← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12762

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (11 273 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

٩٢٨ - " رأيت رسول الله ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، ليس بينه وبين الكعبة سترة. (وفي رواية) : طاف بالبيت سبعا، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام، وليس بينه وبين الطواف أحد ". ضعيف. أخرجه أحمد (٦ / ٣٩٩) والسياق له وعنه أبو داود (١ / ٣١٥) والأزرقي في " أخبار مكة " (ص ٣٠٥) والبيهقي في " سننه الكبرى " (١ / ٢٧٣) عن سفيان بن عيينة قال: حدثنا كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة سمع بعض أهله يحدث عن جده به. قلت وهذا سند ضعيف لجهالة الواسطة بين كثير وجده. وفيه علة أخرى وهي الاختلاف في إسناده، فقد رواه سفيان مرة عن كثير، هكذا، وقال مرة أخرى: حدثني كثير بن كثير عمن سمع جده، وقال سفيان: وكان ابن جريج أنبأ عنه قال: حدثنا كثير عن أبيه فسألته؟ فقال: ليس من أبي سمعته ولكن من بعض أهلي عن جدي! قلت: ورواية ابن جريج أخرجها النسائي (١ / ١٢٣ و٢ / ٤٠) وابن ماجه (٤٩٥٨) وهي الرواية الثانية وهي رواية لأحمد وابن حبان (٤١٥ - موارد) وكذا البيهقي وقال: " وقد قيل عن ابن جريج عن كثير عن أبيه قال: حدثني أعيان بني المطلب عن المطلب، ورواية ابن عيينة أحفظ ". قلت: ويحتمل عندي أن يكون الاختلاف من نفس كثير بن كثير، بل لعل هذا أولى من

стр. 1297

نسبة الوهم إلى ابن جريج لأن كثيرا ينزل عن ابن جريج في العدالة والضبط كثيرا! ومما يؤيد الاحتمال المذكور أنه قد تابع ابن جريج زهير بن محمد العنبري عند ابن حبان (٤١٤) . وأي الأمرين كان فالحديث ضعيف لجهالة الواسطة كما سبق. ثم رأيت الحديث في " فوائد محمد بن بشر الزبيري " (٢٨ / ١) من طريق سالم بن عبد الله، رجل من أهل البصرة عن كثير بن كثير أن المطلب بن أبي وداعة رأى النبي ﷺ خرج من الكعبة وقام بحيال الركن الأسود فصلى ركعتين، والناس يمرون بين يديه: النساء والرجال ". فهذا اختلاف آخر يؤكد ضعف الحديث. وإذا عرفت ذلك فقد استدل بعضهم بالحديث على جواز المرور بين يدي المصلي في مسجد مكة خاصة، وبعضهم أطلق، ومن تراجم النسائي للحديث " باب الرخصة في ذلك " يعني المرور بين يدي المصلي وسترته، ولا يخفى عليك فساد هذا الاستدلال، وذلك لوجوه: الأول: ضعف الحديث. الثاني: مخالفته لعموم الأحاديث التي توجب على المصلي أن يصلي إلى سترة وهي معروفة، وكذا الأحاديث التي تنهى عن المرور كقوله ﷺ : " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا من أن يمر بين يديه ". رواه البخاري ومسلم وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٦٩٨) . الثالث: أن الحديث ليس فيه التصريح بأن الناس كانوا يمرون بينه ﷺ وبين موضع سجوده، فإن هذا هو المقصود من المرور المنهي عنه على الراجح من أقوال العلماء. ولذلك قال السندي في " حاشيته على النسائي ": " ظاهره أنه لا حاجة إلى السترة في مكة. وبه قيل، ومن لا يقول به، يحمله على أن الطائفين كانوا يمرون وراء موضع السجود، أو وراء ما يقع فيه نظر الخاشع ". ولقد لمست أثر هذا الحديث الضعيف في مكة حينما حججت لأول مرة سنة (١٣٦٩) ، فقد دخلتها ليلا فطفت سبعا، ثم جئت المقام، فافتتحت الصلاة، فما كدت أشرع فيها حتى وجدت نفسي في جهاد مستمر مع المارة بيني وبين موضع سجودي، فما أكاد أنتهي من صد أحدهم عملا بأمره ﷺ حتى يأتي آخر " فأصده وهكذا!! ولقد اغتاظ أحدهم من صدي هذا فوقف قريبا مني حتى انتهيت من الصلاة، ثم أقبل علي منكرا، فلما احتججت عليه بالأحاديث الواردة في النهي عن المرور، والآمرة بدفع المار، أجاب بأن مكة مستثناة من ذلك، فرددت عليه، واشتد النزاع بيني وبينه، فطلبت الرجوع في حله إلى أهل العلم، فلما اتصلنا بهم إذا هم مختلفون! واحتج بعضهم بهذا الحديث، فطلبت إثبات صحته فلم يستطيعوا، فكان ذلك من أسباب تخريج هذا الحديث، وبيان علته. فتأمل فيما ذكرته يتبين لك خطر الأحاديث الضعيفة وأثرها السيئ في الأمة.

стр. 1298

ثم وقفت بعد ذلك على بعض الآثار الصحيحة عن غير واحد تؤيد ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وأنها تشمل المرور في مسجد مكة، فإليك ما تيسر لي الوقوف عليه منها: ١ - عن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة ولا يدع أحدا يمر بين يديه، رواه أبو زرعة في " تاريخ دمشق " (٩١ / ١) وابن عساكر (٨ / ١٠٦ / ٢) بسند صحيح. ٢ - عن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام، فركز شيئا، أو هيأ شيئا يصلي إليه. رواه ابن سعد في " الطبقات " (٧ / ١٨) بسند صحيح. (تنبيه على وهم نبيه) : اعلم أن لفظ رواية ابن ماجه لهذا الحديث: " رأيت رسول الله ﷺ إذا فرغ من سبعه جاء حتى يحاذي بالركن، فصلى ركعتين.... ". وقد ذكر العلامة ابن الهمام في " فتح القدير " هذه الرواية، لكن تحرف عليه قوله " سبعه " إلى " سعيه "! فاستدل به على استحباب صلاة ركعتين بعد السعي، وهي بدعة محدثة لا أصل لها في السنة كما نبه على ذلك غير واحد من الأئمة كأبي شامة وغيره كما ذكرته في ذيل " حجة النبي ﷺ " الطبعة الثانية، وكذلك في رسالتي الجديدة " مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف " فقرة (٦٩) . ٩٢٩ - " كان يخر على ركبتيه، ولا يتكىء ". ضعيف. أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (رقم ٤٩٧ - موارد) من طريق معاذ بن محمد بن معاذ بن أبي بن كعب عن أبيه عن جده عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ : فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف مسلسل بالمجهولين، قال ابن المديني: " لا نعرف محمد بن معاذ هذا، ولا أباه، ولا جده في الرواية، وهذا إسناد مجهول ". كذا في " الميزان " و" اللسان ". وقال الحافظ في ترجمة محمد هذا من " التقريب ". " مجهول ". وقال في ابنه معاذ: " مقبول ". قلت: وأما ابن حبان فأوردهم في " الثقات " على قاعدته في توثيق المجهولين، ثم أخرج حديثهم في صحيحه كما ترى، فلا تغتر بذلك، فإنه قد شذ في ذلك عن التعريف الذي اتفق عليه جماهير المحدثين في الحديث الصحيح وهو: " ما رواه عدل، ضابط، عن مثله ". فأين العدالة، وأين الضبط في مثل هؤلاء المجهولين. لاسيما وقد رووا منكرا من الحديث خالفوا به الصحيح الثابت عنه ﷺ من غير طريق كما سيأتي بيانه. ولقد بدا لي شيء جديد يؤكد شذوذ ابن حبان المذكور، ذلك أنني حصلت نسخة من كتابه القيم " المجروحين " في موسم حج السنة الماضية (١٣٩٦) فلم أر له فيه راويا واحدا جرحه

стр. 1299

بالجهالة حتى الآن فهذا يؤكد أن الجهالة عنده ليست جرحا! هذا، وفي معناه حديث وائل بن حجر قال: " رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه ". أخرجه أبو داود (١ / ١٣٤) والنسائي (١ / ١٦٥) والترمذي (٢ / ٥٦) والطحاوي (١ / ١٥٠) وابن حبان في " صحيحه " (رقم ٤٨٧ - موارد) والدارقطني (١٣١ - ١٣٢) والحاكم (١ / ٢٢٦) وعنه البيهقي (٢ / ٩٨) كلهم من طريق يزيد بن هارون: أخبرنا شريك (١) عن عاصم بن كليب عن أبيه عنه. قلت: وهذا سند ضعيف، وقد اختلفوا فيه، فقال الترمذي عقبه: " هذا حديث حسن غريب، لا نعرف أحدا رواه مثل هذا عن شريك ". وقال الحاكم: " احتج مسلم بشريك "! ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، على ما يأتي بيانه، وقال ابن القيم في " الزاد " (١ / ٧٩) وقد ذكر الحديث: " هو الصحيح "، وخالفهم الدارقطني فقال عقبه: " تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به ". وخالفهم أيضا البخاري ثم البيهقي فقال هذا في " سننه " (٢ / ٩٩) : " هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلا، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى ". وهذا هو الحق الذي لا يشك فيه كل من أنصف، وأعطى البحث حقه من التحقيق العلمي، أن هذا الإسناد ضعيف، وله علتان: الأولى: تفرد شريك به. والأخرى: المخالفة. وقد سمعت آنفا الدارقطني يقول في شريك: إنه ليس بالقوي فيما يتفرد به، وفي " التقريب ": " صدوق، يخطىء كثيرا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة ". قلت: فمثله لا يحتج به إذا تفرد فكيف إذا خالف كما يأتي بيانه، وقول الحاكم والذهبي: " احتج به مسلم " من أوهامهما، فإنما أخرج له مسلم في المتابعات كما صرح بذلك المنذري في خاتمة " الترغيب والترهيب ". وكثيرا ما يقع الحاكم في مثل هذا الوهم ويتبعه عليه الذهبي على خلاف ما يظن به، فيصححان أحاديث شريك على شرط مسلم، وهي

стр. 1300

لا تستحق التحسين فضلا عن التصحيح، فكيف على شرط مسلم؟ ! فليتنبه لهذا من أراد البصيرة في دينه، وأحاديث نبيه ﷺ . وأما المخالفة التي سبقت الإشارة إليها فهي من جهتين: المتن والسند. فأما المتن، فقد روى الحديث جماعة من الثقات عن عاصم بن كليب به، فذكروا صفة صلاته ﷺ بأتم مما ذكره شريك عن عاصم، ومع ذلك فلم يذكروا كيفية السجود والنهوض عنه إطلاقا كما أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم عن زائدة وابن عيينة وشجاع بن الوليد كلهم عن عاصم به (١) . فدل ذلك على أن ذكر الكيفية في حديث عاصم منكر لتفرد شريك به دون الثقات. وأما المخالفة في السند، فهو أن هماما قال: حدثنا شقيق أبو الليث قال: حدثني عاصم بن كليب عن أبيه. " أن النبي ﷺ كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه ". أخرجه أبو داود والبيهقي وقال: " قال عفان: وهذا الحديث غريب " (٢) . قلت: فقد خالف شريكا شقيق فأرسله، ولكن شفيقا هذا ليس خيرا من شريك، فإنه مجهول لا يعرف، كما قال الذهبي وغيره. ولهمام فيه إسناد آخر، ولكنه معلول أيضا، فقال: حدثنا محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه عن النبي ﷺ : " كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه ... فلما أراد أن يسجد وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن تقع كفاه ... فإذا نهض، نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه ". أخرجه أبو داود والبيهقي (٣) وعلته الانقطاع، فقال النووي في " المجموع شرح المهذب " (٣ / ٤٤٦) : " حديث ضعيف لأن عبد الجبار بن وائل اتفق الحفاظ على أنه لم يسمع من أبيه شيئا، ولم يدركه ". وفي الباب حديث آخر معلول أيضا، رواه أبو العلاء بن إسماعيل العطار: حدثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس قال: " رأيت رسول الله ﷺ انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه ". أخرجه الدارقطني (١٣٢) والحاكم (١ / ٢٢٦) وعنه البيهقي (٢ / ٩٩) والحازمي في " الاعتبار " (٥٥) وابن حزم في " المحلى " (٤ / ١٢٩) والضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة ". وقال الدارقطني والبيهقي:

стр. 1301

" تفرد به العلاء بن إسماعيل ". قلت: وهو مجهول كما قال ابن القيم في " الزاد " (١ / ٨١) ومن قبله البيهقي كما في " التلخيص " لابن حجر، وقال ابن أبي حاتم في " العلل " (١ / ١٨٨) عن أبيه: " هذا حديث منكر ". قلت: وأما قول الحاكم والذهبي: " حديث صحيح على شرط الشيخين " فغفلة كبيرة منهما عن حال العلاء هذا ، مع كونه ليس من رجال الشيخين! وقال الحافظ في ترجمته من " اللسان ": " وقد خالفه عمر بن حفص بن غياث، وهذا من أثبت الناس في أبيه، فرواه عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة وغيره عن عمر موقوفا عليه، وهذا هو المحفوظ ". قلت: أخرجه الطحاوي (١ / ١٥١) بالسند المذكور عن إبراهيم عن أصحاب عبد الله علقمة والأسود فقالا: حفظنا عن عمر في صلاته أنه خر بعد ركوعه على ركبتيه كما يخر البعير، وضع ركبتيه قبل يديه. وسنده صحيح. قلت: وقد صرح الأعمش عنده بالتحديث، ورواه عبد الرزاق (٢٩٥٥) نحوه. وفي هذا الأثر تنبيه هام، وهو أن البعير يبرك على ركبتيه، يعني اللتين في مقدمتيه، وإذا كان كذلك لزم أن لا يبرك المصلي على ركبتيه كما يبرك البعير، لما ثبت في أحاديث كثيرة من النهي عن بروك كبروك الجمل، وجاء في بعضها توضيح ذلك من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه ". رواه أبو داود بسند جيد، وفي رواية عن أبي هريرة بلفظ: " كان النبي ﷺ إذا سجد بدأ بوضع يديه قبل ركبتيه ". أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " (١ / ١٤٩) هو الذي قبله بالسند المشار إليه آنفا، وروى له شاهدا من حديث ابن عمر من فعله وفعل النبي ﷺ . وسنده صحيح، وصححه الحاكم والذهبي. فهذه الأحاديث الثابتة تدل على نكارة الأحاديث المتقدمة جميعها، ومما يدل على ضعف بعضها من جهة ما فيها من الزيادة في هيئة القيام إلى الركعة الثانية، حديث أبي قلابة قال: " كان مالك بن الحويرث يأتينا فيقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فيصلى في غير وقت الصلاة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدا، ثم قام فاعتمد على الأرض ". أخرجه الإمام الشفاعي في " الأم " (١ / ١٠١) والنسائي (١ / ١٧٣) والبيهقي

стр. 1302

(٢ / ١٢٤ - ١٣٥) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري (٢ / ٢٤١) من طريق أخرى عن أبي قلابة نحوه. ففيه دلالة صريحة على أن السنة في القيام إلى الركعة الثانية إنما هو الاعتماد، أي باليد، لأنه افتعال من العماد، والمراد به الإتكاء وهو باليد كما في " الفتح " قال: " وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما "، قلت: وفيه عنده (٢٩٦٤، ٢٩٦٩) العمري وهو ضعيف، لكن الاعتماد فيه شاهد قوي سأذكره بإذن الله تحت الحديث الآتي برقم (٩٦٧) . فقد ثبت مما تقدم أن السنة الصحيحة إنما هو الاعتماد على اليدين في الهو ي إلى السجود وفي القيام منه، خلافا لما دلت عليه هذه الأحاديث الضعيفة، فكان ذلك دليلا آخر على ضعفها. ٩٣٠ - " من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها، فعل به كذا وكذا من النار ". ضعيف. رواه أبو داود (٢٤٩) وابن أبي شيبة في " المصنف " (٣٥ / ٢) وعنه ابن ماجه (٥٩٩) والدارمي (١ / ١٩٢) والبيهقي (١ / ١٧٥) وأحمد (١ / ٩٤ و١٠١) وابنه في " زوائده عليه " (١ / ١٣٣) من طرق عن حماد بن سلمة: حدثنا عطاء بن السائب عن زاذان عن علي بن أبي طالب مرفوعا به. قال علي: فمن ثم عاديت شعري، وكان يجزه. قال الحافظ في " التلخيص " (ص ٥٢) : " وإسناده صحيح، فإنه من رواية عطاء بن السائب وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط، لكن قيل: إن الصواب وقفه على علي ". وقال الشوكاني في " نيل الأوطار " (١ / ٢٣٩) عقب كلام الحافظ هذا: " وقال النووي، ضعيف، وعطاء قد ضعفه، قبل اختلاطه، ولحماد أوهام، وفي إسناده أيضا زاذان وفيه خلاف ". وقال الصنعاني في " سبل السلام " (١ / ١٢٧) مستدركا على الحافظ: " ولكن قال ابن كثير في " الإرشاد ": إن حديث علي هذا من رواية عطاء بن السائب وهو سيء الحفظ، وقال النووي: إنه حديث ضعيف ". قلت: وسبب اختلاف الأئمة في تصحيحه وتضعيفه أن عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره، فمن روى عنه قبل اختلاطه فروايته عنه صحيحة، ومن روى عنه بعد اختلاطه فروايته عنه ضعيفة، وحديث علي هذا اختلفوا هل رواه قبل الاختلاط أو بعده، فلذا اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه، والحق الوقف على تصحيحه وتضعيفه حتى يتبين الحال فيه ". قلت: وهذا هو الصواب بلا ريب كما يأتي بيانه. ويتلخص مما تقدم أن الحديث أعل بأربع علل:

стр. 1303

الأولى: الخلاف في زاذان. الثانية: أن حماد له أوهاما. الثالثة: أن عطاء بن السائب ضعف مطلقا، بعد الاختلاط وقبله. الرابعة: أنه صحيح الرواية قبل الاختلاط، ولكن لا يدرى هل روى هذا الحديث قبل الاختلاط أم بعده. وإذ الأمر كذلك، فلابد من تحقيق القول في هذه العلل كلها، والنظر إليها من زاوية علم الحديث ومصطلحه، وتراجم رواته، ووزنها بميزانها الذي هو القسطاس المستقيم، فأقول: ١ - هذا الخلاف لا يضر في زاذان فقد وثقه الجمهور من الأئمة الفحول، الذين عليهم العمدة في باب الجرح والتعديل، وحسبك منهم يحيى بن معين، فقد قال فيه: " ثقة لا يسأل عن مثله ". ووثقه أيضا أبو سعد وابن عدي والعجلي والخطيب، وكذا ابن حبان، ولكنه قال: " كان يخطىء كثيرا "! قلت: وهذا من أفراده وتناقضه، إذ لوكان يخطىء كثيرا لم يكن ثقة! ولعل قول ابن حبان هذا هو عمدة قول الحاكم أبي أحمد فيه: " ليس بالمتين عندهم ". ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير هذين، وهو كلام مردود لأنه غير مدعم بالدليل، مع مخالفته لتوثيق من سمينا من الأئمة، وبالإضافة إلى ذلك فقد احتج به مسلم، وأشار الذهبي في أول ترجمته إلى أن حديثه صحيح، وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق ". ٢ - وهذا التعليل واه كالذي قبله، فإن حماد بن سلمة إمام من أئمة المسلمين ثقة حجة ما في ذلك شك ولا ريب، ولا يخرجه من ذلك أن له أوهاما، وإلا فمن الذي ليس له أوهام؟ ! ولوكان الراوي الثقة يرد حديثه لمجرد أوهام له ، لما سلم لنا إلا القليل من جماهير الثقات من رجال الصحيحين فضلا عن غيرهما. ولذلك جرى علماء الحديث سلفا وخلفا - ومنهم النووي - على الاحتجاج بحديث حماد بن سلمة إلا إذا ثبت وهمه، وهيهات أن يثبت هنا، على أنه قد روي له متابع، وإن كان السند بذلك واهيا كما يأتي. ٣ - إن هذا التضعيف لا حجة عليه، فإن المعروف عند الأئمة أن عطاء بن السائب ثقة في نفسه، لم يصرح أحد منهم بتضعيفه مطلقا، وإنما وصفوه بأنه اختلط في آخر عمره، فمن عرف من الرواة عنه أنه سمع منه قبل الاختلاط فحديثه عنه صحيح، وإلا فلا، أنظر " تهذيب التهذيب " وغيره. ٤ - وهذا التعليل أو الإعلال - كما هو الأصح - هو الذي يمكن التمسك به في تضعيف هذا الحديث، فإنه ليس لدينا ما يصح أن يعتمد عليه في ترجيح أنه حدث به قبل

стр. 1304

الاختلاط، وجزم الحافظ ابن حجر ﵀ بأن حماد بن سلمة قد سمع منه قبل الاختلاط، لا يصح أن يكون مرجحا، ذلك لأن حمادا هذا قد سمع منه بعد الاختلاط أيضا، كما ذكر ذلك الحافظ نفسه في " التهذيب "، فقد قال في آخر ترجمة عطاء بعد أن نقل أقوال العلماء في اختلاطه وفيمن روى عنه في هذه الحالة وقبلها: " فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري وشعبة وزهير وزائدة وحماد بن زيد وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيهم، إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم، والظاهر أنه سمع منه مرتين، يعني قبل الاختلاط وبعده ". وقال قبيل ذلك: " فاستفدنا من هذه القصة أن رواية وهيب وحماد (يعني ابن سلمة) وأبي عوانة عنه في جملة ما يدخل في الاختلاط ". قلت: وهذا تحقيق دقيق يجب أن لا ينساه - كما وقع للحافظ نفسه - من يريد أن يكون من أهل التحقيق، ولازم ذلك أن لا يصحح حديث حماد بن سلمة عن عطاء لاحتمال أن يكون سمعه منه في حالة الاختلاط، فلقد أصاب الصنعاني كبد الحقيقة حين قال بعدما تقدم نقله عنه: " والحق الوقف عن تصحيحه وتضعيفه حتى يتبين الحال فيه ". نعم لو صح ما أشرنا إليه من المتابعة لصح الحديث، ولكن هيهات! فقال أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمران المعروف بـ (ابن الجندي) في " الفوائد الحسان الغرائب " (٨ / ١) : حدثنا علي بن محمد بن عبيد: أخبرنا عيسى بن جعفر الوراق قال: أنبأنا عفان، قال: أنبأنا شعبة وحماد، أو قال: شعبة وحماد حدثانا عن عطاء بن السائب به. قلت: وهذا سند ظاهره الصحة، فإن رجاله من شيخ الجندي فمن فوقه كلهم ثقات من رجال الصحيح غير عيسى بن جعفر الوراق فإنه صدوق وله ترجمة في " تاريخ بغداد " (١١ / ١٦٨ - ١٦٩) ، وعلي بن محمد بن عبيد ثقة حافظ ترجمه الخطيب أيضا ترجمة طيبة (١٢ / ٧٣ - ٧٤) ولكن علة الحديث من صاحب " الفوائد " وهو ابن الجندي، فقد ترجمه الخطيب بقوله (٥ / ٧٧) : " كان يضعف في روايته، ويطعن عليه في مذهبه، سألت الأزهري عنه؟ فقال: ليس بشيء ". وقال الحافظ في " اللسان ": " وأورده ابن الجوزي في " الموضوعات " في فضل علي حديثا بسند، رجاله ثقات إلا الجندي: فقال: هذا موضوع، ولا يتعدى الجندي " (١) . قلت: ومما يؤيد ضعف هذا الرجل، أنه روى الحديث عن طريق عفان - وهو ابن مسلم -

стр. 1305

عن شعبة، وقد رواه الإمام أحمد عن عفان - وهو شيخه فيه - فلم يذكر شعبة فيه! وكذلك رواه البيهقي من طريق أخرى عن عفان، وكذلك رواه الآخرون عن غير عفان وهم جماعة عن حماد وحده، فدل ذلك على أن ذكر شعبة في هذا السند منكر، تفرد به ابن الجندي هذا، ولولا ذلك لكانت متابعة قوية من شعبة لحماد، ولصح بذلك الحديث، ولكن هيهات هيهات!! وقد ثبت في غير ما حديث صحيح أنه لا يجب على المرأة أن تنقض شعرها في غسل الجنابة، فالرجل مثلها إن كان له شعر مضفور كما هو معروف من عادة بعض العرب قديما، واليوم أيضا عند بعض القبائل. وأما في الحيض فيجب نقضه، هذا هو الأرجح الذي تقتضيه الأحاديث الواردة في هذا الباب، فانظر " سلسلة الأحاديث الصحيحة " (رقم ١٨٨) ، وما يأتي تحت الحديث (٩٣٧) . ٩٣١ - " ما رفع أحد صوته بغناء، إلا بعث الله إليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك ". ضعيف جدا. رواه ابن أبي الدنيا في " ذم الملاهي " (١٦٥ / ١) عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا. قلت: وهذا سند ضعيف جدا، علته علي بن يزيد وهو الآلهاني أبو عبيد الله بن زحر. أما الآلهاني، فقال البخاري: " منكر الحديث ". وقال النسائي: " ليس بثقة ". وقال أبو زرعة: " ليس بالقوي ". وقال الدارقطني: " متروك ". وأما ابن زحر، فقال أبو مسهر: " صاحب كل معضلة، وإن ذلك على حديثه لبين ". وقال ابن المديني: " منكر الحديث ". وقال ابن حبان (٢ / ٦٣) : " يروي الموضوعات على الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله، وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم "! قلت: القاسم أبو عبد الرحمن خير منهما، وليس هو محلا للتهمة إن شاء الله تعالى، بل الراجح فيه عند المحققين أنه حسن الحديث، فالعلة في هذا الحديث ممن دونه. والله أعلم. والحديث عزاه الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (٦ / ١٦٥ - طبع لجنة نشر الثقافة الإسلامية) للطبراني أيضا في " الكبير " وقال:

стр. 1306

" وهو ضعيف ". وقال تلميذه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٨ / ١١٩ - ١٢٠) : " رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها وثقوا وضعفوا "! كذا قال، وكأنه يشير بذلك إلى رجال هذا الإسناد، وهو واه جدا كما بينا. والله أعلم. ٩٣٢ - " من أفطر (يعني في السفر) فرخصة، ومن صام فالصوم أفضل ". ضعيف شاذ. رواه أبو حفص الكناني في " الأمالي " (١ / ١٠ / ١) : حدثنا محمد بن هارون الحضرمي: حدثنا أبوهاشم زياد بن أيوب: حدثنا معاوية الضرير: أخبرنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك قال: " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر؟ قال: فقال: فذكره. قلت: وهذا سند رجاله كلهم ثقات على شرط البخاري، غير الحضرمي، وهو ثقة كما قال الدارقطني وغيره، وله ترجمة جيدة في " تاريخ بغداد "، فظاهر الإسناد الصحة، وقد اغتررت به برهة يسيرة من الزمن، ثم بدا لي أنه معلول بالوقف، فقد قال ابن أبي شيبة في " المصنف " (٢ / ١٤٩ / ٢) : حدثنا أبو معاوية ومروان بن معاوية عن عاصم قال: سئل أنس عن الصوم في السفر؟ فقال: فذكره بالحرف الواحد هكذا موقوفا على أنس. قلت: وهذا هو الصواب، لأن أبا معاوية - واسمه محمد بن حازم - وإن كان ثقة وأحفظ الناس لحديث الأعمش، فهو قد يهم في حديث غيره كما قال الحافظ في " التقريب "، فمثله يحتج به إذا لم يخالف، أولم يختلف عليه كما وقع في هذا الإسناد، فأبوهاشم زياد بن أيوب رفعه، وابن أبي شيبة أوقفه، ولابد من مرجح، وهو أعني ابن أبي شيبة قد قرن مع أبي معاوية مروان بن معاوية وهو ثقة حافظ كما في " التقريب " فأوقفه أيضا، ولم يختلف عليه فيه، فروايته أولى، لاسيما مع موافقة إحدى الروايتين عن أبي معاوية له، وهذا ظاهر لا يخفى إن شاء الله تعالى. ومما يرجح أن الحديث موقوف على أنس وليس بمرفوع، ما روى ابن أبي شيبة أيضا: قال مروان بن معاوية: عن عاصم عن ابن سيرين قال: كان عثمان بن أبي العاص يقول في ذلك مثل قول أنس بن مالك. قلت: وهذا سند صحيح أيضا موقوفا. فتبين أن الصواب في هذا الحديث الوقف، وأنه شاذ مرفوعا، ولعل هذا هو السر في عدم وروده في شيء من كتب " السنن " و" المسانيد " وغيرها، ككتب التخريجات، مثل " نصب الراية " للزيلعي، و" تلخيص الحبير " للعسقلاني، ونحوها. وقد اختلف العلماء، في صوم رمضان في السفر على أقوال معروفة، ولا شك أن الإفطار فيه رخصة، والأخذ بها أحب إلينا إذا كان المفطر لا يتحرج من القضاء، وإلا فالأحب لدينا

стр. 1307

حينئذ الصيام، والله أعلم. ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليراجع " نيل الأوطار "، أو غيره من كتب أهل العلم والتحقيق. ٩٣٣ - " سارعوا إلى تعليم العلم والسنة والقرآن، واقتبسوهن من صادق، من قبل أن يخرج أقوام في أمتي من بعدي يدعونكم إلى تأسيس البدعة والضلالة، فوالذي نفسي بيده لباب من العلم من صادق خير لكم من الذهب والفضة تنفقونها في سبيل الله تعالى بغير هدى من الله، من مشى في تعليم العلم والسنة والقرآن فعمل بما أمر الله وسن رسول الله ﷺ ، فإذا عمل بذلك فله بكل خطوة يخطوها حسنة، وتحط عنه سيئة، وترفع له درجة في الجنة ". موضوع. رواه الخطيب في " تلخيص المتشابه " (٢ / ٥١ / ٢) عن محمد بن عبيدة المروزى: حدثنا حسان بن إبراهيم: حدثنا سعيد بن مسروق الثوري: حدثنا يزيد بن حيان: حدثنا زيد بن أرقم قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: فذكره مرفوعا. قلت: وهذا حديث موضوع، ولوائح الوضع عليه ظاهرة، وآفته محمد بن عبيدة المروزي. قال الذهبي: " قال ابن ماكولا: صاحب مناكير ". وأورد قبله " محمد بن عبيدة عن (بياض في الأصل) وضع أحاديث، قاله أبو سعيد النقاش ". قال الحافظ في " اللسان ": " وأنا أظنه الذي بعده ". قلت: يعني المروزي المذكور. والحديث أورده السيوطي في " الجامع الصغير " و" الكبير " من رواية الرافعي في " تاريخه " عن جابر بلفظ: " سارعوا في طلب العلم، فالحديث من صادق خير من الدنيا وما عليها من ذهب وفضة ". قلت: وسكت عليه المناوي.

стр. 1308

٩٣٤ - " لا تبل قائما ". ضعيف. رواه ابن حبان في " صحيحه " (١٣٥) عن هشام بن يوسف عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا سند ظاهره الصحة، فإن رجاله ثقات، لكنه معلول بعنعنة ابن جريج فإنه كان مدلسا، وقد تبين أنه تلقاه عن بعض الضعفاء، فقال الترمذي في " سننه " (١ /١٧) :

стр. 1309

" وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: رآني النبي ﷺ وأنا أبول قائما فقال: " يا عمر لا تبل قائما ". فما بلت قائما بعده ". قال الترمذي: " وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أبو أيوب السختياني ". قلت: وقد أخرجه ابن ماجه (١ / ١٣٠) وتمام في " الفوائد " (ق ١٢٣ / ٢) والبيهقي في " السنن الكبرى " (١ / ١٠٢) عن عبد الرزاق حدثنا ابن جريج عن عبد الكريم أبي أمية به. وعبد الكريم أبو أمية هو ابن أبي المخارق، قال البوصيري في " الزوائد " (ق ٢٣ / ٢) : خبر عبيد الله بن عمر العمري الثقة المأمون المجمع على تثبته، ولا يغتر بتصحيح ابن حبان هذا الخبر، فإنه قال بعده: أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع. وقد صح ظنه، فإن ابن جريج إنما سمعه من ابن المخارق كما ثبت من رواية ابن ماجه والحاكم في " المستدرك "، واعتذر عن تخريجه بأنه إنما أخرجه في المتابعات، وحديث عبيد الله العمري أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه والبزار في مسنده ". قلت: ولم أعرف حديث عبيد الله الذي أشار إليه، و" المصنف " لا أطوله الآن، فإني أكتب هذا وأنا في المدينة المنورة، وهو في المكتبة الظاهرية بدمشق، لكن الظاهر أنه يعني مثل حديث عبد الله بن دينار أنه رأى عبد الله بن عمر بال قائما. أخرجه البيهقي (١ / ١٠٢) وقال: " وهذا يضعف حديث عبد الكريم، وقد روينا البول قائما عن عمر وعلي وسهل بن سعد وأنس بن مالك ". وإذا عرفت ضعف الحديث فلا شيء في البول قائما إذا أمن الرشاش، وقد قال الحافظ في " الفتح ": " ولم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عنه شيء ". ثم وقفت على حديث عبيد الله العمري في " مصنف ابن أبي شيبة " (١ / ١٢٤ - طبع الهند) و" مسند البزار " (ص ٣١ - زوائده) ، فإذا هو لا يعارض حديث الترجمة - كما ادعى البوصيري - فإنه رواه عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: " ما بلت قائما منذ أسلمت ". وإسناده صحيح. فالأولى المعارضة بأثر عبد الله بن دينار المتقدم عن ابن عمر، على اعتبار أنه هو الذي روى الحديث عنه كما هو ظاهر، ثم بما روى ابن أبي شيبة أيضا قبيل الموضع المشار إلى صفحته آنفا من طريق أخرى عن زيد قال: " رأيت عمر بال قائما ". وزيد هو ابن وهب الكوفي وهو

стр. 1310

ثقة كسائر من دونه، فالإسناد صحيح أيضا، ولعل هذا وقع من عمر ﵁ بعد قوله المتقدم، وبعد ما تبين له أنه لا شيء في البول قائما. ٩٣٥ - " خيار أمتي في كل قرن خمسمائة، والأبدال أربعون، فلا الخمسمائة ينقصون، ولا الأربعون، كلما مات رجل أبدل الله من الخمسمائة مكانه، وأدخل من الأربعين مكانه، قالوا: يا رسول الله! دلنا على أعمالهم، قال: يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويتواسون فيما آتاهم الله ". موضوع. أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (١ / ٨) من طريق الطبراني، وعنه ابن الجوزي في " الموضوعات " (٣ / ١٥١) : عن سعيد بن زيدون: حدثنا عبد الله بن هارون الصوري: حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن نافع عن ابن عمر مرفوعا. قلت: وهذا سند مظلم، سعيد بن أبي ﴿زيدون﴾ وعبد الله بن هارون لم أعرفهم، إلا أن الثاني منهما أورده الذهبي في " الميزان " وقال: " عن الأوزاعي لا يعرف، والخبر كذب في أخلاق الأبدال ". قلت: وهو هذا، وأقره الحافظ ابن حجر في " اللسان ". والحديث أورده السيوطي في الجامع الصغير " فأساء، لاسيما وقد وقع في بعض النسخ مرموزا له بالحسن! واغتر بذلك بعض المتأخرين (١) فقال: " حديث حسن "! وأما المناوي فقد تنبه لعلته، فقال بعد نقل كلام الذهبي السابق: " ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضعه، ووافقه عليها المؤلف في " مختصر الموضوعات " فأقره ولم يتعقبه ". واعلم أن أحاديث الأبدال لا يصح منها شيء، وكلها معلولة، وبعضها أشد ضعفا من بعض، وأنا ذاكر لك بعضها، وكاشف عن عللها، إن شاء الله ﵎.

стр. 1311

٩٣٦ - " الأبدال في هذه الأمة ثلاثون، مثل إبراهيم خليل الرحمن ، كلما مات رجل أبدل الله ﵎ مكانه رجلا ".

стр. 1312

منكر. رواه الإمام أحمد (٥ / ٣٢٢) والهيثم بن كليب في " مسنده " (١٥٩ / ١ - ٢) والخلال في " كرامات الأولياء " (ق ١ / ٢) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١ / ١٨٠) وعنه ابن عساكر في " التاريخ " (١ / ٦٧ / ٢) عن الحسن بن ذكوان عن عبد الواحد بن قيس عن عبادة بن الصامت مرفوعا، وقال أحمد عقبه: " هو حديث منكر ". قلت: وفيه علتان: الأولى: عبد الواحد بن قيس، مختلف فيه، فوثقه ابن معين في رواية وأبو زرعة. وقال ابن معين في رواية أخرى: لم يكن بذاك ولا قريب، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وكذا قال صالح بن محمد البغدادي وزاد: " روى عن أبي هريرة ولم يسمع منه ". وقال الذهبي: " لم يلق أبا هريرة، إنما روايته عنه مرسلة، إنما أدرك عروة ونافعا ". قلت: فعلى هذا فهو لم يدرك عبادة بن الصامت، فالسند مع ضعفه منقطع! الثانية: الحسن بن ذكوان مختلف فيه أيضا، وقد ضعفه الجمهور، وقال أحمد: " أحاديثه أباطيل ". وقال ابن معين: " كان صاحب أو ابد ". وقال ابن حجر في " التقريب ": " صدوق يخطىء وكان يدلس ". ورمز له بأنه من رجال البخاري. قلت: وقد عنعن هنا. ومما تقدم تعلم ما في قول الهيثمي من الإيهام فقال في " مجمع الزوائد " (١٠ / ٦٢) وقلده السيوطي في " الحاوي " (٢ / ٤٦١) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الواحد بن قيس، وقد وثقه العجلي وأبو زرعة، وضعفه غيرهما ". ولم يذكر السيوطي: " وضعفه غيرهما "! فقد أوهم شيئين: الأول: أن لا انقطاع بين عبد الواحد وعبادة وليس كذلك كما بينا. الثاني: أن الحسن بن ذكوان ثقة، لوصفه إياه بأنه من رجال الصحيح، وسكوته عما قيل فيه من التضعيف، والوصف بالتدليس! قلت: وبهذا التحقيق يتبين لك خطأ قول السيوطي في " اللآلي " (٢ / ٣٣٢) : " وسنده حسن "! وقول ابن عراق (٢ / ٣٠٧ - طبع مصر) : " وسنده صحيح "! وقد روي الحديث عن عبادة بلفظ آخر وهو: " لا يزال في أمتي ثلاثون، بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون، وبهم تنصرون ". قلت: وهو ضعيف أيضا فيه من لا يعرف، فقد قال الهيثمي (١٠ / ٦٣) :

стр. 1313

" رواه الطبراني من طريق عمرو البزار عن عنبسة الخواص وكلاهما لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح ". والحديث أورده السيوطي في " الجامع الصغير " من رواية الطبراني أيضا عن عبادة بلفظ: " الأبدال في أمتي ثلاثون ... " فلعل ما نقلته عن " المجمع " محرف عنه. وقال الشارح المناوي: " قال المصنف: سنده صحيح "! ولم يتعقبه المناوي بشيء! وكأنه لم يقف على كلام الهيثمي فيه، ولا على إسناد، وقد ساق السيوطي في " الحاوي " (٢ / ٤٦١) فقال: قال الطبراني في " الكبير ": حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني محمد بن الفرج: حدثنا زيد بن الحباب: أخبرني عمر البزار عن عبيسة الخواص عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن عبادة بن الصامت.... فذكره بلفظ " الجامع الصغير ". قلت: كذا في نقله: " عمر " بدون الواو، " عبيسة "، ولعل هذا الثاني تحريف، وأما الأول فمحتمل، فإن في شيوخ زيد بن الحباب عن المزي في " تهذيبه " (١ / ٢٢٧ / ١) عمر بن عبد الله بن أبي خثعم اليمامي، وعمرو بن عبد الله بن وهب النخعي، وعمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعد بن يربوع المخزومي، فإن كان الأول - بدون الواو- فهو ضعيف جدا، وإن كان أحد الآخرين فهو ثقة، ولكن لم يصفوا جميعا بـ (البزار) . فالله أعلم من هو منهم، أو هو غيرهم وعلى كل حال فتصحيح مثل هذا الإسناد لا وجه له مطلقا، ولا أدري من أين نقل المناوي تصحيح السيوطي له، وهو مرموز له في بعض نسخ " الجامع " بالحسن، وللذي قبله بالصحة!! على أن رموز الجامع لا يوثق بها لأسباب ذكرتها في مقدمة كتابي " صحيح الجامع الصغير " وضعيف الجامع الصغير "، وهو مطبوعان، فليرجع إليهما من شاء. وأخرج ابن عساكر في " التاريخ " (١ / ٢٧٧) من طريق الطبراني وغيره عن عمرو بن واقد عن يزيد بن أبي مالك عن شهر بن حوشب قال: " لما فتحت مصر سبوا أهل الشام، فأخرج عوف بن مالك رأسه من برنسه ثم قال: يا أهل مصر! أنا عوف بن مالك، لا تسبوا أهل الشام فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فيهم الأبدال وبهم ينصرون وبهم ترزقون ". قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا، شهر بن حوشب سيء الحفظ، وعمرو بن واقد متروك كما في " التقريب ". وقال الهيثمي: " رواه الطبراني " وفيه عمرو بن واقد، وقد ضعفه جمهور الأئمة، ووثقه محمد بن المبارك الصوري، وشهر اختلفوا فيه، وبقية رجاله ثقات ". قلت: وروي الحديث عن علي مرفوعا بلفظ آخر، سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (٢٩٩٣) .

стр. 1314

٩٣٧ - " إذا اغتسلت المرأة من حيضها، نقضت شعرها، وغسلت بالخطمي والأشنان، وإذا اغتسلت من الجنابة لم تنقض رأسها، ولم تغسل بالخطمي والأشنان ". ضعيف. أخرجه الخطيب في " تلخيص المتشابه " (٢ / ٣٤ / ١) والبيهقي في " السنن الكبرى " (١ / ١٨٢) من طريقين عن مسلم بن صبيح: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعا. ومن هذا الوجه رواه الدارقطني أيضا في " الأفراد " كما في نصب الراية " (١ / ٨٠) . وقال الخطيب: " قال علي بن عمر (يعني الدارقطني) : هذا حديث غريب من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، تفرد به مسلم بن صبيح عن حماد ولم نكتبه إلا من هذا الوجه ". قلت: وهو ضعيف لتفرد ابن صبيح به، وهو في عداد المجهولين، فإني لم أجد من ترجمه، وقد يشتبه بمسلم بن صبيح الهمداني الذي أخرج له الستة، وليس به، فإن هذا متأخر، من طبقة شيوخ الإمام أحمد، وذاك الهمداني تابعي يروي عن ابن عباس وغيره، وهو معروف ثقة، وله ترجمة في " التهذيب " للحافظ ابن حجر، وكان يحسن به أن يورد بعده مسلم بن صبيح هذا المجهول تميزا له عن الذي قبله، كما هي عادته في أمثاله، ولكنه لم يفعل، والله أعلم، ثم قد ميزه في " تبصير المنتبه " (٣ / ٨٣٣) ولم يذكره بعدالة أو جرح، وقيده بضم الصاد المهملة. وقد أخرجه الضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة " (ق ٢٣ / ٢ - مسند أنس) من طريق الطبراني وهذا في " المعجم الكبير " (١ / ٣٧ / ٢) قال حدثنا أحمد بن داود المكي: حدثنا سلمة بن صبيح اليحمدي حدثنا حماد بن سلمة به. كذا سماه ابن داود " سلمة " بدل مسلم "، وليس هو تصحيفا، فقد قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١ / ٢٧٣) : " رواه الطبراني في " الكبير "، وفيه سلمة بن صبيح اليحمدي ولم أجد من ذكره ". قلت: ولعل " سلمة " وهم من ابن داود فإني لا أعرفه أيضا، وقد خالفه عثمان بن خرزاذ وهو ثقة، أخرجه الخطيب. وأيهما كان فالرجل مجهول لا يعرف، فهو علة الحديث، وخفي هذا على الصنعاني فقال في " السبل " (١ / ١٣٨) بعد أن عزاه لمن ذكرنا: " فهذا الحديث مع إخراج الضياء له، وهو يشترط الصحة فيما يخرجه، يثمر الظن في العمل به ". قلت: وهذا مسلم بالنسبة لمن لم يقف على إسناده، وأما من وقف عليه فقد يختلف الحكم

стр. 1315

بالنسبة له، ويرى خلاف ما ذهب الضياء إليه، وعول عليه، كما هو الشأن في هذا الحديث، ورواية مسلم بن صبيح، وهو من الأدلة الكثيرة على أن الضياء ﵀ متساهل في التصحيح كالحاكم، وإن كان هو أحسن حالا منه كما شهد بذلك ابن تيمية ﵀. والحديث سكت عليه الشوكاني في " نيل الأوطار " (١ / ٢١٧) فأوهم سلامته من العلة، فاقتضى التنويه بها، وتحقيق الكلام على الحديث، والله سبحانه هو الموفق. وقد استدل الصنعاني بالحديث على أن نقض الشعر من المرأة الحائض في غسلها ليس واجبا عليها، بل هو على الندب لذكر الخطمي والأشنان فيه، قال: " إذ لا قائل بوجوبهما فهو قرينة على الندب ". قلت: وإذا عرفت ضعف الحديث فالاستدلال به على ما ذكره الصنعاني غير صحيح، لاسيما وقد ثبت من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها في الحيض: " انقضي شعرك واغتسلي ". ولهذا كان أقرب المذاهب إلى الصواب التفريق بين غسل الحيض فيجب فيه النقض، وبين غسل الجنابة فلا يجب، كما بيت ذلك في الكلام على حديث عائشة هذا في " الأحاديث الصحيحة " رقم (١٨٨) . ٩٣٨ - " لا تضربوا إماءكم على كسر إنائكم، فإن لها آجالا كآجال الناس ". كذب. رواه أبو نعيم في " الحلية " (١٠ / ٢٦) : حدثنا أبو دلف عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن دلف العجلي: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الدعاء: حدثنا جعفر بن عاصم: حدثنا أحمد بن أبي الحواري: حدثنا عباس بن الوليد قال: حدثني علي بن المديني عن حماد بن زيد عن مالك بن دينار عن الحسن عن كعب بن عجرة مرفوعا. قلت: وهذا سند واه جدا، وفيه علل: أولا: أبو دلف هذا، أورده الخطيب في " تاريخ بغداد " (١٠ / ٤٦٥) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. ثانيا: يعقوب بن عبد الرحمن الدعاء وهو أبو يوسف الجصاص، قال الخطيب (١٢ / ٢٩٤) : " في حديثه وهم كثير، قال أبو محمد بن غلام الزهري: ليس بالمرضي، مات سنة (٣٣١) ". ثالثا: جعفر بن عاصم لم أجد له ترجمة. رابعا: عنعنة الحسن وهو البصري، فقد كان يدلس. قلت: وبقية رجال الإسناد ثقات معرفون مترجم لهم في " التهذيب " وعباس بن الوليد هو ابن مزيد أبو الفضل البيروني مات سنة (٢٧٠) ، وقد روى عنه جماعة، وكتب عنه

стр. 1316

أحمد بن أبي الحواري وهو أكبر منه، توفي سنة (٢٤٦) فهو من رواية الأكابر عن الصاغر. هذا ما تبين لي فيه وأما المناوي فقال في هذا الحديث: " أورده في " الميزان " في ترجمة العباس بن الوليد الشرقي، وقال: ذكره الخطيب في " الملخص " (١) فقال: روى عن ابن المديني حديثا منكرا، رواه عنه أحمد بن أبي الحواري من حديث كعب بن عجرة مرفوعا، ثم ساق هذا بعينه ". قلت: ولم أجد هذا الترجمة في " الميزان " للذهبي، ولا في " الضعفاء " له، ولا في " لسان الميزان " للحافظ بن حجر، فالله أعلم من أين وقع ذلك للمناوي. والحديث أورده ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ٢٩٥ - ٢٩٦) بسنده عن ابن أبي الزرقاء عن ميمون بن مهران قال: فذكره موقوفا عليه وقال: " قال أبي هذه الحكاية كذب ". قلت: وفيه وهب بن داود قال الخطيب: " لم يكن بثقة ". وفيه أيضا من لم أعرفه. ٩٣٩ - " استاكوا وتنظفوا، وأوتروا فإن الله وتر يحب الوتر ". ضعيف. رواه ابن أبي شيبة (١ / ٦٣ / ١) : وكيع قال: حدثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن سعد مرفوعا. قلت: وهذا سند ضعيف، رجاله كلهم ثقات غير سليمان بن سعد وهو تابعي مجهول، أورده ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٢ / ١ / ١١٨) فقال: " روي عن النبي ﷺ ، مرسل، روى عنه موسى بن أبي عائشة ". قلت: ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وقد أخطأ بعض الضعفاء فسماه سليمان بن صرد، وأسنده، لأن ابن صرد هذا صحابي! وهو إسماعيل بن عمرو البجلي: فقال: حدثنا الحسن بن صالح عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن صرد مرفوعا به. أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١ / ٥٩ / ٢ - زوائد المعجمين) وقال: " لا يروى عن سليمان إلا بهذا الإسناد ". قلت: وهو ضعيف لأن البجلي هذا ضعفه غير واحد كما قال الذهبي في " الضعفاء ". وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٢ / ٢٤٠) : " رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه إسماعيل بن عمرو البجلي، ضعفه أبو حاتم والدارقطني وابن عدي، ووثقه ابن حبان وإذا عرفت الفرق بين رواية ابن أبي شيبة والطبراني يتبن لك خطأ عزو السيوطي في " الجامع " الحديث إلى المذكورين من رواية سليمان بن صرد ثم خطأ رمزه له بالحسن، وقد فات الأمر الأول على المناوي فلم يتنبه له، أما الآخر، فقد تعقبه بقول الهيثمي الذي ذكرته ثم قال:

стр. 1317

" وبه يعرف ما في رمز المصنف لحسنه إلا أن يراد أنه حسن لغيره ". وهذا الكلام يشعر بأن المناوي لم يطلع على سند الحديث عند ابن أبي شيبة فإنه عنده من غير طريق البجلي، ولكن ذلك لا يقوي حديثه بل يضعفه، للمخالفة التي سبق بيانها. ٩٤٠ - " إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا ". ضعيف. رواه البيهقي (١ / ٤٠) من طريق أبي داود في " مراسيله " عن هيثم عن محمد بن خالد القرشي عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله ﷺ . قلت: وهذا سند ضعيف لإرساله، وعنعنة هشيم، فإنه مدلس، وجهالة القرشي هذا، ومن ثم رمز له السيوطي بالضعف، فأصاب، وتعقبه المناوي بقوله فما أصاب: " رمز لضعفه اغترارا بقول ابن القطان: " فيه محمد بن خالد لا يعرف " وفاته أن الحافظ ابن حجر رده على ابن القطان بأن محمد هذا وثقه ابن معين وابن حبان ". وهذا تعقب واه جاءه من التقليد والاستسلام لرد الحافظ ابن حجر دون تبصر، وهو في كتابه " التلخيص " (ص ٢٣) كما نقله المناوي، وفاته أن الجواد قد يكبو، فإن توثيق ابن معين المذكور مما لم يذكره أحد، حتى ولا الحافظ نفسه في " التهذيب "، فأخشى أن يكون وهما منه، ويؤيده أنه صرح في " تقريب التهذيب " أن القرشي هذا " مجهول " فوافق في ذلك قول ابن القطان: " لا يعرف "، وكذلك قال الذهبي في " الميزان " فمع اتفاق هؤلاء على تجهيله، هل يعقل أن يكون توثيق ابن معين له ثابتا عنه؟! ثم لو سلمنا جدلا ثبوت ذلك عنه، فهل يسلم السند من العلتين الأوليين: التدليس والإرسال؟! وبذلك يتبين أن لا وجه لذلك التعقب على السيوطي، بل هو من تعصب المناوي عليه، عفا الله عنا وعنهم. وروي في الاستياك عرضا حديثا آخر، وهو بلفظ:

стр. 1318

٩٤١ - " كان يستاك عرضا، ويشرب مصا، ويقول: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ ". ضعيف. رواه ابن حبان في " المجروحين " (١ / ١٩٩) والطبراني في " المعجم الكبير " (١ / ١٢٣ / ١ - ٢) وابن شاهين في " الخامس من الأفراد " (٣١ - ٣٢) والبيهقي في " سننه " (١ / ٤٠) وابن عساكر (٤ / ٦٣ / ٢) عن اليمان بن عدي حدثنا ثبيت بن كثير الضبي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن بهز مرفوعا، وقال ابن شاهين: " حديث غريب الإسناد، حسن المتن، وبهز لا أعرف له نسبا ولا أعرف له غير هذا الحديث ".

стр. 1319

قلت: وعلته ثبيت هذا وهو ضعيف، كما قال الهيثمي (٢ / ١٠٠) بعدما عزاه للطبراني وحده، وتناقض فيه ابن حبان، فذكره في " الثقات " وذكره في " الضعفاء " أيضا وقال: " منكر الحديث على قلته، لا يجوز الاحتجاج به ". وقال ابن عدي: " غير معروف ". وقال الحافظ في " التلخيص " (ص ٢٣) : " وهو ضعيف، واليمان بن عدي أضعف منه ". قلت: وقد تابعه ضعيف مثله إلا أنه خالفه في إسناده، وهو علي بن ربيعة القرشي المدني فقال: عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن ربيعة بن أكثم به، فجعل ربيعة هذا بدل " بهز ". أخرجه أبو بكر الشافعي في " الفوائد " (١٠ / ١١٠ / ٢) والعقيلي في " الضعفاء " (٢٩٥) والبيهقي، وقال العقيلي: " ولا يصح، علي بن ربيعة القرشي مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يتابعه إلا من هو دونه ". قلت: يشير إلى ثبيت بن كثير، والقرشي هذا قال ابن أبي حاتم (٣ / ١ / ١٨٥) عن أبيه: هو مثل يزيد بن عياض في الضعف ". ويزيد هذا ضعيف الحديث، منكر الحديث عند أبي حاتم، وغيره يكذبه، وقال الحافظ في " التلخيص " (ص ٢٣) بعدما عزاه للعقيلي والبيهقي: " إسناده ضعيف جدا " ثم ذكر الاختلاف الذي ذكرته، ثم قال ابن عبد البر: " ربيعة قتل بخيبر فلم يدركه سعيد، وقال في " التمهيد ": لا يصحان من جهة الإسناد ". ولم يحرر المناوي القول في هذين الطريقتين فظن أن أحدهما يقوي الآخر، فصرح أن الحديث صار بذلك حسنا! وفي الباب حديث آخر، وهو: ٩٤٢ - " " كان يستاك عرضا، ولا يستاك طولا ". ضعيف جدا. رواه أبو نعيم في " كتاب السواك " من حديث عائشة مرفوعا. قال الحافظ (٢٣) : " وفي إسناده عبد الله بن حكيم وهو متروك ". وقال ابن حبان (٢ / ٢٧) : " كان يضع الحديث على الثقات، ويروي عن مالك والثوري ومسعر ما ليس من أحاديثهم ".

стр. 1320

٩٤٣ - " كان يرفع يده إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود ". باطل موضوع. رواه البيهقي في " الخلافيات " من حديث محمد بن غالب حدثنا أحمد بن

стр. 1321

محمد البرتي (١) حدثنا عبد الله بن عون الخراز (٢) : حدثنا مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعا. قلت: وهذا سند ظاهره الجودة، وقد اغتر به بعض الحنفية، فقال الحافظ مغلطاي: " لا بأس بسنده ". ولا أدري كيف يقول ذلك مثل هذا الحافظ مع اشتهار الحديث في " الصحيحين " و" السنن الأربعة " و" المسانيد " عن مالك بإسناده المذكور عن ابن عمر برفع اليدين في الركوع أيضا، لاسيما وقد نبه على ذلك مخرجه البيهقي وشيخه الحاكم فقالا: " هذا باطل موضوع لا يجوز أن يذكر إلى على سبيل التعجب والقدح فيه، وقد روينا بالأسانيد الزاهرة عن مالك خلاف هذا ". نقلت هذا وسند الحديث وقول مغلطاي من " ما تمس إليه الحاجة لمن يطالع سنن ابن ماجه " للشيخ محمد عبد الرشيد النعماني (ص ٤٨ - ٤٩) وهو متعصب جدا للحنفية على أهل الحديث، ولا يعبأ بقواعدهم العلمية، ومما يدلك على هذا تعقبه لقول الحافظين المذكورين وحكمهما على الحديث بالبطلان، فقال: " قلت: تضعيف الحديث لا يثبت بمجرد الحكم، وإنما يثبت ببيان وجوه الطعن، وحديث ابن عمر هذا رجاله رجال الصحيح، فما أرى له ضعفا بعد ذلك، اللهم إلا أن يكون الراوي عن مالك مطعونا، لكن الأصل العدم، فهذا الحديث عندي صحيح لا محالة "! قلت: هذا الكلام يدل على أحد شيئين: إما أن الرجل لا يعبأ بما هو مقرر عند المحدثين من القواعد، أو أنه جاهل بها، وغالب الظن أنه الأول، فمثله مما لا أظن يبلغ به الجهل إلى أن لا يعلم تعريف الحديث الصحيح عندهم، وهو " ما رواه عدل ضابط عن مثله عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معلا "، وإذا كان الأمر كذلك فقوله ".... لا يثبت بمجرد الحكم.... " جهل منه أو تجاهل بشرط من شروط الحديث الصحيح، وهو عدم الشذوذ وقد أشار الحاكم والبيهقي إلى أن الحديث لم يسلم من الشذوذ وذلك قولهما: " فقد روينا بالأسانيد الزاهرة عن مالك خلاف هذا ". قلت: فالحاكم والبيهقي لم يحكما على الحديث بالبطلان بمجرد الدعوى كما زعم النعماني، بل قرنا ذلك بالدليل لمن يريد أن يفهم، وهو الشذوذ، على أن هناك أدلة أخرى تؤيد الحكم المذكور على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ولولم يكن ثمة دليل على بطلان الحديث إلا وروده في كتاب الإمام مالك " الموطأ " (١ / ٩٧) على خلاف هذا اللفظ لكفى، فكيف وقد رواه جمع كثير من المصنفين والرواة عن مالك على خلافه؟

стр. 1322

فأخرجه البخاري (٣ / ١٧٤) وأبو عوانة في " صحيحه (٢ / ٩١) والنسائي (١ / ١٤٠ و١٦١ - ١٦٢) والدارمي (١ / ٢٨٥) والشافعي (رقم ١٩٩) والطحاوي في " شرح المعاني " (١ / ١٣١) وأحمد (٤٦٧٤ و٥٢٧٩) من طرق كثيرة عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه. أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذومنكبيه، إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك ". الحديث والسياق للبخاري عنه. والواقع أن الحديث بهذا اللفظ المخالف لهذا الحديث الباطل متواتر عن مالك ﵀، فقد سرد ابن عبد البر أسماء من رواه عن مالك من الرواة فجاء عددهم نحوالثلاثين! وقد وافقه جماعة من الثقات في روايته عن ابن شهاب به. أخرجه البخاري (٢ / ١٧٥ و١٧٦) ومسلم (٢ / ٦ و٧) وأبو عوانة (٢ / ٩٠) أبو داود (١ / ١١٤)) والترمذي (٢ / ٣٥) وابن ماجه (١ / ٢٨١) والطحاوي والدارقطني (ص ١٠٨) وكذا الشافعي (١٩٨) وأحمد (٥٠٨١ و٤٥٤٠ و٦٣٤٥) من طرق كثيرة عن ابن شهاب به. وتابع الزهري جابر وهو الجعفي قال: " رأيت سالم بن عبد الله رفع يديه حذاء منكبيه في الصلاة ثلاث مرات، حين افتتح الصلاة، وحين ركع، وحين رفع رأسه، قال جابر! فسألت سالما عن ذلك؟ فقال سالم رأيت ابن عمر يفعل ذلك، وقال ابن عمر رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك ". رواه الطحاوي وأحمد (٥٠٥٤) ، والجعفي ضعيف، لكن سكت على الحديث الطحاوي وكأن ذلك لطرقه. وتابع سالما نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢ / ١٧٦) وفي " رفع اليدين " (ص ١٤) وأبو داود (١ / ١١٨) والبيهقي (٢ / ١٣٦) عن عبيد الله عنه، ورواه مالك (١ / ٩٨ - ٩٩) عن نافع به دون قوله " وإذا ركع رفع يديه " ودون الرفع عند القيام، ومن طريقه رواه الشافعي وأبو داود وتابعه أيوب عن نافع به المرفوع فقط، دون الرفع عند القيام. أخرجه البخاري في " جزئه " (١٧) والبيهقي (٢ / ٢٤ و٧٠) وأحمد (٥٧٦٢) وتابعه صالح بن كيسان عن نافع به أخرجه أحمد (٦١٦٤) . وتابع سالما أيضا محارب بن دثار قال: " رأيت ابن عمر يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع رأسه من الركوع، قال: فقلت له: ما هذا؟ قال: كان النبي ﷺ : إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه ".

стр. 1323

أخرجه أحمد (٦٣٢٨) بإسناد صحيح. إذا عرف هذا فهذه الروايات والطرق الصحيحة عن ابن عمر ﵁ تدل على بطلان هذا الحديث من وجوه: الأول ما أشار إليه الحاكم والبيهقي من مخالفة راويه عن مالك لجميع من رواه عنه من الثقات على خلاف هذا الحديث وإثبات الرفع الذي نفاه، لاسيما وقد بلغ عددهم مبلغ التواتر كما سبق، ومخالفة الفرد لأقل منهم بكثير يجعل حديثه شاذ مردودا عند أهل العلم، فكيف وهم جمع غفير؟ ! الثاني: أن مالكا ﵀ لوكان عنده علم بهذا الحديث المنسوب إليه لرواه في كتابه " الموطأ " وعمل به، وكل من الأمرين منفي، أما الأول، فلما سبق بيانه أنه روى فيه الحديث المخالف له بسنده هذا. والآخر أنه عمل بخلافه، وقال بمشروعية الرفع بعد الرفع في تكبيرة الإحرام كما حكاه عنه الترمذي في " سننه " (٢ / ٣٧) ولم يحك عنه خلافه، ونقل الخطابي والقرطبي أنه آخر قولي مالك وأصححها كما في " الفتح " (٢ / ١٧٤) . الثالث: أن ابن عمر ﵁ كان يحافظ بعد وفاة النبي ﷺ : على الرفع المذكور كما سبق ذلك عنه صريحا، فلوكان هذا الحديث ثابتا عنه لما رفع وهو من أحرص أصحابه ﷺ على اتباعه كما هو معلوم، كيف لا وقد صح عنه أنه كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى! أخرجه البخاري في " رفع اليدين " (ص ٨) وعبد الله بن الإمام أحمد في " مسائله عن أبيه " والدارقطني (١٠٨) بسند صحيح عنه (١) . الرابع: أن الذي روى هذا الحديث عن ابن عمر إنما هو سالم ابنه - فيما زعموا - ومن الثابت عنه أنه كان يرفع يديه أيضا كما حكاه الترمذي أيضا عنه، وسبق ذلك في بعض الروايات عنه - فلوكان هذا الحديث مما رواه عن أبيه حقا لم خالفه أصلا، كما هو ظاهر. فدل ذلك كله على صحة قول الحاكم والبيهقي في الحديث: إنه باطل، وأن قول الشيخ النعماني: " فهذا الحديث عندي صحيح لا محالة " محال! ومما سبق تعلم بطلان قول الشيخ المذكور عقب جملته المذكورة: " وغاية ما يقال فيه: أن ابن عمر رأى النبي ﷺ حينا يرفع، فأخبر عن تلك الحالة، وأحيانا لا يرفع، وأخبر عن تلك الحالة، وليس في كل من حديثه ما يفيد الدوام والاستمرار على شيء معين منهما، ولفظ: " كان " لا يفيد الدوام إلا على سبيل الغالب ". قلت: وهذا الجمع بين الروايتين، باطل أيضا، لأن الشرط في الجمع إنما هو ثبوت الروايتين، أما وإحداهما صحيحة، والأخرى باطلة، فلا يجوز الجمع حينئذ، وكيف يعقل أن الراوي الواحد يقول مرة: كان لا يرفع، وأخرى: كان يرفع، ولا يجمع هو نفسه بينهما في عبارة

стр. 1324

واحدة ولومرة واحدة؟ هذا مما لا نعرف له مثيلا في شيء من الأحاديث! وإنما يقال مثل هذا الجمع في روايتين صحيحتين عن صحابيين مختلفين، مثل حديث ابن عمر هذا في الرفع وحديث ابن مسعود بمعنى هذا الحديث الباطل عن ابن عمر. فإن قال قائل: قد عرفنا بطلان هذا الحديث من الوجوه السابقة، فممن العلة فيه؟ هل هي من عبد الله بن عون الخراز الذي رواه عن مالك أم ممن دونه! والجواب: أنه ليس في إسناده من يمكن الظن بأن الخطأ منه غير محمد بن غالب، وهو الملقب بـ (تمتام) فإنه وإن كان الدارقطني وثقه، فقد قال: " إلا أنه يخطىء، وكان وهم في أحاديث ". وقال ابن المناوي: " كتب عنه الناس، ثم رغب أكثرهم عنه لخصال شنيعة في الحديث وغيره ". فالظاهر أنه هو الذي أخطأ في هذا الحديث، فلعله من الأحاديث التي أشار إليها الدارقطني. وأما شيخه البرتي فهو ثقة ثبت حجة كما قال الخطيب (٥ / ٦١) ، وكذا شيخ هذا وهو الخراز ثقة من رجال مسلم، فانحصرت الشبهة في (تمتام) . والله أعلم. ٩٤٤ - " نهى أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر ". باطل. رواه الحكيم الترمذي في " كتاب المناهي " عن عباد بن كثير عن عثمان الأعرج عن الحسن: حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبوهريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين ومعقل بن يسار وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض في الحديث أن النبي ﷺ نهى.... قلت: فذكر حديثا طويلا جدا في النواهي، ساقه في " تنزيه الشريعة " بتمامه في نحوخمس صفحات! (٢ / ٣٩٧ - ٤٠١) ، وذكر الحافظ ابن حجر في كتابه " التلخيص " (٣٧) قطعة من أوله، هذا بعضه وقال: " وهو حديث باطل لا أصل له، بل هو من اختلاق عباد ". وتبعه السيوطي في " ذيل الأحاديث الموضوعة " (ص ١٩٩) ، ثم ابن عراق وقال: " وذكر النووي في " شرحه على المهذب " من هذا الحديث النهي عن استقبال الشمس والقمر، وقال: حديث باطل لا يعرف ". قلت: ومن الغرائب أن يذكر هذا الحكم الوارد في هذا الحديث الباطل في بعض كتب الحنابلة مثل " المقنع " لابن قدامة (١ / ٢٥ - ٢٦) و" منار السبيل " لابن ضويان (١ / ١٩) ، وقال هذا معللا: " تكريما لهما "! وفي حاشية الأول منهما: " لأنه روي أن معهما ملائكة، وأن أسماء الله مكتوبة عليها "! قلت: وهذا التعليل مما لا أعرف له أصلا في السنة، وكم كنت أود أن لا يذكر مثل هذا

стр. 1325

الحكم وتعليله في مثل مذهب الإمام أحمد ﵀ الذي هو أقرب المذاهب إلى السنة، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، فقد أصاب مذهبه من بعض أتباعه نحوما أصاب المذاهب الأخرى من الملحقات والبدعات. ولذلك كان لزاما على جميع الأتباع الرجوع إلى السنة الصحيحة، وهذا لا سبيل إليه إلا بدراسة هذا العلم الشريف، ولعلهم يفعلون. ومما يبطل هذا الحكم حديث أبي أيوب الأنصاري مرفوعا: " لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول ولكن شرقوا أو غربوا ". أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (رقم ٧) ، وذلك أن قوله: " ولكن شرقوا أو غربوا " صريح في جواز استقبال القمرين واستدبارهما إذ لابد أن يكونا في الشرق أو الغرب غالبا. ويبطله أيضا قوله ﷺ : الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة ". أخرجه الطحاوي والبخاري مختصرا كما بينته في " الأحاديث الصحيحة " (١٢٣) . قلت: فهذا يبطل تعليل ابن ضويان، فإن إلقاءهما في النار وإن لم يكن تعذيبا لهما، فليس من باب إكرامهما كما هو ظاهر لا يخفى! ٩٤٥ - " كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال ". منكر. رواه أبو داود (١ / ٢٠١) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن عمرو عن عطاء عن ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان.... الحديث. قلت: وهذا سند ضعيف رجاله ثقات كلهم، لكن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه، وقد صح ما يعارض حديثه هذا، وهو ما أخرجه أحمد (٦ / ١٢٥) عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: " سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر؟ فقالت: صل، إنما نهى رسول الله ﷺ قومك أهل اليمن عن الصلاة إذا طلعت الشمس ". قلت: وسنده صحيح على شرط مسلم. ووجه المعارضة واضح منه، وهو قولها " صل " فلوكان عندها علم بالنهي الذى رواه ابن إسحاق عنها لما أفتت بخلافه إن شاء الله تعالى، بل لقد ثبت عنها أنها كانت تصلي بعد صلاة العصر ركعتين، أخرجه البخاري (٣ / ٨٢) ومسلم (٢ / ٢١٠) . فهذا كله يدل على خطأ حديث ابن إسحاق ونكارته. وهذا من جهة الصلاة، وأما من حيث الوصال، فالنهي عنه صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ . ثم إن الحديث يخالف من جهة ثانية حديث أم سلمة المشار إليه، فإن فيه؟ :

стр. 1326

" فقالت أم سلمة، سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنهما (تعني الركعتين بعد العصر) ثم رأيته يصليهما، أما حين صلاهما فإنه صلى العصر ثم دخل وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار فصلاهما، فأرسلت إليه الجارية، فقلت: قومي بجنبه فقولي له: تقول أم سلمة: يا رسول الله إني أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين، وأراك تصليهما، فإن أشار بيده، فاستأخري عنه، قال: ففعلت الجارية فأشار بيده فاستأخرت عنه، فلما انصرف، قال: يا بنت أبي أمية! سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان ". ووجه المخالفة هو أن النهي عن الصلاة بعد العصر في الحديث متأخر عن صلاته ﷺ بعدها، وفي حديث أم سلمة أن النهي متقدم وصلاته بعده متأخر، وهذا مما لا يفسح المجال لادعاء نسخ صلاة الركعتين بعد العصر، بل إن صلاته ﷺ إياهما دليل عن تخصيص النهي السابق بغيرهما، فالحديث دليل واضح على مشروعية قضاء الفائتة لعذر، ولو كانت نافلة بعد العصر، وهو أرجح المذاهب، كما هو مذكور في المبسوطات. والحديث سكت عليه الحافظ في " الفتح " (٢ / ٥١) وتبعه الصنعاني في " سبل السلام " (١ / ١٧١) ثم الشوكاني في " نيل الأوطار " (٣ / ٢٤) وسكوتهم الموهم صحته هو الذي حملني على تحرير القول فيه والكشف عن علته، والله الموفق. ثم رأيت ابن حزم ذكره (٢ / ٢٦٥) من طريق أبي داود ولم يضعفه، بل صنيعه يشعر بصحته عنده، فإنه أجاب عنه (٢ / ٢٦٨) بما يتعلق به من جهة دلالته ووفق بينه وبين ما يعارضه من جواز الركعتين بعد العصر عنده، ولو كان ضعيف لضعفه وما قصر، ولكنه قد قصر! ورأيت أبا الطيب الشهير بشمس الحق العظيم آبادي قد تنبه في كتابه " إعلام أهل العصر، بأحكام ركعتي الفجر " (ص ٥٥) لعلة أخرى في الحديث فقال: " وهذا معارض بما أخرجه مسلم والنسائي وغيرهما عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن عائشة أنها قالت: وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها، فإنما مفاد كلامه في رواية ذكوان (يعني في حديث ابن إسحاق) أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر، ومفاد كلامها في رواية طاووس أن النهي يتعلق بطلوع الشمس وغروبها، لا يرفع صلاة الفجر والعصر ". قلت: وهذه معارضة أخرى تضاف إلى المعارضتين السابقتين، وهي مما تزيد الحديث ضعفا على ضعف. ٩٤٦ - " قدم علي مال فشغلني عن الركعتين كنت أركعهم بعد الظهر، فصليتهما الآن، فقلت: يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا ".

стр. 1327

منكر. رواه أحمد (٦ / ٣١٥) الطحاوي (١ / ١٨٠) وابن حبان في " صحيحه " (٦٢٣) عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ذكوان عن أم سلمة قالت: " صلى رسول الله ﷺ العصر، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليهما، فقال: فذكره. وهذا سند ظاهره الصحة، ولكنه معلول، فقال ابن حزم في " المحلى " (٢ / ٢٧١) : " حديث منكر، لأنه ليس هو في كتب حماد بن سلمة، وأيضا فإنه منقطع لم يسمعه ذكوان من أم سلمة، برهان ذلك أن أبا الوليد الطيالسي روى هذا الخبر عن حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ذكوان عن عائشة عن أم سلمة أن " النبي ﷺ صلى في بيتها ركعتين بعد العصر فقلت: ما هاتان الركعتان؟ قال: كنت أصليهما بعد الظهر، وجاءني مال فشغلني، فصليتهما الآن "، فهذه هي الرواية المتصلة وليس فيها: " أفنقضيهما نحن؟ قال: لا "، فصح أن هذه الزيادة لم يسمعها ذكوان من أم سلمة، ولا ندري عمن أخذها، فسقطت ". قلت: ورواية أبو الوليد عبد الملك بن إبراهيم التي علقها ابن حزم وصلها الطحاوي (١ / ١٧٨) . وتابع أب الوليد عبد الملك بن إبراهيم الجدي: حدثنا حماد بن سلمة به دون الزيادة. أخرجه البيهقي (٢ / ٤٧٥) . ونقل الحافظ في " التلخيص " (٧٠) عنه أنه ضعف الحديث بهذه الزيادة، ونص كلام البيهقي وهو في كتابه " المعرفة " كما نقله صاحب " إعلام أهل العصر " (ص ٥٥) : " ومعلوم عند أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث يرويه حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ذكوان عن عائشة عن أم سلمة دون هذه الزيادة، فذكوان إنما حمل الحديث عن عائشة، وعائشة حملته عن أم سلمة، ثم كانت ترويه مرة عنها عن النبي ﷺ ، وترسله أخرى، وكانت ترى مداومة النبي ﷺ عليهما، وكانت تحكي عن النبي ﷺ أنه أثبتهما، قالت: " وكان إذا صلى صلاة أثبتها ". وقالت: " ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين عندي بعد العصر قط "، وكانت تروي أنه " كان يصليهما في بيوت نسائه ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما خفف عنهم " فهذه الأخبار تشير إلى اختصاصه بإثباتهما، لا إلى أصل القضاء. هذا وطاووس يروي أنها قالت: " وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها ". وكأنها لما رأت رسول الله ﷺ أثبتهما بعد العصر ذهبت في النهي هذا المذهب، ولوكان عندها ما يرو ون عنها في رواية ذكوان وغيره من الزيادة في حديث القضاء لما وقع هذا الاشتباه، فدل على خطأ تلك اللفظة، وقد روي عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ذكوان عن عائشة " أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال ". وهذا يرجع إلى استدامته لهما لا أصل القضاء ". قلت: والتأويل فرع التصحيح، وحديث محمد بن عمرو هذا لا يصح إسناده كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله، فتنبه.

стр. 1328

٩٤٧ - " استقبلوا بمقعدتي القبلة ". منكر. أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " (٢ / ١ / ١٤٣) وابن ماجه (١ / ١٣٦) والطحاوي (٢ / ٣٣٦) والدارقطني (٢٢) والطيالسي (١ / ٤٦ - من ترتيبه) وأحمد (٦ / ١٣٧ و٢١٩) وابن عساكر (٥ / ٥٣٧ / ١) من طريق موسى ووكيع وبهز ويحيى بن إسحاق وأسد بن موسى خمستهم عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك ابن مالك عن (وقال موسى سمعت) عائشة قالت: " ذكر عند رسول الله ﷺ قوم يكرهو ن أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال: أراهم قد فعلوها؟ ! (وفي لفظ: أو قد فعلوها؟ !) استقبلوا.... " الحديث. قلت: وهذا سند ضعيف وفيه علل كثيرة: الأولى: الاختلاف على حماد بن سلمة. الثانية: الاختلاف على خالد الحذاء وهو ابن مهران. الثالثة: جهالة خالد بن أبي الصلت. الرابعة: مخالفته للثقة. الخامسة: الانقطاع بين عراك وعائشة. السادسة: النكارة في المتن. العلة الأولى الاختلاف على حماد بن سلمة، فرواه الخمسة الذين سميناهم عنه خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك عنها، وخالفهم أبو كامل اسمه الفضيل بن حسين فقال: حدثنا حماد عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت أن عراك بن مالك حدث عن عمر بن عبد العزيز أن عائشة قالت ... الحديث، فأدخل عمر بن عبد العزيز. أخرجه أحمد (٦ / ٢٢٧) . وخالفهم يزيد بن هارون، فقال: أنبأنا حماد عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا الرجل يجلس على الخلاء فيستقبل القبلة، فكرهو اذلك، فحدث عن عراك بن مالك عن عائشة، فجعل عمر بن عبد العزيز بين ابن أبي الصلت وعراك. أخرجه أحمد (٦ / ٢٣٩) : حدثنا يزيد به. وخالفه علي بن شيبة فقال: حدثنا يزيد ابن هارن ... فساق سنده مثل رواية الخمسة عن حماد إلا أنه زاد في الإسناد فقال: " فحدث عراك عن عروة بن الزبير عنها، فأدخل بينه وبينها عروة بن الزبير! أخرجه الطحاوي (٢ / ٣٣٦) . قلت: فهذا اختلاف شديد على حماد، ولعل الأرجح الوجه الأول، لاتفاق الجماعة عليه، مع احتمال أن يكون حماد نفسه مصدر الاختلاف، فقد كان يخطىء أحيانا.

стр. 1329

الثانية وهي الاختلاف على خالد الحذاء فهو على وجوه: الأول: قال أبو عوانة ويحيى بن مطر والقاسم بن مطيب ثلاثتهم عن خالد الحذاء عن عراك بن مالك عن عائشة. أخرجه الدارقطني. الثاني: عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد عن رجل عن عراك عنها فزاد رجلا بين الحذاء وعراك أخرجه أحمد (٦ / ١٨٣) والدارقطني. وتابعه وهيب عن خالد به. رواه البخاري في " التاريخ الكبير " (٢ / ١ / ١٤٣) . الثالث: عن علي بن عاصم: حدثنا خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته وعنده عراك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلت القبلة ولا استدبرتها ببول ولا غائط منذ كذا وكذا، فقال عراك: حدثتني عائشة.... أخرجه الدارقطني وأحمد (٦ / ١٨٤) والبيهقي (١ / ٩٢ - ٩٣) وقال: " تابعه حماد بن سلمة عن خالد الحذاء في إقامة إسناده ". قلت: يعني رواية حماد المتقدمة من رواية الجماعة عنه، وإلا فقد اختلفوا عليه كما سبق بيانه، وقال الدارقطني: " هذا أضبط إسناد، وزاد فيه خالد بن أبي الصلت، وهو الصواب ". قلت: وتابعه عبد العزيز بن المغيرة عن خالد الحذاء به، لكنه لم يصرح بسماع عراك من عائشة أخرجه أبو الحسن القطان في " زيادته على ابن ماجه " (١ / ١٣٦) . قلت: وهذا الوجه من الاختلاف على خالد الحذاء أرجح لاتفاق علي بن عاصم - على ضعف فيه لسوء حفظه - وعبد العزيز بن المغيرة عليه، ومتابعة حماد بن سلمة لهما في رواية الجماعة عنه كما تقدم. فهذا الاضطراب في إسناد الحديث وإن كان من الممكن ترجيح الوجه الأخير منه كما ذكرنا، فإنه لشدته لا يزال يبقى في النفس منه شيء، وعلى التسليم بهذا الترجيح يظهر فيه علة أخرى وهي: الثالثة: جهالة خالد بن أبي الصلت، وذلك أنه لم يكن مشهورا بالعدالة، ولا معروفا بالضبط، عند علماء الجرح والتعديل، فأورده ابن أبي حاتم (١ / ٣٣٦ - ٣٣٧) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، بل صرح الإمام أحمد بجهالته فقال: " ليس معروفا ". وقال عبد الحق الإشبيلي: " ضعيف ". ولعله يعني بسبب جهالته. وقال الذهبي في " الميزان " وقد ساق له هذا الحديث:

стр. 1330

" لا يكاد يعرف، تفرد عنه خالد الحذاء، وهذا منكر، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وما علمت أحد تعرض إلى لينه، ولكن الخبر منكر ". قلت: ولعل الذهبي أراد بقوله: " وما علمت ... " يعني من القدامى، وإلا فقد ضعفه عبد الحق كما سبق، وأما توثيق ابن حبان إياه، فمما لا يقام له وزن - وإن اغتر به بعض المتقدمين والمعاصرين كما يأتي - لما عرف أنه متساهل في التوثيق، وقد بينت ذلك في " الرد على التعقيب الحثيث "، وهذا إذا انفرد بالتوثيق ولم يخالف، فكيف إذا خالف؟ وقال ابن حزم في " المحلى " (١ / ١٩٦) : " حديث ساقط وخالد بن أبي الصلت مجهول لا يدرى من هو؟ ". وفي " التهذيب ": " وتعقب ابن مفوز كلام ابن حزم فقال: هو مشهور بالرواية، معروف، بحمل العلم، ولكن حديثه معلول ". قلت: وهذا القدر من الوصف لا يقتضي أن يكون الموصوف ثقة ضابطا إلا عند بعض المتساهلين، فكم من المعروفين بحمل العلم والرواية لا يحتج بهم إما للجهالة بضبطهم وحفظهم أولظهور ضعفهم، ولذلك نجد الحافظ ابن حجر الذي من كتابه " التهذيب " نقلت التعقب المذكور لم يتبنه، فلم يوثقه في " التقريب " بل قال فيه: " مقبول " أي عند المتابعة، وإلا فلين الحديث، كما نص عليه في المقدمة. إذا عرفت ذلك، فمن كان حاله ما ذكرنا من الجهالة فحري بحديثه أن لا يحتج به، وهذا إذا لم يخالف الثقات، فكيف مع المخالفة؟! وهذه علة أخرى وهي: الرابعة: مخالفة ابن أبي الصلت للثقة، وهو جعفر بن ربيعة، فقد رواه عن عراك عن عروة عن عائشة أنها كانت تنكر قولهم، لا تستقبل القبلة. أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " (٢ / ١ / ١٤٣) وابن أبي حاتم في " العلل " (١ / ٢٩) وابن عساكر (٥ / ٢٣٧ / ١) . وقال البخاري: " وهذا أصح ". وكذا قال ابن عساكر. وقال ابن أبي حاتم: " سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت ... (قلت: فذكره، ثم قال:) قال أبي: فلم أزل أقفوأثر هذا الحديث، حتى كتبت بمصر عن.... جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة موقوف، وهذا أشبه ". قلت: ولا يشك حديثي أن ترجيح هؤلاء الأئمة الثلاثة وقف الحديث هو الصواب، ذلك لأن الذي أوقفه إنما هو جعفر بن عراك، وهو ثقة اتفاقا، وقد احتج به الشيخان، بينما الذي خالفه وهو خالد بن أبي الصلت لم يوثقه أحد من الأئمة المعروفين والموثوق بتوثيقهم، ولو سلمنا. لا أن توثيق ابن حبان المتقدم مما يعتد به فهل من المعقول أن ترجح رواية من وثقه هو وحده.... آخرون على رواية من وثقه الجماعة من الأئمة، واحتج به الشيخان؟ !

стр. 1331

وإذا تبين لك ما ذكرنا تعرف سقوط تعقب البوصيري للإمام البخاري بقوله في " الزوائد " (ق ٢٥ / ١) : " وهذا الذي علل به البخاري ليس بقادح، فالإسناد الأول حسن (١) ، رجاله ثقات معرفون، وقد أخطأ من زعم أن خالد بن أبي الصلت مجهول، وأقوى ما أعل به هذا الخبر أن عراكا لم يسمع من عائشة، نقلوه عن الإمام أحمد، وقد ثبت سماعه منها عند مسلم ". قلت: والجواب على هذا من وجوه: الأول: أن المخالفة التي أعل البخاري الحديث بها لم يجب عنها البوصيري بشيء عنها أصلا، إلا مجرد الدعوى " ليس بقادح "! مع أنه ساق كلامه للرد عليه، فانصرف عنه إلى الرد على غيره! وذلك دليل على ضعف رده وسلامة الحجة عند المردود عليه! الثاني: أن رجال الإسناد كلهم ثقات رجال مسلم غير ابن أبي الصلت فإن كان ثقة فلماذا اقتصر البوصيري على تحسين الإسناد ولم يصححه؟ ! أليس في هذا وحده ما يدل على أن في ابن أبي الصلت شيئا يمنع حتى الموثقين له من تصحيح حديثه! فما هو هذا الشيء؟ ليس هو إلا عدم الاطمئنان لتوثيق ابن حبان، وإن تظاهروا بالاعتداد بتوثيقه! الثالث: جزمه بخطإ من جهل ابن أبي الصلت مردود عليه بما سبق بيانه في العلة (الثالثة) ، فأغنى عن الإعادة. الرابع: دعواه أن الانقطاع الذي ذكره هو أقوى ما أعل به الحديث، ليس مسلما عندي، بل الأقوى هو المخالفة التي لم يستطع الإجابة عنها، ثم الجهالة. الخامس: أن رده للانقطاع بقوله: " ثبت سماعه منه عند مسلم "، خطأ مبني على خطأ، وذلك أنه ليس عند مسلم ما زعمه من سماع عراك من عائشة، وما علمت أحدا سبقه إلى هذا الزعم، وإنما ذكر الشيخ ابن دقيق العيد أن مسلما أخرج في " صحيحه " حديث عراك عن عائشة: " جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها ... " الحديث (٢) ، نقله الزيلعي في " نصب الراية " (٢ / ١٠٧) ، وليس فيه السماع المدعى كما ترى. السادس: أنه لوفرضنا أن عراكا سمع من عائشة بعض الأحاديث، فلا يلزم من ذلك أنه سمع منها كل حديث يروى من طريقه عنها، لاحتمال عدم ثبوت السند بذلك عنه، كما هو الشأن في هذا الحديث، وهذه علة أخرى فيه وهي: الخامسة: الانقطاع بين عراك وعائشة، والدليل على ذلك مجموع أمرين: ١ - أن أكثر الروايات التي سبق ذكرها لم يقع فيها تصريح عراك بالسماع من عائشة.

стр. 1332

وإنما وقع في رواية علي بن عاصم وهو ضعيف الحفظ كما سبق، وقول الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على " المحلى " (١ / ١٩٧) وقد تابعه على ذلك حماد بن سلمة فارتفعت شبهة الغلط "، ليس مسلما، لأن هذه المتابعة مشكوك في ثبوتها، فإن كل ما رواه عن حماد لم يصرح بالسماع سوى موسى وهو التبوذكي، وأما الثقات الآخرون فرووه معنعنا، وهم وكيع ابن الجراح وبهز بن أسد ويحيى ابن إسحاق وأسد بن موسى ويزيد بن هارون في رواية عنه، وعبد العزيز بن المغيرة، كلهم قالوا: " عن عائشة " وروايتهم أرجح من رواية الفرد ولوكان ثقة، مع أنه يمكن أن تكون المخالفة ليست منه بل من حماد نفسه، لما سبق ذكره من أنه كان يخطىء أحيانا، فكان في الغالب يرويه معنعنا، فحفظ ذلك منه الجماعة، ونادرا يرويه بالسماع فحفظ ذلك منه موسى، وهذا اضطراب من حماد نفسه، كما كان يضطرب في إسناده على ما سبق بيانه. ومما يرجح رواية العنعنة، رواية جماعة آخرين لها مثل أبي عوانة ويحيى بن مطر والقاسم بن مطيب وعبد الوهاب الثقفي ووهيب عن خالد الحذاء على خلاف بينهم وبين الجماعة الأولى كلهم أجمعوا على روايته بالعنعنة. فهؤلاء عشرة أشخاص وزيادة رووه بالعنعنة فلا يشك كل من وقف عليها أنها هي الصواب، وأن رواية السماع منكرة أو شاذة، وقد صرح بهذا الإمام أحمد فقال إبراهيم بن الحارث: " أنكر أحمد قول من قال: عن عراك سمعت عائشة، وقال: عراك من أين سمع من عائشة ". وقال أبو طالب عن أحمد: " إنما هو عراك عن عروة عن عائشة، ولم يسمع عراك منها " وذكر ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص ١٠٣ - ١٠٤ - طبع بغداد) بعد أن ساق الحديث أن الإمام أحمد قال: " مرسل، عراك بن مالك من أين سمع عن عائشة، إنما يروي عن عروة، هذا خطأ، ثم قال: من يروي هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، فقال: قال غير واحد: عن خالد الحذاء ليس فيه سمعت وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت ". فقد أشار الإمام أحمد ﵀ إلى أن ذكر السماع غير محفوظ عن حماد من جهة، ولا عن خالد الحذاء من جهة أخرى، وذلك ما فصلناه آنفا. ولو أن الذين خالفوا الإمام أحمد ورجحوا رواية السماع تأملوا في كلامه ثم تتبعوا الروايات التي ذكرناها لما أقدموا إن شاء الله على مخالفته، لأن الحجة الواضحة معه، ولكنه ﵀ اكتفى بالإشارة إليها وقد فصلناه لك تفصيلا لا يدع مجالا للشك في خطإ المخالفين، وقال موسى بن هارون: " لا نعلم لعراك سماعا من عائشة ". وليس من السهل في نظر الباحث المحقق تخطئة هذين الإمامين، كما فعل المعلق على " المحلى "، ومن قبله البوصيري بمجرد ذكر السماع في بعض الروايات مع شذوذها، ثم هي

стр. 1333

كلها مدارها على خالد بن أبي الصلت الذي لا دليل عندنا على ثقته وضبطه كما سبق، وما يدرينا ولعل هذا الاختلاف عنه في السماع والعنعنة إنما هو منه، وذلك دليل على تردده وعدم حفظه، ويؤيد هذا ما يأتي:، وهو: الأمر الثاني: أن جعفر بن ربيعة قد خالف خالد بن أبي الصلت، فأدخل بين عراك وعائشة عروة، كما تقدم وهو أرجح من وجهين: أولا: أن جعفر بن أبي ربيعة أو ثق من ابن أبي الصلت كما تقدم بيانه. ثانيا: أن روايته موافقة لبعض الروايات عن خالد وهي رواية يزيد بن هارون عن حماد ابن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عروة بن الزبير عنها. أخرجه الطحاوي كما تقدم، فهذا يؤكد وهم ابن أبي الصلت أو بعض من دونه في ذكر السماع من عراك لعائشة. وقد خالف جعفر خالدا في موضع آخر من السند وهو أنه أوقفه ولم يذكر فيه رسول الله ﷺ ، وقد سبق بيان ذلك في العلة (الرابعة) . العلة السادسة: النكارة. وقد بقي الكلام على العلة الأخيرة وهي السادسة، وهي النكارة في المتن، وبيان ذلك في ما يأتي: من المعلوم أن النبي ﷺ كان نهى أصحابه عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط نهيا عاما لم يقيده بالصحراء، فإذا روي في حديث ما كهذا الذي نحن في صدد الكلام عليه أن الصحابة كرهو ااستقبال القبلة، فما يكون ذلك منهم إلا اتباعا لرسول الله ﷺ اتباعا يستحقون عليه الأجر والمثوبة، لأنهم على أقل الدرجات مجتهدون مخطئون مأجرون أجرا واحدا، وسبب خطئهم عملهم بالنص على عمومه، أو عملهم بالمنسوخ الذي لم يعرفوا نسخه، وأي الأمرين فرض، فلا يعقل أن ينكر النبي ﷺ على أصحابه طاعتهم إياه فيما كان نهاهم عنه قبل أن يبلغهم النص المخصص أو الناسخ، كيف وهو المعروف بتلطفه مع أصحابه في تأديبهم وتعليمهم، كما يدل على ذلك سيرته الشريفة معهم، كحديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وحديث معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم في الصلاة جاهلا، وغير ذلك مما هو معروف، فلم ينكر رسول الله ﷺ عليهم نكارا شديدا مع أنهم فعلوا أشياء لم يسبق أن جوزها لهم رسول الله ﷺ وأما في هذا الحديث فهو ينكر عليهم أشد الإنكار عملهم، وما هو؟ كراهيتهم لاستقبال القبلة، التي كانوا تلقوها عنه ﷺ ، فهل يتفق هذا الإنكار مع هديه ﷺ في التلطف في الإنكار؟ كلا ثم كلا، بل لوأراد ﷺ أن يبدل شيئا من الحكم السابق أو أن ينسخه من أصله لقال لهم كما قال في أمثاله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأو عية فانتبذوا، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها ". أخرجه مسلم وغيره وهو مخرج في " الصحيحة " (٢٠٤٨) .

стр. 1334

فلو أن قوما من أصحاب النبي ﷺ استمروا على العمل بهذا النهي لعدم بلوغ الرخصة إليهم، أفكان ينكر ﷺ عليهم أم يكتفي بتعليمهم؟ لا شك أن الجواب إنما هو تعليمهم فقط، فكذلك الأمر في كراهة الاستقبال، كان يكتفي معهم بتعليمهم، وأما أن ينكر عليهم بقوله " أو قد فعلوها " فإنه شيء ثقيل لا أكاد أتخيل صدوره منه ﷺ ، وقد أراحنا الله تعالى من التصديق به بعد أن علمنا ثبوته بالطريق التي أقام الحجة بها على عباده في تعريفهم بتفاصيل شريعته، وأعني الإسناد. واعلم أن كلامنا هذا إنما هو قائم على أساس ما ذهب إليه بعض العلماء من الاستدلال بالحديث على نسخ النهي عن استقبال القبلة، وأما على افتراض أنه كان قبل النهي عن استقبال القبلة فلا يرد الاستنكار المذكور، وعليه حمل ابن حزم الحديث على فرض صحته فقال (١ / ١٩٧ - ١٩٨) : " ثم لوصح لما كان لهم فيه حجة، لأن نصه يبين أنه إنما كان قبل النهي، لأن من الباطل المحال أن يكون رسول الله ﷺ ينهاهم عن استقبال القبلة بالبول والغائط، ثم ينكر عليهم طاعته في ذلك المجال، هذا ما لا يظنه مسلم ولا ذوعقل، وفي هذا الخبر إنكار ذلك عليهم، لوصح لكان منسوخا بلا شك ". قلت: لكن يرد على هذا الافتراض أنه يبعد أن يكره الصحابة شيئا دون توقيف من رسول الله ﷺ لهم، وافتراض ثبوت ذلك عنهم فيه إساءة الظن بهم وأنهم يشرعون بآرائهم، وهذا ما لا يجوز أن نظنه بهم، ولذلك فالحديث كيف ما أول فهو منكر عندي. والله أعلم. ٩٤٨ - " إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة، أو إذخرة. (يعني المني) ". منكر مرفوعا. رواه الدارقطني (٤٦) والبيهقي (٢ / ٤١٨) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق: أخبرنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: " سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ قال: " فذكره، وقال الدارقطني: " لم يرو هـ غير إسحاق الأزرق عن شريك (يعني مرفوعا) ، محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى ثقة في حفظ شيء ". وقال البيهقي: " ورواه وكيع عن ابن أبي ليلى موقوفا على ابن عباس، وهو الصحيح ". قلت: وهذا وصله الدارقطني: حدثنا محمد بن مخلد: أخبرنا الحساني: أخبرنا وكيع به. ويرجح هذا أنه ورد موقوفا من طريقين آخرين عن عطاء، فقال الشافعي في " سننه " (١ / ٢٤) : أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار وابن جريج كلاهما يخبره عن عطاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال في المني يصيب الثوب، قال:

стр. 1335

" أمطه عنك - قال أحدهما - بعود أو إذخرة، فإنما هو بمنزلة البصاق والمخاط ". قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البيهقي من طريق الشافعي ثم قال: " هذا صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد روي مرفوعا، ولا يصح رفعه ". قلت: وجملة القول أن المرفوع فيه ثلاث علل: الأولى: ضعف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى كما أشار إلى ذلك الدارقطني بقوله " في حفظه شيء " على تسامح منه في التعبير! الثانية: ضعف شريك أيضا وهو ابن عبد الله القاضي، وأستغرب من الدارقطني سكوته عنه هنا، مع أنه قال فيه وقد ساق له حديث وضع الركبتين قبل اليدين عند الهو ي للسجود: " وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به ". (انظر الحديث المتقدم ٩٢٩) . الثالثة: تفرد إسحاق الأزرق بروايته عن شريك مرفوعا، وهو - أعني الأزرق - وإن كان ثقة، فقد خالفه وكيع وهو أو ثق منه، ولذلك رجح روايته البيهقي كما تقدم، لكن يبدو لي أن الراجح صحة الروايتين معا عن شريك، الموقوفة والمرفوعة، وأن هذا الاختلاف إنما هو من شريك أو شيخه ابن أبي ليلى، لما عرفت من سوء حفظهما، فهذا الإعلال أولى من تخطئة إسحاق الأزرق الثقة، وهذا أولى من نصب الخلاف بين الثقتين كما فعل البيهقي من جهة، وابن الجوزي من جهة أخرى، أما البيهقي فقد رجح رواية وكيع على إسحاق، وعكس ذلك ابن الجوزي فقال بعد أن ذكر قول الدارقطني " لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك ": " قلنا إسحاق إمام مخرج عنه في " الصحيحين "، ورفعه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ومن وقفه لم يحفظ ". كذا قال: وقد عرفت أن الصواب تصحيح الروايتين وأن كلا من الثقتين حفظ ما سمع من شريك، وأن هذا أو شيخه هو الذي كان يضطرب في رواية الحديث عن عطاء، فتارة يرفعه، وتارة يوقفه، فسمع الأزرق منه الرفع ، وسمع وكيع منه الوقف، وكل روى ما سمع، وكل ثقة. ومن العجيب أن ابن الجوزي يتغافل عن العلتين الأوليين، ويجادل في العلة الثالثة، وقد عرفت ما في كلامه فيها، ولوسلم له ذلك، فلم يسلم الحديث من العلتين، وأعجب من ذلك أن العلة الأولى قد نبه عليها الدارقطني في جملته التي ذكرنا عنه في أول هذا التحقيق، فلما نقلها ابن الجوزي عنه اقتصر منها على الشطر الأول الذي فيه إعلال الحديث بالوقف، ولم يذكر الشطر الثاني الذي فيه الإشارة إلى العلة الأولى وهي ضعف ابن أبي ليلى! وهذا شيء لا يليق بأهل التحقيق والعلم. ومن الأوهام حول هذا الحديث قول الإمام الصنعاني - في " العدة على شرح العمدة " (١ / ٤٠٤) :
следующие страницы →