← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وجهًا أنه كان يقول على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر (١) . ونقلت ذلك كتب الشيعة نفسها (٢) . فما حاله ﵁ مع هذا الصنف الذي يدعي التشيع له ويفضله على أنبياء الله؟ لا شك أن إنكاره عليهم أعظم وأشد، وقد قرر بعض أهل العلم بأن من فضَّل عليًا - فكيف ممن بعده - على نبي الله إبراهيم أو محمد فإنه أشد كفرًا من اليهود والنصارى (٣) . وقد روت كتب الشيعة أنه عندما قيل لأمير المؤمنين: أنت نبي، قال: "ويلك إنما أنا عبد من عبيد محمد ﷺ " (٤) . قال ابن بابويه: يعني بذلك عبد طاعته لا غير ذلك (٥) . ويحتمل أن هذا الاتجاه الغالي الذي استقر عليه المذهب الاثني عشري كان من آثار فرقة من فرق الشيعة تذهب إلى تفضيل علي على محمد ﷺ يقال لها العلبائية (٦) . وفي ظني أن عقيدة عصمة الإمام عندهم تؤدي إلى ظهور هذا المذهب وأمثاله؛ ذلك أنهم يصفون الأئمة بأوصاف لا يتصف بها أحد من أنبياء الله ورسله - كما سيأتي - وإن من يرجع إلى كتاب الله سبحانه يجد أنه ليس لأئمتهم

стр. 597

الاثني عشر ذكرا، فضلاً عن أن يقدموا على أنبياء الله ورسله. كما أنه يلاحظ "أن الأنبياء لكونهم أرفع رتبة يقدمون بالذكر على غيرهم من صالحي عباد الله. قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ (١) . (٢) . فرتب الله سبحانه عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب (٣) . "وكتاب الله يدل في جميع آياته على اصطفاء الأنبياء واختيارهم على جميع العالم" (٤) . وقد أجمع أهل القرون الثلاثة على تفضيل الأنبياء على من سواهم، وهذا الإجماع حجة - حتى عند الشيعة - لأن فيهم الأئمة (٥) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذي ليسوا بأنبياء" (٦) . والعقل يدل صريحًا على أن جعل النبي واجب الطاعة وجعله أمرًا وناهيًا وحاكمًا على الإطلاق والإمام نائبًا وتابعًا له لا يعقل بدون فضيلة النبي عليه، ولما كان هذا المعنى موجودًا في حق كل نبي مفقودًا في حق كل إمام لم يكن إمام أفضل من نبي أصلاً، بل يستحيل (٧) . ثم إنّه قد ورد في كتب الشّيعة نفسها ما يتّفق مع النّصّ والإجماع والعقل، وينفي ذلك الشّذوذ؛ وهو ما رواه الكليني عن هشام الأحول عن زيد بن علي أنّ الأنبياء أفضل من الأئمّة، وأنّ من قال غير ذلك فهو ضالّ (٨) .

стр. 598

وروى ابن بابويه عن الصّادق ما ينصّ على أنّ الأنبياء أحبّ إلى الله من علي (١) . ولا شك أن هذا المذهب واضح البطلان، يدرك بطلانه بصري العقل وبما علم من الدين بالضرورة، وبالتاريخ والسير والفطر، ولا يحتاج إلى تكلف في إبطاله وهو أحد البراهين على فساد المذهب الرافضي. معجزات الإمام: يرى أهل السنة "أن المعجزات (٢) . لا يأتي بها أحد إلا الأنبياء ﵈ (٣) ، خلافًا للروافض الذين جعلوا علامة الإمام عندهم صدور المعجزة منه، لأنهم يقولون: "إنّ الإمامة استمرار للنّبوّة (٤) . فكما أنّ الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنّبوّة والرّسالة ويؤيّده بالمعجزة.. فكذلك يختار للإمامة" (٥) . وقد امتلأت كتب الحديث عندهم بالحديث عن هذه المعجزات، ورواية قصصها وأحداثها - المزعومة - وقد يقال بأن غاية ما هنالك بأنهم سموا الكرامات معجزات.

стр. 599

ولا شك أن "من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري على أيديهم من خوارق العادة في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة" (١) . وإذا كان الأمر كذلك فتسمية الكرامات بمعجزات مجرد اختلاف في الاصطلاح ولهذا حينما قال ابن المطهر الحلي عن أمير المؤمنين علي: "وظهرت منه معجزات كثيرة" عقب على ذلك شيخ الإسلام بقوله: "فكأنه يسمي كرامات الأولياء معجزات وهذا اصطلاح كثير من الناس فيقال: علي أفضل من كثير ممن له كرامات، والكرامات متواترة عن كثير من عوام أهل السنة الذين يفضلون أبا بكر وعمر فكيف لا تكون الكرامات ثابتة لعلي ﵁، وليس في مجرد الكرامات ما يدل على أنه أفضل من غيره" (٢) . وقد رأى شيخ الإسلام أن اهتمام الروافض بأمر ما ينسب للأئمة من كرامات إنما سببه أن "الرافضة لجهلهم وظلمهم وبعدهم عن طريق أولياء الله ليس لهم من كرامات الأولياء المتقين ما يعتد به، فهو لإفلاسهم منها إذا سمعوا شيئًا من خوارق العادات عظموه تعظيم المفلس للقليل من النقد، والجائع للكسرة من الخبر.." (٣) . ولكن الإمامية هل ترى هذه الخوارق من كرامات أولياء الله وتسميها معجزات؟ إن المتأمل للمذهب الإمامي يرى أنهم يذهبون في هذه الكرامات إلى

стр. 600

مذهب آخر؛ فهم يرون أنها معجزات لإثبات الإمامة وإقامة الحجة - كما يزعمون - على الخلق، لأن الأئمة كما تقول رواياتهم هم الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض (١) . بل يقول ثقة إسلامهم الكليني: "إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام" (٢) . وجاءت روايات كثيرة عندهم بهذا المعنى، ولذا قالوا "فنحن حجج الله في عباده" (٣) ، "ولولانا ما عبد الله" (٤) ، "الأوصياء هم أبواب الله التي يؤتى منها ولولاهم ما عرف الله ، وبهم احتج الله ﵎ على خلقه" (٥) . ولذلك قال البحراني في كتابه الذي صنفه في معجزات الأئمة: "إن الله أظهر على أيديهم المعاجز والدلائل لأنهم حجته على عباده" (٦) . فهم يجعلون الأئمة كالأنبياء والرسل الذين يقيم الله بهم الحجة على خلقه فهم يحتاجون للمعجزات لإثبات رسالتهم كما يحتاج الأنبياء. بل هم في الفضل، ووجوب الطاعة، وتحقق المعجزات قد يصلون إلى مرتبة أفضل الرسل والأنبياء أو أعظم. قال أبو عبد الله - كما يزعمون -: "ما جاء به عليّ ﵁ آخذ به وما نهي عنه أنتهي عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد ﷺ ". وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدًا بعد واحد. كان أمير المؤمنين كثيرًا ما يقول: "لقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها

стр. 601

أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عنّي ما غاب عنّي أبشر بإذن الله وأودي عنه كلّ ذلك مكّنني فيه بعلمه" (١) . فأنت ترى أن النص يؤكد بأن من أخذ عن أحد من الأئمة فكأنما أخذ عن رسول الله، أو أفضل؛ ولذلك فإن جعفرًا يفضل الأخذ عن عليّ لا عن رسول الله (٢) . ثم يبرهن على ما تميز به عليّ من معجزات وصفات ليست لمحمد ﷺ في قوله: (أنا قسيم الله ... إلخ) ، ويؤكد هذا المعنى في خاتمة النص وهو قوله: "لقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد.." ويضفي على علي صفات الجبار جل علاه حينما يقول: "علمت المنايا والبلايا"، وكذلك حينما يقول: "فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني"، فالذي لا يعزب عنه شيء ولا يفوته شيء هو الرّبّ ﷻ . لكنّ الرّبّ عندهم يبدو له كما زعموا. فهذه ليست معجزات، هذه افتراءات وتأليه للأئمة. ولكن الشيعة الإمامية ترى أن هذه معجزات جرت للأئمة لإقامة الحجة على الخلق.. وليست أيضًا من قبيل الكرامات بل هي كمعجزات الأنبياء أو أعظم، وقد بوّب صاحب البحار لهذا المعنى بابًا بعنوان "إنّهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء" (٣) . وأورد فيه جملة من أحاديثهم، ولهذا عرف شيخهم القزويني المعجزة التي تحصل للأئمة بأنها "ما كان خارقًا للعادة أو صارفًا للقدرة عند التحدي مع عدم المعارضة، والمطابقة

стр. 602

للدعوى" (١) . فهي معجزة خارقة للعادة المقصود بها التحدي لإقامة الدعوى. وقد صنفوا المصنفات في معجزات الأئمة كما يكتب أهل السنة في معجزات رسول الله ﷺ (٢) ، بل إن أخبارهم في ذلك تخرج بالأئمة من طور البشر إلى مقام الخالق جل علاه. وللقوم ولع غريب وتعلق عجيب بسرد الحكايات وغرائب الأساطير والتي هي أحيانًا أشبه بعمل السحرة والمشعوذين، وحينًا هي من ضروب الخيال،

стр. 603

وغرائب الأحلام. ويزعمون أن هذا من أصول ثبوت إمامتهم. بل جعلوا لأتباع الأئمة معجزات تضاهي معجزات الأئمة (١) . وقد يقال: تلك حكايات وأساطير ذهبت مع ذهاب الأئمة وليس لها وجود واقعي، وأقول: إن هذه المعجزات لا تزال تولد عند الشيعة وتتجدد لا بقراءة هذه الأساطير في المجالس وتخدير العقول وتكبيل الأفكار بها فحسب، بل اتخذت صورة واقعية تتمثل في جانبين: الأول: ما ينسبونه للغائب المنتظر من معجزات وخوارق ينقلها جملة من شيوخهم الذين يزعمون الصلة به، فهذا ابن المطهر الحلي يستعير كتابًا كبيرًا ليرد عليه - كما يقولون - ولا يسمح له صاحب الكتاب باستعارته إلا ليلة واحدة فيأتيه هذا المنتظر فينسخ له الكتاب كله (٢) . وحكاياتهم في هذا الباب كثيرة سجل جملة منها شيخهم النوري الطبرسي في كتابه جنة المأوى، فالمعجزات تجري الآن علي أيدي غائبهم، ويظهرها في أشخاص شيوخهم وآياتهم. الثاني: ما يدعونه من حصول الخوارق عند قبورهم فأضلوا قومهم سواء السبيل وأغروهم بالشرك وفتحوا لهم أبوابه. وقد عقد المجلسي جملة من أبواب بحاره لهذا الغرض مثل "الباب التاسع والعشرون ما ظهر عند الضريح المقدس من المعجزات والكرامات" (٣) ، ومثل "الباب الخمسون جور الخلفاء على قبره الشريف وما ظهر من المعجزات عند ضريحه ومن تربته وزيارته" (٤) . وهكذا يذكر عند الحديث

стр. 604

عن كل إمام معجزاته المزعومة. وقد ألفوا في هذه الخرافات مصنفات (١) . وقد تحدثت أساطيرهم عن معجزات جرت من الأضرحة، وساق الكثير منها المجلسي في أبوابه التي عقدها في أخبار كل إمام. وجاء بقصص خيالية تثير العجب من هؤلاء القوم الذين ألفوا الخرافة، ووجدت طريقها لقلوبهم بكل يسر. قصص تتحدث عن شفاء الضريح للأمراض المستعصية، فتذكر أن أعمى أبصر بمجرد مجاورته للضريح (٢) . وأن الحيوانات تذهب لأضرحة أئمتهم طلبًا للشفاء، فهذا حيوان يتمرغ على القبر لشفاء جرحه فيشفى (٣) . بل جعلوا أئمتهم وهم رهائن قبورهم يتصرفون تصرف الأحياء فجاءوا بقصص تتحدث عن أن الضريح يودع الأمانات فيحفظها (٤) . ويبدو أن واضع هذا بعض السدنة اللصوص الذي لم يكفه ما يأخذ من هؤلاء الأغرار من أموال يبذلونها على عتبات الضريح فحاول أن يأخذ المزيد بالسرقة والخداع. والضريح يخاطب فيستجيب.. فهذا أحد زوار القبر يتمزق رداؤه عند الضريح فيقول: "ما أعرف عوض هذا إلا منك، فيتحقق له ما أراد" (٥) . كل هذه الأساطير تصاغ في قالب قصصي خيالي للتأثير على السذج من العامة، وهي قصص كثيرة وطويلة تنتهي بمثل هذه الغرائب التي تدعو للشرك

стр. 605

بالله سبحانه، وتشل العقل، وتعطل التفكير، وتثبط عن العمل الصالح، وقد تنأى بعقلائهم إلى الكفر بالدين أصلاً إذا رأى هذه الخرافات الباطلة بضرورة العقل. وقد استنكر جعفر الصّادق ما ينسبه له شيعة الكوفة من تلك المبالغات فقال - كما تروي كتب الشيعة -: "والله لو أقررت بما يقول فيّ أهل الكوفة لأخذتني الأرض، وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على شيء بضرّ ولا بنفع" (١) . ولا يستبعد أن تلك الدعاوى الغالية في الأئمة والتي ترفع الأئمة إلى مقام الألوهية ويسمونها معجزات لا يستبعد أن هذه موروثة عن المجوسية الذين دخلوا في سلك التشيع للكيد للإسلام أو لإظهار عقائدهم باسم الإسلام ذلك أن "المجوس تدعي لزرادشت من المعجزات والآيات أكثر مما يدعيه النصارى" (٢) . أما قولهم بأن الأئمة هم الحجة على الناس ولا تقوم الحجة على خلقه إلا بهم، ولهذا جرت المعجزات على أيديهم لإثبات الإمامة.. فهذا إذا بحثت عنه في كتاب الله سبحانه لم تجد ما يدل عليه البتة، بل تجد ما يخالفه وهو أن حجة الله على عباده قامت بالرسل. قال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣) . ولم يذكر الأئمة. فعلم أن هذه الدعوى هي محض اختلاق، وأما تلك المعجزات التي ينسبونها للأضرحة أو الغائب المنتظر فهي كذب وبهتان، أو من وحي شيطان، فالغائب لا وجود له إلا في خيالات طائفة الاثني عشرية كما يقرره طوائف من الشيعة، وكما يذكر ذلك أهل العلم بالأنساب والتواريخ. أما معجزات الأضرحة فإنها دعوى شيطانية للشرك، وهؤلاء أموات قد أفضوا إلى ما قدموا لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا.. وهم في حياتهم يلجؤون إلى الله سبحانه ينفون عن أنفسهم الحول والقوة.

стр. 606

وقد نقلت كتب الشيعة نفسها أحاديث كثيرة في هذا المعنى، والله سبحانه أمر نبيه أن يقول: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ﴾ (١) ، ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ﴾ (٢) ، ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (٣) ، ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ (٤) ، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ (٥) . فهذا هو رسول الهدى وخاتم الأنبياء وسيد الأولين والآخرين فكيف بمن دونه. الإيمان باليوم الآخر: لهم في الركن العظيم أقوال منكرة، وبدع كثيرة. فآيات القرآن في اليوم الآخر أوّلوا معناها بالرجعة (٦) . وهذه حيلة ماكرة من واضعي هذه النصوص لإنكار أمر اليوم الآخر بالكلية، وأقل ما فيها أنها تصرف قلوب الشيعة، عن ذلك اليوم، أو تمحو معاني اليوم الآخر من نفوسهم، لأنهم لا يقرأون في آيات اليوم الآخر إلا تأويلات شيوخهم له بالرجعة. ومن بدعهم أيضًا قولهم بأن أمر الآخرة للإمام. يقول صاحب الكافي في أخباره: "الآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء جائز له ذلك من الله" (٧) . أما لماذا أمر الآخرة للإمام فإن هذا فرع عن تصورهم لأمر الجنة والنار،

стр. 607

إذ يقولون: "لولا الأئمّة ما خلقت الجنّة والنّار" (١) . و"إنّ الله خلق الجنّة من نور الحسين" (٢) . وعقد شيخهم البحراني بابًا في ذلك بهذا العنوان المذكور (٣) . ومرة يقولون بأنّ الجنّة هي من مهر فاطمة في زواجها على عليٍّ. وما أدري كيف تكون مهرها وهي مخلوقة من نور ابنها؟! والأصل في المهر أن يدفع من قبل الزوج، فقد روى الشّيخ الطّوسي في مجالسه عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: "إنّ الله تعالى أمهر فاطمة ﵂ ربع الدّنيا فربعها لها، وأمهرها الجنّة والنّار، تدخل أعداءها النّار وتدخل أولياءها الجنّة" (٤) . وعقد لذلك صاحب المعالم الزّلفى بابًا بعنوان "الباب الرّابع أنّ الجنّة في مهر فاطمة" (٥) . أي أن الجنة جزء من مهر فاطمة. ثم إن المهر الأصل أن يصل إلى صاحبه في الدنيا، ولذلك قالوا: إن الأئمة يأكلون في الدنيا من نعيم الجنة، وخصّص لهذه المسألة شيخهم البحراني بابًا بعنوان "باب أنّ طعام الجنّة في الدّنيا لا يأكله إلا نبي أو وصي نبي". أورد فيه روايات كثيرة من كتبهم المعتمدة عندهم تتضمن أن الفواكه والرمان والأطباق المليئة بأنواع الطعام تأتيهم من الجنة يأكلون منها، وصاغ هذه المزاعم في قصص طويلة. وفات عليهم أن يزيدوا في قولهم عمن يأكل طعام الجنة لا يأكله إلا نبي، أو وصي نبي "أن يزيدوا أو بنت نبي"، لأنهم بهذا قد حرموا فاطمة من مهرها،

стр. 608

ومما خلق من نور ولدها، لأنها ليست من الأوصياء باتفاقهم فلا تأكل من طعام الجنة، ويبدو أنهم لم يزيدوا ذلك خشية أن تدخل فيه بنات النبي الأخريات، وليس لهن نصيب من الود في دين الشيعة. وما دام أمر الآخرة في نظر هذه الزمرة للإمام بهذه الوجوه المذكورة، فإن كل مراحل الحياة الأخروية صبغتها الشيعة بآثار غلوهم في الإمام والأئمة. فالأئمة يحضرون عند الموت. قال المجلسي في بيان اعتقادات طائفته: "يجب الإقرار بحضور النبي والأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم عند موت الأبرار والفجار والمؤمنين والكفار، فينفعون المؤمنين بشفاعتهم في تسهيل غمرات الموت وسكراته عليهم، ويشددون على المنافقين ومبغضي أهل البيت صلوات الله عليهم، ولا يجوز التفكر في كيفية ذلك إنهم يحضرون - كذا - في الأجساد الأصلية أو المثالية أو بغير ذلك" (١) . وحينما يوضع الميت في قبره، يجعل معه تربة من تراب الحسين، لأنها بزعمهم أمان له، وعقد لهذا الحر العاملي بابًا بعنوان "باب استحباب وضع التّربة الحسينيّة مع الميّت في الحنوط والكفن وفي القبر" (٢) ، وكذلك خصّص لها صاحب مستدرك الوسائل بابًا بنفس العنوان المذكور (٣) . ومن وصاياهم في ذلك قولهم: "ويجعل معه شيء من تربة الحسين فقد روي أنّها أمان" (٤) ، ولهم في هذه المسألة أحاديث كثيرة (٥) . والتكليف بزعمهم ورفع الدرجات وعمل الحسنات يحصل من الميت

стр. 609

الشيعي وهو في قبره. روى الكليني في الكافي عن حفص قال: سمعت موسى بن جعفر يقول: الرجل أيحب البقاء في الدنيا؟ قال: نعم، فقال: ولم؟ قال: لقراءة قل هو الله أحد. فسكت عنه فقال له بعد ساعة: يا حفص من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علم في قبره ليرفع الله به من درجته، فإن درجات الجنة على قدر آيات القرآن (١) . فالشيعي في قبره يعلم القرآن ويشتغل بقراءته فيستمر عمل الحسنات منه حتى بعد موته! وهذه فريدة من فرائدهم. فهل هذه دعوة مبطنة وحيلة أخرى لهجر القرآن وتعلمه وقراءته بانتظار حصول ذلك في القبر؟ وأول ما يسأل عنه في القبر هو حب الاثني عشر قالوا: "أول ما يسأل عنه العبد حبنا أهل البيت" (٢) . فيسأله ملكان عن "من يعتقده من الأئمّة واحد بعد واحد، فإن لم يجب عن واحد منهم يضربانه بعمود من نار يمتلئ قبره نارًا إلى يوم القيامة" (٣) ، وأما "إذا كان في حياته معتقدًا بهم (يعني الاثني عشر) فإنه يستطيع الرد على أسئلتهم (يعني أسئلة الملائكة) ويكون في رغد إلى يوم الحشر" (٤) . ويعتقد الشيعة بحشر بعد الموت لا يشاركهم في القول به أحد، يقول المجلسي في الاعتقادات: "يحشر الله تعالى في زمن القائم أو قبيله جماعة من المؤمنين لتقر أعينهم برؤية أئمتهم ودولتهم، وجماعة من الكافرين والمخالفين للانتقام عاجلاً في الدنيا" (٥) . أما اعتقادهم في الحشر يوم القيامة، فإن لهم فيه أقوالاً منكرة؛ ففي أخبارهم

стр. 610

أن حشر الناس يوم القيامة لا يشمل الجميع كما هو اعتقاد المسلمين، بل هناك فئة لا يشملها الحشر، ولا تتعرض لهول ذلك اليوم، ولا تقف ذلك الموقف العظيم، ولا تمر على الصراط بل ينتقلون من قبورهم إلى الجنة بلا وسائط. أولئك هم أهل مدينة "قم"، تقول أخبارهم: "إن أهل مدينة قم يحاسبون في حفرهم ويحشون من حفرهم إلى الجنة" (١) . وليس ذلك فحسب، بل إن أحد أبواب الجنة قد خصص - بزعمهم - لأهل "قم" عن أبي الحسن الرضا قال: "إنّ للجنّة ثمانية أبواب، ولأهل قم واحد منها فطوبى لهم ثم طوبى" (٢) . و"هم خيار شيعتنا من بين سائر البلاد خمّر الله تعالى ولايتنا في طينتهم" (٣) . قال شيخهم عباس القمي (من المعاصرين) : "وقد وردت روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت في مدح قم وأهلها، وأنها فتح إليها بابًا - كذا - من أبواب الجنة" (٤) . وخصّوا (قم) بفضائل أخرى (٥) ، حتى أغروا شيعتهم بشراء أرضها، وخدعوهم بقولهم: إنّ قم يبلغ من العمارة إلى أن يشترى موضع فرس بألف درهم (٦) . فحاولوا التأثير عليهم من الجانب المادي، والجانب الروحي.. وقد يكون في الموضوع جانب سياسي، حيث إن قم في إيران وهي مركز الدولة الصفوية، بالإضافة إلى الهدف المقيت الذي تسعى إليه هذه الزمرة التي وضعت هذه الروايات، لإشاعة الكفر والزندقة، إبعاد الشيعة عن الإسلام، وقد تجد من

стр. 611

يساندها من شياطين الجن أيضًا، وما أسهل ذلك، لأنهم سيأتون إليهم بثوب "المهدي المنتظر" المزعوم ويضعون في دينهم ما يشاءون. وقد زاد أحد شيوخهم المعاصرين في عدد أبواب الجنة المفتوحة على قم - كما يفترون - فذكر بأن في أخبارهم أن الرضا قال: للجنّة ثمانية أبواب فثلاثة منها لأهل قم (١) . وجعلوا أمور الحساب، والصراط والميزان، والجنة والنار بيد الأئمة، قال أبو عبد الله: "إلينا الصّراط وإلينا الميزان وإلينا حساب شيعتنا" (٢) . وعدّ الحرّ العاملي من أصول الأئمّة الإيمان بأنّ حساب جميع الخلق يوم القيامة إلى الأئمّة (٣) . وجاءت عندهم روايات كثيرة تقول: "لا يجوز الصّراط أحد إلا ومعه ولاية من علي" (٤) . أو "جواز فيه ولاية علي" (٥) ، أو "كتاب فيه براءة بولاية علي" (٦) . وفي كتاب الاعتقادات لابن بابويه في "باب الاعتقاد في الصراط" قال: ".. والصراط في وجه آخر اسم حجج الله فمن عرفهم في الدنيا وأطاعهم أعطاه الله جوازًا على الصراط الذي هو جسر جهنم يوم القيامة.. قال النّبيّ ﷺ لعلي: يا علي إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرائيل على الصّراط فلا يجوز على الصّراط إلا من كانت معه براءة بولايتك" (٧) . وقال بأنّ على الصّراط عقبة اسمها الولاية "يوقف جميع الخلائق عندها

стр. 612

فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين والأئمّة من بعده فمن أتى بها نجا وجاوز، ولن لم يأت بها بقي" (١) . وعقد المجلسي بابًا بعنوان "باب أنّه ﵇ قسيم الجنّة والنّار وجواز الصّراط" (٢) . وعقد البحراني بابًا بنحو ذلك (٣) . وساقا فيهما روايات عدة عن أساطين المذهب، وكتبهم المعتمدة عندهم. والمعلومات التي تقدمها الاثنا عشرية في معنى أنه قسيم الجنة والنار لا تعطى إلا للخواص، ذلك أن المأمون - كما تقول أخبارهم - سأل عن معنى أن عليًا قسيم الجنة والنار فأجابه الرضا بأن حب علي إيمان وبغضه كفر فصار حينئذ قسيم الجنة والنار، ولكنه حينما لحق به أبو الصلت الهروي قال له الرضا: "إنما كلمته من حيث هو، ولقد سمعت أبي يحدث عن آبائه عن عليّ ﵁ أنّه قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا علي أنت قسيم الجنّة والنّار يوم القيامة، تقول للنّار هذا لي وهذا لك" (٤) . ويقولون بأنه صاحب الجنة والنار، قالت أخبارهم: "إذا كان يوم القيامة وضع منبر يراه الخلائق يصعده رجل يقوم ملك عن يمينه وملك عن شماله، ينادي الذي عن يمينه: يا معشر الخلائق، هذا عليّ بن أبي طالب صاحب الجنّة يدخلها من يشاء، وينادي الذي عن يساره: يا معشر الخلائق، هذا عليّ بن أبي طالب صاحب النّار يدخلها من يشاء" (٥) . بل وصلوا إلى القول بأنه ديان الناس يوم القيامة، "عن المفصل بن عمر الجعفي عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

стр. 613

لديّان الناس يوم القيامة.." (١) . وهذه الجنة التي يتحدثون عنها هي قصر على الروافض لا يشاركهم فيها أحد لأنها لأئمتهم، كما أن النار التي مفاتيحها بيد الأئمة هي لأعدائهم، قالوا: "إنما خلقت الجنة لأهل البيت، والنار لمن عاداهم" (٢) . ولكنهم ينسون هذا ويقولون بأن "الشيعة يدخلون الجنة قبل سائر الناس من الأمم بثمانين عامًا" (٣) . ومن أصولهم "أن الناس يدعون بأسماء أمهاتهم يوم القيامة إلا الشيعة فيدعون بأسماء آبائهم" (٤) . هذا ويعتقدون بجنة غير جنة الخلد، يسمونها جنة الدنيا، وكذلك بنار يعذب بها الناس غير نار الآخرة. يقول المجلسي: "ويجب أن يعتقد أن لله تعالى في الدنيا جنة ونارًا سوى جنة الخلد ونار الخلد" (٥) ، وأهل القبور قد ينتقلون إليهما، وذلك أنهم "بعد السؤال وضغطة القبر ينتقلون إلى أجسادهم المثالية فقد يكونون على قبورهم، ويطلعون على زوارهم، وقد ينتقلون إلى النجف" (٦) . ومزاعمهم في هذا الباب يصعب حصرها.. بدع كثيرة منكرة.. وما ذكرته مجرد إشارات لو قمنا باستعراض نصوصها وتحليلها لاستغرق ذلك صفحات كثيرة.

стр. 614

وكلها بدع ليس عليها من كتاب الله برهان، وليس لها في كتب الأمة شاهد ولا خبر.. ويكفي في بيان وضعها، ومعرفة كذبها مجرد عرضها.. فهم جعلوا الآخرة للأئمة والله سبحانه يقول: ﴿فَلِلَّهِ الآَخِرَةُ وَالأُولَى﴾ (١) . وما أشبه قولهم هذا بمزاعم يهود في قولهم إن الآخرة لهم. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ﴾ (٢) . كما جعلوا للأئمة الحكم والأمر في يوم القيامة والله جل شأنه يقول: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣) . وقالوا بأن الجنة لهم كما قال اليهود: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤) . ونقول لهم في كل مزاعمهم التي مرت: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ بل أنتم بش كسائر البشر، وما تدعونه إنما هو كيد عاجز، وصنعة حاقد، وتدبير زنديق، وبين أيدينا كتاب الله سبحانه لم يدع لهذه التخرصات والأوهام سبيلاً إلى قلب من احتكم إليه وجعله إمامه وقائده. وأما من أغلق عقله، وأخذته العزة بالإثم، وأعمى تفكيره التعصب فسيجد مغبة ذلك في يوم ﴿لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (٥) .

стр. 615

الإيمان بالقدر: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بأن "قدماء الشيعة كانوا متفقين على إثبات القدر، وإنما شاع فيهم نفي القدر من حين اتصلوا بالمعتزلة" (١) . وهذا كان في أواخر المائة الثالثة، وكثر بينهم في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه (٢) . كما أن "سائر علماء أهل البيت متفقون على إثبات القدر" (٣) . ويذكر الأشعري أن الرافضة في أفعال العباد ثلاثة فرق: فرقة يقولون بأن أعمال العباد مخلوقة لله، وأخرى تقابلها فتنفي أن تكون أعمال العباد مخلوقة لله، وثالثة تتوسط وتقول: لا جبر كما قال الجهمي، ولا تفويض كما قال المعتزلة؛ لأن الرواية عن الأئمة - كما زعموا - جاءت بذلك، ولم يتكلفوا أن يقولوا في أعمال العباد هل هي مخلوقة أو لا شيئًا (٤) . واعتبر شيخ الإسلام هذه الطائفة متوقفة بينما الأولى مثبتة والثانية نافية (٥) ، ولا يذكر صاحب التحفة الاثني عشرية عن الإمامية إلا قولهم: "إن العبد يخلق فعله" (٦) . هذا ما تقوله مصادر أهل السنة. وبالرجوع إلى مصادر الشيعة يتبين ما يلي: نرى ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق، يقول في عقائده التي

стр. 616

سجلها على أنها تمثل عقائد الشيعة واشتهرت باسم عقائد الصدوق يقول: "اعتقادنا في أفعال العباد أنها مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى ذلك أنه لم يزل الله عالمًا بمقاديرها" (١) . وهذا فيه إثبات علم الله بأعمال العباد فقط لا إثبات عموم مشيئته سبحانه، وهو لا يقتضي أن الله خالق أفعال العباد، ومع ذلك فقد تعقبه شيخهم المفيد فقال: "الصحيح عن آل محمد ﷺ أن أفعال العباد غير مخلوقة لله، والذي ذكره أبو جعفر قد جاء به حديث غير معمول به، ولا مرضي الإسناد، والأخبار الصحيحة بخلافه، وليس يعرف في لغة العرب أن العلم بالشيء هو خلق له" (٢) . ثم قال: "وقد روي عن أبي الحسن أنه سئل عن أفعال العباد فقيل له: هل هي مخلوقة لله تعالى؟ فقال ﵇: لو كان خالقًا لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه: ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم" (٣) . ويبدو في هذا الاستدلال الذي عزاه مفيدهم إلى الرضا التكلف الواضح، فبراءة الله من المشركين لعدم رضاه سبحانه عن عملهم، ولا ينفي هذا قدرة الله سبحانه ومشيئته الشاملة النافذة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكُواْ﴾ (٤) . وجاء في رواياتهم ما ينقض هذا ويتفق مع الحق، حيث قالوا: "ما خلال الله فهو مخلوق، والله خالق كل شيء" (٥) . ثم إن المفيد يذهب إلى معنى أن العباد خالقون لأفعالهم، لكنه لا يستحسن هذا التعبير فيقول: "أقول: إن الخلق يفعلون، ويحدثون ويخترعون ويصنعون

стр. 617

ويكتسبون، ولا أطلق القول عليهم بأنهم يخلقون ولا هم خالقون، ولا أتعدى ذكر ذلك فيما ذكره الله تعالى ولا أتجاوز به مواضعه من القرآن، وعلى هذا القول إجماع الإمامية والزيدية والبغداديين من المعتزلة وأكثر المرجئة وأصحاب الحديث، وخالف فيه البصريون من المعتزلة وأطلقوا على العباد أنهم خالقون فخرجوا بذلك عن إجماع المسلمين" (١) . فهو يلتزم - كما يزعم - منهج القرآن؛ لأنه سماهم فاعلين وعاملين ولم يسمهم خالقين، غير أن إجماع طائفته لم يستمر - إن كان قد حصل - إذ إن طائفة من شيوخهم سلكوا مسلك معتزلة البصرة في إطلاق لفظ "الخلق" (٢) . والفرق اللفظي بينهم وبين معتزلة البصرة قد توارى فيما بعد على يد ثلة من أساطين المذهب. فقد عقد شيخهم الحرّ العاملي (ت١١٠٤هـ) صاحب الشيعة في كتابه الذي يتحدث فيه عن أصول أئمته عقد بابًا بعنوان "باب أنّ الله سبحانه

стр. 618

خالق كلّ شيء إلا أفعال العباد" (١) ، وقال: "أقول: مذهب الإماميّة والمعتزلة أنّ أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها" (٢) . وكذلك قال شيخهم الطبطبائي: "ذهبت الإمامية والمعتزلة إلى أن أفعال العباد وحركاتهم واقعة بقدرتهم واختيارهم فهم خالقون لها، وما في الايات من أنه تعالى خالق كل شيء وأمثالها إما مخصص بما سوى أفعال العباد، أو مؤول بأن المعنى أنه خالق كل شيء إما بلا واسطة أو بواسطة مخلوقاته" (٣) . وقال القزويني: "وأفعال العباد مخلوقة لهم" (٤) . وغير هؤلاء كثير (٥) . وهو كما ترى عين مذهب أهل الاعتزال، فهل مقالة هؤلاء طارئة على المذهب الشيعي كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وإن قدماء الشيعة لم يكونوا على هذا المعتقد، أو أن هذا هو مذهب الأقدمين ومن بعدهم؟ لعل أفضل مرجع يرجع إليه لاستقراء هذه الحقيقة هو كتب الحديث عند الشيعة. وقد رجعت إلى مصادر الشيعة المعتمدة في الرواية وبالذات إلى مراجعها الرئيسة؛ فرأيت مجموعة كبيرة من الروايات تخالف ما هو شائع عن مذهب الشيعة

стр. 619

من القول بمذهب المعتزلة في أفعال العباد، وتعارض ما قرره طائفة من شيوخهم في هذه المسألة من الأخذ بمسلك أهل الاعتزال، كما سبق ذكر بعض شواهده من أقوال المفيد، وابن المطهر، والحر العاملي وأضرابهم مما سجلوه في كتب العقيدة التي كتبوها لتعبر عن مذهب الشيعة. فمن رواياتهم التي وصفنا: "قال أبو جعفر وأبو عبد الله» : إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب، ثم يعذبهم عليها، والله أعز من أن يريد أمرًا فلا يكون، قال: فسئلا ﵉ هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قال: نعم أوسع ما بين السماء والأرض" (١) . يعني أن بين القول بالجبر والقول بنفي القدر منزلة ثالثة وسط. وجاءت عندهم مجموعة من الروايات تقول بأن مذهبهم في القدر هو أمر بين الأمرين لا جبر ولا تفويض (٢) . ولهذا قال المجلسي: "اعلم أنّ الذي استفاض عن الأئمّة هو نفي الجبر والتّفويض وإثبات مر بين الأمرين" (٣) . ونفي الجبر واضح القصد وهو الخروج عن مذهب الجبرية، ولكن ماذا يريدون بالتفويض؟ يقول المجلسي: "وأما التفويض فهو ما ذهب إليه المعتزلة من أنه تعالى أوجد العباد، وأقدرهم على تلك الأفعال وفوض إليهم الاختيار، فهم مستقلون بإيجادها وفق مشيئتهم وقدرتهم وليس لله في أفعالهم صنع" (٤) .

стр. 620

كذلك عندهم روايات أخرى تنتقد مذهب المعتزلة، وتشنع على القائلين به، فهو رد على الشيعة نفسها في سلوكها مسلك المعتزلة، جاء في تفسير القمي - في التشنيع على القدرية نفاة القدر من المعتزلة ومن نهج سبيلهم - قول إمامهم: "القدرة الذين يقولون لا قدر، ويزعمون أنهم قادرون على الهدى والضلالة، وذلك إليهم إن شاءوا اهتدوا، وإن شاءوا ضلوا، وهم مجوس هذه الأمة، وكذب أعداء الله؛ المشيئة والقدرة لله ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾ (١) . من خلقه الله شقيًا يوم خلقه كذلك يعود إليه شقيًا، ومن خلقه سعيدًا يوم خلقه كذلك يعود إليه سعيدًا، قال رسول الله ﷺ : "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه" (٢) . وقال أبو عبد الله: "إنك لتسأل عن كلام أهل القدر وما هو من ديني ولا دين آبائي ولا وجدت أحدًا من أهل بيتي يقول به" (٣) . وقال: "ويح هذه القدرية أما يقرأون هذه الآية: ﴿إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ويحهم من قدّرها إلا الله ﵎" (٤) . وغيرها كثير (٥) . هذه الروايات تعبر عن مذهب الأئمة في إثبات القدر، وقد تشير إلى ما عليه قدماء الشيعة من الإثبات، وقد أعرض عن هذه الروايات الشيعة المتأخرون بلا دليل سوى تقليد أهل الاعتزال، وأغمضوا النظر عما يعارض ذلك من روايات كثيرة عندهم، بل إن الشيعة جعلوا من أصولهم العدل كالمعتزلة سواءً بسواء. وهذه الكلمة في ظاهرها لفظ جميل، ولكنها تخفي وراءها معنىً خطيرًا، وهو إنكار قدر الله .

стр. 621

قال أحد شيوخهم: "أمّا الإماميّة فالعدل من أركان الإيمان عندهم بل ومن أصول الإسلام" (١) . مع أن أقوال الأئمة - كما أثبتته كتبهم المعتمدة عندهم - لا تصرح بنفي القدر في أكثر رواياتهم - كما مضى - بل تهاجم المعتزلة وتنتقد مذهبها في القدر، كما تقرر جملة أن الحق ليس مع المعتزلة القدرية، ولا مع الجبرية بل الحق منزلة أخرى ثالثة، وهذا حق، ولكن تفسير هذه المنزلة، أو الأمر بين الأمرين ما هو؟ لقد أحجمت بعض رواياتهم عن تفيسر هذا واكتفت بإطلاق هذا القول. ولما سئل أبو عبد الله عن معناه لم يجب وقالت رواياتهم في وصف موقفه من هذا السؤال: "فقلب يده مرتين أو ثلاثًا ثم قال: لو أجبتك فيه لكفرت" (٢) . وقد حمل بعض شيوخهم هذا الموقف من "جعفر" على التقية "لأنه - بزعمهم - كان يعلم أنه لا يدركه عقل السائل فيشك فيه أو يجحده فيكفر" (٣) . ولعل هذا التوقف هو ما أشار إليه الأشعري من أنه أحد مذاهب الرافضة الثلاثة. كما أن المذهب الأول قد جاء على لسان شيخهم المفيد في قوله: "إن أفعال العباد غير مخلوقة لله" (٤) . وقد لوحظ أن المذهب الثالث وهو الإثبات قد نطقت به طائفة من رواياتهم، فأنت ترى أن المذاهب الثلاثة للرافضة التي أشار إليها الأشعري في مقالاته قد وجدت كلها ضمن مقالات الاثني عشرية ورواياتهم. وذكر صدوقهم في عقائده رواية تفسر قولهم بالأمر بين الأمرين؛ حيث

стр. 622

قال: قيل لأبي عبد الله: "ما أمر بين الأمرين؟ فقال: ذلك مثل رجل رأيته على المعصية فنهيته فلم ينته فتركته ففعل تلك المعصية فليس حيث لا يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية" (١) . فهو هنا يفسر القدر بالأمر والنهي فحسب.. وهو لا يكفي في بيان المذهب الحق في القدر.. إذ كان الله سبحانه لا سلطان له على العبد إلا أمره أو نهيه. ولكن نجد من شيوخهم من فسر ذلك بمقتضى مذهب أهل السنة وقال بما جاء في رواياتهم من الإثبات، وأعرض عما قاله طائفة من شيوخه وجعل ذلك هو معتقد طائفته فقال بعدما ذكر ضلال الجبرية فيما ذهبوا إليه ,ان من قال بقولهم فقد نسب الظلم إليه تعالى عن ذلك، وضلال القدرية فيما أخذوا به من نفي القدر، وأن من قال بذلك فقد أشرك مع الله غيره في الخلق - قال: «واعتقادنا في ذلك تبع لما جاء عن أئمتنا الأطهار ﵈ من الأمر بين الأمرين والطريق الوسط بين القولين.. فقد قال إمامنا الصادق ﵇ لبيان الطريق الوسط كلمته المشهورة: "لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين". ما أجمل هذا المغزى، وما أدق معناه وخلاصته: "أن أفعالنا من جهة هي أفعالنا حقيقة ونحن أسبابها الطبيعية وهي تحت قدرتنا واختيارنا، ومن جهة أخرى هي مقدورة لله تعالى وداخلة في سلطانه لأنه هو مفيض الوجود ومعطيه، فلم يجبرنا على أفعالنا حتى يكون قد ظلمنا على المعاصي، لأن لنا القدرة والاختيار فيما نفعل، ولم يفوض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق والأمر وهو قادر على كل شيء ومحيط بالعباد" (٢) . وهذه الكلمات لا تخالف ما قاله أهل السنة في باب أفعال العباد، وهي

стр. 623

تفيد أن من شيوخ الشيعة المتأخرين من يذهب إلى ما ذهب إليه أوائلهم، وما قررته معظم رواياتهم إذا لم يكن قد جعل لكلماته ضربًا من التأويل أو لونًا من الاتقاء فذاك علمه عند الله. وهذا لا ينفي أن شيوخ المذهب وأساطين الطّائفة قد ذهبوا في الغالب إلى ما ذهب إليه أهل الاعتزال. ويمكن أن يقال: قد كان في القديم الإثبات هو الأصل والنفي طارئ نتيجة التأثر بالاتجاه الاعتزالي، وعند المتأخرين النفي هو الكثير الغالب، والإثبات موجود عند البعض. ولا شك بأن من قال بالنفي فقد قال بجزء من الأدلة وعطل الباقي، ومن قال بالجبر فقد عمل بالجزء الآخر وعطل ما سواه، ومن أخذ بالقول الوسط فقد أعمل الأدلة كلها، وآيات القرآن أثبتت للعبد فعلاً وقدرة ومشيئة، ولكنها تابعة لقدرة الله ومشيئته، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ (١) . قال شيخ الإسلام: "فجمهور أهل السنة من السلف والخلف يقولون: إن العبد له قدرة وإرادة وفعل، والله خالق ذلك كله كما هو خالق كل شيء، كما دل على ذلك الكتاب والسنة" ثم ساق الأدلة في ذلك (٢) . والروايات الكثيرة عند الرافضة - والتي مضى بعضها - هي أكبر شاهد من مذهبهم نفسه على بطلان ما ذهب إليه شيوخهم من الأخذ بمذهب أهل

стр. 624

الاعتزال (١) .

стр. 625

الباب الثالث: أصولهم ومعتقداتهم (الأخرى) التي تفردوا بها وفيه ثمانية فصول: الفصل الأول: الإمامة. الفصل الثاني: عصمة الإمام. الفصل الثالث: التقية. الفصل الرابع: المهدية والغيبة. الفصل الخامس: الرجعة. الفصل السادس: الظهور. الفصل السابع: البداء. الفصل الثامن: الطينة.

стр. 626

الفصل الأول: الإمامة الإمامة عند الشيعة هي الأصل الذي تدور عليه أحاديثهم وترجع إليه عقائدهم، وتلمس أثره في فقههم وأصولهم، وتفاسيرهم وسائر علومهم. ولقد اهتم الشيعة بأمرها في القديم والحديث. وفيما يلي عرض لأهم جوانبها: مفهومها، ومنشئها، ومنزلتها في مذهبهم، وكتمانهم لها في بادئ الأمر، ثم بدء شيوخ الشيعة في الاستدلال عليها، وعرض لما يعدونه أقوى أدلتهم فيها ومناقشته، ثم حديث عن تكفيرهم لمنكرها، حتى كفروا الصحابة، وأهل البيت، وحكام المسلمين، وقضاتهم، والأمصار الإسلامية وشعوبها، والفرق الإسلامية بكل اتجاهاتها، والأمة جميعًا، كل ذلك على سبيل التعيين والتخصيص. وسيتبين هذا في الصفحات التالية، ومن خلال ما قالته كتبهم المعتمدة عندهم.

стр. 627

مفهوم الإمامة (١) عند الشيعة ومنشؤها: لعل أول من تحدث عن مفهوم الإمامة بالصورة الموجودة عند الشيعة هو ابن سبأ، الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة هي وصاية من النبي، ومحصورة بالوصي، وإذا تولاها سواه يجب البراءة منه وتكفيره، فقد اعترف كتب الشّيعة بأنّ ابن سبأ "كان أوّل من أشهر القول بفرض إمامة عليّ، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفّرهم" (٢) . لأنه كان يهودي الأصل، يرى أن يوشع بن نون هو وصي موسى، فلما أسلم أظهر هذه المقالة في علي بن أبي طالب (٣) . وهذا ما تواضع عليه شيوخ الشيعة، فابن بابويه القمي يسجّل عقائد الشّيعة في القرن الرّابع ويقول بأنّهم: "يعتقدون بأنّ لكلّ نبي وصيًّا أوصى إليه بأمر الله تعالى" (٤) . ويذكر أن عدد الأوصياء "مائة ألف وصي، وأربعة وعشرون ألف وصي" (٥) ، كما يذكر المجلسي في أخباره "أن عليًا هو آخر الأوصياء" (٦) ، وجاء

стр. 628

في بعض عناوين الأبواب في الكافي "باب أن الإمامة عهد من الله معهود من واحد إلى واحد" (١) . و"باب ما نص الله ورسوله على الأئمة واحدًا فواحدًا" (٢) . وقد ضمنها مجموعة من أخبارهم التي يعدونها من الأدلة التي لا يرقى إليها الشك. ولهذا قال شيخهم مقدار الحلي (ت٨٢١) بأن مستحق الإمامة عندهم لابد أن "يكون شخصًا معهودًا من الله تعالى ورسوله لا أي شخص اتفق" (٣) . ويقرّر محمد حسين آل كاشف الغطا أحد مراجع الشيعة في هذا العصر: "أنّ الإمامة منصب إلهي كالنّبوّة، فكما أنّ الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنّبوّة والرّسالة ويؤيّد بالمعجزة التي هي كنصّ من الله عليه.. فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيّه بالنّصّ عليه وأن ينصبه إمامًا للنّاس من بعده" (٤) . فأنت ترى أن مفهوم الإمامة عندهم كمفهوم النّبوّة، فكما يصطفي الله سبحانه من خلقه أنبياء، يختار سبحانه أئمّة، وينصّ عليهم، ويعلم الخلق بهم، ويقيم بهم الحجّة، ويؤيّدهم بالمعجزات، وينزّل عليهم الكتاب، ويُوحي إليهم، ولا يقولون أو يفعلون إلا بأمر الله ووحيه.. أي إنّ الإمامة هي النّبوّة، والإمام هو النّبيّ، والتّغيير في الاسم فقط. ولذلك قال المجلسي: "إنّ استنباط الفرق بين النّبيّ والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال" (٥) ، ثم قال: "ولا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنّبوّة إلا رعاية خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا فرق بين النّبوّة والإمامة" (٦) . هذا قولهم في مفهوم الإمامة، ويكفي في نقده أنه لا سند لهم فيه إلا ابن سبأ واليهودية.

стр. 629

منزلة الإمامة عندهم: مسألة الإمامة عند أهل السنة ليست من أصول الدين التي لا يسع المكلف الجهل بها، كما قرره جمع من أهل العلم (١) . ولكنها عند الشيعة (بمفهومها السبئي) لها شأن آخر، فالنوبختي يذكر بأن من فرق الشيعة من يذهب إلى أن الإمامة من أجل الأمور بعد النبوة (٢) ، ولكنها عند آل كاشف الغطاء: "منصب إلهي كالنبوة" (٣) . وفي أحاديث الكليني في الكافي تعلو على مرتبة النبوة (٤) ، وهذا ما يجاهر به جملة من شيوخهم. قال شيخهم نعمة الله الجزائري: "الإمامة العامّة التي هي فوق درجة النّبوّة والرّسالة.." (٥) . وقال هادي الطّهراني - أحد مراجعهم وآياتهم في هذا العصر -: "الإمام أجلّ من النّبوّة، فإنّها مرتبة ثالثة شرّف الله تعالى بها إبراهيم بعد النّبوّة والخلة.." (٦) . وفي الكافي روايات تجعل الإمامة أعظم أركان الإسلام. روى الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: "بني الإسلام على خمس: على الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ النّاس بأربع وتركوا هذه - يعني الولاية -" (٧) .

стр. 630

فأنت ترى أنهم أسقطوا الشّهادتين من أركان الإسلام، ووضعوا مكانهما الولاية، وعدوها من أعظم الأركان، كما يدل عليه قولهم: "ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية" وكما يدل عليه حديثهم الآخر. وقد ذكر فيه نص الرواية السابقة وزاد: "قلت (الراوي) : وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل" (١) . ورواية ثالثة بنحو الرواية الأولى، مع زيادة تقول: "فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربع (٢) . حتى قالوا في أخبارهم أيضًا بأنه: "عرج بالنّبيّ ﷺ السّماء مائة وعشرين مرّة، ما من مرّة إلا وقد أوصى الله فيها إلى النّبيّ بالولاية لعليّ والأئمّة من بعده أكثر ممّا أوصاه بالفرائض" (٣) . "وما وكّد على العباد في شيء ما وكد عليهم بالإقرار بالإمامة، وما جحد العباد شيئًا ما جحدوها" (٤) . وبهذا الضلال يهذي شيوخهم، قال أحد مراجعهم في هذا العصر: "إن أعظم ما بعث الله تعالى نبيه من الدين إنما هو أمر الإمامة" (٥) . هذه منزلة إمامة الاثني عشر عندهم، وما أدري أين سند هذه المنزلة المزعومة، وكتاب الإسلام العظيم - كتاب الله - تذكر فيه مرات، وتؤكد كرات أركان الإسلام: الشهادتان، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج ولا ذكر فيه لشأن ولاية أئمتهم؟!

стр. 631

سرية هذا المبدأ: وكانت مسألة الإمامة بمفهوم الشيعة تعني أن هناك خلية سرية وضعت لأتباعها هذا المبدأ لتعمل على تقويض أركان الخلافة الإسلامية.. ولذلك فإنها ما إن كشفت هذا الوجه في عهد الخلافة الراشدة.. حتى وقف منها أمير المؤمنين عليّ موقفًا حازمًا وصارمًا.. فتعقب ابن سبأ ونفاه إلى المدائن، ونفى ما حاول إشاعته من أفكار في المجتمع الإسلامي.. كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها (١) . فعادت هذه الخلية تدعو لهذا المبدأ في سرية تامة، وكانت تقول في عصر علي الرضا كما يظهر من إسناد النص إليه، تقول: "ولاية الله أسرها إلى جبرائيل، وأسرها جبرائيل إلى محمد، وأسرها محمد إلى عليّ، وأسرها علي إلى من شاء الله، ثم أنتم تذيعون ذلك، من الذي أمسك حرفًا سمعه؟ " (٢) . قال أبو جعفر ﵁: "في حكمة آل داود ينبغي للمسلم أن يكون مالكًا لنفسه مقبلاً على شأنه عارفًا بأهل زمانه، فاتقوا الله، ولا تذيعوا حديثنا" (٣) . فهذا النص يشير إلى أن الولاية من الأسرار في أصل التنزيل الإلهي ويحذر من إظهار الحديث عنها.. أي إنه في العهد الإسلامي الزاهر المتقدم لا صوت مسموعًا للولاية وشأنها.. ويعلل شارح الكافي ذلك بقوله: "لما كانت التقية شديدة في عصرهم ﵈ أمروا شيعتهم بكتمان أسرارهم وإمامتهم وأحاديثهم وأحكامهم المختصة بمذهبهم..". (٤) .

стр. 632

وعند حديث الكليني الذي يقول: ".. ولا تبثّوا سرّنا، ولا تذيعوا أمرنا" (١) . قال شارح الكافي: "وهو أمر الإمامة والخلافة.." (٢) . وقال عند حديث آخر يسندونه لجعفر ويقول: "المذيع حديثنا كالجاحد له" (٣) . قال: "واعلم أنّه ﵇ كان خائفًا من أعداء الدّين على نفسه المقدّسة وعلى شيعته، وكان في تقية شديدة منهم فلذلك نهى عن إذاعة خبر دالّ على إمامته أو إمامة آبائه" (٤) . وكان هناك ميثاق دائم بينهم على الكتمان، قالوا: "إنّ أمرنا مستور مقنّع بالميثاق (٥) . فمن هتك علينا أذلّه الله" (٦) . وتحدد بعض نصوصهم بدء إذاعة أمر الولاية بأنه كان على يد طائفة الكيسانية فتقول: "ما زال سرنا مكتومًا حتى صار في يد ولد كيسان (٧) . فتحدثوا به في الطريق وقرى السواد" (٨) . وهذه الخلية التي وضعت الخطوط الأساسية لأمر الولاية على وفق المنهج السبئي لا تنسى أن توصي أتباعها بأن يتستروا بالاتجاه الشيعي المعتدل لنشر فكرتهم بين الناس، فقد جاء في أصول الكافي: "كفوا ألسنتكم والزموا بيوتكم فإنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبدًا، ولا تزال الزيدية لكم وقاء أبدًا" (٩) .

стр. 633

ويحتمل أن المراد أن الزيدية لإظهارها طلب الولاية هي التي يوقع بها وتسلمون أنتم لالتزامكم بالتقية كما أشار إليه شارح الكافي (١) . وإذا كانت الولاية صنو النّبوّة أو أعظم فلماذا تكون سرّيّة مُحاطة بالكتمان، حتى إنّ رسول الله ﷺ والذي أمره الله أن يبلّغ ما أنزل الله - يخفي أمرها ويسرّها إلى عليّ، ثم يسرّها عليّ إلى من شاء؟! ولا تحدد هذه الرواية الأشخاص الذين أسرها عليّ إليهم.. وتترك الأمر لمشيئته يختار ما يريد، أما غير علي فلا خيرة له في الاختيار! فكيف تكون الولاية التي هي أصل النجاة عندهم، وأساس قبول الأعمال، والفيصل بين الإيمان والكفر كيف تظل سرية حتى يتولى نشرها ولد كيسان؟! ويعدون ذلك خروجًا عن الأصل المأمور به. إن هذه النصوص تدل على أن واضعي هذه الفكرة هم من أعداء الأمة، واستغلوا هذه المسألة لتنفيذ أغراضهم، ولذلك أحاطوها بجو من السرية والكتمان، ونسبوها لآل البيت، لتجد طريقها إلى قلوب الناس الذين آلمهم ما جرى من أحداث على بعض علماء أهل البيت، والتي كانت هذه الزمر الحاقدة المدعية للتشيع أحد أسبابها الرئيسة. حصر الأئمة بعدد معين: كان ابن سبأ ينتهي بأمر الوصية عند عليّ، ولكن جاء فيما بعد من عممها في مجموعة من أولاده.. وكانت "الخلايا" الشيعية تعمل بصمت وسرية.. ومع ذلك فقد كانت تصل بعض هذه الدعاوى إلى بعض أهل البيت، فينفون ذلك نفيًا قاطعًا، كما فعل جدهم أمير المؤمنين عليّ، ولذلك اخترع أولئك الكذابون على أهل البيت "عقيدة التقية" حتى يسهل نشر أفكارهم وهم في مأمن من تأثر الأتباع بمواقف أهل البيت الصادقة والمعلنة للناس.

стр. 634

ترد رواية في "رجال الكشي" - أهم كتاب عندهم -: "في الرجال" تكشف بأن شيطان الطاق (١) . هو الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة محصورة بأناس مخصوصين من آل البيت، وأنه حينما علم بذلك زيد بن عليّ بعث إليه ليقف على حقيقة الإشاعة، فقال له زيد: "بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إمامًا مفترض الطاعة؟ قال شيطان الطاق: نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم، فقال: وكيف وقد كان يؤتى بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى أنه كان يشفق عليّ من حر اللقمة، ولا يشفق علي من حر النار؟ قال (شيطان الطاق) : قلت له: كره أن يخبرك فتكفر فلا يكون له فيك الشفاعة، لا والله فيك المشيّة - كذا -" (٢) . وفي رواية الكليني في الكافي: قال زيد بن علي لأبي جعفر: "يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي على الخوان فيلقمني البضعة السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد، شفقة عليّ، ولم يشفق عليّ من حر النار، إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟ فأجابه شيطان الطاق: جعلت فداك، من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني أنا، فإن قبلت نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار.." (٣) . وينقل الأستاذ محب الدين الخطيب هذا النص من تنقيح المقال للمقاني (٤) ، ويأخذ منه أن شيطان الطاق هو أول من اخترع هذه العقيدة الضالة وحصر الإمامة والتشريع وادعى العصمة لأناس مخصوصين من آل البيت (٥) .

стр. 635

كما نقل الأستاذ محب هذا النص أيضًا من تنقيح المقال في تعليقه على مختصر التحفة وعقب على ذلك بقوله: "وهكذا اخترع شيطان الطاق أكذوبة الإمامة، التي صارت من أصول الديانة عند الشيعة، واتهم الإمام عليًا زين العابدين بن الحسين بأنه كتم أساس الدين حتى عن ابنه الذي هو من صفوة آل محمد، كما اتهم الإمام زيدًا بأنه لم يبلغ درجة أخس الروافض في قابليته للإيمان بإمامة أبيه.. والشيعة هم الذين يروون هذا الخبر في أوثق المصادر عندهم ويعلنون فيه أن شيطان الطاق يزعم بوقاحته أنه يعرف عن والد الإمام زيد ما لا يعرفه الإمام زيد من والده مما يتعلق بأصل من أصول الدين عندهم. وليس هذا بكثير على شيطان الطاق الذي روى عنه الجاحظ في كتابه عن الإمامة: أن الله لم يقل: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (١) . وتذكر كتب الشيعة أنه بلغ جعفرًا ما يقوله شيطان الطاق، وما يجادل به في أمر الإمامة فقال: "لو شاء ظريف من مخاصميه أن يخصمه فعل؟ قلت (القائل هو الراوي) : كيف ذاك؟ فقال: يقول: أخبرني عن كلامك هذا من كلام إمامك؟ فإن قال: نعم، كذب علينا، وإن قال: لا، قال له: كيف تتكلم بكلام لم يتكلم به إمامك، ثم قال (أي جعفر الصادق) : إنهم يتكلمون بكلام إن أنا أقررت به ورضيت به أقمت على الضلالة، وإن برئت منه شق علي، نحن قليل وعدونا كثير، قلت (أي الراوي) : جعلت فداك فأبلغه عنك ذلك؟ قال: أما إنهم قد دخلوا في أمر ما يمنعهم عن الرجوع عنه إلا الحميّة، قال: فأبلغت أبا جعفر الأحول ذاك فقال: صدق بأبي وأمي ما يمنعني من الرجوع عنه إلا الحمية" (٢) . ولقد شارك شيطان الطاق رجل آخر هو هشام بن الحكم (٣) . (المتوفى سنة
следующие страницы →