٨٩٧ - " أعظم الناس هما المؤمن الذي يهتم بأمر دنياه وآخرته ".
ضعيف.
رواه ابن ماجه (٢ / ٢١٤٣) وابن أبي الدنيا في " الهم والحزن " (٧٤ / ٢) عن إسماعيل بن بهرام: حدثنا الحسن بن محمد بن عثمان - زوج بنت الشعبي -: حدثنا سفيان عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك مرفوعا، وقال ابن ماجه: " غريب، تفرد به إسماعيل ". قلت: وهو صدوق كما في " التقريب " لكن شيخه الحسن محمد بن عثمان لم يوثقه أحد، وقال الأزدي: " منكر الحديث ".
ويزيد الرقاشي ضعيف كما في " التقريب " وقال المناوي في " الفيض ": " قال في " الميزان " عن النسائي وغيره: متروك، وعن شعبة: لأن أزني أحب إلي من أن أحدث عنه! انتهى. ورواه عن أنس أيضا البخاري في " الضعفاء " فكان ينبغي للمصنف
стр. 1262
ذكره للتقوية، وبه يصير حسنا لغيره "!
قلت: بل لا يزال الحديث واهيا، لأن البخاري رواه في " الضعفاء " من هذا الوجه كما في " الميزان "، فلا أدري
كيف غفل المناوي عن هذا؟ ولئن كان علم ذلك وحسنه، فالأمر أدهى وأمر، لأن إخراج البخاري للطريق الواهي لاسيما في " الضعفاء " لا يقويه كما هو بدهي.
٨٩٨ - " كل معروف صدقة، وما أنفق الرجل في نفسه وأهله كتب له صدقة، وما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة، وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على الله، فالله ضامن إلا ما كان في بنيان، أو معصية، فقلت لمحمد بن المنكدر: وما وقى به الرجل عرضه؟ قال: ما يعطي الشاعر وذا اللسان المتقى ".
ضعيف.
أخرجه عبد بن حميد في " المنتخب من المسند " (١١٧ / ٢) وابن عدي (٢٤٩ / ٢) والدارقطني (ص ٣٠٠) والحاكم (٢ / ٥٠) والبغوي في " شرح السنة " (١ / ١٨٨ / ١) والثعلبي في " تفسيره " (٣ / ١٤٥ / ١) من طرق عن عبد الحميد بن الحسن الهلالي: حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ورده الذهبي بقوله: " قلت: عبد الحميد ضعفه الجمهور ".
قلت: أنه كان يخطىء حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، كما قال ابن حبان (٢ / ١٣٥ - ١٣٦) وقال الساجي: " ضعيف يحدث بمناكير ".
قلت: فهذا جرح مفسر، فهو مقدم على توثيق ابن معين له، مع تفرده به. ونقل المناوي عن الذهبي أنه قال في " الميزان ": " غريب جدا ". قلت: لكن الجملتان الأوليان من الحديث صحيحتان، لأن لهما شواهد كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وإنما أوردناه هنا للزيادة التي بعدهما، وقد ساق لها الحاكم شاهدا بلفظ آخر ولكنه موضوع وهو:
стр. 1263
٨٩٩ - " من استطاع منكم أن يقي دينه وعرضه بماله فليفعل ".
موضوع.
أخرجه الحاكم (٢ / ٥٠) عن حامد بن آدم: حدثنا أبو عصمة نوح، عن عبد الرحمن بن بديل عن أنس بن مالك مرفوعا.
стр. 1264
ذكره الحاكم شاهدا.. للحديث الذي قبله وقال: " ليس من شرط هذا الكتاب ". وتعقبه الذهبي بقوله: " قلت: أبو عصمة هالك ".
قلت: وهو نوح بن أبي مريم الجامع، كذاب وضاع مشهور، وقد قيل فيه: " جمع كل شيء إلا الصدق "! والراوي عنه حامد بن آدم كذبه ابن عدي وغيره، وقال ابن معين: " كذاب لعنه الله ". وعده السليماني فيمن اشتهر بوضع الحديث.
قلت: ومع هذا كله فقد سود السيوطي " جامعه " بهذا الحديث!
٩٠٠ - " إني لأعلم أنك لا تضر ولا تنفع، ولكن هكذا فعل أبي إبراهيم ".
منكر.
أخرجه ابن قانع في " حديث مجاعة بن الزبير أبي عبيدة " (ق ٧٢ / ٢) : حدثنا أبو عبيدة عن القاسم بن عبد الرحمن عن منصور بن السود عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة هرول، ومشى أربعا، واستلم، ثم بكى وقال: فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف أبو عبيدة هذا ضعيف، والحديث منكر رفعه، والصحيح أنه من قول عمر بن الخطاب كما هو مشهور في " الصحيحين " وغيرهما دون قوله " ولكن ... " وقال بدلها: " ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك ". وقد ذكره السيوطي في " الجامع الكبير " (٣ / ١١٨ / ١) عن عمر مرفوعا، وعن أبي بكر موقوفا، وقال: " رواه ابن أبي شيبة والدارقطني في " العلل " "، وسكت على إسناده كما هي عادته، وما أراه يصح، والله أعلم.
стр. 1265
٩٠١ - " خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين: صلاتهم وصيامهم ".
موضوع.
رواه ابن ماجه رقم (٧١٢) عن بقية عن مروان بن سالم عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر مرفوعا.
قلت: قال البوصيري في " الزوائد " (ق ٤٧ / ٢) : " هذا إسناد ضعيف، لتدليس بقية بن الوليد ".
قلت: شيخه مروان شر منه، قال فيه البخاري وغيره: " منكر الحديث ". وقال أبو عروبة الحراني: " يضع الحديث "، وقال ابن حبان (٢ / ٣١٧) : " كان ممن يروي عن المشاهير المناكير، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديث الأثبات ".
стр. 1266
٩٠٢ - " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع أبتر، مسحوق من كل بركة ".
موضوع.
رواه السبكي في " طبقات الشافعية الكبرى " (١ / ٨) من طريق إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا. وقال (١ / ١٠) : " لا يثبت ".
قلت: بل هو موضوع بهذا السياق، وآفته إسماعيل هذا، قال الدارقطني: " متروك الحديث ". قلت وقد روي الحديث من طريق أخرى عن الزهري به دون ذكر الصلاة، ودون قوله " أبتر.... " وهو ضعيف الإسناد كما حققته في " إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل " (رقم ١ و٢) .
стр. 1267
٩٠٣ - " إذا توضأتم فأشربوا أعينكم الماء، ولا تنفضوا أيديكم من الماء، فإنها مراوح الشيطان ".
موضوع.
أخرجه ابن أبي حاتم في " العلل " (١ / ٣٦ رقم ٧٣) وابن حبان في " المجروحين " (١ / ١٩٤) وابن عدي في " الكامل " (٤٠ / ١) من طريق البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا، وقال ابن أبي حاتم: " سألت أبي عنه؟ فقال: هذا حديث منكر، والبختري ضعيف الحديث، وأبوه مجهول ". وكذا قال ابن عدي أن الحديث منكر. قلت: والبختري هذا متهم، قال أبو نعيم: " روى عن أبيه عن أبي هريرة موضوعات "، وكذا قال الحاكم والنقاش، وقال ابن حبان: " روى عن أبيه عن أبي هريرة نسخة فيها عجائب، كان يسرق الحديث، وربما قلبه ".
قلت: وحديثه هذا من الأدلة على ذلك، فقد روي عنه ﷺ ما يقطع كل عارف بهديه ﷺ في طهوره أنه لم يكن يفعل بمقتضى هذا الحديث، بل صح عنه ما يخالفه في شطره الثاني، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: وضعت للنبي ﷺ غسلا فسترته بثوب، وصب على يديه فغسلها، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوبا، فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه.
стр. 1268
ومن تراجم البخاري لهذا الحديث: " باب نقض اليدين من الغسل عن الجنابة ". قال الحافظ: " استدل به على جواز نقض ماء الغسل والوضوء، وهو ظاهر قال: وفيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره "، ثم ذكر هذا ثم قال: " قال ابن الصلاح: " لم أجده ". وتبعه النووي، وقد أخرجه ابن حبان في " الضعفاء " وابن أبي حاتم في " العلل " من حديث أبي هريرة، ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحا لأن يحتج به ". وقال ابن عدي في " الكامل " في ترجمة البختري (ق ١٤٠ / ١) : " روى عن أبيه عن أبي هريرة قدر عشرين حديثا، عامتها مناكير، فمنها: أشربوا أعينكم الماء ". وقال الذهبي: " هذا أنكرها ".
إذا عرفت هذا فمن العجائب قول بعضهم: أن الأولى ترك النفض لقوله ﷺ : " إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم "! فاحتج بالحديث الضعيف! وتأول بعضهم من أجله الحديث الصحيح الذي ذكرته فحمل النقض المذكور فيه على تحريك اليدين في المشي، حكاه القاضي عياض ورده بقوله: " وهو تأول بعيد ". فتعقبه الشيخ علي القاري في " المرقاة " بقوله (١ / ٣٢٥) : " قلت: وإن كان التأويل بعيدا فالحمل عليه جمعا بين الحديثين أولى من الحمل على ترك الأولى "! قلت: وكأنه خفي عليه ضعف هذا الحديث وإلا فمثله لا يخفى عليه أنه لا يسوغ تأويل النص الصحيح من أجل الضعيف، فهذا من آثار الأحاديث الضعيفة والجهل بها، فتأمل. والحديث أورده السيوطي في " الجامع الكبير " (ج ١ / ٥٠ / ١) بهذا السياق من رواية الديلمي في " مسند الفردوس " عن أبي هريرة. وأورده فيه (١ / ١٠١ / ٢) وفي " الصغير " بلفظ " أشربوا أعينكم الماء عند الوضوء، ولا تنفضوا ... " الحديث من رواية أبي يعلى وابن عدي، وزاد في " الكبير ": " وابن عساكر " وقال فيه: " والبختري ضعفه أبو حاتم، وتركه غيره " ثم ذكر قول ابن عدي المتقدم أن الحديث من مناكيره.
٩٠٤ - " نسخ الأضحى كل ذبح وصوم رمضان كل صوم والغسل من الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة ".
ضعيف جدا.
رواه الدارقطني في " سننه " (ص ٥٤٣) من طريق الهيثم بن سهل: المسيب بن شريك: أخبرنا عبيد المكتب عن عامر عن مسروق عن علي مرفوعا، وقال: " خالفه المسيب بن واضح عن المسيب - هو ابن شريك - وكلاهما ضعيفان، والمسيب ابن شريك متروك ".
стр. 1269
ثم ساقه من طريق ابن واضح: أخبرنا المسيب بن شريك عن عتبة بن يقظان عن الشعبي عن مسروق به وقال: " عتبة بن يقظان متروك أيضا ". ورواه البيهقي (٩ / ٢٦١ - ٢٦٢) عن ابن شريك بالوجهين، ونقل عن الدارقطني ما سبق من التضعيف الشديد، وأقره عليه، ونقل الزيلعي في " نصب الراية " (٤ / ٢٠٨) عنه أنه قال: إسناده ضعيف بمرة ". وأقره عليه.
ومن آثار هذا الحديث السيئة أنه صرف جما غفيرا من هذه الأمة، عن سنة صحيحة مشهورة، ألا وهي العقيقة، وهي الذبح عن المولود في اليوم السابع، عن الغلام شاتين وعن الأنثى شاة واحدة، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة تراجع في كتاب " تحفة الودود في أحكام المولود " للعلامة ابن القيم، أجتزئ هنا بإيراد واحد منها وهو قوله ﷺ : " مع الغلام عقيقه، فأهريقوا عنه دما ". رواه البخاري (٩ / ٤٨٦) وغيره من حديث سلمان بن عامر الضبي مرفوعا.
لقد تُرَك العمل بهذا الحديث الصحيح وغيره مما في الباب حتى لا تكاد تسمع في هذه البلاد وغيرها أن أحدا من أهل العلم والفضل - دع غيرهم - يقوم بهذه السنة! ولو أنهم تركوها إهمالا كما أهملوا كثيرا من السنن الأخرى لربما هانت المصيبة، ولكن بعضهم تركها إنكارا لمشروعيتها! لا لشيء إلا لهذا الحديث الواهي! فقد استدل به بعض الحنفية على نسخ مشروعية العقيقة! فإلى الله المشتكى من غفلة الناس عن الأحاديث الصحيحة، وتمسكهم بالأحاديث الواهية والضعيفة.
٩٠٥ - " كان إذا أتي بطعام أكل مما يليه، وإذا أتي بالتمر جالت يده ".
موضوع.
رواه أبو بكر الشافعي في " الفوائد " (١٠٦ / ١) وابن حبان (٢ / ١٦٥) وابن عدي في " الكامل " (٢٥٤ / ٢) وأبو الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (ص ٢٢٢) والخطيب في " تاريخ بغداد " (١١ / ٩٥) واللفظ له من طريق عبيد بن القاسم: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا.
قلت: وهذا سند موضوع، آفته عبيد هذا وهو ابن أخت سفيان الثوري كذبه ابن معين. وقال صالح جزرة: " يضع الحديث ". وكذا قال أبو داود كما في " الميزان ". ثم ساق له أحاديث هذا أحدها وقال ابن حبان: " كان يروي عن هشام بنسخة موضوعة لا يحل كتابة حديثه إلا على وجه التعجب ".
والحديث مما سود به السيوطي كتابه " الجامع الصغير " أورده فيه من رواية الخطيب فقط! وتعقبه المناوي فأجاد قائلا:
стр. 1270
" وظاهر صنيع المصنف أن مخرجه الخطيب خرجه وسكت عليه وهو تلبيس فاحش، فقد تعقبه بما نصه: قال أبو علي (صالح بن محمد جزرة) : هذا كذب وعبيد بن أخت سفيان كان يضع الحديث، وله أحاديث مناكير اهـ كلامه ".
أورده الهيثمي (٥ / ٢٧) وقال: " رواه البزار وفيه خالد بن إسماعيل وهو متروك ". قلت: والشطر الثاني منه رواه أبو الشيخ من طريق رجل من بني ثور عن هشام بن عروة به.
وهذا الرجل الذي لم يسم هو عبيد بن القاسم الكذاب المذكور في الطريق الأولى لأنه ابن أخت سفيان الثوري كما سبق، وهذا من الأدلة الكثيرة على عدم الاحتجاج بحديث المجهولين لاحتمال أن يكونوا من الضعفاء، أو الكذابين، فلا يجوز الاحتجاج بهم حتى ينكشف حقيقة أمرهم.
ولعل ما يتداوله أهل الشام فيما بينهم وهم يتفكهون: " كل شيء بحشمة إلا التوت " أصله هذا الحديث الموضوع! وله شاهد ضعيف من قوله ﷺ ، سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى برقم (١١٢٧) .
٩٠٦ - " كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدر قدره ".
ضعيف.
رواه الضياء في " المختارة " (٢٥٢ / ١ - ٢) عن شجاع بن مخلد الفلاس عن أبي عاصم عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سئل النبي ﷺ عن قول الله (وسع كرسيه السموات والأرض) قال: فذكره.
ورواه من طرق أخرى عن أبي عاصم به موقوفا على ابن عباس وقال: " إنه الأولى ". والموقوف أخرجه الطبراني في " معجمه الكبير " (ج ٣) وقد فاتني موضعه منه، وغالب الظن أنه بين الورقة (١٥٠ والورقة ١٧٠) وقال الهيثمي (٦ / ٣٢٣) : " ورجاله رجال الصحيح ".
وكذلك أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في " العرش " (١١٤ / ٢) والحاكم (٢ / ٢٨٢) عن أبي عاصم به موقوفا وقال: " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي. ورواه ابن مردويه من طريق شجاع بن مخلد به مرفوعا كما في " تفسير ابن كثير " وقال: " وهو غلط.
ورواه ابن مردويه من طريق الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا ولا يصح أيضا ". وروى ابن أبي شيبة أيضا (١١٤ / ١ - ٢) وابن جرير في تفسيره (٥ / ٣٩٨ طبع ... ) والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٢٩٠ - هند) عن عمارة بن عمير عن أبي موسى قال:
стр. 1271
" الكرسي موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرجل ". قلت: وإسناده صحيح إن كان عمارة بن عمير سمع من أبي موسى، فإنه يروي عنه بواسطة ابنه إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، ولكنه موقوف، ولا يصح في الأطيط حديث مرفوع، كما تقدم تحت رقم (٨٦٦) ، وانظر تفسير ابن كثير (٢ / ١٣ - ١٤ طبع المنار) .
٩٠٧ - " أعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضومنه، عضوا منه من النار ".
ضعيف.
رواه أبو داود (٢٩٦٤) وعنه الخطيب في " الفقيه والمتفقه " (٢ / ٤٥ - طبع الرياض) والطحاوي في " المشكل " (١ / ٣١٥) والحاكم (٢ / ٢١٢) وعنه البيهقي (٨ / ١٣٢ - ١٣٣ و١٣٣) وأحمد (٣ / ٤٧١) عن ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الغريف بن الديلمي قال: " أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص! قلنا: إنما أردنا حديثا سمعته من النبي ﷺ قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا أو جب - يعني النار - بالقتل، فقال: فذكره.
ثم رواه الطحاوي (١ / ٣١٤) وأحمد (٤ / ١٠٧) من طريق عبد الله بن المبارك، والخطيب من طريق يحيى بن حمزة، كلاهما عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الغريق بن عياش به مختصرا بلفظ: أتى النبي ﷺ نفر من بني سليم، فقالوا: إن صاحبا لنا أو جب، قال: " فليعتق رقبة، يفدي الله بكل عضومنها عضوا منه من النار ".
ثم رواه أحمد (٣ / ٤٩٠) من طريق أبي علاثة قال: حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن واثلة بن الأسقع به. وأسقط من الإسناد الغريق هذا. وابن علاثة فيه ضعف. قلت والإسناد ضعيف من أجل الغريق فإنه لم يرو عنه غير إبراهيم بن أبي عبلة، ولم يوثقه غير ابن حبان (١ / ١٨٣) . قال الحافظ في " التهذيب ": " وقال ابن حزم: مجهول. وذكره بالعين المهملة ".
قلت: وكذلك وقع في " مستدرك الحاكم " وقال: " عريف هذا لقب عبد الله بن الديلمي، حدثنا بصحة ما ذكرته أبو إسحاق إبراهيم ابن فراس الفقيه: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي: حدثنا عبد الله بن يوسف التنيسي: حدثنا عبد الله بن سالم: حدثني إبراهيم بن أبي عبلة قال: كنت جالسا بـ (ريحاء) فمر بي واثلة بن الأسقع متوكئا على عبد الله بن الديلمي، فأجلسه، ثم جاء إلي فقال: عجب ما حدثني هذا الشيخ، يعني واثلة، قلت: ما حدثك؟ فقال: حدثني: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فأتاه نفر من بني سليم فقالوا.... ".
стр. 1272
قلت: فذكر الحديث مثل رواية ضمرة ثم قال الحاكم: " فصار الحديث بهذه الروايات صحيحا على شرط الشيخين ". قلت: ووافقه الذهبي، وليس كذلك لأمرين: الأول: أن هذه الرواية التي ساقها مستدلا على صحة ما ذكر، فيها الدمياطي وهو ضعيف. لكنه قد توبع فقال الطحاوي (١ / ٣١٦) : حدثنا علي بن عبد الرحمن: حدثنا عبد الله بن يوسف الدمشقي: حدثنا عبد الله بن سالم به. وعلي بن عبد الرحمن هو المعروف بـ (علان) المصري، قال ابن أبي حاتم (٣ / ١ / ١٩٥) : " صدوق ".
وتابعه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: حدثنا عبد الله بن يوسف به. أخرجه ابن حبان (١٢٠٦) . ثم رواه الطحاوي من طريق الوليد بن مسلم: حدثني مالك بن أنس وغيره عن إبراهيم بن أبي عبلة أنه حدثهم عن عبد الله بن الديلمي عن واثلة نحوحديث ابن المبارك. قلت: فهذا كله يصحح ما ذكره الحاكم أن الغريف لقب لعبد الله بن الديلمي، أو على الأصح يدل على أن اسم الغريف عبد الله، وهي فائدة لا تجدها في كتب الرجال، ولكن هل يصير الحديث بذلك صحيحا؟ ذلك ما سترى الجواب عنه فيما يأتي. الأمر الثاني: أن عبد الله بن الديلمي المذكور في هذه الروايات ليس هو الذي عناه الحاكم: عبد الله بن فيروز الديلمي أبو بشر وهو الذي وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، وروى له أصحاب السنن إلا الترمذي، بل هو ابن أخي هذا، فقد تقدم في بعض الرويات أنه الغريف بن عياش، وفي أخرى عند الطحاوي والخطيب " الغريف بن عياش بن فيروز الديلمي "، ولذلك قال في ترجمة أبي بشر من " التهذيب ": " هو أخو الضحاك بن فيروز وعم الغريف بن عياش بن فيروز ".
فإذا ثبت أنه عبد الله بن عياش بن فيروز وهو غير عبد الله بن فيروز، وجب أن نتطلب معرفة حاله، وإذا عرفت مما سبق في ترجمته أنه مجهول، نستنتج من ذلك أن الحديث ضعيف لا يصح وأن الحاكم والذهبي وهما في تصحيحهما إياه، لاسيما وقد صححاه على شرط الشيخين، والعصمة لله وحده.
وفي الحديث علة أخرى، وهي الاضطراب في متنه، ففي رواية ضمرة وعبد الله بن سالم: " أعتقوا عنه "، وفي رواية ابن المبارك ومالك: " فليعتق رقبة ". وتابعهما عليها يحيى بن حمزة وهانىء بن عبد الرحمن عند الطحاوي، ولفظ هانىء: " مروه فليعتق رقبة ". فهذه الرواية أرجح لاتفاق هؤلاء الأربعة عليها، وفيهم مالك وابن المبارك وهما في التثبت والحفظ على ما هما عليه، كما قال الطحاوي.
стр. 1273
ثم ذكر أن الرواية الأولى تعارض القرآن فقال: " ووجدنا كتاب الله قد دفع مثل هذا المعنى عن ذوي الذنوب، وهو قوله تعالى في الجزاء عن كفارة الصيد المقتول في الإحرام في (سورة المائدة) على ما ذكر فيها، ثم أعقبه بقوله: (ليذوق وبال أمره) فأخبر أنه جعل الكفارة في الصيد في الإحرام على قاتله ليذوق وبال قتله، فمثل ذلك على كل كفارة عن ذنب، إنما يراد بها ذوق المذنب وبالها، وفي ذلك ما يمنع تكفير غيره عنه في ذلك بعتاق عنه أو بغيره ".
ثم ختم الطحاوي كلامه على الحديث بأن ذكر وجها للتوفيق بين الروايتين لا أرى فائدة من حكايته، لسببين:
الأول: أن الحديث من أصله ضعيف.
الثاني: أنه لوصح فإحدى الروايتين خطأ قطعا، لأن الحادثة واحدة لم تكرر، وبالتالي فاللفظ الذي نطق به ﵇ واحد، اختلف الرواة في تحديده، فلابد من المصير إلى الترجيح، وقد فعلنا، وذلك يغني عن محاولة التوفيق، والله أعلم.
(تنبيه) : الحديث سكت عليه المنذري في " مختصر السنن " (٥ / ٤٢٤) وقال: " أخرجه النسائي ". والظاهر أنه يعني في " الكبرى " له فإني لم أجده في " الصغرى "، ولا عزاه إليه النابلسي في " ذخائر المواريث " (٢ / ١٢٥ - ١٢٦) ، وعزاه السيوطي في " الجامع الكبير " (١ / ١٠٧ / ١) لأبي داود وابن حبان والطبراني في " الكبير " والحاكم والبيهقي.
هذا وقد يستدل بالحديث من يقول بوصول ثواب العمل إلى غير عامله إذا وهبه له، وهو خلاف قوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وما في معناه من الأحاديث ولوصح هذا الحديث لكان من جملة المخصصات للآية، وقد حقق الإمام الشوكاني القول في هذا الموضوع وذكر ما وقف عليه من المخصصات المشار إليها، فراجعه في " نيل الأوطار " (٣ / ٣٣٣ - ٣٣٦) ، مع فصل " ما ينتفع به الميت " من كتابي " أحكام الجنائز " (ص ١٦٨ - ١٧٨) .
٩٠٨ - " إن عيسى بن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية ".
لا أصل له مرفوعا.
وإنما أورده الإمام مالك في " الموطأ " (٢ / ٩٨٦ / ٨) بدون إسناد أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقوله. وليس من عادتي أن أورد مثل هذا الكلام لأن راويه لم يعزه إلى النبي ﷺ ولكني
стр. 1274
رأيت الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي كتب تحت هذا الكلام في نسخة " الموطأ " التي قام هو على تصحيحها وتخريج أحاديثها ما نصه: " مرسل، وقد وصله العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة، أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٢٠ - باب تحريم الغيبة، حديث ٧ ".
ولما وقف على هذا بعض من لا علم عنده، نقل هذا الكلام المنسوب إلى عيسى ﵇ في كتاب له، وعزاه للموطأ ومسلم! فلما وقفت عليه (قبل أن يطبع كتابه، وخير له أن لا يطبعه لكثرة أوهامه) استنكرت عزوه لمسلم أشد الاستنكار، ولما نبهته على ذلك احتج بتخريج فؤاد عبد الباقي - وهو يظنه لبالغ جهله بهذا العلم أنه من تخريج الإمام مالك نفسه! - فأكدت له أنه خطأ، ثم رأيت من الواجب أن أنبه عليه هنا، كي لا يغتر به آخرون، فيقعون في الكذب على رسول الله ﷺ من حيث لا يريدون ولا يشعرون.
وقد تبين لي فور رجوعي إلى تخريج عبد الباقي أن الخطأ - فيما أظن - ليس منه مباشرة، بل من الطابع، فإن هذا التخريج كان حقه أن يوضع في الباب الذي يلي كلام عيسى ﵇، ففيه أورد مالك حديثا مرسلا في الغيبة، وهو الذي وصله مسلم في الباب الذي ذكره فؤاد عبد الباقي، فيبدو أن التخريج كان مكتوبا في ورقة مفصولة عن الحديث، فسها الطابع وطبعه تحت كلام عيسى ﵇، فكان هذا الخطأ الفاحش، وبقي حديث الغيبة بدون تخريج، ثم لا أدري إذا كان الأستاذ فؤاد أشرف على تصحيح الكتاب بنفسه وهو يطبع، فذهل عن هذه الخطيئة، أو وكل أمر التصحيح إلى من لا علم عنده بالحديث إطلاقا، فبدهي أن تنطلي عليه الخطيئة، والعصمة لله وحده. نعم قد روي الحديث مرفوعا مختصرا، وإسناده ضعيف كما سيأتي بيانه برقم (٩٢٠) .
٩٠٩ - " يا عم! والله لووضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ".
ضعيف.
أخرجه ابن إسحاق في " المغازي " (١ / ٢٨٤ - ٢٨٥ سيرة ابن هشام) : حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث: أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة (١) بعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاؤني فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبق علي وعلى نفسك،
стр. 1275
ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، قال: فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء ... ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال رسول الله ﷺ : فذكره. قال: ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب: أقبل يا ابن أخي! فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا. قلت: وهذا إسناد ضعيف معضل، يعقوب بن عتبة هذا من ثقات أتباع التابعين، مات سنة ثمان وعشرين ومائة. وقد وجدت للحديث طريقا أخرى بسند حسن لكن بلفظ: " ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك، على أن تستشعلوا لي منها شعلة يعني الشمس ". وقد خرجته في " الأحاديث الصحيحة " رقم (٩٢) .
٩١٠ - " يا جبريل صف لي النار، وانعت لي جهنم، فقال جبريل: إن الله ﵎ أمر بجهنم فأو قد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر بها فأو قد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأو قد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق لوأن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه، ومن نتن ريحه، والذي بعثك بالحق لوأن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى، فقال رسول الله ﷺ : حسبي يا جبريل لا يتصدع قلبي، فأموت، قال: فنظر رسول الله ﷺ إلى جبريل وهو يبكي، فقال: تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به، فقال: مالي لا أبكي؟ أنا أحق بالبكاء! لعلي ابتلى بما ابتلي به إبليس، فقد كان من الملائكة، وما أدري لعلي ابتلي مثل ما ابتلي به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله ﷺ وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد إن الله قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل ﵇، وخرج
стр. 1276
رسول الله ﷺ فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون، فقال: أتضحكون ووراءكم جهنم؟! لوتعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله .. فنودي: يا محمد! لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسرا ولم أبعثك معسرا فقال رسول الله ﷺ : سددوا وقاربوا ".
موضوع.
أخرجه الطبراني في " الأوسط " بسنده عن عمر بن الخطاب قال: " جاء جبريل إلى النبي ﷺ في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله ﷺ فقال: يا جبريل: مالي أراك متغير اللون؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح النار، فقال رسول الله ﷺ : يا جبريل صف لي النار. الحديث، أورده المنذري في " الترغيب والترهيب " (٤ / ٢٢٥ - ٢٢٦) وأشار لضعفه أو وضعه، وقد بين علته الهيثمي في " المجمع " فقال (١٠ / ٣٨٧) : " وفيه سلام الطويل وهو مجمع على ضعفه ".
قلت: وذلك لأنه كان كذابا كما قال ابن خراش، وقال ابن حبان: (١ / ٣٣٥ - ٣٣٦) : " روى عن الثقات الموضوعات، كأنه كان المعتمد لها ". وقال الحاكم - على تساهله -: " روى أحاديث موضوعة ". قلت: وهذا منها بلا شك فإن التركيب والصنع عليه ظاهر، ثم إن فيه ما هو مخالف للقرآن الكريم في موضعين منه:
الأول: قوله في إبليس: " كان من الملائكة " والله يقول فيه: (كان من الجن ففسق عن أمر ربه) ، وما يروى عن ابن عباس في تفسير قوله: (من الجن) أي من خزان الجنان، وأن إبليس كان من الملائكة، فمما لا يصح إسناده عنه، ومما يبطله أنه خلق من نار كما ثبت في القرآن الكريم، والملائكة خلقت من نور كما في " صحيح مسلم " عن عائشة مرفوعا، فكيف يصح أن يكون منهم خلقة، وإنما دخل معهم في الأمر بالسجود لآدم ﵇ لأنه كان قد تشبه بهم وتعبد وتنسك، كما قال الحافظ ابن كثير، وقد صح عن الحسن البصري أنه قال: " ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر ".
الموضع الثاني: قوله: " ابتلي به هاروت وماروت ". فإن فيه إشارة إلى ما ذكر في بعض كتب التفسير أنهما أنزلا إلى الأرض، وأنهما شربا الخمر وزنيا وقتلا النفس بغير، فهذا مخالف لقول الله تعالى في حق الملائكة: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) ، ولم يرد ما يشهد لما ذكر، إلا في بعض الإسرائيليات التي لا ينبغي
стр. 1277
أن يوثق بها، وإلا في حديث مرفوع، قد يتوهم - بل أوهم - بعضهم صحته، وهو منكر بل باطل كما سبق تحقيقه برقم ١٧٠، ويأتي بعد حديث من وجه آخر.
٩١١ - " اللهم اجعلني صبورا، اللهم اجعلني شكورا، اللهم اجعلني في عيني صغيرا وفي أعين الناس كبيرا ".
منكر.
رواه الديلمي في " مسند الفردوس " (١ / ٢ / ١٩١) وذكره ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ١٨٤) كلاهما من طريق عقبة بن عبد الله الأصم عن ابن بريدة عن أبيه: " أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: علمني دعوة، فقال:.. فذكره، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: " هذا حديث منكر لا يعرف، وعقبة لين الحديث ".
والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " (١٠ / ١٨١) من دعائه ﷺ لا من تعليمه وقال: " رواه البزار، وفيه عقبة بن عبد الله الأصم، وهو ضعيف، وحسن البزار حديثه ".
قلت: لعل تحسين البزار لحديثه يعني حديثا خاصا غير هذا، وأراد الحسن المعنوي لا الاصطلاحي، فقد قال هو نفسه في عقبة هذا: " غير حافظ، وإن روى عنه جماعة فليس بالقوي ". وقال ابن حبان (٢ / ١٨٨) : " كان ممن ينفرد بالمناكير عن الثقات المشاهير، حتى إذا سمعها من الحديث صناعته شهد لها بالوضع ".
стр. 1278
٩١٢ - " إن الملائكة قالت: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم، قالوا لوكنا مكانهم ما عصيناك، قال فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت، فنزلا، فألقى الله تعالى عليهما الشبق، قلت: وما الشبق؟ قال: الشهو ة، قال: فنزلا، فجاءت امرأة يقال لها الزهرة، فوقعت في قلوبهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، فرجع إليها، ثم جاء الآخر، فقال: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم، فطلباها نفسها، فقالت: لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان، فأبيا، ثم سألاها أيضا فأبت، ففعلا فلما استطيرت
стр. 1279
طمسها الله كوكبا وقطع أجنحتها، ثم سألا التوبة من ربهما، فخيرهما، فقال: إن شئتما رددتكم إلى ما كنتما عليه، فإذا كان يوم القيامة عذبتكما، وإن شئتما عذبتكما في الدنيا فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه، فقال أحدهما لصاحبه: أن عذاب الدنيا ينقطع ويزول، فاختارا عذاب الدنيا على الآخرة، فأو حى الله إليهما أن ائتيا بابل، فانطلقا إلى بابل فخسف بهما، فهما منكوسان بين السماء والأرض معذبان إلى يوم القيامة ".
باطل مرفوعا.
رواه الخطيب في تاريخه (٨ / ٤٢ - ٤٣) وكذا ابن جرير في تفسيره (٢ / ٣٦٤) من طريق الحسين: سنيد بن داود: حدثنا الفرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان آخر الليل قال: يا نافع طلعت الحمراء؟ قلت: لا (مرتين أو ثلاثة) ، ثم قلت: قد طلعت، قال: لا مرحبا بها وأهلا، قلت: سبحان الله، نجم سامع مطيع؟ قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، قال لي رسول الله ﷺ : فذكره بتمامه، لكن ليس عند ابن جرير: " فنزلا.... " إلخ، وقال الحافظ ابن كثير في " تفسيره " (١ / ٢٥٥) : " غريب جدا ". قلت: وآفته الفرج بن فضالة أو الراوي عنه سنيد، فإنهما ضعيفان كما في " التقريب "، والحديث أصله موقوف خطأ في رفعه أحدهما، والدليل على ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن مجاهد قال: كنت نازلا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه (الظاهر أنه نافع) : انظر هل طلعت الحمراء؟ لا مرحبا بها ولا أهلا، ولا حباها الله، هي صاحبة الملكين، قالت الملائكة، يا رب كيف تدع عصاة بني آدم....؟ قال: إني ابتليتهم ... الحديث نحوه، قال ابن كثير: " وهذا إسناد جيد وهو أصح من حديث معاوية بن صالح هذا، ثم هو مما أخذه ابن عمر عن كعب الأحبار كما تقدم بالسند الصحيح عنه في الحديث الذي قبله بحديث، والله أعلم، ثم قال ابن كثير: " وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن
стр. 1280
الهوى. وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أورده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال ".
قلت: وقد زعمت امرأة من أهل دومة الجندل أنها رأتهما معلقين بأرجلهما ببابل، وأنها تعلمت منهم السحر، وهما في هذه الحالة، في قصة طويلة حكتها لعائشة رضي الله تعالى عنها، رواها ابن جرير في " تفسيره " (٢ /٣٦٦ - ٣٦٧) بإسناد حسن عن عائشة، ولكن المرأة مجهولة فلا يوثق بخبرها، وقد قال ابن كثير (١ / ٢٦٠) : " إنه أثر غريب وسياق عجيب ". وقد اكتفيت بالإشارة إليه، فمن شاء الوقوف على سياقه بتمامه فليرجع إليه. ومما يتصل بما سبق الحديث الآتي:
٩١٣ - " لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين: هاروت وماروت ".
موضوع.
رواه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (٦٤٨) وابن منده في " تفسيره " كما في " تفسير ابن كثير " (١ / ٢٥٦) من طريق جابر عن أبي الطفيل عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . وقال الحافظ ابن كثير: " لا يصح، وهو منكر جدا ".
قلت: وآفته جابر وهو ابن يزيد الجعفي وهو متهم بالكذب، وكان يؤمن برجعة علي ويقول: إنه دابة الأرض
المذكورة في القرآن! والحديث أورده السيوطي في " الدر المنثور " (١ / ٩٧) وكذا في " الجامع الصغير " من رواية ابن راهويه وابن منده، وبيض له المناوي فلم يتعقبه بالشيء، ومن العجيب، أن السيوطي لم يورده في " الجامع الكبير " وهو كان أحق به!
стр. 1281
٩١٤ - " أرشدوا أخاكم ".
ضعيف.
رواه الحاكم (٢ / ٤٣٩) عن سعد بن عبد الله بن سعد عن أبيه عن أبي الدرداء ﵁ قال: " سمع رسول الله ﷺ رجلا قرأ فلحن، فقال رسول الله ﷺ ... " فذكره، وقال: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي.
وأقول: كلا، فإن عبد الله بن سعد والد سعد وهو الأيلي غير معروف، ولم يترجموا له، مع أنهم ترجموا لابنه، ولم يذكروا له رواية عن أبيه، والله أعلم.
стр. 1282
٩١٥ - " إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لعاق، فلا يزال يدعولهما حتى يكتب عند الله بارا ".
стр. 1283
ضعيف.
أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (٣ / ٨٨) من طريق لاحق بن الحسين بسنده عن إسماعيل بن محمد بن جحادة عن أبيه عن أنس مرفوعا قال: " لا أصل له، لاحق كذاب يضع ".
وتعقبه السيوطي في " اللآلىء المصنوعة " (٢ / ٢٩٧) بأن له طريق آخر، أخرجه البيهقي في " الشعب " قال: أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي ... عن يحيى بن عقبة بن أبي العيزار عن محمد بن جحادة عن أنس بن مالك به وقال السيوطي: " ويحيى بن عقبة ضعيف ".
قلت: بل هو شر من ذلك فقد قال أبو حاتم: " يفتعل الحديث ". وقال ابن حبان: " يروي الموضوعات عن الأثبات ". وقال ابن معين: " كذاب خبيث عدوالله ". وقد أورده ابن عراق في " الوضاعين " من مقدمة كتابه " تنزيه الشريعة " ثم نسي ذلك فتابع السيوطي في تعقبه على ابن الجوزي! وأورد الحديث من أجل ذلك في " الفصل الثاني " (٢ / ٢٩٧) . قلت: وأبو عبد الرحمن السلمي متهم أيضا، فالسند هالك، لكن قال السيوطي بعد ذلك: " وقال ابن أبي الدنيا في " كتاب القبور ": حدثني خالد بن خداش: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين قال: قال رسول الله ﷺ : إن الرجل ليموت.... " الحديث. قال خالد: فحدثت حماد بن زيد فأعجب بذلك، أخرجه البيهقي وقال: هذا على إرساله أصح من الأول. وقال العراقي في " تخريج الإحياء ": " هذا مرسل صحيح الإسناد ".
قلت: كلا، فإن خالد بن خداش مخدوش! قال الذهبي في " الميزان ": " وثق وقال أبو حاتم وغيره، صدوق، وقال ابن معين ينفرد عن حماد بأحاديث، وقال ابن المديني وزكريا الساجي: ضعيف ".
ثم ساق الذهبي له حديث: " لا يولد مولود بعد ستمائة لله فيه حاجة " وقال: " منكر ". قلت: فالإسناد على إرساله ضعيف من أجله، فالحديث لا يصح بوجه من الوجوه، والله أعلم.
٩١٦ - " التوكؤ على العصا من أخلاق الأنبياء، كان لرسول الله ﷺ عصا يتوكأ عليها، ويأمرنا بالتوكأ عليها ".
موضوع.
رواه أبو الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (ص ٢٥٩) وابن عدي في " الكامل " (ق ٣٣٠ / ١) من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن المعلى بن هلال عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس قال: " التوكؤ. . . " الحديث.
أورده ابن عدي في ترجمة المعلى هذا، وقال:
стр. 1284
" هو في عداد من يضع الأحاديث ".
وعثمان بن عبد الرحمن هو الحراني الطرائفي، وهو صدوق، أكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، وضعف بسبب ذلك حتى نسبه ابن نمير إلى الكذب، وقد وثقه ابن معين كما في " التقريب ".
٩١٧ - " لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ".
لا أصل له مرفوعا.
فيما علمت. إلا قول أبي يوسف في " كتاب الآثار " له رقم (٢٩٦) : " وزعم أبو حنيفة أنه بلغه عن النبي ﷺ أنه قال.... " فذكره مرفوعا، وهذا وهم، وإليه أشار أبو يوسف بقوله: " وزعم أبو حنيفة " مع أنه إمام، على أنه معضل، وقد أشار إلى ما ذكرنا الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " بقوله (٢ / ١٥٩) : " غريب مرفوعا، وإنما وجدناه موقوفا على علي ". وأوهم الحافظ ابن حجر أنه مرفوع، فقال في " التلخيص " (١٣٢) " حديث علي: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر، ضعفه أحمد ". وقال النووي في " المجموع " (٤ / ٤٨٨) : " ضعيف جدا ". كذا قالا، ولم يذكرا من خرجه، ولا إسناده لينظر فيه، وما أظنه إلا وهما منهما، ومما يؤيد ذلك أن الإمام أحمد إنما ضعف الموقوف على علي، وأما المرفوع فما ذكره، ولا أعتقد أنه سمع به! .
قال إسحاق بن منصور المروزي في " مسائله عن الإمام أحمد " (ص ٢١٩) : " ذكرت له قول علي: " لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع "؟ قال: الأعمش لم يسمعه من سعد ".
قلت: سعد هذا هو ابن عبيدة، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١ / ٢٠٤ / ١) : " أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: فذكره. ورواه علي بن الجعد الجوهري في " حديثه " (١٢ / ١٧٨ / ١) من طريق أبي جعفر الرازي عن الأعمش به، وأعله أحمد بالانقطاع بين الأعمش وسعد بن عبيدة. قلت: لكن لم يتفرد به الأعمش، بل تابعه طلحة وهو ابن مصرف عند ابن أبي شيبة، وزبيد اليامي عند الطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ٥٤) والبيهقي أيضا في " السنن " (٣ / ١٧٩) كلاهما عن سعد بن عبيدة به. وسعد بن عبيدة ثقة من رجال الستة، ومثله أبو عبد الرحمن السلمي فالسند صحيح موقوفا، وصححه ابن حزم في " المحلى " (٥ / ٥٣) وهو مقتضى كلام أبي جعفر الطحاوي، ولكنه قال: " لم يقله علي ﵁ رأيا، إذ كان مثله لا يقال بالرأي، وإنما قاله بتوقيف عن رسول الله ﷺ !
стр. 1285
كذا قال، وفيه نظر واضح، فإن القلب يشهد أن ذلك يقال بالرأي والاجتهاد، ولذلك ظلت المسألة من موارد النزاع، وقد صح خلافه عن عمر بن الخطاب أفيقال: إنه توقيف أيضا مع أنه هو الصواب؟! فروى ابن أبي شيبة في باب من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها، من طريق أبي رافع عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر يسألونه عن الجمعة، فكتب: " جمعوا حيثما كنتم ".
قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وأبو رافع هذا اسمه نفيع بن رافع الصائغ المدني، واحتج بهذا الأثر الإمام أحمد على تضعيف أثر علي وزاد: " وأول جمعة جمعت بالمدينة، جمع بهم مصعب بن عمير، فذبح لهم شاة، فكفتهم، وكانوا أربعين، وليس ثم أحكام تجري ". قال إسحاق المروزي: " قلت له: أليس ترى في قرى مرولو
جمعوا؟ قال: نعم ". ثم روى ابن أبي شيبة (١ / ٢٠٤ / ٢) بسند صحيح عن مالك قال: " كان أصحاب محمد ﷺ في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون ". وروى البخاري (٢ / ٣١٦ بشرح الفتح) وأبو داود (١٠٦٨) وغيرهما عن ابن عباس قال: لجمعة جمعت بـ (جوثاء) ، قرية من قرى البحرين، وفي رواية: قرية من قرى عبد القيس ". وترجم له البخاري وأبو داود بـ " باب الجمعة في القرى ".
قال الحافظ: " ووجه الدلالة منه أن الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي ﷺ لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي، ولأنه لوكان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدل جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنهم فعلوه والقرآن ينزل، فلم ينهو اعنه ".
قلت: وفي هذه الآثار السلفية عن عمر ومالك وأحمد من الاهتمام العظيم اللائق بهذه الشعيرة الإسلامية الخالدة: صلاة الجمعة حيث أمروا بأدائها والمحافظة عليها حتى في القرى وما دونها من أماكن التجمع، وهذا - دون أثر علي - هو الذي يتفق مع عمومات النصوص الشرعية وإطلاقها، وبالغ التحذير من تركها وهي معروفة، وحسبي الآن أن أذكر بآية من القرآن: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) ، وصلاة الظهر بعدها ينافي تمامها: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) .
ولما سافرت في رمضان سنة ١٣٩٦ إلى بريطانيا سرني جدا أنني رأيت المسلمين في لندن يقيمون صلاة الجمعة والعيد أيضا، وبعضهم يصلون الجمعة في بيوت اشتروها أو استأجروها وجعلوها (مصليات) يصلون فيها الصلوات الخمس والجمعات، فقلت في نفسي: لقد أحسن
стр. 1286
هؤلاء بالمحافظة على هذه العبادة العظيمة هنا في بلاد الكفر، ولو تعصبوا لمذهبهم وجلهم من الحنفية - لعطلوها وصلوها ظهرا! فازددت يقينا بأنه لا سبيل إلى نشر الإسلام والمحافظة عليه إلا بالاستسلام لنصوص الكتاب والسنة، واتباع السلف الصالح، المستلزم الخروج عن الجمود المذهبي إلى فسيح دائرة الإسلام، الذي بنصوصه التي لا تبلى يصلح لكل زمان ومكان، وليس بالتعصب المذهبي، والله ولي التوفيق.
٩١٨ - " أخروهن من حيث أخرهن الله. يعني النساء ".
لا أصل له مرفوعا.
وقد أشار إلى ذلك الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " (٢ / ٣٦) بقوله: " حديث غريب مرفوعا. وهو في " مصنف عبد الرزاق " (١) موقوف على ابن مسعود فقال: أخبرنا سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعا، فكانت المرأة (لها الخليل) تلبس القالبين فتقوم عليهما، تقول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: أخروهن من حيث أخرهن الله. قيل: فما القالبان؟ قال: أرجل من خشب يتخذها النساء يتشرفن الرجال في المساجد، ومن
طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في (معجمه) ".
قلت: ورواه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٣٦ / ٢) من طريق زائدة أيضا عن الأعمش به، إلا أنه لم يذكر أبا معمر في سنده. ثم ذكر الزيلعي أن بعض الجهال (كذا) من فقهاء الحنفية كان يعزوه إلى " مسند رزين " و" دلائل النبوة " للبيهقي. قال: " وقد تتبعته فلم أجده فيه لا مرفوعا ولا موقوفا ". وأفحش من هذا الخطأ أن بعضهم عزاه للصحيحين كما نبه عليه الزركشي، ونقله السخاوي (٤١) وغيره عنه، ونقل الشيخ علي القاريء في " الموضوعات " عن ابن الهمام أنه قال في شرح الهداية ": لا يثبت رفعه، فضلا عن شهرته، والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود كما في " كشف الخفاء " (١ / ٦٧) . قلت: والموقوف صحيح الإسناد، ولكن لا يحتج به لوقفه، والظاهر أن القصة من الإسرائيليات.
ومن العجائب أن الحنفية أقاموا على هذا الحديث مسألة فقهية خالفوا فيها جماهير العلماء، فقالوا: إن المرأة إذا وقفت بجانب الرجل أو تقدمت عليه في الصلاة أفسدت عليه صلاته، وأما المرأة فصلاتها صحيحة، مع أنها هي المعتدية! بل ذهب بعضهم إلى إبطال الصلاة ولوكانت على السدة فوقه محاذية له! وقد استدلوا على ذلك بالأمر في هذا الحديث بتأخيرهن، ولا يدل على ما ذهبوا إليه البتة، وذلك من وجوه: أولا: أن الحديث موقوف فلا حجة فيه كما سبق.
стр. 1287
ثانيا: أن الأمر وإن كان يفيد الوجوب فهو لا يقتضي فساد الصلاة، بل الإثم كما سيأتي عن الحافظ. ثالثا: أنه لو اقتضى فساد الصلاة فإنما ذلك إذا خالف الرجل الأمر ولم يؤخر المرأة أولم يتقدم عليها، أما إذا دخل في الصلاة ثم اعتدت المرأة ووقفت بجانبه، أو تقدمت عليه، فلا يدل على بطلان صلاته بوجه من الوجوه، بل لوقيل ببطلان صلاة المرأة في هذه الحالة لم يبعد، لوكان صح رفع الحديث، ومع ذلك فهم لا يقولون ببطلان صلاتها! وهذا من غرائب أقوال الحنفية التي لا يشهد لصحتها أثر ولا نظر! نعم من السنة أن تتأخر المرأة في الصلاة عن الرجال كما روى البخاري وغيره عن أنس بن مالك قال: " صليت خلف النبي ﷺ ، أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي أم سليم خلفنا ". قال الحافظ في " شرحه " (٢ / ١٧٧) : " وفيه أن المرأة لا تصف مع الرجل، وأصله ما يخشى من الافتتان بها، فإذا خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور.
وعن الحنفية: تفسد صلاة الرجل دون المرأة، وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف، حيث قال قائلهم، دليله قول ابن مسعود هذا، والأمر للوجوب، وحيث ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخرهن فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل، لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها! وحكاية هذا تغني عن تكلف جوابه.
والله المستعان، فقد ثبت النهي عن الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف فصلى فيه ولم ينزعه أثم وأجزأته صلاته، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك، وأوضح منه لو كان لباب المسجد صفة مملوكة فصلى فيها شخص بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة صحت صلاته وأثم، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته، ولاسيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه ".
٩١٩ - " ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا إلا صعدت لا يردها حجاب، فإذا وصلت إلى الله نظر إلى قائلها، وحق على الله أن لا ينظر إلى موحد إلا رحمه ".
منكر.
رواه ابن بشران في " الأمالي " (٧٠ / ١ و١٠٨ / ٢) عن علي بن الحسين بن يزيد الصدائي: حدثنا أبي حدثنا الوليد بن القاسم عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعا.
ومن طريق ابن بشران رواه الخطيب في ترجمة علي بن الحسين هذا (١١ / ٣٩٤) وذكر أن وفاته كانت سنة (٢٨٦) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وأنه روى عنه أبو بكر الشافعي وأبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة. قلت: وقد خالفه في متنه الإمام الترمذي فرواه عن الحسين بن يزيد به، بلفظ:
стр. 1288
".... إلا فتحت له أبواب السماء حتى تقضي إلى العرش، ما اجتنبت الكبائر ". قلت: فهذا يدل على ضعف علي بن الحسين عندي، لمخالفته الترمزي في لفظ حديثه على قلة روايته، ولذلك أوردت الحديث بلفظ الترمذي في " الأحاديث الصحيحة " و" المشكاة " (٢٣١٤) . والحديث عزاه السيوطي في " الجامع الكبير " (٢ / ١٧٥ / ٢) للخطيب وحده.
٩٢٠ - " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي ".
ضعيف.
أخرجه الترمذي (٢ / ٦٦) والواحدي في " الوسيط " (١ / ٢٧ / ٢) وأبو جعفر الطوسي الفقيه الشيعي في " الأمالي (ص ٢) والبيهقي في " شعب الإيمان " (٢ / ٦٥ / ١ - ٢) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حاطب عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره، وقال الترمذي: " حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم ".
قلت: وهو ابن عبد الله بن الحارث بن حاطب الجمحي، ترجمه ابن أبي حاتم (١ / ١١٠ / ١) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وأورده الذهبي في " الميزان " وساق له هذا الحديث من غرائبه، وقال: " ما علمت فيه جرحا ". قلت: فقد يقال فهل علمت فيه توثيقا؟ فإن عدم الجرح لا يستلزم التوثيق كما لا يخفى، ولذلك فالأحسن في
الإفصاح عن حاله قول ابن القطان: " لا يعرف حاله ". وأما ابن حبان فذكره في " الثقات " على قاعدته! واغتر به الشيخ أحمد شاكر ﵀ فصحح إسناده في " عمدة التفسير " (١ / ١٦٨) .
والحديث رواه الإمام مالك في " الموطأ " (٢ / ٩٨٦ / ٨) أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: فذكره بأتم منه من قول عيسى ﵇، وقد مضى قريبا (٩٠٨) .
وهذا هو اللائق بمثل هذا الكلام أن يكون مما يرويه أهل الكتاب عن عيسى ﵊، وليس من حديث نبينا محمد ﵌.
(تنبيه) : هذا الحديث لم يورده السيوطي في " الجامع الكبير " مع أنه ذكره في " الزيادة على الجامع الصغير "، ووقع لبعض الأفاضل فيه وهم فاحش، سبق بيانه هناك.
стр. 1289
٩٢١ - " إذا انتهى أحدكم إلى الصف وقد تم، فليجبذ إليه رجلا يقيمه إلى جنبه ".
ضعيف.
رواه الطبراني في " الأوسط " (٣٣ / ١ - مجمع البحرين) عن حفص بن عمر
стр. 1290
الربالي: حدثنا بشر بن إبراهيم: حدثني الحجاج بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا. وقال: " لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد تفرد به بشر ".
قلت: وهو الأنصاري المفلوج، قال ابن عدي: " وهو عندي ممن يضع الحديث ".
وقال بن حبان (١ / ١٨٠) : " كان يضع الحديث على الثقات ". قلت: فقول الهيثمي ٢ / ٩٦) : " وهو ضعيف جدا " فيه تساهل ظاهر، وأسوأ منه سكوت الحافظ عنه في " بلوغ المرام " (٢ / ٢٥ - بشرح السبل) مع أنه قال في " التلخيص " (٢ / ٣٧) : " إسناده واه ".
وقد خالفه في إسناده يزيد بن هارون الثقة الحافظ فرواه عن الحجاج بن حسان عن مقاتل بن حيان مرسلا نحوه.
رواه البيهقي (٣ / ١٠٥) . وقد روي من طريق أخرى عن عكرمة عن ابن عباس موصولا به نحوه، وليس فيه الجبذ، بل قال له: " أعد صلاتك ". قلت: وهو بهذا اللفظ صحيح لأن له شواهد كثيرة من حديث وابصة بن معبد وغيره وقد تكلمت عليها وتتبعت طرقها في " إرواء الغليل " (٥٣٤) وللحديث شاهد واه من رواية وابصة بلفظ: " ألا دخلت في الصف، أو جذبت رجلا صلى معك؟! أعد صلاتك ".
٩٢٢ - " ألا دخلت في الصف، أو جذبت رجلا صلى معك؟! أعد صلاتك ".
ضعيف جدا.
أخرجه ابن الأعرابي في " المعجم " وأبو الشيخ في " تاريخ أصبهان " وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " من طريق يحيى بن عبدويه: حدثنا قيس بن الربيع عن السدي عن زيد بن وهب عن وابصة بن معبد: " أن رجلا صلى خلف الصف وحده، فقال له النبي ﷺ : "، فذكره.
قلت: ولكن إسناده واه جدا، فلا يصلح للشهادة، فإن قيسا ضعيف، وابن عبدويه أشد ضعفا منه، كما بينته في المصدر المشار إليه آنفا، فأغنى عن الإعادة، فإعلال الحافظ إياه بقيس وحده قصور.
وأفاد أن الطبراني أخرجه أيضا في " الأوسط " فرفعه السري بن إسماعيل وهو متروك، وأما الهيثمي فعزاه لأبي يعلى من طريق السري هذا وهو في " مسنده " (٢ / ٤٤٥) . (فائدة) : إذا ثبت ضعف الحديث فلا يصح حينئذ القول بمشروعية جذب الرجل من الصف ليصف معه، لأنه تشريع بدون نص صحيح، وهذا لا يجوز، بل الواجب أن ينضم إلى الصف إذا أمكن وإلا صلى وحده، وصلاته صحيحة، لأنه (لا يكلف الله نفس إلا وسعها) ،
стр. 1291
وحديث الأمر بالإعادة محمول على ما إذا قصر في الواجب وهو الإنضمام في الصف وسد الفرج وأما إذا لم يجد فرجة، فليس بمقصر، فلا يعقل أن يحكم على صلاته بالبطلان في هذه الحالة، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في الاختيارات " (ص ٤٢) : " وتصح صلاة الفذ لعذر، وقاله الحنفية، وإذا لم يجد إلا موقفا خلف الصف، فالأفضل أن يقف وحده ولا يجذب من يصافه، لما في الجذب من التصرف في المجذوب، فإن كان المجذوب يطيعه، فأيهما أفضل له وللمجذوب؟ الاصطفاف مع بقاء فرجة، أو وقوف المتأخر وحده؟ وكذلك لوحضر اثنان، وفي الصف فرجة، فأيهما أفضل وقوفهما جميعا أوسد أحدهما الفرجة، وينفرد الآخر؟ الراجح الاصطفاف مع بقاء الفرجة، لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب ". قلت: كيف يكون سد الفرج مستحبا فقط، ورسول الله ﷺ يقول في الحديث الصحيح: " من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله "! (١) فالحق أن سد الفرج واجب ما أمكن، وإلا وقف وحده لما سبق. والله أعلم.
(تنبيه) : هذا الحديث لم يورده السيوطي في " الجامع الكبير " البتة!! .
٩٢٣ - " إن لله ملائكة وهم الكروبيون، من شحمة أذن أحدهم إلى ترقوقته مسيرة سبعمائة عام للطائر السريع في انحطاطه ".
ضعيف جدا.
رواه ابن عساكر (١٢ / ٢٣١ / ٢) عن محمد بن أبي السري: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله القرشي عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله مرفوعا وقال: " روى إبراهيم بن طهمان عن
موسى بن عقبة شيئا من هذا ". قلت: وهذا سند واه جدا، وله علتان:
الأولى: محمد بن أبي السري، وهو متهم.
والأخرى: صدقة هذا وهو الدمشقي السمين وهو ضعيف، ووقع في السند " القرشي، ولم ترد هذه النسبة في ترجمته من " التهذيب "، فلعله تحرف على الناسخ نسبته " الدمشقي " بالقرشي، والله أعلم.
وقد خالفه إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة به بلفظ: " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة ". وهو بهذا اللفظ صحيح كما قد بينته في " الأحاديث الصحيحة " رقم (١٥١) .
стр. 1292
٩٢٤ - " إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة. قال: فما يكفرها يا رسول الله؟ قال: الهموم في طلب المعيشة ".
موضوع.
رواه الطبراني في " الأوسط " (١ / ١٣٤ / ١) وعنه أبو نعيم في " الحلية " (٦ / ٢٣٥) والخطيب في " التلخيص " (٦١ / ٢) وابن عساكر (١٥ / ٣٣٢ / ١) عن محمد بن سلام المصري: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير: حدثنا مالك بن أنس عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا، وقال الطبراني: " لم يرو هـ عن مالك إلا يحيى، تفرد به محمد ".
وقال الخطيب: " روى عن يحيى بن بكير حديثا منكرا ". ثم ساقه، وقال ابن عساكر: " غريب جدا ". قلت: اتهمه الذهبي بهذا الحديث فقال: " حدث عن يحيى بن بكير عن مالك بخبر موضوع ". قلت: وهو هذا، قال الحافظ في " اللسان ": " والخبر المذكور عن أبي هريرة رفعه، قلت: فذكره من رواية الطبراني ثم قال: وأخرجه الدارقطني في " الغرائب من طريقين آخرين عن محمد بن سلام، قال: الحمل فيه على محمد بن سلام الحمراوي البزار ".
قلت: وقد أغرب ابن الملقن في " الخلاصة " (١٧١ / ١) حيث عزى الحديث للخطيب فقط في كتابه " تلخيص المتشابه " من حديث يحيى بن بكير ... ". ووجه الإغراب أنه عزاه للخطيب فأوهم أنه لم يروه من هو أعلى طبقة منه، ثم هو لم يذكر من السند ما هو موضع العلة منه، بل طوى صفحا عنها، وذكر من السند من هم فوقها، مما لا فائدة من ذكره مطلقا، اللهم إلا إيهام أن ما لم يذكره من السند ليس فيهم من ينظر فيه! والحديث عزاه السيوطي في " الجامع الكبير " (١ / ٢١٩ / ١) لابن عساكر فقط! وقال: " وفيه محمد بن يوسف بن يعقوب الرقي ضعيف ". قلت: بل هو كذاب وضاع، قال الدارقطني: " وضع من الأحاديث ما لا يضبط ". قلت: لكنه لم يرد له ذكر في إسناد الحديث هذا عند من ذكرنا.
ثم إن الحديث عزاه السيوطي للخطيب في " المتفق والمفترق " عن أبي عبيد عن أنس. قال الأزدي: " أبو عبيد ﵁ (!) عن أنس لا شيء ". وروي بلفظ آخر وهو:
стр. 1293
٩٢٥ - " إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها صيام ولا صلاة، ولا حج، ولا جهاد، إلا الغموم والهموم في طلب العلم ".
ضعيف.
رواه أبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١ / ٢٨٧) عن أحمد بن علي بن زيد الدينوري: حدثنا يزيد بن شريح بن مسلم الخوارزمي: حدثنا علي بن الحسين بن واقد: حدثني أبي: حدثنا أبو غالب عن أبي أمامة مرفوعا. قلت: وهذا سند ضعيف، أحمد بن علي ويزيد بن شريح لم أجد من ترجمهما. ومن فوقهما ثقات معرفون وفيهم كلام يسير لا يضر. وهذا الحديث مما فات السيوطي فلم يورده في " الجامع الكبير ": بله " الصغير "!
стр. 1294
٩٢٦ - " يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي ".
ضعيف جدا.
رواه ابن عساكر (٣ / ٢٠٣ / ٢) عن العلاء بن سالم: أخبرنا قرة بن عيسى الواسطي: أخبرنا أبو بكر الذهلي عن مالك بن أنس الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي، فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هذا؟ فقام إليه معاذ بن جبل فأخذ بتلبيبه، ثم أتى به النبي ﷺ فأخبره بمقالته، فقام النبي ﷺ قائما يجر ردائه حتى دخل المسجد ثم نودي: أن الصلاة جامعة، وقال: (ذكره) ، فقام معاذ بن جبل وهو آخذ بتلبيبه، قال: فما تأمرنا بهذا المنافق يا رسول الله؟ قال: دعه إلى النار، فكان قيس ممن ارتد في الردة، فقتل. قلت وهذا سند ضعيف جدا أبو بكر الذهلي (كذا الأصل، والصواب الهذلي) وهو متروك كما قال الدارقطني والنسائي وغيرهما وكذبه غندر. ثم رأيت الحديث في موضع آخر من " تاريخ ابن عساكر " (٨ / ١٩٠ - ١٩١) من هذا الوجه " وفيه " الهذلي على الصواب.
وقال: " هذا حديث مرسل، وهو مع إرساله غريب، تفرد به أبو بكر سلمى بن عبد الله الهذلي البصري، ولم يرو هـ عنه إلا قرة ".
قلت: ولم أجد من ترجمه، فهذه علة أخرى. ومثله الراوي عنه: العلاء. وعلى الصواب ذكره ابن تيمية في " الاقتضاء " (١٦٩ - طبع الأنصار) من رواية السلفي، ثم قال ابن تيمية:
стр. 1295
" هذا الحديث ضعيف، وكأنه مركب على مالك، لكن معناه ليس ببعيد، بل هو صحيح من بعض الوجوه ".
٩٢٧ - " لا يشربن أحد منكم قائما، فمن نسي فليستقىء ".
منكر بهذا اللفظ.
أخرجه مسلم في " صحيحه " (٦ / ١١٠ - ١١١) من طريق عمر بن حمزة: أخبرني أبو غطفان المري أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وعمر هذا وإن احتج به مسلم فقد ضعفه الإمام أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم، ولذلك أورده الذهبي في " الميزان " وذكره في " الضعفاء " وقال: " ضعفه ابن معين لنكارة حديثه ". وقال الحافظ في " التقريب ": " ضعيف ".
قلت: وقد صح النهي عن الشرب قائما في غير ما حديث، عن غير واحد من الصحابة، ومنهم أبوهريرة، لكن بغير هذا اللفظ، وفيه الأمر بالاستقاء، لكن ليس فيه ذكر النسيان، فهذا هو المستنكر من الحديث، وإلا فسائره محفوظ. ولذلك أوردته في " الأحاديث الصحيحة " تحت رقم (١٧٧) .
стр. 1296
٩٢٨ - " رأيت رسول الله ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، ليس بينه وبين الكعبة سترة. (وفي رواية) : طاف بالبيت سبعا، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام، وليس بينه وبين الطواف أحد ".
ضعيف.
أخرجه أحمد (٦ / ٣٩٩) والسياق له وعنه أبو داود (١ / ٣١٥) والأزرقي في " أخبار مكة " (ص ٣٠٥) والبيهقي في " سننه الكبرى " (١ / ٢٧٣) عن سفيان بن عيينة قال: حدثنا كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة سمع بعض أهله يحدث عن جده به. قلت وهذا سند ضعيف لجهالة الواسطة بين كثير وجده. وفيه علة أخرى وهي الاختلاف في إسناده، فقد رواه سفيان مرة عن كثير، هكذا، وقال مرة أخرى: حدثني كثير بن كثير عمن سمع جده، وقال سفيان: وكان ابن جريج أنبأ عنه قال: حدثنا كثير عن أبيه فسألته؟ فقال: ليس من أبي سمعته ولكن من بعض أهلي عن جدي! قلت: ورواية ابن جريج أخرجها النسائي (١ / ١٢٣ و٢ / ٤٠) وابن ماجه (٤٩٥٨) وهي الرواية الثانية وهي رواية لأحمد وابن حبان (٤١٥ - موارد) وكذا البيهقي وقال: " وقد قيل عن ابن جريج عن كثير عن أبيه قال: حدثني أعيان بني المطلب عن المطلب، ورواية ابن عيينة أحفظ ".
قلت: ويحتمل عندي أن يكون الاختلاف من نفس كثير بن كثير، بل لعل هذا أولى من
стр. 1297
نسبة الوهم إلى ابن جريج لأن كثيرا ينزل عن ابن جريج في العدالة والضبط كثيرا! ومما يؤيد الاحتمال المذكور أنه قد تابع ابن جريج زهير بن محمد العنبري عند ابن حبان (٤١٤) . وأي الأمرين كان فالحديث ضعيف لجهالة الواسطة كما سبق. ثم رأيت الحديث في " فوائد محمد بن بشر الزبيري " (٢٨ / ١) من طريق سالم بن عبد الله، رجل من أهل البصرة عن كثير بن كثير أن المطلب بن أبي وداعة رأى النبي ﷺ خرج من الكعبة وقام بحيال الركن الأسود فصلى ركعتين، والناس يمرون بين يديه: النساء والرجال ".
فهذا اختلاف آخر يؤكد ضعف الحديث. وإذا عرفت ذلك فقد استدل بعضهم بالحديث على جواز المرور بين يدي المصلي في مسجد مكة خاصة، وبعضهم أطلق، ومن تراجم النسائي للحديث " باب الرخصة في ذلك " يعني المرور بين يدي المصلي وسترته، ولا يخفى عليك فساد هذا الاستدلال، وذلك لوجوه:
الأول: ضعف الحديث.
الثاني: مخالفته لعموم الأحاديث التي توجب على المصلي أن يصلي إلى سترة وهي معروفة، وكذا الأحاديث التي تنهى عن المرور كقوله ﷺ : " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا من أن يمر بين يديه ". رواه البخاري ومسلم وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٦٩٨) .
الثالث: أن الحديث ليس فيه التصريح بأن الناس كانوا يمرون بينه ﷺ وبين موضع سجوده، فإن هذا هو المقصود من المرور المنهي عنه على الراجح من أقوال العلماء. ولذلك قال السندي في " حاشيته على النسائي ": " ظاهره أنه لا حاجة إلى السترة في مكة. وبه قيل، ومن لا يقول به، يحمله على أن الطائفين كانوا يمرون وراء موضع السجود، أو وراء ما يقع فيه نظر الخاشع ".
ولقد لمست أثر هذا الحديث الضعيف في مكة حينما حججت لأول مرة سنة (١٣٦٩) ، فقد دخلتها ليلا فطفت سبعا، ثم جئت المقام، فافتتحت الصلاة، فما كدت أشرع فيها حتى وجدت نفسي في جهاد مستمر مع المارة بيني وبين موضع سجودي، فما أكاد أنتهي من صد أحدهم عملا بأمره ﷺ حتى يأتي آخر " فأصده وهكذا!! ولقد اغتاظ أحدهم من صدي هذا فوقف قريبا مني حتى انتهيت من الصلاة، ثم أقبل علي منكرا، فلما احتججت عليه بالأحاديث الواردة في النهي عن المرور، والآمرة بدفع المار، أجاب بأن مكة مستثناة من ذلك، فرددت عليه، واشتد النزاع بيني وبينه، فطلبت الرجوع في حله إلى أهل العلم، فلما اتصلنا بهم إذا هم مختلفون! واحتج بعضهم بهذا الحديث، فطلبت إثبات صحته فلم يستطيعوا، فكان ذلك من أسباب تخريج هذا الحديث، وبيان علته.
فتأمل فيما ذكرته يتبين لك خطر الأحاديث الضعيفة وأثرها السيئ في الأمة.
стр. 1298
ثم وقفت بعد ذلك على بعض الآثار الصحيحة عن غير واحد تؤيد ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وأنها تشمل المرور في مسجد مكة، فإليك ما تيسر لي الوقوف عليه منها:
١ - عن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة ولا يدع أحدا يمر بين يديه، رواه أبو زرعة في " تاريخ دمشق " (٩١ / ١) وابن عساكر (٨ / ١٠٦ / ٢) بسند صحيح.
٢ - عن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام، فركز شيئا، أو هيأ شيئا يصلي إليه. رواه ابن سعد في " الطبقات " (٧ / ١٨) بسند صحيح. (تنبيه على وهم نبيه) : اعلم أن لفظ رواية ابن ماجه لهذا الحديث: " رأيت رسول الله ﷺ إذا فرغ من سبعه جاء حتى يحاذي بالركن، فصلى ركعتين.... ". وقد ذكر العلامة ابن الهمام في " فتح القدير " هذه الرواية، لكن تحرف عليه قوله " سبعه " إلى " سعيه "! فاستدل به على استحباب صلاة ركعتين بعد السعي، وهي بدعة محدثة لا أصل لها في السنة كما نبه على ذلك غير واحد من الأئمة كأبي شامة وغيره كما ذكرته في ذيل " حجة النبي ﷺ " الطبعة الثانية، وكذلك في رسالتي الجديدة " مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف " فقرة (٦٩) .
٩٢٩ - " كان يخر على ركبتيه، ولا يتكىء ".
ضعيف.
أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (رقم ٤٩٧ - موارد) من طريق معاذ بن محمد بن معاذ بن أبي بن كعب عن أبيه عن جده عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ : فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف مسلسل بالمجهولين، قال ابن المديني: " لا نعرف محمد بن معاذ هذا، ولا أباه، ولا جده في الرواية، وهذا إسناد مجهول ". كذا في " الميزان " و" اللسان ". وقال الحافظ في ترجمة محمد هذا من " التقريب ". " مجهول ". وقال في ابنه معاذ: " مقبول ".
قلت: وأما ابن حبان فأوردهم في " الثقات " على قاعدته في توثيق المجهولين، ثم أخرج حديثهم في صحيحه كما ترى، فلا تغتر بذلك، فإنه قد شذ في ذلك عن التعريف الذي اتفق عليه جماهير المحدثين في الحديث الصحيح وهو: " ما رواه عدل، ضابط، عن مثله ". فأين العدالة، وأين الضبط في مثل هؤلاء المجهولين. لاسيما وقد رووا منكرا من الحديث خالفوا به الصحيح الثابت عنه ﷺ من غير طريق كما سيأتي بيانه.
ولقد بدا لي شيء جديد يؤكد شذوذ ابن حبان المذكور، ذلك أنني حصلت نسخة من كتابه القيم " المجروحين " في موسم حج السنة الماضية (١٣٩٦) فلم أر له فيه راويا واحدا جرحه
стр. 1299
بالجهالة حتى الآن فهذا يؤكد أن الجهالة عنده ليست جرحا! هذا، وفي معناه حديث وائل بن حجر قال: " رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه ". أخرجه أبو داود (١ / ١٣٤) والنسائي (١ / ١٦٥) والترمذي (٢ / ٥٦) والطحاوي (١ / ١٥٠) وابن حبان في " صحيحه " (رقم ٤٨٧ - موارد) والدارقطني (١٣١ - ١٣٢) والحاكم (١ / ٢٢٦) وعنه البيهقي (٢ / ٩٨) كلهم من طريق يزيد بن هارون: أخبرنا شريك (١) عن عاصم بن كليب عن أبيه عنه.
قلت: وهذا سند ضعيف، وقد اختلفوا فيه، فقال الترمذي عقبه: " هذا حديث حسن غريب، لا نعرف أحدا رواه مثل هذا عن شريك ". وقال الحاكم: " احتج مسلم بشريك "! ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، على ما يأتي بيانه، وقال ابن القيم في " الزاد " (١ / ٧٩) وقد ذكر الحديث: " هو الصحيح "، وخالفهم الدارقطني فقال عقبه: " تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به ".
وخالفهم أيضا البخاري ثم البيهقي فقال هذا في " سننه " (٢ / ٩٩) : " هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلا، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى ".
وهذا هو الحق الذي لا يشك فيه كل من أنصف، وأعطى البحث حقه من التحقيق العلمي، أن هذا الإسناد ضعيف، وله علتان: الأولى: تفرد شريك به. والأخرى: المخالفة. وقد سمعت آنفا الدارقطني يقول في شريك: إنه ليس بالقوي فيما يتفرد به، وفي " التقريب ": " صدوق، يخطىء كثيرا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة ". قلت: فمثله لا يحتج به إذا تفرد فكيف إذا خالف كما يأتي بيانه، وقول الحاكم والذهبي: " احتج به مسلم " من أوهامهما، فإنما أخرج له مسلم في المتابعات كما صرح بذلك المنذري في خاتمة " الترغيب والترهيب ".
وكثيرا ما يقع الحاكم في مثل هذا الوهم ويتبعه عليه الذهبي على خلاف ما يظن به، فيصححان أحاديث شريك على شرط مسلم، وهي
стр. 1300
لا تستحق التحسين فضلا عن التصحيح، فكيف على شرط مسلم؟ ! فليتنبه لهذا من أراد البصيرة في دينه، وأحاديث نبيه ﷺ .
وأما المخالفة التي سبقت الإشارة إليها فهي من جهتين: المتن والسند.
فأما المتن، فقد روى الحديث جماعة من الثقات عن عاصم بن كليب به، فذكروا صفة صلاته ﷺ بأتم مما ذكره شريك عن عاصم، ومع ذلك فلم يذكروا كيفية السجود والنهوض عنه إطلاقا كما أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم عن زائدة وابن عيينة وشجاع بن الوليد كلهم عن عاصم به (١) . فدل ذلك على أن ذكر الكيفية في حديث عاصم منكر لتفرد شريك به دون الثقات.
وأما المخالفة في السند، فهو أن هماما قال: حدثنا شقيق أبو الليث قال: حدثني عاصم بن كليب عن أبيه. " أن النبي ﷺ كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه ". أخرجه أبو داود والبيهقي وقال: " قال عفان: وهذا الحديث غريب " (٢) .
قلت: فقد خالف شريكا شقيق فأرسله، ولكن شفيقا هذا ليس خيرا من شريك، فإنه مجهول لا يعرف، كما قال الذهبي وغيره. ولهمام فيه إسناد آخر، ولكنه معلول أيضا، فقال: حدثنا محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه عن النبي ﷺ : " كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه ... فلما أراد أن يسجد وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن تقع كفاه ... فإذا نهض، نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه ". أخرجه أبو داود والبيهقي (٣) وعلته الانقطاع، فقال النووي في " المجموع شرح المهذب " (٣ / ٤٤٦) : " حديث ضعيف لأن عبد الجبار بن وائل اتفق الحفاظ على أنه لم يسمع من أبيه شيئا، ولم يدركه ".
وفي الباب حديث آخر معلول أيضا، رواه أبو العلاء بن إسماعيل العطار: حدثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس قال: " رأيت رسول الله ﷺ انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه ".
أخرجه الدارقطني (١٣٢) والحاكم (١ / ٢٢٦) وعنه البيهقي (٢ / ٩٩) والحازمي في " الاعتبار " (٥٥) وابن حزم في " المحلى " (٤ / ١٢٩) والضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة ". وقال الدارقطني والبيهقي: