← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (١) . ولكنهم مع ذلك أشركوا مع الله غيره في عبادته، ولهذا قال سبحانه: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) (٢) . قال مجاهد: "إيمانهم بالله قولهم: إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره" (٣) . فهل كانت الشيعة أكثر كفرًا من المشركين في هذا؟ لقد بين أهل العلم أن الإيمان بربوبية الله سبحانه أمر قد فطر عليه البشر وأن الشرك في الربوبية باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال لم يثبت عن طائفة من الطوائف في التاريخ البشري، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم خالقًا خلق بعض العالم (٤) . ولهذا كان السؤال: هل تأثر هذا الأصل في دين الشيعة؟، بمعنى هل وجد الإشراك الجزئي عندهم، باعتبار ما يولونه الأئمة من اهتمام، وما يعطونهم من أوصاف، وما يضفونه عليهم من ألقاب؟ سيتبين هذا من خلال التتبع لما جاء عن أئمتهم في كتبهم المعتمدة، ورواياتهم المعتبرة عندهم، حيث أعرض خمسة مباحث: أولها: قولهم: إن الرب هو الإمام، وثانيها: اعتقادهم أن الدنيا والآخرة للإمام، وفي المبحث الثالث: قولهم: إن السحاب والرعد هو من أمر الأئمة، ومسخر للأئمة وهو ما أسميته (إسناد الحوادث الكونية إلى الأئمة) ، وفي المبحث الرابع: قولهم بحلول جزء إلهي في الأئمة، وفي الخامس: زعمهم تأثير الأيام بالنفع والضر، وسيأتي أيضًا في

стр. 492

أقوالهم بأركان الإيمان مبحث قولهم بالقدر وأن العبد يخلق فعله، وهذا شرك في الربوبية، وقد أرجأت عرضه إلى هناك حتى يكتمل النظر في أقوالهم في أركان الإيمان.

стр. 493

المبحث الأول: قولهم: إن الرب هو الإمام جاء في أخبارهم أن عليًا - كما يفترون عليه - قال: أنا رب الأرض الذي يسكن الأرض به (١) . فانظر إلى هذا التطاول والغلو.. فهل رب الأرض إلا الواحد القهار، وهل يمسك السماوات والأرض إلا خالقهما سبحانه ومبدعهما. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ..﴾ (٢) . وقال إمامهم: "أنا رب الأرض" يعني إمام الأرض، وزعم أنه هو المقصود بقوله سبحانه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (٣) . (٤) . وفي قوله سبحانه: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا﴾ (٥) . قالوا: يرد إلى أمير المؤمنين فيعذبه عذابًا نكرًا (٦) . وفي قوله سبحانه: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٧) . جاء في تفسير العياشي: يعني التسليم لعلي ﵁ ولا يشرك معه في الخلافة من ليس له

стр. 494

ذلك ولا هو من أهله (١) ، وبنحو ذلك جاء تأويلها عند القمي في تفسيره (٢) . ولا تظن أن هذا التأويل من باب أن رب تأتي في اللغة بمعنى صاحب أو سيد، إذ إن هذه الآيات نص في الرب سبحانه لا يحتمل سواه، فالإضافة عرفته وخصصته. وقد قال أئمة اللغة: إن الرب إذا دخلت عليه (أل) لا يطلق إلى على الله سبحانه (٣) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأسماء والصفات نوعان: نوع يختص به الرب، مثل الإله ورب العالمين ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال، ومن هنا ضل المشركون الذين جعلوا لله أندادًا، والثاني: ما يوصف به العبد في الجملة كالحي والعالم والقادر إلا أنه لا يجوز أن يثبت للعبد مثل ما يثبت للرب أصلاً (٤) . ولكن هؤلاء جعلوا لفظ الرب الخاص بالله سبحانه اسمًا لإمامهم عبر تأويلاتهم الكثيرة. وهذه التأويلات وضعها لهم زنديق ملحد أراد بذلك صرف الشيعة من ربها.. وقد تكون فرقهم التي قالت بربوبية عليّ، والرجال الذين ذهبوا هذا المذهب والذي نسمع نعيقهم إلى يومنا هذا قد شربوا من هذا المستنقع الآسن الذي احتفظت به كتب الاثني عشرية المعتمدة عندها.

стр. 495

المبحث الثاني: قولهم بأن الدنيا والآخرة كلها للإمام يتصرف بها كيف يشاء عقد صاحب الكافي لهذا بابًا بعنوان: "باب أن الأرض كلها للإمام" (١) ، ومما جاء فيه: عن أبي بصير عن أبي عبد الله ﵇ قال: "أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك من الله.." (٢) . أليس في هذا النص شرك في ربوبية الله سبحانه؛ لأن الله جل شأنه يقول: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٣) . ويقول سبحانه: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٤) . ويقول جل شأنه: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ (٥) . وقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (٦) ، وقال سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الأَخِرَةُ وَالأُولَى﴾ (٧) . كما قال سبحانه: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ (٨) ، وقال سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ (٩) .

стр. 496

وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ (١) . فهو سبحانه قد تفرد بالملك والرزق والتدبير لا شريك له في ذلك. فكيف تدعي هذه الزمرة ما لا سلطان للبشر عليه، وتعطي الأئمة ما هو من مقتضيات ربوبية الله سبحاه، ما لهم بذلك من برهان إلا اتباع ما تمليه شياطينهم، وتسطره زنادقتهم، ومن العجب أنهم يعطون أئمتهم ملك الله وعلمه وحقوقه وأفعاله.. ويقولون: إن ذلك من الله أو "جائز له ذلك من الله" فهل هذا إلا مجرد تستر على الإلحاد، ومحاولة لإخفاء الهدف الخطير الذي تسعى إليه شياطينهم في تأليه الأئمة، وإضفاء صفات الربوبية عليهم؟!

стр. 497

المبحث الثالث: إسناد الحوادث الكونية إلى الأئمة كل ما يجري في هذا الكون فهو بأمر الله وتقديره لا شريك له سبحانه، لكن في كتب الاثني عشرية ما يثير العجب في هذا؛ حيث تدعي بأن لأئمتها أمرًا في ذلك، تقول روايتهم: "عن سماعة بن مهران قال: كنت عند أبي عبد الله ﵇ فأرعدت السماء وأبرقت، فقال أبو عبد الله ﵇: أما إنه ما كان من هذا الرعد ومن هذا البرق فإنه من أمر صاحبكم، قلت: من صاحبنا؟ قال: أمير المؤمنين ﵇" (١) . يعني كل ما وقع من رعد وبرق فهو من أمر علي، لا من أمر الواحد القهار.. فماذا يستنبط المسلم المنصف من هذه الرواية، والله جل شأنه يقول: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ (٢) .؟ أليست هذه هي السبئية قد أطلت برأسها المشوه من خلال كتب الاثني عشرية؟ أليس هذا ادعاء لربوبية علي، أو أن له شركًا في الربوبية؟ كيف يتجرأ قلم المجلسي ومن قبله المفيد على كتابة هذه الأسطورة ونسبتها إلى جعفر؟ فإن هذا الإلحاد لا يخفى على أمثالهم، ولا يؤمن بهذا ويدعو إليه إلا كل زنديق وملحد، والعجب من قوم يستقون دينهم من كتب حوت هذا الغثاء، ويعظمون شيوخًا يجاهرون بهذا البلاء، أليس في هذه الطائفة من صاحب عقل ودين يعلن الصيحة والنكير على هذا الضلال المنتشر، والكفر المبين يبرئ "أهل البيت الأطهار" من هذا الدرن

стр. 498

القاتل وينقي ثوب التشيع مما لطخه به شيوخ الدولة الصفوية من كفر وضلال. أم أن كل صوت صادق إما أن يعاجل بالقتل كما فعلوا مع الكسروي، أو يحمل قوله على التقية كما صنعوا في الكثير من رواياتهم، وطائفة من أقوال شيوخهم، فهل وصل هذا المذهب في سبيل عودته إلى نور الحق إلى طريق مسدود..؟ أحسب أن أولئك الأتباع الأغرار لا يظنون بان هناك إسلامًا إلا هذا؛ لأن طوائف من السنة والشيعة أوهموهم بأن لا فرق بين المذهبين إلا في بعض مسائل الفروع فأوصدوا أمامهم مجال النظر والتفكير والبحث بهذا الوهم الشائع الكبير (١) . ويقولون بأن السحاب هو المطية الذلول لعلي يسيرها كيف شاء. تقول روايتهم: ".. ما كان من سحاب فيه رعد وصاعقة وبرق فصاحبكم يركبه، أما أنه سيركب السحاب، ويرقى في الأسباب أسباب؛ السماوات والأرضين السبع، خمس عوامر وثنتان خراب" (٢) . وكأنهم بهذا يقولون إن عليًا هو الذي يسير السحاب؛ فيكفرون بقول الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء﴾ (٣) ، وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء﴾ (٤) . ويبدو أن قول الاثني عشية: إن عليًا يركب السحاب امتداد للمذهب السبئي الذي يقول بأن عليًا: "هو الذي يجيء في السحاب والرعد صوته والبرق تبسمه" (٥) .

стр. 499

وينقل لنا المجلسي رواية طويلة في ثماني صفحات (١) ، تجعل لعلي قدرات مطلقة، فهو ينقل أصحابه إلى عالم السماوات والأرض، ويعرض عليهم معجزات أعظم من معجزات الأنبياء، ويمر بأقوام فيهلكهم بصعقة واحدة. ويتعاظم حتى يقول: إني لأملك من ملكوت السماوات والأرض ما لا يحتملون العلم ببعضه.. يقول المجلسي - في حديثه هذا -: إن عليًا أومأ إلى سحابتين فأصبحت كل سحابة كأنها بساط موضوع فركب على سحابة بمفرده، وركب بعض أصحابه - كما تقول الرواية - كسلمان والمقداد.. السحابة الأخرى، وقال علي وهو فوق السحابة: "أنا عين الله في أرضه، أنا لسان الله الناطق في خلقه، أنا نور الله الذي لا يطفأ، أنا رب الله الذي يؤتى منه، وحجته على عباده" (٢) . ومضت القصة الطويلة في سرد غريب، أصحاب علي يسألونه عن معجزات الأنبياء فيقول: أنا أريكم أعظم منها حتى قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إني لأملك من ملكوت السماوات والأرض ما لو علمتم ببعضه لما احتمله جنانكم، إن اسم الله الأعظم على اثنين وسبعين حرفًا، وكان عند آصف بن برخيا حرف واحد فتكلم به فخسف الله الأرض ما بينه وبين عرش بلقيس، حتى تناول السرير، ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرف النظر، وعندنا نحن والله اثنان وسبعون حرفًا وحرف واحد عند الله استأثر به في علم الغيب" (٣) . ثم تذكر هذه الأسطورة بأنهم مروا على عوالم غريبة فزار الأنبياء، فكان من الأنبياء من يبكي لما رأى أمير المؤمنين، ولما قيل له: ما بكاؤك؟ قال: "إن أمير المؤمين كان يمر بي عند كل غداة فيجلس فتزداد عبادتي بنظري إليه فقطع ذلك منذ عشرة أيام فأقلقني ذلك" (٤) .

стр. 500

وتقول القصة بأن عليًا كان يقول لأصحابه: "غضوا أعينكم" فينقلهم إلى مدينة أسواقها قائمة، وأهلها أعظم من طول النخل، ويقول: "إن هؤلاء من قوم عاد، ثم يصعق فيهم عليّ صعقة فتهلكهم" (١) . وهكذا تمضي القصة حتى يعودوا تقلهم السحاب ثم يهبطون في دار أمير المؤمنين في أقل من طرف النظر، قالوا: "وكان وصولنا إلى المدينة وقت الظهر والمؤذن يؤذن، وكان خروجنا منها وقت علت الشمس" (٢) . فقال أمير المؤمنين: "لو أنني أردت أن أجوب الدنيا بأسرها والسماوات السبع وأرجع في أقل من الطرف لفعلت بما عندي من اسم الله الأعظم، فقلنا: يا أمير المؤمنين أنت والله الآية العظمى والمعجز الباهر" (٣) . هذه الرواية الطويلة بكل ما فيها من "بلايا" لم يتجاسر شيخهم المجلسي على ردها، بالرغم من انه قال بأن هذا النص: "لم نره في الأصول التي عندنا" (٤) ، إلا أنه قال بأننا "لا نردها، ونرد علمها إليهم ﵈" (٥) . فانظر إلى نص لا يوجد في أصولهم المعتبرة، وحوى من الغلو ما لا يخطر بالبال، ومع ذلك لم يتجرأ على رده.. فكيف إذن بالروايات الأخرى المثبتة في أصولهم. فقبولها من باب أولى.

стр. 501

المبحث الرابع: الجزء الإلهي الذي حل في الأئمة وترد عندهم رايات تدعي بأن جزءًا من النور الإلهي حل بعليّ. قال أبو عبد الله: "ثم مسحنا بيمينه فأضى نوره فينا" (١) . "..ولكن الله خلطنا بنفسه.." (٢) . كانوا قبل خلق الخلق أنوارًا. وهذا الجزء الإلهي الذي في الأئمة - كما يزعمون - أعطوا به قدرات مطلقة، ولذلك فإن من يقرأ ما يسمونه معجزات الأئمة - وتبلغ مئات الروايات - يلاحظ أن الأئمة أصبحوا كرب العالمين - تعالى الله وتقدس عما يقولون - في الإحياء والإماتة والخلق والرزق (٣) . إلا أن رواياتهم تربط هذا بأنه من الله كنوع من التلبيس والإيهام. فهذا - مثلاً - عليّ يُحْيِي الموتى. جاء في الكافي عن أبي عبد الله قال: "إنّ أمير المؤمنين له خؤولة في بني مخزوم وإنّ شابًّا منهم أتاه فقال: يا خالي إنّ أخي مات وقد حزنت عليه حزنًا شديدًا، قال: فقال: تشتهي أن تراه؟ قال: بلى، قال: فأرني قبره، قال: فخرج ومعه بردة رسول الله متّزرًا بها، فلمّا انتهى إلى القبر

стр. 502

تلملمت شفتاه ثم ركضه برجله فخرج من قبره وهو يقول بلسان الفرس، فقال أمير المؤمنين ﵇: ألم تمت وأنت رجل من العرب؟ قال: بلى، ولكنا متنا على سنة فلان وفلان (أي أبو بكر وعمر) فانقلبت ألسنتنا" (١) . بل إن عليًا - كما يزعمون - أحيى موتى مقبرة الجبانة بأجمعهم (٢) ، وضرب الحجر فخرجت منه مائة ناقة (٣) . وقال سلمان - كما يفترون -: "لو أقسم أبو الحسن على الله أن يحيي الأوّلين والآخرين لأحياهم" (٤) . هذا الغلو هو بلا شك ارتضعوه من أفاويق المذاهب الوثنية التي تدعي في أصنامها ومعبوداتها ما للرب سبحانه من أفعال، ويكفي في فساده مجرد تصوره؛ إذ هو مخالف للنقل والعقل والسنن الكونية كما هو منقوض بواقع الأئمة وإقراراتهم، ورسول الهدى ﷺ يقول - كما أمره ربه -: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ﴾ (٥) . ومن الطريف أن كتب الشيعة مع تعظيم الأئمة والغلو فيهم تروي ما يخالف هذا، لتثبت تناقضها فيما تقول كالعادة في كل كذب وباطل، فقد جاء في رجال الكشي أن جعفر بن محمد قال: "فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضرّ ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإنّ عذّبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله حجّة، ولا معنا من الله براءة، وإنّا لميّتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون، ويلهم! ما لهم لعنهم الله فقد آذوا الله وآذوا

стр. 503

رسوله ﷺ في قبره، وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي صلوات الله عليهم.. أشهدكم أنّي امرؤ ولدني رسول الله ﷺ وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذّبني عذابًا شديدًا" (١) . ولكن شيوخ الشيعة يعدون مثل هذه الإقرارات من باب التقية (٢) . فأضلوا قومهم سواء السبيل، وأصبح مذهب الشّيعة مذهب الشّيوخ لا مذهب الأئمّة. وهذه المقالة التي عرضت لبعض شواهدها عندهم والتي تزعم حلول جزء إلهي بالأئمة، قد تطورت عند بعض شيوخهم واتسع نطاقها إلى القول "بوحدة الوجود" (٣) . وعدوا ذلك أعلى مقامات التوحيد، فهو الغاية في التوحيد عند شيخهم النراقي (٤) ، كما أن شيخهم الكاشاني - صاحب الوافي أحد أصولهم الأربعة المتأخرة - كان يقول بعقيدة وحدة الوجود، وله رسالة في ذلك، جرى فيها مجرى ابن عربي وعبر عنه ببعض العارفين (٥) . والاتجاه الصوفي المتطرف قد تغلغل في كيان المذهب الاثني عشري، وعشعش في عقول أساطين المذهب من المتأخرين، وبين الأفكار الصوفية الغالية والعقائد الشيعية المتطرفة تشابه وتلاق (٦) .

стр. 504

المبحث الخامس: قولهم بتأثير الأيام والليالي بالنفع والضر قال الله سبحانه: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (١) . فالضر والنفع من الله وحده، وليس للأنواء والأيام والليالي وغيرها تأثير في ذلك، والشيعة تخالف هذا بدعواها أن في بعض الأيام شؤمًا لا تقضى فيه الحاجات. قال أبو عبد الله: "لا تخرج يوم الجمعة في حاجة، فإذا كان يوم السبت وطلعت الشمس فاخرج في حاجتك" (٢) . وقال: "السبت لنا، والأحد لبني أمية" (٣) . وقال: ".. فأي يوم أعظم شؤمًا من يوم الاثنين.. لا تخرجوا يوم الاثنين واخرجوا يوم الثلاثاء" (٤) . وقال أبو عبد الله: "لا تسافر يوم الاثنين ولا تطلب فيه حاجة" (٥) . وقال: "آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر" (٦) . وقال أمير المؤمنين علي - كما يفترون -: "يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الاثنين يوم سفر وطلب، ويوم الثلاثاء يوم حرب

стр. 505

ودم، ويوم الأربعاء يوم شؤم يتطير فيه الناس، ويوم الخميس يوم الدخول على الأمراء وقضاء الحوائج، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح" (١) . وثمة أحاديث أخر عندهم بهذه المعاني (٢) ، ومن مجموع هذه الروايات يتبين أن الجمعة، والأحد، والاثنين، والأربعاء أيام فيها شؤم ذاتي فلا يناسب قضاء الحاجات فيها. ولكن تلحظ أن الرواية الأخيرة اعتبرت يوم الاثنين يوم سفر وطلب، وهذا يخالف ما مضى من روايات، ولذلك حمل شيخهم الحر العاملي هذا على التقية (٣) . فعلى هذا كل هذه الأيام الأربعة أيام مشؤومة فلم يبق أمام الشيعي من وقت للعمل من الأسبوع سوى أيام ثلاثة. وهذا نوع من التطير (٤) ، وهو التشاؤم ببعض الأيام، أو الطيور والأسماء، والألفاظ والبقاع وغيرها، وهو من عمل الجاهلية والمشركين، وقد ذمهم الله تعالى به ومقتهم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن التطير وأخبر أنه شرك، وأنه لا تأثير له في جلب نفع ولا دفع ضر، وهي من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته.

стр. 506

قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (١) . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ﴾ يقول: مصائبهم عند الله ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ . وقال ابن جريج عن ابن عباس قال: " ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ﴾ أي: من قبل الله" (٢) . وعن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: "الطيرة شرك الطيرة شرك ثلاثًا" (٣) . وهذا صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك، لما فيها من تعلق القلب بغير الله تعالى (٤) . وقال ابن حجر: "وإنما جعل ذلك شركًا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا أو يدفع ضرًا فكأنهم أشركوه مع الله تعالى" (٥) . وهي دعوة باطلة لإضاعة الأوقات وتأجيل الحاجات، وصرف للقلوب عن الخالق البارئ إلى مخلوقات لا تضر ولا تنفع. غير أنه لا يكاد يوجد شذوذ عند الشيعة إلا وفيه من رواياتهم نفسها ما يرد هذا الشذوذ ويبطله، فقد جاء في رواياتهم ما ينقض هذه الدعاوى، وأبلغ ما يكون نقض الخصم لكلامه بنفسه، فقد روت كتب الشيعة أن أبا عبد الله قال: لا

стр. 507

طيرة (١) . وقال: كفارة الطيرة التوكل (٢) . وقال أبو الحسن الثاني ﵁: "من خرج يوم الأربعاء.. خلافًا على أهل الطيرة وقي من كل آفة وعوفي من كل عاهة وقضى الله له حاجته" (٣) . وجاء عندهم أيضًا: "إذا تطيرت فامض" (٤) . وجاء في البحار وغيره "في الحديث أن النبي ﷺ كان يحب الفأل، ويكره الطيرة، وكان ﵇ يأمر من رأى شيئًا يكرهه، ويتطير منه أن يقول: "اللهم لا يؤتي الخير إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك" (٥) . فهذا تناقض، والتناقض علامة بطلان المذهب، ولكن مبدأ التقية، ومخالفة العامة يعطل الاستفادة من هذه النصوص وأمثالها، ولذلك تلحظ أن شيخهم الحر العاملي حمل حديثهم الذي يقول "بأن يوم الاثنين" يوم سفر وطلب على التقية.

стр. 508

الفصل الثالث: عقيدتهم في أسماء الله وصفاته للشيعة في هذا الفصل أربع ضلالات: الضلالة الأولى: ضلالة الغلو في الإثبات (وما يسمى بالتجسيم) . الضلالة الثانية: تعطيلهم الحق جل شأنه من أسمائه وصفاته. الضلالة الثالثة: وصف الأئمة بأسماء الله وصفاته. الضلالة الرابعة: تحريف الآيات بدافع عقيدة التعطيل للأسماء والصفات. وسأتوقف عند كل مسألة من هذه المسائل الأربع وأبين مذهب الشيعة فيها من خلال مصادرها - إن شاء الله -.

стр. 509

المبحث الأوّل: الغلو في الإثبات (التّجسيم) اشتهرت ضلالة التّجسيم بين اليهود (١) ، أوّل من ابتدع ذلك بين المسلمين هم الرّوافض، ولهذا قال الرّازي: "اليهود أكثرهم مشبّهة، وكان بدء ظهور التّشبيه في الإسلام من الرّوافض مثل هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، ويونس بن عبد الرحمن القمي وأبي جعفر الأحول" (٢) . وكل هؤلاء الرجال المذكورين هم ممن تعدهم الاثنا عشرية في الطليعة من شيوخها، والثقات من نقلة مذهبها (٣) .

стр. 510

وقد حدد شيخ الإسلام ابن تيمية أول من تولى كبر هذه الفرية من هؤلاء فقال: "وأول من عرف في الإسلام أنه قال: إن الله جسم هو هشام بن الحكم" (١) . وقبل ذلك يذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين أنّ أوائل الشّيعة كانوا مُجسّمة، ثم بيّن مذاهبهم في التّجسيم، ونقل بعض أقوالهم في ذلك، إلا أنّه يقول بأنّه قد عدل عنه قوم من متأخّريهم إلى التّعطيل (٢) . وهذا يدل على أن اتجاه الاثني عشرية إلى التعطيل قد وقع في فترة مبكرة، وسيأتي ما قيل في تحديد ذلك (٣) . وقد نقل أصحاب الفرق كلمات مغرقة في التشبيه والتجسيم منسوبة إلى هشام بن الحكم وأتباعه تقشعر من سماعها جلود المؤمنين. يقول عبد القاهر البغدادي: "زعم هشام بن الحكم أن معبوده جسم ذو حد ونهاية وأنه طويل عريض عميق وأن طوله مثل عرضه.." (٤) . ويقول: إن هشام بن سالم الجواليقي مفرط في التجسيم والتشبيه لأنه زعم أن معبوده على صورة الإنسان.. وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان (٥) ، وكذلك ذكر أن يونس بن عبد الرحمن القمي مفرط أيضًا في باب التشبيه، وساق بعض أقواله في ذلك (٦) . وقال ابن حزم: "قال هشام إن ربه سبعة أشبار بشبر نفسه" (٧) .

стр. 511

وقد نقل الإسفراييني مقالة هشام بن الحكم، وهشام الجواليقي وأتباعهما في التجسيم، ثم قال: "والعاقل بأول وهلة يعلم أن من كانت هذه مقالته لم يكن له في الإسلام حظ" (١) . وقد استفاض عن هشام بن الحكم ومن تبعه أمر الغلو في التجسيم في كتب الفرق وغيرها (٢) . وتحدثت عن ذلك أيضًا بعض كتب المعتزلة والزيدية. وممن نقل ذلك عن الروافض من المعتزلة الجاحظ حيث قال: وتكلمت هذه الرافضة وجعلت له صورة وجسدًا، وكفرت من قال بالرؤية على غير التجسيم والتصوير (٣) ، وكذلك ابن الخياط (٤) ، والقاضي عبد الجبار (٥) . ومن الزيدية (٦) . ومن الزّيديّة (٧) . ابن المرتضى اليماني حيث قال بأن جل الروافض على التجسيم إلا من اختلف منهم بالمعتزلة (٨) . إذًا تشبيه الله سبحانه بخلقه كان في اليهود، وتسرّب إلى التّشيّع، لأنّ التّشيّع كان مأوى لكلّ من أراد الكيد للإسلام وأهله، وأول من تولى كبره هشام بن الحكم (٩) ، ثم تعدى أثره إلى آخرين عرفوا بكتب الفرق بمذاهب ضالة غالية منسوبة إليهم (١٠) .، ثم تعدى أثره إلى آخرين عرفوا بكتب الفرق بمذاهب ضالة غالية

стр. 512

منسوبة إليهم (١) . ولكن شيوخ الاثني عشرية يدافعون عن هؤلاء الضلال الذين استفاض خبر فتنتهم، واستطار شرهم ويتكلفون تأويل كل بائقة منسوبة إليهم أو تكذيبها (٢) . حتى قال المجلسي: "ولعل المخالفين نسبوا إليهما (٣) . هذين القولين (٤) . معاندة" (٥) . وأقول: أما إنكار بعض الشيعة لذلك فقد عهد منهم التكذيب بالحقائق الواضحات، والتصديق بالأكاذيب البينات. وأما دفاعهم عن هؤلاء الضلال فالشيء من معدنه لا يستغرب، فهم يدافعون عن أصحابهم، وقد تخصص طغام منهم للدفاع عن شذاذ الآفاق، ومن استفاض شره، وتناقل الناس أخبار مروقه وضلاله، في حين أنهم يتناولون من أثنى الله عليهم ورسوله بالذم والتفكي. وقد يقال: إن ما سلف من أقوال عن هشام وأتباعه هي من نقل خصوم الشيعة فلا يكون حجة عليهم. ومع أن تلك النقول عن أولئك الضلال قد استفاضت من أصحاب المقالات على اختلاف اتجاهاتهم، وهم أصدق من الرافضة مقالاً، وأوثق نقلاً، وهي تثبت أن الرافضة هم الأصل في إدخال هذه البدعة على المسلمين. لكن القول بأن نسبة التجسيم إليهم قد جاءت من الخصوم، ولا شاهد عليها من كتب

стр. 513

الشيعة قد يتوهمه من يقرأ إنكار المنكرين لذلك من الشيعة، وإلا فالواقع خلاف ذلك. إذ قد جاء في رواياتهم في كتبهم المعتمدة ما يدل على أن متكلمي الشيعة كهشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي ويونس بن عبد الرحمن القمي وأمثالهم لم يكتفوا بمجرد إثبات الصفات كما دل عليه القرآن والسنة، بل تجاوزوا ذلك حتى ابتدعوا الغلو في الإثبات والتجسيم. جاء في أصول الكافي للكليني، وفي التوحيد لابن بابويه وغيرهما ما يدل على أن الشيعة في سنة (٢٥٥هـ) قد تاهوا في بيداء مظلمة، إذ قد غرقوا في خلافهم في التجسيم؛ فمن قائل: إنه صورة، ومن قائل: إنه جسم، وقد صوروا هذا الواقع لإمامهم فحكم عليهم بأنهم بمعزل عن التوحيد، تقول الرواية كما يرويها صدوقهم القمي عن سهل قال: كتبت إلى أبي محمد سنة (٢٥٥هـ) قد اختلف يا سيدي أصحابنا في التوحيد؛ منهم من يقول: هو جسم (١) ، ومنهم من يقول: هو صورة، فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه فعلت متطولاً على عبدك؟ فوقع بخطه: سألت عن التوحيد وهذا عنكم معزول، الله تعالى واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. خالق وليس بمخلوق، يخلق ﵎ ما يشاء من الأجسام ويصور ما يشاء وليس بمصوَّر، جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، وتعالى أن يكون له شبيه هو لا غيره ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (٢) .

стр. 514

وقد كان لهشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي بالذات دور ظاهر في اتجاه التجسيم عند الشيعة كما تذكر ذلك مجموعة من رواياتهم. جاء في أصول الكافي وغيره.. عن محمد بن الفرج الرّخجي قال: "كتبت إلى أبي الحسن ﵇ أسأله عما قال هشام بن الحكم في الجسم وهشام بن سالم في الصورة، فكتب: دع عنك حيرة الحيران واستعذ بالله من الشيطان، ليس القول ما قال الهشامان" (١) . وكان الأئمة يتبرؤون منهما ومن قولهما، وحينما جاء بعض الشيعة إلى إمامهم وقال له: "إني أقول بقول هشام" قال إمامهم (أبو الحسن علي بن محمد) : "ما لكم ولقول هشام؟ إنه ليس منا من زعم أن الله جسم، ونحن منه براء في الدنيا والآخرة" (٢) . وتفصح بعض رواياتهم عما قالوه في الرب جل شأنه وتقدست أسماؤه، فهذا أحد رجالهم (٣) . ينقل لأبي عبد الله - كما تقول الرواية - ما عليه طائفة من الشيعة من التجسيم فيقول: "إن بعض أصحابنا يزعم أن الله صورة مثل الإنسان، وقال آخر: إنه في صورة أمرد جعد قطط! فخرّ أبو عبد الله ﵇ ساجدًا ثم رفع رأسه فقال: سبحان الذي ليس كمثله شيء ولا تدركه الأبصار ولا يحيط به علم.." (٤) . وروى ابن بابويه عن إبراهيم بن محمد الخراز ومحمد بن الحسين قالا: "دخلنا على أبي الحسن الرضا ﵇ فحكينا له ما روي أن محمدًا رأى ربه في هيئة الشاب الموفق في سن أبناء ثلاثين سنة، رجلاه في خضره وقلنا: إن هشام بن

стр. 515

سالم وصاحب الطاق (١) . والميثمي (٢) . يقولون: إنه أجوف إلى السرة والباقي صمد، فخر ساجدًا ثم قال: سبحانك ما عرفوك ولا وحدوك فمن أجل ذلك وصفوك، سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك.." (٣) . فأنت ترى أن كبار متكلميهم قد غلوا في الإثبات، حتى شبهوا الله جل شأنه بخلقه وهو كفر بالله سبحانه؛ لأنه تكذيب لقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٤) . وعطلوا صفاته اللائقة به سبحانه فوصفوه بغير ما وصف به نفسه، وإمامهم كان ينكر عليهم هذا المنهج الضال، ويأمر بالالتزام في وصف الله، بما وصف به نفسه. ورواياتهم في هذا الباب كثيرة (٥) . فهذا الاتجاه إلى الغلو في الإثبات، قد طرأ على الإثبات الحق الذي عليه علماء أهل البيت، وأصبح المذهب يتنازعه اتجاهان: اتجاه التجسيم الذي تزعمه هشام، واتجاه التنزيه الذي عليه أهل البيت كما تشير إليه روايات الشيعة نفسها، وكما هو "ثابت مستفيض في كتب أهل العلم" (٦) .

стр. 516

المبحث الثاني: التعطيل عندهم بعد هذا الغلو في الإثبات بدأ تغير المذهب في أواخر المائة الثالثة؛ حيث تأثر بمذهب المعتزلة في تعطيل البارئ سبحانه من صفاته الثابتة له في الكتاب والسنة، وكثر الاتجاه إلى التعطيل عندهم في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه كالموسوي الملقب بالشريف المرتضى، وأبي جعفر الطوسي، واعتمدوا في ذلك على كتب المعتزلة (١) . وكثير مما كتبوه في ذلك منقول عن المعتزلة نقل المسطرة، وكذلك ما يذكرونه في تفسير القرآن في آيات الصفات والقدر ونحو ذلك هو منقول من تفاسير المعتزلة (٢) . ولهذا لا يكاد القارئ لكتب متأخري الشيعة يلمس بينها وبين كتب المعتزلة في باب الأسماء والصفات فرقًا، فالعقل - كما يزعمون - هو عمدتهم فيما ذهبوا إليه، والمسائل التي يقررها المعتزلة في هذا الباب أخذ بها شيوخ الشيعة المتأخرون كمسألة خلق القرآن، ونفي رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وإنكار الصفات. بل إن الشبهات التي يثيرها المعتزلة في هذا، هي الشبهات التي يثيرها شيوخ الشيعة المتأخرون. والفرق الذي قد يلمسه القارئ في هذه المسألة هو أن الشيعة أسندوا روايات إلى الأئمة تصرح بنفي الصفات وتقول بالتعطيل، مع أنهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية قد "أسسوا دينهم على أن باب التوحيد والصفات لا يتبع فيه

стр. 517

ما رأوه بقياس عقولهم" (١) . وهذا تلمسه في طريقة احتجاجهم على مذهبهم في التعطيل كما في النكت الاعتقادية للمفيد، ونهج المسترشدين لابن المطهر وغيرها من كتبهم الكلامية حيث اعتمدوا المنهج العقلي الكلامي البحث في صفات الله. وهذا مخالف للمنهج الشرعي والعلمي والعقلي؛ إذ إن صفات الله سبحانه من الغيب الذي يتوقف العلم به على الكتاب والسنة. ومع اعتمادهم الدليل العقلي كمنهج أهل الاعتزال فإنك تلاحظ أنهم جاءوا بروايات كثيرة عن الأئمة يسندون بها مذهبهم في التعطيل، ويفترون على أمير المؤمنين علي ﵁ وبعض علماء أهل البيت كمحمد الباقر وجعفر الصادق بأنهم يقولون بالتعطيل. واعتبر بعض شيوخهم المعاصرين أن هذا هو عمدتهم في نفي الصفات؛ حيث قال - تحت عنوان طريقة معرفة الصفات -: "هل يبقى مجال للبحث عن الصفات وهل له طريق إلا الإذعان بكلمة أمير المؤمنين ﵁: كمال الإخلاص نفي الصفات عنه" (٢) . فترى القوم ليس لهم منهج ثابت، ذلك أن مسالك التقليد عرضة لتناقض، فهم حينًا يعتمدون العقل، وتارة يعتمدون الخبر.. فهم بين مشرب أخباري، ومشرب اعتزالي عقلي يتأرجحون. هذا والثابت عن علي ﵁ وأئمة أهل البيت إثبات الصفات لله.. والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم (٣) . وهذا أيضًا ما تعترف به بعض روايات لهم موجودة وسط ركام هائل من التعطيل، وسيرد شيء منها بعد قليل. ولكن الأمثلة على رواياتهم التي نسبوها لأهل البيت والتي تصرح بنفي

стр. 518

الصفات كثيرة، منها قولهم: "وكمال التوحيد نفي الصفات عنه" (١) ، وقولهم: "وحمد الله نفي الصفات عنه" (٢) ، "ولا نفي (للتشبيه) مع إثبات الصفات" (٣) . وصرح علامتهم ابن المطهر بأن مذهبهم في الأسماء والصفات كمذهب المعتزلة (٤) ، ومنهم من قال: "وكمذهب الفلاسفة" (٥) . كما وصفت مجموعة من رواياتهم رب العالمين بالصفات السلبية التي ضمنوها نفي الصفات الثابتة له سبحانه، فقد روى ابن بابويه أكثر من سبعين رواية تقول إنه تعالى: "لا يوصف بزمان ولا مكان، ولا كيفية، ولا حركة، ولا انتقال، ولا بشيء من صفات الأجسام، وليس حسًا ولا جسمانيًا ولا صورة.." (٦) . وشيوخهم ساروا على هذا النهج الضال من تعطيل الصفات الواردة في الكتاب والسنة ووصفه سبحانه بالسلوب. قال شيخهم محمد الحسيني الشهير بالقزويني (ت١٣٠٠هـ) والذي يلقبونه بالإمام الثالث عشر لأنه قابل منتظرهم - المزعوم - ثلاث مرات. قال في وصف الله سبحانه: ".. لا جزء له، وما لا جزء له لا تركيب فيه، وما ليس بمركب ليس بجوهر ولا عرض، وما ليس بجوهر ليس بعقل ولا نفس ولا مادة ولا صورة ولا جسم، وما ليس بجسم ليس في مكان ولا في زمان ولا في جهة، ولا في وقت، وما ليس في جهة لا كم له ولا كيف ولا رتبة، وما لا كم له ولا كيف له ولا جهة لا وضع له، وما ليس له وضع ولا في وقت ولا في مكان لا إضافة له ولا نسبة، وما لا نسبة له لا فعل فيه ولا انفعال، وما ليس بجسم ولا لون ولا في مكان ولا جهة لا يرى ولا يدرك.." (٧) .

стр. 519

فأنت ترى أن هذا النفي المحض الذي استقاه من ركام الفلاسفة وغثاء الملاحدة يتضمن نفي الوجود الحق ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) . وليس هذا بجديد، فهو سبيل من زاغ وحاد عن منهج الرسل ﵈ "من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة (٢) . والمتفلسفة والجهمية (٣) . والباطنية (٤) . ونحوهم. فإنهم يصفونه سبحانه بالصفات

стр. 520

السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، فقولهم يستلزم غاية التعطيل وهو نفي الوجود الحق؛ لأنهم يعطلون الأسماء والصفات تعطيلاً يستلزم نفي الذات. كما يستلزم غاية التمثيل حيث يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات (١) . وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره وفي شر منه مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات (٢) . والله سبحانه بعث رسله في صفاته بإثبات مفصل، ونفي مجمل (٣) . ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلاً، والنفي مجملاً (٤) . قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٥) . فالنفي جاء مجملاً ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهذه طريقة القرآن في النفي غالبًا. قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٦) . أي نظيرًا يستحق مثل اسمه، ويقال: مساميًا يساميه (٧) . وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس: هل تعلم له مثلاً أو شبيهًا (٨) . وقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٩) . أما في الإثبات فيأتي التفصيل ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وكآخر سورة الحشر:

стр. 521

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) . وشواهد هذا كثيرة (٢) . فطريقة هؤلاء في النفي المحض لا تتفق مع طريقة القرآن، كما لا تتفق مع الفطر السليمة والعقول الصريحة، بل هي منكرة في مدح البشر للبشر فكيف يوصف بها رب العالمين (٣) .؟! والشيعة تروي عن أئمتها "أن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه" ولكنها تعرض عن ذلك كما أعرضت عن كتاب الله سبحانه، وعن مقتضى العقل والفطرة، وتؤثر في ذلك التقليد المحض، والأخذ من "نفايا" الفلسفات البائدة وإلا فكيف يتجرأ عاقل على الاعتماد في أمر غيبي لا سبيل للوصول إلى المعرفة فيه على سبيل التفصيل إلا بخبر السماء على العقل القاصر والفكر العاثر، وتحكيم خيالات البشر المتناقضة، وتصوراتهم المتعارضة؟! وهؤلاء المعطلة قد رد عليهم أئمة الإسلام وبينوا باطلهم، ولن نكرر القول ونبدئ فيه ونعيد.. ولكن الذي يمكن أن يضاف في هذا المجال بعد ظهور الكتاب الشيعي وانتشاره هو تصوير هذه المسألة من كتب الشيعة ومن خلال روايات

стр. 522

الشيعة عن أئمتها، وكلام شيوخهم المبني على مجاراة أهل التعطيل، ليتبين مدى تناقضهم، وانفصالهم عن أئمتهم، ومدى تدخل الأيدي السبئية لتحوير مذهب الأئمة، ووضع روايات تحاكي مذهب التعطيل، وتصدق مذهبهم في التقليد، وسأختار ثلاثة مسائل في ذلك: الأولى: مسألة خلق القرآن. الثاني: مسألة الرؤية. الثالثة: مسألة النزول الإلهي. ثم أبين بعد ذلك من خلال نصوص الشيعة نفسها أن مذهب الأئمة كان وسطًا بين غلو الممثلة، وجفاء المعطلة. وهو ما يتفق مع مذهب أهل السنة، وهو الموافق للنقل الصحيح والعقل الصريح. ١- المسألة الأولى: قولهم بأن القرآن مخلوق: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وعلى هذا دل الكتاب والسنة وإجماع السلف (١) ، والاثنا عشرية حذت حذو الجهمية في القول بخلق القرآن، فقد عقد شيخ الشيعة في زمنه المجلسي في البحار في كتاب القرآن بابًا بعنوان: "باب أنّ القرآن مخلوق" (٢) أورد فيه إحدى عشرة رواية، ومعظم هذه الروايات تخالف ما ذهب إليه، ولكن لشيوخ الشيعة مسلكًا في تأويلها سنذكره بعد قليل. ويقول آية الشيعة محسن الأمين: "قالت الشّيعة والمعتزلة: القرآن مخلوق" (٣) .

стр. 523

وهذا بناءً على إنكارهم لصفة الكلام لله وزعمهم أن الله سبحانه "يوجد الكلام في بعض مخلوقاته كالشجرة حين كلم موسى، وكجبرائيل حين أنزل بالقرآن" (١) . هذا بعض ما يقوله شيوخهم في هذا الأمر (٢) . وإذا رجعت إلى الروايات التي ينقلونها عن (آل البيت) وجدتها تخالف في أكثرها ما يذهب إليه هؤلاء، فمن ذلك: ما جاء في تفسير العياشي: "عن الرضا أنه سئل عن القرآن فقال: ... إنه كلام الله غير مخلوق.." (٣) . وفي رجال الكشي: " ... إن الكلام ليس بمخلوق.." (٤) . وفي "التوحيد" لابن بابويه القمي قيل لأبي الحسن موسى ﵁: "يا ابن رسول الله، ما تقول في القرآن؛ فقد اختلف فيه من قبلنا فقال قوم: إنه مخلوق، وقال قوم: إنه غير مخلوق؟ فقال ﵁: أما إني لا أقول في ذلك ما يقولون، ولكني أقول: إنه كلام الله " (٥) .

стр. 524

وفي هذا المعنى روايات كثيرة عندهم (١) . ولكن يلاحظ أن شيخ الشيعة في زمنه ابن بابويه القمي قد ذهب في تأويل هذه النصوص إلى اتجاه آخر فأثبت أن قول الأئمة: القرآن غير مخلوق يعني "أنه غير مخلوق أي غير مكذوب لا يعني به أنه غير محدث" (٢) . وقال: "وإنما امتنعنا من إطلاق المخلوق عليه لأن المخلوق في اللغة قد يكون مكذوبًا، ويقال: كلام مخلوق أي مكذوب" (٣) . ولا شك أن هذا التأويل لا يسلم له لأنه من الواضح أن النصوص السابقة ترد على ما ذهب إليه أهل الاعتزال من القول بأن القرآن مخلوق، فقال السلف ردًا عليهم: إنه غير مخلوق ولم يريدوا بذلك أنه غير مكذوب كما يزعم ابن بابويه وغيره، فإن أحدًا من المسلمين لم يقل: إنه مكذوب، بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم، وإنما قالوا: إنه مخلوق خلقه في غيره فرد السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم بذلك، وصنف في ذلك مصنفات متعددة (٤) . وفي كتاب تفسير الصراط المستقيم لآيتهم البروجردي نقل نصًا عن ابن بابويه - أيضًا - يحيل فيه النصوص التي فيها المعنى السابق على التقية فقال: "ولعلّ المنع من إطلاق الخلق على القرآن إمّا للتّقية مماشاة مع العامّة، أو لكونه موهمًا لمعنى آخر أطلق الكفّار عليه بهذا المعنى في قولهم: إن هذا إلا اختلاق" (٥) . فلم يجد هؤلاء الشيوخ ما يلوذون به إلا القول "بالتقية" أو ما ماثلها.. وهذا المنهج يثبت أنهم ليسوا على شيء، وأن احتمال التقية في كل نص قد أفسد عليهم أمرهم وأضاع حقيقة المذهب، فأصبح دينهم دين المجلسي، أو الكليني، أو

стр. 525

ابن بابويه القمي لا روايات الأئمة (١) . وتسنى لكل شيخ، أو زنديق أو مفتر يلبس ثوب المشيخة، ويتظاهر بالعلم أن يأخذ ما شاءت له زندقته أو جهله وهواه وتعصبه واحدًا من هذه الأقوال المتعارضة المتضاربة ويعرض عن الأقوال الأخرى ولو كانت حقًا، ويجد ما يبرر هذا التصرف من الاحتجاج بالتقية، أو دعوى أن في ذلك مخالفة للعامة - أي أهل السنة - ففي خلافهم الرشاد - كما يفترون -، وهكذا يضيع العلم والحق والدين بهذه الطريقة الماركة، ويكتب على الأمة الفرقة والخلاف بهذه الأساليب التي هي من وحي الشيطان ومكره ... ولو أحسن محسن للشيعة وأراد بها الخير من شيوخها لسلك بها طريق الجماعة وأخذ من رواياتهم ما يتفق وكتاب الله، وما عليه أهل السنة والجماعة، وتخلص من مكر القمي والكليني والمجلسي، ولا سيما، والأئمة تشتكي من كثرة الكذابين عليها حتى قالوا: "بأن الناس أولعوا بالكذب علينا" (٢) . ولو أردت أن تطبيق هذه النظرية - أعني ما تتفق فيه روايات أهل السنة مع روايات الشيعة عن أهل البيت في هذه المسألة - لوجدت أن كتب الشيعة روت - كما سبق - روايات عن أهل البيت بأن كلام الله منزل غير مخلوق، وكتب أهل السنة روت مثل هذا؛ فقد أخرج البخاري في كتاب أفعال العباد (٣) . وابن

стр. 526

أبي حاتم (١) ، وأبو سعيد الدارمي (٢) ، والآجري في الشريعة (٣) ، والبيهقي في الاعتقاد (٤) ، والأسماء والصفات (٥) ، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦) ، وابو داود في مسائل الإمام أحمد (٧) . عن جعفر الصادق أنه قال حينما سئل عن القرآن قال: "ليس بخالق ولا مخلوق". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه قد استفاض ذلك عن جعفر (٨) . فلماذا لا يؤخذ بالمعنى المتفق عليه ويترك الباطل الذي لا يسنده إلا أقوال شيوخ يبغون في الأمة الفرقة والخلاف، وينشدون الشذوذ والعزلة ليتسنى لهم تحصيل الأموال الطائلة باسم الخمس، وتتحقق لهم الوجاهة الاجتماعية، والمنزلة (المقدسة) باسم النيابة عن الإمام الغائب؟ ولهذا ما برحوا يؤكدون على القول: إن ما خالف العامة ففيه الرشاد. "والعامة" أو أهل السنة بالمعنى العام يدخل فيه المعتزلة (٩) ، وهم قلدوا المعتزلة في هذا، ذلك أن مسألة خلق القرآن من عقائد أهل الاعتزال، قال عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة: "وأما مذهبنا في ذلك (أي في القرآن) فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه وهو مخلوق محدث" (١٠) .

стр. 527

وقد تلقته الشيعة فيما تلقته من آراء المعتزلة.. فهي بضاعة اعتزالية، فلم يتحقق لهم مخالفة العامة. وأول من قال بهذه المقالة هو الجعد بن درهم (١) . قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم (٢) . فهو أول من قال بمبدأ التعطيل في هذه الأمة، ثم تلقى ذلك عنه الجهم بن صفوان" (٣) . ويشير البعض إلى أن هذه المقالة ترتد في أصولها إلى مؤثرات أجنبية، فقد ذكر ابن الأثير، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما أن الجعد أخذ ذلك - أي القول بخلق القرآن - عن أبان بن سمعان، وأخذه هذا من طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ وكان يقول بخلق التوراة، وكان طالوت زنديقًا، وهو أول من صنف لهم في ذلك ثم أظهره الجعد بن درهم (٤) ، كما يذكر الخطيب البغدادي أن والد بشر المريسي وهو أحد كبار القائلين بخلق القرآن من المعتزلة كان يهوديًا (٥) . ومن هنا يظهر الأثر اليهودي في ظهور هذه المقالة.

стр. 528

ويشير شيخ الإسلام ﵀ إلى مؤثرات أخرى حيث يذكر أن الجعد بن درهم كان من أهل حران، وكان فيهم من بقايا الصابئين والفلاسفة خصوم إبراهيم ﵇؛ لهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم موافقة لفرعون والنمرود بناء على أصل هؤلاء النفاة وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه (١) . وتلك الروايات الواردة في كتب الشيعة والتي تنص على أن القرآن منزل غير مخلوق قد تمثل مذهب قدماء الشيعة الذين كانوا على هذا الاعتقاد كما أشار إلى ذلك أهل العلم (٢) .؛ لأن القول بأن القرآن مخلوق هو من إحداث متأخري الشيعة (٣) . كما أن الاعتقاد بأن القرآن منزل غير مخلوق، هو الثابت عن أهل البيت، إذ ليس من أئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد من يقول بخلق القرآن، ولكن الإمامية تخالف أهل البيت في عامة أصولهم (٤) . أما قولهم بأن كلام الله لموسى خلقه في شجرة؛ فهو مخالف لصريح قوله سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِمًا﴾ (٥) . فالتأكيد بالمصدر "تكليمًا" ينفي التأويل الذي يشيرون إليه، ولذا قال غير واحد من العلماء: التوكيد بالمصدر ينفي المجاز (٦) . ولو كان الأمر على ما يدعون لم يكن في ذلك مزية لموسى ﵇، وفضيلة اختص بها، ونوه الله سبحانه بذكرها فإن "من سمع كلام الله من مالك أو من نبي أتاه به من عند الله أفضل مرتبة في سماع الكلام من موسى؛ لأنهم سمعوه

стр. 529

من نبي، وموسى سمعه من شجرة.. ويلزمهم أن تكون الشجرة هي التي قالت: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) وهذا ظاهر الفساد" (١) . والرد على الجهمية القائلين بنفي الصفات كثير في كلام التابعين وتابعيهم، والأئمة المشاهير، وفي مسألة القرآن آثار كثيرة جدًا (٢) ، وهي مذكورة في الكتب المتخصصة في ذلك (٣) . ولكن الذي يمكن أن يضاف فيما يتصل بنقد المذهب الشيعي في ذلك بعد ظهور كتبهم وانتشارها أنهم وهم ينفون هذه الفضيلة لموسى ﵇، وينكرون مناجاة الله له ومناداته، ويزعمون أن الشجرة هي التي كلمت موسى ﵇ لم يأخذوا بهذا المنهج فيما يتصل بالإمام، ونسوا هذه القضية في حديثهم عن فضائل الأئمة.. لقد جاء في كتابهم المعتمد عندهم "بحار الأنوار" باب بعنوان "باب أنّ الله تعالى ناجاه صلوات الله عليه.." (٤) . وساق فيه مجموعة من رواياتهم في هذا المعنى عزاها - كعادته - إلى طائفة من كتبهم المعتمدة. تقول إحدى هذه الروايات: "لمّا بعث رسول الله ﷺ ببراءة مع أبي بكر وأنزل الله عليه: تترك من ناجيته غير مرّة، وتبعث من لم أناجه؟ (٥) فأرسل رسول الله ﷺ فأخذ براءة منه ودفعها إلى علي ﵁ فقال له علي: أوصني يا رسول الله، فقال له: إنّ الله يُوصيك ويناجيك، قال: فناجاه يوم براءة قبل صلاة الأولى إلى صلاة العصر" (٦) . وتقول رواية أخرى: ".. إنّ الله ناجاه (يعني عليًّا) يوم الطّائف ويوم عقبة

стр. 530

تبوك، ويوم حنين" (١) . وفي بصائر الدرجات، والاختصاص وبحار الأنوار، رواية تقول: "عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ لأهل الطائف: لأبعثن إليكم رجلاً كنفسي يفتح الله به الخيبر، سوطه سيفه"، ثم تذكر الرواية اختيار علي لهذه المهمة، وأن الرسول لحق به ولما وصلها كان علي على رأس الجبل فقال له رسول الله ﷺ : اثبت، فثبت، فسمعنا مثل صرير الزجل (٢) . فقيل: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: إنّ الله يناجي عليًّا ﵁" (٣) . وبغض النظر عما في هذه الرواية من أخطاء تاريخية في خلطها بين فتح خيبر والطائف، فلعل القارئ يلاحظ هذا التشبيه لكلام الحق جل شأنه ... فعنصر التجسيم والتمثيل واضح في قوله: "مثل صرير الزجل" ولا تشير الرواية إلى أن هذا قد سمعه علي من شجرة ونحوها، فما بالهم يذهبون تارة إلى التعطيل المحض، وتارة إلى التجسيم، هل هذه الروايات تمثل الأدوار التي مرت بها مراحل التشيع حينما كان الشيعة مجسمة، ثم تحولوا إلى مرحلة التعطيل في المائة الثالثة حينما هبت عليهم أعاصير الاعتزال؟! أم أن وضّاع هذه الروايات يمثلون على نحلة وكل يضع ما تمليه عليه عقيدته؟! والتشيع يحتضن الجميع بلا تفريق؛ فحب علي حسنة لا تضر معها سيئة كما يقولون. ولا يجدون ما يلجؤون إليه في تعليله سوى القول بالتقية، ولا يكاد يجزم
следующие страницы →