← Акыда

Акыда · id 12761

القائد إلى تصحيح العقائد

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (252 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أقول: تدبر عبارة هذا الرجل وانظر ما فيها من التلبيس والتدليس! أولاً: قوله: «الدين الحق» وكل مسلم يعلم (أن الدين عند الله الإسلام) والإسلام باعتراف هذا الرجل جاء بنقيض ما زعم أنه الدين الحق، وكذلك جميع أديان الأنبياء، فكيف يقول مسلم أن الدين الحق نقيض ما جاء به الأنبياء؟ ثم ما الذي جعله حقاً وهو مع مخالفته للكتب والسنة وسائر كتب الله تعالى وأنبيائه منابذ لبدائة العقول؟! ثانياً قوله: «مشعرة» ومن عرف الكتاب والسنة علم يقيناً أن نصوصهما بغاية الصراحة في الإثبات. ثالثاً قوله: «تقصر عنه عقول العامة» والحق أن العقول كلها تنبذه البتة، إلا أن من أرعبته شبه المخالفين لعظمتهم في وهمه وطالت ممارسته لها قد يأنس بالنفي الساقط كما تتقدم، وهذا الأنس إنما هو ضرب من للحيرة بل هو ضرب من الجنون، افرض أنك خرجت من بيتك وعلى رأسك عمامة فيلقاك رجل فيقول لك: لم خرجت بلا عمامة؟ فترى أنه يمازحك، قم يلقاك آخر فيقول لك نحوما قال الأول، ثم يلقاك ثالث، ثم رابع ثم خامس وهكذا كل منهم يقول لك نحومقالة الأول، ألا ترتاب في نفسك وتخاف أن تكون قد جننت حيث تعتقد أن على رأسك عمامة تراها وتلمسها وتحس بثقلها وهؤلاء كلهم ينفون ذلك، وينتهي بك الحال إلى أن تحاول أن تقنع نفسك بأنه ليس على رأسك عمامة، وتتقي أن تخبر أحداً بأنك تعتقد أن على رأسك عمامة، بل قد ترى الأولى أن ترمي العمامة حتى يتفق اعتقادك واعتقاد الناس، ولكن افرض رميت بها واعتقدت أنه ليس على رأسك عمامة حتى يتفق اعتقادك واعتقاد الناس، ولكن افرض أنك رميت العامة واعتقدت أنه ليس على رأسك عمامة فلقيك رجل فقال لك: عمامتك هذه كبيرة، ثم لقيك آخر فقال: عمامتك هذه وسخة، ثم ثالث ثم رابع ثم خامس وهلم جرا كل منهم يثبت لك أن على رأسك عمامة، فماذا يكون حالك؟ وقد وقع ما يشبه هذا فكانت نتيجته الجنون!

стр. 212

أُخبرت أنه كان في هذه البلدة امرأة من نساء كبار الأمراء وكان ولد يعارضها ويمانعها عما تريد، واشتدت مضايقته لها، حتى عمدت إلى جماعة أعدتهم لمجالسة ولدها وصحبته وأن يتعمدوا مخالفته وإظهار التعجب منه في أشياء كثيرة، كانوا يقولون في الحلوإنه حامض، وفي الأصفر إنه أحمر، ونحوذلك ففعلوا ذلك وألحوا فيه حتى تشكك الولد وجن. وأُخبرت أنه كان لرجل من كبار الوزراء ابن أخ أو قريب آخر، وكان القريب عاقلاً ذكياً فطناً مهذباً نبيل الأخلاق، وكان الأبن دون ذلك فخاف الوزراء أن يموت فيتولى الوزراة قريبه دون أبنه، فأعد جماعة لمجالسة قريبه وأمرهم بمخالفته، وتشكيكه، ففعلوا ذلك حتى جن المسكين. (١) رابعاً قوله: «حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة» . والحق أنها تجزم بذلك كل الجزم، إلا أن يبتلى بعضها بالتشكك كما مر. خامساً قوله: «مع تنبيهات دقيقة» إن أراد بالتنبيهات قوله تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» ونحوها فقد تقدم الجواب، وإن أراد الدلائل على وجوب الوجود والغنى فقد تقدم الكلام فيها، وعلى كل حال فليس في العقول

стр. 213

الفطرية ولا النصوص الشرعية ما يصح ونظراءه لزوماً واضحاً تكذيب النصوص ولابد. وقد حكى بعض المحشين على (المواقف) عبارة التفتازاني المذكورة ثم تعقبها بقوله: «فيه فتح باب الباطنية لأنه جاز إظهار الباطل حقاً في آيات كثيرة وتقريره في عقول عامة المسلمين لقصور دركهم جاز مثله في سائر الأحكام كخلود العذاب الجسماني والجنة والجسماني والصراط الأدق من الشعر لأن الصرف عن الظاهر لا يتوقف على استحالة بل الاستبعاد كاف نحورأيت الأسد في الحمام، فالحق أن تأويل تلك الآي بظهور المجرد في صورة الجسماني» . أقول: حاصل هذا التعقب موضحاً أن الاستحالة المزعومة لم تكن تدركها عقول المخاطبين فلا يصح عدها قرينة تدفع الكذب، فإن زعمتم أنه اقتضت المصلحة التسامح في هذا والاكتفاء بجواز الكذب من الله ورسله والتكذيب منكم بأن هناك ما لوعلمه المخاطبون لكان قرينة وهو الاستحالة العقلية كان للبطنية أن يعتذروا بنحوعذركم عن تأويلاتهم لغالب العقائد والأحكام متشبثين بدعوى الاستبعاد كما تشبثتم بدعوى الاستحالة، والحاصل أنكم تشبثتم باقتضاء المصلحة ودعوى وجود ما لوعلمه المخاطبون لكان قرينة، وهذه حال الباطنية أيضاً. ثم أقول: الاستحالة مدفوعة، وكثير من النصوص صريح لا يحتمل غير ذاك المعنى الذي ينكره المتعمقون، والكلام الذي غير الظاهر احتمالاً قريباً لا يصرف عن ظاهر إلا بقرينة، ومن شرط القرينة أن يكون من شأنها أن لا تخفى على المخاطب، فإن لم يتحمل غير ظاهره أو احتمله ولا قرينة فزعم أن ظاهره باطل تكذيب له ولابد، ومعلوم من الدين بالضرورة استحالة أن يقع كذب من الله تعالى أو من رسوله فيما يخبر به عنه، والله تعالى أجل وأعظم من أن يكذب

стр. 214

لمصلحة، والمصلحة المزعومة قد مر إبطالها في الباب الثالث، ومر هناك ما يكفي ويشفي. فأما ظهور المجرد في صورة الجسماني، فالتجرد المزعوم لا حقيقة له، وإنما المعروف ثمثل الملك بشراً ولا يلزم من جواز ذلك في المخلوق جوازه أو نحوه في الخالق جل وعلا، ومع ذلك فتلك حال عارضة والنصوص صريحة في حال مستقرة مستمرة وبدائه العقول تقتضي بذلك كما لا يخفى. والله الموفق. السابعة: المباحث التي تتعلق بالتدقيق في شأن وجود الله ، يلتبس فيها الأمر فينزل النظر من الوجود الواجب الذاتي الذي لم يزل الممكن والحادث كما تقدم في الباب الثالث (١) وتقدم هناك المخلص من أمثال ذلك، وإمتثالاً لذلك نقول: إننا لا نطلق ما لم يطلقه الشرع ولا وضح به الحق، وإنما ندين بما ثبت بالمأخذين السلفيين، عاملين أنه لا يلزم الحق إلا حق، فكل ما ثبت بالمأخذين السلفيين فهو حق، وم اأو رد عليه من الإلزامات التعمقية لم يخل الخال أن يكون اللزوم باطلاً أو يكون اللازم حقاً لا ينافي ما ثبت بالمأخذين السلفيين. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنه لا حول ولا قوة إلا بالله. القرآن كلام الله غير مخلوق هذه القضية كانت بغاية الوضوح في عهد السلف، ثم جحدها الزائغون، ثم التبس الأمر فيها على بعض الناس، وقد كفى فيها وشفى ما بينه إمام السنة أبوعبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، ثم ما حرره الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل

стр. 215

البخاري، ثم ما حققه ونقحه شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية، ولكن لا أخلي هذه الرسالة عن إشارة إلى ذلك، فأقول: العقول الفطرية قاضية بأن لله تعالى الكمال المطلق والقدرة التامة، وأنه متى شاء أن يتكلم الكلام الحقيقي المعروف بعبارة وحرف وصوت تكلم كيف شاء، ثم جاءت كتب الله تعالى ورسله بإثبات أنه سبحانه تكلم ويتكلم، وكلم ويكلم، وقال ويقول، ونادى وينادي، وأن القرآن هذا المعروف كلام الله على الحقيقة الحقة. وقد أخبر الله تعالى أن الجمادات قد تتكلم كلاماً حقيقياً، وأن أعضاء الإنسان تنطق يوم القيامة فتشهد عليه، وأخبر النبي ﵌ أنه كان يسمع تسليم الحجر والشجر عليه، وأسمع أصحابه تسبيح الحصى. فكان من المعلوم عند الناس أن التكلم بالعبارة والحرف والصوت ليس موقوفاً على الآلات التي يتكلم بها الإنسان، بل قد يتكلم المخلوق بغيرها فكيف الخالق ؟ فلم يلزم من تكلم الله أن يكون له جوف اوغير ذلك مما هو منزه عنه. ثم جحد الزائغون كلام الله ، وحاولوا تحريف معاني النصوص التي لا تحصى تحريفاً ليس بخير من التكذيب الصريح، بل لعله شر منه، ثم حال بعض الناس التلبيس فحمل النصوص على كلام نفسي ليس بعبارة ولا حرف ولا صوت، بل راد أنه معنى واحد لا تنوع فيه ولا تعدد، فلا أمر فيه ولا نهي، ولا خبر ولا ولا، ثم لم يزالوا في تخبيط وتخليط إلى أن صاروا إلى ما في (روح المعاني) ج ١ ص ١٥ قال: «الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين كالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى ﵇ سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغاً لا ينبغي معه تأويل، ولا يناسب معه قال وقيل» . ثم ذكر آيات النداء ثم قال: «واللائق بمقتضى اللغة والأحاديث أن يفسر النداء بالصوت، بل قد ورد إثبات

стр. 216

الصوت لله تعالى شأنه في أحاديث لا تحصى، وأخبار لا تستقصى. روى البخاري في (الصحيح) : يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان» . ثم ذهب إلى تخليط المتصوفة، إلى أن قال: والفرق بين سماع موسى ﵇ كلام الله تعالى وسماعنا له على هذا أن موسى ﵇ سمع من الله واسطة لكن من وراء حجاب، ونحن إنما نسمعه من العبد التالي» . وعاد إلى تخليط المتصوفة. فأقول: قد مر الله ﵎ عباده بتدبر القرآن وتصديقه والإيمان به على حسب فطرهم وعقولهم الفطرية، ولم يكلفهم تعمق المتكلمين فضلاً عن تغلغل المتصوفة، سواء أكان عن تخيل أم عن تعقل، وفي (الصحيحين) عن ابن عمر «قال رسول الله ﷺ : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا (أشار بيديه مبسوطة أصابعهما) وعقد الإبهام على الثالثة، ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا (أشار بها مبسوطة أصابعهما في الثلاث كلها) يعني تمام الثلاثين يعني تسعة وعشرين مرة ثلاثين» . وإذ أعترف المتعمقون بأن الله ﵎ يتكلم بلا واسطة بعبارة وحرف وصوت ويسمع كلامه من يشاء من خلقه، فهذا الذي قامت عليه الحجة، وعليه سلف الأمة وأتباعهم، ولم يبق إلا التنطع عن الكيفية، وهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، ولا يبتغيه إلا أهل الزيغ «والراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا ومن لدنك رحمة أنك أنت الوهاب» .

стр. 217

الإيمان قول وعمل يزيد وينقص اشتهر عن أبي حنيفة أنه كان يقول: ليس العمل من الإيمان، والإيمان لا يزيد ولا ينقص. وروى الخطيب عن جماعة من أهل السنة إنكارهم ذلك على أبي حنيفة، ونسبته إلى الأرجاء، فتكلم الكوثري في تلك الروايات، وحاول التشنيع على أولئك الأئمة، وأسرف وغالط على عادته، فاضطررت إلى مناقشته دفعاً لتهجمه بالباطل على أئمة السنة. قال الكوثري ص ٤٠ من (تأنيبه) : «يرى أبوحنيفة أن العمل ليس بركن أصلي من الإيمان، بحيث إذا أخل المؤمن بعمل يزول منه الإيمان، كما يرى أن الإيمان هو العقد الجازم بحيث لا يحتمل النقيض، ومثل هذا الإيمان لا يقبل الزيادة والنقص» . وقال ص ٣٤: «وحيث كان أبوحنيفة وأصحابه لا يرون تخليد المؤمن العاصي في النار، رماهم خصومهم في الأرجاء وأعلنوا عن أنفسهم أنهم منحازون إلى الخوارج في المعنى» . وقال ص ٤٤: «والإرجاء بالمعنى الذين هم يقولون به هو محض السنة، ومن عادى ذلك لا بد أن يقع في مذهب الخوارج أو المعتزلة شاعراً أو غير شاعر» . ثم قال: كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ويرمون بالإرجاء من يرى إن الإيمان هو العقد والكلمة، مع أنه الحق الصراح بالنظر إلى حجج الشرع، قال الله تعالى: «ولما يدخل الإيمان في قلوبكم» ، (١) وقال النبي ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله

стр. 218

واليوم الآخر، ونؤمن بالقدر خيره وشره» أخرجه مسلم عن ابن عمر، (٢) وعليه جمهور أهل السنة، وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتماً، إن كانوا يعدون خلاف اعتقادهم هذا بدعة وضلالة، لأن الإخلال بعمل من الأعمال - وهو ركن الإيمان - يكون إخلالاً بالإيمان، فيكون من أخل بعمل خارجاً من الإيمان، إما داخلاً في الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه، بل في منزلة بين منزلتين - الكفر والإيمان - كما هو مذهب المعتزلة، وهو من أشد الناس تبرؤاً من هذين الفريقين، فإذا تبرموا أيضاً مما كان عليه أبي حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن يبقى كلامهم متهافتاً غير مفهوم، وإما إذا عدوا العمل من كمال الإيمان فقط، فلا يبقى وجه للتنابز والتنابذ، لكن تشددهم هذا التشدد يدل على أنهم لا يعدون العمل من كمال الإيمان فحسب، بل يعدونه ركناً منه أصلياً، ونتيجة ذلك كما ترى ... فإرجاء العمل من أن يكون من أركان الإيمان الأصلية هو السنة، وأما الإرجاء الذي يعد بدعة، فهو قول من يقول: لا تضر مع الإيمان معصية، وأصحابنا أبرياء من مثل هذا القول ... ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه للزم إكفار جماهير المسلمين غير المعصومين، لإخلالهم من الأعمال في وقت من الأوقات، وفي ذلك الطامة الكبرى» . أقول: اختلفت الأمة فيمن كان مؤمناً ثم ارتكب كبيرة. فقالت الخوارج: يكفر، وقالت المعتزلة: لا يكفر ولكن يزول إيمانه، وإذا مات من غير توبة دخل النار وخلد فيها مع الكفار، وقالت المرجئة لا يكفر ولا يزول إيمانه ولا يدخل النار، لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقال أهل السنة: لا يكفر، ولا يزول إيمانه البتة بمجرد ارتكابه الكبيرة ولكنه يكون ناقصاً، وقال بعض الأئمة: إلا ترك الصلاة المكتوبة عمداً فإنه كفر، وحقق بعض إتباعهم أن الترك نفسه

стр. 219

ليس كفراً، ولكن الشرع قضى انه لا يكون إلا من كافر. يستدل المرجئة والمعتزلة والخوارج بنصوص ظاهرها أن المؤمنين لا يعذبون، ويستدل المعتزلة والخوارج ظاهرها بنصوص أن مرتكب الكبيرة لا يبقى مؤمناً، ويستدل الخوارج بنصوص ظاهرها أن ارتكاب لعض الكبائر كفر. وأهل السنة يجيبون عن الأولين؛ بأن المراد الإيمان الكامل، وعن الثالث بأنه كفر دون كفر، فهو كفر يقتضي نقص الإيمان لا زواله، ويدفع المرجئة الجواب المذكور بقولهم: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والأعمال ليس من الإيمان. وهذا القول قد كان أبوحنيفة يقوله، لكن يقول الكوثري أنه مع ذلك مخالف للمرجئة في أصل قولهم، وهو أنه لا يضر مع الإيمان، ولا غرض في النظر في هذا وتتبع الروايات. بل أقول: تلك الموافقة يعترف بها تكفي لتبرير إنكار الأئمة، أما من لم يعترف منهم أن أبا حنيفة وإن وافق المرجئة في ذاك القول فهو مخالف لهم في أصل قولهم، فعذره في إنكاره واضح، وأما من عرف فيكفي لإنكار القول أنه مخالف للأدلة كما يأتي، وأنه قد يسمعه من يقتدي بأبي حنيفة، ولا يعلم قوله أن أهل المعاصي يعذبون فيتغير بذلك، وقد يبلغ بعضهم قولاه معاً إلى الثاني بل يقولون: رأس الأمر الإيمان، فإذا كان إيمان الفجار مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة ففيم العذاب وقد دلت النصوص على أن المؤمنين لا يعذبون؟ ! ويحملهم ذلك على التهاون بالعمل، ويقول أحدهم لم أعذب نفسي في الدنيا بما لا يزيد إيماني شيئاً، حسبي أن إيماني مساوٍ لإيمان جبريل ومحمد ﵉! ويحملهم ذلك على احتقار الملائكة والأنبياء والصديقين قائلين: أعظم ما عندهم الإيمان، وأفجر الفجار مساوٍ لهم فيه! وإذا كان أبو حنيفة كما يقول الكوثري يرى أن الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجازم، وأنه لا يزيد ولا ينقص، فقد يبلغ هذا بعض الناس فيقولن: إذا كنت لا

стр. 220

أصير مؤمناً إلا بأن يكون يقيني مساوياً ليقين جبريل ومحمد ﵉ فهذا ما لا يكون، ففيم إذاً أعذب نفسي بالأعمال فأجمع عليهما عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؟ ! وبعد فيكفي مبرراً لإنكار ذاك القول مخالفته للنصوص الشرعية، وأما النصوص على أن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد وينقص بحسبها فمعروفة، حتى اضطر الكوثري إلى المواربة، فزعم أن أبا حنيفة إنما كان يدفع أن يكون العمل ركناً أصلياً لا أنه من الإيمان في الجملة، كاليدين والرجلين وغيرها من الأعضاء بالنسبة إلى الجسد هي منه وينقص بفقدها مع بقاء أصله، وإن كان في لعض عبارات الكوثري ما يخالف هذه الدعوى. وأما النصوص على أن الإيمان القلبي يزيد وينقص، فمنها الأحاديث الصحيحة في أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال شعيرة من إيمان، ثم من قالها وفي قلبه مثقال حبة خردل من لإيمان، ثم من قالها وفي قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان. (١) فأما قول الله : «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ» فليس فيها ما ينافي أن تكون الأعمال من الإيمان، وإنما غاية ما فيها أن الاعتقاد القلبي ركن ضروري للأيمان، فلا يكون الإنسان مؤمناً حقاً بدونه، فإن قوله «لم تؤمنوا» نفي لإيمانهم، ويكفي نفيه

стр. 221

انتفاء ركن ضروري عنه كما لا يخفى، وقوله: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ» لا يقتضي أن الإيمان كله هو الذي يكون في القلب، ألا ترى أنه يصح أن يقال: لم يدخل الإسلام في قلب فلان.. أو: لم يدخل الدين في قلب فلان. مع الاتفاق أن الإسلام والدين لا يختص بما في القلب. وأما ما في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ... » فقد أجاب عنه البخاري في «كتاب الإيمان» من (صحيحه) قال: «باب سؤال جبريل النبي ﵌ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، وبيان النبي ﵌ ثم قال: «جاء جبريل ﵇ يعلمكم دينكم» ، فجعل ذلك كله ديناً وما بين النبي ﵌ لوفد عبد القيس من الإيمان وقوله تعالى: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» » . وقصة وفد عبد القيس التي أشار إليها هي في (الصحيحين) أيضاً وقد وردها فيما بعد فأخرج من طريق ابن عباس في قصة محاورة النبي ﵌ لهم « ... فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، , قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ... » فقد يقال: الإيمان في حديث جبريل منحوٌّ به المعنى اللغوي لا المعنى الشرعي، ويؤيد ذلك أن السائل في حديث جبريل كان في الظاهر كما يعلم من الروايات أعرابياً لم يجتمع قبل ذلك بالنبي ﵌ فلما أبتدأ فقال: ما الإيمان؟ كان الظاهر أنه إنما يريد بالإيمان ما يعرفه في اللغة، فإذا كان معناه في اللغة التصديق القلبي، فظاهر السؤال: ما الذي يطلب في الدين التصديق القلبي به؟ . وأما في قصة عبد القيس، فإن النبي ﵌ هو ابتدأ فأمرهم بالإيمان ثم فسره لهم، فكان المعنى الشرعي للإيمان هو ما جاء في قصة عبد القيس.

стр. 222

فإن قيل: فإنه لم يستوعب الأعمال. قلت: هذا السؤال مشترك، ولا قائل أن ما ذكر فيه من الأعمال هي من الإيمان دون غيرها، ومثل هذا في النصوص كثير من الاقتصار على الأهم، وإما لعلم المخاطب بغيره، وإما اتكالاً على أنه سيعلمه عند الحاجة، وإما لأن في الإجمال ما يدل عليه، وكثيراً ما يقع الاختصار من بعض الرواة. وبالجملة، فإذا صح قول الكوثري أن أبا حنيفة لا يقول إن الأعمال ليست من الإيمان مطلقاً وإنما يقول إنها ليست ركناً أصلياً وإنما الركن الأصلي العقد والكلمة، فالأمر قريب. فلندع هذا، ولننظر فيما زعمه أن الإيمان القلبي لا يزيد ولا ينقص حتى قال ص ٦٧: «لأن الإيمان الشرعي إنما يتحقق عند تحقق الجزم المنافي لتجويز النقيض ... لا يتصور تفاوت أصلاً بين إيمان المؤمنين من جهة الجزم والتيقن، ويكون النقص عن مرتبة اليقين كفراً» . أقول: تفاوت الإيمان القلبي ثابت نقلاً ونظراً. أما النقل فمعروف، وقد تقدمت الإشارة إلى حديث الخروج من النار. وأما النظر فإن الإنسان إذا قارن بين اعتقاده أن الثلاثة من حيث العددية أقل من الستة وبين اعتقاداته الدينية التي يجزم أنه موقن بها بأن له الفرق. فإن أحب الكوثري فليحكم على نفسه وعلى جمهور الناس بعدم الإيمان، وإن أحب فليثبت ما نفاه، وقد صرح النظار بأن اليقين يتفاوت قوة وضعفاً كما تراه في (المواقف) (١) وغيرها، وفي (فتح الباري) «قال الشيخ محي الدين (٢) الأظهر المختار أن التصديق

стр. 223

يزيد وينقص بكثرة النظر، ووضوح الأدلة ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى أنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقيناً وإخلاصاً وتوكلاً منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها. وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه: (تعظيم قدر الصلاة) عن جماعة من الأئمة نحوذلك» . فإن أحب الكوثري فليحكم على نفسه وعلى جمهور الناس أن أحدهم يختلف حاله في حياته، فيكون تارة مؤمناً وتارة غير مؤمن! وإن أحب فليثبت ما نفاه. وفي (صحيح مسلم) وغيره قصة أبي ابن كعب ﵁ في اختلاف القراءة وفيها قوله: «فسقط في نفسي من التكذيب في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﵌ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقاً، وكأنما أنظر إلى الله فرقاً..» ولا يرتاب عاقل أن لإيمان هذا الصحابي الجليل عند تلك الغشية دون إيمانه قبلها وبعدها. وقد عرض لعمر بن الخطاب وغيره قصة الحديبية ما يشبه ذلك. وفي حديث الرجل الذي قاتل مع النبي ﵌: هو من أهل النار: «فكاد بعض الناس يرتاب» . ولا يرتاب عاقل أن المؤمنين يتفاوتون في التقوى تفاوتاً عظيماً، وأعظم أسباب ذلك تفاوتهم في اليقين، فإننا نرى أحوالهم في اتقاء الضرر الدنيوي لا يتفاوت ذاك التفاوت. بل إنك تجد من نفسك أنه قد يقوى فترغب نفسك في الطاعة وعن المعصية، وقد يضعف فتتهاون بذلك. وكذلك تجد ذلك عندما تطلع على الأدلة أو الشبهات، فقد يقف العالم على عدة نصوص من الكتاب والسنة فيتبين له أن بعضها يصدق بعضاً، وقد يتراءى له أنها تتناقض. وقد يرى نصوصاً في العقائد، فيتبين له أن العقل موافق لها وقد يتراءى له أنه يخالفها. ويرى نصوصاً في الأحكام فيتبين له أنها موافقة للرأي والنظر والحكمة والقياس، وقد يتراءى له أنها مخالفة لذلك. ويرى نصوصاً في الأخبار عن الجن والشياطين، والأرض والسماء،

стр. 224

والشمس والقمر، وغير ذلك، فيتبين له أنها موافقة للواقع، وقد يتراءى له أنها مخالفة له. ويطالع السيرة فيها أموراً واضحة الدلالة على النبوة، وقد يرى فيها ما يتراءى له منه خلاف ذلك. ويسمع من الأطباء وغيرهم ما يوافق ما جاء في الشرع، وقد يسمع منهم ما يخالفه. يطيع النبي صلى الله عليه آله وسلم في بعض الأمور فيناله نفع، وقد يتفق له خلاف ذلك، وهذا كمن يريد سفراً مع رفقة فتعزم الرفقة على الخروج يوم الجمعة قبل الصلاة فيأبى أن يخرج قبل الصلاة للنهي الشرعي عن ذلك، (١) وسافر الرفقة فتصيبهم مصيبة كاصطدام القطار، أو غرق الباخرة أو نحو ذلك، وينج لتأخره، وقد يتفق خلاف هذا بأن تسلم الرفقة وتغنم، ويخرج هو بعد الصلاة فيصيبه ضرر. وأشباه هذا كثيرة لا تكاد تمضي ساعة إلا ويقع شيء منها. ولا ريب أن اعتقاد الإنسان بنبوة محمد ﷺ لا يبقى على حال واحدة مع اختلاف الأمور المذكورة، بل يصفوتارة، ويتكدر أخرى، ويقوى تارة، ويضعف أخرى، ويزيد تارة، وينقص أخرى. ولا أدرى عاقلاً يتصور حاله وحال الملائكة والأنبياء ويقول: إن يقينه مثل يقينهم. وقد حاول الكوثري أن يجيب عن هذا فقال ص ٦٧: «نعم، إن الإيمان الأنبياء، وإيمان العلماء، وإيمان العوام يتفاوت من جهة ما يحتمل الزوال منها، وما لا يحتمله، واحتمال الزوال أو عدم احتماله، ناشيء من أمر خارج، وذلك من تفاوت طرق حصول الجزم عندهم، لا من التفاوت في ذات الإيمان، فالإيمان عند الأنبياء لا احتمال لزواله منهم، لأن حصوله عن مشاهدة ووحي قاهر، وإيمان العلماء يحتمل الزوال بطروء بعض شبه على أدلة الإيمان عندهم، ولواحتمالاً ضعيفاً، وأما إيمان العوام فربما يزول بأيسر تشكيك ... فبهذا البيان

стр. 225

اتضحت المسألة تمام الاتضاح إن شاء الله تعالى لكل من ألقى السمع وهو شهيد» . ونَوَّهَ عن هذا الكلام ص ١٩٣ بقوله: «تحقيق بديع ... » ! أقول: لنا أن نلتمس من الأستاذ الكوثري أن يفكر في اعتقاده أن الثلاثة من حيث العددية أقل من الستة، هل يمكن أن يتشكك فيه يوماً ما مع بقاء عقله؟ فإن قال: لا، فليستعرض الاعتقادات الدينية الضرورية للإيمان، التي يرى أنه جازم حق الجزم، هل يمكن أن يتشكك في بعضها يوماً ما؟ فإن قال: لا، فقد أخرج نفسه من زمرة العلماء الذين قضى في عبارته السابقة بأن يحتمل الزوال! وإن قال: يجوز ذلك. قيل له: فتجويزك هذا ألا يدل على أن جزمك بتلك العقيدة دون جزمك بأن الثلاثة نصف الستة؟ . فإن قال: قد قلت: إن هذا الأمر خارج. قيل له: هذا الأمر الخارج إنما حاصله قوة الدليل في حق الأنبياء، وكونه دون ذلك في حق العلماء، أوليس من لازم تفاوت الأدلة في القوة تفاوت الجزم بمدلولاتها عند العارف بتفاوتها؟ فالدليل الذي الذي يكون عندك غاية في القوة، ويكون جزمك بمدلوله، وانتفاء نقيضه أقوى من جزمك بمدلول دليل دونه عندك في القوة. فإن قال: ليس هذا بلازم الجزم قد يقع عن شبهة باطلة. قلت: من جزم عن شبهة باطلة، فإنه لا يراها شبهة، بل يراها دليلاً قاطعاً، وكلامنا إنما هو في العالم الذي يميز بين الأدلة. فإن عاد وقال: تفاوت الأدلة مع الجزم بمدلولاتها إنما يكون من جهة إن بعضها لا يحتمل إن تعرض شبهة تشكك فيه، وبعضها يحتمل ذلك.

стр. 226

قيل له: تسمية العارض شبهة، فيه شبه مغالطة، فإن من جزم بشيء ثم عرض له ما يجزم بأنه شبهة، فإن لا يتغير جزمه الأول، وإنما يتغير حيث يجوز أن العارض دليل، فعلى هذا، إذا كنت الآن تجوز في بعض ما تجزم أن يعرض ما يشكك فيه ويزيل جزمك، فمعنى ذلك أنك تجوز أن يعرض مشكك فيه يحتمل أن يكون دليلاً صحيحاً، وأن يكون شبهة، (١) ويوضح هذا أن بعض المسائل الحسابية والهندسية واليقينية يجوز لجازم بها بعد أن يحيط بها أن يعرض ما يظهر منه خلاف ما جزم به، ولكنه يجزم الآن بأنه لوعرض ألف عارض من تلك العوارض لما تغرير جزمه، وكما يجزم بهذا في حق نفسه، فكذلك يجزم في حق غيره بأن من عرف تلك المسألة كما عرفها، لا يتغير جزمه ما دام عقله، فهذا هو الذي يصح أن تحكم بأنه جازم أن العارض لا يكون إلا شبهة. فإن قيل: فما قولك أنت؟ قلت: أقول: إن الإيمان يتفاوت، وإن ذلك التجويز المستعبد إذا كان صاحبه ينفر عنه، ويشفق منه، ويستعيذ بالله فإنه لا يضر، بل ولا يضره عروض الشبهة إذا كان عند عروضها يتألم ويتأذى وتشق عليه، ويبادر إلى طردها عن نفسه مستعيذاً بالله ، وإنما يضره أن يأنس بها، وتستقر في نفسه، وتبيض، وتفرخ، حتى يصدق عليه اسم «مرتاب» هذا هو تدل عليه النصوص، والذي لا يسع الناس غيره و «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» . ومعيار الإيمان القلبي العمل، ولهذا كان السلف يقولون: «الإيمان قول وعمل» ، ولا يذكرون الاعتقاد، وكانت المرجئة تقول: «الإيمان قول» . ثم منهم من يوافق أهل السنة على اشتراط الاعتقاد، ومنهم من لا يشترطه في اسم الإيمان، ولكن يشترطه للنجاة، وهذا قول الكرامية. ومنهم من لا يشترطه في اسم الإيمان، ولا في النجاة، وهؤلاء هم الغلاة.

стр. 227

وقال الله : «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ» إلى قوله: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» الحجرات: ١٤ - ١٥ وقال تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً» . الأنفال: ١ - ٤ وفي (الصحيحين) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» . وفي رواية مسلم: «أعلاها لا آله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق» . وذكر الله في سورة (التوبة) المنافقين ثم قال: «وآخرون اعترفوا بذنبهم» إلى أن قال: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» التوبة: ١٠٢ - ١٠٥. وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة: «قال رسول الله ﷺ : آية المنافق ثلاث: - زاد مسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم - إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» . وفيها من حديث عبد الله بن عمرو: «قال رسول الله ﷺ : أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» . وفي (تذكرة الحفاظ) ج ٢ ص ٥٣: عن سفيان الثوري أنه قال: «خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث: يقولون: الإيمان قول لا عمل، ونقول: قول وعمل، ونقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: أنه لا يزيد ولا ينقص، ونحن نقول: النفاق،

стр. 228

وهم يقولون: لا نفاق» . أقول: كأنهم في قولهم: «النطق بالشهادتين هو الإيمان» ، يشترطون أن يقع النطق من قائليه طوعاً ولا يكذبون أنفسهم فيه إذا خلا بعضهم إلى بعض، ثم يقولون: إن المنافقين الذين كانوا في عهد النبي محمد ﷺ كانوا ينطقون تقية ويكذبون أنفسهم إذا خلوا، فهذا هو النفاق، فأما من يقول طوعاً، ولا يكذب نفسه إذا خلا، فهو مؤمن، وإن كان في نفسه شاكاً مرتاباً، بناء على جحدهم اشتراط الاعتقاد في الإيمان، وأهل السنة يقولون هذا نفاق إذا شرط الإيمان عندهم الاعتقاد. وبالجملة فلا أرى عاقلاً لقوله يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إلا على أحد أوجه: الأول: أن يكون يخص لفظ الإيمان القلبي بالتصديق الذي لا يعتد بها دونه، فهو بمنزلة النصاب، فكما أن نصاب الذهب في حق الأغنياء بالذهب واحد لا يزيد ولا ينقص وإن تفاوتوا في الغنى بالذهب، فكذلك يقول هذا: إن الإيمان الذي هو نصاب التصديق لا يزد ولا ينقص وإن تفاوت الخلف في التصديق. أو قل: إنه بمنزلة زكاة الفطر، وهي صاع لا يزيد ولا ينقص، وإن كان من الناس من يعطي صاعين أو مائة أو ألفاً اوأكثر من ذلك. الثاني: أن يكون عنده أن الإيمان قول فقط، وهذا إن فسر القول بالشهادتين، وقال: إنه لا يكفي للنجاة فهو قول الكرامية، وإن فسره بهما وقال: إنه يكفي، فهو قول غلاة المرجئة، وإن فسره بالاعتراف اللساني بربوبية الله ، وقال: إنه لا يكفي للنجاة ولجريان أحكام الإسلام فهو قريب من الأول، وإن قال إنه يكفي لذلك فهو أشد من قول غلاة المرجئة. الثالث: أن يزعم أن الإيمكان هو القوزل والاعتقاد الذي لا يقين فوقه، ولا أرى هذا إلا قاضياً على نفسه وغالب الناس بعدم الإيمان. والله المستعان.

стр. 229

قول: أنا مؤمن إن شاء الله جاء عن بعض السلف كراهية أن يقول الرجل: «أنا مؤمن حقاً» والأمر بأن يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله» (١) وكذلك كانوا يقولون، وقال البخاري في (كتاب الإيمان) من (صحيحه) : «باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﵌ كلهم يخاف النفاق عن نفسه، ما منهم أحد يقول: أنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويذكر عن الحسن (البصري) : ما خافه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق ... » . وفي (فتح الباري) أن مقالة الحسن صحيحة من طرق، وأن في رواية المعلى بن زياد: «سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا آله إلا هو ما مضى مؤمن قط وما بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق. وفي رواية هشام: سمعت الحسن يقول: والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخالف النفاق، ولا أمنة إلا منافق إلا» . واقتبس البخاري أول الترجمة من قول الله ﵎: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ» . أول (الحجرات) .

стр. 230

والمؤمن لا تحبط أعماله، قال الله تعالى: «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً» طه: ١١٢. وقال تعالى: «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» . التوبة: ١٠٢. وإنما تحبط أعمال الكافر، قال الله تعالى: «وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» . المائدة: ٥ وأقرأ من آل عمران: ٢٢، والأنعام: ٨٨، والأعراف: ٧٧، والتوبة: ١٧، و٦٩، وإبراهيم: ١٨، والكهف: ١٠٥، والفرقان: ٢٣، والزمر: ٦٥، والقتال: ٣٢ - ٣٤،. وقد قال تعالى: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» . الحجرات: ١٤. فإذا كان حال هؤلاء فما الظن بحال من قد آمن واستقر الإيمان في قلبه؟ فأما قوله تعالى: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» . هو د: ١٥ - ١٦. فهي في سياق الكلام في الكفار فهي ورادة فيهم ويدخل فيهم المنافقون، وللمؤمنين المخلصين في بعض أعمالهم المرائين في بعضها نصيب من الآية بالنظر إلى ما وقع فيه الرثاء دون غيره. وأما قوله سبحانه: «فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

стр. 231

أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ» البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢. فالفريق الأول هم الذين يكون جميع دعائهم وعبادتهم لطلب الدنيا فقط ولا شأن لهم بالآخرة، وهذا أنما يكون ممن لا يؤمن بالآخرة إيماناً صادقاً، ومن لا يؤمن بها فليس بمؤمن، فأما المؤمن فإنه لا بد أن يهتم بالآخرة، فالمؤمن لا يحبط عمله حتى دعاؤه لطلب حاجته المباحة من الدنيا، فإنه قد لا يقضي الله له بعض تلك الحوائج، ولا يعوضه في الدنيا، بل يدخر له ثواب دعائه في الآخرة، كما ورد في أحاديث تفسير استجابة الدعاء، وقد اتفق الأمة فيما أعلم على أن المؤمن لا تحبط أعماله التي أخلص فيها واستمر على إخلاصه، ومن قال من المعتزلة: إن الكبيرة تحبط الأعمال هم الذين يقولون أن ارتكاب الكبيرة يبطل الإيمان. وروى الخطيب بسنده إلى محمود بن غيلان «حدثنا وكيع قال سمعت الثوري يقول نحن المؤمنون، وأهل القبلة عندنا مؤمنون في المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار، ولنا ذنوب، ولا ندري ما حالنا عند الله، قال وكيع: وقال أبوحنيفة: من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شرك، نحن المؤمنون هنا وعند الله حقاً. قال وكيع: ونحن نقول بقول سفيان، وقول أبوحنيفة عندنا جرأة» . وذكر الكوثري في (تأنيبه) ص ٣٤ هذه الرواية، ثم ذكر عن كتاب ابن أبي العوام بسنده إلى عبيد بن يعيش قال: «حدثنا وكيع قاتل كان سفيان الثوري إذا قيل أمؤمن أنت؟ قال: نعم، فإذا قيل له: عند الله؟ قال: أرجو. وكان أبوحنيفة يقول: أنا مؤمن هنا وعند الله. قال وكيع: قول سفيان أحب إلينا» . وقال الكوثري ص ٦٧: «لكن الإيمان الشرعي إنما يتحقق عند تحقق الجزم المنافي لتجويز النقيض فمن يقول: أنا مؤمن، ولا أدري ما حالي عند الله، أو: أنا مؤمن إن شاء الله، فإن كان مراد بذلك إن الخاتمة مجهو لة وأرجوالله أن يختم لي بخير فليس ذلك من منافاة الجزم في شيء، وأما إن كان مراده بذلك القول أنا مؤمن هنا ولا أدري ما إذا كان ما اعتقده إيماناً هنا إيماناً عند الله فهو شاك غير جازم بل جوز بتلك الإرادة أن يكون الإيمان خلاف ما يعتقده، فهو ليس من

стр. 232

الإيمان في شيء، لأنه ليس من اليقين على شيء، فتبين من هذا البيان أنه لا يتصور تفاوت أصلاً بين إيمان المؤمنين من جهة الجزم ويكون النقص عن مرتبه اليقين كفراً» . أقول: مسألة الزيادة والنقصان قد سلف النظير فيها. فأما المسألة الأخرى فتحريرها أن هناك ثلاث قضايا: الأولى: اعتقادك ثبوت كل أمر من الأمور التي ترى اعتقاد ثبوت جميعها هو الإيمان الذي لا بد منه. الثانية: اعتقادك أنك جازم بكل واحد من تلك الأمور الجزم الكافي عند الله . الثالثة: اعتقادك أنك وافٍ بجميع الأمور الضرورية للإيمان في نفس الأمر، من اعتقاد وفعل وترك. فمن قيل له: أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو، أو: إن شاء الله، فهذا يتعلق بالقضية الثالثة كما لا يخفى، ولا يجب تعلقه بالثانية، فأما الأولى فبعيد عنها. وقد دلت آيات الحجرات السابقة على أن المؤمن قد يزول إيمانه وهو لا يشعر فكيف يسوغ ذلك مع هذا أن تجزم بالقضية الثالثة فتقول: أنا عبد الله مؤمن حقاً، اللهم ألا أن تريد بالإيمان معنى هذا كمجرد النطق بالشهادتين، أو مجرد الاعتراف اللساني بربوبية الله . وتدبر آيات الحجرات، وتأمل معاملتك للنصوص الشرعية التي تخالفها في العقائد والإيمان والفقه زاعماً أنك تخالف ظواهرها، وأنعم النظر في ذلك ألا تخشى أن يكن في معاملتك لها ما هو قديم بين يدي الله ورسوله ورفع لصوتك خلاف صوته وجهر له بالقول كما تجهر لمخالفيك ودون جهرك لأئمتك في الكلام والفقه بكثير؟ !

стр. 233

وتدبر قوله تعالى: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُون» إلى قوله: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً» إلى قوله: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» . النساء - ٥٩ - ٦٥ وانظر أين أنت منها، ففي هذا الإجمال كفاية، وبها يتضح ما في عبارة الكوثري من المغالطة، فإنها توهم أن قول القائل: أرجو، أو: إن شاء الله، ينافي الجزم بما في القضية الأولى، فإن قول الكوثري في تفسير ذلك «ولا أدري ما إذا كان ما اعتقده إيماناً هنا، إيماناً عند الله» يصدق بأن تكون الإشارة إلى الإيمان بما في القضية الأولى، كأنه قال: لا أدري هل الإيمان بنبوة محمد إيمان عند الله؟ وهكذا في بقية الأمور، وقول الكوثري: «بل جوز بتلك الإرادة أن يكون الإيمان خلاف ما يعتقده» كالصريح فيما ذكر من الإيهام. فإن قلت: إذا كان الرجل جازماً بوجود الله تعالى وبروبيته وتفرده بالألوهية ونبوة محمد وغير ذلك من أمور الإيمان التي تتضمنها القضية الأولى فما الذي يشككه في القضية الثانية أي في أنه جازم في تلك الأمور؟ ثم ما الذي يشككه في الثالثة أي في أنه عند الله تعالى مؤمن حقاً؟ قلت: قد مر ما يكفي لوتدبرته، وأزيده إيضاحاً: تقدم في المسألة السابقة أن الجزم يتفاوت، فإذا ثبت ذلك ولم يكن عندك برهان واضح على أن القدر الذي عندك منه كاف عند اله تعالى، فمن أين يتهيأ لك أن تجزم بذلك؟ وهب أن الجزم الأول لا يتفاوت فمن أبن لك أن تجزم بأن جزمك مسار لجزم جبريل ومحمد ﵉؟ فإن منتك نفسك ذلك فأنظر إن كنت من إتباع المتكلمين في النصوص المصرحة بأن الله تعالى في السماء فوق سماواته على عرشه، والنصوص الدالة على أنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وإنه يجيء

стр. 234

يوم القيامة، وغير ذلك مما خالفت فيه السلفيون، ثم تأمل في جزمك بأن محمداً رسول الله صادق في كل ما أخبر به عن الله واستحضر ما تقدم عن أئمتك في مسألة الجهة وفي الباب الثالث: فإن زعمت أنك جازم، فوازن بين ذاك الجزم وبين جزمك بأن الثلاثة أقل من الستة. وانظر إن كنت فقيهاً في الأحاديث الذي اشتهر أن إمامك يخالفها، وتفكر فيما تعاملها به، وانظر هل تقع منك تلك المعاملة وأنت جازم بأن محمداً رسول الله صادق بكل ما أخبر به عن الله، وأنك محكم له فيما وقع فيه الاختلاف، مسلم لحكمه تسليماً لا تجد في نفسك جرحاً مما قضى؟ وانظر، وانظر، وأعم ذلك أن تنظر في عملك اعمل من يوقن بأن محمداً رسول الله صادق في كل ما أخبر به من التكليف والحساب والجزاء والجنة والنار؟ وهل عملك مساوأو مقارب لعمل النبي ﵌ وأفاضل أصحابه وخيار التابعين؟ وأما القضية الثالثة: فإنك إن تدبرت وجدت شأنها أوضح فأن الأمة اختلفت في أمور الإيمان، فمن الناس من يشترط الجزم بثبوت بعض ما تنفيه أنت أو ينفي بعض ما تثبته، أو يعد منها ما لا تعده. ومن أهل السنة من يشترط المحافظة على الصلوات المكتوبة، والمعتزلة والخوارج يشترطون المحافظة على الفرائض والسلامة من الكبائر، وليس جزمك بخطأ هؤلاء في جميع ما يخالفونك فيه كجزمك بأن الثلاثة أقل من الستة، أفلا تخشى أن يكون من أقوالهم ما هو حق في نفس الأمر، وتكون أنت مقصراً تقصيراً لا تعذر فيه؟ ! وقد اختلف الفقهاء في كثير من أحكام الصلاة فلعل كثيراً من صلواتك يقول بعض مخالفيك أنها باطلة، فلعلك غير معذور في مخالفته فيكون حكمك حكم من ترك تلك الصلوات. ولعل فيما تسامح نفسك ما يكون فريضة في نفس

стр. 235

الأمر، وفيما تسامح نفسك بفعله ما يكون كبيرة في نفس الأمر، ولعلك لا تستح عذر الجاهل أو المخطئ. وأشد من ذلك أن رأس أمور الإيمان شهادة ألا آله إلا الله، فهل حققت معنى الألوهية، أفلا تخشى أن يكون في اعتقاداتك وأعمالك ما هو تأليه وعبادة لغير الله ، وقد قال تعالى: «وما يؤمن أكثرهم بالله وهم مشركون» . يوسف - ١٠٦ وقال سبحانه: «اتخذوا أحباركم ورهبانهم أرباباً من دون الله» . التوبة - ٣١ وفي حديث: «أتقوالشرك فأنه أخفى من دبيب النمل» ، ذكرت طرقه في كتاب (العبادة) وأوضحت أنه على ظاهره. وبسيط هذا المطلب في ذاك الكتاب. وبالجملة فمن تدبر علم أنه لا يمكنه أن يجزم غير مجازف أنه عند الله مؤمن حقاً إلا أن يريد بقوله «مؤمن» معنى ناطق بالشهادتين وإن لم يعرف معناها تحقيقاً، ولا التزم مقتضاهما تفصيلاً، بل قد يكن مصراً على بعض ما ينافيهما، ولاحول ولا قوة إلا بالله.

стр. 236

الخاتمة: فيما جاء في ذم التفرق وأنه لا تزال طائفة قائمة على الحق وما يجب على أهل العلم في هذا العصر قال الله ﵎: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ. وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ» . الشورى - ١٣ - ١٤. وقال : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا» إلى أن قال: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا «مِنْ» (١) بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» . آل عمران:-١٠٠ - ١٠٥. وقال تعالى: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» . الأنعام: ١٥٣.

стр. 237

وقال سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء» الأنعام: -١٥٩» . وقال تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» الروم:- ٣٠ - ٣٢. وقال سبحانه: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» هو د:١١٨ - ١١٩. إن قيل: التفرق والاختلاف يصدق بما إذا ثبت بعضهم على الحق وخرج بعضهم عنه، والآيات تقتضي ذم الفريقين. قلت: كلاَّ، فإن الآيات نفسها على إقامة الدين، والثبات عليه، والاعتصام به، واتباع الصراط، بل هذا هو المقصود منها، فالثابت على الصراط لم يحدث شيئاً، ولم يقع بفعله تفرق ولا اختلاف، وإنما يحدث ذلك بخروج من يخرج من الصراط، وهو منهي عن ذلك، فعليه التبعة. فإن قيل: المكلف مأمور بالاستقامة على الصراط، ولا يمكنه الاستقامة عليه حتى يعرفه، وإنما يعرفه بالبحث والنظر والتدبير، وحجج الحق كما سلف في المقدمة غير مكشوفة فالباحث معروف للخطأ، بل متدبر الحجج علم أنه يستحيل في العادة أن لا يخلف الناظرون فيها، فما الجامع بين الأمر باتباع الحجج وهو يؤدي إلى الاختلاف، وبين الزجر عن الاختلاف، وقد قال الله ﵎: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا» وقال سبحانه: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . أقول: وأسأل اتلله ﵎ التوفيق: قولي: إن حجج الحق غير مكشوفة،

стр. 238

إنما معناه كما سلف إنها بحيث يحتاج في إدراكها إلى عناء ومشقة، ويمكن من له هوى في خلافها أن يغالط نفسه وغيره بحيث يتيسر له زعم أنه إن لم يكن هو المحق فهو معذور، واتباع الحجج لا يؤدي إلى اختلاف،، وإنما يؤدي إليه اتباع الشبهات، وإنما الشأن في أمرين: الأول: تمييز الحجج من الشبهات. الثاني: معرفة الاختلاف المنهي عنه. وجماع هذا في أمر واحد هو معرفة الصراط المستقيم، وقد بينه الله تعالى بقوله: «صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ» . وقد علمنا أن المنعم عليهم قطعاً من هذه الأمة هم النبي ﷺ وأصحابه. وقد قال الله : «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي» . يوسف: ١٠٨. وقال تعالى: «وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ «مِنْ» (١) بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً» النساء: ١١٥. فالصراط المستقيم هو ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه، وقد تقدم بيان جوامعه في الباب الأول، وأول الباب الرابع. فما اتضح من المأخذين السلفيين بحسب النظر الذي كان متيسراً للصحابة وخيار التابعين، فهو من الصراط المستقيم، وما خفي أو تردد فيه النظر فالصراط المستقيم هو السكوت عنه، قال الله تعالى لرسوله: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» . الإسراء: ٣٦. وقال تعالى: «قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ» ص ّ: ٨٦. وفي (الصحيحين) من حديث جندب بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه» .

стр. 239

فإن كان من الأحكام العملية والقضية واقعة ساغ الاجتهاد فيه على الطريق التي كانت يجري عليها من أمثال ذلك الصحابة وأئمة التابعين. فمن لزم هذه السبيل فهو الثابت على سبيل الحق والصراط المستقيم، ومن لزم ذلك في المقاصد، وخاض في النظر المتعمق فيه، لتأييد الحق وكشف الشبهات، وقد تحققت الحاجة إلى ذلك، فلا يقضى عليه بالخروج على الصراط ما لم يتبين خروجه عنه في المقاصد فتلحقه تبعة ذلك بحسب مقدار خروجه. هذا والاختلاف المنهي عنه من لازمه كما بينته الآيات التحزب وأن يكونوا شيعاً، وسبيل الحق بينة، والدين محفوظ قد تكفل الله تعالى بحفظه، وبأن لا تزال طائفة من الأمة قائمة عليه، فإن أخطأ عالم لم يلبث أن يجد من ينبهه على خطأه، فإن لم يتفق له ذلك، فالذي يوافقه أو يتابعه لا بد أن يجد من ينبهه، فلا يمكن أن يستولي الخطأ على فرقة من الناس يثبتون عليه ويتوارثونه إلا باتباعهم الهوى، ولهذا نجد علماء كل مذهب يرمون علماء المذاهب الأخرى بالتعصب واتباع الهوى، وأكثرهم صادقون بالجملة، ولكن الرامي يغفل عنه نفسه، وكما جاء في الأثر (١)

стр. 240

«يرى القذاة في عين أخيه. وينسى الجذع في عينه» . وعلى كل حال فإن الأمة قد اتبعت سنن من قبلها كما تواترت بذلك الأخبار عن النبي ﵌، ومن ذلك بل من أعظمه بل أعظمه أنها فرقت دينها وكانت شيعاً، وقد تواترت الأخبار أيضاً بأنه لا تزال طائفة قائمة على الحق، فعلى أهل العلم أن يبدأ كل منهم بنفسه فيسعى في تثبيتها على الصراط، وإفرادها عن اتباع الهوى، ثم يبحث عن إخوانه، ويتعاون معهم على الرجوع بالمسلمين إلى سبيل الله، ونبذ الأهواء التي فرقوا لأجلها دينهم وكانوا شيعاً. ويتلخص العمل في ثلاثة مطالب: الأول: العقائد، وقد علمت أن هناك معدناً لحجج الحق وهو المأخذان السلفيان، ومعدناً للشبه، وهو المأخذان الخلفيان، فطريق الحق في ذلك وضح. المطلب الثاني: البدع العملية، والأمر في هذتا قريب لولا غلبة الهوى، فإن عامة تلك البدع لا يقول أحد من أهل العلم والمعرفة أنها من أركان الإسلام ولا من واجباته ولا من مندوباته، بل غالبهم يجزمون بأنها بدع وضلالات، وصرح قولهم منهم بأن منها ما هو شرك وعبادة لغير الله ، وقد شرحت ذلك في كتاب (العبادة) ، وبحسبك هنا أن تستحضر أن من يزعم من المنتسبين إلى العلم أنه لا يرى ببعضها بأساً، أو زاد على ذلك أنه يرجى منها النفع، فإنه مع مخالفته لمن هو أعلم منه يعترف بأنفي الأعمال المشروعة اتفاقاً ما هو أعظم أجراً وأكبر فضلاً بدرجات لا تحصى، وقد قال الله تعالى: «فاتقوا الله ما استطعتم» ، وفي (الصحيحين) عن النبي ﵌ «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما

стр. 241

مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد إستبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» وفي حديث آخر «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . وفي حديث آخر: «أنه لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى ما لا بأس به حذراً لما به بأس» . والنظر الواضح يكشف هذا، فإنك لوكنت مريضاً فاتفق الأطباء على أشياء أنها نافعة لك، واختلفوا في شيء، فقال بعضهم: أنه سم قاتل، وقال بعضهم: لا نراه سماً ولكنه ضار، وقال بعضهم: لا يتبين لنا أنه ضار، وقال بعض هؤلاء: بل لعله لا يخلومن نفع. أفلا يقضي عليك العقل إن كنت عاقلاً بأن تجتنب ذاك الشيء؟ أوليس من يأمرك ويلح عليك أن تصرف وقتك في تناول ذاك الشيء تاركاً ما اتفقوا على نفعه بحقيق أن تعده ألد أعداؤك؟ وتدبر في نفسك أيصح من عاقل محب الإيمان خائف من الشرك أن يستحضر هذا المعنى ثم يصر على تلك البدع التي يخاف أن تكون شركاً؟ ! أوليس من يصر إنما يشهد على نفسه أنه لا يبالي إذا وافق هواه أن يكون شركاً؟! المطلب الثالث: الفقهيات، والاختلاف فيها إذا كان سببه غير الهوى أمره قريب، لأنه كما مرت الإشارة إليه لا يؤدي إلى أن يصير المسلمون فرقاً متنازعة وشيعاً متنابذة، ولا إلى إيثار الهوى على الهوى، وتقديم أقوال الأشياخ على حجج الله ، والالتجاء إلى تحريف معاني النصوص، وإذا كان المسلمون قد وقعوا في ذلك فإنما أوقعهم الهوى، فلا مخلص لهم منه إلا أن يستيقظ أهل العلم لأنفسهم فيناقشوها الحساب، ويكبحونها عن الغي ويتناسوا ما استقر في أذهانهم من اختلاف المذاهب، وليحسبوها مذهباً واحد اختلف علماءه، وإن على العالم في زماننا النظر في تلك الأقوال وحججها وبيناتها، واختيار الأرجح منها، وقد نص جماعة من علماء المذاهب أن العالم المقلد إذا ظهر له رجحان الدليل المخالف لإمامه

стр. 242

لم يجز له تقليد إمامه في تلك القضية، بل يأخذ بالحق لأنه إنما رخص له بالتقليد، عند ظن الرجحان، إذ الفرض على كل أحد طاعة الله وطاعة رسوله، ولا حاجة في هذا إلى اجتماع شروط الاجتهاد، فإنه لا يتحقق رجحان خلاف قول إمامك إلا في حكم مختلف فيه، فيترجح عندك قول مجتهد آخر، وحينئذ تأخذ بقول هذا الآخر متبعاً الدليل الراجح من جهة، ومقلداً في تلك القضية لذاك المجتهد الآخر من جهة، والفقهاء يجيزون تقليد المقلد غير إمامه في بعض الفروع لمجرد احتياجه، فكيف لا يجوز بل يجب أن يقلده فيما ظهر أن قوله أولى بأن يكون هو الحق في دين الله؟ وقضية التلفيق إنما شددوا فيها إذا كانت لمجرد التشهي وتتبع الرخص، فأما إذا اتفقت لمن يتحرى الحق وإن خالف هواه فأمرها هين، فقد كان العامة في عهد السلف تعرض لأحدهم المسألة في الوضوء فيسأل عنها عالماً فيفتيه فيأخذ بفتواه، ثم تعرض له مسألة أخرى في الوضوء أيضاً أو الصلاة فيسأل عالماً آخر فيفتيه فيأخذ بفتواه، وهكذا، ومن تدبر علم أن هذا تعرض للتلفيق، ومع ذلك لم ينكره أحد من السلف فذاك إجماع منهم على أن مثل ذلك لا محذور فيه، إذ كان غير مقصود، ولم ينشأ عن التشهي وتتبع الرخص. فالعالم الذي يستطيع أن يروض نفسه على هذا هو الذي يستحق أن يهديه الله ، ويسوغ له أن يثق بما تبين له، ويسوغ للعامة أن يثقوا بفتواه، نعم قد غلب اتباع الهوى وضعف الإيمان في هذا الزمان، فإذا احتيط لذلك بأن يرتب جماعة من أعيان العلماء للنظر في القضايا والفتاوى فينظروا فيها مجتمعين! ثم يفتوا بما يتفقون عليه أو أكثرهم لكن في هذا خير كثير وصلاح كبير إن شاء الله تعالى. فتلخص مما تقدم أن من اعتمد في العقائد المأخذين السلفيين ووقف معها، واتقى البدع، وجرى في اختلاف الفقهاء على أنها مذهب واحد اختلف علماؤه فتحرى الأرجح، واكن مع ذلك محافظاً على لفرائض، مجتنباً للكبائر، فإن عثر استقال ربه وتاب وأناب، فهو من الطائفة التي أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم

стр. 243

أنها لا تزال قائمة على الحق، فليتعرف إخوانه، وليتعاضد معهم على الدعوة إلى الحق، والرجوع بالمسلمين إلى سواء الصراط. فأما من أبى إلا الجمود على أقوال آبائه وأشياخه والانتصار لها، فيوشك أن يدخل في قول الله ﵎: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّه» . التوبة: ٣١، وقوله تعالى: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ» . الجاثية: ٢٣. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، «رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ» .

стр. 244

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تذييل لكتاب العقائد إلى تصحيح العقائد بقلم: فضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة فرغت من قراءة كتاب (العقائد إلى تصحيح العقائد) للعلامة المحقق: الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي فإذا هو كتاب من أجود ما كتب في بابه من مناقشة المتكلمين والمتفلسفة الذي انحرفوا بتطرفهم وتعمقهم في النظر والأقيسة والمباحث، حتى خرجوا عن صراط الله المستقيم الذي سار عليه الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من إثبات صفات الكمال لله تعالى من علوه على خلقه علواً حقيقياً يشار إليه في السماء عند الدعاء إشارة حقيقية، وإن القرآن كلامه حقاً حروفه ومعانيه كيفما قرء أو كتب، وإن الإيمان يزيد وينقص حقيقة، يزيد

стр. 245

بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وأن الأعمال جزء من الإيمان، لا يتحقق الإيمان إلا بالتصديق والقول والعمل. حقق العلامة المؤلف هذه المطالب بالأدلة الفطرية والنقلية من الكتاب والسنة على طريقة السلف الصالح من الصحابة وأكابر التابعين وناقش كمن خالف ذلك من الفلاسفة كابن سينا ورؤساء علم الكلام كالرازي والغزالي والعضد والسعد فأثبت بذلك ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه المحققة الشافية الكافية بأوضح حجة وأقوى برهان - أن طريقة السلف في الإيمان بصفات الله تعالى أعلم وأحكم وأسلم، وإن طريقة الخلف من فلاسفة ومتكلمين أجهل وأظلم وأو دى وأهلك. قرأت الكتاب فأعجبت به أيما إعجاب، لصبر العلامة على معاناة مطالعة نظريات المتكلمين خصوصاً من جاء منهم بعد من ناقشهم شيخ الإسلام أبن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم كالعضد والسعد، ثم رده عليهم بالأسلوب الفطري والنقول الشرعية التي يؤمن بها كل من لم تفسد عقيلته بخيالات الفلاسفة والمتكلمين، فسد بذلك فراغاً كن على كل سني سلفي سده بعد شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، وأدى عنا ديناً كنا مطالبين بقضائه، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وحشرنا وإياه في زمرة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. آمين. وبقيت بعد ذلك لمن يبتلي بمطالعات في كتب العصر وما تحوي من نظريات علمية وتجارب صناعية مسائل يظن تعارضها مع ما جاءت به أنبياء الله ورسله، فيغتر بها ضعفاء العقول، ويفتتن بها سفهاء الأحلام، وسأذكر شيئاً منها على سبيل المثال، وأشير إلى المخرج لمن هداه الله تعالى ووفقه للإيمان بما جاءت به أنبياؤه ورسله، والله الهادي إلى الصراط المستقيم، ممهداً لذلك بتمهيد وجيز.

стр. 246

تمهيد: أرسل الله رسله مبشرين ومنذرين، وأنزل كتبه هداية للمتقين بأصول سعادة الدنيا والآخرة للبشر أجمع، فقررت أصول الإيمان بالله ورسله والملائكة واليوم الآخر وقدر الله في خلقه، وشرحت أركان العمل الصالح في معاملة الله تعالى ومعاملة خلقه من عبادات ومعاملات وتشريع مدني وجنائي، وبينت نتائج السير على هذا الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة وعواقب الانحراف عنه وعقوباته دنياً وأخرى، وسعادة من سار عليه، وشقاء من انحرف وحاد عنه. أما علوم المعاش، رفاهة الحياة الدنيا وملذاتها من صناعة وزراعة وطب وهندسة وكيميا وطبيعة وفلك قلم تعن بها شرحاً وبحثاً وتنقيباً، بل تركت ذلك لجهو د العقل البشري وتجارب الناس وهمم الباحثين، لأن ذلك يتطور حال الناس ويظهر بمظاهر تناسب عصورهم وتفكيرهم وجهو دهم العقلية والاجتماعية، وهو قابل للأخذ والرد والتمحيص والتحوير والاستبدال، واصلاحه ممكن بالعقل وبتطور الزمان ومناسبة المكان. فإن عرضت الشرائع لشيء من ذلك فعلى سبيل المثال وذكر نعمة في خلقه ورحمته بهم بأرضه وسمائه ورياحه وسحبه وأمطاره، ولا يضيرها في ضرب هذه الأمثال أن تقر بها لعقول الناس وتفكير العقلاء. (هذا تمهيد أول) . (الثاني) يظهر للمتأمل في مخلوقات الله تعالى أن لكل حادث منها أسباباً مادية يتلمسها الباحثون ويقفون على كثير منها ظناً وتخميناً، أو قطعاً ويقيناً، وأن لهذه الحوادث أسباباً غيبية وعللاً روحية أشارت إليها الديانات ولوحت إليها كتب السماء. وسيأتي شيء من الأمثلة الآتية توضيح لذلك.

стр. 247

وجل هم الباحثين في العلوم العصرية والتجارب المعيشية التعرف إلى الأسباب المادية، وربطها بمسبباتها وما يقوي ذلك أو يضعفه. وأما رسل الله الكرام فمطمع نظرهم وجل توجههم إلى الأسباب الغيبية والتدبير الآلهي للأسباب والمسببات والراسخون في العلم من يؤمنون بما جاءت به الأنبياء وينتفعون بما أثبتته التجارب وبحوث الباحثين، جامعيين بين الإيمان والانتفاع بثمرات العقول ونتائج الأبحاث الصحيحة، والأمثلة الآتية توضيح وتفريغ للتمهيدين السابقين، وإزالة لشبهة تعارض الدين والمباحث العصرية. (١) مسألة خلق آدم أبي البشر من تراب أثبتتها شرائع الله في التوراة والإنجيل والقرآن بما لا يحتمل الشك أو الجدل. وبحث باحثون على رأسهم دارون الإنكليزي أن الحياة متسلسل بعضها من بعض من الأدنى إلى الأرقى، وأن البشر تسلسلوا من سلسلة حيوانية أدنى منهم وأرقى من القردة، والمسألة نظرية تخمينية لا تزال في بوتقة البحث والتمحيص، لم تصعد سلماً من سلالم القطع والمشاهدة، فنلدع باحثيها في شغلهم بها ويسلم لنا الدين بلا معارض ولا منازع. والعجب من قوم منا فتنتهم هذه الفكرة التخمينية فأخذوا يؤولون نصوص الكتاب العزيز ليخضعوه إليها.ونبرأ إلى الله تعالى من ذلك. (٢) مسألة النيل والفرات جاء في حديث (الصحيحين) أنهما ينبعان من أصل شجرة المنتهى فوق السماء السابعة، والمعروف عند الناس اليوم أن النيل يخرج من بلاد الحبشة أمطارها وبحيراتها إلى السودان إلى مصر - والفرات من جبال أرمينيا إلى العراق. فذهب قوم كابن حزم الظاهري إلى حل المسألة باشتراك الاسمين أي أن الجنة نهرين أسمهما النيل والفرات، ينبعان من أصل سدرة المنتهى، وأنهما غير النيل والفرات اللذين في الدنيا، و «وأنهما» وإن اشتركا معهما في الاسم فالمسميان متغايران.

стр. 248

وذهب الآخرون كالنووي وغيره إلى المجاز والتشبيه، وإن النيل والفرات يشبهان أنهار الجنة في النماء والبركة والعذوبة. وعندي أنه لا بأس بحل المسألة بتطبيق التمهيد الثاني المتقدم آنفاً وإن ما جاء في الحديث في نبه النيل والفرات من أصل سدرة المنتهى نظر إلى السبب الغيبي الروحاني، وأن نبعها مما هو معروف لدى الناس الآن هو السبب الحسي المادي. فإن أعجبك التوجيه، وإلا فأنت في حل منه، وإنما هو جهد المقل، وحاول الجمع بين الإيمان المعقول، والمعقول الذي لا يشوش الإيمان. (٣) مسألة الخسوف والكسوف - ثبت لدى علماء الفلك وأقره المحققون من علماء الدين كالغزالي والرازي وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إن خسوف القمر لاحتجاب نور الشمس عنه بظل الأرض، وكسوف الشمس لاحتجاب نورها عنا بتوسط جرم القمر. وجاء في حديث أبي داود أن كسوف الشمس لتجلي الله تعالى لها، وأن الله تعالى إذا تجلى لشيء خضع له. (١) فتجرأ الغزالي بسبب أنه - كما شهد على نفسه - مزجى البضاعة في الحديث فتجرأ بالقول برد الحديث، وغلطه الشيخ ابن تيمية فقوى الحديث واعتمده.

стр. 249

وحل المسألة عندي مستفيداً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومجالسة بعض محققي علماء الهند أو الحديث جاء على طريقة الأنبياء من النظر إلى الملكوت في الأسباب والمسببات التي وراء الأسباب الظاهرة المعروفة، وحينئذ فتفكير الباحثين في أسباب الخسوف والكسوف صحيح، والحديث على طريقة الأنبياء صحيح، والعاقل من آمن بها جميعاً. (٤) مسألة كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس. تقطع العلوم الحديثة من فلك وجغرافيا بهذه المسألة قطعاً لا شك فيه عندهم في الكروية وظناً يقرب من اليقين، مع الإطباق والتطبيق عليه من مسألة الحركة. وظواهر النصوص تخالف ذلك بادي الرأي. وعندي أن هذه المسألة لا حاجة لها في الدين، وإنما ذكر الله الأرض وسكونها وعدم حيدانها، والشمس والقمر وجريانهما دائبين لنزداد إيماناً برحمته بنا وخلق لاما في السماوات والأرض جميعاً لمنافعنا فالنعمة سابغة، ورحمة الله شاملة لنا، دارت الأرض أم سكنت. المؤمن يزداد إيماناً بما ذكرنا الله من نعمه علينا وتكرار آلائه علينا. (٥) مسألة تنفس جهنم نفسين في الشتاء يكون منه شدة البرد، وفي الصيف يكون منه شدة الحر، «كما» جاء في الحديث الصحيح.

стр. 250

والمسألة نفس لأمر غيبي لا نعرفه فلنؤمن به وبنفسه، والكيفية عند الله تعالى. (٦) جاء في بعض الآثار (١) إن لله بيتاً معموراً فوق السماء السابعة يوازي بيته العتيق بمكة المكرمة، والمسألة كسابقتها غيب في غيب والإيمان واجب، والشك بدعة، والكيف مجهول. (٧) جاء في الحديث أن الله خلق آدم طوله ستون ذراعاً، فما زال الخلق أي من بنيه يتناقص حتى صاروا إلى ما هم عليه الآن. استشكله ابن خلدون، ونقل أشكاله الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) بأن ديار ثمود في الحجر لا تزيد أبوابها عن أبواب ديارنا وهم من القدم على ما يظهر أن يكونوا في نصف الطريق بيننا وبين آدم فكان على هذا يجب أن تطول أبدانهم عنا بنحوثلاثين ذراعاً، ولعل أهل الحفريات عثروا على عظام وجماجم قديمة جداً ولا يزيد طولها عن طول الناس اليوم - سمعت حل الإشكال من الشيخ عبيد الله السندي ﵀ أن الطول المذكور في عالم المثال لا في عالم الأجسام والمشاهدة. فالله أعلم. (٢) (٨) جاء في سورة القمر «اقتربت الساعة وانشق القمر» وجاء في الحديث المشتهر المستفيض عن أنس وابن مسعود وغيرهما ثبوت انشقاقه معجزة للنبي ﷺ وإقامة للحجة على طالبيها منه من قريش.
следующие страницы →