← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فيقدمون الشرك على التوحيد. وقديمًا كان المشركون يقولون بأن دينهم أفضل من دين الله، وأنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً. واتخاذ القبور مساجد ملعون فاعلها على لسان رسول الهدى ﷺ ، حيث قال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١) . وفي الصحيحين أيضًا أنه ذكر له في مرض موته كنيسة بأرض الحبشة، وذكر له من حسنها وتصاوير فيها فقال: "إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله" (٢) . وقد ثبت أيضًا النهي عن اتخاذ القبور مساجد في كتب الاثني عشرية نفسها، ولكن شيوخهم يؤولونه - كما سيأتي -. جـ الانكباب على القبر: من مناسك المشاهد عندهم الانكباب على القبر، ووضع الخد عليه، وتقبيل

стр. 457

الأعتاب. ومناجاة صاحب القبر حتى ينقطع النفس كما يقولون. قال المجلسي: "باب ما يستحب فعله عند قبره ﵇.." (١) . ثم ذكر أن شيخ طائفتهم الطّوسي قال في وصفه لأعمال زيارة يوم الجمعة: ".. ثم تنكبّ على القبر وتقول: مولاي إمامي، مظلوم استعدى على ظالمه، النّصر، النّصر حتى ينقطع النّفس" (٢) . وفي أكثر زياراتهم يؤكدون في أثنائها وخاتمتها على الانكاب على القبر، ودعائه، فهذه زيارة للحسين أوصى بها جعفر الصادق - كما يزعمون - وأمر قبل بدء هذه الزيارة بصيام ثلاثة أيام ثم الاغتسال، ولبس ثوبين طاهرين، ثم صلاة ركعتين، ثم قال: "فإذا أتيت الباب فقف خارج القبّة، وأوم بطرفك نحو القبر وقل: يا مولاي يا أبا عبد الله يا ابن رسول الله عبدك وابن عبدك وابن أمتك، الذّليل بين يديك، المقصّر في علو قدرك، المعترف بحقّك، جاءك مستجيرًا بذمّتك، قاصدًا إلى حرمك، متوجّهًا إلى مقامك - إلى أن قال:- ثمّ انكبّ على القبر وقُل: يا مولاي أتيتك خائفًا فآمنّي، وأتيتك مستجيرًا فأجرني.. ثم انكبّ على القبر ثانية" (٣) . إلى آخر الزيارة التي يدعو فيها مخلوقًا من دون الله سبحانه، ويتضرع إليه وكأنه يتضرع أمام الله، فماذا يكون الشرك إذا لم يكن هذا شركًا؟! ومثل ذلك قال مفيدهم: "فإذا أردت الخروج فانكبّ على القبر وقبّله - إلى أن قال:- ثم ارجع إلى مشهد الحسين وقل: السّلام عليك يا أبا عبد الله، أنت لي جُنَّة من العذاب" (٤) . وهكذا أصبح في دينهم الشرك بالله من المستحبات، فهو سجود على القبر أو لصاحب القبر يسمونه "الانكباب"، ودعاء للميت الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا وكأنهم يدعون خالق السماوات والأرض القادر على كل شيء ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ

стр. 458

غَافِلُونَ﴾ (١) ، وهم يعدون هذا من أفضل القربات، ويوهمون الأتباع بأن هذا الشرك "يوجب غفران الذّنوب ودخول الجنّة، والعتق من النّار، وحطّ السّيئات، ورفع الدّرجات، وإجابة الدّعوات" (٢) . و"توجب طول العمر وحفظ النّفس والمال، وزيادة الرّزق وتنفّس الكرب، وقضاء الحوائج" (٣) . و"تعدل الحجّ والعمرة والجهاد والإعتاق" (٤) . إلى آخر الفضائل الموهومة.. فشرعوا من الدّين ما لم يأذن به الله. ولهم تعلق بكل عمل يتصل بالشرك بالله من قريب أو بعيد، حتى وإن لم يوجد نص يعتمدون عليه من كتبهم المليئة بما يغني في باب الشرك وأسبابه، يقول المجلسي - مثلاً -: "وأمّا تقبيل الأعتاب فلم نقف على نصّ يعتدّ به ولكن عليه الإماميّة" (٥) . أي أنهم يتعبدون بذلك مجاراة لأسلافهم وتقليدًا لهم، فكأن الشرك وأعماله المنتشرة في أمهات كتبهم لم تملأ ما في نفوسهم، فتعلقوا بما عليه من سبقهم كحال المشركين الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (٦) . وكل إمام ينسب له من المبادئ الشركية الجديدة، حتى "المنتظر" الذي لم يولد له قوانين جديدة في هذا الباب منها استقبال القبر في الصلاة واستدبار الكعبة - كما سيأتي - ومنها في مسألتنا هذه وضع الخد على القبر، فقد خرجت الرواية فيها - كما يقولون - من الناحية المقدسة، أي من قبل المهدي المنتظر المزعوم بواسطة سفرائه الكذبة حيث قال مهديهم: " ... والذي عليه العمل أن يضع خدّه الأيمن على القبر" (٧) .

стр. 459

ولهذا قرر شيوخهم أن من آداب زيارة هذه الأضرحة "وضع الخدّ الأيمن عند الفراغ من الزّيارة والدّعاء" (١) . وقالوا: "لا كراهة في تقبيل الضّرايح؛ بل هو سنّة عندنا ولو كان هناك تقية فتركه أولى" (٢) . هذه مبادئ جديدة ابتدعها شيوخ السوء من الرافضة "وقد اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الاستلام والتقبيل إلا للركنين اليمانيين، فالحجر الأسود يستلم ويقبل، واليماني يستلم، وقد قيل إنه يقبل وهو ضعيف، وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله كجوانب البيت، والصخرة والحجرة النبوية، وسائر قبور الأنبياء والصالحين" (٣) . والهدف من هذه المبادئ الصد عن دين الله سبحانه، والدعوة إلى الشرك بالله وتهيئة أسبابه، وقد وضعت أدعية تقال أثناء هذه الأعمال فيها من الشرك بالله سبحانه، وتأليه الأئمة ما يستقل عنده فعل المشركين. د ـ اتخاذ القبر قبلة كبيت الله: قال شيخ الشيعة المجلسي: "إنّ استقبال القبر أمر لازم، وإن لم يكن موافقًا للقبلة.. واستقبال القبر للزّائر بمنزلة استقبال القبلة وهو وجه الله، أي جهته التي أمر النّاس باستقبالها في تلك الحالة" (٤) . وحينما وجد المجلسي في روايات قومه نصين متعارضين - كالعادة - الأول: عن أبي جعفر محمد الباقر يقول: "إنّ رسول الله ﷺ .. قال: لا تتّخذوا قبري قبلة ولا مسجدًا، فإنّ الله لعن الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٥) .

стр. 460

والثاني: من مهديهم المنتظر (الذي لا وجود له كما يقول أهل العلم) ونصه: "كتب الحميري (١) . إلى النّاحية المقدّسة (٢) . يسأل عن الرّجل يزور قبور الأئمّة ﵈.. هل يجوز لمن صلّى عند بعض قبورهم ﵈ أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة أم يقوم عند رأسه أو رجليه؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعل القبر خلفه أم لا؟ فأجاب (المهدي المزعوم) :.. أمّا الصّلاة فإنّها خلفه ويجعل القبر أمامه، ولا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره؛ لأن الإمام صلى الله عليه لا يتقدم عليه ولا يساوى" (٣) . حينما وجد المجلسي هذين النصين رجح لقومه العمل بالنص الثاني فقال: "يمكن حمل الخبر السّابق على التّقية أو على أنّه لا يجوز أن يجعل قبورهم بمنزلة الكعبة يتوجّه إليها من كلّ جانب (٤) . ومن الأصحاب من حمل الخبر الأوّل على الصّلاة جماعة، والخبر الثّاني على الصّلاة فرادى، وستأتي الأخبار المؤيدة للخبر الثاني (يعني في اتخاذ القبر قبلة) في أبواب الزيارات" (٥) . انظر كيف يؤيد شيوخهم الشرك بالله سبحانه، ويردون الحق ولو جاء في كتبهم، فيرجّح المجلسي ما جاء عن المنتظر الذي لا حقيقة له، ويردّ ما روي عن أبي جعفر عن رسول الهدى ﷺ والموافق للكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة. وقد توقف المجلسي أيضًا عند قول إمامه وهو يبين طريقة زيارة القبر من البعيد عنه قال: "اغتسل يوم الجمعة أو أي يوم شئت، والبس أطهر ثيابك واصعد

стр. 461

إلى أعلى موضع في دارك أو الصّحراء فاستقبل القبلة بوجهك بعدما تبيّن أنّ القبر هنالك". توقف المجلسي عند هذا النص، لأن استقبال القبر في دينه أمر لازم فقال: "قوله: فاستقبل القبلة بوجهك لعله ﵇ إنما قال ذلك لمن أمكنه استقبال القبر والقبلة معًا ... ويحتمل أن يكون المراد بالقبلة هنا جهة القبر مجازًا.. ولا يبعد أن تكون القبلة تصحيف القبر" (١) . كل هذه التكلفات والتأولات لأنه يقول بأن طائفته "حكموا باستقبال القبر مطلقًا (أي في كل أنواع الزيارات) ، وهو الموافق للأخبار الأخر في زيارة البعيد" (٢) . وقال: إنه مع بعد الزائر عن القبر يستحسن استقبال القبر في الصلاة واستدبار الكعبة (٣) ، وذلك عند أداء ركعتي الزيارة التي قالوا فيها: "إن ركعتي الزيارة لابد منهما عند كل قبر" (٤) . وهذا ليس بغريب من قوم زعموا أن كربلاء أفضل من الكعبة. فماذا نسمي هذا الدين الذي يأمر أتباعه باستدبار الكعبة واستقبال قبور الأئمة؟ وماذا نسمي هؤلاء الشيوخ الذين يدعون لهذا الدين؟ فليسم بأي اسم إلا الإسلام دين التوحيد الذي نهى رسوله ﵊ عن الصلاة في المقابر فكيف باتخاذ القبور قبلة!! ومن العجب أن هذا النهي عن اتخاذ القبور مسجدًا وقبلة ورد في كتب الشيعة نفسها، كما جاء في الوسائل للحر العاملي (٥) . وغيره، كما ورد أيضًا بطلان

стр. 462

الصلاة إلى غير القبلة (١) . والتناقض في هذا المذهب من أعجب العجب. هذا بعض ما جاء في مصادرهم المعتمدة حول المشاهد، وهو قليل من كثير، حيث إن لهم عناية ظاهرة، واهتمامًا واسعًا بأمر المشاهد ومناسكها كاهتمامهم بمسألة الإمامة، وقد خصصت مصادرهم المعتمدة له قسمًا خاصًا مما لا تجده في كتب المسلمين الموحدين. ففي بحار الأنوار للمجلسي، كتاب مستقبل سماه "كتب المزار" يتضمن أبوابًا كثيرة، اشتملت على مئات الروايات، وقد استغرق ذلك حوالي ثلاثة مجلدات (٢) . من طبعة البحار الأخيرة. وكذلك في وسائل الشيعة للحر العاملي ذكر (١٠٦) بابًا بعنوان: أبواب المزار" (٣) . وفي الوافي للكاشاني الجامع لأصولهم الأربعة عقد ثلاثة وثلاثين بابًا بعنوان "أبواب المزارات والمشاهد" (٤) . وفي كتاب من لا يحضره الفقيه لابن بابويه (أحد مصادرهم المعتمدة) أبواب عدة حول المشاهد وتعظيمها كباب تربة الحسين وحريم قبره، وأبواب زيارة الأئمة وفضلها (٥) . وفي تهذيب الأحكام للطوسي مجموعة كبيرة من الأبواب تتضمن تعظيم

стр. 463

المشاهد والقبور، ومناجاة الأئمة بأدعية تتضمن تأليفهم (١) . وفي مستدرك الوسائل ستة وثمانون بابًا حوت (٢٧٦) رواية في الزيارات والمشاهد (٢) . هذا عدا ما اشتملت عليه كتبهم الأخرى التي هي في منزلة المصادر الثمانية عندهم كثواب الأعمال لابن بابويه وغيره. وهذا غير ما ألف في المزارات من كتب خاصة به في الماضي والحاضر مثل: كامل الزيارات لابن قولويه، ومفاتيح الجنان لعباس القمي، وعمدة الزائر لحيدر الحسيني، وضياء الصالحين للجوهري وغيرها. وكلها تتحدث عن الفضائل المزعومة لمن شد الرحل لزيارة أضرحة الأئمة وطاف بها، ودعا في رحابها، واستغاث بمن فيها، وتذكر مئات الأدعية التي فيها من الغلو في الأئمة ما يصل بهم إلى مقام الخالق جل شأنه، وفيها من الشرك بالله ما الله به عليم. وكان لاهتمامهم بهذا المعول الهادم لأصل التوحيد أثره في ديار الشيعة، حيث عمرت بيوت الشرك التي يسمونها المشاهد، وعطلت بيوت التوحيد وهي المساجد وبقي هذا الاهتمام إلى اليوم كما سيأتي - إن شاء الله - (٣) .

стр. 464

الجانب النقدي (لمسألة المشاهد عند الشيعة) : إن للمسلمين كعبة واحدة يتجهون إليها في صلاتهم ودعائهم، ويحجون إليها، ويطوفون بها، أما الشيعة فلهم مزارات ومشاهد وكعبات عبارة عن أضرحة الموتى من الأئمة (١) وغيرهم (٢) ، وهي قبور تنافس بيت الله بل تفضل عليه، ويقام فيها الشرك ويهدم التوحيد. وقد يقال: إن الشرك والمشاهد منتشرة في كثير من بلاد السنة. وقد أثار شيخ الإسلام ابن تيمية هذا السؤال في أثناء حديثه عن غلو الشيعة في أئمتها وما عندها من الشرك والبدعة حيث قال: "فإن قيل: ما وصفت به الرافضة من الغلو والشرك والبدع موجود كثير منه في كثير من المنتسبين إلى السنة.."، وأجاب ﵀ عن ذلك: بأن هذا كله مما نهى الله عنه ورسوله، وكل ما نهى الله عنه ورسوله فهو مذموم منهي عنه سواء كان فاعله منتسبًا إلى السنة أو التشيع، ولكن ما عند الرافضة من هذه الأمور المخالفة للكتاب والسنة أكثر مما عند أهل السنة (٣) .

стр. 465

وأضيف أيضًا أن الفرق بين الشيعة وأهل السنة في ذلك أن ما عند أهل السنة هو انحراف في واقعهم تنكره أصولهم، وما عند الشيعة هو ما يتفق مع أصولهم بل هو ما تدعو إليه وتحث عليه أحاديثهم ورواياتهم - كما رأينا - فهو معروف في أصول الشيعة منكر في أصول أهل السنة. ونتيجة هذا الفرق أن ما عند أهل السنة قابل للإصلاح وما عند الشيعة غير قابل حتى تغير أصولهم أولاً، وهذه النتيجة ليست نظرية أو خيالية بل ظهرت بشكل واقع في تأثير حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي في محاربة الشرك، واستعصاء الشيعة على هذا الإصلاح. وقد شهد بهذه الحقيقة شاهد من أهلها: يقول العالم الإيراني - الشيعي الصل - أحمد الكسروي (١) .: "ومما يرى من لجاج الشيعة أنه قد انقضى منذ ظهور الوهابيين أكثر من مائة وخمسين عامًا، وجرت في تلك المدة مباحثات ومجادلات كثيرة بينهم وبين الطوائف الأخرى من المسلمين، وانتشرت رسالات وطبعت كتب، وظهر جليًا أن ليست زيارة القبب، والتوسل بالموتى، ونذر النذور للقبور وأمثالها إلا الشرك، ولا فرق بين هذه وبين عبادة الأوثان التي كانت جارية بين المشركين من العرب فقام الإسلام يجادلها ويبغي قلع جذورها، يبين ذلك آيات كثيرة من القرآن، فأثرت الوهابية في سائر طوائف المسلمين غير الروافض أو الشيعة الإمامية، فإن هؤلاء لم يكترثوا بما كان، ولم يعتنوا بالكتب المنتشرة والدلائل المذكورة أدنى اعتناء، ولم يكن نصيب الوهابيين منهم إلا اللعن والسب كالآخرين" (٢) . إن الشرك قد ألبس في مصادر الشيعة المعتمدة ثوب الحق، وأصبح هو الدين، وهذا هو الخطر الأكبر، والداء الأعظم. لقد عقدت أمهات كتبهم "أبوابًا"

стр. 466

كثيرة ضمنتها مئات من الروايات تجسد الشرك وترسي قواعده، وألفت في هذا كتبٌ مستقلة جمعت من الشر في هذا السبيل فأوعت - كما مر -. لقد غلت الرافضة بالأئمة وقبورهم، وصنعوا صنيع النصارى في غلوهم في المسيح.. فترك هؤلاء الروافض عبادة الله وحده لا شريك له فتراهم يعطلون المساجد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.. ويعظمون المشاهد المبنية على القبور فيعكفون عليها مشابهة للمشركين، ويحجون إليها كما يحج الحاج إلى البيت العتيق، بل السفر إليها والطواف بها والصلاة عندها وتقديم القرابين في رحابها والانكباب على الضريح والاستغاثة به، وطلب الشفاء منه، أو التوسل به وطلب شفاعته هي عندهم من أفضل القربات وأعظم الطاعات - كما مضى ذكر بعض شواهده - ومن أضل ممن يفضل الشرك على التوحيد، ويعمر المشاهد ويعطل المساجد، و"يعتاض عن أرض مكة والحرم وعفرة ومنى بأرض كربلاء" (١) . ويستبدل الباطل بالحق، ويرى أنه أهدى من الذين آمنوا سبيلاً؟! وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يأمر بما ذكروه من أمر المشاهد ولا شرع ولا شرع لأمته مناسك عند قبور الأنبياء والصالحين، بل هذا من دين المشركين (٢) . الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (٣) . قال ابن عباس وغيره: هؤلاء.. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت (٤) .

стр. 467

وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لأبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" (١) . وهذا المعنى أقرت به بعض روايات الشيعة، فقد روى الكليني عن أبي عبد الله قال: قال أمير المؤمنين ﵇: بعثني رسول الله ﷺ إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلا محوتها ولا قبرًا إلا سوّيته (٢) . وفي رواية أخرى «بعثني رسول الله ﷺ في هدم القبور وكسر الصّور" (٣) . وعن أبي عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى عليه (٤) . وعن أبي عبد الله قال: لا تبنوا على القبور.. فإنّ رسول الله ﷺ كره ذلك (٥) ، وعنه أيضًا عن آبائه عن رسول الله ﷺ نهى أن يجصّص المقابر (٦) . وقد زعم الحرّ العاملي أنّ هذا النهي يشمل كل قبر "غير قبر النبي ﷺ والأئمة ﵈ وأن هذا النّهي لمجرّد الكراهة" (٧) . وصيغة العموم واضحة في هذه الروايات، كما أن دلالة التحريم بينة، ولا دليل

стр. 468

عند العاملي سوى ما شذت به طائفته في واقعها وفي جملة من رواياتها، والشذوذ دليل على البطلان لمخالفته لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة بما فيهم أهل البيت الذين أثر عنهم التحذير من ذلك، لأن ذلك وسيلة للشرك بالله، ثم إن الحكمة التي ورد من أجلها النهي لا تفرق بين قبر وقبر، وقد يكون الخطر في قبور الأئمة أشد لعظيم الافتتان بهم، ولهذا كان أصل الشرك هو الغلو في الصالحين (١) . وتناقض كتب الشيعة نفسها حينما تنقل أدعية الأئمة، ومناجاتهم لله سبحانه، وتضرعهم بالاستكانة إليه، وإخلاص الدعاء له وحده، وإظهار الضعف والافتقار إليه سبحانه، مما يكشف باطل الشيعة، ويبين أن ما تفعله في مزاراتها، وتدعو إليه في رواياتها ليس من هدي الأئمة. فهذا جعفر الصادق كان من دعائه كما تعترف كتب الشيعة: "اللهم إنّي أصبحت لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعًا ولا حياة ولا موتًا ولا نشورًا، قد ذلّ مصرعي، واستكان مضجعي، وظهر ضري، وانقطع عذري، وقل ناصري، وأسلمني أهلي ووالدي وولدي بعد قيام حجتك عليّ، وظهور براهينك عندي، ووضوح أدلتك لي. اللهم وقد.. أعيت الحيل، وتغلقت الطرق، وضاقت المذاهب، ودرست الآمال إلا منك، وانقطع الرّجاء إلا من جهتك.." (٢) . هذا ما يجأر به جعفر ويلجأ به إلى الله فهو لا يملك شيئًا من النفع، أو الضر لنفسه فكيف لغيره، وإذا كان ذلك في حياته فهو بعد موته أعجز.

стр. 469

وكثير من الأئمة نقل عنهم أمثال هذه الدعوات (١) . كما تنقل كتب الشيعة أن أمير المؤمنين عليًا صور حالته في القبر في مناجاته لربه فقال: "إلهي كأني بنفسي قد أضجعت في حقرتها، وانصرف عنها المشيعون من جيرتها.. ولم يخف على الناظرين ضرّ فاقتها.. قد توسدت الثرى وعجز حيلتها.." (٢) . فليس له حيلة في نفسه إلا برحمة من الله وفضل، فكيف يطلب منه في قبره الشفاعة والغفران وينسى ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم. والحسين لم يستطع أن يدفع عن نفسه القتل فكيف يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله؟! وقد نقلت كتب الشيعة أن النبي ﷺ كان يعوذه هو والحسن بهذه العوذة وهو هذا الدعاء: بسم الله الرحمن الرحيم: أعيذ نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي وخواتيم عملي، وما رزقني ربي وخولني بعزة ربي وعظمة الله.. إلخ (٣) . فهو أضعف من أن يقي نفسه شر ما يصيبها إلا بحفظ الله، فإذا كان ذلك في حياته فهو بعد موته أعجز، والله سبحانه لم يجعل بينه وبين خلقه واسطة إلا الرسل للإبلاغ والبيان.

стр. 470

المبحث الرابع: قولهم: إن الإمام يُحرّم ما يشاء ويُحلّ ما يشاء من أصول التوحيد الإيمان بأن الله سبحانه هو المشرع وحده سبحانه، يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء، لا شريك له في ذلك، ورسل الله يبلغون شرع الله لعباده، ومن ادعى أن له إمامًا يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء فهو داخل في قوله سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ (١) . فأشرك مع الله غيره. والشيعة تزعم في رواياتهم أن الله "خلق محمّدًا وعليًّا وفاطمة فمكثوا ألف دهر ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض أمورهم إليها، فهم يحلّون ما يشاءون ويحرّمون ما يشاءون" (٢) . وقد بين شيخهم المجلسي بعض فقرات هذا النص فقال: "وأجرى طاعتهم عليها، أي أوجب وألزم على جميع الأشياء طاعتهم حتى الجمادات من السّماويّات والأرضيّات، كشقّ القمر وإقبال الشّجر وتسبيح الحصى وأمثالها ممّا لا يحصي، وفوّض أمورها إليهم من التّحليل والتّحريم والعطاء والمنع.." (٣) . ثم بين أن ظاهر هذا النص يدل على تفويض الأحكام "أحكام التحليل والتحريم إليهم". وجاءت الرواية عندهم صريحة بهذا فيما ذكره المفيد في الاختصاص، والمجلسي في البحار وغيرهم عن أبي جعفر قال: "من أحللنا له شيئًا أصابه من أعمال الظّالمين (٤) . فهو حلال لأن الأئمة منا مفوض إليهم، فما أحلوا فهو حلال،

стр. 471

وما حرموا فهو حرام" (١) . هكذا يصرحون بأن للأئمة حق التشريع والتحليل والتحريم فما أحلوه من بين مال المسلمين فهو حلال، وما حرموه فهو حرام ... فجعل هؤلاء من أئمتهم أربابًا من دون الله، لأن جعلهم جهة تحريم وتحليل وتشريع هو شرك في توحيد الربوبية، لأن الحاكمية والتشريع لله، كما أن طاعتهم في تشريعهم المخالف لشريعة رب العالمين، والتي قد تنسخ أو تقيد أو تخصص ما جاء به خاتم النبيين (٢) . هو عبودية لهم من دون الله.. وحق التشريع لا يملكها إلا رب العباد، والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هم مبلغون عن الله سبحانه لا يحرمون ولا يحلون إلا ما يأمرهم الله به، ويوحيه إليهم. وقد قال الله جل شأنه فيمن اتبع مشايخه فيما يحلون ويحرمون من دون شرع الله وحكمه قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ (٣) . فجعل سبحانه اتباعهم فيما يحلون من الحرام، ويحرمون من الحلال - كما جاء في تفسير الآية (٤) .- عبادة لهم، حيث "تلقوا الحلال والحرام من جهتهم وهو أمر لا يتلقى إلا من جهة الله " (٥) . وقد شابه اعتقاد الشيعة في أئمتهم ومشايخهم اعتقاد النصارى في رؤسائهم؛ فالجميع اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله سبحانه.

стр. 472

والشيعة حينما اعتقدت في أئمتها أنهم جهة تشريع أكملت ذلك بدعواها أن الناس جميعًا عبيد للأئمة لتتضح صورة الشرك أكثر. قال الرضا: "الناس عبيد لنا في الطاعة، موالٍ لنا في الدين فليبلغ الشاهد الغائب" (١) . مع أن الله سبحانه يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ﴾ (٢) . فالناس جميعًا عبيد لله وحده لا لأحد سواه، ولو كان من عباد الله المرسلين الذين آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة، فكيف بأئمة الشيعة، أو من تدعي فيه الإمامة. وبما أن الأئمة - حسب اعتقاد الشيعة - جهة تحليل وتحريم، جهة تحليل وتحريم، فإن لهم الخيار في أن يبينوا للناس أمر الحلال والحرام وأن يكتموا. جاء في الكافي وغيره: "عن معلى بن محمد عن الوشاء قال: سألت الرضا ﵁ فقلت له: جعلت فداك ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) . فقال: نحن أهل الذكر، ونحن المسؤولون، قلت: فأنتم المسؤولون ونحن السائلون؟ قال: نعم، قلت: حقًا علينا أن نسألكم؟ قال: نعم، قلت: حقًا عليكم أن تجيبونا؟ قال: لا، ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل" (٤) . وفي هذا المعنى روايات كثيرة عندهم (٥) . مع أن هذا لم يكن لرسول الهدى ﷺ أفضل الرسل أجمعين. قال تعالى:

стр. 473

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) . وقد جاء الوعيد الشديد لمن كتم ما أنزل الله من الهدى والحق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ (٣) . وقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي ﷺ أنه قال: "من سئل عن علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (٤) . فهل بيان ما يحتاج الناس إليه من الحق والهدى خاضع للإرادات والمزاج والهوى حتى يقال: "ليس علينا الجواب إن شئنا أجبنا وإن شئنا أمسكنا" (٥) .؟! ولأن البيان والتعليم خاضع لإرادة أئمة الشيعة، فقد ظل الشيعة - كما تقول أخبارهم - "لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى كان أبو جعفر (محمد الباقر) ففتح لهم، وبين مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم" (٦) . "ولم يكتف الشيعة بذلك بل زعموا أن لأئمتهم "حق" إضلال الناس، وإجابتهم بالأجوبة المختلفة المتناقضة، لأنه قد فوض إليهم ذلك. جاء في الاختصاص للمفيد عن موسى بن أشيم قال: دخلت على أبي عبد الله فسألته عن مسألة

стр. 474

فأجابني فيها بجواب، فأنا جالس إذ دخل رجل فسأله عنها بعينها فأجابه بخلاف ما أجابني وخلاف ما أجاب به صاحبي، ففزعت من ذلك وعظم عليَّ، فلما خرج القوم نظر إليَّ وقال: يا ابن أشيم إن الله فوض إلى داود أمر ملكه فقال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١) ، وفوض إلى محمد ﷺ أمر دينه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٢) ، وإن الله فوض إلى الأئمة منا وإلينا ما فوض إلى محمد ﷺ فلا تجزع" (٣) . وهكذا يفترون الكذب.. فالأئمة - كما تقول أخبارهم - هم المشرعون، وأمر التحليل والتحريم بأيديهم، ولهم حق كتمان ما يحتاج الناس إليه حتى أركان الإسلام وأصوله إن شاءوا أجابوا الناس، وإن شاءوا منعوهم، ولذلك ظل الشيعة في جهل في أمر الحج - كما يشهدون على أنفسهم - إلى زمن الباقر؛ لأنهم لا يأخذون مما رواه الصحابة عن رسول الله ﷺ وإنما يأخذون ما جاء عن الأئمة، والأئمة كتموا أمر المناسك عليهم. وتستمر مسيرة الافتراء بأيدي هؤلاء القوم على دين الله وكتابه، ورسوله وأهل بيته، وهم يتسترون على هذه الدعاوى المنكرة، والاتجاهات الكافرة بدعوى التشيع لآل البيت، فهل هؤلاء شيعة لعلي والحسن والحسين وعلي بن الحسين وهم يفترون عليهم.. كل هذه الافتراءات، ويرمونهم بأنهم لم يبينوا للناس أمر الحلال والحرام، والحج، وأن من شرعتهم كتمان الحق، وإضلال الناس بالأجوبة المتناقضة؟!

стр. 475

المبحث الخامس: قولهم: إن تراب قبر الحسين شفاء من كل داء تقول الشيعة - مخالفة بذلك النقل والعقل، والطب والحكمة بأن تربة الحسين هي الكفيلة لشفاء الأدواء والأسقام بشتى أنواعها وأشكالها، وكأنهم بهذا اعتقدوا فيما لا ينفع بالحس والمشاهدة، وبالطبع والعقل، اعتقدوا فيه النفع، وزعموا أن الشفاء يتحقق من تراب قبر لا من رب الأرباب، مخالفين بذلك قول الله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ (١) ، وقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٣) . فهم باعتقادهم بهذا التراب الدواء والشفاء قد شابهوا المشركين في اعتقادهم بأحجارهم النفع والضر. ولقد ذكر صاحب البحار ما يصل إلى ثلاث وثمانين رواية عن تربة الحسين وفضلها وآدابها وأحكامها (٤) ، فجعلت هذه الرّوايات من هذه التّربة البلسم الشّافي من كلّ داء (٥) ، والحصن الحصين من كلّ خوف (٦) ، يشرب منها المريض

стр. 476

فيتحوّل إلى صحيح، كأن لم يكن به بأس (١) . ويحنّك بها الطّفل فتكون مأمنه من الأخطار (٢) ، وتوضع مع الميّت في قبره لتقيه من العذاب (٣) ، ويمسك بها الرّجل يعبث بها ساهيًا يقلّبها فيكتب له أجر المسبّحين، لأنّها تسبّح بيد الرّجل من غير أن يسبّح (٤) . إنّ الله جعل تربة جدّي الحسين ﵁ شفاء من كلّ داء، وأمانًا من كلّ خوف، فإذا تناولها أحدكم فليقبّلها ويعضها على عينه وليمرّها على سائر جسده وليقل: "اللهمّ بحقّ هذه التّربة وبحقّ من حلّ بها وثوى فيها.. إلخ" (٥) . وما أن يحس الشيعي بألم المرض وشدته حتى يتجه إلى طينة الضريح وعليه أن يختار الوقت المناسب، فيتجه إليه - كما تقول أخبارهم - في جنح الليل البهيم وليكن في آخره، ويغتسل ويلبس أطهر ثيابه، وإذا وصل فليقف عند الرأس ويصلي، وإذا فرغ من صلاته سجد سجدة طويلة يكرر فيها كلمة واحدة ألف مرة، هذه الكلمة هي "شكرًا"، ثم يقوم ويتعلق بالضريح ويقول: "يا مولاي يا ابن رسول الله إني آخذ من تربتك بإذنك اللهم فاجعلها شفاء من كل داء، وعزًا من كل ذل، وأمنًا من كل خوف، وغنىً من كل فقر.." (٦) .

стр. 477

ثم بعد ذلك يأخذ من الطينة "بثلاث أصابع ثلاث قبضات" وتوصيه الرواية بأن يجعل ذلك في خرقة نظيفة ويختمها بخاتم فصه عقيق.. ثم يستعمل منها وقت الحاجة مثل الحمصة فإنه يشفي (١) . وتزيد رواية أخرى بأن عليه أن يتباكى ويقول: "بسم الله وبالله وبحق هذه التربة المباركة، وبحق الوصي الذي تواريه وبحق جده وأبيه، وأمه وأخيه، وبحق أولاده الصادقين، وبحق الملائكة المقيمين عند قبره ينتظرون نصرته، صلّ عليهم أجمعين، واجعل لي ولأهلي وولدي وإخوتي وأخواتي فيه الشفاء من كل داء.." (٢) . وتتحدث بعض الروايات عن طرق أخرى للاستشفاء بها فتقول: قال أبو عبد الله: إن الله جعل تربة جدي الحسين ﵁ شفاء من كل داء، وأمانًا من كل خوف، فإذا تناولها أحدكم فليقبلها ويضعها على عنه وليمرها على سائر جسده وليقل: "اللهم بحق هذه التربة وبحق من حل بها وثوى فيها.. إلخ" (٣) . وتذكر رواية أخرى طريقة تناولها ببيان المقدار والصفة، حيث قال جعفرهم - حينما سئل عن كيفية تناولها -: "إذا تناول التّربة أحدكم فليأخذ بأطراف أصابعه وقدره مثل الحمّصة فليقبّلها وليضعها على عينه.." (٤) . فهذا هو المستشفى المتنقل مع كل شيعي. ويبدو أن هذه الطينة زادت مرضهم مرضًا، ومن تعلق بشيء وكل إليه، ولهذا شكا بعض الشيعة لإمامه ما يجده من ضعف القدرة، فعزاه إمامه بقوله: "كذلك جعل الله أولياءنا وأهل مودتنا وجعل البلاء إليهم سريعًا" (٥) .

стр. 478

هذا وكما أن الشيعي يتجه حين نزول المرض به إلى صنمه والذي يسميه "بالطينة"، فإنه أيضًا يلجأ إلى هذا الصنم وقت الخوف ومداهمة العدو، فيصطحبه معه في ظروف الخوف. يقول إمامهم: "إذا خفت سلطانًا أو غير سلطان فلا تخرجنّ من منزلك إلا ومعك من طين قبر الحسين" (١) وأمره أن يقول: "اللهمّ إنّي أخذته من قبر وليّك وابن وليّك، فاجعله لي أمنًا وحرزًا لِمَا أخاف وما لا أخاف" (٢) . ولا ينسى راوي هذه الأسطورة أن يذكر طائفته بأنه فعل ذلك فكانت له الأمان من كل ما خاف وما لم يخف ولم ير مكروهًا (٣) . وهذه الطينة هي أمل الحور العين، ولذلك فالحور كما تقول أساطيرهم يطلبن من الملائكة حينما يهبطون إلى الأرض أن تكون هداياهن من طين قبر الحسين (٤) . كما تصف رواياتهم السّجود على هذه الطّينة بأنّها "تخرق الحُجُب السّبع" (٥) . هذا جزء من دعاواهم حول طينة الحسين، وكأنهم في اعتقادهم بهذه الطينة فعلوا أكثر من المشركين الذين قالوا في أصنامهم بأنها تقربهم إلى الله زلفى، فقد جعلوا لهذه الطينة خواص لا يقدر عليها إلا رب العزة جل علاه، اتخذوها ربًا وإلهًا مع الله سبحانه. ودعوى الاستشفاء بهذه الطينة منكر من القول وزور، وهي من دين الشيعة لا من دين الإسلام ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ

стр. 479

مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) ، وليس لها ذكر في كتاب ربنا ولا سنة نبينا، والله سبحانه بيّن في كتابه أن القرآن العظيم شفاء لعباده المؤمنين ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ (٢) . ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) . وسنة المصطفى ﷺ بينت من الأدعية والأوراد التي فيها اللجوء إلى الله وحده لا إلى تراب ولا صنم، بل ولا ملك مقرب ولا نبي مرسل وإنما إلى الله وحده، ويتحقق بسببها - بإذنه تعالى - الحفظ للمسلم والأمان (٤) . كما أن المسلم مأمور بالأخذ بالسباب الطبيعية للشفاء.. أما أكل التراب فهو بدعة كبرى، وأضحوكة ليس لها مثيل إلا في دين هؤلاء القوم.

стр. 480

المبحث السادس: دعاؤهم بالطلاسم والرموز واستغاثتهم بالمجهول ومن ضلالهم وشركهم دعاؤهم بالرموز والطلاسم والحروف، واعتبار ذلك من أحراز الأئمة وأدعيتهم وحجبهم، فيكتبونها ويتمتمون بها.. من أجل الشفاء، والسلامة، وقد جمع من ذلك المجلسي فأكثر، فقد أورد في كتابه طائفة من الألفاظ التي لا معنى لها، ووضع صور بعض الطلاسم برسم غريب في كتابه البحار على أن ذلك من هدي الأئمة للشفاء (١) إلى آخر هذه الطلاسم، ثم رسم رموزًا غريبة على شكل خطوط متداخلة (٢) . والأحجية بالحروف التي لا معنى لها هي من عوذات الأئمة كما يفترون (٣) . والله سبحانه يقول: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤) . وكتابة

стр. 481

الأحجبة والحروز بهذه الطلاسم والحروف هي من الشرك بالواحد القهار، لأنها دعاء لغير الله سبحانه لأنها ليست من أسمائه سبحانه وصفاته، وأسماء الله سبحانه هي ما ورد في الكتاب والسنة وهي توفيقية لا يجوز أن ندعو الله سبحانه بغيرها. كما أن هذه الطلاسم لا معنى لها معروف، ولهذا قال الإمام الصغاني: "وربما يكون التلفظ بتلك الكلمات كفرًا لأنا لا نعرف معناها بالعربية، وقد قال الله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (١) . وهو يقول: "آهيا شراهيا.." (٢) . ثم ذكر أنه قد ضل بهذه الدعوات المجهولات خلق كثير (٣) . أما الاستعانة بالمجهول فإنهم يستغيثون به عند الضلال في الطريق كما استغاثوا من قبل بالميت، والمعدوم - كما سلف -، و"الاستعانة بالأموات أو الغائبين عن نظر من استعان بهم من ملائكة أو جن أو إنس في جلب نفع أو دفع ضر نوع من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا لمن تاب منه؛ لأن هذا النوع من الاستعانة قرب وعبادة، وهي لا تجوز إلا لله خالصة لوجهه الكريم. ومن أدلة ذلك ما علم الله عباده أن يقولوه في آية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤) . أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، وقوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٥) . وغيرها" (٦) . جاء في مصادرهم المعتمدة "عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: إذا ضللت

стр. 482

الطريق فناد: يا صالح أو يا أبا صالح أرشدونا إلى الطريق يرحمكم الله" (١) . قال ابن بابويه في باب: دعاء الضال عن الطريق بعد ذكره للرواية السالفة: "وروي أن البر موكل به صالح، والبحر موكل به حمزة" (٢) . ومن هو صالح أو حمزة؟ جاء ما يكشف عن هوية "صالح" في الخصال لابن بابويه بإسناده عن علي في حديث الأربعمائة قال: "ومن ضل منكم في سفر وخاف على نفسه فليناد: يا صالح أغثني، فإن في إخوانكم من الجن جنيًا يسمى صالح يسبح في البلاد لمكانكم محتسبًا نفسه لكم، فإذا سمع الصوت أجاب وأرشد الضال منكم وحبس عليه دابته" (٣) . وهذا ورثوه فيما يبدو عن أهل الجاهلية الأولى، فهو من دينها، كما يدل على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٤) . قال أهل العلم: "كانت عادة العرب في جاهليتها إذا نزلت مكانًا يعوذون بعظيم ذلك المكان أن يصيبهم بشيء يسوءهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامته وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقًا أي خوفًا وإرهابًا وذعرًا حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذًا بهم، كما قال قتادة ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي إثمًا، وازدادت الجن عليهم بذلك جرأة ... فإذا عاذوا بهم من دون الله رهقتهم الجن الأذى عند ذلك" (٥) .

стр. 483

فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وحده وتركوهم (١) . والاستعاذة بالجن من الشرك، لأنه استعاذة بغير الله (٢) . ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) .

стр. 484

المبحث السابع: استخارتهم بما يشبه أزلام الجاهلية كانت العرب في جاهليتها إذا أراد أحدهم سفرًا أو غزوًا ونحو ذلك أجال القداح وهي الأزلام، وكانت عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب افعل، وعلى الآخر لا تفعل، والثالث غفل ليس عليه شيء، ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد (١) . وقد ابتلي فئات من الناس بالأزلام، كما ابتلوا بالأنصاب، فالأنصاب للشرك في العبادة والأزلام للتكهن وطلب علم ما استأثر الله به، هذا للعلم وتلك للعمل ودين الله وشرعه مضاد لهذا وهذا. وقد أدخلت طائفة الاثني عشرية الاستخارة بالأزلام في دينها وأضافت عليها بعض الإضافات وسموها الرقاع. وعقد الحر العاملي لهذا بابًا بعنوان "باب استحباب الاستخارة بالرقاع وكيفيتها" (٢) . وذكر في هذا الباب جملة من أحاديثهم في ذلك بلغت خمس روايات، أما المجلسي فقد ذكر أنواعًا من الاستخارات تدخل في هذا المعنى في أبواب ثلاثة وهي باب الاستخارة بالرقاع (٣) ، وباب الاستخارة بالبنادق (٤) ، وباب الاستخارة بالسبحة والحصى (٥) .

стр. 485

وفي هذه الاستخارات تذكر كتب الشيعة كيفية قد تختلف في البداية عن طرق أهل الجاهلية حيث الصلاة والدعاء، وهي صلاة على طريقة مبتدعة، ثم دعاء معين ولكنها تنتهي بما يشبه عمل الجاهلية حيث استكشاف ما هو خير عن طريق تحريك السبحة، أو كتاب افعل أو لا تفعل في رقاع معينة واختبار ذلك عدة مرات. ومن أمثلة ذلك ما جاء عند الكليني (١) ، والطوسي (٢) ، والحر العاملي (٣) . وغيهم (٤) . عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله ﵇ قال: إذا أردت أمرًا فخذ ست رقاع فاكتب في ثلاث منها: «بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة هكذا النسبة للأم، والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ (٥) . افعل، وفي ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة لا تفعل، ثم ضعها تحت مصلاك، ثم صل ركعتين، فإذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مائة مرة: أستخير الله برحمته خيرة في عافية، ثم استو جالسًا وقل: اللهم خر لي واختر لي في جميع أموري، في يسر منك وعافية، ثم اضرب بيدك إلى الرقاع فشوشها وأخرج واحدة، فإن خرج ثلاث متواليات افعل. فافعل الأمر الذي تريده، وإن خرج ثلاث متواليات لا تفعل فلا تفعله، وإن خرجت واحدة افعل والأخرى لا تفعل فأخرج من الرقاع إلى خمس فانظر أكثرها فاعمل به ودع السادسة لا تحتاج إليها» . أما الاستخارة بالبنادق فيفسرها ما جاء في روايتهم التي تقول: ".. انوِ الحاجة في نفسك ثم اكتب رقعتين، في واحدة لا، وفي واحدة نعم، واجعلهما في بندقتين من طين، ثم صلِّ ركعتين واجعلهما تحت ذيلك وقل: يا الله، إني أشاورك

стр. 486

في أمري هذا وأنت خير مستشار ومشير فأشر علي مما فيه صلاح وحسن عاقبة، ثم أدخل يدك فإن كان فيها نعم فافعل، وإن كان فيها لا، لا تفعل" (١) . وجاء في أخبارهم أن "استخارة مولانا أمير المؤمنين وهي أن تضمر ما شئت وتكتب هذه الاستخارة وتجعلهما في مثل البندق ويكون بالميزان (٢) . وتضعهما في إناء فيه ماء ويكون على ظهر إحداهما افعل والأخرى لا تفعل، فأيهما طلع على وجه الماء فافعل به، ولا تخالفه (٣) . ولا شك بأن أمير المؤمنين عليًا بريء من لوثات الجاهلية وأوهامها، وهذا مما دسته الشيعة عليه، ولذلك لم ينقله عنه سواها.. أما الاستخارة بالسبحة والحصى فقد قال شيخهم المجلسي: "سمعت والدي يروي عن شيخه البهائي.. أنه كان يقول: سمعنا مذاكرة عن مشايخنا عن القائم صلوات الله عليه في الاستخارة بالسبحة أنه يأخذها، ويصلي على النبي وآله صلوات الله عليهم ثلاث مرات، ويقبض على السبحة، ويعد اثنتين اثنتين، فإن بقت واحدة فهو افعل، وإن بقيت اثنتان فهو لا تفعل" (٤) . هذا الأنواع من الاستخارة ذات أصل جاهلي حاولوا إلباسه ثوب الإسلام. وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه (٥) ، لما روى الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: "إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة

стр. 487

ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ... " (١) . وهذه الاستخارة جاءت أيضًا في كتب الشيعة بنفس النص السابق (٢) . الوارد في أمهات كتب المسلمين (مصادر أهل السنة) ، ولكن عقيدة التقية التي كانت من أهم العوامل التي نأت بالشيعة عن الانضواء تحت لواء الجماعة.. جعلت بعض شيوخ الشيعة يرجح العمل برقاع الجاهلية على غيرها لا لشيء إلا لأنها مما شذت به طائفته عن هدي المصطفى ﷺ وما عليه أهل السنة، ذلك أن ما يتفق من رواياتهم مع إجماع المسلمين يصبح العمل به عند الشيعة موضع تردد لاحتمالات التقية المزعومة. قال الحر العاملي: "قد رجح ابن طاووس العمل باستخارة الرقاع بوجوه كثيرة منها.. أنها لا تحتمل التقية لأنه لم ينقله أحد من العامة" (٣) . ويعني بالعامة أهل السنة، وهذا اعتراف منهم أن استخارة الرقاع مما شذت به طائفتهم. ويبدو أن بعض شيوخهم رابهم أمر هذه الرقاع وشعروا بشذوذه فقال بعضهم (٤) .: "وأما الرقاع وما يتضمن افعل ولا تفعل ففي حيز الشذوذ" (٥) . كما طعن بعضهم في إسنادها (٦) . ولكن هذا الصوت الذي ينكر هذا الاتجاه في الاستخارة لم يرق لبعض

стр. 488

متأخري الشيعة، فقد ردوه وقالوا: "إنه لا مأخذ له مع اشتهارها بين الأصحاب، وكيف تكون شاذة وقد دونها المحدثون في كتبهم، والمصنفون في مصنفاتهم" (١) ، ثم قالوا بأنه قد ألف أحد شيوخهم (٢) . كتابًا ضخمًا في الاستخارات واعتمد فيه على رواية الرقاع وذكر من آثارها عجائب وغرائب (٣) ، وقالوا بأنه لم ينكرها إلا قلة (٤) . منهم لا عبرة بإنكاره. هذه حكاية الاستخارة بالرقاع، والبنادق، والسبحة، والحصى، وما دار حولها من جدل.. وهي عين استخارة المشركين "افعل أو لا تفعل" سوى أنهم أضافوا إليها صلاةً ودعاءً، وخصصت بعض رواياتهم موضع هذه الاستخارة بأن تكون عند قبر الحسين (٥) . ليتسع باب الشرك أكثر. وهذه بدعة انفرد بها هؤلاء القوم، جعلتهم يتعلقون، ويأتمرون بما تهديهم إليه هذه الأزلام. مع أن الله سبحانه يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ - إلى قوله سبحانه -: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ... ﴾ (٦) . أي حرم عليكم أيها

стр. 489

المؤمنون الاستقسام بالأزلام، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام (١) . قال ابن عباس: "هي قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور" (٢) . أي يطلبون بها علم ما قسم لهم (٣) . وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي تعاطيه فسق وغيٌّ وضلالة وجهالة وشرك" (٤) . وهؤلاء الروافض في استخارتهم تلك ساروا في خطا المشركين، ورجحوا العمل بهذه "الأزلام" (٥) . على الاستخارة الشرعية، لأن انفرادهم بها عن المسلمين دليل الصحة عندهم، كما هي قاعدتهم، كما ألزموا أتباعهم العمل بنتيجتها، وتوعدوا على مخالفتها (٦) . فكأنهم اعتقدوا أنها تأتيهم بالخبر عن الله، وهذا كالاستقسام بالأزلام عند المشركين. قال ابن القيم: "الاستقسام هو إلزام أنفسهم بما تأمر به القداح كقسم اليمين.." (٧) . فكيف يزعم الرافضي أن ما خرج من هذه الرقاع التي يستقسم بها هي عين ما أراد الله فيلزم نفسها بها.. أطّلع الغيب أم اتّخذ عند الرحمن عهدًا؟ ! فهذه الرقاع تدفعه للمضي في أمره أو تمنعه بلا بينة ولا برهان كحال أهل الشرك، ولعله "لا فرق بين ذلك وبين قول المنجم: لا تخرج من أجل نجم كذا". والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٨) . (٩) . فهؤلاء يقولون: اعمل أو لا تعمل، بأمر الحصى والجمادات.

стр. 490

الفصل الثاني: عقيدتهم في توحيد الربوبية وتوحيد الربوبية هو إفراد الله سبحانه بالملك والخلق والتدبير، فيؤمن العبد بأنه سبحانه الخالق الرازق، المحيي، المميت، النافع، الضار، المالك، المدبر، له الخلق والأمر كله، كما قال سبحانه: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) . وقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢) . لا شريك له في ذلك سبحانه ولا نظير (٣) . وليس المقصود هنا دراسة هذا الأصل، وإنما القصد معرفة اعتقاد الشيعة فيه.. وهل تأثر هذا الأصل الأصيل والركن العظيم عندهم بما يدعونه في الإمام؟ لقد بين القرآن العظيم أن مشركي قريش مع كفرهم بعبادته سبحانه وصرفهم أنواعًا من العبادات لغيره، إلا أنهم يؤمنون بأن الله سبحانه هو خالقهم ورازقهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٤) ، وقال: ﴿قُلْ

стр. 491

مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (١) . ولكنهم مع ذلك أشركوا مع الله غيره في عبادته، ولهذا قال سبحانه: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) (٢) . قال مجاهد: "إيمانهم بالله قولهم: إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره" (٣) . فهل كانت الشيعة أكثر كفرًا من المشركين في هذا؟ لقد بين أهل العلم أن الإيمان بربوبية الله سبحانه أمر قد فطر عليه البشر وأن الشرك في الربوبية باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال لم يثبت عن طائفة من الطوائف في التاريخ البشري، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم خالقًا خلق بعض العالم (٤) . ولهذا كان السؤال: هل تأثر هذا الأصل في دين الشيعة؟، بمعنى هل وجد الإشراك الجزئي عندهم، باعتبار ما يولونه الأئمة من اهتمام، وما يعطونهم من أوصاف، وما يضفونه عليهم من ألقاب؟ سيتبين هذا من خلال التتبع لما جاء عن أئمتهم في كتبهم المعتمدة، ورواياتهم المعتبرة عندهم، حيث أعرض خمسة مباحث: أولها: قولهم: إن الرب هو الإمام، وثانيها: اعتقادهم أن الدنيا والآخرة للإمام، وفي المبحث الثالث: قولهم: إن السحاب والرعد هو من أمر الأئمة، ومسخر للأئمة وهو ما أسميته (إسناد الحوادث الكونية إلى الأئمة) ، وفي المبحث الرابع: قولهم بحلول جزء إلهي في الأئمة، وفي الخامس: زعمهم تأثير الأيام بالنفع والضر، وسيأتي أيضًا في

стр. 492

أقوالهم بأركان الإيمان مبحث قولهم بالقدر وأن العبد يخلق فعله، وهذا شرك في الربوبية، وقد أرجأت عرضه إلى هناك حتى يكتمل النظر في أقوالهم في أركان الإيمان.

стр. 493

المبحث الأول: قولهم: إن الرب هو الإمام جاء في أخبارهم أن عليًا - كما يفترون عليه - قال: أنا رب الأرض الذي يسكن الأرض به (١) . فانظر إلى هذا التطاول والغلو.. فهل رب الأرض إلا الواحد القهار، وهل يمسك السماوات والأرض إلا خالقهما سبحانه ومبدعهما. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ..﴾ (٢) . وقال إمامهم: "أنا رب الأرض" يعني إمام الأرض، وزعم أنه هو المقصود بقوله سبحانه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (٣) . (٤) . وفي قوله سبحانه: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا﴾ (٥) . قالوا: يرد إلى أمير المؤمنين فيعذبه عذابًا نكرًا (٦) . وفي قوله سبحانه: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٧) . جاء في تفسير العياشي: يعني التسليم لعلي ﵁ ولا يشرك معه في الخلافة من ليس له

стр. 494

ذلك ولا هو من أهله (١) ، وبنحو ذلك جاء تأويلها عند القمي في تفسيره (٢) . ولا تظن أن هذا التأويل من باب أن رب تأتي في اللغة بمعنى صاحب أو سيد، إذ إن هذه الآيات نص في الرب سبحانه لا يحتمل سواه، فالإضافة عرفته وخصصته. وقد قال أئمة اللغة: إن الرب إذا دخلت عليه (أل) لا يطلق إلى على الله سبحانه (٣) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأسماء والصفات نوعان: نوع يختص به الرب، مثل الإله ورب العالمين ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال، ومن هنا ضل المشركون الذين جعلوا لله أندادًا، والثاني: ما يوصف به العبد في الجملة كالحي والعالم والقادر إلا أنه لا يجوز أن يثبت للعبد مثل ما يثبت للرب أصلاً (٤) . ولكن هؤلاء جعلوا لفظ الرب الخاص بالله سبحانه اسمًا لإمامهم عبر تأويلاتهم الكثيرة. وهذه التأويلات وضعها لهم زنديق ملحد أراد بذلك صرف الشيعة من ربها.. وقد تكون فرقهم التي قالت بربوبية عليّ، والرجال الذين ذهبوا هذا المذهب والذي نسمع نعيقهم إلى يومنا هذا قد شربوا من هذا المستنقع الآسن الذي احتفظت به كتب الاثني عشرية المعتمدة عندها.

стр. 495

المبحث الثاني: قولهم بأن الدنيا والآخرة كلها للإمام يتصرف بها كيف يشاء عقد صاحب الكافي لهذا بابًا بعنوان: "باب أن الأرض كلها للإمام" (١) ، ومما جاء فيه: عن أبي بصير عن أبي عبد الله ﵇ قال: "أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك من الله.." (٢) . أليس في هذا النص شرك في ربوبية الله سبحانه؛ لأن الله جل شأنه يقول: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٣) . ويقول سبحانه: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٤) . ويقول جل شأنه: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ (٥) . وقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (٦) ، وقال سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الأَخِرَةُ وَالأُولَى﴾ (٧) . كما قال سبحانه: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ (٨) ، وقال سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ (٩) .
следующие страницы →