← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

صالحوا المؤمنين (١) . قال الفيروزآبادي صاحب القاموس: "وأما ما يظنه من يظن من الرافضة أن في الآية (٢) . أو في الحديث دلالة على أن عليًا ﵁ هو الخليفة بعد النبي ﷺ فمن الجهل المقطوع بخطأ صاحبه؛ فإن الولاية بالفتح هي ضد العداوة، والاسم منها مولى ووليّ، والولاية بكسر الواو هي الإمارة، والاسم منها والي ومتولي.. والموالاة ضد المعاداة وهي من الطرفين كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٣) ، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٤) . وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ (٥) ." (٦) . والآيات في هذا المعنى كثيرة (٧) . ويبدو أن الرافضة وجدوا أن الحديث لا يخدم أغراضهم، فزادوا فيه زيادات فاحشة. وقد رأى الإمام محمد بن عبد الوهاب في جملة من الزيادات التي زادها الروافض في هذا الحديث ما هو كفر بإجماع المسلمين (٨) ، ومن يقرأ زياداتها في ذلك من خلال ما جمعه المجلسي في بحاره يرى من الكفر والضلال ما يستغرق شرحه الصفحات الطوال، ويكفي في الحكم بكذبه مجرد النظر إلى متنه.

стр. 667

ومن المعلوم لغة وعقلاً وعرفًا، فضلاً عن الشرع أن الاستخلاف لا يكون بمثل هذه الألفاظ، لذلك قال الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - كما يروي البيهقي - حينما قيل له: ألم يقل رسول الله ﷺ لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقال: أما والله إن رسول الله ﷺ إن كان يعني الإمرة والسلطان والقيام على الناس بعده لأفصح لهم بذلك، كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت، ولقال لهم: إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا فما كان من وراء هذا شيء، فإن أنصح الناس للمسلمين رسول الله ﷺ (١) . والمعنى الذي في الحديث يعمّ كلّ مؤمن، ولكن خصّ بذلك عليًّا ﵁ لأنّه قد نقم منه بعض أصحابه، وأكثروا الشّكاية ضدّه حينما أرسله النّبيّ ﷺ إلى اليمن قبل خروجه من المدينة لحجّة الوداع (٢) ، ولذلك قال البيهقي: "ليس فيه إن صح إسناده نص على ولاية علي بعده فقد ذكرنا من طرقه في كتاب الفضائل ما دل على مقصود النبي ﷺ من ذلك، وهو أنه لما بعثه إلى اليمن كثرت الشكاة عنه وأظهروا بغضه، فأراد النبي ﷺ أن يذكر اختصاصه به ومحبته إياه ويحثهم بذلك على محبته وموالاته وترك معاداته فقال: من كنت وليه فعلي وليه، وفي بعض الروايات: من كنت مولاه فعلي مولاه، والمراد به ولاء الإسلام ومودته. وعلى المسلمين أن يوالي بعضهم بعضًا ولا يعادي بعضهم بعضًا" (٣) .

стр. 668

وبعد أن عرضنا لأهم دليل عندهم من كتاب الله، وأقوى دليل عندهم من سنة رسول الله ﷺ ندع استعراض باقي أدلتهم إلى كتب أهل السنة التي تتبعت شبه الروافض التي يثيرونها من كتب السنة وأتت عليها من القواعد. ولا شك أن التعرف على هذه الشبه والرد عليها أمر ميسور، إذ يكفي الرجوع إلى منهاج السنة وما ماثله من كتب أهل السنة.. ولكن استعراضها كلها في بحثنا يستوعب المجلدات ولن يأتي بجديد.. ولذلك اقتصرنا على أقوى دليل عندهم من الكتاب والسنة. وسبب آخر في غاية الأهمية وهو أن هؤلاء الروافض لا يؤمنون أصلاً بما جاء عن طريق أهل السنة ولو كان في غاية الصحة - كما سلف - لكن هم يثيرون هذه الشبهات ليحققوا بها أمرين - فيما أرى -: الأول: إقناع المتشككين والحائرين من أتباعهم، وذلك بخداعهم أن هذه العقائد متفق عليها بين السنة والشيعة، ولكن أهل السنة يكابرون. الثاني: إشغال أهل السنة بهذه المسائل والدفاع عنها حتى لا يتمكنوا من

стр. 669

الوصول إلى كتب الروافض المعتمدة في الحديث والرجال والتفسير ودراستها بعين بصيرة ناقدة.. وكشف الأمر أمام الأتباع الجهلة. ولذلك أقول: إن علماء السنة قدموا جهدًا عظيمًا في مواجهة الأمر الأول، أما الثاني فإن عدم توفر كتب الروافض - فيما يظهر - حال بينهم وبين نقدها، وكشف ما فيها، إلا في العصور المتأخرة، حيث بدأ علماء الهند والباكستان الإسهام في ذلك. والموضوع لا يزال بحاجة إلى مواصلة هذا الطريق وتضافر الجهود، بدراسات علمية موضوعية تبين الحقيقة وتكشف الزيف أمام أولئك المغرورين والمخدوعين. ونعود الآن إلى مسألة النص في كتب الشيعة بعد أن أشرنا إلى أقوى أدلتهم من طريق السنة. النص في كتب الشيعة: أصل قول الرافضة هو دعوى النص (١) . وقد تنوعت احتجاجاتهم على مسألة النص؛ فهي تارة كتب إلهية تنزل من السماء في النص على علي والأئمة، ولكن هذه الكتب غابت منذ سنة ٢٦٠هـمع الغائب المنتظر (٢) . وهي أخرى نصوص صريحة في القرآن في النص على الاثني عشر، ولكن هذه النصوص اختفت من القرآن بفعل الصحابة (٣) ، وهي ثالثة نصوص صريحة من الرسول ﷺ ولكن الأمة أجمعت على كتمانها، وكان أول من أظهر القول بها - كما في رجال الكشي وغيره - ابن سبأ (٤) . وهي تارة رابعة تأويلات باطنية لآيات القرآن بالأئمة، ولكن لا يعرف

стр. 670

هذه التأويلات إلا الأئمة (١) . ويدعمون ذلك بدعاوى غريبة في الأئمة من معجزات خارقة، وعصمة مطلقة وكتب موروثة، وعلوم متلقاة عن الوحي السماوي.. وعلامات في الأئمة ينفردون بها دون سائر البشر.. إلخ. وقد تفرد بنقل دعوى النص في بدايتها ابن سبأ، ثم عممت هذه الدعوى على آخرين من آل محمد اختلفت فرق الشيعة في أعدادهم وأعيانهم اختلافًا كبيرًا، وقد تولى كبرها هشام بن الحكم وشيطان الطاق كما يقوله طائفة من أهل العلم، ثم كان استقرار القول باثني عشر إمامًا بعد سنة (٢٦٠هـ) على يد ثلة ممن ادعوا واخترعوا فكرة الإمام الغائب، والنيابة عنه والارتزاق باسمه كما سيأتي في مسألة الغيبة. ورواياتهم في النص على الأئمة قد استحوذت على حيز كبير من كتبهم المعتمدة في الكافي والبحار وكتب التفسير، وعامة كتب شيوخهم كالمفيد وابن بابويه، والطوسي، وابن المطهر وغيرهم. وما دام قد قام ما يشبه الاتفاق بين كتب السنة والشيعة على أن الذي تولى كبر فرية النص هو ابن سبأ، ونقلت كتب الشيعة أن أحاديث النص كانت موضوع التداول السري بين العناصر المنتسبة للتشيع (٢) ، ولم تعلن ذلك أمام علماء الإسلام بما فيهم أئمة أهل البيت، وهذا الجو السري مجال واسع للوضع والافتراء. وقد كانت بداية التدوين من عناصر ليست من الإسلام في شيء لافترائها على كتاب الله كالصفار وإبراهيم القمي والكليني، فما دام الأمر كذلك فهل يثق المسلم بمثل هذه النصوص التي تكاثرت على مر الزمان؟! وبعض الشيعة الأصوليين قد لا يثقون بكل ما جاء في هذه المدونات، حتى قال جعفر آل كاشف الغطا في كتابه "كشف الغطا" والذي تعتمد عليه الشيعة

стр. 671

اليوم، قال: المحمدون الثلاثة كيف يوثق بتحصيل العلم عليهم (١) . والكتاب الوحيد الذي تطمئن الشيعة إلى كل كلمة فيه هو كتاب نهج البلاغة مع أنه لم يجمع إلا في القرن الرابع عن أمير المؤمنين في القرن الأول وليس له سند معروف (٢) . فإذا كان هذا هو عمدة كتبه فما حال الكتب الأخرى؟ ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ليس أحد من الإمامية ينقل هذا النص بإسناد متصل فضلاً عن أن يكون متواترًا" (٣) . ومع ذلك إذا أردنا أن نحتكم إلى نهج البلاغة نجد فيه ما ينفي دعوى النص ويهدم كل ما زعموه في هذا الباب، أو يثبت التناقض، والتناقض دليل بطلان المذهب. جاء في نهج البلاغة أن أمير المؤمنين عليًا قال - لما أراده الناس على البيعة -: "دعوني والتمسوا غيري فإنّنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن تركتموني فإنّي كأحدكم، ولعليّ أسمعكم وأطوعكم لمن وليّتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير منّي لكم أميرًا" (٤) .

стр. 672

وهذا النص يدل على أنه لم يكن منصوصًا عليه بالإمامة من جهة الرسول وإلا لما جاز أن يقول: "دعوني.. إلخ، ولعلّي.. إلخ، وأنا لكم.. إلخ" (١) . فكيف يرفض الإمام المعصوم مبايعته بالإمامة في قوله: "دعوني" مع أن ذلك أهم ركن من أركان الدين؟ وكيف يأمرهم بمبايعة غيره في قوله: "التمسوا غيري" مع أن كتب الشيعة تقول: ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليم: "من بايع إمامًا ليس من عند الله.." (٢) ؟! فهل يأمرهم بالكفر بعد الإيمان.. أو أن دعاوى الشيعة في هذا الباب لا صلة لها بالإمام عليّ، وإنما هي دسيسة حاقد، وصنيعة كافر موتور.. أراد تفرقة الأمة وبث النزاع والخلاف في صفوفها؟ إن ابن المطهر الحلي يقرر بأن من طلب الإقالة فليس بإمام؛ إذ "لو كان إمامًا لم يجز له طلب الإقالة" (٣) . فكيف بمن يرد بيعته، ويأمر بمبايعة غيره.. ألا تكون من باب أولى ألا يكون عنده نص بإمامته من لدن رسول الله ﷺ ؟! وهذا المعنى الذي جاء في النهج يتفق مع ما أثبتته القرائن والأحداث التاريخية من أن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ما كانوا يتطلعون لمنصب الخلافة، ولا يستشرفونه.. لأن ذلك في نظرهم أمانة عظيمة، وتكليف باهظ. "وقد اتفق أهل السنة والشيعة على أن عليًا لم يدع إلى مبايعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ولا بايعه على ذلك أحد" (٤) . ولكن الشيعة تفسر ذلك بتفسير لا يليق بمقام أمير المؤمنين؛ إذ "تعتقد أنه كان يريد ذلك، وتعتقد أنه الإمام المستحق للإمامة دون غيره ولكن كان عاجزًا عنه" (٥) . فكان يلوذ بالتقية، وتخلى

стр. 673

عن أعظم أمر من أمور الدين كما يراها هؤلاء، وهذا ما حدا بطائفة من الشيعة وهي الكاملية إلى تكفيره ﵁ لتخليه عن المطالبة بهذا الأمر، وهذا لأن من وضع هذا الاعتقاد لا يقصد نصرة أمير المؤمنين ومشايعته وإنما يرمي إلى تفرقة الأمة والكيد لها.. ولهذا كانت النتيجة لمقالته الحكم بالضلال على جميع الأمة بما فيهم أمير المؤمنين علي. ثم قرر أمير المؤمنين - كما يذكر صاحب النهج - في قوله: "ولعليّ أسمعكم وأطوعكم لِمَن وليّتموه أمركم" بأنه ﵁ سيكون أكثر سمعًا وطاعة لمن ولاه المسلمون واختاروه خليفة.. وهذا ينقض دعوى التّقية في مبايعته لمن سبقه وطاعته لهم ﵁، إذ إن من يتعامل معهم بالتقية لا يكون كأحد المسلمين المبايعين فضلاً عن أن يكون أكثرهم سمعًا وطاعة. وقوله: "لمن وليتموه" يقتضي أن أمر الولاية يعود إلى رأي جمهور المسلمين واتفاقهم، لا إلى نص مزعوم، كما لا ينحصر في شخص معلوم. ثم يدفع أمر مبايعته مرة أخرى وبطريق آخر في قوله: "وأنا لكم وزيرًا خير مني لكم أميرًا" وهذا أيضًا ينفي ما نسبه الروافض إليه ﵁ من التفاخر بالفضائل والتظاهر بالخوارق والمعجزات.. والطعن في الخلفاء السابقين للاحتجاج على أحقيته بالإمامة. لذلك تنسف الوصية من القواعد. وهو يشير في نص آخر إلى أن قبوله للخلافة لا عن رغبة بها ولا تطلع إليها، ولكنه استجابة لحمل المسلمين له على ذلك، ولم يدّع نصًّا ولا وصيّة فهو يقول: "والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة (١) ، ولكنّكم دعوتموني إليها، وحملتوني عليها.." (٢) . ويذكر أن ثبوت خلافته تم بمبايعة المهاجرين والأنصار الذين كانت الشورى لهم، وكان إجماعهم هو المعتبر في هذا المقام، ولو كان هؤلاء مرتدين

стр. 674

كما تصفهم كتب الشيعة لم يجز اعتبار بيعتهم وإجماعهم، ولو كان ثمة نص لم يحتج إلى بيعتهم وإجماعهم. يقول أمير المؤمنين - كما في النهج -: "إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه (فطرقة بيعته لا تختلف عمّن سبقه) فلم يكن للشّاهد أن يختار ولا للغائب أن يَرُدَّ (وهذا يوحي بأن بيعته لم تكن ثابتة من قبل كما يزعم الإمامية، وإنما بعد ثبوتها بالبيعة لم يكن ثمة مجال للرد حينئذ) وإنّما الشّورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إمامًا كان ذلك رضى (فإجماعهم هو الأصل في الاختيار لا النص) ، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين وولاّه ما تولّى". (١) . فهذا نص صريح - أيضًا - في عدم وجود نص، فالشورى - في أمر الإمامة - هي للمهاجرين والأنصار، ومن أجمعوا عليه هو الإمام، ومن خرج عن ذلك وجب قتاله لاتباعه غير سبيل المؤمنين، ولو كان هناك نص في الإمام لم يقل علي ﵁ ذلك. فهذه النصوص من كتاب نهج البلاغة الذي ترى الشيعة أنه من الكلام الذي لا ريب فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو من كلام المعصوم على وجه اليقين عندهم. ولا يشك الشيعة في كلمة منه، وهي تهدم كل ما بنوه من دعاوى حول النص على عليّ والأئمة. وهذا المعنى المروي عن علي في النهج يتفق مع ما جاء عن طريق أهل السنة عن أمير المؤمنين فيأخذ صفة الإجماع عند الفريقين، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال:

стр. 675

سمعت عليًّا يقول: (وذكر أنّه سيقتل) قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ . قالوا: ما تقول لربّك إذا أتيته؟ قال: أقول: "اللهمّ تركتني فيهما ما بدا لك ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم" (١) . وروى الإمام أحمد مثله عن أسود بن عامر بن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن سبع (٢) . وفي هذا الباب روايات أخرى (٣) . وقد قال العباس لعلي ﵄: ".. فاذهب بنا إليه (يعني إلى رسول الله ﷺ فنسأله فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا عرفناه وإن كان في غيرنا أمرناه فوصاه بنا.." (٤) . وقد كان هذا كما جاء في بعض الروايات "يوم الاثنين يوم الوفاة، فدل على أنه ﵇ توفي عن غير وصية في الإمارة" (٥) . وقد جاء في صحيح البخاري أنّهم "ذكروا عند عائشة أنّ عليًّا ﵁ وعنها - كان وصيًّا فقالت: متى أُوصِيَ إليه؟! وقد كنت مسندته إلى صدري، أو قالت: حجري فدعا بالطّست، فلقد انخنث في حجري فما شعرت أنّه قد مات فمتى أوصى إليه" (٦) .

стр. 676

وقد صح عن ابن عباس أنه ﷺ لم يوص "أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أرقم بن شرحبيل عنه" (١) .

стр. 677

الاستدلال بالأمور المعلومة والمتفق عليها في مسألة النص: إن لدى أهل السنة أدلة ثابتة صحيحة عندهم في أن الرسول ﷺ لم ينص على عليّ بالإمامة. وما تنسبه الشيعة من نصوص لأهل السنة هي باطلة في أصلها أو في دلالتها، ولا حجة فيها عليهم. ولدى الشيعة أدلتهم في ثبوت النص سجلوها في كتبهم الخاصة بهم، وأهل السنة لا يؤمنون بها، ويرون أنها وضعت على الأئمة من قبل بعض الروافض. وما في كتب الشيعة من أدلة تنقض ما ادعوه في هذا الباب كما في نهج البلاغة وغيره يلجؤون في ردها إلى التأويل أو دعوى التقية، فليرجع في الحكم في هذه المسألة التي هي أصل الأصول عند الشيعة إلى الأمور المعلومة والمتواترة والمتفق عليها "نقدر - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - أن الأخبار المتنازع فيها لم توجد أو لم يعلم أيها الصحيح، ونترك الاستدلال بها في الطرفين، ونرجع إلى ما هو معلوم بغير ذلك من التواتر وما يعلم من العقول والعادات وما دلت عليه النصوص المتفق عليها" (١) .: أولاً: لندع جانب الرّوايات المختَلَف فيها ونحتكم إلى كتاب الله سبحانه عن طريق فهمه من خلال اللّغة العربيّة. فالله سبحانه أنزل القرآن بلسان عربي

стр. 678

مبين، وقد اتّفق أهل السّنّة والشّيعة على حدود العربيّة، واتّفقوا على ما وضع لمفرداتها من المعاني، ومعنى هذا أنّ اللّغة العربيّة يمكن أن تكون المرجع في الحكومة في هذا الأمر. فهل نجد في كتاب الله ذِكرًا للأئمّة الاثني عشر بأسمائهم، كما ذكر رسول الهدى ﷺ باسمه ووصفه؛ لأنّ الإمام عندهم كالنّبي، ومنكر الإمام كمنكر النبي أو أعظم. وهل نجد لإمامة الاثني عشر ذكرًا صريحًا في كتاب الله كما ذكرت أركان الإسلام صريحة واضحة في مواضع متفرقة من كتاب الله من غير حاجة لمعرفة أصلها إلى تأويل باطني أو روايات موضوعة، والإمامة عندهم أعظم أركان الإسلام؟! فكيف لا تذكر ولا يشار إليها؟ أليس هذا دليلاً على أنّ مزاعم الإماميّة في هذا الباب لا أصل لها؟ وحينئذ لابد من رفض هذه المزاعم لمناقضتها لكتاب الله. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في مناقشته لابن المطهر الحلي إلى هذا المنهج فقال: "فإن تركوا الرواية رأسًا أمكن أن تترك الرواية" (١) ، ثم طبق هذا المنهج في الاحتجاج لإبطال دعوى الروافض في الإمامة فقال: "وهب أنا لا نحتج بالحديث فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢) . فشهد لهؤلاء بالإيمان من غير ذكر للإمامة. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٣) . فجعلهم صادقين في

стр. 679

الإيمان من غير ذكر الإمامة. وساق شيخ الإسلام شواهد أخرى من هذا القبيل (١) ، وهي وغيرها تبين أن إمامة الاثني عشر التي تجعلها الاثنا عشرية أصل الدين وأساسه، ليس لها أصل في كتاب الله سبحانه. ثانيًا: أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان له أصل لنقل كما نقل أمثاله من حديثه، لاسيما مع كثرة ما ينقل في فضائل علي من الكذب الذي لا أصل له فكيف لا ينقل الحق الذي قد بلغ للناس؟! ولأن النبي ﷺ أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه (٢) . ولو كتم الصّحابة مسألة النّصّ عليه لكتموا فضائل علي ومناقبه ولم ينقلوا منها شيئًا، وهذا خلاف الواقع، فَعُلِمَ أنّه لو كان شيء من ذلك لنقل؛ لأنّ "النّصّ على الخلافة واقعة عظيمة، والوقائع العظيمة يجب اشتهارها جدًا، فلو حصلت هذه الشهرة لعرفها المخالف والموافق، وحيث لم يصل خبر هذا النص إلى أحد من الفقهاء والمحدثين علمنا أنه كذب" (٣) ، وإنما تفرد بنقله الشيعة "وهم فيه مدعون وفيما نقلوه متهمون لا سيما مع ما ظهر من كذبهم وفسقهم وبدعتهم وسلوكهم طرق الضلالة والبهث بادعاء المحال ومخالفة العقول، وسب أصحاب الرسول" (٤) . والصحابة رضوان الله عليهم نقلوا إلينا ما صدر عنه ﷺ من قوله وفعله، وأمره ونهيه، وأكله وشربه، وقعوده، ونومه، وسائر أحواله ﵊، فكيف يتصور أن ينص النبي ﷺ على علي بالخلافة ولا ينقل ذلك بحال؟! قال ابن حزم: "وبرهان ضروري وهو أن رسول الله مات وجمهور الصحابة رضوان الله عليهم، حاشا من كان منهم في النواحي يعلم الناس الدين، فما منهم أحد أشار إلى علي بكلمة يذكر فيها أن رسول الله ﷺ نص عليه.

стр. 680

ومن المحال الممتنع الذي لا يمكن البتة اتّفاق أكثر من عشرين ألف إنسان متنابذي الهمم والنّيّات والأنساب.. على طيّ عهد عهده رسول الله ﷺ إليهم، وما وجدنا قطّ رواية عن أحد في النّصّ المدّعى إلا رواية واهية عن مجهولين إلى مجهول يكنّى أبا الحمراء لا يعرف من هو في الخلق (١) . ثالثًا: أن الإمامة من المفرضات التي تتعلق بها مصالح الناس كلهم، فإذا قيل فيها: إن النبي ﷺ نص على أحد بعينه، والصحابة غيروا وبدلوا، أمكن حينئذ لكل ملحد أن يقول: إن الصلوات الخمس كانت عشرًا وإنما الصحابة كتموها وجعلوها خمسًا بأهوائهم، وهكذا إذا ادعى مدع تغيير ما نص عليه النبي ﷺ أمكن ذلك في جميع الفرائض ويتعدى ذلك إلى أن يحصل الثقة بشيء من أمور الدين أصلاً (٢) . رابعًا: أن قول الروافض بالنص على علي كقول من يزعم النص على العباس، فإن قالوا: ليس النص على العباس بصحيح، قيل: ولا النص على عليّ صحيح، وبإبطالهم النص على العباس يبطل النص على عليّ، لأن الكل لم يرد به نص صحيح صريح، وهناك فرق شيعية كثيرة تنازع الروافض في النص على الكثير ممن تدعي إمامته، حتى ينازعها في إمامها الثاني عشر عشرون فرقة، والكل يزعم بطلان نص الآخر. والنص في اللغة مأخوذ من المنصة وهي الظاهر على الفرس لظهوره، فأين ظهور النص، ولو كان لذلك أصل لظهر واشتهر ونقل وتداولته الألسنة وشاع بين الخاص والعام، فإن قالوا: فقد نص ولكنهم كتموه، قيل لهم: فقد نص على عمه العباس ولكنهم كتموه، وأيضًا فإذا أمكن أن يكتم مثل هذا ولا يظهر يسوغ لقائل أن يقول: إن النبي ﷺ كان له ابن ونص عليه وأن الصحابة حسدوه

стр. 681

وقتلوه، وما أشبه هذه الدواعي الفاسدة التي لا يصير إليها عاقل (١) . خامسًا: أنا رأينا أبا بكر حيث نص على عمر ما اختلف فيه اثنان، ولا وقع في ذلك خفاء، وكذلك حيث نص عمر على ستة أنفس من قريش ظهر ذلك عنهم ظهورًا لا يسع جحده، لا يمكن رده، ورسول الله ﷺ أفضل، ومبادرة الخلق إلى امتثال أمره أكثر، وتشوف النفوس إلى نقل ما صدر عنه أعظم، فمن المحال البين أن ينص أبو بكر على واحد ولا يقع خلاف فيمن استخلفه، ولا أمكن أحد أن يكتمه، وكذلك عمر، بل معاوية حيث نص على يزيد، اشتهر ذلك ونقل عنه اشتهارًا ظاهرًا متواترًا لا نزاع فيه ولا مراء، فكيف نقل نص معاوية، وكتم نص رسول الله ﷺ ، وما نقله أحد (٢) ، باعتراف الشيعة الذين يقرون بأن مسألة الولاية وأحاديثها سر من أسرارهم؟! سادسًا: كيف يقبل المهاجرون والأنصار والمسلمون جميعًا أمر أبي بكر في عمر حين استخلفه، ولم يختلف اثنان على إمامة عمر، ولا يقبلون أمر رسول الله ﷺ في علي، فهل صار المسلمون أطوع لأبي بكر من رسول الله ﷺ ؟! "كيف يحتمل عقل عاقل، أو يشتبه على بر أو فاجر - إلا من أراد الله فتنته - أن المهاجرين والأنصار وجميع التابعين لهم بإحسان علموا أن رسول الله ﷺ قد نص على علي بن أبي طالب، وأمرهم أن يوالوه فعصوه وتركوا أمر الرسول ﷺ ، وأمرهم أبو بكر أن يولوا عمر بن الخطاب فاتبعوه وأطاعوه، وأمرهم عمر بن الخطاب أن يولوا الستة فلم يخالفوه ولم يعصوه" (٣) . وكيف يتصور أن يقوم المسلمون بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغيرها من فرائض الإسلام ويتركون فريضة واحدة تحبط عملهم كله وهي بيعة علي،

стр. 682

وأي مصلحة لهم في مبايعة أبي بكر وترك مبايعة علي؟ (١) . سابعًا: لو كان النّصّ على عليّ صحيحًا لم يجز لعليّ ﵁ أن يدخل مع السّتّة الذي نصّ عليهم عمر، وكان يقول: أنا المنصوص عليّ فلا حاجة لي إلى الدّخول فيمن نصّ عليه عمر (٢) ، ولم يجز له أن يبايع أبا بكر وعمر وعثمان، ولا يجوز أن يظنّ بعليّ ﵁ أنّه أمسك عن ذكر النّصّ عليه خوف الموت، وهو الأسد شجاعة، وقد عرض نفسه للموت بين يدي رسول الله ﷺ مرّات، ثم يوم الجمل، وصفّين، فما الذي جبنه بين هاتين الحالتين؟ (٣) . وألجأه إلى التّقية. وإذا كان منصوصًا عليه بالإمامة، ومفوضًا إليه أمر الأمة بعد رسول الله ﷺ ، فقد قلد أمرًا يجب عليه القيام به، ومدافعة المبطل عنه بكل وجه، وإن أهمل ذلك وتركه من غير سبب، فقد خالف وحاشاه من ذلك، ولو كان مغلوبًا عليه فلا بد أن يجري سبب يوجب عذره من أخذ حقه سيما مع التفويض إليه. ورأينا عثمان بن عفان وهو أضعف عندكم من علي لم يسلمها إلى غير أهلها، ورضي بحكم الله وقضائه، ولم يضيع ما جعل إليه، ورأينا أبا بكر حيث ارتدت قبائل العرب، ومنعوا الزكاة لم يهمل أمر الأمة ولو أهمله لانهدم الإسلام، فقاتلهم ونصره الله عليهم.. وما كان في صحابة رسول الله ﷺ من يسكت عن حق رآه (٤) . فكيف ينسب هؤلاء الروافض إلى أمير المؤمنين علي الرضى بالباطل، والجبن والخوف عن المطالبة بحقه، حتى ارتد الناس كلهم بسبب تأخره عن إعلان حقه والدعوة إليه، ولم يبق منهم إلا النزر اليسير - كما يقولون - وهو أسد الله وأسد

стр. 683

رسوله؟! بل لم ينقل أنه دعا إلى نفسه، وجادل من أجل بيعته، فضلاً عن القتال، ولو وقع ذلك لاشتهر، وقد وقعت مناسبات مهمة، وأحداث خطيرة توجب إظهار النص كحادثة السقيفة، وحادثة الشورى، فلم يفعل شيئًا من ذلك (١) ، بل إنه دعا أصحابه إلى بيعته كما تقر الرافضة ولم يدّع نصًا (٢) . وقد ذكر شيخ الإسلام بأن من الطرق التي نعلم منها بالاضطرار أن النبي ﷺ لم يبلغ شيئًا من إمامة علي أن النبي ﷺ لما مات وطلب بعض الأنصار أن يكون منهم أمير، ومن المهاجرين أمير (٣) . فأنكروا ذلك عليه وقالوا: الإمارة لا تكون إلا في قريش (٤) . وروى الصحابة في متفرقة الأحاديث عن النبي ﷺ

стр. 684

أن الإمامة في قريش، ولم يرو واحد منهم لا في ذلك المجلس ولا غيره ما يدل على إمامة علي، وبايع المسلمون أبا بكر، وكان أكثر بني عبد مناف من بني أمية وبني هاشم وغيرهم لهم ميل قوي إلى علي بن أبي طالب يختارون ولايته، ولم يذكر أحد منهم هذا النص، وهكذا جرى الأمر في عهد عمر وعثمان، وفي عهده أيضًا لما صارت له ولاية لم يذكر هو ولا أحد من أهل بيته ولا من الصحابة المعروفين هذا النص. ولو كان للنص وجود ما حصل الاختلاف في عهده، إذ لم تتفق الأمة فيه لا عليه ولا على غيره. وقد جرى تحكيم الحكمين ومعه أكثر الناس فلم يكن في المسلمين من أصحابه فضلاً عن غيرهم من احتج في مثل هذا المقام الذي تتوفر فيه الهمم والدواعي على إظهاره، وقد احتجوا بقوله ﷺ : "تقتل عمارًا الفئة الباغية" (١) ، وهذا الحديث خبر واحد أو اثنين أو ثلاثة ونحوهم، وليس هذا متواترًا، والنص عند القائلين به متواتر، فيا لله العجب كيف ساغ عند الناس احتجاج شيعة علي بذلك الحديث، ولم يحتج أحد منهم بالنص (٢) .؟! أما دعوى النص على إمامة الاثني عشر، وأن الرسول ﷺ نص على ذلك فهي أعظم استحالة، وأوضح بطلانًا، وأظهر كذبًا، فلم ينقله إلا الاثنا عشرية، وسائر فرق الشيعة تكذبها وهم فرقة من نحو سبعين فرقة من طوائف الشيعة. والنصوص التي ينقلها الاثنا عشرية تعارضها نصوص القائلين بإمامة غير

стр. 685

الاثني عشر من فرق الشيعة البالغة الكثرة، فإن كل طائفة تدعي من النص غير ما تدعيه الاثنا عشرية. وهذه الدعوى لم تظهر إلا بعد موت النبي ﷺ بأكثر من مائتين وخمسين سنة، فهو من اختلاق متأخري الشيعة، ومن قبلهم يخالفهم في ذلك. وأهل السنة وعلماؤهم وهم أضعاف أضعاف الشيعة يعلمون أن هذا كذب على رسول الله ﷺ علمًا يقينًا لا يخالطه الريب، ويباهلون الشيعة على ذلك. والمنقول بالنقل المتواتر عن أهل البيت يكذب مثل هذا وأنهم لم يكونوا يدعون أنه منصوص عليهم بل يكذبون من يقول ذلك، فضلاً عن أن يثبتوا النص على اثني عشر (١) . ولو كان الأمر في الإمامة على ما يقول هؤلاء الروافض لَمَا كان الحسن ﵁ في سعة من أن يسلّمها إلى معاوية ﵁، فيعينه على الضّلال وعلى إبطال الحقّ وهدم الدّين، فيكون شريكه في كلّ مظلمة، ويبطل عهد رسول الله ﷺ ويوافقه على ذلك أخوه الحسين ﵄، فما نقض قطّ بيعة معاوية إلى أن مات، فكيف استحلّ الحسن والحسين ﵄ إبطال عهد رسول الله ﷺ إليهما طائعين غير مكرهين؟ مع أنّ الحسن معه أزيد من مائة ألف عنان يموتون دونه. فتالله لولا أن الحسن ﵁ علم أنه في سعة من إسلامهم إلى معاوية، وفي سعة من أن لا يسلمها لما جمع بين الأمرين، فأمسكها ستة أشهر لنفسه وهي سحقه، وسلمها بعد ذلك لغير ضرورة، وذلك له مباح؛ بل هو الأفضل بلا شك، لأن جده رسول الله ﷺ قد خطب بذلك على المنبر وقال: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين" رويناه من طريق البخاري (٢) .

стр. 686

هذا والبراهين المعلومة الضرورية في هذا الباب كثيرة، ويكفي بعضها لمعرفة الحق لمن تجرد عن الهوى والتعصب.

стр. 687

حكم من أنكر إمامة أحد الاثنى عشر: الإمامة صنو النبوة أو أعظم، وهي أصل الدين وقاعدته الأساسية عندهم.. لهذا جاء حكم الشيعة الاثني عشرية على من أنكر إمامة واحد من أئمتهم الاثني عشر مكملاً لهذا الغلو، حيث حكموا عليه بالكفر والخلود في النار. قال ابن بابويه: "واعتقادنا فمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمّة من بعده أنّه بمنزلة من جحد نبوّة الأنبياء". واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثم أنكر نبوة محمد ﷺ (١) . فهذا النص يقتضي أن الاثني عشرية تكفر كل فرق المسلمين حتى فرق الشيعة التي وجدت على مدار التاريخ، مع أنها تتلقى عنهم دينها، لأن رواتهم من رجالها. وقال شيخهم الطّوسي: "ودفع الإمامة كفر، كما أنّ دفع النّبوّة كفر، لأنّ الجهل بهما على حدّ واحد" (٢) . وهذا فيما يبدو لم يقنع ابن المطهّر الحلّي فرأى أن إنكار إمامة الاثني عشر أعظم من إنكار النبوة، فقال: "الإمامة لطف عامّ، والنّبوّة لطف خاصّ لإمكان خلو الزّمان من نبيّ حيّ بخلاف الإمام، وإنكار اللّطف العامّ شرّ من إنكار اللّطف

стр. 688

الخاصّ" (١) . فهو يجعل من لم يؤمن بأئمتهم أشد كفرًا من اليهود والنصارى، وقد بنى ذلك على أن الزمان لا يخلو من إمام، وهو إشارة إلى عقيدتهم بالإيمان بوجود إمامهم المنتظر الغائب، والذي أنكره طوائف من الشيعة، وقرر المحققون من علماء النسب والتاريخ أنه لم يولد أصلاً - كما سيأتي - ولكن شيخ الشيعة يرى أن إنكاره أعظم الكفر. وينقل شيخهم المفيد اتفاقهم على هذا المذهب في تكفير أمة الإسلام فيقول: "اتّفقت الإماميّة على أنّ من أنكر إمامة أحد من الأئمّة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطّاعة فهو كافر ضالّ مُستحقّ للخلود في النّار" (٢) . وبلغ الأمر بشيخهم نعمة الله الجزائري أن يعلن انفصال الشيعة عن المسلمين بسبب قضية الإمامة فيقول: "لم نجتمع معهم على إله ولا نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد ﷺ نبيه، وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفته نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا" (٣) . وبعد هذا التكفير العام، خصصوا باللعن والحكم بالردة جميع فئات المسلمين ما عدا الاثني عشرية فتناول تكفيرهم: ١- الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم خير هذه الأمة بعد خاتم الأنبياء أبو بكر وعمر ﵄. ٢- أهل البيت. ٣- خلفاء المسلمين وحكوماتهم. ٤- الأمصار الإسلامية وأهلها.

стр. 689

٥- قضاة المسلمين. ٦- أئمة المسلمين وعلمائهم. ٧- الفرق الإسلامية. ٨- الأمة. وسأذكر عقيدتهم في هذه الفئات تفصيلاً فيما يلي: ١- الصحابة رضوان الله عليهم: كتب الشيعة مليئة باللعن والتفكير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه، من المهاجرين والأنصار، وأهل بدر، وبيعة الرضوان، وسائر الصحابة أجمعين، ولا تستثني منهم إلا النزر اليسير الذي لا يبلغ عدد أصابع اليد، وأصبحت هذه المسألة بعد ظهور كتبهم وانتشارها من الأمور التي لا تحجب بالتقية. وإ كانت من قبل قد تخفى على بعض أئمة الإسلام. فقد جاء في شرح مسلم للنووي بأن الإمامية يقولون بأن الصحابة مخطئون في تقديم غير علي لا كفار (١) . ولكن من أهل العلم وأصحاب المقالات من اطلع على هذا الأمر عند الإمامية، قال القاضي عبد الجبار: "وأما الإمامية فقد ذهبت إلى أن الطريق إلى إمامة الاثني عشر النص الجلي، الذي يكفر من أنكره، ويجب تكفيره، فكفروا لذلك صحابة النبي ﵇" (٢) . وقريب من هذا المعنى قال عبد القاهر البغدادي (٣) ، وابن تيمية (٤) . وغيرهما (٥) .

стр. 690

ولكن العدد الذي تستثنيه الرافضة من حكمها العام بالتكفير لم أجد من أشار إليه بما يتفق مع ما جاء في كتب الاثني عشرية، فيقول عبد القاهر البغدادي: "وأما الإمامية فقد زعم أكثرهم (١) . أن الصحابة ارتدت بعد النبي ﷺ سوى علي وابنيه ومقدار ثلاثة عشر منهم". ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الرافضة تقول: إن المهاجرين والأنصار كتموا النص، فكفروا إلا نفرًا قليلاً.. إما بضعة عشر أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما مازالا منافقين. وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا" (٢) . وستجد أن العدد الذي تستثنيه الاثني عشرية أقل مما يذكرون. هذا ما جاء في كتب أهل السنة وغيرهم حول مذهب الشيعة في الصحابة، وسنرى فيما يلي ماذا تقول الشيعة من خلال مصادرها المعتمدة عندها. تقول كتب الاثني عشرية: إن الصحابة بسبب توليتهم لأبي بكر قد ارتدوا إلا ثلاثة، وتزيد بعض رواياتهم ثلاثة أو أربعة آخرين رجعوا إلى إمامة علي، ليصبح المجموع سبعة، ولا يزيدون على ذلك. ولقد تداولت الشيعة أنباء هذه "الأسطورة" في المعتمد من كتبها، فسجلوا ذلك في أول كتاب ظهر لهم وهو كتاب سليم بن قيس (٣) ، ثم تتابعت كتبهم في تقرير ذلك وإشاعته وعلى رأسها الكافي (٤) . أوثق كتبهم الأربعة، ورجال الكشي (٥) . عمدتهم في كتب الرجال، وغيرها من مصادرهم كتفسير العياشي (٦) ،

стр. 691

والبرهان (١) ، والصافي (٢) ، وتفسير نور الثقلين (٣) ، والاختصاص (٤) ، والسرائر (٥) ، وبحار الأنوار (٦) . وليست هذه مجرد آراء لبعض شيوخهم، ولكنها روايات عن معصوميهم تحمل صفة "العصمة" والقدسية عندهم. أما السب لذلك الجيل القرآن الفريد، على ألسنة شيوخهم فهو قد سود معظم كتبهم. ولو ذهبت أسرد للقارئ ما رأيت من هذا الغثاء لبلغ مجلدات، وسأكتفي بذكر بعض النصوص التي فيها التصريح بالتكفير؛ إذ هو يكشف ويغني عما دونه من سب وطعن. روى ثقتهم الكليني في الكافي: "عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر ﵇: جعلت فداك، ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ فقال: ألا أحدّثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة" (٧) (٨) . فالتكفير - كما ترى - يتناول أفضل صحابة رسول الله وهم المهاجرون

стр. 692

والأنصار، ويبين أن الشيعة في عصر أبي جعفر لا يرون أحدًا من المسلمين على الإسلام إلا قلة شاذة تقول برأيهم، وهي لا تشكل بالنسبة إلى مجموع المسلمين شيئًا، حتى إنها لو اجتمعت على أكل شاة لما أتت عليها، وقد شكوا ذلك إلى إمامهم، فقال لهم معزيًا بأن الشيعة الأوائل كانوا لا يتجاوزون الثلاثة والباقي في حكم المرتدين. وهذا النص قد يبين أن الرافضة إلى عهد أبي جعفر محمد الباقر، كانوا قلة شاذة بالنسبة للمسلمين، وأن دعوتهم لم تجد القبول، ولم تحظ بالانتشار، وكانت تعيش في سراديب التقية والكتمان، ويعزي رؤساؤها أتباعهم بما يفترونه على أهل البيت من أمثال هذه المفتريات. ولم تكشف رواية الكافي أسماء الثلاثة الذين سلموا من الردة، حيث قالوا بمذهب الرافضة، لكن مذهب الرفض لم يظهر أصله إلا بعد مقتل عثمان، فهؤلاء ليسوا بصحابة، ولا يبعد أن يكون هؤلاء من السبئيين الذين بدأ النشاط الرافضي على أكتافهم، ولا يستبعد أن هؤلاء السبئيين يتخذون أسماء "مستعارة" وقد تكون أسماء صحابة لهم مكانتهم. وهذا ما جاء في رجال الكشي ".. عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر ﵇ قال: كان الناس أهل الردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ثم عرف الناس بعد يسير، وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا لأبي بكر حتى جاءوا بأمير المؤمنين مكرهًا فبايع" (١) . فهذا النص بالإضافة إلى تكفيره لصحابة رسول الله ﷺ ، قد يشير إلى الخلية الأولى لمذهب الرفض وأنها تتقنع بهذه الأسماء المستعارة. وحتى هؤلاء الثلاثة

стр. 693

الذين تستثنيهم أخبار الشيعة، لم يسلموا من شك في "معرفة" الإمام التي هي أصل الإيمان باستثناء واحد منهم، ولذلك حينما قال أبو جعفر: ارتد الناس إلا ثلاثة، أردف قائلاً: «إن أردت الذي لم يشك، ولم يدخله شيء فالمقداد. فأما سلمان فإنه عرض في قلبه عارض أن عند أمير المؤمنين ﵇ اسم الله الأعظم لو تكلم به لأخذتهم الأرض، وهو هكذا، فلبب (١) . ووجئت (٢) . عنقه حتى تركت كالسلقة (٣) ، فمر به أمير المؤمنين ﵇ فقال له: يا أبا عبد الله، هذا من ذاك، بايع، فبايع. وأما أبو ذر فأمر أمير المؤمنين ﵇ بالسكوت، ولم يأخذه في الله لومة لائم، فأبى إلا أن يتكلم فمر به عثمان فأمر به" (٤) . - كذا -. وهؤلاء الثلاثة الذين نجوا من الردة، لم يسلموا أيضًا من قدح الشيعة وعيبهم، فتذكر أخبارهم بأن العلاقة بين هؤلاء الثلاثة طيبة في الظاهر، ولكن لو علم كل واحد منهم بما في قلب الآخر لقتله، أو ترحم على قاتله؛ لأن كلاً منهم أجنبي في باطنه واعتقاده عن صاحبه، ففي رجال الكشي "قال أمير المؤمنين: يا أبا ذر، إن سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان" (٥) . وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : يا سلمان، لو عرض علمك على مقداد لكفر، يا مقداد لو عرض علمك على سلمان لكفر (٦) . ولذلك فإن التعامل قائم بينهم (وهم خلص الشيعة في زعم الروافض) على أساس التقية والكتمان، "فعن جعفر عن أبيه ﵁ قال: ذكرت التقية يومًا

стр. 694

عند علي ﵇ فقال: إن عَلِمَ أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، وقد آخر رسول الله ﷺ بينهما فما ظنك بساير الخلق" (١) . وهذه النصوص تنطبق على أهل البدعة والكفر؛ لأنك ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ويبرأ منها صحابة رسول الله ﷺ . لكن هذه النصوص يؤخذ منها تكفير الشيعة لصحابة رسول الله ﷺ ، كما يؤخذ منها أيضًا الصورة غير المنظورة في الظاهر لأهل الرفض؛ حيث قتلهم وتناكر قلوبهم، وإضمار السوء لبعضهم، واعتقادهم بأنه ليس على الإيمان سواهم، وهذه خصائص الرعيل الأول عندهم فما ظنك بسائرهم؟ وتقول نصوص الشيعة: إن هؤلاء الثلاثة قد لحق بهم أربعة آخرون، ليصل عدد المؤمنين (أو قل: الروافض) في عصر الصحابة إلى سبعة، ولكنهم لم يتجاوزوا هذا العدد. وهذا ما تتحدث عنه أخبارهم حيث تقول: "عن الحارث بن المغيرة النصري، قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله ﵁ فلم يزل يسأله حتى قال له: فهلك الناس إذًا (٢) .؟ فقال: إي والله يا ابن أعين هلك الناس أجمعون، قلت: من في الشرق ومن في الغرب؟ قال: فقال: إنها فتحت على الضلال إي والله هلكوا إلا ثلاثة. ثم لحق أبو ساسان (٣) ، وعمار (٤) ، وشتيرة (٥) ،

стр. 695

وأبو عمرة (١) . وصاروا سبعة" (٢) . وتؤكد جملة من نصوصهم على أن العدد لم يزد على ذلك. قال أبو جعفر: "وكانوا سبعة، فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين ﵇ إلا هؤلاء السبعة" (٣) . وكان أبو عبد الله يقسم على ذلك فيقول: "فوالله ما وفى بها إلا سبعة نفر" (٤) . وتتفاوت أخبارهم وتختلف في تعيين بعض هؤلاء السبعة (٥) ، فيما يبدو أنه اختلاف بين الفرق الشيعية في تعيين آحادهم، وكل يضع من جهته، أو لأن من طبيعة الكذب الاختلاف والتناقض. وإن كان يحتمل - كما قلت - أن الرافضة تكفر الصحابة كلهم، وأن هؤلاء السبعة رموز على "الخلية الأولى للرفض" لأن صفاتهم، وعلاقاتهم، ومذهبهم ليست من الصحابة في شيء.

стр. 696

والرافضة تؤول أحيانًا (١) . آيات الإيمان والثناء على الصحابة بهذا العدد اليسير الذي تستثنيه من الأصل العام في التكفير، ففي تفسير القمي في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢) . قال: "فإنها نزلت في أمير المؤمنين ﵇، وأبي ذر وسلمان والمقداد" (٣) . وفاتهم أن الشيعة إنما تثني على هؤلاء الثلاثة، وتدخلهم في عداد المؤمنين، لا لهذه الأوصاف المذكورة في الآية ولكن لأنهم آمنوا بإمامة علي، وكفروا بإمامة أبي بكر، وهذا الأصل الذي تزن به الشيعة من خالفها ليس له ذكر في هذه الآية التي جعلوها نصًا في إيمان الثلاثة، وكذلك الشأن في آيات القرآن كلها فهي رد عليهم لا حجة لهم. وجعلوا آيات الكفر والكافرين والشرك والمشركين في سائر الصحابة أجمعين، كما نجد ذلك في عدد من أبواب الكافي وبحار الأنوار (٤) . ومع هذا الحكم العام في التكفير لأصحاب محمد بن عبد الله ﷺ ، وأنصاره وأحبابه، وأصفيائه، فإنهم يخصون، كبار الصحابة رضوان الله عليهم بمزيد من الطعن والتكفير، ولهم في ذلك أقوال ونصوص تقشعر من سماعها جلود المؤمنين. فهم يخصون الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان، وزراء رسول الله وأصهاره بالنصيب الأوفى من التكفير، وقد عقد شيخهم المجلسي في كتابه البحار - الذي عده بعض شيوخهم المعاصرين المرجع الوحيد في تحقيق معارف

стр. 697

المذهب - (١) . - بابًا بعنوان "باب كفر الثّلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم" (٢) . وعقد شيخهم الآخر البحراني عدة أبواب في هذا الموضوع منها: "الباب ٩٧: اللّذان تقدّما على أمير المؤمنين عليهما مثل ذنوب أمّة محمّد إلى يوم القيامة (٣) . والباب ٩٨ أن إبليس أرفع مكانًا في النار من عمر، وأن إبليس شرف عليه في النار» (٤) . وجاءت رواياتهم مغرقة في هذا الكفر تضرب في كل اتجاه فيه، فهي مرة لا تكفر الشيخين فحسب؛ بل ترى أن من أعظم الكفر الحكم بإسلامهما حتى روى صاحب الكافي: "ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: من ادّعى إمامة من الله ليست له (٥) ، ومن جحد إمامًا من الله (٦) ، ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيبًا" (٧) ، وحينًا تنعتهم بأنّهم الجبت والطّاغوت (٨) ، وتارة تصبّ عليهم اللّعنات ولا سيّما في أدعية الزّيارات (٩) ، و"أذكار" ما بعد الصّلوات حيث يستبدلونها باللّعن على الشّيخين وسائر المسلمين (١٠) . وقد نقل بعض من كتب عن الشيعة في هذا العصر شيئًا من سوآت الشيعة وعواتها في تكفير صديق الأمة وفاروقها (١١) ، ولكن الذي يمكن أن أضيفه هنا،

стр. 698

أن ما كتبه شيوخ الشّيعة في ظل الدّولة الصّفويّة كان فيه التّكفير لأفضل أصحاب محمّد ﷺ صريحًا ومكشوفًا، وما كتبه أوائل الشّيعة في عصر الكليني وما بعده كان بلغة الرّمز والإشارة، وقد كشف أقنعة هذه الرموز شيوخ الشيعة المتأخرون حينما ارتفعت التقية إلى حد ما وظهرت الاثنا عشرية على حقيقتها. فمن مصطلحاتهم الخاصة: تسمية الشيخين بالفصيل ورمع، وذلك لأنهم لا يجرؤون على التصريح بالاسم في إبان قوة دولة الإسلام. جاء في تفسير العيّاشي: ".. قلت (الراوي يقول لإمامهم) : ومن أعداء الله أصلحك الله؟ قال: الأوثان الأربعة، قال: قلت: من هم؟ قال: أبو الفصيل، ورمع، ونعثل، ومعاوية، ومن دان دينهم، فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله" (١) . قال شيخهم المجلسي في بيانه لهذه المصطلحات: "أبو الفصيل أبو بكر؛ لأنّ الفصيل والبكر متقاربان في المعنى، ورمع مقلوب عمر، ونعثل هو عثمان" (٢) . وعند قوله سبحانه: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ (٣) . روى العياشي عن أبي بصير عن جعفر بن محمد ﵇ قال: "يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب، بابها الأول للظالم وهو زريق، وبابها الثاني لحبتر، والباب الثالث للثالث، والرابع لمعاوية، والباب الخامس لعبد الملك، والباب السادس لعسكر بن هوسر، والباب السابع لأبي سلامة، فهم أبواب لمن اتبعهم" (٤) . قال المجلسي في تفسير هذا النص: "زريق كناية عن الأول؛ لأن العرب تتشام بزرقة العين، والحبتر هو الثعلب، ولعله إنما كنى عنه لحيلته ومكره، وفي غيره من الأخبار وقع بالعكس وهو أظهر؛ إذ الحبتر بالأول أنسب ويمكن أن

стр. 699

يكون هنا أيضًا المراد ذلك، إنما قدم الثاني لأنه أشقى وأفظ وأغلظ، وعسكر بن هوسر كناية عن بعض خلفاء بني أمية أو بني العباس، وكذا أبي سلامة كناية عن أبي جعفر الدوانيقي، ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وساير أهل الجمل؛ إذ كان اسم جمل عائشة عسكرًا وروي أنه كان شيطانًا" (١) . كما يردّ في كثير من نصوصهم الإشارة إلى هذين العظيمين بلقب "فلان وفلان"، كما في روايتهم التي تقول: عن أبي عبد الله في قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٢) . قال: وخطوات الشّيطان والله ولاية فلان وفلان (٣) . وفي قوله سبحانه: ﴿..أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ قالوا: فلان وفلان ﴿فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ يعني نعثل ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ طلحة والزبير ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ (٤) . معاوية.. (٥) . قال المجلسي: المراد بفلان وفلان أبو بكر وعمر، ونعثل هو عثمان (٦) . ومن مصطلحاتهم أيضًا للرمز للشيخين ما جاء في تأويلهم سورة الليل وفيها ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ هو قيام القائم ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ حبتر ودلام غشيًا عليه الحق (٧) . قال شيخ الدولة الصفوية - في زمنه - (المجلسي) : حبتر ودلام: أبو بكر وعمر (٨) .

стр. 700

وتجد بعض النصوص التي فيها الرمز للشيخين في كتب أوائلهم، ولكن حينما ينقلها عنهم بعض شيوخ الدولة الصفوية يستبدل الرمز بالاسم الصريح (١) . كما تطاولوا بالسب والتكفير، وعلى سبيل التعيين على كثير من صحابة رسول الله ﷺ ، ويختارون منهم أعيانهم وخيارهم، فكما طعنوا وكفروا الخلفاء الثلاثة، فكذلك يفعلون في آخرين من فضلاء الصحابة وعظمائهم كعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة، جاء في تفسير القمي والصافي: "عن الصادق: لما أقام رسول الله ﷺ يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين وهم: أبو بكر، وعمر (٢) ، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمغيرة بن شعبة. قال عمر (٣) .: أما ترون عينه كأنما عين مجنون يعني النبي، الساعة يقوم ويقول: قال لي ربي (٤) . فلما قام قال: أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله. قال: اللهم فاشهد، ثم قال: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، وسلموا عليه بإمرة أمير المؤمنين فنزل جبرائيل وأعلم رسول الله (٥) .

стр. 701

بمقالة القوم فدعاهم وسألهم فأنكروا وحلفوا فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ " (١) . ومثل هؤلاء أيضًا يتناولون آخرين من فضلاء الصحابة ونقلة الشريعة كأبي هريرة (٢) ، وأنس بن مالك (٣) ، والبراء بن عازب (٤) ، وطلحة والزبير بن العوام (٥) . وغيرهم. أما كلام شيوخهم في هؤلاء العظماء فقد سود الصفحات، فإنه لا يخلو مصنف من مصنفاتهم في مسألة الإمامة ونحوها إلا وفيه من التكفير والسب واللعن ما لا يخطر ببال مسلم، لأنهم لا يرونهم على الإسلام أصلاً، وفضلاً عن ذلك فإنهم يرونهم من ألد أعدائهم، ومن الظالمين لهم، لأنهم بايعوا أباب بكر وعمر وعثمان وكانوا في عهدهم على كلمة سواء، وكانوا بنعمة الله إخوانًا فأقاموا دولة الإسلام، وفتحوا البلاد ونشروا الإسلام بين العباد، وأطفأوا نار المجوسية، وحطموا طاغوت الوثنية، وأخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وخالقهم، فأوغروا بذلك صدور الزنادقة الحاقدين من أصحاب تلك البلاد المفتوحة، وأتباع تلك الديانات الموضوعة، فكان من كيدهم الدخول لإفساد أمر هذه الأمة من طريق التشيع، وكان من الطبيعي أن تكون مسألة الإمامة هي هدفهم، وشغلهم الشاغل، فكان من أمرهم ما كان، ثم أصبح كيدهم وخلاصة مكرهم عقيدة لهؤلاء الشيع

стр. 702

كفروا بها الحاكم والمحكوم. قال ابن بابويه في الاعتقادات: "فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون" (١) . فهذا تكفير للحاكم والمحكوم في مختلف العصور (ما عدا حكم علي والحسن) وحينما سئل شيخهم المفيد الملقب عندهم بركن الإسلام وآية الله الملك العلام عما ورد عن أمير المؤمنين علي ﵁ أنه قال: لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. فأجاب: عليه من الله ما يستحق "إن الوجه فيه أن المفاضل بينه وبين الرجلين إنما وجب عليه حد المفتري، لأن المفاضلة لا تكون إلا بين متقاربين في الفضل، وكان الرجلان بجحدهما النص قد خرجا عن الإيمان بطل أن يكون لهما فضل في الإسلام فكيف يحصل لهما من الفضل ما يقارب فضل أمير المؤمنين؟ ومتى فضل إنسان أمير المؤمنين عليهما فقد افترى بالتفضيل لأمير المؤمنين عليهما، من حيث كذب في إثبات فضل لهم في الدين، وجرى في هذا الباب مجرى من فضل المسلم البر التقي على الكافر المرتد، ومجرى من فضل جبرائيل على إبليس، ورسوله الله على أبي جهل بن هشام" (٢) . فانظر كيف عدّ أفضل الأمة بعد نبيها بمنزلة إبليس وأبي جهل. وهذا موضع إجماع طائفته حيث يقول: "فقد حصل الإجماع على كفره (يعني عمر) بعد إظهاره الإيمان" (٣) . وقال شيخهم المجلسي: "وممّا عدّ من ضروريّات دين الإماميّة (٤) . استحلال

стр. 703

المتعة، وحجّ التّمتّع، والبراءة من أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية" (١) . ومن لم يبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان فهو عدو وإن أحب عليًا (٢) . ولذلك يتعبّدون الله سبحانه بعد كلّ صلاة بلعن الخلفاء الثّلاثة وغيرهم من فضلاء الصّحابة، وبعض أمّهات المؤمنين رضوان الله عليهم أجمعين. وعقد لذلك الحرّ العاملي بابًا بعنوان: "باب استحباب لعن أعداء الدّين عقيب الصّلاة بأسمائهم"، وذكر فيه ما روى الكليني عن ابن ثوير والسّراج قالا: سمعنا أبا عبد الله ﵁ وهو يلعن في دبر كلّ مكتوبة أربعة من الرّجال وأربعًا من النّساء، فلانًا وفلانًا وفلانًا (الخلفاء الثّلاثة) ويسمّيهم ومعاوية، وفلانة وفلانة (عائشة، وحفصة ﵄ وهندًا وأمّ الحكم أخت معاوية (٣) . وفي مستدرك الوسائل لشيخهم النّوري الطّبرسي عقد بابًا بعنوان: "باب استحباب لعن أعداء الدّين عُقيب الصّلاة بأسمائهم" (٤) . وساق فيه جملة من رواياتهم ومنها: "عن أبي عبد الله أنّه قال: إنّ من حقّنا على أوليائنا وأشياعنا أن لا ينصرف الرّجل فيهم حتى يدعو بهذا الدّعاء: اللهمّ.. ضاعف لعنتك وبأسك ونكالك وعذابك على اللّذين كفرا نعمتك، وخوّفا رسولك.. وحلا عقده في وصيه، ونبذا عهده في خليفته من بعده، وادعيا مقامه، وغيّرا أحكامه، وبدّلا سنّته، وقلبا دينه، وصغّرا قدر حجّتك وحججك، وبدءا بظلمهم، وطرقا طريق الغدر عليهم، والخلاف عن أمرهم، والقتل لهم.. ومنعا خليفتك من سدّ الثّلم، وتقويم العوج، وإمضاء الأحكام، وإظهار دين الإسلام، وإقامة حدود القرآن، اللهمّ العنهما، وابنتيهما، وكلّ من مال ميلهم، وحذا حذوهم، وسلك طريقتهم وتصدّر ببدعتهم لعنًا لا يخطر على البال، ويستعيذ منه أهل النّار، العن اللهمّ من دان بقولهم،

стр. 704

واتّبع أمرهم، ودعا إلى ولايتهم، وشكّ في كفرهم من الأوّلين والآخرين" (١) . فانظر كيف لعنوا في هذه "الكلمات المظلمة" المسلمين جميعًا من الأوّلين والآخرين، وخصّوا بمزيد من اللّعن والتّكفير من أقاما دولة الإسلام بعد رسول الله ﷺ ، ونشرا دين الله في العالمين، وعدوهما وجميع من ابتعهما (أي جميع المسلمين) من أعداء الدين، فأي دين يعتقده هؤلاء الذين يعدون صحابة رسول الله ومن اتبعهم بإحسان هم أعداء للدين؟ فليكن أي دين ونحلة إلا دين الإسلام، إن هذه "اللعنات" تؤكد أن واضعها من أتباع تلك الديانات التي قضى عليها الإسلام بقيادة أبي بكر وعمر وإخوانهما رضوان الله عليهم جميعًا. وفي مزاراتهم يجري أيضًا - بواسطة الأدعية التي وضعها لأولئك الأتباع زنادقة العصور البائدة - غرس الأحقاد وبثّ الضّغائن، وتأجيج العداوة في لعنات متتالية ومتتابعة على خير القرون، ففي زيارة فاطمة - مثلاً - يلعنون أبا بكر وبقيّة الصّحابة رضوان الله عليهم في دعاء يقولون فيه: "السّلام عليك يا فاطمة يا سيّدة نساء العالمين، لعن الله مانعك إرثك، ودافعك عن حقّك، والرّادّ عليك قولك، لعن الله أشياعهم وأتباعهم وألحقهم بدرك الجحيم" (٢) . وتلاحظ أن واضع هذا الدعاء يقصد فيه لعن صديق هذه الأمة ثم يلحق فيه كل من شايعه، فيدخل فيهم أمير المؤمنين علي، لأنه من شيعة أبي بكر وأعوانه ووزرائه. ولا تخفى هذه الحقيقة على واضع هذا الدعاء، ولكنه عدو للجميع ويتستر بالتشيع لأن العقل الشيعي في غيبوبة بفعل العواطف المشحونة - زورًا - بظلم آل البيت وقهرهم وضياع حقهم، وصراعهم مع أعدائهم وهم صحابة رسول الله ﷺ . وقد حشدوا في ذلك ركامًا هائلاً من الأساطير لا تبقى في قلب من يؤمن

стр. 705

بها إلا الحقد، والتعطش لسفك الدماء، والرغبة في الانتقام (١) . وواقعهم يشهد بذلك. مثالب الصحابة (المزعومة) : ومع اللعن والتكفير لخير القرون، فإن الشيعة ملأت الصفحات فيما يسمونه بمثالب الصحابة ومعايبهم (٢) ، وانشغل بعض أهل السنة في الرد عليهم (٣) ، والحقيقة المهمة في هذا الموضوع أن إثارة الشيعة لهذه القضايا هو في حقيقة أمره تستر على السبب الحقيقي من موقفهم من الصحابة، ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم لو كانوا في عصمة من كل خطأ، وفي حرز من كل ذنب، لما رضي عنهم الإمامية، لأن ذنب الصحابة عند هؤلاء هو بيعتهم لأبي بكر دون علي، وكل ذنب يغتفر إلا هذا الأمر، كما أن من جاء بقراب الأرض خطايا ومعه "جواز الولاية" فقد نجا.
следующие страницы →