة العرب، بل باعتبارها لغة القرآن والسنة ولغة دولة الرسول ﷺ والصحابة والتابعين. ويقرر الأصل السادس من الدستور: بأن مرجعهم رأي الأمة (لا الكتاب والسنة) فيقول: "يجب أن تدار شئون البلاد في جمهور إيران الإسلامية على رأي الأمة.." (١) . ولاشك أن دولة الخلافة في الإسلام تدار شئونها بهدي من الكتاب والسنة، وليس الرأي العام هو أساس الحكم في الإسلام، إنما هو أساس في الأنظمة الوضعية. ويوضح هذا المبدأ أكثر ما جاء في الأصل التاسع والخمسين عندهم والذي يقول: "ممارسة السلطة التشريعية قد تتم أحياناً عن طريق الاستفتاء الشعبي العام وذلك في القضايا الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية الهامة، ويجري هذا الاستفتاء العام بناء على طلب أكثر من ثلثي مجموع أعضاء المجلس" (٢) . ولا غرابة أن يلجأوا إلى استفتاء الناس في شئونهم بعد أن حرموا أنفسهم من المصدر الثاني في التشريع وهو "السنة المطهرة". ولقد اقترح عليهم شيخهم يوسف البحراني صاحب الحدائق أن يبحثوا لهم عن مذهب غير هذا المذهب لعدم وفائه بما يريدون (٣) . هذا بعض ما جاء في دستورهم حسب الطبعة الأخيرة منه عام ١٤٠٦هـ (٤) .

стр. 1124

وقد تبين أنه لا يمثل دستور دولة إسلامية، وإنما يمثل دولة فارسية، عنصرية، ورافضية جعفرية، ولا يأخذ أحكامه من الكتاب والسنة، وإنما يرتبط بروايات الكليني وأضرابه والتي يسمونها سنة المعصومين.

стр. 1125

الباب الخامس: أثرهم في العالم الإسلامي والحكم عليهم ويشمل على: الفصل الأول: أثرهم في العالم الإسلامي. الفصل الثاني: الحكم عليهم.

стр. 1126

الفصل الأول: أثرهم في العام الإسلامي أثر الشيعة في العالم الإسلامي في مراحل التاريخ المختلفة وحقبه المتطاولة.. موضوع واسع كبير، بل موضوعات متعددة، وجوانب مختلفة تقتضي رسائل عديدة، وتستدعي جهوداً كبيرة.. وإن مراجعة الأحداث التاريخية - مثلاً - التي جرت في العراق في القرن الرابع والخامس وما بعدها والتي كان للشيعة فيها دور وأثر لموضوع واسع، فيكف بدراسة ذلك في العالم الإسلامي، وإن رصد حركات الشيعة المتزايدة في الواقع المعاصر في مختلف أصقاع العالم الإسلامي وما تحدثه من آثار ليحتاج إلى دراسات ميدانية وصلات واسعة، ورحلات متعددة. وشيء من ذلك لا يمكن تحقيقه في رسالة بل في فصل من رسالة، هي معنية بالأساس، بدراسة أصولهم ونقدها. لهذه الأسباب سنكتفي في هذا الفصل بالإشارة الدالة، واللمحة المعبرة، والكلمة الموجزة، ونكتفي بالجزء عن الكل، وبالمثال الواحد مثلاً في بلد واحد وزمن واحد عن الاستقصاء وبالتفصيل. ولعلي أحاول أن أبرز بعض آثارهم وفق مجالات محددة حتى لا يتشعب بنا الحديث وهي المجالات التالية: ١-المجال العقدي والفكري. ٢- السياسي. ٣- الاجتماعي. ٤- الاقتصادي.

стр. 1127

وهذا مجرد تقسيم لتوضيح هذه الآثار، وإلا فإنها مترابطة ومتصلة الحلقات. ذلك أن شؤم البدعة خطير على الأمة، يؤثر في جميع جوانب حياتها، ومن يدرس تاريخ هذه الأمة، والاتجاهات البدعية التي ظهرت يجد أثرها السلبي على الدولة الإسلامية كلها. استمع - مثلاً - لما يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية عن أسباب سقوط الدولة الأموية يقول ﵀: "إن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل" (١) . وغيره من الأسباب (٢) . وقال: "وهذا الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية، وكان شؤمه عاد عليه حتى زالت الدولة، فإنه إذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسول ﷺ انتقم الله ممن خالف الرسل، وانتصر لهم" (٣) . وهذا التفسير الإسلامي لأحداث التاريخ يخالف ما درج عليه جملة من المؤرخين الذين لا يفسرون أحداث التاريخ إلا بأسبابه مادية بحتة، وهو من العمل الذي لا يفقهه إلا أهل الإيمان.

стр. 1128

المجال العقدي والفكري وهو موضوع واسع كبير، نشير فيما يلي إلى بعض معالمه: إحداث الشرك في أمة محمد ﷺ : لقد كان لعقيدتهم في الإمامة والإمام الأثر الواضح في إحداث "الشرك" و"الشركيات في العالم الإسلامي"، بل قرر طائفة من أهل العلم أن الشيعة هم أول من أحدث الشرك وعبادة القبور في الأمة المحمدية. فقد تحول غلو الشيعة في أئمتها إلى غلو في قبورها، ووضعوا روايات لمساندة مسيرتهم الوثنية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور أهل البدع من الروافض ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطاناً، فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد" (١) . واليوم أصبحت مشاهد الشيعة ومزاراتها موطناً للشرك، وعبادة غير الله سبحانه.. وتحدث الكثير ممن زار ديار الشيعة عن هذه المظاهر الشوكية (٢) ، وقد سرى هذا "البلاء" إلى بعض ديار السنة. والرافضة هم الأصل فيه، وكتبهم تشهد له وتؤيده. ولا حاجة بنا إلى استعراض أسماء المشاهد وأماكنها، وصور ما يجري فيها لشهرة ذلك وذيوعه.

стр. 1129

الصد عن دين الله: كان الاتجاه الرافضي - بكل شذوذه وضلالاته التي مرَّ ذكرها - ولا يزال مصحوباً بدعاية كبيرة من شيوخ الروافض الذين يبحثون عن تكثير سوادهم بأي وسيلة. وكانت هذه الدعاية مرتكزة على "أكذوبة كبرى" أتقن الشيعة "اللعب فيها" وخداع أتباعهم، والجهلة من أتباع المسلمين بها.. هذه الأكذوبة تقول بأن شذوذ الشيعة هذا مؤيد بروايات عند أهل السنة.. ولذلك يكثر قولهم: لا خلاف بين السنة والشيعة من هذا المنطلق. وما أكثر ما نقرأ في كتبهم مثل هذا الاتجاه في الاستدلال والاحتجاج من طريق من يسمونهم بالعامة (١) . وهذه "الأكذوبة" قد انخدع بها من أزاغ الله قلبه فظن أن دين الإسلام ليس إلا ما يقوله أولئك المبتدعون ورأوا ذلك فاسداً في العقل فخرجوا من الإسلام إلى مهاوي الإلحاد والزندقة. ولهذا كان غلاتهم طاعنين في دين الإسلام بالكلية باليد واللسان كالخرمية (٢) . أتباع بابك الخرمي،

стр. 1130

وقرامطة (١) . البحرين أتباع أبي سعيد الجنابي وغيرهم (٢) . ولاشك في أن إظهار بدعة الرفض على أنها الإسلام هو من أعظم أسباب الصد عن سبيل الله، إذ كيف يقبل عاقل خرافة الغيبة والرجعة والطعن في الصحابة والتأويلات الباطنية؟! ولا يبعد اليوم أن إقامة دولة الآيات في إيران وسيلة لهذا الغرض لمواجهة تطلعات المسلمين لعودة الخلافة ووحدة الأمة، وللحد من انتشار مظاهر الصحوة الإسلامية في العالم.. فإن إقامة دولة تشوه الإسلام، وتعطي صورة مخالفة لتطلعات المسلمين وآمالهم من شأنه أن يحبط الآمال ويطفئ وقدة التطلعات وشعلة الحماس في شباب المسلمين. والمستعمر الكافر معنيّ بمعرفة هذه الاتجاهات البدعية.. على يد ثلة ممن يسمون "بالمستشرقين" والذين يعمل معظمهم كمستشارين في وزارات الخارجية، وبالتالي فإن سياسات الدول الكبرى تتخذ منهجها من تقارير المستشرقين المبنية على دراسة تاريخية وطائفية لأمة الإسلام.. والمستعمر الكافر لم

стр. 1131

ينس تاريخه معنا، كما شهدت بذلك مواقفة وأقوال بعض قادته، وكما كشف ذلك بعض الأوربيين الذين دخلوا في الإسلام كالأستاذ محمد أسد في كتابه "الإسلام على مفترق الطرق" (١) . وسواء كان قيام دولة الآيات، أو تصاعد المد الشيعي في العالم الإسلامي مقصوداً للعدو الكافر أو غير مقصود فإنه بلا شك له آثاره في الصد عن سبيل الله، وظهور الزندقة المقنعة التي ينخدع بها المسلمون، وهذا هو الداء الأكبر، وهذا ما يتضح بالمسألة التالية: ظهور فرق الزندقة والإلحاد: يذكر شيخ الإسلام ﵀ أن مبدأ ضلال الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من الزنادقة الملاحدة المنافقين تصديق الرافضة في أكاذيبهم التي يذكرونها في تفسير القرآن والحديث (٢) .

стр. 1132

وكان أئمة العبيديين إنما يقيمون مبدأ دعواهم بالأكاذيب التي اختلقتها الرافضة ليستجيب لهم بذلك الشيعة الضلال، ثم ينقلون الرجل من القدح في الصحابة إلى القدح في علي ثم في الإلهية كما رتبه لهم صاحب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، ولهذا كان الرفض أعظم باب ودهليز إلى الكفر والإلحاد (١) . "فالرافضة هم الباب لهؤلاء الملحدين منهم يدخلون إلى سائر أصناف الإلحاد في أسماء الله، وآيات كتابه المبين، كما قرر ذلك روؤس الملاحدة من القرامطة والباطنية وغيرهم من المنافقين" (٢) . وقد تبين - فيما مضى - كيف أن روايات الاثني عشرية وأحاديثها التي يزعمون تلقيها عن آل البيت هي المناخ الملائم، والتربة الصالحة لظهور الأفكار الغالية وخروج الفرق الملحدة، لأنها جمعت "حثالة" آراء وأقوال الفرق الشيعية الشاذة بمختلف اتجاهاتها، والتي فرقت الأمة وأفسدت عليها أمرها، والتي وصلتنا أقوالها بواسطة كتب الفرق والمقالات، ثم وجدنا روايات الاثني عشرية تشهد لهذه الاتجاهات وتؤيدها (٣) . ومن هنا انبثق من الاثني عشرية فرق كثيرة اشتهر غلوها وكفرها كالشيخية والكشفية والبابية وغيرها. وقد قال صاحب المنتقى بأن "الرفض مأوى شر الطوائف.." (٤) . ثم ذكر جملة من فرق الزندقة والإلحاد الذين يعيشون تحت مظلة الرفض، ولذا قال الغزالي: "إن مذهب الباطنية ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض" (٥) . فهم كفرة يتظاهرون بالتشيع.. ويبدو أن هؤلاء يشكلون السواد الأعظم منهم حتى

стр. 1133

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن "كثيراً من أئمة الرافضة وعامتهم زنادقة وملاحدة ليس لهم غرض في العلم ولا في الدين" (١) . فجو التشيع مناخ خصب لمختلف النحل والأهواء، وقد سجل محب الدين الخطيب أن التشيع كان عاملاً من عوامل انتشار الشيوعية والبهائية في إيران (٢) . محاولة إضلال المسلمين في سنة نبيهم: ومن آثارهم الفكرية أن طائفة منهم اندسوا في رجال الحديث وحاولوا إدخال بعض الروايات التي تخدم التشيع.. حتى وُجدت مادة من هذه اللون في معاجم أهل السنة ودواوين الحديث عندهم، لكن تنبه لذلك رجال الحديث فبينوا الحق وكشفوا الكيد الرافضي، وقد بين الشيخ السويدي هذا الأثر الذي تركه هؤلاء الروافض حينما قال: "إن بعض علمائهم اشتغلوا بعلم الحديث، وسمعوا الأحاديث من ثقات المحدثين وحفظوا أسانيد أهل السنة الصحيحة، وتحلوا في الظاهر بحلي التقوى والورع بحيث كانوا يعدون من محدثي أهل السنة، فكانوا يروون الأحاديث صحاحاً وحساناً، ثم أدرجوا في تلك الأحاديث موضوعات مطابقة لمذهبهم، وقد ضل بذلك كثير من خواص أهل السنة، فضلاً عن العوام ولكن قيض الله - بفضله - أئمة الحديث فأدركوا الموضوعات فنصوا على وضعها فتبين حالها حينئذ والحمد لله على ذلك. وقد أقرت طائفة منهم بالوضع بعدما انكشف حالهم، ثم قال السويدي: "وتلك الأحاديث الموضوعة إلى الآن موجودة في المعاجم والمصنفات وقد تمسك بها أكثر التفضيلية (٣) . والمتشيعة" (٤) .

стр. 1134

ويقول الألوسي بأن ممن يستخدم هذه الوسيلة جابر الجعفي (١) ، وذكر ابن القيم أن الحافظ أبا يعلى قال في كتابه الإرشاد: وضعت الرافضة من فضائل علي ﵁ وأهل البيت نحو ثلاثمائة ألف حديث، وعقب على ذلك ابن القيم بقوله: ولا نستبعد هذا؛ فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال (٢) . دخولهم في مذهب أهل السنة - في الظاهر - للإضلال: ومن الآثار الفكرية التي تركها الكيد الرافضي هو ما وقع بسبب قيام طائفة من شيوخهم بالدخول في مذهب أهل السنة في الظاهر وتلقبوا بالحنفي والشافعي زيادة في الإضلال، وألفوا مصنفات تؤيد المذهب الرافضي (٣) . كما قام بعض شيوخهم المتسترين بالانتساب للسنة بابتداع بعض الأفكار المشابهة للفكر الشيعي وطرحها في الوسط الإسلامي.. ويرى الشيخ محمد أبو زهرة بأن الطوفي نجم الدين (المتوفى سنة ٧١٦هـ) قد تعمد الترويج للمذهب الشيعي بهذه الوسيلة في بحثه عن المصلحة الذي قرر فيه بأن المصلحة تقدم على

стр. 1135

النص؛ لأن هذا مسلك شيعي حيث عند الشيعة أن للإمام أن يخصص أو ينسخ النص بعد وفاة الرسول ﷺ . فالطوفي قد أتى بالفكرة كلها، وإن لم يذكر كلمة الإمام وأبدلها بالمصلحة ليروج القول وينشر الفكرة، ثم يقرر أبو زهرة بأن الطوفي في تهوينه في شأن النص ونشر فكرة نسخه أو تخصيصه بالمصالح المرسلة قد أراد تهوين القدسية التي تعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع (١) . بل إن الروافض استغلوا التشابه في أسماء بعض أعلامهم مع أعلام أهل السنة وقاموا بدس فكري رخيص يضلل الباحثين عن الحق.. حيث ينظرون في أسماء المعتبرين عند أهل السنة فمن وجدوه موافقاً لأحد منهم في الاسم واللقب لأسندوا حديث رواية ذلك الشيعي أو قوله إليه. ومن ذلك محمد بن جرير الطبري الإمام السني المشهور صاحب التفسير والتاريخ، فإنه يوافقه في هذا الاسم محمد بن جرير بن رستم الطبري من شيوخهم (٢) ، وكلاهما في بغداد، وفي عصر واحد، بل كانت وفاتهما في سنة واحدة، وهي سنة (٣١٠هـ) . وقد استغل الروافض هذا التشابه فنسبوا للإمام ابن جرير بعض ما يؤيد مذهبهم مثل: كتاب المسترشد في الإمامة (٣) . مع أنه لهذا الرافضي (٤) ، وهم إلى اليوم يسندون بعض الأخبار التي تؤيد مذهبهم إلى ابن

стр. 1136

جرير الطبري الإمام (١) . ولقد ألحق صنيع الروافض هذا - أيضاً - الأذى بالإمام الطبري في حياته وقد أشار ابن كثير إلى أن بعض العوام اتهمه بالرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد (٢) . وقد نسب إليه كتاب عن حديث غدير خم يقع في مجلدين، ونسب إليه القول بجواز المسح على القدمين في الوضوء (٣) . ويبدو أن هذه المحاولة من الروافض قد انكشف أمرها لبعض علماء السنة من قديم، فقد قال ابن كثير: ومن العلماء من يزعم أن ابن جرير اثنان أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك، وينزهون أبا جعفر من هذه الصفات (٤) . وهذا القول الذي نسبه ابن كثير لبعض أهل العلم هو عين الحقيقة كما تبين ذلك من خلال كتب التراجم، ومن خلال آثارهما، وأين الثرى من الثريا..؟ فالفرق بين آثار الرجلين لا يقاس (٥) ، وعقيدة الإمام ابن جرير لا تلتقي مع الرفض بوجه (٦) ، فهو أحد أئمة الإسلام علماً وعملاً بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وهناك رافضي آخر يدعى بأبي جعفر الطبري (٧) ، وهو غير الأول، وإن كان الأستاذ فؤاد سزكين قد خلط بينهما (٨) . رغم أنه يفصلهما عن بعض أكثر من قرنين. وقد نشرت - لهذا الرافضي الأخير - جريدة المدينة المنورة حكاية

стр. 1137

موضوعة بعنوان: "عقد الزهراء" وما كانت لتأخذ طريقها للنشر لولا استغلال الروافض للتشابه في الأسماء (١) . ومثل ابن جرير آخرون (٢) ، والمقام لا يحتمل البسط، فإن هذا الأمر يستحق دراسة خاصة. نشر الرفض في العالم الإسلامي: مما يبين مدى الأثر الرافضي في نشر عقائدهم في أوساط المسلمين ما سجل في نصوصهم القديمة من أنه لم يقبل فكرتهم إلا أهل مدينة واحدة هي الكوفة. قال أبو عبد الله: "إن الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلا

стр. 1138

أهل الكوفة" (١) . فالتشيع لم يجد موطناً في بلاد الإسلام إلا في الكوفة لبعدها عن العلم وأهله (٢) . وهذا من آثار ابن سبأ، فقد كان له نشاط مبكر في الكوفة، وما غادرها حتى ترك فيها خلية تعمل على نهجه (٣) . وقد لاحظ شيخ الكوفة وعالمها أبو إسحاق السبيعي (ت١٢٧هـ) التغير الذي طرأ على هذه البلدة، فقد غادر الكوفة وهم على السنة، لا يشك أحد منهم في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، ولكنه حينما عاد إليها وجد فيها ما ينكر من القول "بالرفض" (٤) . ثم ما لبث أن سرى داء الرفض إلى العالم الإسلامي حتى يذكر بعض الباحثين بأن الشيعة يشكلون عشرة في المائة من مجموع المسلمين اليوم (٥) . ودعاة التشيع في العصر يشكون خلايا سرية نشطة تسرح في العالم الإسلامي لنشر الرفض بموجب خطة مدروسة، وتموين مالي من الحوزات العلمية التي تستمد رصيدها المالي من عرق وجهد أولئك الأتباع الأغرار الذين خدرت أفكارهم، وشحنت عواطفهم بتلك الدعوى الجميلة الخادعة "حب آل البيت" والتي ليس لشيوخ الشيعة نصيب منها إلا الاسم والدعوى، فاستولوا على الأموال الكبيرة باسم خمس الإمام، وهذه الخلايا السرية تتخذ شعارات أشبه ما تكون بشعارات الماسونية فهي تارة ترفع شعار "التقريب بين المذاهب الإسلامية" (٦) . وأخرى باسم "جمعية أهل البيت" (٧) .

стр. 1139

وبعد قيام دولة الآيات في إيران تحولت السفارات للحكومة الإيرانية إلى مراكز للدعوة إلى الرفض، واستغلوا المراكز الإسلامية، والمساجد ولا سيما في أيام الجمع للدعوة للاتجاه الرافضي. وقد نشرت مجلة المجتمع تحقيقاً عما يجري من نشاط رافضي في أوربا قالت فيه: "تحولت السفارات والقنصليات الإيرانية في أوربا إلى مراكز لنشر عقيدتهم في أوساط المسلمين (لا الكفار) المقيمين في أوربا، وتؤكد ذلك عشرات بل مئات وآلاف الكتيبات والمنشورات الخاصة بالفكر الشيعي، وتوزيع هذه الكتيبات على المسلمين الأوربيين في أماكن تجمعهم وخاصة عند أبواب المساجد، أو في البريد، أو من خلال وسائل أخرى.. وحتى المراكز الثقافية والمكتبات تبدو وكأنها أقيمت من أجل نشر دعوة التشيع دعوة التشيع الإيراني بين الأقلية المسلمة في أوربا، فبالإضافة إلى ما تحتويه هذه المكتبات من كتب ونشرات حول الثورة الإيرانية ومنهجها العقائدي.. نجد أن القائمين على هذه المكتبات ينظمون دروساً وندوات تتعلق في معظمها بالقضية العقدية. ثم أشارت المجلة إلى أسماء بعض المكتبات في أوربا والتي تقوم بتنظيم محاضرات عقدية في فكر الثورة الإيرانية أيام الخميس والسبت من كل أسبوع، وتوزع خلال ذلك المجلات والكتيبات والتسجيلات الصوتية.. ويدعا إلى حضور هذه المحاضرات المسلمون كوسيلة من وسائل نشر المنهج الشيعي على الطريقة الإيرانية. كما بدأت المراكز الإيرانية بدفع بعض الشباب الذين غررت بهم وجعلتهم عملاء للمنهجية الإيرانية إلى بعض مساجد المسلمين للاتصال بالمصلين وخاصة أيام الجمع، حيث يتواجد عدد كبير من المسلمين في صلاة الجمعة.. وأشارت المجلة إلى أن هذه الاتصالات غالباً من تؤدي إلى وقوع بعض المصادمات والفتن داخل المسجد، وقدمت لذلك بعض الأمثلة، كما أشارت إلى أن هذه النشاطات

стр. 1140

الإيرانية بما تحدثه من فتن سيكون لها آثارها السلبية على المسلمين (١) . ونشاط "الروافض" متعدد الوجوه، متنوع الوسائل لا يراعى فيه مبدأ كحال أهل السنة، لأن الروافض يرون في "التقية" تسعة أعشار الدين. وقد اعترف بعض علمائهم المعاصرين من حيث لا يدري أن التقية عندهم هي - كما يقول بالحرف الواحد - "الغاية تبرر الواسطة" (٢) . يعني في سبيل الغاية التي تنشدها استخدم أي وسيلة، أي هي "الميكافيلية" (٣) . التي اعتمدها الذين لا دين لهم في تحقيق أهدافهم.. أما في الإسلام فإن الغاية لا تبرر ولا تبيح الوسيلة المحرمة. ولذلك فإن وسائل الروافض لنشر مذهبهم قد اكتست بألوان من الخداع والتغرير راح ضحيتها جملة من القبائل المسلمة والأفراد المسلمين.. فقد دفعوا مجموعة من شيوخ القبائل إلى اعتناق الرفض عن طريق إغرائهم بالمتعة (٤) . وقد قدّم الحيدري في "عنوان المجد" بياناً خطيراً بالقبائل السنية التي ترفضت بجهود الروافض وخداعهم فقال: "وأما العشائر العظام في العراق الذين ترفضوا

стр. 1141

من قريب فكثيرون، منهم ربيعة.. ترفضوا منذ سبعين سنة، وتميم وهي عشيرة عظيمة ترفضوا في نواحي العراق منذ ستين سنة بسبب تردد شياطين الرافضة إليهم. والخزاعل ترفضوا منذ أكثر من مائة وخمسين سنة وهي عشيرة عظيمة من بني خزاعة فحرفت وسميت خزاعل.. وعشيرة زبيد وهي كثيرة القبائل وقد ترفضت منذ ستين سنة بتردد الرافضة إليهم وعدم العلماء عندهم. ومن العشائر المترفضة بنو عمير وهم بطن من تميم، والخزرج وهم بطن من بني مزيقيا من الأزد، وشمرطوكه وهي كثيرة، والدوار، والدفافعة. ومن المترفضة عشائر العمارة آل محمد وهي لكثرتها لا تحصى وترفضوا من قريب، وعشيرة بني لام وهي كثيرة العدد، وعشائر الديوانية، وهم خمس عشائر: آل أقرع، آل بدير، وعفج، والجبور، وجليحة، والأقرع ست عشرة قبيلة، وكل قبيلة كثيرة العدد، وآل بدير ثلاث عشرة قبيلة وهي أيضًا كثيرة العدد، وعفج ثماني قبائل كثيرة العدد، وجليحة أربع قبائل كثيرة الأعداد، والجبور كذلك. ومن عشائر العراق العظيمة المترفضة منذ مائة سنة فأقل عشيرة كعب وهي عشيرة عظمية ذات بطون كثيرة.." (١) . وهكذا مضى الحيدري على هذا المنوال يذكر قبائل أهل السنة التي اعتنقت الرفض في غفلة من أهل السنة، ولأنهم انخدعوا بأقاويل الروافض: دعونا نلتق ونتعاون، وهيا إلى الوحدة والتقارب، والمذهب الشيعي لا يعدو الخلاف بينه وبين أهل السنة الخلاف بين المذاهب السنية نفسها، فهيأ أهل السنة بسكوتهم الأرضية لشيوخ الرافضة لنشر مذهبهم، وإلا لو أعلن الحق وبُيّن لما انخدع بالرفض أحد. وهم لا يزالون إلى اليوم ينشرون معتقدهم على كل المستويات. ولهم اهتمامات بالاتصال ببعض رؤساء الدول الذين يتوسمون فيهم الاستجابة

стр. 1142

لمذهبهم، كما فعل قديماً ابن المطهر الحلي مع خدا (١) . بنده، وقد كان لذلك آثاره المعروفة تاريخياً، وكما فعلوا حديثاً مع الزعيم الليبي، حيث بدت من الأخير بوادر الاتجاه الرافضي في الرأي والولاء. كما قاموا بشراء بعض أصحاب الأقلام والعقول الخاوية من الإيمان واستكتبوها للدعاية للتشيع والتقديم لكتب الشيعة (٢) . ويقومون بانتقاء الأذكياء من الطلاب والطالبات في العالم الإسلامي ويعطونهم منحاً دراسية في قم ليغسلوا أدمغتهم ويربوهم على الرفض حتى يعودا لبلدانهم ناشرين للرفض داعين له. يقول شيخ الأزهر: "الأنباء التي تصلني من كافة أنحاء العالم الإسلامي تدل

стр. 1143

على أن هذه الحركة الإيرانية الخومينية الآن تنشر العنف، وتحاول أن تستقطب الشباب بوجه خاص في كثير من البلدان الإسلامية بالإغراءات المتعددة المالية والدراسية في إيران وغير ذلك من السبل بقصد إحداث الفرقة باستقطاب هؤلاء الشباب، ودفعهم إلى إثارة الخلافات في بلادهم وبين شعوبهم.. وأعتقد أنه على الشعوب الإسلامية أن تكون حذرة فيما تساق إليه بواسطة الخمينية أو غيرها، فهي حركة من الحركات الموفدة لتفتيت الأمة الإسلامية وبث الصراع والخلاف فيما بينها" (١) .

стр. 1144

ظهور اتجاه رافضي عند بعض الكتاب المنتسبين للسنة: وظهر في كتابات بعض المفكرين من المنتسبين لأهل السنة "لوثات" من الفكر الرافضي، وبرزت كتابات لهؤلاء متأثرة بالشبهات التي يثيرها "الروافض" في أمر الإمامة والصحابة، والمطالع لما يكتبه ثلة من المفكرين والأدباء حول تاريخ صد الإسلام، أو "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" أو "مسائل الإمامة والخلافة" يدرك مدى تأثير الكيد الرافضي في تحوير الحقائق أمام هؤلاء. وأنا لا أشك أن هناك من هذا الصنف "زمرة" مرتزقة قد أغراها بريق المال ودفعها "متاع الغرور" لتقول ما قالت، ولتكتب ما سطرت، والروافض يدفعون المال "للرموز المشهورة" حتى يكتبوا للناس ما يتفق والمذهب الرافضي ومن قديم قال بعض السلف: لو أردت أن يملؤوا داري ورقاً وأكذب على علي لفعلوا والله لا كذبت عليه أبداً (١) . فكيف اليوم وقد كثر المال في أيديهم، وقلت الأمانة في نفوس الكثيرين وغرتهم الدنيا وغرهم بالله الغرور (٢) . وإذا أردت مثالاً على هذا التأثر الفكري بالمنهج الرافضي فإليك ذلك: هذا د. علي سامي النشار صاحب كتاب "شهداء الإسلام في عصر النبوة"

стр. 1145

يكتب كتاباً باسم "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" ويضع فيه ما تقر به عيون الروافض فيكفر فيه بعض صحابة رسول الله ﷺ فيقول مثلاً عن معاوية ﵁: "ومهما قيل في معاوية، ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخر، وبعض أهل السنة من وضعه في نسق صحابة رسول الله، فإن الرجل لم يؤمن أبداً بالإسلام، ولقد كان يطلق نفثاته على الإسلام كثيراً ولكنه لم يستطع أكثر من هذا" (١) . فانظر إلى عظيم افترائه.. وهل يعهد مثل هذا القول إلا من الروافض وأشباههم.. وكيف يتفوه مسلم بهذه المقالة في صحابي جاهد مع رسول الله ﷺ حيث شهد معه غزوة حنين (٢) ، وكان أميناً عنده يكتب له الوحي، وكان متولياً على المسلمين أربعين سنة نائباً ومستقلاً يقيم معهم شعائر الإسلام (٣) .؟. ثم هو يفتري على أهل السنة حين يزعم أن القول بصحبة معاوية هو قول للبعض من أهل السنة، وكأن الأكثرية على مذهبه، وهذا كذب واختلاق كمسلك الروافض في الكذب، فإن إيمان معاوية ﵁ ثابت بالنقل المتواتر وإجماع أهل العلم على ذلك (٤) . وقال أيضاً عن أبيه (أبو سفيان بن حرب) : "ولقد كان أبو سفيان زنديقاً أي ممن يؤمنون بالمجوسية الفارسية" (٥) ، مع أن أبا سفيان قد استعمله النبي ﷺ نائباً له، وتوفي النبي ﷺ وأبو سفيان عامله في نجران، فكيف يكون زنديقاً والنبي ﷺ يأتمنه على أحوال المسلمين في العلم والعمل؟! (٦) .

стр. 1146

ويوافق أهل الرفض في قولهم بأن قلة من الصحابة كانوا يرون الحق لعلي، وأن الأمر قد نزع منه.. يقول: "وقد أحسَّ قلة من خلص الصحابة أن الأمر نزع من علي للمرة الثالثة، وأنه إذا كان الأمر قد سلب منه أولاً لكي يعطى للصاحب الأول، ثم يأخذ منه ثانياً لكي يعطى للصاحب الثاني فقد أخذ منه ثالثاً لكي يعطى لشيخ متهاوٍ متهالك لا يحسن الأمر ولا يقيم العدل يترك الأمر لبقايا قريش الضالة" (١) . وهو يقصد بهذا الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان ﵁، الذي اتفق الصحابة على خلافته.. فكأنه يزري بهم جميعاً بهذه الفرية. ويقول عن الرافضة التي تتسمى بالاثني عشرية والتي قالت كل ما مضى من كفر وشنيعة، واستفاض ذمهم ومقتهم في كلام أئمة الإسلام. يقول: "إن الأفكار الفلسفية للشيعة الاثني عشرية هي في مجموعها إسلامية بحتة" (٢) . فانظر إلى هذه المفارقات الغريبة وتعجب (٣) . ويقول - وكأنه المتحدث أحد الروافض - بأن شيعة علي الذين أحبوه عن يقين وإيمان، وساروا في ركب الإمام وهم على إيمان مطلق بأنه الأثر الباقي لحقيقة الإسلام الكبرى، وبجانب هذا "العثمانية" و"الأموية" الذين كرهوا الإسلام أشد الكراهية، وامتلأت صدورهم بالحقد الدفين نحو رسول الله وآله وأصحابه (٤) . وبعد، فهذا مثال واحد أكتفي به، لأن هذه المسألة تستحق دراسة نقدية مستقلة.

стр. 1147

تشويه تاريخ المسلمين: للرافضة كتابات في التاريخ تعمدوا الإساءة فيها لتاريخ الأمة الإسلامية كما في روايات وأخبار الكلبي (١) ، وأبي مخنف (٢) ، ونصر بن مزاحم المنقري (٣) ، والتي توجد حتى عند الطبري في تاريخه، لكن الطبري يذكرها مسندة لهؤلاء فيعرف أهل العلم حالها (٤) . وكما في كتابات المسعودي في مروج الذهب، واليعقوبي في تاريخه.. وقد

стр. 1148

أشار الأستاذ محب الدين الخطيب في حاشية العواصم إلى أن التدوين التاريخي إنما بدأ بعد الدولة الأموية، وكان للأصابع الباطنية والشعوبية المتلفعة برداء التشيع دور في طمس معالم الخير فيه وتسويد صفحاته الناصعة (١) . ويظهر هذا الكيد لمن تدبر كتاب العواصم من القواصم لابن العربي مع الحاشية الممتازة التي وضعها عليه العلامة محب الدين الخطيب. لقد سوّد شيوخ الروافض آلاف الصفحات بسب أفضل قرن عرفته البشرية، وصرفوا أوقاتهم وجهودهم لتشويه تاريخ المسلمين. وكانت هذه المادة "الرافضية" الكبيرة والتي تجدها في كتب التاريخ التي وضعها الروافض، أو شاركوا في بعض أخبارها، وتراها في كتب الحديث عندهم كالكافي، والبحار، وفي ما كتب شيوخهم في القديم كإحقاق الحق، وفي الحديث ككتاب الغدير. هذه المادة السوداء المظلمة الكريهة الشائهة هي المرجع لما كتبه أعداء المسلمين من المستشرقين وغيرهم. وجاء ذلك الجيل المهزوم روحياً، والذي يرى في الغرب قدوته وامثولته من المستغربين فتلقف ما كتبته الأقلام الاستشراقية وجعلها مصدره ومنهله.. وتبنى أفكارهم ونشر شبهاتهم في ديار المسلمين. وكان لذلك أثره الخطير في أفكار المسلمين وثقافاتهم، وكان الرفض هو الأصل في هذا الشر كله. وإن دراسة آراء المستشرقين وصلتها بالشيعة لهي موضوع هام يستحق الدراسة والتتبع.. ولا يمكن بحال أن نخوض غماره في هذا البحث لضيق المجال، وحسبنا أن نشير إليه وننبه عليه.

стр. 1149

لقد بدأت استفادة العدو الكافر من شبهات الروافض وأكاذيبهم ومفترياتهم على الإسلام والمسلمين منذ وقت ليس بالقريب. ففي عصر الإمام ابن حزم (ت٤٥٦هـ) كان النصارى يتخذون من فرية الروافض حول كتاب الله سبحانه حجة لهم في مجادلة أهل الإسلام، وقد أجاب ابن حزم عن ذلك بكل حزم فأبان أنه لا عبرة بأقوال هذه الفئة، لأن الروافض ليسوا من المسلمين (١) . أثرهم في الأدب العربي: لم يسلم الأدب ودولة الشعر والنثر من تأثير أهل التشيع فيه، وقد ترك التشيع بصماته "السوداء" على الأدب العربي.. وقد استغل "شعراء" الشيعة وخطباؤها ما يسمى بمحن آل البيت في إثارة عواطف الناس واستجاشة مشاعرهم وإلهاب العواطف والنفوس، وتحريكها ضد الأمة ودينها. وتلمس في بعض ما وصلنا من "أدب" بعض الاتجاهات العقدية عند الشيعة، وتلمح المبالغة في تصوير ما جرى على أهل البيت من محن، واستغلال ذلك في نشر التشيع، والطعن في الصحابة رضوان الله عليه. وقد أجهد رواد التشيع أنفسهم في نشر الخرافات والأساطير عن أئمتهم في ثوب قصصي مثير، أو في خطبة أو في شعر مبالغ في الغلو في مدح الأئمة. ولقد تأثرت عقائد العامة وتصوراتهم، حتى أثر ذلك على عقيدة التوحيد عندهم فاتخذوا من الأئمة أرباباً من دون الله. يقول الأستاذ محمد سيد كيلاني: "فترى أن التشيع قد أخرج لوناً من الأدب كان سبباً في الهبوط بالمسلمين إلى هوة سحيقة من التأخر والانحطاط، وقد أفلح الوهابيون في القضاء على كثير

стр. 1150

من هذه الخرافات في داخل بلادهم، أما في الأقطار الإسلامية الأخرى فالحال باقية كما هي عليه حتى بين طبقة المتعلمين" (١) . ويكفي هذا مطالعة القصيدة المشهورة والمعتمدة عندهم وهي "القصيدة الأزرية" (٢) . كما اتخذوا من حرفة الأدب وسيلة للنيل من الأمة بالإساءة لسمعة خلفائها، وتشويه صورة المجتمع المسلم، حيث نجد تضخيم الجانب الهزلي والمنحرف والضال في المجتمع، بل تصوير المجتمع وخليفته بصورة هابطة كما فعلوا مع الخليفة هارون الرشيد وأخباره مع أبي نواس، وهو الخليفة الذي يغزو عاماً ويحج عاماً، كما وجدوا في الأدب متنفساً لهم، حيث ترتفع التقية في جو العاطفة والخيال.. فيصبوا أحقادهم وكرههم للخليفة والأمة في قصة أو شعر أو مثل أو خطبة.. ويكفي كمثال على ذلك كله الاطلاع على كتاب الأغاني للرافضي أبي الفرج الأصفهاني.

стр. 1151

المجال السياسي الشيعة - كما تؤكد أصولهم - لا يؤمنون بشرعية أي دولة في العالم الإسلامي، ويرون أن الخليفة على العالم الإسلامي طاغوت، ودولته غير شرعية، ولا يستثنون من ذلك إلا خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وخلافة الحسن (وقد مضى أنهم يقولون في رواياتهم: كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت) (١) . ولهذا وجد العدو المتربص بالأمة المسلمة ضالته المنشودة في الشيعة، وحقق الكثير من أغراضه بواسطتها، لوجود هذه العقيدة التي من ثمارها فقدان الولاء والطاعة، وإضمار العداء والكراهية للأمير والمأمورين من المسلمين. ولذا كانت الزمر الرافضية أداة مطيعة بيد العدو، ومركباً ذلولاً سخره للوصول إلى مآربه. وكانت عقيدة التقية تيسر للعناصر الشيعية إحكام الخطط، وترتيب المؤامرات، فهم أشبه ما يكونون بخلية سرية ماسونية تلبس للأمة المسلمة رداء الإسلام، وترتدي ثوب المودة والطاعة لإمام المسلمين في الظاهر، وتعمل على الكيد له وللأمة في الباطن، فقد قالوا: "خالطوهم بالبرانية وظاهروهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية" (٢) . ولقد كان الشيعة في مختلف فترات التاريخ موضع استغلال من الملحدين يسخرونهم في خدمة أغراضهم وتنفيذ مخططاتهم، وقد انضم رؤوس الزنادقة إلى

стр. 1152

ركب التشيع حتى يمكنهم الاستفادة من أولئك الرعاع، ولذا ذكر شيخ الإسلام "أن أكثر معتنقي التشيع لا يعتقدون دين الإسلام، إنما يتظاهرون بالتشيع لقلة عقل الشيعة وجهلهم ليتوسلوا بهم إلى أغراضهم" (١) . وقد شهدت الوقائع والأحداث أن التشيع كان مأوى لكل من يريد الكيد للإسلام وأهله. لقد وجدت طوائف من الفرس الذين قضى المسلمون على دولتهم في سبع نسين في التشيع ضالتهم المنشودة، كذلك وجد يهود الفرصة سانحة لتحقيق أهدافهم عن طريق التشيع. وإلى اليوم يتستر بالتشيع أعداء الإسلام والمتآمرين على أهله.. وقد برزت أثناء الخلاف بين الفصائل الشيعية المنبثقة من الاثني عشرية "اعترافات" من القوم أنفسهم تصدق هذا القول.. فقد نقل أحد الباحثين الشيعة بأن السفير الروسي في إيران - كنياز دكوركي كان يحضر دروس شيخهم الرشتي (٢) . صاحب الكشفية إحدى فرق الاثني عشرية - كما مر (٣) .- والتي يلقيها في كربلاء باسم مستعار هو "الشيخ عيسى اللنكراني" وقد كشفت ذلك مجلة الشرق التي أصدرتها وزارة الخارجية الروسية (السوفياتية) لسنة ١٩٢٤-١٩٢٥م (٤) . كم كان الجنرال الانكليزي المتقاعد جعيفر عليخان (ويبدو أنه اتخذ هذا الاسم للتمويه) كان يتزيا بالزي الشيعي ويحضر هو الآخر دروس كاظم الرشتي (٥) .

стр. 1153

ويعلل الباحث الشيعي هذه الظاهرة بأن الأعداء "كانوا على علم مسبق بأن سكان هذين القطرين - العراق وإيران - من المحبين لأهل البيت فجاءوهم من الناحية العقائدية (١) . فأشاعوا بينهم - كما يقول - من خلال المذهب الكشفي الغلو في الأئمة وجعلهم شركاء لله في خلقه ورزقه.. ونفي العقاب عن كل مرتكتب معصية صغيرة كانت أو كبيرة (٢) . ثم يقول: "وهكذا وجد الاستعمار في هذه الديار العربية المسلمة أرضاً خصبة لغرس شجرة العقيدة الحنظلية" (٣) . وأقول: ومن قبل كان للاتجاه الصفوي دوره الخطير في بذر أصول الغلو على يد ثلة من شيوخ السوء أمثال المجلسي والجزائري والكاشاني وغيرهم. وهذا العدو الذي لبس ثوب التشيع زرواً، واندس في صفوف الشيعة قد يجد المكانة الرفيعة بينهم، كيف وعقيدتهم في الإجماع تجعل لقول الفئة المجهولة، ورأي الشخص المجهول الأحقية على غيره على احتمال أن يكون هذا المجهول هو المهدي (٤) .

стр. 1154

هذا ومن يتتبع أحداث التاريخ وملاحمه يرى أن معول مدعي التشيع كان من أخطر المعاول التي أتت على الدولة الإسلامية من أطرافها، ذلك أنهم مع المسلمين في الظاهر، وهم من أعظم الأعداء لهم في الباطن، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن أصل كل فتنة وبلية هم الشيعة، ومن انضوى إليهم، وكثير من السيوف التي سلت في الإسلام إنما كان من جهتهم، وبهم تسترت الزنادقة" (١) . ولأنهم يرون أن المسلمين أكفر من اليهود والنصارى (٢) ، فهم يوالون أعداء الدين الذين يعرف كل أحد معاداتهم من اليهود والنصارى والمشركين، ويعادون أولياء الله الذين هم خيار أهل الدين وسادات المتقين (٣) . وقال شيخ الإسلام: "فقد رأينا ورأى المسلمون أنه إذا ابتلي المسلمون بعدو كافر كانوا معه على المسلمين" (٤) . فقد شهد الناس أنه لما دخل هولاكوا ملك الكفار الترك الشام سنة ٦٥٨هـ كانت الرافضة الذين كانوا بالشام من أعظم الناس أنصاراً وأعواناً على إقامة ملكه وتنفيذ أمره في زوال ملك المسلمين، وهكذا يعرف الناس عامة وخاصة ما كان بالعراق لما قدم هولاكو إلى العراق وسفك فيها من الدماء ما لا يحصيه إلا الله، فكان وزير الخليفة ابن العلقمي والرافضة هم بطانته الذين عاونوه على ذلك بأنواع كثيرة باطنة وظاهرة يطول وصفها (٥) . وقبل ذلك كانت إعانتهم لجد هولاكو هو جنكيز خان، فإن الرافضة أعانته على المسلمين. وقد رآهم المسلمون بسواحل الشام وغيرها إذا اقتتل المسلمون والنصارى

стр. 1155

هواهم مع النصارى يناصرونهم بحسب الإمكان، ويكرهون فتح مدائنهم كما كرهوا فتح عكا وغيرها، ويختارون إدالتهم على المسلمين حتى إنهم لما انكسر المسلمون سنة غازان (١) . سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وخلت الشم من جيش المسلمين عاثوا في البلاد، وسعوا في أنواع من الفساد من القتل وأخذ الأموال، وحمل راية الصليب، وتفضيل النصارى على المسلمين وحمل السبي والأموال والسلاح من المسلمين إلى النصارى بقبرص وغيرها، فهذا وأمثاله قد عاينه الناس، وتواتر عند من لم يعاينه (٢) . وقال: "وكذلك كانوا من أعظم الأسباب في استيلاء النصارى قديماً على بيت المقدس حتى استنقذه المسلمون منهم" (٣) . والحديث في هذا الباب ممتد، وقد حفلت كتب التاريخ بتصوير أحداثه المريرة. وإذا كان هذا تأثير الشيعة الذين يعيشون داخل الدولة الإسلامية، فإن تأثير دول الشيعة التي قامت أشد، ولهذا قال شيخ الإسلام عن دولة بني بويه (٤) . بأن هذه الدولة قد انتظمت أصناف المذاهب المذمومة: قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة، ومعتزلة، ورافضة. وقد حصل لأهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب

стр. 1156

والمشرق وغير ذلك، وجرت حوادث كثيرة (١) . وقال عن دولة خدا بنده (٢) : "وانظر ما حصل لهم في دولة السلطان خدا بنده الذي صنف له هذا الكتاب (٣) . كيف ظهر فيهم من الشر الذي لو دام وقوي أبطلوا به عامة شرائع الإسلام لكن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون" (٤) ، وكذلك كان الأمر أشد في الدولة الصفوية من بعد شيخ الإسلام. وإلى اليوم يجري الأثر الرافضي في أرض المسلمين فساداً من دولة الآيات في إيران، ومن منظماتهم في لبنان (٥) ، وفي خلاياهم في دول الخليج وغيرها. ويذكر إحسان إلهي ظهير أن انفصال باكستان الشرقية كان وراءه الكيد الرافضي، حيث قال: "وها هي باكستان الشرقية ذهبت ضحية بخيانة أحد أبناء "قزلباش" الشيعة يحيى خان في أيدي الهندوس" (٦) . وقد عارض شيوخ الشيعة في باكستان تطبيق الشريعة الإسلامية (٧) .؛ لأنها تحد من شهواتهم التي يمارسونها باسم المتعة، وتعاقبهم على جرائمهم التي يستسهلون ارتكابها بحجة أن حب علي لا تضر معه سيئة. وبعد.. هذه إشارات لقضايا كبيرة، شرحها ودراستها يحتاج لمؤلفات.

стр. 1157

وحسبي أن أختار مثالين منها للوقوف عندها قليلاً لأخذ العبرة: الأول: يتصل بتأثير الشيعة داخل الدولة الإسلامية، وسأتوقف عند حادثة ابن العلقمي وتآمره لإسقاط الدولة الإسلامية. والثاني: في تأثير دول الشيعة على المسلمين، وسأتوقف عند الدولة الصفوية. مؤامرة ابن العلقمي الرافضي: وملخص الحادثة أن ابن العلقمي كان وزيراً للخليفة العباسي المستعصم، وكان الخليفة على مذهب أهل السنة، كما كان أبوه وجده، ولكن كان فيه لين وعدم تيقظ، فكان هذا الوزير الرافضي يخطط للقضاء على دولة الخلافة، وإبادة أهل السنة، وإقامة دولة على مذهب الرافضة، فاستغل منصبه، وغفلة الخليفة لتنفيذ مؤامراته ضد دولة الخلافة، وكانت خيوط مؤامراته تتمثل في ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: إضعاف الجيش، ومضايقة الناس.. حيث سعى في قطع أرزاق عسكر المسلمين، وضعفتهم: قال ابن كثير: "وكان الوزير ابن العلقمي يجتهد في صرف الجيوش، وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في أخر أيام المستنصر قريباً من مائة ألف مقاتل.. فلم يزل يجتهد في تقليلهم، إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف" (١) . المرحلة الثانية: مكاتبة التتار: يقول ابن كثير: "ثم كاتب التتار، وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال وكشف لهم ضعف الرجال" (٢) . المرحلة الثالثة: النهي عن قتال التتار وتثبيط الخليفة والناس: فقد نهى العامة عن قتالهم (٣) . وأوهم الخليفة وحاشيته أن ملك التتار يريد

стр. 1158

مصالحتهم، وأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة، فخرج الخليفة إليه في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والأمراء والأعيان.. فتم بهذه الحيلة قتل الخليفة ومعن معه من قواد الأمة وطلائعها بدون أي جهد من التتر. وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم على المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، وقال الوزير ابن العلقمي: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاماً أو عامين، ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، وحسنوا له قتل الخليفة، ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، ونصير الدين الطوسي (١) . ثم مالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم، وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي (٢) . وقد قتلوا من المسلمين ما يقال إنه بضعة عشر ألف ألف إنسان أو أكثر أو أقل، ولم ير في الإسلام ملحمة مثل ملحمة الترك الكفار المسمين بالتتر، وقتلوا الهاشميين، وسبوا نساءهم من العباسيين وغير العباسيين، فهل يكون موالياً لآل رسول الله ﷺ من يسلط الكفار على قتلهم وسبيهم وعلى سائر المسلمين (٣) .؟ وقتل الخطباء والأئمة، وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد (٤) . وكان هدف ابن العلقمي "أن يزيل السنة بالكلية وأن يظهر البدعة الرافضة، وأن يعطل المساجد والمدارس، وأن يبني للرافضة مدرسة هائلة ينشرون بهذا مذهبهم

стр. 1159

فلم يقدره الله على ذلك، بل أزال نعمته عنه وقصف عمره بعد شعور يسيرة من هذه الحادثة، وأتبعه بولده" (١) . فتأمل هذه الحادثة الكبرى والخيانة العظمى، واعتبر بطيبة بعض أهل السنة إلى حد الغفلة بتقريب أعدى أعدائهم، وعظيم حقد هؤلاء الروافض وغلهم على أهل السنة، فهذا الرافضي كان وزيراً للمستعصم أربع عشرة سنة، وقد حصل له من التعظيم والوجاهة ما لم يحصل لغيره من الوزراء، فلم يجد هذا التسامح والتقدير في إزالة الحقد والغل الذي يحمله لأهل السنة، وقد كشف متأخروا الرافضة القناع عن قلوبهم، وباحوا بالسر المكنون فعدوا جريمة ابن العلقمي والنصير الطوسي في قتل المسلمين من عظيم مناقبهما عندهم. فقال الخميني في الإشادة بما حققه نصير الطوسي: ".. ويشعر الناس (يعني شيعته) بالخسارة.. بفقدان الخواجة نصير الدين الطوسي وأضرابه ممن قدم خدمات جليلة للإسلام" (٢) . والخدمات التي يعني هنا هي ما كشفها الخوانساري من قبله في قوله في ترجمة النصير الطوسي: "ومن جملة أمره المشهور المعروف المنقول حكاية استيزاره للسلطان المحتشم.. هولاكو خان.. ومجيئه في موكب السلطان المؤيد مع كمال الاستعداد إلى دار السلام بغداد لإرشاد العباد وإصلاح البلاد.. بإبادة ملك بني العباس، وإيقاع القتل العام من أتباع أولئك الطغام، إلى أن أسال من دمائهم الأقذار كأمثال الأنهار، فانهار بها في ماء دجلة، ومنها إلى نار جهنم دار البوار" (٣) .

стр. 1160

فهم يعدون تدبيره لإيقاع القتل العام بالمسلمين، من أعظم مناقبه، وهذا القتل هو الطريق عندهم لإرشاد العباد وإصلاح البلاد، ويرون مصير المسلمين الذي استشهدوا في هذه "الكارثة" إلى النار، ومعنى هذا أن هولاكو الوثني وهو الذي يصفه بالمؤيد، وجنده هم عندهم من أصحاب الجنة؛ لأنهم شفوا غيظ هؤلاء الروافض من المسلمين، فانظر إلى عظيم هذا الحقد!! حتى صار قتل المسلمين من أغلى أمانيهم.. وصار الكفار عندهم أقرب إليهم من أمة الإسلام. هذه قصة ابن العلقمي أوردتها معظم كتب التاريخ (١) ، وأقرتها كتب الرافضة، وأشادت بها.. ومع ذلك فقد حاول الراوفض المعاصرين توهين القصة والطعن في ثبوتها، وحجته أن الذين ذكروا الحادثة غير معاصرين للواقعة، وحينما جاء على من ذكر الحادثة من معاصريها مثل: أبي شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل (ت٦٦٥هـ) كان جوابه عن ذلك بأنه وإن عاصر الحادثة معاصرة زمانية، لكنه من دمشق فلم تتوفر فيه المعاصرة المكانية (٢) . وهي محاولة لرد ما استفاض أمره عند المؤرخين، كمحاولتهم في إنكار وجود ابن سبأ، وقد بحثت في كتب التاريخ فوجدت شهادة هامة لأحد كبار المؤرخين تتوفر فيه ثلاث صفات: الأولى: أن الشيعة يعدونه من رجالهم، والثانية: أنه من بغداد، والثالثة: أنه متوفى سنة ٦٧٤هـ. فهو شيعي بغدادي معاصر للحادثة؛ ذلك هو الإمام الفقيه علي بن أنجب المعروف بابن الساعي الذي شهد بجريمة ابن العلقمي فقال: " ... وفي أيامه (يعني المستعصم) استولت التتار على بغداد، وقتلوا الخليفة، وبه انقضت الدولة العباسية من أرض العراق، وسببه أن وزير الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي كان رافضياً..
следующие страницы →