← Акыда

Акыда · id 12761

القائد إلى تصحيح العقائد

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (252 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الخيط الأبيض من الخيط الأسود» ، مع أن خطأهم إنما كان لغفلتهم عن السياق والقرائن كما أوضحته في رسالة (أحكام الكذب) ، ومع ذلك كان خطأ أولئك الأفراد سبباً لإنزال الله بقية الآية زيادة في البيان والإيضاح، فكيف يعقل أن يكون النص في العقائد ثم تخفى القرينة على جميع الصحابة ثم لا يبين الله لهم، أو يعرفها جماعة منهم ثم لا يبالون بنقلها، ولا يبعثهم الله تعالى على نقلهم نقلاً متواتراً يصل إليه علماء الرواية فيشيعونه ويذيعونه؟ ! ولا ريب أنه كما كان الصحابة مخاطبين بالنصوص فكذلك من بعدهم وكما تترتب المفسدة الشديدة على جهل الأولين بالقرينة فكذلك من بعدهم، غاية الأمر أن القرينة وإن كانت في حق المخاطبين الأولين لا بد أن تقترن بالنص فقد يجوز أن يستغني بعض النقلة باشتهارها فلا ينقلها مع النص، لكن لا يلزم من هذا ألان لا تنقل، بل لا بد من النقل لما تقدم، فإذا طلبها العلماء في مظانها فلم يجدوها، وحقها أن تنقل نقلاً متواتراً تواتراً يناله العلماء، قطعوا بأنها لم تنقل كذلك، فقطعوا بعدمها، فقطعوا بأن النص على ظاهره. وليس الحال فيما يتعلق بالعقائد كالحال فيما يتعلق بالأحكام، فإن الأحكام يجوز فيها أن تنقل القرينة آحاداً فقط لأن الخطأ في ذلك أمر هين، وقد يكون الخطأ بالنظر إلى النصوص في الأحكام صواباً بالنظر إلى الحكمة، فإن القوانين الشرعية تبنى على الأغلب في الحكمة، ولكن الله ﵎ يتولى تطبيق الحكمة بقضائه وقدره، فكما فرض الله تعالى الحكم بشهادة العدلين، وقد يتفق أن يخطئ عدلان، لكن الله ﵎ يتولى في مثل هذا تطبيق الحكمة بقضائه وبقدره، فكذلك قد يعرف القاضي دليلاً عاماً فيقضى به، وهناك مخصص له لم يقف عليه، فهذا القضاء وإن كان خطأ بالنظر إلى نفس الأمر بحسب الدلائل، فلعله صواب عند الله بمقتضى الحكمة في تلك القضية، فأما العقائد فعلى خلاف هذا إذا لا يعقل تغيير الحكمة فيها، وكما يضر فيها القطع بالباطل فقريب منه الظن، فهب أن العالم

стр. 177

إذا بحث فلم يجد قرينه لم يقطع بظاهر النص، فلا بد أن يظنه، ولا يستطيع أن يدفع الظن عن نفسه، ومع الظن فلا بد أن يحمد من أصحاب المقالات من يوافق ذاك الظن، ويذم من خالفه لغير حجة صحيحة. وبالجملة فمن تدبر القرآن والسنة وآثار السلف لم يخف عليه الحق في كثير منها، وأنه لا يمنعه عن القطع والإستيقان إن منعه إلا الشبهات المحدثة المبنية على التعمق، فأما من يقوي إيمانه ولا يبالي بتلك الشبهات، فإنه يقطع بدلالة كثير من تلك النصوص ويؤمن بها، وأما من لا إيمان له وهو مفتون بالشبهات فإنه يقطع بتلك الدلالة ويكفر بها. وأما الذين يكونون كما قال الله : «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ» فقد عرفت حالهم، ووراء ذلك أقوام يجهلون ما عليه العقول الفطرية كعقول المخاطبين الأولين أو يتجاهلون، ويغفلون عن قوانين البيان أو يتغافلون، ولا يعرفون وهن النظر المتعمق فيه، أو يعرفون وينكرون، ولا يتدبرون النصوص فيعرفون دلائلها القواطع، أو يتدبرون ويجحدون «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» . وبالجملة فأسلافنا على ثلاث طبقات: الأولى: من ضح لنا اعتصامه بالكتاب والسنة فهؤلاء الذين نتولاهم. الثانية: من وضح لنا تهاونه بالكتاب والسنة فعلينا أن نتبرأ منهم. الثالثة: قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يعفوعنهم ويعذرهم، وعلينا أن نحمد الله فيما أصابوا فيه، ونبرأ مما أخطأو افيه. والله المستعان. فأما ما ذكره العضد من المعارض العقلي فقد علمت حاله في الكلام مع الرازي، وقوله: «والحق أنها قد تفيد اليقين بقرآئن مشاهدة أو متواترة» ففيه قصور شديد، بل قد تفيد اليقين من أوجه أخرى كما سلف.

стр. 178

ثم نكس فقال: «نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي؟ وهل للقرينة مدخل في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه» . أقول لا ريب أنه من التيسر في كثير من الكلام إن لم نقل في أكثره أن يحصل القطع بالمعنى الذي حقه أن يفهم منه، وإنكار هذا مكابرة، فم إذا حصل القطع بهذا في كلام من يمتنع عليه الغلط حصل القطع بأنه أراد أن يكون الكلام كذلك، أي حقه أن يفهم من ذاك المعنى، فإذا كان ممتنعاً عليه قطعاً أن يكذب خطأ ولا عمداً حصل القطع بصحة ذاك المعنى فيحصل القطع باستحالة أن يوجد دليل عقلي صحيح على بطلان ذاك المعنى.فمن زعم أن النصوص لا يحصل بها القطع بعدم المعارض العقلي فإما أن يكون جاهلاً بقوانين الكلام، وإما أن يكون يكذب المتكلم بالنصوص، فأما زاد على هذا فرد بعض تلك النصوص أو حرفها إلى غير المعاني التي يعلم أن حقها بحسب قانون الكلام منها فهو مكذب للمتكلم بها ولابد. ومن وقف عن نفي حصول القطع وإثباته مع معرفته بقوانين الكلام فإن كان واقفاً في المسائل التي يختلف فيها السلفيون وغيرهم أو غالبها، فهو غير جازم بتصديق المتكلم بالنصوص وإن كان يرد كثيراً من تلك النصوص أو يحرفها، فلا معنى لوقفه بل هو مكذب البتة، فإن قيل قد يخطئ في فهم النصوص التي خالفها. قلت: إنما يتجه الحمل على الخطأ حيث يقل ويكون الغالب الصواب، ومع ذلك فهذا إنما يفيد الجزم بالتصديق، فأما المرتاب فسواء أخطأ أم تعمد. فأما القرآئن فهي على ضربين: الضرب الأول: ما هو كالجزء من الكلام بأن ينصبه المتكلم أو يلاحظ تتميماً لمقصود الكلام وهو الإفهام، فتارة تكون فائدتها تأسيسية , ذلك حيث يتوقف عليها الفهم أو تعيين المراد أو تبيينه، وتارة تكون تأكيدية وذلك حيث توافق ما

стр. 179

يدل عليه الكلام. الضرب الثاني: العلامات والأمارات الدالة على بعض الأمور، كأن نعلم أن القاضي مريض مرضاً خطراً ثم نسمع البكاء من بيته، ويدعى الغسالون والحفارون ويحضر العلماء والأمراء، ثم تخرج من بيت القاضي جنازة على هيأة العلماء فيتسابق أهل العلم والفضل إلى حملها، ومعها أبناء القاضي بهيئة الغم والحزن، ثم توضع للصلاة فيقدمون للإمامة أكبر أبناء القاضي، فتقدم ويقوم حيث يقوم الإمام من جنازة الرجل، ثم يذهب بها فيدفن الميت في قبره بجانب قبر والد القاضي، ثم نرى الناس يتقدمون إلى أبناء القاضي على هيأة ما جرت به العادة في التعزية - إلى غير ذلك مما يدلنا على أن القاضي مات ولولم نشاهد موته، ولم نسمع مخبراً يخبر بموته، وهذه الأمارات قد تقوي وتكثر حتى يحصل اقطع بموت القاطي، وذلك حيث يستحيل في العادة أن يتفق اجتماع لغير موته. فإذا فرضنا أنه عندما سمعنا البكاء من بيت القاضي خرج طبيب كان دعي قبل ساعة، فسئل فقال: مات القاضي، فهذا الخبر قد يحصل به وبتلك الأمارات القطع حتى على فرض عم الخبر. وهذا الضرب قد يحتاج إليه الناس لوجهين: الأول: تثبيت صدق المخبر. الثاني: الدلالة على معنى الخبر حيث لم يكن صريحاً كما لوكان الطبيب لما سئل قال: «مات رجل كبير» . فأما الشرع فإنه غني عن تثبيت صدق أخباره، وإنما الشأن في ثبوت أه أخبر، ثم في معنى الخبر، وكلا الضربين يدخل فيما يتعلق بالعقليات، كما يدخل في غيره. وجاري السيد الجرجاني في (شرح المواقف) المتن. ثم قال: «وقد جزم الإمام بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية ... »

стр. 180

أقول: قد رجع الرازي كما تقدم (١) ولله الحمد. والسيد هذا هو المصرح في البيان كما في بحث الاستعارة من حيث (حواشي عبد الحكيم على المطول) بأن الكذب العمد لا ينصب صاحبه قرينة «بل يروج ظاهره لكن لا مانع من قصد التأويل في ذهنه» . وجاراهما المحشي عبد الحكيم قم قال «ههنا بحث مشهور، وهو أن المبني لعدم المعارض العقلي في التشريعات صدقُ القائل، وهو قائم في العقليات أيضاً، وما لا يحكم العقل بإمكانه ثبوتاً وانتفاء لا يلزم أن يكون من الممتنعات لجواز إمكانه الخالي من العقل، فينبغي أن يحمل كل ما علم أن الشرع نطق به على هذا القسم، لئلا يلزم كذبه، وإبطال قطع العقل بصدقه، فالحق أن النقلي أيضاً يفيد القطع في العقلي أيضاً، ولا يفيد ما ذكره الشارح، ولا مخلص إلا بأن يقال مراده أن النظر في الأدلة أنفسها والقرآئن في الشرعيات يفيد الجزم بعد المعارض لأجل إفادته الإرادة من القائل الصادق جزما، وفي العقليات إفادته الجزم بعدمه محل نظر بناء على إفادته لإرادة محل له لأنه بعد ما علم مراد الشارع يقيناً في العقلي والنقلي يحصل الجزم بعدم المعارض في الثاني دون الأول فإنه غير مسلم» . أقول: لا شك أن هذا الذي زعمه هو مرادهم، لكنه لا يفيدهم شيئاً، لأن ذاك النظر لا يستند إلى شيء سوى أنهم وجدوا الشبهات التعمقية تخالف بعض النصوص، فلم يكن عندهم من قوة الإيمان ما يحملهم على اطراح تلك الشبه وتصديق الشرع، وكبر عليهم أن يصرحوا بتكذيب الشرع، فحاولوا أن يتخذا بين ذلك سبيلاً، وهيهات! وكذلك السع التفتازاني جرى في (المقاصد) و (شرحها) على أن النصوص لا

стр. 181

يحتج بها في مقابل تلك الشبه وجمجم في ذاك الموضع جمجمة ينكشف حالها في كلامه في موضع آخر، كما يأتي في مسألة الجهة إن شاء الله تعالى. وقد أوضحت في رسالة (أحكام الكذب) اتفاق البيانيين ومنهم التفتازاني والجرجاني وعبد الحكيم أن الكلام إذا كان حقه أن يفهم منه مع ملاحظة قرينة - إن كانت - خلاف الواقع، لم تخرجه الإرادة التي هي التأويل الذهني عن كونه كذباً، وتقدم بعض ما يتعلق بذلك ومرت عبارة الجرجاني قريباً. فمتى تحقق في النص أنه ظاهر بين في معنى ولا قرينة تصرف عنه ففرض بطلان ذاك المعنى مستلزم أن الكلام كذب، وأن المتكلم كاذب ولابد، ويتأكد بعيداً جداً عن احتمال غير ذاك المعنى فإنه يتحقق حينئذ عدم العلاقة مع عدم القرينة. وزعم الجرجاني في (شرح المواقف) أن القول بأن الأدلة لا تفيد اليقين هو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة، فإن صح هذا القول فهو بالنظر إلى متأخري الطائفتين، فأما المتقدمون فلا يظن بهم هذا، نعم إنهم يخالفون بعض النصوص ولكن قد يكون ذلك لاشتباه ما توهموا أنه دليل عقلي بالدليل العقلي الصحيح الذي من شأنه أن لا يخفى على المخاطبين الأولين فتوهموا أنه قرينة صحيحة، أولاشتباه معاني بعض الآيات عليهم، فظنوا أنها صريحة فيما ذهبوا إليه، وأنها قرينة صحيحة توجب تأويل ما يخالفها، وقل عالم إلا وقد خالف بعض النصوص، وكما لا يلزم من ذلك إنكار أن تكون النصوص حجة، فكذلك لا يلزم إنكار أنها قد تفيد اليقين، بلى إذا كثرت المخالفة فقد يتجه الحكم. والله أعلم. المحكم والمتشابه كثير من المتعمقين يسترون تكذيبهم للنصوص بدعوى أن ما يخالفونه منها هو من المتشابه المنهي عن إتباعه، وقد كثر الكلام في المحكم والمتشابه، وسألخص ما

стр. 182

بان لي راجياً من تعالى التوفيق. المعنى المتبادر إلى الذهن من كلمتي «محكم» و «متشابه» أن المحكم هو المتقن الذي لا خلل فيه، والمتشابه هو الذي يشبه بعضه بعضاً، والقرآن كلام رب العالمين، أحكم الحاكمين، العليم القدير، فلابد أن يكون كله محكماً، وينبغي أن يعلم إحكام الشيء يختلف باختلاف ما أعد له، ففي البناء يختلف الإحكام في الحصن ودار السكنى وقصر النزهة، (١) وهكذا يختلف الإحكام في حجر الدار الواحدة كالمجلس والمخزن والحمام، ويختلف المعد لغرض واحد باختلاف الأحوال، فالمجلس الذي يصلح للشتاء قد لا يصلح للصيف، والذي يصلح للصيف في بلد لا تكون فيه السموم (٢) قد لا يصلح في بلد تكون فيه، وهكذا الكلام كما يقوله البيانيون في تفسير البلاغة، فمهما يكن في بعض الآيات مما يزعمه بعض الناس خللاً فهو بالنظر إلى ما أعدت له الآية عين الإحكام. وهناك صفات تشترك فيها آيات القرآن كالإحكام والصدق وغير ذاك من الصفات المحمودة، فيصح أن يقال: إن القرآن كله متشابه كما أنه كله محكم، وقد وصفه الله تعالى بهذين الوصفين، قال تعالى: «الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» فاتحة سورة (هود) . وقال : «وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» فاتحة سورة (يّس) . وقال سبحانه: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً» . الزمر: ٢٣. (٣)

стр. 183

فيبقى النظر في قوله تعالى: «الم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ» إلى قوله: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوالْأَلْبَابِ. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» . فواتح سورة (آل عمران) . دل هذا أن منه آيات محكمات غير متشابهات، وآيات متشابهات غير محكمات، فلابد أن يكون الإحكام والتشابه هنا معنى غير الأول فما هو؟ أشهر ما روي عن السلف في ذلك قولان: الأول: أن المحكم ما ينسخ. والمتشابه المنسوخ. الثاني: أن المحكم ما للناس سبيل إلى معرفة تأويله كآيات الحلال والحرام. والمتشابه ما لا يعلم تأويله إلا الله كوقت قيام الساعة. وقد عرف من عادة السلف أنهم يفسرون الآية ببعض ما تتناوله وذلك على سبيل التمثيل، وأنهم كانوا يطلقون النسخ على ما يشمل البيان بالتخصيص ونحوه، وفيمكن أن يشرح ذلك القولان على ما يأتي: القول الأول: أن المحكمات هي كل آية بينة بنفسها، والمتشابهات ما تحتاج إلى أن يبينها غيرها كالمنسوخ والمجمل بنوعيه. القول الثاني: أن المحكمات كل آية يتهيأ للسامع مع معرفة معناها الذي سيقت لبيانه أن يعرف ما تتوق إليه نفسه مما يتعلق بما اشتملت عليه، والمتشابهات ما عدا ذلك، فالآيات المنذرة بقيام الساعة إنما سيقت لإعلام العباد أن لهم بعد هذه الحياة الفاني حياة خالدة يحاسبون فيها على ما قدموه في الدنيا ويجزون به، ليستعدوا لها بالإيمان والعمل الصالح والاستكثار منه، واجتناب الكفر والظلم

стр. 184

والفسوق العصيان، فهذا هو المقصود، ولكن كثيراً من النفوس تخطاه متعطشة إلى معرفة وقت قيام القيامة، قال الله تعالى: «يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» . الأعراف: ١٨٧. (حفي عنها) : معني بالسؤال عن وقتها حتى علمته، فرد الله تعالى عليهم بأن رسول ليس مثلهم في الحرص على معرفة ذلك لأنه يعلم أن المهم هو الإستعداد لها فهو مستعد فلا يهمه أن تقوم بعد لحظة أو بعد ألوف القرون، وفي القرآن عدة آيات أخرى في هذا المعنى. وفي (الصحيحين) عن أنس «أن رجلاً قال: يار رسول الله متى الساعة؟ قال ويلك وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله، قال أنت مع من أحببت، قال: أنس فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بها» . عدل به النبي ﵌ إلى المهم، ونبهه على أن المحبة تقتضي المعينة، فمن صدق حبه لله ورسوله كان معها في الدنيا بالإيمان والطاعة والاتباع فيحبه الله فينيله المعية في الآخرة بالنجاة والدرجات، قال تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» . وتفاوت المعية في الدنيا دليل تفاوت المحبة، وقضية ذلك تفاوت المعية في الآخرة، ويزيد الله تعالى من شاء من فضله. ويدخل في المتشابه على القول الثاني الآيات المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته وغيبه كقوله تعالى فيما قصة من خطابه لإبليس: «قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي» . ص: ٧٥. فالآيات سيقت لحض بني آدم على مخالفة الشيطان وتحذيرهم من طاعته أو فعل مثل فعله، وبيان عداوته لهم، وبيان إقامة الله الحجة عليه، وبيان أن الله

стр. 185

تعالى شرف أباهم بأن خلقته بيديه سبحانه، وبيان أن له سبحان يدين كما يليق بعظمته، وهذه المعاني ظاهرة لا لبس فيها، لكن النفس قد تتخطاها إلى الخوض في منه اليدين وكيفيتهما. فعلى كلا القولين تكون تلك الآيات محكمة أي متقنة على ما اقتضته الحكمة، وفي بقاء المنسوخ بعيداً عن ناسخه، والإتيان بالمجمل بنوعيه ابتلاء من الله لعباده، فيكون عليهم مشقة وعناء في استنباط الأحكام لاحتياج ذلك إلى الإحاطة بنصوص الكتاب والسنة واستحضارها، وفي ذكر ما لا سبيل للعباد إلى معرفة كنهه وكيفيته مع ما يتعلق بذلك من المعاني الظاهرة ابتلاء لهم ليمتاز الزائغ عن الراسخ، وقد تقدمت حكمة الابتلاء في أوائل الرسالة. ويبقى النظر في وجه تسمية تلك الآيات متشابهات، والذي يظهر أنه ليس المراد أنها يشبه بعضها بعضاً، بل المراد - والله أعلم - أن كل آية متشابهة، أي يمكن أت تحمل على معان متشابهة في أن لا يترجح بعضها على بعض رجحاناً بيناً. وفي حديث (الصحيحين) : «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات ... » وفي (فتح الباري) : «وفي رواية الأصيلي مشتبهات ... وهي رواية ابن ماجه وهو لفظ ابن عون ... ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري بلفظ: «وبينهما متشابهات» واشتبهو اوتشابهو ايأتيان بمعنى واحد، شأن افتعل وتفاعل في كثير من الكلام، فالأمر الذي بين الحلال والحرام متشابه الحل والحرمة في الاحتمال، يحتمل كلاً منهما كما يحتمل الآخر، لا يترجح فيه ذا ولا ذاك، فهكذا والله أعلم تكون الآية المتشابهة يتشابه فيها معنيان فأكثر، وانطباق هذا على المجمل الذي ظاهر له واضح، فأما الذي له ظاهر فإنما يقع حيث تكون هناك قرينة تقاوم ظهوره، كما أوضحته في رسالتي في (أحكام الكذب) ، وبذلك يصير في حكم الأول، هذا بالنسبة إلى الصحابة. فأما من بعدهم فقد علم المسلمون أن في النصوص ما هو منسوخ نسخة نص

стр. 186

آخر بعيد عنه، وما هو عام خصصه نص آخر، وما هو مطلق قيده نص آخر، وهكذا، فمن لم يستقرىء النصوص ويتدبرها فإنه يقف على ما هو في نفس الأمر منسوخ ولم يعلم ذلك يكون محتملاً في حقه أن يكون حكمه باقياً، وأن يكون منسوخاً, وقس على هذا حال الباقي، فثبت التشابه. وأما ما لا سبيل إلى علم تأويله، وأو قل: كنهه وكيفيته كاليدين في قوله تعالى: «خَلَقْتُ بِيَدَيّ» فإنه لا يبقى إلا التخرص ولا حد له فقد يتخرص الانسان وجهين، أو أكثر ومعلوم أنه لا يتبين واحد من ذلك بياناً واضحاً، فثبت التشابه. وكلا القولين يمكن تطبيقه على السياق. وأما القول الأول؛ فأهل الزيغ يتبعون المنسوخ والمجمل، فتارة يعيبون القرآن بالتناقض - زعموا - وبعدم البيان. وتارة يتشبثون بذلك لتقوية أهو ائهم كما فعل النصارى، إذ تشبثوا بما في القرآن من إطلاق الكلمة والروح على عيسى، وكما فعل المشركون عندما سمعوا قوله تعالى: «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّم» وتارة يبتغون تأويله مع عدم تأهلهم لذلك وعدم رجوعهم إلى الراسخين، كما فعل الخوارج في قوله تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» وقوله: «لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَان» ، ونحوذلك. وأما القول الثاني: فأهل الزيغ يتبعون تلك النصوص، تارة ابتغاء الفتنة، بأن يعيبوا القرآن والإسلام بزعم أنه جاء بالباطل فيزعمون أن لفظ «بِيَدَيّ» معناه أن لله سبحانه يدين مماثلتين ليدي الإنسان يجوز عليهما ما يجوز على يدي الإنسان ثم يقولون: وهذا باطل، ثم يوجه كل منهم ذلك إلى هواه، فنمهم من يستدل بذلك على أن القرآن ليس من عند الله، وأن محمداً ليس بنبي، ومنهم من يستدل بذلك على أن القرآن جاء بالبطل مجاراة لعقول الجمهور، إلى غير ذلك. وتارة ابتغاء تأويله، فمنهم من ذهب يتخرص تخرص هشام بن الحكم وأصحابه وغيرهم من المشبهة الضالة، ومنهم من يحرف تلك النصوص بحملها على معاني بعيدة، كعقول بعضهم أن اليدين هما القدرة والإرادة وغير ذلك.

стр. 187

وقوله تعالى: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا به» ، وينطبق على كل من القولين، إلا أنه القول الأول يكون قوله: «وَالرَّاسِخُونَ» عطفاً، والمعنى أن الراسخين يعلمون تأويله أيضاً، وعلى القول الثاني يكون قوله: «وَالرَّاسِخُونَ» استئنافاً، فهم لا يعلمون تأويله، وإنما امتازوا بأنهم لا يتبعونه إتباع الزائغين، بل يقولون: «آمَنَّا به» الآية. ويدل على تصحيح كلا القولين أن من الناس من وقف على قوله: «إلا الله» ، ومنهم من لم يقف، وأنه صح عن ابن عباس أنه ذكر الآية ثم قال: «أنا ممن يعلم تأويله» . وصح عنه أنه قرأ: «ويقول الراسخون» . والتأويل على القول الأول بمعنى التفسير، وعلى الثاني بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها اللفظ، ففي قوله تعالى: «لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي» تأويل اليدين حقيقتهما وكنههما على ماهما عليه. واعلم أن التأويل يكون للفعل، كخرق صاحب موسى (١) سفينة المساكين، وقتله الغلام وإقامته الجدار، ويكون للرؤيا، ويكون للكلام. فتأويل الفعل إما مآله أي ما يؤول إليه، وهو المقصود من فعله كسلامة السفينة من غضب الملك، وسلامة أبوي الغلام من إرهاقه، وسلامة كنز اليتيمين، وإما بيان أن الفعل يؤول إلى المآل. قال الله تعالى فيما قصة عن صاحب موسى: «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» ثم أخبره بأن القصد من تلك الأفعال أن تؤول ذاك المآل، ثم قال: «ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وقال تعالى: «ذَلِكَ (٢) خَيْرٌ

стр. 188

وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» النساء - ٥٩، الإسراء- ٣٥. وتأويل الرؤيا إما مآلها وهو الواقع في نفس الأمر الذي هي تمثيل له كسجود إخوة يوسف وأبويه له، فقال يوسف قصة الله تعالى عنه «عندما سجد له أبواه وإخوته] (٣) هذا تأويل رؤياي، وإما بيان ما تؤول إليه، وذلك تعبيرها. ومنه ما قصه الله تعالى من قول يعقوب ليوسف «وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيث» ، ثم قول يوسف «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ» . ويحتمل المعنيين ما قصه الله تعالى من قول صحأبي السجن ليوسف «نبأنا بتأويله» وقوله لهما: «إلا نبأتكما بتأويله» ، وقول الناجي منها للملك ومن معه «أنا أنبئكم بتأويله» بعد قوأصحاب الملك «وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين» . وتأويل الكلام إما مآله الخارجي وهو الواقع في نفس الأمر إذا كان الكلام خبراً، والفعل المأمور به إذا كان أمراً، وقص على ذلك قص الله في سورة (الأعراف) حال القيامة والجنة والنار، ثم قال: [) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ» الأعراف - ٥٢ - ٥٣. وقال تعالى: «وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ» إلى أن قال: «بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه» يونس - ٣٧ - ٣٩ وفي (صحيح مسلم) من حديث عائشة: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول فيركوعه وسجوده: سبحان الله وبحمده اللهم أغفر لي، يتأول القرآن» . تريد والله أعلم: يأتي بتأويل قوله تعالى: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ» وإما مآله المعنوي كأن يقال: تأويل رأيت أسداً يرمي، رأيت رجلاً

стр. 189

شجاعاً.وإما بيان أحدهما، وهذا هو المسمى بالتفسير، ويحتمل هذا الذي قبله قول النبي ﵌ في ابن عباس: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل» . (١) فعلى الأول يكون المعنى: علمه المعاني التي تؤول إليها النصوص، وعلى الثاني يكون المعنى: عامة أن يؤول النصوص أي يبين معانيها التي تؤول إليها. إذا تقرر هذا فعلى القول الأول في المتشابه يكون المراد بتأويله معانيه، وعلى القول الثاني يكون المراد ما يؤول إليه من الحقائق، فكما أن تأويل الأخبار بالبعث هو البعث نفسه، فكذلك تأويل الأخبار بأن لله يدين هو اليدين، والعلم الذي ينفرد الله تعالى به في شأن اليدين هو العلم بالكنه والكيفية، فأما العلم الإجمالي الذي يتوقف عليه الإيمان بأن لله تعالى يدين على الحقيقة، فهذا يحصل للمؤمنين، وبه يكونون مصدقين لخبر الله ، وبذلك يخلصون من تكذيبه ويمتازون عن الزائغين المتبعين له ابتغاء الفتنة، وبقناعتهم به يمتازون عن الزائغين المتبعين له ابتغاء تأويله. فإن قيل: فإن للمتعمقين أن يقولوا: الصواب عندنا من القولين المذكورين في المتشابه القول الأول، النصوص التي تتعلق بالمعقولات كلها من المجمل الذي له ظاهر، ولا يمكن الوثوق بأن ذلك الظاهر هو المراد، إلا أن يقوم الدليل العقلي على وجوب ذاك الظاهر أو جوازه، ثم نقول: إن كل نص من تلك النصوص يحتاج إلى بيانين: الأول: بيان صحة ذاك الظاهر أو بطلانه. الثاني: بيان المعنى المراد، فأما البيان الأول فيحصل بالعقل، ويحصل بقوله تعالى: «ليس كمثله شيء» وقوله: «قل هو الله أحد» السورة، فقد بين العقل، وهاتان الآيتان وغيرهما بطلان ظواهر تلك النصوص التي نتأولها، فوجب أن يكون

стр. 190

المراد بها معان أخرى صحيحة. فأما الزائغون فاتبعوا تلك الظواهر، هم فريقان: الأول: الملحدون القانون: هذه الأمور باطلة قطعاً، فالشرع الذي جاء بها باطل. الفريق الثاني: الذين يجهلون أو يتجاهلون بطلانها فيدينون بإثباتها، والسلف وأئمتنا أبرياء من الفريقين، غير أن السلف كانوا مع العلم ببطلان تلك الظواهر يمتنعون من الخوض في البيان الثاني، وأئمتنا اصطدموا بالزائغين الزاعمين أن تلك الظواهر هي المعاني المرادة من تلك النصوص ويبالغون فيدعون أن تلك النصوص صريحة في تلك المعاني لا تحتمل التأويل، فاحتاج أئمتنا إلى بيان الاحتمال، فمن لم يجزم منهم بمعنى معين فلم يأتي بما ينكر عليه، ومن جزم بذلك فقد ينكر عليه من يذهب إلى أن الراسخين لا يعلمون ذلك، أي أنهم ولوعلموا بطلان الظاهر، وأن المراد غيره، فلا يعلمون التأويل وهو المعنى المراد لاحتمال النص عدة معان، لكن قد يقال: إذا كان المعنى الذي جزم به ذلك الجازم صحيحاً في نفسه فالخطب تسهل، وذلك كالقائل: إن المراد باليدين في قوله تعالى: «لما خلقت بيدي» القدرة والإرادة، فإن هذا معنى صحيح في نفسه، للعلم بأن الله تعالى قدرة وإرادة، وأن لها تعلقاً بخلق آدم، فإن فرض أن المراد باليدين في الآية معنى آخر فليس في الجزم المذكور كبير حرج. فالجواب عن هذا كله يعلم مما تقدم في هذه الرسالة وألخصه هنا بعون الله :قولكم: «فلا يمكن الوثوق بأن ذلك الظاهر هو المراد إلا أن يقوم الدليل العقلي على وجوب ذاك الظاهر أو جوازه» . قول باطل مردود عليكم، بل الحق أنه أن دل العقل الصريح - الذي يصح أن يكون قرينة بأن يكون من شأنه أن لا يخفى على المخاطب إذا تدبر - على امتناع ذاك الظاهر لم يبقى ظاهراً ضرورة أن القرينة ركن من الكلام، وإلا كان النص برهاناً على الوقوع فضلاً عن الجواز،

стр. 191

ضرورة أنه إن لم يكن كذلك كان كاذباً، وقد قامت البراهين على استحالة أن يقع الكذب من الله تعالى ولا من رسوله. فإن قيل: لا يلزم من فرض البطلان التكذيب، لجواز تأخير بيان المجمل الذي له ظاهر. ومن أجاز التأخير فمحله في مجمل لا ظاهر له، أوله ظاهر بحسب اللفظ لكن تكون هناك قرينة صحيحة كدافع ذاك الظهور، فيبقى النص في حكم المجمل، الذي لا ظاهر له، على هذا إذا كان للنص ظاهر ولا قرينة تدافعه وجب الجزم بأن ذاك الظاهر هو المراد. وهناك نصوص في الأحكام يمثلون بها لما أدعوه من جواز أن يكون للنص ظاهر غير مراد ويتأخر بيانه، ونحن نجيب عنها إجمالاً فنقول: ما ثبت فيه الظهور وثبت أنه لم تكن قرينة صحيحة تدافعه وثبت أنه ورد بعده ما يخالفه فإننا نصحح ذلك الظاهر ونقول: إنه هو المراد، وإن ما ورد بعده مخالفاً فهو ناسخ له، فإن ثبت إن المتأخر ورد قبل العمل بالمتقدم اخترنا جواز النسخ قبل العمل، ويكون المقصود من الحكم السابق إنما هو ابتلاء المكلفين ليتبين من يتقبل الحكم بالرضا والعزم على العمل به والاستعداد له. وعلى ذلك فهذا إنما يتأتى في النصوص المتعلقة بالأحكام، دون النصوص المتعلقة بالعقائد والفرق بين النصوص التي قيل إنها كانت من المجمل الذي ظاهر غير مراد، وهي متعلقة بالأحكام وبين النصوص المتعلقة بالعقائد التي ينفرد المتعمقون بإنكار ظواهرها من وجوه: الأول: أن الأولى يعقل فيها تأخر الحاجة كآية تنزل في شوال، وتتعلق بحكمٍ لصيام رمضان.

стр. 192

فأما الثانية: فالحكم المقصود منها يتعلق بالاعتقاد، وهو يحصل عقب السماع فوقت الحاجة فيها هو وقت الخطاب. الوجه الثاني: أن الأولى يعقل قيام قرينة تدافع الظهور. وأما الثانية فبعيد عن ذلك لأن كثيراً منها أو أكثرها كانت موافقة لعقول المخاطبين، فدلالة العقل تدفع ما قد يحتمل من قرينة وتصير النص صريحاً في ظاهره. الوجه الثالث: أن الأولى لا تخلوفائدة فقد ذهب حمع من أهل العلم إلى أن من احتاج إلى عمل ووجد نصاً يتعلق به إلا أنه يحتمل أن يكون له ناسخ أو مخصص أو مقيد، ولم يمكنه البحث حالاً كان عليه العمل بذلك النص ثم يبحث، ويشهد لهذا أن استقبال بين بيت المقدس نزل نسخه وأناس من المسلمين غائبون عن النبي ﵌، فبقي الحكم في حقهم استقبال بيت المقدس حتى بلغهم النسخ، وكذلك تحريم الخمر نزل وأناس من المسلمين غائبون، فبقي الحكم في حقهم حلها حتى بلغهم التحريم، هذا مع أن من أولئك الغائبين من غاب بعد أن علم أن النبي ﵌ يتوقع القبلة وتحريم الخمر، وعلى هذا فإذا جاز أن تنزل في شوال آية تتعلق بحكم رمضان وتكون مجملة لها ظاهر غير مراد وتكون هناك قرينة تدافع ذاك الظهور فسمعها بعض المسلمين ثم غاب، وطالت غيبته حتى دخل رمضان كان عليه العمل بتلك الآية، وإن كان محتملاً عنده نزل بع غيبة ما يبين أنها على خلاف الظاهر، فهذا ونحوه إنما يعقل في الأحكام التي يعقل فيها الاختلاف، فيكون الحكم حقاً في وقت أو حال، وباطلاً في غيره، فأما الاعتقادات فإنما تكون على حال واحدة. الوجه الرابع: أن الظهور في الأولى ضعيف واحتمال خلافه قوي، وذلك كالعموم، وقد قيل: ما من عام خص، وكالإطلاق وهو قريب من ذلك، والثانية كثير منها أو أكثرها صريحة في المعاني التي ينكرها المتعمقون، وما كان كذلك فلا مجال لتجويز أن يكون ذلك المعنى غير مراد، لأن ذلك يكون تكذيباً له.

стр. 193

الوجه الخامس: أن الأولى قليلة حتى أنكر جمع كثير من أهل العلم وقوع تأخير البيان بل أنكروا جوازه، والثانية كثير جداً. الوجه السادس: أن الأولى توجد النصوص المبينة لها صريحة واضحة في البيان، والثانية لا يوجد نص واحد بين في خلافها. وقد مر النظر في قوله تعالى: «ليس كمثله شيء» وما معها. الوجه السابع: أن الأولى لا يكاد ينقل من أقوال الصحابة والتابعين ما يتعلق بها إلا مع بيانها. والثانية لا يصح عن أحدهم منهم قول يخالف معانيها التي ينكرها المتعمقون، بل جاء عنهم مما يوافقها ويقرر معانيها وما يشبهها الكثير الطيب. وزعمكم أن السلف كانوا يعتقدون بطلان تلك المعاني، من العجب العجاب. ودونكم الحقيقة.

стр. 194

الباب الرابع: في عقيد السلف وعدة مسائل من تدبر القرآن وتصفح السنة والتأريخ علم يقيناً أنه لم يكن بين يدي السلف مأخذ يأخذون منه عقائدهم غير المأخذين السلفيين، وأنهم كانوا بغاية الثقة بهما والرغبة عما عداهما، وإلى ذلك دعاهم الشرع حتى لا تكاد تخلوا آية من آيات القرآن من الحض على ذلك. وهذا يقضي قضاء باتاً بأن عقائدهم هي العقائد التي يثمرها المأخذان السلفيان، يقطعون بما يفيدان فيه عندهم القطع، ويظنون ما لا يفيد أن فيه إلا الظن، ويقفون عما عدا ذلك، وهذا هو الذي تبينه الأخبار المنقولة عنهم كما تراها في التفاسير السلفية وكتب السنة، وهو الذي نقله أصاغر الصحابة عن اكبارهم، ثم نقله أعلم التابعين بالصحابة وأخصهم بهم واتبعهم لهم عنهم، ثم نقله صغار التابعين عن كبارهم، وهكذا نقله عن التابعين أعلم أتباعهم بهم، وأتبعهم لهم، وهلم جرا. وهذا قول السلفيين في عقيدة السلف، ويوافقهم عليه أكابر النظار، صرح بذلك من لم ينصب نفسه منصب المدافع عن الدين والمحامي عن عقائد المسلمين كابن سينا وابن رشد وأشار إليه من نصب نفسه ذاك المنصب كما يأتي في مسألة الجهة. وأما من دون هؤلاء فمضطربون فمنهم من يقف، ومنهم من يزعم أن السلف كانوا واقفين في غالب العقائد التي اختلف فيها من بعدهم يطلقون بألسنتهم ما يوافق ظاهر النصوص غير جازمين بأنه على ظاهره أو على غير ظاهره، ومنهم من ينتحل السلف، فمن أتباع الأشعرية من يقول كانت عقيدة السلف هي عقيدة

стр. 195

الأشعرية نفسها! فكانوا يرون بطلان ظواهر النصوص التي يقول الأشعرية ببطلانها! إلا أنهم لم يكونوا يخوضون في بيان معانيها الأخرى، فكانوا يعتقدون أن الله غير مباين للعالم ولا محايث له ولا ولا، ومع ذلك أنهم يطلقون أنه تعالى على عرشه فوق سماواته، معتقدين بطلان ظاهر هذا ساكتين عن معناه الذي يرونه صحيحاً! وهذا القول الأخير شهره المتعمقون حتى لا يكاد يخلوا عنه كتاب من كتب الخلف في أي فن كان. ويمكن أن يتشبثوا في الانتصار له بأن يقول: لا نزاع أن السلف كانوا أفضل الأمة وخيرها وأعلمها بالدين وأثبتها على الحق، وكان أسلافنا من المتعمقين علماء خياراً صالحين، يعرفون فضل السلف، فلم يكونوا ليخالفوهم. فيقال لهؤلاء إن أسلافكم ذهبوا إلى أنه لا يحتج بالعقائد بالكتاب ولا السنة ولا أقول السلف، بل كان المتبعون منهم من أجل خلق الله بالسنة، وأقول السلف، وإنما استقروا عقائدهم من النظر العقلي المتعمق فيه، ثم اعتراض بعض نصوص القرآن التي تخالف راية ورأي أشياخه من المتعمقين، فحاول صرفها عن معانيها، مع أنه في مواضع آخر يقرر أن مثل ذلك الصرف لا يسوغ وأن الخبر إذا كان صريحاً في معنى أو ظاهراً فيه ولا قرينة صحيحة تصرف عنه، فزعم أن ذاك المعنى غير واقع تكذيب للخبر وإن زعم أن المخبر تأول في نفسه معنى آخر كما تقدم إيضاحه غير مرة، وهكذا تصدى بعضهم لنصوص السنة التي تخالف راية ورأي أشياخه فرد بعضها زاعماً أنها مخالفة للعقل، وحاول صرف بعضها عن تلك المعاني كما صنعوا في نصوص القرآن، ولعلهم بظهور سخافتهم فيما يرتكبونه يحاولون ترويجه بأمرين: الأول: زعمهم أن الملجئ لهم إلى ذلك احتياجهم إلى الدفاع عن الدين، لئلا يلزم من مجيئه بتلك النصوص بطلانه! الثاني: عيب أئمة المؤمنين الذين يصدقون الله ورسوله، والسخرية منهم بأنهم لا

стр. 196

يعقلون ولا يفهمون، ويسمونهم «الحشوية» وغير ذلك من الأسماء المنفردة - كما صنع ابن الجويني المدعو إمام الحرمين في رده على كتاب «الإبانة» للحافظ أبي نصر السجزي، وذلك قبل أن يرجع ابن الجويني ويتمنى الموت على دين عجائز نيسابور، وكما صنع ابن فورك في كتابه (مشكل الحديث) ، وإني والله ما آسى على ابن فورك وإنما آسى على مسحوره البيهقي الذي امتلأ من تهويلات ابن فورك وغيره رعباً فاستسلم لهم وانقاد ورائهم. (١) وكان عبد الرزاق ابن همام الصنعاتي قد أخذ عن جعفر بن سليمان الضبعي طرفاً من التشيع، فشنعوا عليه بذلك حتى قال محمد بن أبي بكر المقدمي، فقدت عبد الرزاق، ما أفسد جعفر بن سليمان غيره، وليت شعري لوكان ابن فورك والبيهقي أدركا المقدمي ما عسى كان يقول فيها. فأما ما يعترضهم من كلام السلف، فإنهم يصرحون بقلة حياء بأن تلك الأقوال تجسيم كما صنعوا فيما صح عن كبار أئمة التابعين من تفسير الصمد بأنه الذي لا جوف له وقد مر ذلك في الباب الثالث. فإذا كان أشياخهم يردون القرآن والسنة ويجهلون أئمة السلف فكيف تظنون بهم أنهم لا يخالفون السلف؟ (فإن قيل) حاصل هذا أنهم كانوا يعتمدون النظر العقلي، وعلى هذا فما أثبته العقل فهو حق لا ريب فيه، وإذا كان حقاً فلن يكون الكتاب والسنة مخالفين له، ولن تكون عقيدة السلف إلا موافقة له، لأنهم خير الأمة وأفضلها وأعلمها بالحق وأولاها به. قلت: قد مر في الباب الأول كلمة «العقل» وقع فيها التدليس، فهناك العقل الفطري الصريح الذي لا التباس فيه، وهو الذي أعده الله تعالى ليبنى عليه الشرع والتكليف وهو الذي كان حاصلاً للأمم التي بعث الله تعالى فيها رسله وأنزل فيها كتبه، وهو الذي كان حاصلاً للصحابة ومن لعدهم من السلف، فهذا هو

стр. 197

الذي يسوغ أن يقال: إن ما أثبته قطعاً فهو حق، ودون ذلك نظر متعمق فيه، مبني على تدقيق وتخرص ومقاييس يلتبس فيها الأمر في الإلهيات ويشتبه ويكثر الخطأ واللغط، ويطول النزاع والمناقضة والمعارضة على ما أوضحناه في الباب الأول. فهذا هو الذي اعتمده أشياخكم مع اعترافهم بوهنه، ولذلك رجع بعض أكابرهم عنه كما سلف. فإن قالوا: وكيف يجوز أن يعتمد أولئك الأجلة على ما يسوغ الاعتماد عليه. قلت: لم يكونوا معصومين، وقد اختلفوا، وخالفهم من هو مثلهم وأعرف منهم بالنظر وبحسبكم أن أكابرهم رجعوا في أو اخر أعمارهم كما مر. هذا وما منا إلا من يعتز بآبائه وأشياخه، ويعز عليه أن يتبين أنهم كانوا على باطل، ولكن أقل ما يجب علينا أن نعلم أن آباءنا وأشياخنا لم يكونوا معصومين، وهب أنه يبعد عندنا جداً أن يكونوا تعمدوا الباطل، فما الذي يبعد أن يكونوا غلطوا وأخطأو ا؟ وعلى كل حال فليسوا إلا أفراداً من المسلمين وقد اختلف المسلمون، في الفرق الأخرى أئمة وأكابر إن لم يكونوا أفضل من آبائنا وأشياخنا فلم يكونوا دونهم، وإذا راجعت نفسك علمت أنك لست بأحق من مخالفك بالقناعة بما مضى عليه الآباء الأشياخ، وأنه كما يحتمل أن يكون آباؤه وأشياخه هم المبطلين عمداً أو خطأ فمن المحتمل أن يكونوا هم المحقين، بل الحق أنه لك ولا له في التضحية بالنفس والدين في سبيل التعصب الفارغ الذي يعود بالخسران المبين، وبالضرر على الآباء والأشياخ أنفسهم، كما مر في أو ائل الرسالة. فدع الآباء والأشياخ، والتمس الحق من معدنه، ثم إن شيءت فاعرض عليه مقالة آبائك وأشياخك فما وافقه حمدت الله تعالى على ذلك، وما خالفه التمست لهم العذر، برجاء أن يكونوا لم يعتمدوا الباطل، ولم يقصروا تقصيراً لا يسعه عفوالله ﵎، بل قد ثبت رجوع بعض أكابرهم كما مر (١) في الباب الأول، ولعل

стр. 198

غيرهم قد رجع وإن لم ينقل. فإذا سلكت هذه الطريق فقد هديت، وإن أبيت إلا التعصب لآبائك وأشياخك، والجمود على اتباعهم، فقد قامت عليك الحجة. والله المستعان. (الأينية، أو الفوقية ، أو كما يقولون: الجهة) أطلقت أنا: الأينية لما ثبت عن النبي ﵌ من قوله للسوداء: أين الله؟ قالت: في السماء، وفي آخر الحديث قوله ﵌ لسيدها: اعتقها فإنها مؤمنة. وفي حديث أبي رزين العقيلي قال: «قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما تحته هو اء وما فوقه هو اء، وخلق عرشه على الماء» (٢) في الأثر عن عثمان أنه قال لرجل ظنه أعرأبياً: «يا أعرأبي أين ربك؟» . وأرى أن أسوق هنا عبارة الشيخ أبي الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة) (١)

стр. 199

تأنيساً للمنتسبين إليه وغيرهم لأنه أشهر المتبوعين في المقالات التعمقية، وفي (روح المعاني) وغيره أن كتاب (الإبانة) آخر مصنفاته - قال: «باب ذكر الاستواء على العرش: إن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ قيل له نقول: إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» ، وقد قال الله : «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ» ، وقال: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه» ، وقال : «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه» ، وقال حكاية عن فرعون: «يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً» كذب موسى ﵇ في قوله إن الله فوق السموات، وقال : «أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْض» ، فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال: «أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ، لأنه مستوعلى العرش الذي فوق السموات وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السموات ... ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحوالسماء لأن الله مستوعلى العرش الذي هو فوق السموات ... (سؤال) وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية أن قول الله : [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» أنه استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على

стр. 200

عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة. ولوكان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض ... وزعمت المعتزلة والحرورية (١) والجهمية أن الله في كل مكان، فلزمهم أن الله في بطن مريم، وفي الحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم ... » . ثم ساق الكلام وذكر حديث «ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا ... » من طرق، ثم قال: (دليل آخر) : وقال الله : «يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» ، وقال «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه» ، وقال: «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ» ، وقال: «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً» ، وقال: «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ» فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه ...

стр. 201

(دليل آخر) : وقال : «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً» ، وقال: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ» ، وقال: [) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى» إلى قوله: «لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى» ، وقال لعيسى بن مريم ﵇: «إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ» ، وقال: «وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» . وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم يقولون جميعاً: يا ساكن العرش، ومن حلفهم جميعاً: لا والذي احتج بسبع سماوات ... دليل آخر: وقال : «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» ، وقال «وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِم» ، وقال «وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُورُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» ، وقال : «وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّا» ... فلم يثبتوا (١) له في وصفهم حقيقة، ولا أو جب له الذي يثبتون له بذكرهم إياه وحدانية، إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أو صافهم تدل على النفي أو التعطيل، ... وروت العلماء عن عبد الله بن عباس أنه قال:

стр. 202

«تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله فوق ذلك» . دليل آخر: وروت العلماء عن النبي ﷺ بأمة سوداء فقال يا رسول الله إني أري أن اعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها؟ فقال لها النبي ﷺ أين الله؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ : اعتقها فإنها مؤمنة. وهذا يدل أن اللع على عرشه فوق السماء.» (١) يعلم من عبارة الأشعري وغيرها أن الأمة كانت مجمعة على إثبات الأينية (٢) غير أن السلف يثبتون الفوقية، والجهمية تقول بالمعية، أي أنه تعالى في كل مكان، وثبت السلفيون على قول السلف على الحقيقة، ووافقهم على ذلك في الجملة فرق قد انقرضت، وصار المتعمقون إلى فرقتين، الأولى: تدعي موافقة السلف، والأخرى: تنمى إلى الجهمية، واتفقت الفرقتان على نفي الأينية، لكن الأولى تطلق ما يظهر منه الفوقية، وتتأول ذلك بالفوقية المعنوية، والثانية: تطلق أنه تعالى في كل مكان، وتتأول ذلك بالعلم والقدرة، وعرضهما التمويه والتمهيد لتأويل النصوص وأقوال من سبق. وعلى كل حال فعبارة الأشعري التي سقناها صريحة واضحة في أنه يثبت الفوقية الذاتية على الحقيقة، والمنتسبون إليه يواربون محتجين بأنه ينفي الجسمية.

стр. 203

فيقال لهم: إن كان صريح بنفي الجسمية فيحتمل حاله أوجهاً: الأول: أن يكون رجع عن ذلك وقد تقدم أن (الإبانة) آخر مصنفاته. الثاني: أن يكون إنما ينفي الجسمية المستلزمة للمحذور - على حد قول جماعة: «جسم لا كالأجسام» . الثالث: أن يكون يخص اسم الجسم بما يستلزم المحذور، ويرى أن ما ثبت لله بما ذكره في عبارته السابقة من الفوقية والنزول كل ليلة إلى السماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة، وغير ذلك لا يقتضي أن يسمى جسماً، وإن كان يستلزم ما يسميه غيره جسمية. وأيا ما كان فلندع الأشعري وننظر في أصل القضية. احتج مثبتو الأينية مع النصوص الشرعية وإجماع السلف بأنه لا يعقل الموجود بدونها، وهذا من أجلى البديهيات وأوضح الضروريات. أجاب المتعمقون بأن هذه بديهية وهمية، قال الغزالي في (المستصفي) ج ١ ص ٤٦: «السادس الوهميات، وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشاراً إلى جهته، فإن موجوداً لا متصلاً بالعالم، ولا منفصلاً عنه، ولا داخلاً، ولا خارجاً محال، وإن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات الست خالية عنه محال ... ومن هذا القبيل نفرة الطبع عن قول القائل، ليس وراء العالم خلاء ولا ملأ. وهاتان قضيتان وهميتان كاذبتان: والأولى منهما: ربما وقع لك الإنس بتكذيبها لكثرة ممارستك للأدلة العقلية الموجبة إثبات وجود ليس في جهة ... وهذه القضايا مع أنها وهمية فهي في الأنفس لا تتميز عن الأوليات القطعية ... بل يشهد به أول الفطرة كما يشهد بالأوليات العقلية» . قال المثبوت: أما أن القضية بديهية فطرية فحق لا ريب فيه. وأما زعم أنها وهمية فباطل، فإن القضايا الوهمية من شأنها أن ينكشف حالها بالنظر انكشافاً

стр. 204

واضحاً، ومن شأن الشرع إذا كانت ماسة بالدين كهذه أن يكشف عنها. وكلا هذين منتف، أما الشرع فإنما جاء بتقرير هذه القضية وتثبيتها وتأكيدها بنصوص صريحة تفوق الحصر، بل أصل بناء الشرائع على نزول الملك من عند الله بالوحي على أنبيائه. وأما النظر فقد اعترف الغزالي بأن أقصى ما يمكن من مخالفته لهذه القضية أنه ربما حصل الإنس بتكذيبها لمن كثرت ممارسته للأدلة العقلية ... ، ففي هذا أن تلك الأدلة كلها فضلاً عن بعضها لا تثمر اليقين، ولا ما يقرب منه، ولا ما يشبهه، وإنما غايتها أنه ربما حصل الإنس لمن كثرت ممارسته لها. وقد شرح الغزالي نفسه في (المستصفى) ج ١ ص ٤٣ يقين النفس بقوله: «أن تتيقن وتقطع به، وينضاف إليه قطع ثان، وهو أن تقطع بأن قطعها به صحيح، وتتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس، فلا يجوز الغلط في يقينها الأول، ولا في يقينها الثاني، ويكون صحة يقينها الثاني كصحة يقينها الأول، بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ، بل حيث لوحكى لها عن نبي من الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها، فلا تتوقف في تكذيب الناقل، بل تقطع بأنه كاذب، أو تقطع بأن القائل ليس بني، وأن ما ظن بأنه معجزة فهي مخرقة، فلا يؤثر هذا في تشكيكها، بل تضحك من قائله وناقله، وإن خطر ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبياً على سرٍ به انكشف له نقيض اعتقادها فليس اعتقادها يقيناً، مثاله قولنا: الثلاثة أقل من الستة ... » فأنت إذا عرضت قوله: «ربما حصل لك الإنس ... » على هذا اليقين الذي شرحه علمت أن بينهما كما بين السماء والأرض، فثبت أن ما سماه أدلة عقلية موجبة إثبات موجود ليس في جهة، ليس معنى ايجابها ذلك إثمار اليقين ولا ما يقاربه ولا ما يشبهه، فإذا كانت كذلك فكيف تسوغ أن اعرض بها القضية البديهية الواضحة؟ فإن قيل: لكنها تزلزل اليقين بتلك القضية فلا تبقى يقينية؟

стр. 205

قلت: أما زلزلة اليقين في جميع النفوس فممنوع. وأما زلزلته في بعض النصوص فلا يقدح، ألا ترى أن من العقلاء من شك في البديهيات كلها وقدح فيها كما مر في الباب الأول؟ أولا ترى أن الغزالي نفسه صرح في كتابه (المنقذ من الضلال) بأنه نفسه كان يشك في الحسيات والبديهيات، وأنه بقي على ذلك نحو شهرين، وقد تقدم حكاية ذلك في الباب الأول (١) . فالحق أن اليقين قد يطرأ عليه التفات إلى الشبهات ورعب منها إذا حكيت عن جماعة اشتهروا بالتحقيق والتدقيق، وأنهم اعتمدوها فيعرض التشكك، وهذا هو الذي ربما يعرض هنا، بما ذكره الغزالي من كثرة الممارسة، وقد تقدم في الباب الأول أن القادحين في البديهيات احتجوا بقولهم: «من مارس مذهباً من المذاهب برهة من الزمان ونشأ عليه فإنه يجزم بصحته وبطلان ما يخالفه» . (٢) ولم يجب مخالفوهم إلا بقولهم: «الجواب أنه لا يدل على كون الكل كذلك» . فإذا كانت كثرة الممارسة للباطل قد تورث الجزم ببطلان ما يخالفه فكيف لا تورث ما ذكره الغزالي هنا بقوله: «ربما حصل لك الإنس» وإذا وجب أن لا يعتد بالجزم الحاصل عن طول الممارسة فكيف يعتد باحتمال حصول الإنس؟ ولوكان هذا كافياً للتشكيك في البديهيات، وخشية أن تكون وهمية لثبب القدح في عامة البديهيات وطوي بساط العقل وحقت السفسطة، وقد تقدم في الباب الأول (٣) قولهم في الجواب عن شبهات القادحين في البديهيات: «ولا نشتغل بالجواب عنها لأن الأوليات مستغنية من أي يذب عنها، وليس يتطرف إلينا شك فيها بتلك الشبه التي نعلم أنها فاسدة قطعاً، وإن لم يتيقن عندنا وجه فاسدها» . أفلا يكفي مثبتي الأينية (٤) أن يجيبوا عما سماه الغزالي أدلة بمثل هذا؟

стр. 206

فإن قيل: إن من تلك الأدلة البراهين على وجوب واجب الوجود لنه لا يصح كونه واجب الوجود إلا إذا لم يكن له أين فجمودهم على تلك القضية يقتضي نفي وجود واجب الوجود. قلت: البراهين الصحيحة على وجوده لا تقيد بعدم الأين، بل منها ما يقتضي بوجوده مع ثبوت الأين له، فأما المقاييس التي يتشبث بها النفاة فهي من الشبهات التي نتيقن فسادها وإن فرض أنه لم يتعين لنا وجهه. أقول: وفي هذا مع الأدلة الشرعية ما يكفي الراغب في الحق الخاضع له، فلا حاجة بنا إلى التشاغل بتلك الشبهات، ولكن أشير هاهنا إلى نكات: الأولى: المتعمقون يقولون أن ذاك البارئ مجردة، ثم منهم من يثبت ذوات كثيرة مجردة حتى عدوت منها الملائكة وأرواح الخلق، (١) ومنهم من يقتصر على تجويز ذلك، وردوا على من نفى ذلك محتجاً بأنه لووجدت ذات أخرى مجردة لكانت مماثلة لذات الله ، بأن المشاركة في التجرد لا تقتضي المماثلة التي تستلزم اشتراك الذاتيين فيما يجب ويجوز ويمتنع. وأنت إذا تدبرت علمت ما في هذا القول كما مر في الباب الثالث. (٢) فإن قيل: الإنصاف أن من أثبت المشاركة في أمر ما فقد أثبت المثل في مطلق ذاك الأمر، ولزوم التساوي في الأحكام إنما هو بالنظر لذاك الأمر فالمثبت الشريك في الوجود يلزمه تساوي الذاتين في أحكام مطلق الوجود، وهكذا يقال في التجرد والجسمية والأينية وغيرها وليس المحذور هنا إثبات مثل في أمر ما، ولا إثبات مساوفي أحكام أمر ما، وإنما المحذور لزوم حكم باطل.

стр. 207

قلت: فهذا يوضح سقوط تشبثهم بقوله تعالى: «ليس كمثله شيء» ، وقوله: «ولم يكن له كفواً أحد» ، ويبين ما قدمناه في ذلك في الباب الثالث. ولله الحمد. ثم أقول: التجرد المزعوم إنما حاصل عند العقول الفطرية العدم وذلك مناف للوجود فضلاً عن الوجوب، وعلى فرض أنه لا ينافي الوجود، فأي فرق يعقل بين ذاتين مجردتين حتى تكون هذه روح بعوضة وتلك ذات رب العالمين؟ فأما ذاتان مشتركتان في مطلق الأينية، فإن معقولية الفرق بينهما بغاية الوضوح، بل يجيئ ذلك في الجسمية وإن كنا لا نقول أنه جسم. فأما زعمهم أن في أحكام مطلق الأينية ما ينافي الوجود. فإنما مستندهم فيه تلك الشبهات التي تقدم أنه لا يلزمنا التشاغل بها للعلم ببطلانها مع اعتراف أشد أنصارها تحمساً ومجازفة بأن غايتها أنها ربما تورث منطالت ممارسته لها الأنس بمقتضاها، ومن تدبر تلك الشبهات علم وهنها. يقول الفلاسفة: إن ذات الله تعالى وجود. ومال إلى هذا كثير من متأخري المتكلمين.وأو رد عليهم أن الوجود عندهم أمر عدمي. فأجابوا بأنه لا مانع من تفاوت الأفراد، فيكون هذا الفرد المعروف من الوجود أمراً عدمياً، وفرد آخر منه واجب الوجود لذاته، ومن العجب أن يزعموا معقولية هذا، وينكروا معقولية التفاوت في الأينية، أو قل في الجسمية. (١) الثالثة القائلون: جسم لا كالأجسام، يقولون لا حاجة أن تلزمونا ذلك بإثباتنا الفوقية، بل نحن نلزمكم ذلك بما اعترفتم به أنه سبحانه موجود قائم بنفسه، بل ذلك

стр. 208

هو معنى القيام بالنفس، وهذه من أجلى البديهيات. وذكروا أن بعضهم أو رد هذا على أبي إسحاق الإسفرائني (١) ففر إلى قوله: إنما أعني بقولي: قائم بنفسه، أنه غير قائم بغيره. وهذا عجب! فإنه إذا كان موجوداً والموجود إما قائم بنفسه، وإما قائم بغيره، فقوله: «غير قائم بغيره» ، إنما حاصله أنه قايم بنفسه، فحاصل جوابه إنما يعني بقوله " قايم بنفسه، أنه قيم بنفسه! أقام يُعْمِلُ أياماً رَوَّيته ... وشبَّه الماء بعد الجهد بالماء الرابعة: في عبارة الغزالي ذكر قضية الخلاء والملأ، فالفلاسفة ومن تبعهم قولون: إنه ليس وراء العالم خلاء ولا ملأ، والعقول الفطرية تنكر ذلك، وأو رد عليهم أنا إذا فرضنا إنساناً على طرف العالم فمد يده إلى خارجه فإن امتدت فثم خلاء، وإلا فثم ملأ، فأجابوا باختيار أنها لا تمتد، ولكن لا لوجود ملأ، بل لعدم شرط الامتداد وهو الخلاء. أقول: وهذه القضية قريبة من سابقتها. فإن الفطر قاضية بأن الخلاء والملأ إذا فقد أحدهما وجد الآخر، وعلى هذا ففقد الخلاء ومعناه وجود الملأ. الخامسة: مذهب المتكلمين أن الخلاء أمر عدمي، والأعدام قديمة، واستدل الفلاسفة على أنه أمر وجودي بأنه يشار إليه ويتقدر، ومما دفع أنهم يقولون: ليس وراء العالم خلاء ولا ملأ، فلنفرض أن الله خلق وراء العالم جدراناً وخلق لها خلاء (٢) تقوم فيه وتكون بحيث يأتلف منها مربع ويبقى جوفه على ما كان عليه، فإن ذاك الجوف يكون مشاراً إليه متقدراً، ومع أنه بات على ما كان

стр. 209

عليه. والعقول الفطرية يمكنها أن تتصور أن يكون الكون له جسماً واحداً مثلاً، وأن تتصور عدم الأجسام، وأن يكون الكون كله خلاء، (١) ولا تتصور ارتفاع الأمرين، وهذا يقضي بأن الخلاء أمر عدمي، فإن يعقل ارتفاع العدم بالوجود، ويستحيل ارتفاعهما معاً. (١) وظواهر النصوص الشرعية توافق هذا، فإنها تعرضت لخلق العالم في الخلاء، ولم تتعرض لخلق الخلاء، بل في عدة نصوص ما يقتضي أن الخلاء لم يكن مرتفعاً (٢) فقط قبل وجود الملأ، ولا أعلم من سلف المسلمين قائلاً بأن الخلاء أمر وجودي، وانه لم يكن خلاء ولا ملأ حتى خلق الله تعالى ذلك. وقال لي قائل: هب أن زاعماً زعم أن الخلاء وجودي، وأنه قديم محذور في هذا؟ فإن الخلاء لا يصلح أن يكون منه تخليق ولا تدبير فلا يتوهم أن يكون هو رب العالمين أو مغنياً عنه أو شريكاً له، وقضية الافتقار إليه على فرض كونه واجباً لا ينافي الوجود، ولا تز عن الافتقار إليه على فرض أنه عدمي، وعلى الافتقار إلى المانع نحو ذلك. وأقول: خير لمن يعرض له مثل هذا أن يعرض عن التفكير، ويستغني بما ثبت بالقواطع، وسيأتي لهذا مزيد. والله الموفق. السادسة: من تدبر عبارة الغزالي علم أنه يعترف أن العرب والصحابة والتابعين

стр. 210

وكل من لم تطل ممارسته لمزاعم الفلاسفة في التجرد (١) إذا أيقن أحدهم بوجود الله فإنه يوقن بثبوت الأينية له ولابد، وإذ كانت الفطر قاضية بأنه سبحانه فوق سمواته، فإنهم يوقنون بذلك على ظاهره وحقيقته، فإذا سمعوا النصوص الشرعية الموافقة لذلك، فإنما يفهمون منها تلك المعاني الموافقة، وليس في وسع أحد منهم أن يتوقف عن فهم ذلك منها، وعلى فرض أن في النصوص ما يشعر بخلاف ذلك، فإنهم يحملونه على خلاف ما يشعرون به. وبهذا تعلم أن من ينكر تلك المعاني فإنه ينسب النصوص إلى الكذب البتة، ولعل للغزالي عبارات أصرح مما ذكر، وفيما ذكر كفاية، وفإن الأمر واضح جداً. وكذلك غيره من المتعمقين يلزمهم ذلك، ويظهر من حالهم أنهم يعرفونه ويعترفون به. ومن آخرهم السعد التفتازاني قال في (شرح المقاصد) : - «فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفي الحيز والجهة فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع واحد منها تصريح بنفي ذلك وتحقيق (؟) كما كررت الدلالة على وجود الصانع ووحدته وعلمه وقدرته وحقيقة المعاد وحشر الأجساد في عدة مواضع وأكدت غاية التأكيد، مع أن هذا أيضاً حقيق بغاية التأكيد والتحقيق لما تقرر في فطرة العقلاء مع اختلاف الأديان والآراء من التوجه إلى العلوعند الدعاء ومد الأيدي إلى السماء؟ أجيب: بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعزتهم إلى الحق ما يكون ظاهراً في التشبيه وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمة الحدوث» .

стр. 211

أقول: تدبر عبارة هذا الرجل وانظر ما فيها من التلبيس والتدليس! أولاً: قوله: «الدين الحق» وكل مسلم يعلم (أن الدين عند الله الإسلام) والإسلام باعتراف هذا الرجل جاء بنقيض ما زعم أنه الدين الحق، وكذلك جميع أديان الأنبياء، فكيف يقول مسلم أن الدين الحق نقيض ما جاء به الأنبياء؟ ثم ما الذي جعله حقاً وهو مع مخالفته للكتب والسنة وسائر كتب الله تعالى وأنبيائه منابذ لبدائة العقول؟! ثانياً قوله: «مشعرة» ومن عرف الكتاب والسنة علم يقيناً أن نصوصهما بغاية الصراحة في الإثبات. ثالثاً قوله: «تقصر عنه عقول العامة» والحق أن العقول كلها تنبذه البتة، إلا أن من أرعبته شبه المخالفين لعظمتهم في وهمه وطالت ممارسته لها قد يأنس بالنفي الساقط كما تتقدم، وهذا الأنس إنما هو ضرب من للحيرة بل هو ضرب من الجنون، افرض أنك خرجت من بيتك وعلى رأسك عمامة فيلقاك رجل فيقول لك: لم خرجت بلا عمامة؟ فترى أنه يمازحك، قم يلقاك آخر فيقول لك نحوما قال الأول، ثم يلقاك ثالث، ثم رابع ثم خامس وهكذا كل منهم يقول لك نحومقالة الأول، ألا ترتاب في نفسك وتخاف أن تكون قد جننت حيث تعتقد أن على رأسك عمامة تراها وتلمسها وتحس بثقلها وهؤلاء كلهم ينفون ذلك، وينتهي بك الحال إلى أن تحاول أن تقنع نفسك بأنه ليس على رأسك عمامة، وتتقي أن تخبر أحداً بأنك تعتقد أن على رأسك عمامة، بل قد ترى الأولى أن ترمي العمامة حتى يتفق اعتقادك واعتقاد الناس، ولكن افرض رميت بها واعتقدت أنه ليس على رأسك عمامة حتى يتفق اعتقادك واعتقاد الناس، ولكن افرض أنك رميت العامة واعتقدت أنه ليس على رأسك عمامة فلقيك رجل فقال لك: عمامتك هذه كبيرة، ثم لقيك آخر فقال: عمامتك هذه وسخة، ثم ثالث ثم رابع ثم خامس وهلم جرا كل منهم يثبت لك أن على رأسك عمامة، فماذا يكون حالك؟ وقد وقع ما يشبه هذا فكانت نتيجته الجنون!

стр. 212

أُخبرت أنه كان في هذه البلدة امرأة من نساء كبار الأمراء وكان ولد يعارضها ويمانعها عما تريد، واشتدت مضايقته لها، حتى عمدت إلى جماعة أعدتهم لمجالسة ولدها وصحبته وأن يتعمدوا مخالفته وإظهار التعجب منه في أشياء كثيرة، كانوا يقولون في الحلوإنه حامض، وفي الأصفر إنه أحمر، ونحوذلك ففعلوا ذلك وألحوا فيه حتى تشكك الولد وجن. وأُخبرت أنه كان لرجل من كبار الوزراء ابن أخ أو قريب آخر، وكان القريب عاقلاً ذكياً فطناً مهذباً نبيل الأخلاق، وكان الأبن دون ذلك فخاف الوزراء أن يموت فيتولى الوزراة قريبه دون أبنه، فأعد جماعة لمجالسة قريبه وأمرهم بمخالفته، وتشكيكه، ففعلوا ذلك حتى جن المسكين. (١) رابعاً قوله: «حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة» . والحق أنها تجزم بذلك كل الجزم، إلا أن يبتلى بعضها بالتشكك كما مر. خامساً قوله: «مع تنبيهات دقيقة» إن أراد بالتنبيهات قوله تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» ونحوها فقد تقدم الجواب، وإن أراد الدلائل على وجوب الوجود والغنى فقد تقدم الكلام فيها، وعلى كل حال فليس في العقول

стр. 213

الفطرية ولا النصوص الشرعية ما يصح ونظراءه لزوماً واضحاً تكذيب النصوص ولابد. وقد حكى بعض المحشين على (المواقف) عبارة التفتازاني المذكورة ثم تعقبها بقوله: «فيه فتح باب الباطنية لأنه جاز إظهار الباطل حقاً في آيات كثيرة وتقريره في عقول عامة المسلمين لقصور دركهم جاز مثله في سائر الأحكام كخلود العذاب الجسماني والجنة والجسماني والصراط الأدق من الشعر لأن الصرف عن الظاهر لا يتوقف على استحالة بل الاستبعاد كاف نحورأيت الأسد في الحمام، فالحق أن تأويل تلك الآي بظهور المجرد في صورة الجسماني» . أقول: حاصل هذا التعقب موضحاً أن الاستحالة المزعومة لم تكن تدركها عقول المخاطبين فلا يصح عدها قرينة تدفع الكذب، فإن زعمتم أنه اقتضت المصلحة التسامح في هذا والاكتفاء بجواز الكذب من الله ورسله والتكذيب منكم بأن هناك ما لوعلمه المخاطبون لكان قرينة وهو الاستحالة العقلية كان للبطنية أن يعتذروا بنحوعذركم عن تأويلاتهم لغالب العقائد والأحكام متشبثين بدعوى الاستبعاد كما تشبثتم بدعوى الاستحالة، والحاصل أنكم تشبثتم باقتضاء المصلحة ودعوى وجود ما لوعلمه المخاطبون لكان قرينة، وهذه حال الباطنية أيضاً. ثم أقول: الاستحالة مدفوعة، وكثير من النصوص صريح لا يحتمل غير ذاك المعنى الذي ينكره المتعمقون، والكلام الذي غير الظاهر احتمالاً قريباً لا يصرف عن ظاهر إلا بقرينة، ومن شرط القرينة أن يكون من شأنها أن لا تخفى على المخاطب، فإن لم يتحمل غير ظاهره أو احتمله ولا قرينة فزعم أن ظاهره باطل تكذيب له ولابد، ومعلوم من الدين بالضرورة استحالة أن يقع كذب من الله تعالى أو من رسوله فيما يخبر به عنه، والله تعالى أجل وأعظم من أن يكذب

стр. 214

لمصلحة، والمصلحة المزعومة قد مر إبطالها في الباب الثالث، ومر هناك ما يكفي ويشفي. فأما ظهور المجرد في صورة الجسماني، فالتجرد المزعوم لا حقيقة له، وإنما المعروف ثمثل الملك بشراً ولا يلزم من جواز ذلك في المخلوق جوازه أو نحوه في الخالق جل وعلا، ومع ذلك فتلك حال عارضة والنصوص صريحة في حال مستقرة مستمرة وبدائه العقول تقتضي بذلك كما لا يخفى. والله الموفق. السابعة: المباحث التي تتعلق بالتدقيق في شأن وجود الله ، يلتبس فيها الأمر فينزل النظر من الوجود الواجب الذاتي الذي لم يزل الممكن والحادث كما تقدم في الباب الثالث (١) وتقدم هناك المخلص من أمثال ذلك، وإمتثالاً لذلك نقول: إننا لا نطلق ما لم يطلقه الشرع ولا وضح به الحق، وإنما ندين بما ثبت بالمأخذين السلفيين، عاملين أنه لا يلزم الحق إلا حق، فكل ما ثبت بالمأخذين السلفيين فهو حق، وم اأو رد عليه من الإلزامات التعمقية لم يخل الخال أن يكون اللزوم باطلاً أو يكون اللازم حقاً لا ينافي ما ثبت بالمأخذين السلفيين. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنه لا حول ولا قوة إلا بالله. القرآن كلام الله غير مخلوق هذه القضية كانت بغاية الوضوح في عهد السلف، ثم جحدها الزائغون، ثم التبس الأمر فيها على بعض الناس، وقد كفى فيها وشفى ما بينه إمام السنة أبوعبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، ثم ما حرره الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل

стр. 215

البخاري، ثم ما حققه ونقحه شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية، ولكن لا أخلي هذه الرسالة عن إشارة إلى ذلك، فأقول: العقول الفطرية قاضية بأن لله تعالى الكمال المطلق والقدرة التامة، وأنه متى شاء أن يتكلم الكلام الحقيقي المعروف بعبارة وحرف وصوت تكلم كيف شاء، ثم جاءت كتب الله تعالى ورسله بإثبات أنه سبحانه تكلم ويتكلم، وكلم ويكلم، وقال ويقول، ونادى وينادي، وأن القرآن هذا المعروف كلام الله على الحقيقة الحقة. وقد أخبر الله تعالى أن الجمادات قد تتكلم كلاماً حقيقياً، وأن أعضاء الإنسان تنطق يوم القيامة فتشهد عليه، وأخبر النبي ﵌ أنه كان يسمع تسليم الحجر والشجر عليه، وأسمع أصحابه تسبيح الحصى. فكان من المعلوم عند الناس أن التكلم بالعبارة والحرف والصوت ليس موقوفاً على الآلات التي يتكلم بها الإنسان، بل قد يتكلم المخلوق بغيرها فكيف الخالق ؟ فلم يلزم من تكلم الله أن يكون له جوف اوغير ذلك مما هو منزه عنه. ثم جحد الزائغون كلام الله ، وحاولوا تحريف معاني النصوص التي لا تحصى تحريفاً ليس بخير من التكذيب الصريح، بل لعله شر منه، ثم حال بعض الناس التلبيس فحمل النصوص على كلام نفسي ليس بعبارة ولا حرف ولا صوت، بل راد أنه معنى واحد لا تنوع فيه ولا تعدد، فلا أمر فيه ولا نهي، ولا خبر ولا ولا، ثم لم يزالوا في تخبيط وتخليط إلى أن صاروا إلى ما في (روح المعاني) ج ١ ص ١٥ قال: «الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين كالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى ﵇ سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغاً لا ينبغي معه تأويل، ولا يناسب معه قال وقيل» . ثم ذكر آيات النداء ثم قال: «واللائق بمقتضى اللغة والأحاديث أن يفسر النداء بالصوت، بل قد ورد إثبات
следующие страницы →