← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بمقالة القوم فدعاهم وسألهم فأنكروا وحلفوا فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ " (١) . ومثل هؤلاء أيضًا يتناولون آخرين من فضلاء الصحابة ونقلة الشريعة كأبي هريرة (٢) ، وأنس بن مالك (٣) ، والبراء بن عازب (٤) ، وطلحة والزبير بن العوام (٥) . وغيرهم. أما كلام شيوخهم في هؤلاء العظماء فقد سود الصفحات، فإنه لا يخلو مصنف من مصنفاتهم في مسألة الإمامة ونحوها إلا وفيه من التكفير والسب واللعن ما لا يخطر ببال مسلم، لأنهم لا يرونهم على الإسلام أصلاً، وفضلاً عن ذلك فإنهم يرونهم من ألد أعدائهم، ومن الظالمين لهم، لأنهم بايعوا أباب بكر وعمر وعثمان وكانوا في عهدهم على كلمة سواء، وكانوا بنعمة الله إخوانًا فأقاموا دولة الإسلام، وفتحوا البلاد ونشروا الإسلام بين العباد، وأطفأوا نار المجوسية، وحطموا طاغوت الوثنية، وأخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وخالقهم، فأوغروا بذلك صدور الزنادقة الحاقدين من أصحاب تلك البلاد المفتوحة، وأتباع تلك الديانات الموضوعة، فكان من كيدهم الدخول لإفساد أمر هذه الأمة من طريق التشيع، وكان من الطبيعي أن تكون مسألة الإمامة هي هدفهم، وشغلهم الشاغل، فكان من أمرهم ما كان، ثم أصبح كيدهم وخلاصة مكرهم عقيدة لهؤلاء الشيع

стр. 702

كفروا بها الحاكم والمحكوم. قال ابن بابويه في الاعتقادات: "فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون" (١) . فهذا تكفير للحاكم والمحكوم في مختلف العصور (ما عدا حكم علي والحسن) وحينما سئل شيخهم المفيد الملقب عندهم بركن الإسلام وآية الله الملك العلام عما ورد عن أمير المؤمنين علي ﵁ أنه قال: لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. فأجاب: عليه من الله ما يستحق "إن الوجه فيه أن المفاضل بينه وبين الرجلين إنما وجب عليه حد المفتري، لأن المفاضلة لا تكون إلا بين متقاربين في الفضل، وكان الرجلان بجحدهما النص قد خرجا عن الإيمان بطل أن يكون لهما فضل في الإسلام فكيف يحصل لهما من الفضل ما يقارب فضل أمير المؤمنين؟ ومتى فضل إنسان أمير المؤمنين عليهما فقد افترى بالتفضيل لأمير المؤمنين عليهما، من حيث كذب في إثبات فضل لهم في الدين، وجرى في هذا الباب مجرى من فضل المسلم البر التقي على الكافر المرتد، ومجرى من فضل جبرائيل على إبليس، ورسوله الله على أبي جهل بن هشام" (٢) . فانظر كيف عدّ أفضل الأمة بعد نبيها بمنزلة إبليس وأبي جهل. وهذا موضع إجماع طائفته حيث يقول: "فقد حصل الإجماع على كفره (يعني عمر) بعد إظهاره الإيمان" (٣) . وقال شيخهم المجلسي: "وممّا عدّ من ضروريّات دين الإماميّة (٤) . استحلال

стр. 703

المتعة، وحجّ التّمتّع، والبراءة من أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية" (١) . ومن لم يبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان فهو عدو وإن أحب عليًا (٢) . ولذلك يتعبّدون الله سبحانه بعد كلّ صلاة بلعن الخلفاء الثّلاثة وغيرهم من فضلاء الصّحابة، وبعض أمّهات المؤمنين رضوان الله عليهم أجمعين. وعقد لذلك الحرّ العاملي بابًا بعنوان: "باب استحباب لعن أعداء الدّين عقيب الصّلاة بأسمائهم"، وذكر فيه ما روى الكليني عن ابن ثوير والسّراج قالا: سمعنا أبا عبد الله ﵁ وهو يلعن في دبر كلّ مكتوبة أربعة من الرّجال وأربعًا من النّساء، فلانًا وفلانًا وفلانًا (الخلفاء الثّلاثة) ويسمّيهم ومعاوية، وفلانة وفلانة (عائشة، وحفصة ﵄ وهندًا وأمّ الحكم أخت معاوية (٣) . وفي مستدرك الوسائل لشيخهم النّوري الطّبرسي عقد بابًا بعنوان: "باب استحباب لعن أعداء الدّين عُقيب الصّلاة بأسمائهم" (٤) . وساق فيه جملة من رواياتهم ومنها: "عن أبي عبد الله أنّه قال: إنّ من حقّنا على أوليائنا وأشياعنا أن لا ينصرف الرّجل فيهم حتى يدعو بهذا الدّعاء: اللهمّ.. ضاعف لعنتك وبأسك ونكالك وعذابك على اللّذين كفرا نعمتك، وخوّفا رسولك.. وحلا عقده في وصيه، ونبذا عهده في خليفته من بعده، وادعيا مقامه، وغيّرا أحكامه، وبدّلا سنّته، وقلبا دينه، وصغّرا قدر حجّتك وحججك، وبدءا بظلمهم، وطرقا طريق الغدر عليهم، والخلاف عن أمرهم، والقتل لهم.. ومنعا خليفتك من سدّ الثّلم، وتقويم العوج، وإمضاء الأحكام، وإظهار دين الإسلام، وإقامة حدود القرآن، اللهمّ العنهما، وابنتيهما، وكلّ من مال ميلهم، وحذا حذوهم، وسلك طريقتهم وتصدّر ببدعتهم لعنًا لا يخطر على البال، ويستعيذ منه أهل النّار، العن اللهمّ من دان بقولهم،

стр. 704

واتّبع أمرهم، ودعا إلى ولايتهم، وشكّ في كفرهم من الأوّلين والآخرين" (١) . فانظر كيف لعنوا في هذه "الكلمات المظلمة" المسلمين جميعًا من الأوّلين والآخرين، وخصّوا بمزيد من اللّعن والتّكفير من أقاما دولة الإسلام بعد رسول الله ﷺ ، ونشرا دين الله في العالمين، وعدوهما وجميع من ابتعهما (أي جميع المسلمين) من أعداء الدين، فأي دين يعتقده هؤلاء الذين يعدون صحابة رسول الله ومن اتبعهم بإحسان هم أعداء للدين؟ فليكن أي دين ونحلة إلا دين الإسلام، إن هذه "اللعنات" تؤكد أن واضعها من أتباع تلك الديانات التي قضى عليها الإسلام بقيادة أبي بكر وعمر وإخوانهما رضوان الله عليهم جميعًا. وفي مزاراتهم يجري أيضًا - بواسطة الأدعية التي وضعها لأولئك الأتباع زنادقة العصور البائدة - غرس الأحقاد وبثّ الضّغائن، وتأجيج العداوة في لعنات متتالية ومتتابعة على خير القرون، ففي زيارة فاطمة - مثلاً - يلعنون أبا بكر وبقيّة الصّحابة رضوان الله عليهم في دعاء يقولون فيه: "السّلام عليك يا فاطمة يا سيّدة نساء العالمين، لعن الله مانعك إرثك، ودافعك عن حقّك، والرّادّ عليك قولك، لعن الله أشياعهم وأتباعهم وألحقهم بدرك الجحيم" (٢) . وتلاحظ أن واضع هذا الدعاء يقصد فيه لعن صديق هذه الأمة ثم يلحق فيه كل من شايعه، فيدخل فيهم أمير المؤمنين علي، لأنه من شيعة أبي بكر وأعوانه ووزرائه. ولا تخفى هذه الحقيقة على واضع هذا الدعاء، ولكنه عدو للجميع ويتستر بالتشيع لأن العقل الشيعي في غيبوبة بفعل العواطف المشحونة - زورًا - بظلم آل البيت وقهرهم وضياع حقهم، وصراعهم مع أعدائهم وهم صحابة رسول الله ﷺ . وقد حشدوا في ذلك ركامًا هائلاً من الأساطير لا تبقى في قلب من يؤمن

стр. 705

بها إلا الحقد، والتعطش لسفك الدماء، والرغبة في الانتقام (١) . وواقعهم يشهد بذلك. مثالب الصحابة (المزعومة) : ومع اللعن والتكفير لخير القرون، فإن الشيعة ملأت الصفحات فيما يسمونه بمثالب الصحابة ومعايبهم (٢) ، وانشغل بعض أهل السنة في الرد عليهم (٣) ، والحقيقة المهمة في هذا الموضوع أن إثارة الشيعة لهذه القضايا هو في حقيقة أمره تستر على السبب الحقيقي من موقفهم من الصحابة، ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم لو كانوا في عصمة من كل خطأ، وفي حرز من كل ذنب، لما رضي عنهم الإمامية، لأن ذنب الصحابة عند هؤلاء هو بيعتهم لأبي بكر دون علي، وكل ذنب يغتفر إلا هذا الأمر، كما أن من جاء بقراب الأرض خطايا ومعه "جواز الولاية" فقد نجا.

стр. 706

وقد تنبه إلى هذه الحقيقة المهمة القاضية عبد الجبار فقال: "وكثيرًا تسأل الإمامية عما كان من عثمان في تولية أقاربه وغير ذلك، وفي سير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، وما ذاك إلا لضعفهم وانقطاعهم؛ لأن عثمان لو لم يول أقاربه ولم يصنع ما صنع لكان كافرًا مشركًا عندهم بادعائه الإمامة لنفسه ولأبي بكر وعمر، ولو كان طلحة والزبير وعائشة في عسكر أمير المؤمنين وفي المحاربين معه ما كانوا إلا مشركين باعتقادهم إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، فمن يكلم الإمامية في إثارتهم لهذه المسائل كمن يكلم اليهود في وجوب النية في الطهارة، أو يكلم النصارى في استحلالهم الخمر، وإنما يكلم في هذا من قال: لا ذنب لعثمان إلا ما أتاه من الحمى، وتولية الأقارب، ولولا ذلك لكان مثل عمر، ومن قال: لا ذنب لطلحة والزبير وعائشة إلا مسيرهم إلى البصرة، ولولا ذلك لكانوا مثل أبي عبيدة وعبد الرحمن وابن مسعود. فاعرف هذا ولا تكلمهم فيه البتة، وكلمهم فيما يدعونه من النص فهو الأصل" (١) .

стр. 707

٢- تكفيرهم أهل البيت: هذه الرّوايات التي تحكم بالرّدة على ذلك المجتمع المثالي الفريد، ولا تستثني منهم جميعًا إلا سبعة في أكثر تقديراتها، لا تذكر من ضمن هؤلاء السّبعة أحدًا من أهل بيت رسول الله باستثناء بعض روايات عندهم جاء فيها استثناء علي فقط، وهي رواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر قال: صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي، والمقداد، وسلمان، وأبو ذر. فقلت: فعمار؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة (١) . فالحكم بالرّدّة في هذه النّصوص شامل للصّحابة وأهل البيت النّبويّ من زوجات رسول الله ﷺ وقرابته، مع أن واضعها يزعم التشيع لأهل بيت رسول الله ﷺ ، فهل هذا إلا دليل واضح على أن التشيع إنما هو ستار لتنفيد أغراض خبيثة ضد الإسلام وأهله، وأن واضعي هذه الروايات أعداء للصحابة وللقرابة؟ ولا يستعبد - كما سبق - أن تلك الأسماء التي تستثنى هي «أسماء مستعارة» للزنادقة الذين يشكلون الخلية الأولى "للرفض"، ولا يعني بهم الصحابة، وإلا لماذا لم يذكر أحد معهم من أهل البيت؟ ولماذا هؤلاء الصحابة الذين يستثنون ما ظهر منهم منابذة ومناوأة للخليفتين الراشدين بل ظهر منهم الحب والمؤازرة؟! لقد حكموا بالردة في نصوصهم التي مر ذكرها، على الحسن والحسين وآل عقيل وآل جعفر، وآل العباس، وزوجات رسول الله أمهات المؤمنين. بل إن الشيعة خصت بالطعن والتكفير جملة من أهل بيت رسول الله ﷺ كعم النبي العباس، حتى قالوا بأنه نزل فيه قوله سبحانه: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٢) . وكابنه عبد الله بن عباس

стр. 708

حبر الأمة وترجمان القرآن، فقد جاء في الكافي ما يتضمن تكفيره، وأنه جاهل سخيف العقل (١) . وفي رجال الكشي: "اللهم العن ابني فلان واعم أبصارهما، كما عميت قلوبهما.. واجعل عمى أبصارهم دليلاً على عمى قلوبهما" (٢) . وعلق على هذا شيخهم حسن المصطفوي فقال: "هما عبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس" (٣) . وبنات النبي ﷺ يشملهن سخط الشيعة وحنقهم، فلا يذكرن فيمن استثنى من التكفير، بل ونفى بعضهم أن يكن بنات للنبي ﷺ ما عدا فاطمة (٤) . - فهل يحب رسول الله ﷺ من يقول فيه وفي بناته هذا القول؟! وقد نص صاحب الكافي في رواياته على أن كل من لم يؤمن بالاثني عشر فهو كافر، وإن كان علويًا فاطميًا (٥) ، وهذا يشمل في الحقيقة التكفير لجيل الصحابة ومن بعدهم بما فيهم الآل والأصحاب؛ لأنهم لم يعرفوا فكرة "الاثني عشر" التي لم توجد إلا بعد سنة (٢٦٠هـ) . كما باءوا بتفكير أمهات المؤمنين أزواج رسول الله ﷺ ؟ إذ لم يستثنوا واحدة منهن في نصوصهم.. ولكنهم يخصون منهن عائشة (٦) . وحفصة (٧) .﵅ جميعًا - بالذم واللعن والتكفير. وقد عقد شيخهم المجلسي بابًا بعنوان "باب أحوال عائشة وحفصة" ذكر فيه (١٧) رواية (٨) ، وأحال في بقية

стр. 709

الروايات إلى أبواب أخرى (١) ، وقد آذوا فيها رسول الله ﷺ في أهل بيته أبلغ الإيذاء. حتى اتهموا في أخبارهم من برأها الله من سبع سماوات؛ عائشة الصديقة بنت الصديق بالفاحشة، فقد جاء في أصل أصول التفاسير عندهم (تفسير القمي) هذا القذف الشنيع (٢) المتضمن تكذيب القرآن العظيم، قال ابن كثير في تفسير سورة النور: "أجمع أهل العلم ﵏ قاطبة على أن من سبها ورماها بما

стр. 710

رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن" (١) . وقال القرطبي: "فكل من سبها مما برأها الله منه مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر" (٢) . هذا وظاهرة التكفير عند الشيعة لا تخص جيل الصحابة، وإن كان الصحابة ينالهم النصيب الأوفى من السب والتكفير باعتبار أنهم حملة الشريعة، ونقلة الكتاب والسنة، والمبلغون عن رسول الله دين الله، ولذلك صار "الطعن فيهم طعن في الدين" (٣) . وكان هذا هو هدف الزنادقة من وراء الحملة الضارية عليهم، ولكن سلسلة التكفير عند الشيعة مستمرة. فكما قالت كتب الشيعة: إن الناس ارتدوا بعد وفاة الرسول إلا ثلاثة، قالت أيضًا: "ارتد الناس بعد قتل الحسين إلا ثلاثة: أبو خالد الكابلي، ويحيى أم الطويل، وجبير بن مطعم" (٤) . فأنت ترى أن هذا النص لا يستثني أحدًا من أهل البيت ولا الحسن بن علي الذي تعده الاثنا عشرية إمامها، ويبدو أنها لا تستثنيه لأنها عليه ساخطة لقيامه بمصالحة معاوية حتى خاطبه بعض الشيعة بقوله: "يا مذل المؤمنين" (٥) ، ووثب عليه أهل عسكره فانتهبوا فسطاطه، وأخذوا متاعه، وطعنه ابن بشير الأسدي في خاصرته فردوه جريحًا إلى المدائن (٦) .

стр. 711

٣- تكفيرهم خلفاء المسلمين وحكوماتهم: في دين الاثني عشرية أن كل حكومة غير حكومة الاثني عشر باطلة، وصاحبها ظالم وطاغوت يعبد من دون الله، ومن يبايعه فإنما يعبد غير الله. وقد أثبت الكليني هذا المعنى في عدة أبواب مثل: باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ومن جحد الأئمة أو بعضهم، ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل، وذكر فيه اثني عشر حديثًا عن أئمتهم (١) ، وباب فيمن دان الله بغير إمام من الله ﷻ ، وفيه خمسة أحاديث (٢) . وفي البحار "باب عقاب من ادعى الإمامة بغير حق أو رفع راية جور، أو أطاع إمامًا جائرًا" (٣) . وكل خلفاء المسلمين ما عدا عليًا والحسن طواغيت - حسب اعتقادهم - وإن كانوا يدعون إلى الحق، ويحسنون لأهل البيت، ويقيمون دين الله، ذلك أنهم يقولون: "كل راية ترفع قبل راية القائم (٤) . ﵁ صاحبها طاغوت" (٥) . قال شارح الكافي: "وإن كان رافعها يدعو إلى الحق" (٦) ، وحكم المجلسي على هذه الرواية بالصحة (٧) . حسب مقاييسهم. أما من قبل سنة (٢٦٠هـ) فيقول شيخهم المجلسي عن الخلفاء الراشدين: "إنهم لم يكونوا إلا غاصبين جائرين مرتدين عن الدين، لعنة الله عليهم وعلى من اتبعهم في ظلم أهل البيت من الأولين والآخرين" (٨) .

стр. 712

٤- الحكم على الأمصار الإسلامية بأنها دار كفر: جاء في أخبارهم تخصيص كثير من بلاد المسلمين بالسب، وتفكير أهلها على وجه التعيين، ويخصون منها غالبًا ما كان أكثر التزامًا بالإسلام واتباعًا للسنة، فقد صرحوا بكفر أهالي مكة والمدينة في القرون المفضلة، ففي عصر جعفر الصادق كانوا يقولون عن أهل مكة والمدينة: "أهل الشّام شرّ من أهل الرّوم (يعني شرّ من النّصارى) ، وأهل المدينة شرّ من أهل مكّة، وأهل مكّة يكفرون بالله جهرة" (١) . "وعن أبي بصير، عن أحدهما ﵉ قال: إن أهل مكة ليكفرون بالله جهرة، وإن أهل المدينة أخبث من أهل مكة، أخبث منهم سبعين ضعفًا" (٢) . ومن المعلوم أن أهل المدينة كانوا - ولا سيما في القرون المفضلة - يتأسون بأثر رسول الله ﷺ أكثر من سائر الأمصار، ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة (٣) . وقد ظل أهل المدينة متمسكين بمذهبهم القديم، منتسبين إلى مذهب مالك إلى أوائل المائة السادسة أو قبل ذلك أو بعد ذلك، فإنهم قدم إليهم من رافضة المشرق من أفسد مذهب كثير منهم (٤) . وهذا الالتزام بالإسلام قد أغاظ هؤلاء الزنادقة، فعبروا عن حقدهم بهذه

стр. 713

الكلمات، والتاريخ يعيد نفسه، ففي هذا العصر خطب خطيبهم وقال: بأن مكة يحكمها شرذمة أشرَّ من اليهود (١) . وقد كشف شيخهم المعاصر والذي علق على نصوص الكافي عن وجه هذه الكلمات، وأبان عن فحوى هذه النصوص فقال: "لعل هذا الكلام في زمن بني أمية وأتباعهم، كانوا منافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، والمنافقون شر من الكفار وهم في الدرك الأسفل من النار.. ويحتمل أن يكون هذا مبنيًا على أن المخالفين غير المستضعفين مطلقًا شر من سائر الكفار كما يظهر من كثير من الأخبار" (٢) . فهو يرى أن هذا التكفير حق، ويخرج الحكم عليهم بأنهم شر من الكفار بأحد أمرين: إما باتباعهم للأمويين أي: بمقتضى مبايعتهم لخلفاء المسلمين من الأمويين، وهذا نفاق أكبر عندهم، أو لأن المخالف شر من الكافر.. وبهذا التخريج الأخير يشمل التفكير ديار المسلمين في كل الأزمان. وقالوا أيضًا عن مصر وأهلها: "أبناء مصر لعنوا على لسان داود ﵇، فجعل الله منهم القردة والخنازير" (٣) . "وما غضب الله على بني إسرائيل إلا أدخلهم مصر، ولا رضي عنهم إلا أخرجهم منها إلى غيرها" (٤) . "بئس البلاد مصر! أما إنها سجن من سخط الله عليه من بني إسرائيل" (٥) . "انتحوا مصر لا تطلبوا المكث فيها (لأنه) يورث الدياثة" (٦) .

стр. 714

وجاءت عندهم عدة روايات في ذم مصر، وهجاء أهلها، والتحذير من سكناها، ونسبوا هذه الروايات إلى رسول الله ﷺ ، وإلى محمد الباقر، وإلى علي الرضا، وهذا رأي الروافض في مصر في تلك العصور الإسلامية الزاهرة، وقد عقب المجلسي على هذه النصوص بقوله بأن مصر صارت من شر البلاد في تلك الأزمنة، لأن أهلها صاروا من أشقى الناس وأكفرهم (١) . كل ذلك لأنها لم تأخذ بنهج الروافض، ويحتمل أن هذه الروايات قبل أو بعد الحقبة الإسماعيلية من تاريخ مصر، لأن من يشاركهم في رفضهم.. ويقيم دولة تسمح بكفرهم لا ينالون منه بمثل هذا. ولا يبعد أن هذه النصوص هي تعبير عن حقد الرافضة وغيظهم على مصر وأهلها بسبب سقوط دولة إخوانهم الإسماعيليين على يد القائد العظيم صلاح الدين الذي طهر أرض الكنانة من دنسهم ورجسهم. وأين هذه الكلمات المظلمة في حق مصر وأهلها من الباب الذي عقده مسلم في صحيحه "باب وصية النبي ﷺ بأهل مصر" (٢) . وجاء عندهم ذم كثير من بلدان الإسلام وأهلها (٣) . ولم يستثن من ديار المسلمين إلا من يقول بمذهبهم وهي قليلة في تلك الأزمان، حتى جاء عندهم "إن الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة" (٤) .

стр. 715

٥- قضاة المسلمين: تعد أخبارهم قضاة المسلمين طواغيت لارتباطهم بالإمامة الباطلة بزعمهم، فقد جاء في الكافي عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتًا، وإن كان حقًا ثابتًا له؛ لأنه أخذ بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به. قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ (١) . (٢) . فأنت ترى أنهم اعتبروا قضاة المسلمين وحكامهم طواغيت، واعتبروا أحكامهم باطلة، ومن يأخذ حقه بواسطتها فإنما يأكل الحرام، وهذا الحكم يعم قضاة المسلمين على مدى القرون وتعاقب الأجيال، وهذه الرواية تحكم على القضاء والقضاة في عصر جعفر الصادق، كما يظهر من إسنادهم للرواية إلى جعفر، فإذا كان هذا نظرهم في قضاة المسلمين في القرون المفضلة فما بالك فيمن بعدهم. ويبدو أنهم يريدون قضاة يحكمون بحكايات الرقاع، وبالجفر والجامعة، ومصحف فاطمة، وحكم آل داود، ولا يسألون البينة، كما جاء ذلك في أخبارهم (٣) . لا في حكم الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فهم الذين تتناولهم الآية التي استدلوا بها، لأنها نزلت في بعض المنافقين الذين فضلوا حكم الطاغوت على حكم محمد بن عبد الله ﷺ (٤) . وهؤلاء الروافض من جنس أولئك

стр. 716

المنافقين. وهذه النظرة لم يتغير منها شيء في نفوس شيوخهم في هذا العصر؛ فها هو الخميني يعقب على حديثهم هذا فيقول - مؤكدًا معناه -: "الإمام ﵇ نفسه ينهى عن الرجوع إلى السلاطين وقضاتهم ويعتبر الرجوع إليهم رجوعًا إلى الطاغوت" (١) . ويقول المعلق على الكافي: والآية بتأييد الخبر تدل على عدم الترافع إلى حكم الجور مطلقًا، وربما قيل بجواز التوسل بهم إلى أخذ الحق المعلوم، اضطرارًا مع عدم إمكان الترافع إلى الفقيه العدل (٢) . ولكن يظهر أن هذه المبادئ التي وضعها الزنادقة لم تجد القبول لدى بعض أتباعهم، لأنه يجد في ظل قضاة المسلمين العدل والإنصاف ما لا يجد عند قومه، وقد اعترف بعضهم لشيخ الإسلام ابن تيمية فقال له: أنتم (يعني أهل السنة) تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضًا (٣) . وقد اشتكى بعض رجالهم لإمامه بأنهم يجدون عند أهل السنة كثرة الأمانة، وحسن الخلق، وحسن السمت، ويجدون على الضد من ذلك في الشيعة فيغتمون لذلك (٤) .

стр. 717

٦- أئمة المسلمين وعلماؤهم: حذروا من التلقي عن شيوخ المسلمين وعلمائهم، وعدوهم كملل أهل الشرك "عن هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: إنّا نأتي هؤلاء المخالفين (١) . فنسمع منهم الحديث يكون حجّة لنا عليهم؟ قال: لا تأتهم ولا تسمع منهم، لعنهم الله ولعن مللهم المشركة" (٢) . وجاء في الكافي عن سدير عن أبي جعفر قال: ".. يا سدير فأريك الصّادّين عن دين الله، ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثّوري في ذلك الزّمان وهم حلق في المسجد، فقال: هؤلاء الصّادّون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين، إنّ هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم فجال النّاس، فلم يجدوا أحدًا يخبرهم عن الله ﵎ وعن رسوله ﷺ حتى يأتونا فنخبرهم عن الله ﵎ وعن رسوله ﷺ " (٣) . فيبدوا أن الغيظ أخذ من هؤلاء الباطنيين مأخذه، وهم يرون أئمة أهل السنة يعلمون الناس القرآن والسنة، ويدعون إلى دين الإسلام والناس مقبلون عليهم، ينهلون من علمهم ويأخذون عنهم، فترى حلقهم في المسجد، عامرة بالرواد، مزدانة بالعلم.. تغمرها السكينة، وتحفها الرحمة، وتغشاها الملائكة، وكان هؤلاء العلماء الأعلام للمتقين أئمة وقادة، وأولئك الباطنيون قد قبعوا في بيوتهم، لا يلتفت إليهم، ولا يحفل بهم، قد استولت عليهم الذلة، والمسكنة وباءوا بغضب الناس، واحتقارهم. فكانت أمنياتهم التي وضعوها على ألسنة أهل البيت للتغرير بالأتباع، ومحاولة إيجاد الفتنة والعزلة بين أهل البيت وأئمة المسلمين، كانت هذه الأمنيات تكفر أئمة المسلمين وتتمنى أن تخلو الأرض منهم لتتهيأ لهم الفرصة لتحقيق أغراضهم.

стр. 718

٧- الفرق الإسلامية: ويخصون كثيرًا من الفرق الإسلامية بالتكفير والطعن، ولا سيما أهل السنة والذين يلقبونهم حينًا بالنواصب، وأحيانًا بالمرجئة. جاء في الكافي: "عن أبي مسروق قال: سألني أبو عبد الله عن أهل البصرة ما هم؟ فقلت: مرجئة وقدرية (١) ، وحرورية. فقال: لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء" (٢) . ويعنون بالمرجئة أهل السنة، ولهذا تجد شيخهم المجلسي يشرح حديثهم الذي يقول: "اللهم العن المرجئة فهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة" (٣) . ويرجح أن المراد بالإرجاء في هذا النص تأخير عليّ عن الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة (٤) . ويكفي أن تعرف أن الزيدية وهي من الشيعة نالهم من الذم والتكفير مالا يخطر بالبال. قالوا - مثلاً - عن الزيدية عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عن الصدقة على الناصب وعلى الزيدية قال: لا تصدّق عليهم بشيء ولا تسقهم من الماء إن استطعت، وقال لي: الزيدية هم النصاب (٥) . وفي الكافي "عن عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن ﵁: إنّ لي جارين أحدهما ناصب والآخر زيدي ولا بدّ من معاشرتهما فمن أعاشر؟ فقال: هما سيان، من كذب بآية من كتاب الله فقد نبذ الإسلام وراء ظهره هو المكذّب بجميع القرآن والأنبياء

стр. 719

والمرسلين، ثم قال: إنّ هذا نصب لك، وهذا الزّيدي نصب لنا" (١) . ولم يشفع للزيدية عندهم أنهم "دعوا إلى ولاية علي" (٢) . وكانوا شيعة: لأنهم "خلطوها بولاية أبي بكر وعمر" (٣) . وهذا عندهم ذنب لا يغفر، بل إن مجرد محبة أبي بكر عندهم هي من الكفر. جاء في البحار "عن أبي علي الخراساني عن مولى لعليّ بن الحسين ﵇ قال: كنت معه ﵇ في بعض خلواته فقلت: إنّ لي عليك حقًّا ألا تخبرني عن هذين الرّجلين: عن أبي بكر وعمر؟ فقال: كافران كافر من أحبّهما" (٤) . وعدوا مجرد الاعتقاد بإمامة أبي بكر وعمر من النصب الذي هو أعظم الكفر عندهم. ولهذا قال الملجسي: "قد يطلق الناصب على مطلق المخالف غير المستضعف كما هو ظاهر من كثير من الأخبار" (٥) . وقال أيضًا: "لا تجوز الصلاة على المخالف لجبر أو تشبيه أو اعتزال أو خارجية أو إنكار إمامة إلا للتقية، فإن فعل (يعني صلى عليه تقية) لعنه بعد الرابعة" (٦) . وقد قال المفيد بأن كل أهل البدع كفار (٧) ، ولهذا عقد المجلسي بابًا بعنوان: "باب كفر المخالفين والنصاب" (٨) .

стр. 720

وقال المجلسي: "كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية وأمثالهم من الفطحية، والواقفة" (١) . وهذه الفرق التي يذكر كلها شيعة، فما بالك بمن دونهم - في رأيهم -. بل إن رجال الاثني عشرية يكفر بعضهم بعضًا، استمع إلى ما يرويه الكشي، ويوافقه عليه شيخ طائفتهم الطوسي (٢) ، عن حال أصحابهم من التكفير والاختلاف والتنابذ، حيث يقول في روايته بأنه في سنة (١٩٠هـ) اجتمع ستة عشر رجلاً في باب أبي الحسن الثاني، فقال له أحدهم ويدعى جعفر بن عيسى: "يا سيدي، نشكو إلى الله وإليك (٣) . ما نحن فيه من أصحابنا، فقال: وما أنتم فيه منهم؟ فقال جعفر: هم والله يزندقونا ويكفرونا ويتبرؤون منا، فقال: هكذا كان أصحاب علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وأصحاب جعفر، وموسى: صلوات الله عليهم، ولقد كان أصحاب زرارة يكفرون غيرهم، وكذلك غيرهم كانوا يكفرونهم.." وقال يونس: "جعلت فداك إنهم يزعمون أنا زنادقة" (٤) . وهذا حال "رعيلهم الأول" الذين ينتسبون زورًا لأهل البيت، فما حال من بعدهم؟!

стр. 721

٨- الأمة كلها: ولعن الأمة الإسلامية وتكفيرها مما استفاض في كتب الشيعة، ولذلك فإن أدعية الزيارة والمشاهد التي يلهج بها الشيعة ويرددونها لا تخلو من لعن لهذه الأمة المباركة الوسط. ففي زيارة أمير المؤمنين علي يقولون: "لعن الله من خالفك، ولعن الله من افترى عليك وظلمك، ولعن الله من غصبك (١) ، ولعن الله من بلغه ذلك فرضي به (٢) ، أنا إلى الله منهم بريء، لعن الله أمة خالفتك (٣) . وأمة جحدتك، وجحدت ولايتك (٤) ، وأمة تظاهرت عليك، وأمة حادت عنك وخذلتك، الحمد لله الذي جعل النار مثواهم وبئس الورد المورد، وبئس ورد الواردين.. اللهم العن الجوابيت والطواغيت والفراعنة، واللات والعزى، وكل ند يدعى دون الله (٥) ، وكل مفتر، اللهم العنهم وأشياعهم وأتباعهم، وأولياءهم، وأعوانهم، ومحبيهم لعنًا كثيرًا" (٦) . وهذه اللعنات التي تجري على ألسنة هؤلاء مكان التسبيح والتهليل لها آثارها

стр. 722

في تعبئة نفوسهم حقدًا وكراهية للأمة ودينها.. والأمة عند هؤلاء الروافض لها ألقاب وشناعات وخواص لا توجد في كتب طائفة من الطوائف، لا لشيء إلا لأن الأمة ارتضت من رضيه الصحابة والمهاجرون لهم خليفة. فهي أحيانًا تقذف الأمة الإسلامية جميعًا وتتهمها بالفجور (١) ، وحينًا تدعي بأنهم كلهم أولاد زنا (٢) ، ولذلك فإنهم يوم القيامة يظهرون على حقيقتهم فيدعون بأسماء أمهاتهم (٣) ، ومرة تقول بأنهم خلق منكوس وهم ليسوا من البشر، بل هم قردة وكلاب وخنازير (٤) ، ولهم أقوال ولعنات في الأمة كثيرة منكرة.

стр. 723

هذه نصوص الاثني عشرية لم تدع أحدًا من أمة محمد ﷺ إلا وتناولته بالطعن والتكفير، وخصت بذلك صحابة رسول الله من المهاجرين والأنصار وأهل البيت النبوي، والأمصار الإسلامية وأهلها، والفرق الإسلامية، وأمة محمد وتلعن الجميع في دعواتها وصلواتها وزياراتها، فهل استثنت الشيعة أحدًا؟ نعم، إنها استثنت الفئة التالية ودافعت عنهم وأثنت عليهم.

стр. 724

الفئة التي تستثنيها الشيعة من عموم اللعن والتكفير للأمة: وإذا كفرت الاثنا عشرية الصحابة والقرابة، والخلفاء، والقضاة، والأئمة والفرق الإسلامية بما فيها فرق من الشيعة. فمن تثني عليه؟ لقد رأيتها تثني على أقزام التاريخ، وحثالة البشر، بل تمدح وتدافع عن الكفرة الملحدين، والزنادقة والمنافقين، (والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف) . فهي تدافع عن المرتدين كأصحاب مسيلمة الكذاب (١) ، وعن الزنادقة: كالمختار بن أبي عبيد (٢) ، والنصير الطوسي (٣) ، وعن الكذابين والمفترين كجابر الجعفي (٤) ، وزرارة بن أعين (٥) ، وعن المجوس الحاقدين مثل أبي لؤلؤة المجوسي - قاتل عمر بن الخطاب ﵁ حتى إنها تسميه بابا شجاع الدين (٦) . كما تتلقى دينها عن الكفرة الذين يعتقدون في كتاب الله النقص والتحريف وفي صحابة رسول الله الكفر والردة: كإبراهيم القمي، والكليني وأمثالهما وتجعل منهم ثقات دينها، وعمدة رواياتها.

стр. 725

النقد: هذا التكفير العام الشامل الذي لم ينج منه أحد هل يحتاج إلى نقد؟ إن بطلانه أوضح من أن يبين، وكذبه أجلى من أن يكشف، وتكفير الأمة امتداد لتكفير الصحابة، والسبب واحد لا يختلف. ومن الطبيعي أن من يحقد على صحابة رسول الله ويسبهم ويكفرهم يحقد على الأمة جميعًا ويكفرها، كما قال بعض السلف: "لا يغلّ قلب أحد على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إلا كان قلبه على المسلمين أغلّ" (١) . فإذا لم يرض عن أبي بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر وبيعة الرضوان، والمهاجرين والأنصار وهم في الذروة من الفضل والإحسان، فهل يرضى بعد ذلك عن أحد بعدهم؟! ومبنى هذا الموقف هو دعوى الروافض أن الصحابة رضوان الله عليهم أنكروا النص على إمامة علي وبايعوا أبا بكر، وقد مضى بيان بطلان النص بالنقل والعقل وبالأمور المتواترة المعلومة. وما بني على الباطل فهو باطل. ولقد كان حكمهم بردة ذلك "الجيل القرآني الفريد" من الظواهر الواضحة على بطلان مذهب الرفض من أساسه، وأنه إنما وضع أصوله شرذمة من الزنادقة، وبطلان هذه المقالة معروف بداهة، ولذلك قال أحمد الكسروي (الإيراني والشيعي الأصل) : "وأما ما قالوا من ارتداد المسلمين بعد موت النبي ﷺ فاجتراء منهم على الكذب والبهتان، فلقائل أن يقول: كيف ارتدوا وهم كانوا أصحاب النبي آمنوا به حين كذبه الآخرون، ودافعوا عنه واحتملوا الأذى في سبيله ثم ناصروه في حروبه، ولم يرغبوا عنه بأنفسهم، ثم أي نفع لهم في خلافة أبي بكر ليرتدوا عن دينهم لأجله؟! فأي الأمرين أسهل احتمالاً: أكذب رجلاً أو رجلين من ذوي الأغراض الفاسدة، أو ارتداد بضع مئات من خلص المسلمين؟ فأجيبونا إن كان

стр. 726

لكم جواب" (١) . ومع وضوح بطلان مذهبهم - كما ترى - لمخالفته للشرع والعقل والتاريخ، وما علم من الإسلام بالضرورة، فإنه لابد من وقفة ولو سريعة في الرد عليه؛ لأنه وجد في الماضي ويوجد اليوم من يتجاهل الدلائل والبراهين في ذلك، وحسبك أن تعرف أن أحد آيات الشيعة في هذا العصر، ومن يرفع شعار الوحدة الإسلامية، ويرددها في نشراته وخطبه ورحلاته (٢) . وهو شيخهم محمد الخالصي قد كتب رسالة للشيخ محمد بهجة البيطار في تاريخ ٢٦ ربيع الأول سنة ١٣٨٢هـيقول فيها: "لم أذكر الصحابة بخير لأني لا أريد أن أتعرض لعذاب الله وسخطه بمخالفتي كتابه وسنته في مدح من ذمه الكتاب والسنة، والإطراء على من قبح أعماله القرآن المجيد، والأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ ، وغاية ما كنت أكتبه وأقوله هو أن كتاب الله وسنته لم تذكر الصحابة بخير، ولا تدل على فضل لهم لأنهم صحابة" (٣) . فالخالصي هنا لا يذكر الصحابة بخير مع تواتر النصوص في فضلهم، ولكنه يقول عن أئمته: إن "الأئمة الاثني عشر أركان الإيمان ولا يقبل الله تعالى الأعمال من العباد إلا بولايتهم" (٤) . مع أن الاثني عشر لا ذكر لهم ولا لإمامتهم أصلاً في كتاب الله سبحانه. فانظر كيف يكذبون بالحقائق الواضحات، ويصدقون بالكذب الصريح. وإذا كان الأمر وصل إلى هذا الحد فإننا نسوق الأدلة والبراهين على نقض مذهب الرافضة، وبيان فضل الصحابة من الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة، والتاريخ، والعقل، والأمور المعلومة المتواترة.. ونكشف - من خلال كتب الشيعة نفسها - مؤسس وواضع هذه العقيدة في المذهب الشيعي.

стр. 727

وهو بالتالي نقض لمذهبهم في تكفير الأمة جميعًا، لأن السبب الذي كفروا به الصحابة هو السبب بعينه الذي كفروا به سائر المسلمين، ولكن الصحابة - رضوان الله عليهم - يختصون بالمزيد من السب واللعن والتكفير قديمًا وحديثًا بهدف إبطال الشريعة التي ينقلونها للأمة. أـ القرآن الكريم: لقد شهدت نصوص القرآن على عدالتهم والرضا عنهم، وأثنى الله عليهم في آيات كثيرة جلية واضحة، لا نحتاج لمعرفة معناها إلى تأويل باطني كحال الشيعة في تأويل آيات القرآن بالاثني عشر. ـ قال جل شأنه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١) . "وكفى فخرًا لهم أن الله ﵎ شهد لهم بأنهم خير الناس، فإنهم أول داخل في هذا الخطاب، ولا مقام أعظم من مقام قوم ارتضاهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونصرته" (٢) . ولهذا جاء تأويلها عن السلف بأقوال "مقتضاها أن الآية نزلت في الصحابة، قال الله لهم كنتم خير أمة" (٣) . ـ وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤) .

стр. 728

فالآية صريحة الدلالة على رضاء الله سبحانه عن المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، وتبشيرهم بالفوز العظيم، والخلود في جنات النعيم، ولهذا قال ابن كثير عند هذه الآية: "فيا ويل من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم (١) ، عياذًا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبون من ﵃" (٢) . ـ وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣) . قال ابن حزم: "فمن أخبرنا الله سبحانه أنه علم ما في قلوبهم، ورضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة" (٤) . "والذين بايعوا تحت الشّجرة بالحديبيّة عند جبل التّنعيم (٥) . كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، بايعوه لما صده المشركون عن العمرة (٦) . وهؤلاء كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة هم أعيان من بايع أبا بكر وعمر

стр. 729

وعثمان ﵃ (١) . ولقد خاب وخسر من رد قول ربه أنه رضي عنه المبايعين تحت الشجرة.. وقد علم كل أحد له أدنى علم أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير وعمارًا والمغيرة بن شعبة ﵃ من أهل هذه الصفة، وقد انتظمت الخوارج والروافض البراءة منهم خلافًا لله وعنادًا (٢) . وقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) . فانظر إلى عظيم مقام الصحابة، حيث أثنى الله عليهم بهذه الأوصاف، وأخبر أن صفتهم مذكورة في التوراة والإنجيل، حتى ذكر بعض أهل العلم أنّ ظاهر هذه الآية يُوجب أنّ الرّوافض كفّار؛ لأنّ في قلوبهم غيظًا من الصّحابة وعداوة لهم، والله يقول: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ، فبيّن أنّ من كان في قلبه غيظ منهم فهو من الكفّار (٤) . ـ وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٥) . وقد حكم الله لمن وعد بالحسنى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا

стр. 730

الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ (١) . فجاء النص أن من صحب النبي ﷺ فقد وعده الله تعالى بالحسنى، وقد نص الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٢) . وصح بالنص أن كل من سبقت له من الله تعالى الحسنى، فإنه مبعد عن النار لا يسمع حسيسها، وهو فيما اشتهى خالد لا يحزنه الفزع الأكبر.. وليس المنافقون ولا سائر الكفار من أصحابه ﷺ (٣) . ـ وقال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤) . وهذه الآيات تتضمّن الثّناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم، ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلاًّ لهم، وتتضمّن أنّ هؤلاء الأصناف هم المستحقّون للفيء. ولا ريب أن هؤلاء الرّافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسّابقين، وفي قلوبهم غلّ عليهم. ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتولونهم وإخراج الرافضة من

стр. 731

ذلك، وهذا ينقض مذهب الرافضة (١) . والآيات في هذا الباب كثيرة (٢) .

стр. 732

ب ـ السنة المطهرة: وكتب السنة مليئة بالثناء على الصحب، وبيان فضلهم عن سيد الخلق ﷺ . ١ـ فنصوص تثني عليهم جميعًا كقوله ﷺ : "لا تسبّوا أصحابي، لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" (١) . وقوله ﵊: "خير النّاس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،» ، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرني أو ثلاثة" (٢) . ٢ـ ونصوص تثني على جماعات منهم على سبيل التعيين كأهل بدر، وقد قال فيهم ﷺ : ".. وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٣) . وأصحاب الشّجرة أهل بيعة الرّضوان، وقد قال فيهم ﷺ : "لا يدخل النّار - إن شاء الله - من أصحاب الشّجرة أحد، الذين بايعوا تحتها" (٤) .

стр. 733

وغيرهما (١) . ٣ـ ونصوص تثني على آحادهم وهي كثيرة ذكرتها كتب الصحاح، والسنن والمسانيد. ولكن الشيعة قد رضيت لنفسها أن تنأى عن هذا المورد العظيم فهي لا تعرج في مقام الاستدلال عليها، ولا تحتج بها، ولا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا فهم لا يصدقونها، كما أنه لا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم فنحن لا نصدقها، وإنما ينبغي أن يحتج الخصوم بعضهم على بعض بما يصدقه الذي تقام عليه الحجة به، سواء صدقه المحتج أو لم يصدقه (٢) . ولذا أكتفي في هذا المقام بالإحالة على الكتب الأمهات في أبواب فضائل الصحابة؛ ففيها أحاديث كثيرة في فضل الصحابة والثناء عليهم، والنهي عن سبهم وأقيم عليهم الحجة من كتبهم أيضًا، من أقوال الأئمة التي يعدونها كأحاديث رسول الله ﷺ .

стр. 734

جـ ثناء الأئمة على الصحابة رضوان الله عليهم: في الخصال لابن بابويه القمي: «عن أبي عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ اثني عشر ألفًا (١) ، ثمانية آلاف في المدينة وألفان من أهل مكّة، وألفان من الطّلقاء، لم يرد فيهم قدري، ولا مرجئ، ولا حروري، ولا معتزلي، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون اللّيل والنّهار» (٢) . وفي البحار للمجلسي: عن الصّادق عن آبائه عن علي ﵇ قال: "أوصيكم بأصحاب نبيّكم لا تسبّوهم، الذين لم يحدثا بعده حدثًا ولم يؤووا مُحدِثًا، فإنّ رسول الله أوصى بهم الخير" (٣) . وفي البحار أيضًا، قال النبي ﷺ : "طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني" (٤) .

стр. 735

وعن موسى بن جعفر (إمامهم السّابع) قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أمنة لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمّتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمّتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدّين ظاهرًا على الأديان كلّها ما دام فيكم من قد رآني" (١) . وفي معاني الأخبار لشيخهم ابن بابويه القمي (الصدوق) : "عن جعفر بن محمد عن آبائه ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : ما وجدتم في كتاب الله فالعمل لكم به، لا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله ، وكانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا به، فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم بأيها أخذ اهتدي، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم (ثم زاد دعاة التفرقة على هذا النص الزيادة التالية) فقيل: يا رسول الله، ومن أصحابك؟ قال: أهل بيتي" (٢) . ولا شك أن تفسير الصحابة بأهل البيت فقط بعيد جدًا، وقد لاحظ صدوقهم هذا البعد فعقب على النص السالف بقوله: "إن أهل البيت لا يختلفون، ولكن يفتون الشيعة بمر الحق، وربما أفتوهم بالتقية، فما يختلف من قولهم فهو للتقية، والتقية رحمة للشيعة" (٣) . فهو هنا يحمل "النص الذي يثني على الصحابة" على التقية، والعقل والمنطق يعترض على هذا "التأويل" فلم يكون الثناء على الصحابة الذي أثنى عليهم الله ورسوله، وشهد التاريخ بفضلهم وجهادهم تقية، ويكون السب لهم هو الحقيقة وهو مذهب الأئمة؟ إنه لا دليل لهم على هذا المذهب سوى أنه يتمشى مع منطق أعداء الأمة. ثم إن النص السابق يرويه "جعفر الصادق" عن رسول الله ﷺ ، فهل

стр. 736

رسول الله يكذب على الأمة - تقية - أو أن جعفرًا يكذب على رسول الله من أجل التقية؟! وكلا الأمرين طعن في رسول الله ﷺ وأهل بيته ومخالفة صريحة للنصوص. وفي نهج البلاغة يقول علي ﵁ في أبي بكر أو عمر ﵄ على اختلاف بين شيوخ الشيعة في ذلك (١) .: "لله بلاء فلان (٢) . فلقد قوم الأود (٣) ، وداوى العَمَد (٤) ، وأقام السّنّة.. وخلف الفتنة (٥) ، ذهب نقي الثّوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرّها، أدّى إلى الله طاعته واتّقاه بحقّه" (٦) . وهذا نصّ عظيم يهدم كلّ ما بنوه وزعموه عن عداوة وصراع بين علي والشيخين ﵃. وقد احتار "الروافض" بمثل هذا النص؛ لأنه في نهج البلاغة وما في النهج عندهم قطعي الثبوت، وصور شيخهم ميثم البحراني (٧) . ذلك بقوله: "واعلم أن الشيعة قد أوردوا هنا سؤالاً فقالوا: إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد الرجلين تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهم وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه ﵁، وإما أن يكون إجماعنا خطأ". ثم حملوا هذا الكلام على التقية وأنه إنما قال هذا المدح من أجل "استصلاح من يعتقد صحة خلافة الشيخين واستجلاب قلوبهم بمثل هذا الكلام". أي: أن عليًا - في

стр. 737

زعمهم - أراد خداع الصحابة، وأظهر لهم خلاف ما يبطن فهو خطب هذه الخطبة العامة أمام الناس، وهي مبنية على الكذب، هذا هو جواب من يزعم التشيع لعلي (١) . وما أعتقد أن عاقلاً يرضى هذا "الجواب"، وإننا نقول بأن إجماع الشيعة ضلال، وقول علي هو الحق والصدق، وهو الذي لا يخاف في الله لومة لائم. وقد يقول قائل: هذه النصوص المنقولة من كتبهم تناقض ما سلف من تكفير الشيعة للصحابة، وأقول: نعم، لأن هذا المذهب يحمل في رواياته هذه الصورة المتناقضة، لكن شيوخهم وضعوا أصولاً وأقوالاً نسبوها للأئمة للتخلص من هذه الأخبار، والخروج من هذا التناقض، فمن أصولهم أن هذا التناقض أمر مقصود لإخفاء حقيقة المذهب حتى لا يقضى على المذهب وأهله من قبل العامة (يعني أهل السنة) (٢) . وقالوا عند الاختلاف: "خذوا بما خالف العامة، فإن فيه الرشاد" (٣) . ولذلك يحمل شيوخهم أمثال هذه الروايات على التقية، ولأنها روايات قليلة بالنسبة لأخبارهم الكثيرة التي تفكر وتلعن، فهم لا يأخذون بها، فمفيدهم يقول: "ما خرج للتقية لا يكثر روايته عنهم كما تكثر روايات المعمول به" (٤) . ولذلك تجد في تعقيب ابن بابويه إشارة إلى أن مدح الصحابة في الرواية التي ذكرها إنما هو على سبيل التقية، وكذلك في تعقيب ميثم. وإذا كان الأمر كذلك فإني إنما ذكرت هذه الأخبار وأمثالها لإثبات تناقض المذهب أمام العقلاء، وتبصير من يريد الحق من أتباع المذهب إلى أن هذه الروايات هي الحقيقة لا التقية؛ لاتفاقها مع كتاب الله سبحانه وإجماع الأمة.

стр. 738

وبيان أن عقيدة التقية جعلت من المذهب ألعوبة بأيدي الشيوخ يوجهونه وفق إرادتهم، فلم يعد مذهب أهل البيت، إنما مذهب الكليني والقمي والمجلسي وأضرابهم.

стр. 739

دلالة العقل والتاريخ وما علم بالتواتر وأجمع الناس عليه: أولاً: قد عرف بالتواتر الذي لا يخفى على العامة والخاصة أن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كان لهم بالنبي ﷺ اختصاص عظيم وكانوا من أعظم الناس اختصاصًا به، وصحبة له وقربًا إليه، وقد صاهرهم كلهم، وكان يحبهم ويثني عليهم، وحينئذ فإما أن يكونوا على الاستقامة ظاهرًا وباطنًا في حياته وبعد موته، وإما أن يكونوا بخلاف ذلك في حياته أو بعد موته، فإن كانوا على غير الاستقامة مع هذا القرب فأحد الأمرين لازم، إما عدم علمه بأحوالهم، أو مداهنته لهم، وأيهما كان فهو من أعظم القدح في الرسول ﷺ كما قل: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم وإن كانوا انحرفوا بعد الاستقامة فهذا خذلان من الله للرسول في خواص أمته، وأكابر أصحابه، ومن وعد أن يظهر دينه على الدين كله، فكيف يكون أكابر خواصه مرتدين؟ فهذا ونحوه من أعظم ما يقدح به الرافضة في الرسول ﷺ كما قال مالك وغيره: إنّما أراد هؤلاء الرّافضة الطّعن في الرّسول ﷺ ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين، ولهذا قال أهل العلم: إن الرافضة دسيسة الزندقة (١) . ثانيًا: إن المرتد إنما يرتد لشبهة أو شهرة، ومعلوم أن الشبهات والشهوات في أوائل الإسلام كانت أقوى، حيث كان الإسلام إذ ذاك قليلاً، والكفار مستولون على عامة الأرض، وكان المسلمون يؤذون بمكة ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله، وهم صابرون على الأذى متجرعون لمرارة

стр. 740

البلوى، وقد اتبعوه ﷺ وهو وحيد فقير، ذليل خائف، مقهور مغلوب، وأهل الأرض يد واحدة في عداوته، وقد خرجوا من ديارهم وأموالهم وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والعزة حبًا لله ورسوله. وهذا كله فعلوه طوعًا واختيارً، فمن كان إيمانهم مثل الجبال في حال ضعف الإسلام، كيف يكون إيمانهم بعد ظهور آياته وانتشار أعلامه (١) .؟! لاسيما والسبب الذي تكفرهم الرافضة من أجله وهو بيعة أبي بكر من دون علي، لا يوجد فيه ما يدفعهم إلى التضحية بإيمانهم، وخسارة سابقتهم وجهادهم وبيع آخرتهم من أجل أبي بكر، فما الذي حملهم على ذلك وهم يعلمون أنه كفر بربهم، ورجوع عن دينهم، وتركوا اتباع قول رسول الله في بيعة علي بن أبي طالب، وقد علموا أنها طاعة نبيهم، والثبات على دينهم، هل يعقل أن يطيع المهاجرون والأنصار أبا بكر في الكفر بالله، ويتركوا اتباع قول رسول الله في علي؟ وهم الذين خرجوا من ديارهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون. ثالثًا: إن مذهب الرافضة في تكفير الصحابة يترتب عليه تكفير أمير المؤمنين لتخليه عن القيام بأمر الله، ويلزم عليه إسقاط تواتر الشريعة، بل بطلانها ما دام نقلتها مرتدين، ويؤدي إلى القدح في القرآن العظيم، لأنه وصلنا عن طريق أبي بكر وعمر وعثمان وإخوانهم، وهذا هو هدف واضع هذه المقالة، ولذلك قال أبو زرعة: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ حق والقرآن حق، وإنا أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة" (٢) . ولذلك اعترفت كتب الشّيعة أن الذي وضع هذه المقالة هو ابن سبأ فقالت
следующие страницы →