← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

تقول أخبارهم: "خلق الله من نور وجه علي بن أبي طالب سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبيه إلى يوم القيامة" (١) . وأحيانًا يقولون: "خلق الله الملائكة من نور علي" (٢) . وقد زعموا أن من ملائكة الرحمن من لا وظيفة لهم إلا البكاء على قبر الحسين، والتردد لزيارته، قالوا: "وكَّل الله بقبر الحسين أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة.." (٣) . وزيارة قبر الحسين هي أمنية أهل السماء، قالوا: "وليس شيء في السماوات إلا وهم يسألون الله أن يؤذن لهم في زيارة الحسين ففوج ينزل وفوج يعرج" (٤) . وقالوا: "إن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا" (٥) . وجاء في آخر حديث طويل لهم "إن جبرائيل دعا أن يكون خادمًا للأئمة، قالوا: فجبريل خادمنا" (٦) . وقد قال شيخ الإسلام ﵀ وهو يرد على ابن المطهر نقله لمثل هذا اللقب للملائكة قال: "فتسمية جبريل رسول الله إلى محمد ﷺ خادمًا عبارة من لا يعرف قدر الملائكة وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء.." (٧) . وكيف يطلق هذا اللقب "الوضيع" فيمن وصفه الله بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ

стр. 562

رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (١) . فالمراد بالرسول الكريم هنا جبريل، وذي العرش رب العزة سبحانه. ولهم دعاوى في هذا الباب كثيرة، وكأنه لا وظيفة للملائكة إلا أمر أئمتهم الاثني عشر، أو كأنهم ملائكة الأئمة لا ملائكة الله!. قال أبو عبد الله: "إن الملائكة لتنزل علينا في رحالنا وتتقلب في فرشنا، وتحضر موائدنا، وتأتينا من كل نبات في زمانه رطب ويابس، وتقلب علينا أجنحتها، وتقلب أجنحتها على صبياننا، وتمنع الدواب أن تصل إلينا، وتأتينا في وقت كل صلاة لتصليها معنا، وما من يوم يأتي علينا ولا ليل إلا وأخبار أهل الأرض عندنا، وما يحدث فيها، وما من ملك يموت في الأرض ويقوم غيره إلا وتأتينا بخبره وكيف كانت سيرته في الدنيا" (٢) . ويقولون بأن وسائد وقلائد أولادهم يأخذونها من أجنحة الملائكة، بل إن الملائكة تتولى رعاية أطفالهم، حتى قال أبو عبد الله: "هم ألطف بصبياننا منا بهم" (٣) . والملائكة في أخبار الشيعة مكلفون بمسألة الولاية، ولكنهم يقولون أنه لم يستجب منهم إلا طائفة المقربين (٤) . رغم أن العقوبة تحل بمن يخالف منهم في أمر الولاية - في زعمهم - حتى إن أحد الملائكة عوقب بكسر جناحه لرفضه ولاية أمير المؤمنين ولم يبرأ إلا حينما تمسح وتمرغ بمهد الحسين (٥) . ولم تشرف الملائكة - بزعمهم - إلا بقبولها ولاية علي (٦) .

стр. 563

وحياة الملائكة موقوفة على الأئمة والصلاة عليهم، لأنه "ليس لهم طعام ولا شراب إلا الصلاة على علي بن أبي طالب ومحبيه، والاستغفار لشيعته المذنبين" (١) ، وكانت الملائكة لا تعرف تسبيحًا ولا تقديسًا من قبل تسبيحنا (يعني تسبيح الأئمة) وتسبيح شيعتنا (٢) . ولذلك فإن الملائكة تراعي أمر الشيعة على وجه الخصوص، فإذا خلا الشيعي بصاحبه اعتزلهم الحفظة فلم يكتبوا عليهم شيئًا، يقولون: إذا التقى الشيعي مع الشيعي يتساءلان، قالت الحفظة: اعتزلوا بنا، فإن لهم سرًا وقد ستره الله عليهما (٣) ، مع أن الله سبحانه يقول: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٤) . وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٥) . هذا ومزاعمهم في هذا الباب متنوعة، وفيها من التطاول على مقام الملائكة المقربين، والكذب عليهم، مع مبالغات غريبة، ومجازفات طاغية، أقرب ما تكون إلى إنكار الملائكة؛ لأن إنكار وظائفهم وخصائصهم وما شرفهم الله به، ووضع دين الولاية هو شرعتهم، والشرك عند قبر الحسين هو عمل طائفة منهم قد يهون عنده إنكارهم أصلاً، ولقد اقتربوا من الإنكار حينما أولوا أسماء وألقاب الملائكة في القرآن بالأئمة، أو جعلوا وظائف الملائكة للأئمة. وبهذا عقد المجلسي بابًا بعنوان "باب أنهم ﵈ الصافون والمسبحون وصاحب المقام المعلوم وحملة عرش الرحمن وأنهم السفرة الكرام البررة" (٦) .

стр. 564

هذا ما يقولونه في الملائكة، والله سبحانه يقول: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (١) . ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ (٢) . الإيمان بالكتب: والشيعة قد تأثر هذا الجانب عندها بمقتضى عقائدها التي انفردت بها عن سائر المسلمين في مسألة الإمامة وغيرها، فآمنت بكتب ما أنزل بها من سلطان، حيث ادعت أن الله سبحانه أنزل على أئمتها كتبًا من السماء، كما أنزل كتبه على أنبيائه. كما زعمت بأن لدى الأئمة الاثني عشر الكتب السماوية التي نزلت على جميع الأنبياء فهم يقرأونها ويحتكمون إليها. وإليك بيان هاتين القضيتين، من خلال النقل الأمين من كتب الشيعة المعتمدة: المسألة الأولى: دعواهم تنزل كتب إلهية على الأئمة (٣) : تضمنت كتب الشيعة المعتمدة عندها دعاوى عريضة، ومزاعم خطيرة ليس لها وجود في عالم الواقع، ولا يرى لها عين ولا أثر، وليس لها في كتب الأمة شاهد ولا خبر. تلك المزاعم والدعاوى تتضمن أن هناك كتبًا مقدسة نزلت من السماء بوحي من رب العزة جل علاه إلى "الأئمة". وأحيانًا تورد كتب الشيعة نصوصًا

стр. 565

وأخبارًا يزعمون أنها مأخوذة من تلك الكتب، وعلى هذه الروايات المدعى أخذها من تلك الكتب تبنى عقائد ومبادئ. وكأن الذين وضعوا أصول التشيع لم يكتفوا لتأييد أصولهم بكل ما مضى من دعاوى حول كتاب الله، وخافوا ألا تكون وافية بالغرض فيفرّ أتباعهم من حولهم، وتضيع مصادر الثروة عليهم فيخسروا المال والجاه والتقديس الذي يجنونه من أولئك الأتباع باسم الخمس والنيابة عن الإمام. فافتعلوا هذه الدعوى ليضمنوا بها - مع أخواتها - تحقيق تلك الأهداف، وليسددوا بها سهمًا آخر ضد الأمة ودينها. وهذه الدعوى لا تكاد تختلف عن دعوى أكثر المتنبئين بتنزل كتب، أو وحي عليهم. ولعل جذور هذه المقالة بدأت في عصر علي ﵁ كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات الإمام البخاري ﵁ عن أبي جحيفة قال: "قلت لعليّ: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر" (١) . وفي رواية أخرى للبخاري جاء السؤال: "هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله" (٢) . (وهي تفسر المراد بالكتاب) . قال ابن حجر: "وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك، لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت - لاسيما عليًا - أشياء من الوحي خصهم النبي ﷺ بها لم يطلع غيرهم عليها، وقد سأل عليًا عن هذه المسألة أيضًا قيس

стр. 566

ابن عباد، والأشتر النخعي، وحديثهما في مسند النسائي" (١) . فإذن نواة هذه المقالة ظهرت في عصر متقدم.. أما من تولى كبرها فإن في رسالة "الإرجاء" للحسن بن محمد بن الحنفية ما يشير إلى أن السبئيين - أتباع عبد الله بن سبأ - قد بدأوا في إشاعة مثل هذه المقالات حيث قالا: "هدينا لوحي ضل عنه الناس، وزعموا أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن" (٢) . وفي كتاب أحوال الرجال أن عبد الله بن سبأ زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي (٣) . إذن كانت دعوى السبئيين تشير إلى علم مخزون عند علي، فهذه أصل الدعوى، وقد تطورت واتخذت صورًا وأشكالاً متعددة كلها ترجع إلى دعوى أن عند آل البيت ما ليس عند الناس، والتي نفاها أمير المؤمنين علي نفيًا قاطعًا، وما تفرع من الباطل فهو باطل، فالفرع له حكم أصله. وإليك بكل أمانة بعض ما وجدناه في كتبهم المعتبرة عندهم من هذه الدعاوى والمزاعم: أ- "مصحف فاطمة ": تدعي كتب الشيعة نزول مصحف على فاطمة بعد وفاة رسول الله ﷺ . تقول إحدى روايات الكافي عن مصحف فاطمة: ".. إن الله تعالى لما قبض نبيه ﷺ دخل على فاطمة ﵍ من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله ، فأرسل الله إليها ملكًا يسلي غمها ويحدثها فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين ﵁ فقال: إذا أحسست بذلك، وسمعت الصوت

стр. 567

قولي لي، فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين ﵁ يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفًا.. أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون" (١) . تفيد هذه الرواية بأن الغرض من هذا المصحف أمر يخص فاطمة وحدها وهو تسليتها وتعزيتها بعد وفاة أبيها ﷺ ، وأن موضوعه "علم ما يكون"، وما أدري كيف يكون تعزيتها بإخبارها بما يكون وفيه - على ما تنقله الشيعة - قتل أبنائها وأحفادها، وملاحقة المحن لأهل البيت؟! ثم كيف تعطى فاطمة "علم ما يكون" "علم الغيب" ورسول الهدى يقول كما أمره الله: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ فهل هي أفضل من رسول الله؟ وتقول هذه الرواية بأن عليًا هو الذي كتب ما أملاه الملك رغم أن رواياتهم الأخرى تقول بأن بعد وفاة الرسول ﷺ كان منشغلاً بجمع القرآن (٢) . والكذب لا محالة له من التناقض والاختلاف. ويقولون بأن مصحفهم هذا ثلاثة أضعاف القرآن. جاء في الكافي "عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله ... ثم ذكر حديثًا طويلاً في ذكر العلم الذي أودعه الرسول ﷺ عند أئمة الشيعة - كما يزعمون - وفيه قول أبي عبد الله: "وإنّ عندنا لمصحف فاطمة ﵍. قلت (القول للرّاوي) : وما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات ما فيه من قرآنكم حرف واحد" (٣) . فهذه الأسطورة التي يرويها "ثقة الإسلام عندهم" بسند صحيح عندهم

стр. 568

كما يقرره شيوخهم (١) . تقول: "إن مصحفهم يفوق المصحف في حجمه، ويخالفه في مادته.." فهل معنى هذا أكتاب الله أقل من مصحف فاطمة، وأن مصحف فاطمة أكمل وأوفى من كتاب الله سبحانه الذي أنزله الله سبحانه ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) ، وجعله دستورًا ومنهاج حياة للأمة إلى أن تقوم الساعة؟! وهل الأمة محتاجة إلى كتاب آخر غير كتاب الله ليكمل به دينها؟! وإذا فقدته فهي لم تستكمل أسباب الهداية والخير، وهي اليوم قد فقدته، إذ لا وجود له باعتراف الجميع.. ثم كيف يكون كتاب تسلية وتعزية كما تقول روايتهم السابقة أكمل من كتاب الله سبحانه؟ أليس هذا الزعم غاية في التحلل من العقل والجرأة على الكذب؟ هذا وتختلف أساطيرهم في وصف مصحف فاطمة كطبيعة الأكاذيب، فإذا كانت الرواية المذكورة تذكر بأن هذا المصحف من إملاء أحد الملائكة، والمصحف كان نزوله بعد وفاة الرسول ﷺ .. فإن رواية أخرى عندهم تقول: "وخلفت فاطمة ﵍ ما هو قرآن، ولكنّه كلام من كلام الله أنزله عليها إملاء رسول الله وخطّ عليّ" (٣) . فهذا يعني أن المصحف كان في حياة رسول الله ﷺ والمملي هو رسول الله، والكلام كلام الله. وهذه الرواية يكاد آخرها يناقض أولها، إذ كيف ينزل على فاطمة ثم يكون من إملاء رسول الله وخط عليّ؟! وتقول رواية أخرى: "مصحف فاطمة ﵍ ما فيه شيء من كتاب الله وإنما هو شيء ألقي عليها" (٤) . فهذا يشير إلى أن المصحف ألقي عليها

стр. 569

من السماء ولم يكن المملي رسول الله ولا خط علي، ولم يحضر ملك يحدثها ويؤنسها ليكتب عليّ ما يقوله الملك - بدون علمه كما يبدو - ليجتمع من ذلك مصحف فاطمة، لم يحدث شيء من ذلك إنما هو شيء ألقي عليها ثم إنه بعد وفاة أبيها لا في حياته. وكان الأئمة - كما تزعم كتب الشيعة - يتخذون من مصحف فاطمة وسيلة لمعرفة علم الغيب، واستطلاع ما يكون. يقول أبو عبد الله - كما يزعمون -: "تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة ﵍ ... " (١) . أي فأخذت ذلك منه. وليس في هذه السنة التي حددتها هذه الأسطورة أحداث بارزة - كما يظهر من كتب التواريخ اللهم إلا قتل بعض الرؤوس الضالة كالجهم بن صفوان وغيره، وهذا ضد ما تزعمه الأسطورة من ظهورهم، وتقول أيضًا: قال أبو عبد الله: "إني نظرت في مصحف فاطمة ﵍ قبيل فلم أجد لبني فلان فيها إلا كغبار النعل" (٢) . وهذه الأسطورة مغلفة بشيء من التقية، فلم يفصح عن اسم بني فلان، ولا المشار إليه بقوله فيها، ولم يوضح شيخهم المجلسي ذلك كعادته، وقد يشيرون بذلك إلى الخلافة، وببني فلان إلى أولاد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، فهم دائمًا حولها يدندنون كقولهم "أولاد الحسن يحملهم الحسد وطلب الدنيا في الإنكار" (٣) . والمقصود أن مصحف فاطمة أداة عندهم لاستطلاع ما يحدث في هذه الكون، ولو كان شيء من ذلك لتغير وجه التاريخ.. ولما حصل للأئمة ما حصل مما تصوره كتب الشيعة من المحن، ولما غاب منتظرهم واختفى خوفًا من القتل، ولما كان للتقية أدنى حاجة، إذ بمعرفة أسباب وقوع المكروه يتقون المكروه، وبمعرفة أسباب المرغوب والمحبوب يفوزون بالمحبوب. فإن زعموا أنهم لا قدرة لهم على

стр. 570

تغيير شيء من ذلك فهم إذن كسائر الناس يجري فيها قدر الله، وعلمهم بما يحدث يزيدهم حزنًا لا يؤنسهم ويزيل وحشتهم - كما تزعم روايتهم - ما دام أنهم لا حيلة لهم في التغيير. وإذا كانت هذه الروايات تجعل موضوع مصحف فاطمة هو "علم ما يكون".. فإن حديثًا آخر من أحاديثهم - يقول كما يروي ثقة الإسلام عندهم -: إن أبا عبد الله قال عن مصحف فاطمة: "ما أزعم أن فيه قرآنًا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش" (١) . فهذا النص يجعل من مصحف فاطمة بالإضافة إلى علم ما يكون، علم الحدود والديات، ففيه حتى أرش الخدش، بل فيه التشريع كله فلا يحتاج فيه الأئمة معه إلى أحد، فهي يعني هذا أنهم لا يحتاجون إلى كتاب الله، وأنهم استغنوا عن شريعة القرآن بمصحف فاطمة فلهم دينهم ولأمة الإسلام دينها؟! وهل التشريع الإسلامي العظيم لم يكمل بكتاب الله وسنة رسوله ليحتاج بعد ذلك إلى مصحف فاطمة، أو أن مصحف فاطمة يغني عن الجميع؟! إن المغزى من هذه النصوص واضح، فإعطاء الأئمة علم ما يكون من إضفاء لصفة الألوهية عليهم بمنحهم ما هو من خصائص الإله "وهو علم الغيب"، وجعل مصحف فاطمة يحوي علم الحدود والديات هو اتهام "مبطن" بقصور التشريع الإسلامي. ثم عندهم رواية أخرى تقول: إن علم التشريع موجود في الجامعة لا في مصحف فاطمة، يقولون: "إن عندنا لصحيفة يقال لها الجامعة ما من حلال ولا حرام إلا وهو فيها حتى أرش الخدش" (٢) ، وكذا في صحيفة عندهم تسمى صحيفة الحدود فيها من الحدود "ثلث جلدة من تعدى ذلك كان عليه حدّ

стр. 571

جلدة" (١) . أما علم ما يكون فهو الآخر قالوا بأن وسيلته غير مصحف فاطمة؛ لأنه في الجفر، وخلق أعظم من جبرائيل وميكائيل (٢) . إلخ حتى قاالوا: "ما ينقلب طائر في الهواء إلا وعندنا فيه علم" (٣) . ثم رجعوا وقالوا: إن العلم كله إنما يؤخذ من كتاب الله، كقوله روايتهم بأن أبا عبد الله قال: "إني أعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون". قال (الراوي) : ثم مكث هنيهة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه فقال: "علمت ذلك من كتاب الله ، إن الله يقول: فيه تبيان كل شيء" (٤) . وقد مضى ما نقله بعض شيوخهم المعاصرين من القول بإيمان الشيعة بسلامة كتاب الله، لأنه قوبل على مصحف فاطمة (٥) . ولكن قال شيخهم الآخر الخنيزي: إن مصحف فاطمة غير القرآن وعلى ذلك تدل نصوصهم (٦) . أقوال وروايات يكذب بعضه الآخر، ولا يخجلون من ذلك لأن دينهم التقية. وفي كتاب "دلائل الإمامة" وهو من كتبهم المعتمدة عندهم (٧) . ترد رواية

стр. 572

تصف هذا المصحف المزعوم بأن فيه "خبر ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وفيه خبر سماء سماء، وعدد ما السماوات من الملائكة وغير ذلك، وعدد كل من خلق الله مرسلاً وغير مرسل، وأسماءهم، وأسماء من أرسل إليهم، وأسماء من كذب ومن أجاب، وأسماء جميع من خلق الله من المؤمنين والكافرين، وصفة كل من كذب، وصفة القرون الأولى وقصصهم، ومن ولي من الطواغيت ومدة ملكهم وعددهم، وأسماء الأئمة وصفتهم وما يملك كل واحد واحد ... فيه أسماء جميع ما خلق الله وآجالهم، وصفة أهل الجنة وعدد من يدخلها، وعدد من يدخل النار، وأسماء هؤلاء وهؤلاء، وفيه علم القرآن كما أنزل، وعلم التوراة كما أنزلت، وعلم الإنجيل كما أنزل، وعلم الزبور، وعدد كل شجرة ومدرة في جميع البلاد" (١) . هذه المواضيع كلها في "ورقتين من أوله" (٢) . يقول الراوي: "إن إمامهم قال: وما وصفت لك بعد ما في الورقة الثالثة ولا تكلمت بحرف منه" (٣) . وما ندري بأي حجم يكون هذا "الورق"؟! كما لا ندري لماذا لم يستفد أئمتهم من هذه العلوم في سبيل استرداد الإمامة التي حرموها - كما تزعم الشيعة -؟ ولماذا لا يخرج منتظرهم من سردابه، وكيف يخاف القتل - كما يعللون سر اختفائه - فيظل مختفيًا - وكل هذه العلوم عنده؟! وتصف رواية "دلائل الإمامة" صفة نزول هذا المصحف على خلاف ما جاء في الرواية السالفة عن الكافي من أن عليًا كتب ما سمعه من الملك حتى أثبت بذلك مصحفًا، تقول رواية "الدلائل" إنه نزل جملة واحدة من السماء بواسطة ثلاثة من الملائكة وهم "جبرائيل وإسرافيل وميكائيل ... فهبطوا به وهي قائمة تصلي، فلما زالوا قيامًا حتى قعدت، ولما فرغت من صلاتها سلموا عليها وقالوا:

стр. 573

السلام يقرئك السلام، ووضعوا المصحف في حجرها" (١) . فقالت: لله السلام ومنه السلام وإليه السلام وعليكم يا رسل الله السلام، ثم عرجوا إلى السماء فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى أتت على آخره "ولقد كانت ﵍ مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والإنس والطير والوحش والأنبياء والملائكة. قلت: جعلت فداك فلمن صار ذلك المصحف بعد مضيها؟ قال: دفعته إلى أمير المؤمنين، فلما مضى صار إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم عند أهله حتى يدفعوه إلى صاحب هذا الأمر ... " (٢) . هذا بعض ما جاء في كتبهم عن مصحف فاطمة المزعوم، وهو يبين أن لفاطمة مصحفًا نزل عليها بعد وفاة الرسول ﷺ فيه علم الغيب وعلم الحدود والديات وغيرها مما سلف ذكره، وأنه اليوم عند إمامهم الغائب! وهو وحي كالقرآن، إلا أنه مثله ثلاث مرات ما فيه من قرآننا حرف واحد، فهل نزل هذا المصحف ليكمل القرآن؟! هذا ومثل هذا المصحف المزعوم "مصاحف كثيرة" تدعي الشيعة فيها ما يشبه دعواها حول مصحف فاطمة، وهذا موضوع واسع يحتاج إلى بحث مستقل، ولذلك سنذكر فيما يلي بعض أسماء هذه المصاحف وشيئًا مما يعرّف بها وندع التفصيل والتحليل. ب- كتاب أنزل على الرسول قبل أن يأتيه الموت - كما يزعمون -: "عن أبي عبد الله الصادق ﵇ قال: إن الله أنزل على نبيه كتابًا قبل أن يأتيه الموت فقال: يا محمد، هذا الكتاب وصيتك إلى النجيب

стр. 574

من أهل بيتك، فقال: ومن النجيب من أهلي يا جبرائيل؟ فقال: علي بن أبي طالب ﵇، وكان على الكتاب خواتيم من ذهب، فدفعه النبي ﷺ إلى عليّ ﵇ وأمره أن يفك خاتمًا منها ويعمل بما فيه، ففك ﵇ خاتمًا وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى ابنه الحسن ﵇ ففك خاتمًا وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين ﵇ ففك خاتمًا فوجد فيه أن اخرج بقوم إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك وأشر نفسك لله ففعل. ثم دفعه إلى علي بن الحسين ﵇ ففك خاتمًا فوجد فيه: اصمت والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ففعل، ثم دفعه إلى محمد بن علي ﵇ ففك خاتمًا فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله فإنه لا سبيل لأحد عليك، ثم دفعه إليّ ففككت خاتمًا فوجدت فيه: حدّث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك، وصدق آباءك الصالحين ولا تخافن أحدًا إلا الله وأنت في حرز وأمان ففعلت، ثم ادفعه إلى موسى بن جعفر وكذلك يدفعه موسى إلى الذي بعده، ثم كذلك أبدًا إلى قيام المهدي ﵇" (١) . إن هذا الكلام ممكن أن يؤخذ منه أن الرسول ﷺ كان يجهل من هو النجيب من أهل بيته إلى وقت وفاته فهو يسأل من هو النجيب، وهذا يعني أنه لم يعلن للناس، وبهذا تسقط أخبار الشيعة كلها، أو يقال إن هناك مجموعة من النجباء من أهل البيت والسؤال للتعرف على المقصود منهم، وهذا أيضًا يلغي دعاوى الشيعة في أفضلية عليّ. ثم إن الكتاب لم يفصح عما أمر به علي والحسن، وبين ما أمر به الحسين وهو خروجه إلى الموت، وهذا يخالف الواقع تاريخيًا من أن الحسين لم يكن في ذهابه يتوقع ما حصل له، وأن الذي تولى كبر ما حصل للحسين رضي الله - بعد قتله - هم الذين غرروا به وخدعوه، فلما خرج إليهم خذلوه وتخلوا عن نصرته، وهم يزعمون التشيع له. وقد كتبوا إليه كتبًا عديدة في توجهه إلى طرفهم،

стр. 575

فلما قرب من ديارهم تقاعسوا عن نصرته، بل رجع أكثرهم مع الأعداء خوفًا وطمعًا وصاروا سببًا لشهادته وشهادة كثير ممن معه (١) . ولذلك حكمت كتب الشيعة بردة من بعد الحسين إلا ثلاثة (٢) ، فهل هذه الرواية محاولة للدفاع عن هذه الفئة؟! ثم كيف يفرقون بين الأئمة في وجوب الدعوة ونشر العلم، وأن فيهم من يسعه الصمت ولزوم البيت ومنهم من يلزمه نشر العلم وإظهار الدعوة؟! ثم هذه الرواية تعترف بأن الشيعة لم يكن لديهم من يحدثها وينشر العلم بينها حتى جاء أبو جعفر الصادق، وهذا ما تؤكده روايتهم التي تقول: "كانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى كان أبو جعفر ففتح لهم، وبين لهم مناسك حهم وحلالهم وحرامهم.." (٣) . وهذا يعني الحكم بأن أوائل الشيعة من قبل أبي جعفر كانوا يعبدون الله على جهل. ثم هل كان علي بن الحسين ممن لزم بيته وآثر الصمت، أو هو قد خان الوصية وخالف الكتاب المختوم بالذهب فنشر العلم، ودعا إلى سبيل الله على بصيرة؟!! لقد كان علي بن الحسين من كبار التابعين وساداتهم علمًا ودينًا، وهو الذي قال في مثل هؤلاء المفترين: "أحبونا حب الإسلام، فوالله مازال بنا ما تقولون حتى بغضتمونا إلى الناس" (٤) . قال الزهري: "ما رأيت قرشيًا أفضل منه وما رأيت أفقه منه (٥) . وكان ثقة مأمونًا كثير الحديث.." (٦) .

стр. 576

وقد اعترف شيخهم المفيد بنشره للعلم، قال: "وقد روى عنه فقهاء العامة - يعني أهل السنة - من العلوم ما لا تحصى كثرة، وحفظ عنه من المواعظ والأدعية والحلال والحرام، والمغازي والأيام ما هو مشهور بين العلماء، ولو قصدنا إلى شرح ذلك لطال به الخطاب" (١) . وهكذا تتناقض أخبارهم وتتعارض أقوالهم وهو دليل الكذب والافتراء. ج- "لوح فاطمة ": وهذا - كما يؤخذ من رواياتهم - غي مصحف فاطمة، لأن مصحف فاطمة نزل بعد وفاة الرسول ﷺ بواسطة الملك وكتبه عليّ من فم الملك وسلمه لفاطمة، أو نزل جملة واحدة ثلاثة من الملائكة ... إلى آخر ما بينا من أوصاف القوم لهذا الكتاب. أما لوح فاطمة فله صفات أخرى منها: أنه نزل على الرسول ﷺ وأهداه لفاطمة، إلى غير ذلك من أوصافه، وقد نقلوا عن لوح فاطمة بعض النصوص التي تؤيد عقائدهم. ويبدو أن هذا الخبر عن «لوح فاطمة» والنص المنقول منه على درجة عالية من السرية، ففي نهاية النص - كما سيأتي - أمر بكتمانه عن غير أهله فهو سر من أسرارهم، ولا ندري كيف تسرب ولماذا تسرب ومتى؟ وإليك النص: روى صاحب الوافي عن الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة متى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ قال له جابر: في أي الأحوال أحببت، فخلا به في بعض الأيام فقال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت رسول الله ﷺ وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب، فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة ﵍ في حياة رسول الله صلى الله عليه

стр. 577

وآله فهنيتها بولادة الحسين فرأيت في يديها لوحًا أخضر ظننت أنه من زمرد ورأيت فيه كتابًا أبيض شبه لون الشمس فقلت لها: أبي وأمي أنت يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله تعالى إلى رسوله ﷺ ، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي، وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة ﵍ فقرأته واستنسخته، فقال أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ قال: نعم، فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق فقال: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ عليه، فنظر جابر في نسخته وقرأ أبي، فما خالف حرف حرفًا، فقال جابر: أشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبًا: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي.." (١) . د- دعواهم نزول اثنتي عشرة صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة: في حديث طويل من أحاديثهم - يرويه صدوقهم ابن بابويه القمي - أن رسول الله ﷺ قال - كما يفترون -: "إن الله ﵎ أنزل عليّ اثني عشر خاتمًا، واثني عشر صحيفة، اسم كل إمام على خاتمه وصفته في صحيفته" (٢) . ومزاعمهم في هذا الباب كثيرة (٣) .

стр. 578

وهكذا يحاول القوم أن يسلكوا كل وسيلة لتثبيت معتقدهم في الأئمة.. بعد أن زلزل دعواهم خلو كتاب الإسلام العظيم "مما يثبتها" فراحوا يزعمون تنزل كتب إلهية مع القرآن فكانت هذه الدعوى فضيحة تضاف لقائمة فضائحهم وأكاذيبهم.

стр. 579

صورة لأحد الكتب المزعومة ص ٦٠٢.

стр. 580

نقد هذه المقالة: قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ..﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ (٢) . وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (٣) . فالذين طلبوا من الرسول ﷺ صحيفة مكتوبة من السماء هم الكفار وأهل الكتاب.. فلم يجابوا.. فأراد الكليني وأمثاله ممن أشاع هذه الفرية أن يصوروا خير أمة أخرجت للناس بأنهم أشد كفرًا من اليهود والذين كفروا؛ لأنهم أنزل عليهم كتب من السماء فلم يؤمنوا أي لم يعرفوا الأئمة الاثني عشر. والآية صريحة في بطلان ما يدعي هؤلاء الروافض، إذ لو كان شيء من دعاوي الشيعة واقعًا لأشارت إليه الآيات، ولم تنكر على هؤلاء دعواهم، أو لقال

стр. 581

النبي ﷺ لهم: دونكم ما نزل على فاطمة، أو ما نزل عليّ، أو ما سينزل على الأئمة، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث فما أجرأ هؤلاء على الكذب المكشوف. ولماذا تنقل الأمة القرآن والسنة.. وتترك هذه الكتب المزعومة لينفرد بنقلها هؤلاء؟ ولا يعرف أحد من الأمة ولا علماء التاريخ، ولا أهل الأديان شيئًا عن أمر هذه "الكتب"؟ وكيف تختلف الشيعة في أمر تعيين الإمام إلى عشرات الفرق وعندها هذه الصحف المنزلة؟ وقد وقفت على نص عندهم جاء في الكافي، يناقض هذه الدعوى وهو عن أبي عبد الله - الذي يفترون عليه كل تلك الافتراءات - قال: "إن الله عز ذكره ختم بنبيكم النبيين فلا نبي بعده أبدًا، وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده أبدًا، وأنزل فيه تبيان كل شيء وخلقكم وخلق السماوات والأرض ونبأ ما قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما بعدكم وأمر الجنة والنار وما أنتم صائرون إليه" (١) . وهذا نص لا يحتاج إلى تعليق فهو يكذب كل هذه الدعاوى وينفي وقوعها نفيًا قاطعًا. وفي حديث آخر عندهم قال الرضا: "شريعة محمد ﷺ لا تنسخ إلى يوم القيامة، فمن ادعى بعده نبوة، أو أتى بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكل من سمع ذلك منه" (٢) . ونحن هنا نخاطبهم بعقليتهم وإلا فإن هذه المقالة يكفي في معرفة فسادها مجرد عرضها، وإن إجماع الأمة قائم على أنه لا كتاب إلا كتاب الله سبحانه، وكل من ادعى أنه عنده كتاب إلهي فهو كاذب زنديق. وما الحاجة لنزول هذه الكتب والله سبحانه يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) ، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي

стр. 582

هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) . وأين هذه المصاحف والصحف اليوم، وهل لها من أثر، وما فائدة خزنها عند المنتظر.. ولكن يبدو أن منهدسي بناء التشيع وضعوا أمثال هذه الروايات خوفًا من أن يفقد المذهب أتباعه لعدم وجود ما يشهد له من كتاب الله. كما كان لهم هدف أبعد من ذلك وهو الكيد للأمة ودينها، والأخذ بالشيعة بعيدًا عن المسلمين لتستقل بكتبها عن كتاب الله. ومن الغريب أن من شيوخ الشيعة القدامى والمعاصرين من أنكر ما ينسب لمذهب الشيعة الاثني عشرية من القول بالتحريف، وعدّ رواياتهم وإن كثرت من قبيل الأساطير التي تسربت للمذهب (٢) فهل لأن الأولى عرفها المسلمون عن الشيعة، والأخرى كانت غير معروفة؟! وهذه الدعوة تتضمن أمورًا في غاية الخطورة منها: أن الوحي لم ينقطع والنبوة لم تختم، وأن الأئمة بمنزلة الأنبياء أو أعظم، فهم تنزل عليهم الكتب المتعددة من السماء، وهذا ما لم يتحقق للرسول ﷺ ، ومنها تضليل الصحابة والأمة جميعًا بأنها ردت الكتب المنزلة. وهذه الدعوى إحدى المعالم الواضحة على أن هذا المذهب قد ابتلي بشرذمة من الكذابين الذين لا يتورعون عن أي كذب، فهم كذبوا على رسول الله بوضع الأحاديث، وكذبوا على الله سبحانه بوضع هذه "الكتب"!! وإنما يفتري الكذب على الله الذين لا يؤمنون.

стр. 583

المسألة الثانية: دعواهم بأن جميع الكتب السماوية عند الأئمة تدعي الشيعة بأن عند الأئمة الاثني عشر كل كتاب نزل من السماء وأنهم يقرؤونها على اختلاف لغاتها، وعقد صاحب الكافي بابًا لهذا الموضوع بعنوان: "باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها" (١) . وضمنه طائفة من رواياتهم. ومثله فعل صاحب البحر فذكر بابًا بعنوان: "باب في أنّ عندهم صلوات الله عليهم كتب الأنبياء ﵈ يقرؤونها على اختلاف لغاتها" (٢) . وذكر في هذا الباب (٢٧) حديثًا من أحاديثهم. تقول هذه الروايات عن الأئمة: "كل كتاب نزل فهو عند أهل العلم ونحن هم" (٣) ، "إن عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى" (٤) ، "إن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور وبيان ما في الألواح" (٥) . وتأتي رواية أخرى تفسر المراد بالألواح وأنها ألواح موسى، وتصف هذه الألواح بأنها زبرجدة من الجنة وفيها تبيان كل شيء هو كائن إلى أن تقوم الساعة، وأنها مكتوبة بالعبرانية وأن الرسول ﷺ دفعها إلي أمير المؤمنين علي وقال: "دونك هذه ففيها علم الأولين والآخرين وهي ألواح موسى وقد أمرني ربي أن أدفعها إليك. قال يا رسول الله لست أحسن قراءتها، قال: إن جبرائيل أمرني أن آمرك أن تضعها تحت رأسك ليلتك هذه فإنك تصبح وقد علمت قراءتها قال: فجعلها تحت رأسه فأصبح وقد علمه الله كل شيء فيها فأمره رسول الله ﷺ أن ينسخها فنسخها في جلد شاة وهو الجفر وفيه علم الأولين والآخرين، وهو عندنا" (٦) .

стр. 584

وإذا كانت هذه الرواية تحدد مضمون الجفر بأنه (ألواح موسى) ، فإن رواية أخرى لهم تخرج عن هذا التحديد وتقول بأن أبا عبد الله قال: "إنّ عندي الجفر الأبيض.. فيه: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة. ما أزعم أنّ فيه قرآنًا وفيه ما يحتاج النّاس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش" (١) . وكأن شارح الكافي استكثر أن يكون كل ذلك مكتوبًا في الجفر الذي هو جلد شاة - كما تفسره الرواية السابقة - فقال: "الظاهر أن الجفر وعاء فيه هذه الصحف لا أنها مكتوبة فيه" (٢) . في حين أن صريح الرواية السابقة يخالف هذا حيث نصت على أن عليًا (نسخها في جلد شاة) . ومعنى هذا أن جلد الشاة يستحيل أن يستوعب كل هذه الكتب، والتي يتضمن أحدها وهو ألواح موسى، علم الأولين والآخرين، وهذا يكشف أن هذه الدعاوي من وضع جاهل لا يحسن أن يضع. وكل عاقل يدرك أن لو كان عند الأئمة علم الأولين والآخرين لتغير وجه التاريخ. والزعم بأن عند الأئمة الكتب السماوية كلها لم يأخذ الشك النظري فحسب، بل تجاوز ذلك إلى محيط العمل، فها هو أبو الحسن - بزعمهم - يقرأ الإنجيل أمام نصراني يقال له بريه فيقول هذا النصراني بعد سماعه لقراءة إنجيله عن الإمام: إياك كنت أطلب منذ خمسين سنة، ثم إن النصراني - كما تقول الرواية - آمن وحسن إسلامه. وقال للإمام: "أنى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء؟ فقال: هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤوها، ونقولها كما قالوا:

стр. 585

إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شيء فيقول لا أدري" (١) . فيؤخذ من هذه الرواية أن الأئمة يقرؤون التوراة والإنجيل وغيرهما، كما قرأها الأنبياء، حتى يجدوا ما يجيبون فيه على أسئلة الناس. بل الأمر تعدى مجرد القراءة والفتوى إلى مجال الحكم والقضاء، ووضع صاحب الكافي لهذا بابًا بعنوان: "باب في الأئمة أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون البينة ﵈" (٢) . ومن الروايات التي ذكرها في هذا الباب: ".. عن جعيد الهمداني عن علي بن الحسن ﵁ قال: سألته بأي حكم تحكمون؟ قال: حكم آل داود فإن أعيانا شيء تلقانا به روح القدس" (٣) . وترد عندهم نصوص كثيرة تقول بأن مهديهم المنتظر يحكم بحكم آل داود ولا يسأل بينة (٤) ، ويذكرون جملة من الأحكام التي يحكم بها مهديهم بموجب شريعته الخاصة مثل "كونه لا يقبل الجزية من أهل الكتاب، ويقتل كل من بلغ عشرين سنة ولم يتفقه في الدين، وأنه لا يقبل البينة، ويحكم بحكم آل داود وأمثالها" (٥) . كما سيأتي - إن شاء الله - تفصيله في عقيدتهم في المهدي المنتظر. وجاءت عندهم عدة روايات تذكر بأن عليًا يقول: لو تمكنت من الأمر لحكمت لكل طائفة بكتابها (٦) ، فمن هذه الروايات: زعمهم أن عليًا قال: "لو

стр. 586

ثنيت لي وسادة" (١) ، أو "لو ثنى الناس لي وسادة كما ثني لابن صوحان (٢) . لحكمت بين أهل التوراة بالتوراة، ولحكمت بين أهل الإنجيل بالإنجيل ولحكمت بين أهل الزبور بالزبور، ولحكمت بين أهل الفرقان بالفرقان" (٣) . نقد هذه المقالة: بعث الله محمدًا ﷺ إلى جميع الثقلين، وختم به النبوات، ونسخ برسالته سائر الرسالات ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤) . "ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه ﷺ " (٥) . "وإذا نزل عيسى ﵇ إلى الأرض فإنما يحكم بشريعة محمد ﷺ " (٦) . فقد نسخ الله سبحانه بكتابه الكتب السماوية كلها، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ..﴾ (٧) .

стр. 587

قال ابن جرير في قوله سبحانه: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ : "وهذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهل الملل بكتابه الذي أنزله إليه وهو القرآن الذي خصه بشريعته، فالله سبحانه أنزل القرآن مصدقًا ما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليه، رقيبًا على ما قبله من سائر الكتب قبله ﷺ (١) . وكتب الشيعة تقول بأن الأئمة يحكمون بحكم آل داود، ويحكمون لكل أصحاب دين بكتابه، فهل هذا خروج عن شريعة الإسلام، أو دعوة إلى وحدة الأديان؟! وقد يكون هذا من الأدلة على أن التشيع مأوى النحل والأديان، وكل صاحب دين يجد فيه بغيته، وينفث من خلاله سمومه على الإسلام. أما قول الشيعة بأن كتب الأنبياء عند أئمتهم فهذا ما لا يملكون عليه دليلاً سوى دعاوى لا يصدقها الواقع، كيف والمصطفى ﷺ لا يملك ذلك، كما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين وغيرهما: "إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا: فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجدلون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما" (٢) .

стр. 588

قال أهل العلم: "وقوله ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم" يحتمل أن يكون قد علم بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شرع ... ويحتمل أن يكون علم بذلك بخبر عبد الله بن سلام ومن أسلم من علماء اليهود على وجه حصل له به العلم بصحة ما نقلوه، ويحتمل أن يسألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه ثم يستعلم صحة ذلك من قبل الله تعالى" (١) . ولم يذكروا احتمال أن تكون التوراة موجودة عنده بل هذا من بدع الشيعة.. ولو كان الأمر على ما زعمت كتب الشيعة لأظهر التوراة الموجودة عنده ولم يأمرهم بالإتيان بها، لو لطلبها من ابن أخيه علي. وأمر آخر وهو أن الشيعة تزعم أن الكتب السماوية السابقة والموجودة عند الأئمة لم تصل إليها يد التحريف والتبديل. وقد بين الله سبحانه لنا أهل الكتاب حرفوا الكلم عن مواضعه ومن بعد مواضعه، وأنهم نسوا حظًا مما ذكروا به، وإنما أوتوا نصيبًا من الكتاب؛ إذ نسوا نصيبًا آخر وأضاعوه. ولما خرجت أمة القرآن من الأمية وعرفوا تاريخ أهل الكتاب ظهر لهم أن اليهود فقدوا التوراة التي كتبها موسى ثم لم يجدوها، وإنما كتب لهم بعض علمائهم ما حفظوه منها ممزوجًا مما ليس منها، والتوراة التي بين أيديهم تثبت ذلك (٢) . "وأما الأناجيل فالاضطراب فيها أعظم منه في التوراة، ونسخ الزبور يخالف بعضها بعضًا مخالفة كثيرة في كثير من الألفاظ والمعاني، ويقطع من رآها أن كثيرًا منها كذب على زبور داود ﵇" (٣) . ولسنا في مقام دراسة هذه المسألة وبسطها، وإنما الغرض الإشارة إلى نتيجة الدراسات التي قامت حول الكتب السابقة والتي تقول بأنه لم يبق منها كتاب

стр. 589

على ما أنزل لم يصل إليه تحريف.. إلا أن كتب الشيعة تدعي أن عندها هذه الكتب وغيرها من الكتب السماوية لم ينلها تغيير.. ولو كان عند الأئمة الكتب الأصلية غير المحرفة لكان واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتم عليهم أن يواجهوا بها اليهود والنصارى ليردوهم إلى الحق وليظهروا ما فيها من الأخبار من ظهور النبي ﷺ ووجوب اتباعه، ولو فعلوا ذلك لرجع أكثر اليهود والنصارى عن كفرهم ولنقل ذلك واشتهر. ولعل من سمع هذه الدعوى يسأل: أين هذه الكتب السماوية، في أي مكان توجد وعند من؟ وما الهدف من وجودها عند أئمتهم؟ هل ليكملوا بها شريعة الإسلام؟! ولم لم يحتجوا بها على تحريف أهل الكتاب ويقيموا الحجة عليهم؟ هل هذا تقصير منهم؟ هذه أسئلة لا جواب عليها يرتضى، لأنها تدور على أسطورة لا حقيقة لها.. وليست هذه الدعوى بغريبة على قوم ادعوا لأئمتهم كل شيء.. ولكن الغريب أن تجد من يصدق بها في عالم اليوم. ولذلك فإن الشيعة تقول في كل وهم من هذه الأوهام - أعني الكتب السرية والمصاحف السماوية ومواريث الأنبياء.. إلخ -: إن مستقرها ومستودعها عند الغائب الموهوم المهدي المنتظر (١) ، فتعلق أتباعهم بهذا السراب الخادع أساطير يتبع بعضها بعضًا. الإيمان بالرسل: وضلال الشيعة في هذا الركن يتمثل في عقائد متعددة كقولهم بأن الأئمّة يُوحى إليهم (٢) ، كما سبق إثباته في "فصل السنة"، وفي مسألة الإيمان بالكتب.

стр. 590

وكقولهم بعصمة الأئمة، وضرورة اتباع قولهم (١) ، فهم أعطوهم بهذا معنى النبوة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن جعل بعد الرسول معصومًا يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها" (٢) . وبالغوا في الضلالة حينما زعموا أن الأنبياء ﵈ هم أتباع لعلي، وأن منهم من عوقب لرفضه ولاية علي، حتى جاء في أخبارهم "عن حبّة العرني قال: قال أمير المؤمنين ﵇: إنّ الله عرض ولايتي على أهل السّماوات وأهل الأرض أقرّ بها من أقرّ، وأنكرها من أنكر، أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقرّ بها" (٣) . ولهم في هذا المعنى روايات كثيرة (٤) . من هنا قرروا: بأن الأئمة هم أفضل من الأنبياء، وأن الأئمة جاءوا بالمعجزات لإقامة الحجة على الخلق أجمعين. وسأعرض لهاتين المسألتين بشيء من التفصيل في الصفحات التالية. تفضيلهم الأئمة على الأنبياء والرسل: الرّسل أفضل البشر وأحقّهم بالرّسالة؛ حيث أعدّهم الله تعالى لكمال العبوديّة والتّبليغ والدّعوة والجهاد ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٥) ، فهم قد امتازوا "برتبة الرّسالة عن سائر النّاس" (٦) . وقد أوجب الله على الخلق متابعتهم. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ

стр. 591

لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (١) . ولا يفضل أحد من البشر عليهم. قال الطّحّاوي في بيان اعتقاد أهل السّنّة: "ولا نفضّل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈ ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء" (٢) . وتفضيل الأئمة على الأنبياء هو مذهب غلاة الروافض، كما نبه على ذلك عبد القاهر البغدادي (٣) ، والقاضي عياض (٤) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٥) . وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب أن "من اعتقد في غير الأنبياء كونه أفضل منهم ومساويًا لهم فقد كفر"، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء (٦) . ولذلك قال القاضي عياض: "نقطع بتفكير غلاة الرّافضة في قولهم: إنّ الأئمّة أفضل من الأنبياء" (٧) . وهذا المذهب بعينه قد غدا من أصول الاثني عشرية، فقد قرّر صاحب الوسائل أنّ تفضيل الأئمّة الاثني عشر على الأنبياء من أصول مذهب الشّيعة التي نسبها للأئمّة (٨) ، وقال بأن الروايات عندهم في ذلك أكثر من أن تحصى (٩) ، وفي بحار الأنوار للمجلسي عقد بابًا بعنوان "باب تفضيلهم ﵈ على الأنبياء وعلى جميع الخلق وأخذ ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر

стр. 592

الخلق، وأنّ أولي العزم إنّما صاروا أولي العزم بحبّهم صلوات الله عليهم" (١) . واستشهد لهذا الأصل بثمانية وثمانين حديثًا من أحاديثهم المنسوبة للاثني عشر (٢) . وقال: "والأخبار - يعني أخبارهم - في ذلك أكثر من أن تحصى وإنما أوردنا في هذا الباب قليلاً منها وهي متفرقة في الأبواب لاسيما باب صفات الأنبياء وأصنافهم ﵈، وباب أنهم ﵈ كلمة الله، وباب بدو أنوارهم، وباب أنهم أعلم من الأنبياء، وأبواب فضائل أمير المؤمنين وفاطمة صلوات الله عليهما" (٣) . وقد قرّر شيخهم ابن بابويه في اعتقاداته التي تسمّى دين الشّيعة الإماميّة هذا المبدأ عندهم فقال: "يجب أن يعتقد أنّ الله لم يخلق خلقًا أفضل من محمّد ﷺ والأئمّة، وأنّهم أحبّ الخلق إلى الله وأكرمهم وأوّلهم إقرارًا به لِمَا أخذ الله ميثاق النّبيّين في الذّر، وأنّ الله تعالى أعطى كلّ نبيّ على قدر معرفته نبيّنا ﷺ وسبقه إلى الإقرار به، ويعتقد أنّ الله تعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته ﵈ وأنّه لولاهم ما خلق السّماء ولا الأرض ولا الجنّة ولا النّار ولا آدم ولا حوّاء ولا الملائكة ولا شيئًا ممّا خلق صلوات الله عليهم أجمعين" (٤) . وقد نقل صاحب البحار هذا النّصّ وعقّب عليه بقوله: "اعلم أنّ ما ذكره ﵀ من فضل نبيّنا وأئمّتنا صلوات الله عليهم على جميع المخلوقات وكون أئمّتنا أفضل من سائل الأنبياء هو الذي لا يرتاب فيه من تتبّع أخبارهم ﵈ على وجه الإذعان واليقين، والأخبار في ذلك أكثر من أن تُحصى.. وعليه عمدة

стр. 593

الإماميّة ولا يأبى ذلك إلا جاهل بالأخبار" (١) . وقد ألّف بعض شيوخهم في هذا المذهب مؤلّفات (٢) . وهذه المقالة هي التي يجاهر بها الخميني ومن يشايعه في هذا العصر كما قرّر ذلك في كتابه الحكومة الإسلاميّة - كما سيأتي - (٣) . وتعزو رواياتهم هذه الأفضلية إلى أمور يرونها في الأئمة مغرقة في الغلو والضلال تقشعر من سماعها أبدان المؤمنين (وقد مر بعضها في فصلي اعتقادهم في توحيد الألوهية والربوبية) . وليس الأئمة أفضل من الأنبياء فحسب؛ بل ما استحق الأنبياء ما هم فيه من فضل - بزعمهم - إلا بسبب الولاية. قال إمامهم "ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي ﵇، وما كلّهم الله موسى تكليمًا إلا بولاية علي ﵇، ولا أقام الله عيسى بن مريم آية للعالمين إلا بالخضوع لعليّ ﵇"، ثم قال: أجمل الأمر ما استأهل خلق من الله النّظر إليه إلا بالعبوديّة لنا (٤) . ولو ذهبت أنقل من أحاديث "بحارهم" وغيره من هذا "اللون" لاستغرق ذلك صفحات طويلة (٥) .

стр. 594

ويبدو أن هذا هو المذهب الذي استقر عليه مذهب الاثني عشرية عبر التغيرات والتطورات التي تلاحق المذهب، والذي أشار الممقاني إلى طبيعتها وهو التطور نحو الغلو (١) ، فإن الشيعة في هذه المسألة (أعني مسألة تفضيل الأنبياء على الأئمة) كانوا ثلاث فرق - كما يقول الأشعري -: فرقة: يقولون بأن الأنبياء أفضل من الأئمة، غير أن بعض هؤلاء جوزوا أن يكون الأئمة أفضل من الملائكة. والفرقة الثانية: يزعمون أن الأئمة أفضل من الأنبياء والملائكة. والفرقة الثالثة: وهم القائلون بالاعتزال والإمامة، يقولون: إن الملائكة والأنبياء أفضل من الأئمة (٢) . ويضيف المفيد في أوائل المقالات مذهبًا رابعًا لهم وهو أفضلية الأئمة على سائر الأنبياء ما عدا أولي العزم (٣) . ثم لا يبوح بذكر المذهب الذي يعتمده من هذه المذاهب بل يذكر توقفه للنظر في ذلك (٤) . ولكن يظهر أن كل هذه المذاهب تلاشت بسعي شيوخ الدولة الصفوية ومن تبعهم واستقر المذهب على الغلو في الأئمة، حتى إن المجلسي يقول في عنوان الباب الذي عقده في بحاره لهذا الغرض: "إنّ أولي العزم إنّما صاروا أولي العزم بحبّهم صلوات الله عليهم" ولا يستثني في ذلك أحدًا من المرسلين، حتى نبيّنا محمّد ﷺ (٥) .

стр. 595

وجاءت عندهم نصوص تعقد مقارنات بين رسول الله وعلي، وتنتهي بأن لعلي فضل التميز على رسول الله ﷺ ، حيث شاركه علي في خصائصه، وانفرد علي بفضائل لم يشاركه فيها رسول الله ﷺ . وعقد لهذه النصوص صاحب البحار بابًا بعنوان "باب قول الرسول لعلي: أعطيت ثلاثًا ما أعط" - كذا - (١) . وقد جاء في الكافي والبحار وغيرهما نصوص كثيرة تقول بأن لعلي والأئمة من الفضل ووجوب الطاعة كرسول الله، ولكنها ما تلبث أن تنتقل بالقارئ إلى أن الأئمة أفضل من رسول الله، بل تذهب إلى القول بأن عليًا والأئمة انفردوا بخصائص لا يشاركهم فيها أحد من الخلق، وإذا تدبرت تلك الخصائص وجدت أنها من صفات الرب جل شأنه، وبحسبك أن تعرف أن من هذه الأوصاف التي يتنطع بها الروافض ما ينسبونه لعلي أنه قال: "لم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني ... إلخ" (٢) . فما أعظم افتراءهم على الله، وعلى دينه، وعلى نبيه، وعلي، وأهل البيت. ولقد أنكر أمير المؤمنين علي ﵁ تفضيله على الشيخين أبي بكر وعمر، وهدد من يتفوه بذلك بأنه سيجلده حد المفتري (٣) . وتواتر عنه من ثمانين

стр. 596

وجهًا أنه كان يقول على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر (١) . ونقلت ذلك كتب الشيعة نفسها (٢) . فما حاله ﵁ مع هذا الصنف الذي يدعي التشيع له ويفضله على أنبياء الله؟ لا شك أن إنكاره عليهم أعظم وأشد، وقد قرر بعض أهل العلم بأن من فضَّل عليًا - فكيف ممن بعده - على نبي الله إبراهيم أو محمد فإنه أشد كفرًا من اليهود والنصارى (٣) . وقد روت كتب الشيعة أنه عندما قيل لأمير المؤمنين: أنت نبي، قال: "ويلك إنما أنا عبد من عبيد محمد ﷺ " (٤) . قال ابن بابويه: يعني بذلك عبد طاعته لا غير ذلك (٥) . ويحتمل أن هذا الاتجاه الغالي الذي استقر عليه المذهب الاثني عشري كان من آثار فرقة من فرق الشيعة تذهب إلى تفضيل علي على محمد ﷺ يقال لها العلبائية (٦) . وفي ظني أن عقيدة عصمة الإمام عندهم تؤدي إلى ظهور هذا المذهب وأمثاله؛ ذلك أنهم يصفون الأئمة بأوصاف لا يتصف بها أحد من أنبياء الله ورسله - كما سيأتي - وإن من يرجع إلى كتاب الله سبحانه يجد أنه ليس لأئمتهم

стр. 597

الاثني عشر ذكرا، فضلاً عن أن يقدموا على أنبياء الله ورسله. كما أنه يلاحظ "أن الأنبياء لكونهم أرفع رتبة يقدمون بالذكر على غيرهم من صالحي عباد الله. قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ (١) . (٢) . فرتب الله سبحانه عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب (٣) . "وكتاب الله يدل في جميع آياته على اصطفاء الأنبياء واختيارهم على جميع العالم" (٤) . وقد أجمع أهل القرون الثلاثة على تفضيل الأنبياء على من سواهم، وهذا الإجماع حجة - حتى عند الشيعة - لأن فيهم الأئمة (٥) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذي ليسوا بأنبياء" (٦) . والعقل يدل صريحًا على أن جعل النبي واجب الطاعة وجعله أمرًا وناهيًا وحاكمًا على الإطلاق والإمام نائبًا وتابعًا له لا يعقل بدون فضيلة النبي عليه، ولما كان هذا المعنى موجودًا في حق كل نبي مفقودًا في حق كل إمام لم يكن إمام أفضل من نبي أصلاً، بل يستحيل (٧) . ثم إنّه قد ورد في كتب الشّيعة نفسها ما يتّفق مع النّصّ والإجماع والعقل، وينفي ذلك الشّذوذ؛ وهو ما رواه الكليني عن هشام الأحول عن زيد بن علي أنّ الأنبياء أفضل من الأئمّة، وأنّ من قال غير ذلك فهو ضالّ (٨) .

стр. 598

وروى ابن بابويه عن الصّادق ما ينصّ على أنّ الأنبياء أحبّ إلى الله من علي (١) . ولا شك أن هذا المذهب واضح البطلان، يدرك بطلانه بصري العقل وبما علم من الدين بالضرورة، وبالتاريخ والسير والفطر، ولا يحتاج إلى تكلف في إبطاله وهو أحد البراهين على فساد المذهب الرافضي. معجزات الإمام: يرى أهل السنة "أن المعجزات (٢) . لا يأتي بها أحد إلا الأنبياء ﵈ (٣) ، خلافًا للروافض الذين جعلوا علامة الإمام عندهم صدور المعجزة منه، لأنهم يقولون: "إنّ الإمامة استمرار للنّبوّة (٤) . فكما أنّ الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنّبوّة والرّسالة ويؤيّده بالمعجزة.. فكذلك يختار للإمامة" (٥) . وقد امتلأت كتب الحديث عندهم بالحديث عن هذه المعجزات، ورواية قصصها وأحداثها - المزعومة - وقد يقال بأن غاية ما هنالك بأنهم سموا الكرامات معجزات.

стр. 599

ولا شك أن "من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري على أيديهم من خوارق العادة في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة" (١) . وإذا كان الأمر كذلك فتسمية الكرامات بمعجزات مجرد اختلاف في الاصطلاح ولهذا حينما قال ابن المطهر الحلي عن أمير المؤمنين علي: "وظهرت منه معجزات كثيرة" عقب على ذلك شيخ الإسلام بقوله: "فكأنه يسمي كرامات الأولياء معجزات وهذا اصطلاح كثير من الناس فيقال: علي أفضل من كثير ممن له كرامات، والكرامات متواترة عن كثير من عوام أهل السنة الذين يفضلون أبا بكر وعمر فكيف لا تكون الكرامات ثابتة لعلي ﵁، وليس في مجرد الكرامات ما يدل على أنه أفضل من غيره" (٢) . وقد رأى شيخ الإسلام أن اهتمام الروافض بأمر ما ينسب للأئمة من كرامات إنما سببه أن "الرافضة لجهلهم وظلمهم وبعدهم عن طريق أولياء الله ليس لهم من كرامات الأولياء المتقين ما يعتد به، فهو لإفلاسهم منها إذا سمعوا شيئًا من خوارق العادات عظموه تعظيم المفلس للقليل من النقد، والجائع للكسرة من الخبر.." (٣) . ولكن الإمامية هل ترى هذه الخوارق من كرامات أولياء الله وتسميها معجزات؟ إن المتأمل للمذهب الإمامي يرى أنهم يذهبون في هذه الكرامات إلى

стр. 600

مذهب آخر؛ فهم يرون أنها معجزات لإثبات الإمامة وإقامة الحجة - كما يزعمون - على الخلق، لأن الأئمة كما تقول رواياتهم هم الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض (١) . بل يقول ثقة إسلامهم الكليني: "إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام" (٢) . وجاءت روايات كثيرة عندهم بهذا المعنى، ولذا قالوا "فنحن حجج الله في عباده" (٣) ، "ولولانا ما عبد الله" (٤) ، "الأوصياء هم أبواب الله التي يؤتى منها ولولاهم ما عرف الله ، وبهم احتج الله ﵎ على خلقه" (٥) . ولذلك قال البحراني في كتابه الذي صنفه في معجزات الأئمة: "إن الله أظهر على أيديهم المعاجز والدلائل لأنهم حجته على عباده" (٦) . فهم يجعلون الأئمة كالأنبياء والرسل الذين يقيم الله بهم الحجة على خلقه فهم يحتاجون للمعجزات لإثبات رسالتهم كما يحتاج الأنبياء. بل هم في الفضل، ووجوب الطاعة، وتحقق المعجزات قد يصلون إلى مرتبة أفضل الرسل والأنبياء أو أعظم. قال أبو عبد الله - كما يزعمون -: "ما جاء به عليّ ﵁ آخذ به وما نهي عنه أنتهي عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد ﷺ ". وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدًا بعد واحد. كان أمير المؤمنين كثيرًا ما يقول: "لقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها
следующие страницы →