خرج رسول الله ﷺ ؛ حتى نزل (خم) (١) ؛ فتنحى الناس عنه، ونزل معه علي بن أبي طالب، فشق على النبي ﷺ تأخر الناس عنه، فأمر علياً فجمعهم. فلما اجتمعوا قام فيهم، وهو متوسد على علي بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال ... فذكره. ثم قال:
"من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم! وال من والاه، وعاد من عاداه". وابتدر الناس إلى رسول الله ﷺ ، يبكون ويتضرعون إليه، ويقولون: يا رسول الله! إنما تنحينا؛ كراهية أن نثقل عليك، فنعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله! فرضي عنهم رسول الله ﷺ عند ذلك. فقال أبو بكر: يا رسول الله! استغفر لنا جميعاً. فقال لهم:
"أبشروا؛ فوالذي نفسي بيده! ليدخلن الجنة من أصحابي سبعون ألفاً بغير حساب، ومع كل ألف سبعون ألفاً، ومن بعدهم مثلهم أضعافاً". قال أبو بكر: يا رسول الله! زدنا - وكان رسول الله ﷺ في موضع رمل -. فحفن بيديه من ذلك الرمل ملء كفيه، ثم قال:
"هكذا". قال أبو بكر: زدنا يا رسول الله! ففعل مثل ذلك ثلاث مرات. فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله! فقال عمر: ومن يدخل النار بعد الذي سمعنا من رسول الله ﷺ ، وبعد ثلاث حنفات من الرمل من الله؟! فضحك رسول الله ﷺ ! فقال: "والذي نفسي بيده! ما يفي بهذا أمتي حتى يوفى عدتهم من الأعراب".
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لسوء حفظ ابن لهيعة.
ونحوه عبد الله بن صالح.
والمتن منكر.
стр. 6722
وحديث غدير (خم) صحيح؛ قد جاء من طرق صحاح ليس فيها هذا المتن، ولا التنحي، ولا الشفاعة.
وقد ذكر الشيعي في "مراجعاته" (ص ١٧٢) نقلاً عن "صواعق ابن حجر": أن ابن السماك أخرج عن أبي بكر مرفوعاً:
"علي مني بمنزلتي من ربي". وسكت عنه كعادته! وما وقفت على إسناده، وما إخاله يصح، والمعروف - ولا يصح - بلفظ:
".. بمنزلة رأسي من بدني".
وقد مضى (٣٩١٤) ، ولعله محرف منه!
٤٩٦٠ - (والذي نفسي بيده! فليقيموا الصلاة، وليؤتوا الزكاة، أو لأبعثن إليهم رجلاً مني - أو كنفسي -؛ فليضربن أعناق مقاتليهم، وليسبين ذراريهم. فأخذ بيد علي فقال: هذا هو) .
ضعيف
أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١/ ٢٤٤) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن طلحة عن المطلب بن عبد الله عن مصعب بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عوف قال:
لما افتتح رسول الله ﷺ مكة؛ انصرف إلى الطائف فحاصرها تسع عشرة أو ثمان عشرة لم يفتحها، ثم أوغل روحة أو غدوة، [نزل] ، ثم هجر؛ فقال:
"أيها الناس! إني فرط لكم، وأوصيكم بعترتي خيراً، وإن موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده ... ". قال:
فرأى الناس أنه أبو بكر أو عمر؛ فأخذ ...
стр. 6723
ومن طريق عبيد الله بن موسى: أخرجه البزار (٣/ ٢٢٣-٢٢٤) .
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ طلحة هذا: هو ابن جبر؛ أورده ابن أبي حاتم (٢/ ١/ ٤٨٠) ، وروى عن ابن معين أنه قال فيه:
"لا شيء". وزاد في "الميزان":
"وقال مرة: ثقة. وهاه الجوزجاني فقال: غير ثقة". زاد في "اللسان":
"وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الطبري: لا تثبت بنقله حجة".
قلت: والمطلب بن عبد الله صدوق، لكنه كثير التدليس والإرسال، كما قال الحافظ، وقد أرسله في رواية كما يأتي.
وشيخه مصعب بن عبد الرحمن - وهو ابن عوف - غير معروف، وقد أورده ابن أبي حاتم (٤/ ٣٠٣/ ١) برواية المطلب هذا عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
وأما قول الهيثمي (٩/ ١٣٤) :
"رواه أبو يعلى، وفيه طلحة بن جبر؛ وثقه ابن معين في رواية، وضعفه الجوزجاني؛ وبقية رجاله ثقات"!
وأورده في موضع آخر (٩/ ١٦٣) ، فقال:
"رواه البزار (١) ، وفيه طلحة بن جبر، وهو ضعيف"!
فأقول: الظاهر أن مصعباً هذا أورده ابن حبان في "الثقات"؛ فاعتمده الهيثمي، وهذا ليس بجيد؛ لما عرف من تساهل ابن حبان في التوثيق! على أن كتاب "الثقات" لا تطوله يدي الآن للتحقق من ورود مصعب فيه.
стр. 6724
ثم رأيته فيه (٥/ ٤١١) ، وقال:
"روى عنه أهل المدينة. قتل يوم الحرة سنة (٦٣) ، وكان على قضاء مكة".
وقد خولف ابن جبر في إسناده ومتنه، فقال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٣/ ١١٠٩-١١١٠) :
"وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: قال رسول الله ﷺ لوفد ثقيف حين جاءه:
"لتسلمن أو لأبعثن رجلاً مني - أو قال: مثل نفسي -؛ فليضربن أعناقكم، وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم". قال عمر: فوالله! ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب صدري له؛ رجاء أن يقول: هو هذا. قال: فالتفت إلى علي ﵁؛ فأخذ بيده ثم قال:
"هو هذا".
قلت: وهذا إسناد صحيح؛ ولكنه مرسل.
وإني لأستنكر منه قوله: "قال عمر: فوالله.... رجاء أن يقول: هو هذا".
فإن هذا إنما قاله عمر يوم خيبر؛ حين قال ﷺ :
"لأعطين الراية ... "؛ قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. قال: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ... الحديث.
رواه مسلم (٧/ ١٢١) من حديث أبي هريرة.
ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى؛ من رواية يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيغ عن أبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 6725
"لينتهين بنو ربيعة؛ أو لأبعثن عليهم رجلاً كنفسي، ينفذ فيهم أمري؛ فيقتل المقاتلة ويسبي الذرية".
فما راعني إلا وكف عمر في حجزي من خلفي: من يعني؟ قلت: إياك يعني وصاحبك؟! قال: فمن يعني؟ قلت: خاصف النعل قال: وعلي يخصف النعل.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ لكن أبا إسحاق - وهو السبيعي - مدلس، وكان اختلط، وابنه يونس روى عنه بعد اختلاطه.
(تنبيه) : حديث الترجمة؛ عزاه في "الكنز" (٦/ ٤٠٥) لابن أبي شيبة، وقد رأيت أن أبا يعلى قد أخرجه من طريقه، فعرفنا بواسطته إسناده الذي تمكنا به معرفة ضعف الحديث وعلته. فالحمد لله على توفيقه.
ثم رأيته في "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/ ٨٥/ ١٢١٨٦) .
ورواه (١٢/ ٦٨/ ١٢١٤٢) مختصراً عن شريك عن عياش العامري عن عبد الله ابن شداد قال:
قدم على رسول الله ﷺ وفد أبي سرح من اليمن، فقال لهم رسول الله ﷺ ... فذكر نحوه.
وهذا مرسل ضعيف.
٤٩٦١ - (يا أيها الناس! إني قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله، وإني لأظن أني موشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول، وإنكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وجهدت ونصحت، فجزاك الله خيراً. فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله،
стр. 6726
وأن جنته حق، وناره حق، وأن الموت حق، وأن البعث حق بعد الموت، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: اللهم! اشهد. ثم قال:
أيها الناس! إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه - يعني: علياً ﵁. اللهم! وال من ولاه. وعاد من عاداه. ثم قال:
يا أيها الناس! إني فرطكم، وإنكم واردون علي الحوض: حوض ما بين بصري إلى صنعاء، فيه عدد النجوم قدحان من فضة. وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين؛ فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثقل الأكبر: كتاب الله ، سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به؛ لا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي؛ فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضا حتى يردا علي الحوض".
ضعيف
أخرجه الطبراني في "الكبير" (١/ ١٤٩/ ٢) ، وابن عساكر (١٢/ ١١٤/ ١-٢) عن زيد بن الحسن الأنماطي: أخبرنا معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال:
لما صدر رسول الله ﷺ من حجة الوداع؛ نهى أصحابه عن شجرات بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا تحتهن، ثم بعث إليهن، فقم ما تحتهن من الشوك، وعمد إليهن فصلى تحتهن، ثم قام فقال ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل الأنماطي هذا؛ قال أبو حاتم:
стр. 6727
"منكر الحديث".
وأما ابن حبان؛ فذكره في "الثقات"!
ولم يعبأ به الحافظ؛ فقال في "التقريب":
"ضعيف".
والحديث؛ أورده الهيثمي (٩/ ١٦٤-١٦٥) من رواية الطبراني بهذا التمام من حديث حذيفة بن أسيد، وأعله بالأنماطي هذا؛ إلا أنه حكى قول أبي حاتم وابن حبان فيه.
وأما الشيعي؛ فقد صدر الحديث بقوله (ص ١٨٧) :
"أخرج الطبراني وغيره بسند مجمع على صحته عن زيد بن أرقم قال ... " فذكره بتمامه؛ إلا أنه اختصر كلمات من أوله.
قلت: وفي كلام الشيعي هذا على قصره خطيئتان - ولا أقول: خطآن -:
الأولى: قوله: "بسند مجمع على صحته"! فهذا كذب بواح؛ فإن مثل هذه الدعوى لا يمكن إثباتها حتى من عالم ثقة متخصص في علم الحديث، فكيف ومدعيها ليس في العير ولا في النفير؟! بل هو ممن بلونا منه الكذب الكثير، كما سبق بيانه مراراً.
ومن الدليل على ذلك: أنه لما أراد أن يثبت هذه الدعوى الكاذبة في الحاشية؛ لم يزد على أن أضاف إليها دعوى كاذبة أخرى، فقال:
"صرح بصحته غير واحد من الأعلام؛ حتى اعترف بذلك ابن حجر.. في الصواعق ص ٢٥"!
стр. 6728
قلت: فلم يستطع أن ينقل عن أحد صحته إلا ابن حجر المذكور، وليس هو الحافظ العسقلاني، وإنما هو الهيتمي الفقيه. ومع الأسف؛ فقد صرح هذا في الكتاب المذكور بأن سند الطبراني صحيح!
وهذا لا يقبل من مثله؛ لأنه ليس من أهل المعرفة بالتصحيح والتضعيف، لا سيما وفيه ذلك الأنماطي الذي جزم العسقلاني - كما سبق - بأنه ضعيف، فأنى لإسناده الصحة، بل الإجماع عليها؟!
والأخرى: جعله الحديث من رواية زيد بن أرقم، وإنما هو من رواية حذيفة ابن أسيد كما رأيت! والظاهر أنه تعمد تغيير صحابي الحديث تضليلاً؛ فإنه يفعل مثله أو نحوه كثيراً! عامله الله بما يستحق!
واعلم أن الكلام إنما هو في خصوص هذا الإسناد الذي جاء بهذا السياق، فلا يعترضن أحد علينا بأن حديث (الغدير) قد جاء من طرق كثيرة؛ فهو صحيح قطعاً! فإننا نقول:
نعم؛ هو صحيح في الجملة؛ إلا أن طرقها تختلف متونها اختلافاً كثيراً، فما اتفقت عليه من المتن فهو صحيح، ومن ذلك قوله:
"من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم! وال من ولاه وعاد من عاداه". وله طرق صحيحة قد كنت جمعت قسماً كبيراً منها في "الصحيحة" (١٧٥٠) .
وما اختلف عليه منه؛ فالمرجع حينئذ إلى الإسناد؛ فإن صح فبها، وإن لم يصح فلا.
ولا يجوز حينئذ تصحيح هذا النوع - كما يفعل الشيعي - بالنوع الأول، كما هو ظاهر لا يخفى على أولي النهى؛ فإن أهل الأهواء كثيراً ما يستغلون الحديث
стр. 6729
الضعيف إسناده؛ لأن له سياقاً خاصاً لم يرد في الأسانيد الصحيحة، ثم يزعمون أن الحديث صحيح، ويعنون أصله، وهم يستدلون بذلك على السياق الخاص!!
ثم اعلم أن الحديث؛ قد روى مسلم (٧/ ١٢٢-١٢٣) من طريق أخرى طرفاً منه من حديث يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال:
قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً بماء يدعى: (خماً) - بين مكة والمدينة - فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر؛ ثم قال:
"أما بعد: ألا أيها الناس؛ فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين؛ أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به". فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال:
"وأهل بيتي؛ أذكركم الله في أهل بيتي؛ أذكركم الله أهل بيتي" (ثلاثاً) .
وهكذا أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٦-٣٦٧) .
وأخرجه النسائي في "الخصائص" (ص ١٥) ، والحاكم (٣/ ١٠٩) من طريق الأعمش: حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد به نحوه، وزاد:
"فانظروا كيف تخلفوني فيهما؛ فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض". ثم قال:
"إن الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن". ثم إنه أخذ بيد علي ﵁ فقال:
"من كنت وليه فهذا وليه، اللهم! وال من والاه، وعاد من عاداه". وزاد الحاكم:
стр. 6730
"فذكر الحديث بطوله". وقال:
"صحيح على شرط الشيخين"! وسكت عنه الذهبي!
وأقول: هو كما قال؛ لولا أن حبيب بن أبي ثابت مدلس، وقد عنعنه.
وقد اختلف عليه في إسناده: فروي عنه هكذا.
وروي عنه عن زيد بن أرقم به دون قوله:
"إن الله مولاي ... " إلخ.
أخرجه الترمذي من طريق الأعمش أيضاً عن عطية عن أبي سعيد، والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد به ... فأسقط من بينهما أبا الطفيل.
أخرجه الترمذي (٢/ ٣٠٨) . وقال:
"حسن غريب".
وأخرجه أحمد (٣/ ١٧،٢٦) من هذا الوجه بأتم منه.
وقول الشيعي (ص ٢٠) أنه أخرجه من طريقين ... من أكاذيبه!
ثم أخرجه الحاكم (٣/ ٥٣٣) من طريق كامل أبي العلاء: سمعت حبيب ابن أبي ثابت يخبر عن يحيى بن جعدة عن زيد بن أرقم قال:
خرجنا مع رسول الله ﷺ ؛ حتى انتهينا إلى غدير (خم) ، فأمر بروح، فكسح في يوم ما أتى علينا يوم كان أشد حراً منه، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
"يا أيها الناس! إنه لم يبعث نبي قط إلا عاش نصف ما عاش الذي كان قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم ما لن تضلوا بعده: كتاب
стр. 6731
الله "، ثم قام فأخذ بيد علي ﵁ فقال:
"يا أيها الناس! من أولى بأنفسكم؟! " قالوا: الله ورسوله أعلم! قال:
"من كنت مولاه؛ فعلي مولاه". وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي!
وأقول: وهو كما قالا؛ لولا عنعنة حبيب.
على أن كاملاً أبا العلاء - وإن كان من رجال مسلم -؛ ففي حفظه ضعف، كما أشار إلى ذلك الحافظ بقوله:
"صدوق يخطىء".
فمخالفة مثله للأعمش مما يتوقف فيه.
على أن حديثه في الجملة - أو غالبه - صحيح؛ لأنه ثابت في الطرق والأحاديث الأخرى؛ إلا ما يتعلق بالبعث؛ فعندي فيه وقفة الآن؛ فإن جاء له شاهد معتبر به تقوى به.
وقد جاء هذا في حديث زيد هذا من رواية الطبراني، ساقه الهيثمي (٩/ ١٦٣-١٦٤) بأتم من رواية الحاكم؛ إلا أنه أعله بأن فيه حكيم بن جبير؛ وهو ضعيف. وقد نقلت عنه فيما تقدم طرفاً منه (رقم: ٤٩١٤) .
(تنبيه) : يكشف لك هذا التخريج أن حديث الغدير قد اختلف رواته - قبل مخرجيه من الأئمة - في سياقه؛ فمنهم المطول، ومنهم المختصر.
فمن جنف الشيعي وحيفه وطغيانه وحقده على أئمة السنة؛ قوله - بعد أن ساق بعض الروايات فيه - ومنها رواية النسائي عن زيد -؛ قال (ص ١٩٠) :
стр. 6732
"وهذا الحديث؛ أخرجه مسلم من عدة طرق (١) عن زيد بن أرقم، لكنه اختصره فبعثره - وكذلك يفعلون -"!!
كذا قال! فض الله فاه! ما أقل حياءه! فما الذي حمله على اتهام الإمام مسلم بأنه هو الذي اختصره - إن كان هناك اختصار مقصود - دون من فوقه من رواته؟! وكيف يصح اتهامه إياه بذلك، وهذا الإمام أحمد قد رواه أيضاً مثل روايته مختصراً؟!
ثم ماذا يقول عن النسائي وغيره ممن أخرج الحديث من طرق أخرى؛ يزيد بعضهم على بعض، وينقص بعضهم عن بعض، وخصوصاً الترمذي في روايته، أكل هؤلاء اختصروا الحديث وبتروه؟!
بل ماذا يقول هذا الشيعي الجائر في صنيع الحاكم نفسه - وهو المتهم بالتشيع الصريح - بأنه اختصر الحديث بقوله المتقدم:
".. فذكر الحديث بطوله"؟!
أليس الحاكم هو الأولى بأن يتهم باختصار الحديث من مسلم، لو كان الاختصار تهمة؟! ولكن صدق رسول الله ﷺ :
"إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
ومن تقادير الله اللطيفة: أنه كشف عن أن الأمر الذي اتهم الشيعي الإمام مسلماً به: إنما هو صنيع الشيعي نفسه، فهو الذي يختصر الروايات ويبترها؛ لهوى في نفسه؛ فإنه - بعد أن صعن في الإمام تلك الطعنة الفاشلة - قال:
стр. 6733
"وعن سعد أيضاً قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فلما بلغ غدير (خم) ؛ وقف للناس ... ".
قلت: فذكر الحديث؛ وهو صحيح المتن ضعيف السند؛ لأن فيه راوياً فيه جهالة. ومع ذلك فقد وقع في سياقه ما يدل على ضعف راويه، وهو قوله في أوله:
كنا مع رسول الله ﷺ بطريق مكة وهو متوجه إليها، فلما بلغ ... الحديث (١) .
هكذا نصه عند مخرجه النسائي الذي عزاه الشيعي إليه. ومع ذلك؛ حذف منه قوله:
بطريق مكة وهو متوجه إليها! دون أن ينبه على ذلك؛ لأنه لو فعل خشي أن يتسرب إلى بعض القراء الشك في صحة أصل الحديث! ولكنه لجهله بهذا العلم؛ لا يستطيع أن يدفع الشك المشار إليه بمثل أن يقال: أصل الحديث صحيح!
وأما قوله: وهو متوجه إليها ... فهو خطأ من بعض رواته؛ لأن الطرق الأخرى في حديث زيد وغيره متفقة على أن ذلك كان مرجعه من حجة الوداع. وقد ذكر الشيعي نفسه بعض الروايات في ذلك (ص ١٨٨،١٨٩) .
وبهذا يتبين أنه قد صدق في الشيعي المثل السائر: (رمتني بدائها وانسلت) !!
واعلم أن من الاستغلال الذي أشرت إليه فيما سبق: أن حديث الغدير؛ أورده الشيعي (١٩٠) من رواية الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب من طريقين - كذا قال -، فذكره، وزاد - بعد قوله ﷺ : "وعاد من عاداه" -:
قال: فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئاً يا ابن أبي طالب! أصبحت
стр. 6734
وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة!!
قلت: ليس في حديث البراء هذا زيادة أخرى على الأحاديث الأخرى التي ساقها الشيعي، فهو إنما ساقه من حديثه من أجل هذه الزيادة!
وهي مما لا يصح في حديث الغدير الصحيح؛ فإن الإمام أحمد أخرجه في الصفحة التي ذكرها الشيعي نفسه (٤/ ٢٨١) من طريق حماد بن سلمة: أنبأنا علي ابن زيد عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب به.
قلت: وعلي بن زيد - وهو ابن جدعان - ضعيف؛ كما تقدم مراراً.
ومن طريقه: أخرجه ابن عساكر أيضاً (١٢/ ١١٤/ ٢) ، وكذا ابن ماجه (١١٦) ؛ ولكنه لم يذكر هذه الزيادة.
ولعله تعمد حذفها إشارة منه إلى نكارتها؛ لتفرد ابن جدعان بها في هذه الطريق.
نعم؛ تابعه عليها - عند ابن عساكر - أبو هارون العبد ي.
ولكنه شر منه؛ فإنه متهم بالكذب.
ومما يؤكد نكارة هذه الزيادة: ما رواه أبو إسحاق عن البراء وزيد بن أرقم قالا ... الحديث دون الزيادة.
أخرجه ابن شاهين في "السنة" (رقم ١٢ - منسوختي) ، وابن عساكر (١٢/ ١١٥/ ١) .
(تنبيه) : قول الشعي فيما تقدم:
إن الحديث رواه أحمد من طريقين عن البراء بن عازب!
стр. 6735
فهو من أكاذيبه التي لا تتناهى؛ فإنما هو عنده من طريق ابن جدعان فقط؛ كما سبق.
قلت: ومن ذلك الاستغلال؛ قول الشيعي (ص ١٩٥) :
"ورب قوم أقعدهم البغض عن القيام بواجب الشهادة؛ كأنس بن مالك"!!
قلت: يشير بالشهادة إلى مناشدة علي ﵁ من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير (خم) ما قال، فقام جمع فشهدوا، فزعم الشيعي - عامله الله بما يستحق - أن أنساً ﵁ أقعده البغض عن القيام بتلك الشهادة!!
وكذب عدو الله! فما كان لأنس - وهو الذي خدم رسول الله ﷺ عشر سنين، ودعا له رسول الله ﷺ خيراً - أن يكتم الشهادة!
والشيعي - في زعمه الكاذب هذا - إنما استدل عليه بروايتين:
الأولى: وعم أن علياً ﵁ قال لأنس: ما لك لا تقوم مع أصحاب رسول الله ﷺ ، فتشهد بما سمعته يؤمئذ منه؟! فقال: يا أمير المؤمنين! كبرت سني ونسيت. فقال علي: إن كنت كاذباً؛ فضربك الله ببيضاء لا تواريها العمامة! فما قام حتى ابيض وجهه برصاً. فكان بعد ذلك يقول: أصابتني دعوة العبد الصالح.
قلت: وهذه رواية شيعية تقطر فرية وإثماً! وهي من رواياتهم الكثيرة التي لا سنام لها ولا خطام، والشيعي نفسه لم ينسبها إلى أي مرجع من مراجع السنة.
أما من كتب أهل السنة؛ فلأنه لا أصل لها في شيء منها.
وأما من كتب الشيعة؛ فكأنه لم يعزه إلى شيء منها؛ لعلمه بأن عزو مثل هذه الرواية إلى كتاب إنما هو فضيحة لها!
стр. 6736
وعلى كل حال؛ فليس الشاهد فيها؛ وإنما في الرواية السنية الآتية:
الثانية: قال:
"ويشهد لها ما أخرجه الإمام أحمد في آخر (ص ١١٩) من الجزء الأول من "مسنده"؛ حيث قال: فقاموا إلا ثلاثة لم يقوموا؛ فأصابتهم دعوته"!!
فأقول: والجواب من وجوه:
الأول: أن عزوها للإمام أحمد خطأ؛ سببه الجهل بكتب السنة؛ فإن الشيعي يظن أن كل ما في "مسند أحمد" هو من روايته، وليس الأمر كذلك عند أهل العلم، وليس هذا مجال بسط ذلك؛ وإنما هي من رواية ابنه عبد الله عن غير أبيه؛ فقد قال عبد الله في "مسند أبيه" - في المكان الذي أشار إليه الشيعي -: حدثنا أحمد ابن عمر الوكيعي: حدثنا زيد بن الحباب: حدثنا الوليد بن عقبة بن نزار العنسي: حدثني سماك بن عبيد بن الوليد العنسي قال: دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى فحدثني:
أنه شهد علياً ﵁ في الرحبة قال: أنشد الله ...
قلت: فذكر ما أشرنا إليه آنفاً؛ وزاد في آخره:
"وانصر من نصره، واخذل من خذله. فقام (كذا) إلا ثلاثة لم يقوموا؛ فدعا عليهم؛ فأصابتهم دعوته"!
الثاني: أن الاحتجاج بهذه الزيادة التي في آخر هذه الرواية؛ إنما يجوز إذا كان إسنادها ثابتاً؛ وهيهات هيهات؛ فإن فيه - كما رأيت - الوليد بن عقبة بن نزار العنسي؛ وهو مجهول كما قال الحافظ. وقال الذهبي:
"لا يعرف".
стр. 6737
وقد خالفه يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به دون هذه الزيادة.
وخالفه كل من روى قصة المناشدة هذه عن علي ﵁؛ وهم جمع من التابعين: عند أحمد (١/ ٨٤،١١٨،١١٩) ، والنسائي (ص ١٦،١٧،١٨،٢٩) ، وابن عساكر (١٢/ ١١٠/ ٢-١١٣/ ١) ؛ كل هؤلاء لم يذكروا الزيادة المتضمنة للاستثناء.
الثالث: هب أن الاستثناء المشار إليه ثابت في القصة؛ فليس فيه تسمية الثلاثة الذين لم يقوموا؛ فأصابتهم دعوة علي ﵁؛ فضلاً أن يكون قد سمي منهم أنس بن مالك ﵁.
الرابع: هب أنهم سموا، فليس فيه تعيين ما أصابهم من دعوته.
ومن البدهي: أنه يجوز تعيين الاسم والدعوة بمثل تلك الرواية الشيعية الجائرة؛ لأنها بمنزلة الرواية الإسرائيلية التي يراد تفسير النص الشرعي الثابت بها!
وهذا باطل لا يخفى!
ومن ذلك أيضاً: ما ذكره (ص ٢٠٠) قال:
"مما أخرجه أبو إسحاق الثعلبي في تفسير سورة المعارج بسندين معتبرين (!) :
أن رسول الله ﷺ لما كان يوم غدير (خم) ؛ نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي، فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، فشاع ذلك فطار في البلاد، وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فأتى رسول الله ﷺ على ناقة له، فأناخها ونزل عنها وقال: يا محمد! أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقبلنا منك، وأمرتنا أن نصلي خمساً، فقبلنا منك، وأمرتنا بالزكاة، فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم رمضان، فقبلنا، وأمرتنا بالحج، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن
стр. 6738
عمك تفضله علينا؛ فقلت: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، فهذا شيء منك أم من الله؟! فقال ﷺ : "فوالله الذي لا إله إلا هو! إن هذا لمن الله ". فولى الحارث يريد راحلته وهو يقول: اللهم! إن كان ما يقول محمد حقاً؛ فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم! فما وصل إلى راحلته حتى رماه اله سبحانه بحجر سقط على هامته، فخرج من دبره فقتله، وأنزل الله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله ذي المعارج) ، انتهى الحديث بعين لفظه"!!
قلت: فهذا السياق باطل، لا يشك في ذلك من عنده ذرة من علم بعلم الحديث والتفسير، وبيانه من وجوه:
الأول: أن قوله: إن كان هذا هو الحق من عندك ... إنما هو من قول أبي جهل - لعنه الله - كما رواه البخاري في "صحيحه". وهذا أصح مما روى الحاكم (٢/ ٥٠٢) عن سعيد بن جبير: أنه النضر بن الحارث بن كلدة؛ لأن هذا مرسل.
الثاني: أن آية: (سأل سائل بعذاب واقع) إلى آخر السورة مكية؛ فكيف يصح القول بأنها نزلت في (خم) بعد رجوعه من حجة الوداع؟!
وقد روى جمع - منهم ابن الضريس - عن ابن عباس قال:
نزلت سورة (سأل) بمكة.
وروى ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وروى الحاكم في مرسل سعيد بن جبير المتقدم:
أن الذي سأل هو النضر بن الحارث.
стр. 6739
فهذا كله يبطل ما عزاه الشيعي إلى الثعلبي.
الثالث: أن روايات الغدير - ما صح منها وما لم يصح -؛ لم يرد في شيء منها هذا التفصيل الذي تضمنته رواية الثعلبي هذه.
وأما قول الشيعي: "بسندين معتبرين"! فهو غير مصدق في ذلك؛ لكثرة ما بلونا عليه من الكذب، ولجهله بهذا العلم الشريف! وكثيراً ما يكون الحديث جاء من طريق واحدة يرويها صحابي واحد، وعنه تابعي واحد، وعنه تابع تابعي واحد، ثم تتعدد الطرق من تحته، فيقول الشيعي:
"من طريقين أو طرق"!
انظر - على سبيل المثال - التعليق المتقدم على (ص ٦٨٥) من هذا الحديث؛ تر عجباً.
ومن ذلك قوله (ص ٣٨) - مشيراً إلى هذه القصة الباطلة -:
"أخرج الإمام الثعلبي في "تفسيره" هذه القضية مفصلة.... وأخرجها الحاكم في تفسير المعارج من "المستدرك" فراجع صفحة (٥٠٢) من جزئه الثاني"!!
وأنت إذا رجعت إلى المكان المشار إليه من "المستدرك"؛ لا تجد للقصة أو القضية - على تعبيره - ذكراً، بل تجد ما يدل على نقيضها، وهو مرسل سعيد بن جبير الذي سبق! وسياقه هكذا: ... عن سعيد بن جبير: (سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله ذي المعارج) : ذي الدرجات. (سأل سائل) قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة؛ قال: اللهم! إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) .
стр. 6740
قلت: فهذا هو نص القضية التي أحال عليها الشيعي؛ فهل تجد فيه أن الآية نزلت فيمن جحد ولاية علي ﵁؟! وأن الذي قال: اللهم! إن كان ... ونزب فيه (سأل) هو الحارث بن النعمان الذي جاء في القصة الباطلة؟! أم تجد فيه أنه النضر بن الحارث بن كلدة؟!
فماذا يستطيع الإنسان أن يقول في مثل هذا الشيعي الذي لا يتورع عن الكذب وعن تضليل القراء؟! فإلى الله المشتكى!
ومن ذلك أيضاً قوله (ص ٢٠٨) :
"وقيل لعمر - فيما أخرجه الدارقطني -: إنك تصنع لعلي شيئاً لا تصنعه بأحد من أصحاب النبي ﷺ ؟ فقال: إنه مولاي"!!
قلت: نقله الشيعي عن كتاب "الصواعق" للهيتمي (ص ٢٦) ؛ وقد سكتا عليه! فبئس ما صنعا!!
فقد أخرجه ابن عساكر (١٢/ ١١٩/ ١) من طريق الدارقطني بسنده عن سعيد بن محمد الأسدي: أخبرنا حسين الأشقر عن قيس عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال: قيل لعمر ...
قلت: فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علل:
الأولى: الانقطاع؛ فإن سالماً لم يدرك عمر ﵁.
الثانية: حسين - وهو ابن الحسن الأشقر -؛ فإنه - على ضعفه - من غلاة الشيعة، وقد كذبه بعضهم.
стр. 6741
الثالثة: سعيد بن محمد الأسدي؛ إن لم يكن هو الوراق الثقفي الكوفي؛ فلم أعرفه.
والثقفي مضى له ذكر في الحديث (٤٨٩٥) .
٤٩٦٢ - (لكل نبي وصي ووارث، وإن علياً وصيي ووارثي) .
موضوع
أخرجه ابن عدي - في ترجمة شريك بن عبد الله من "الكامل" (ق ١٩٣/ ١) - من طريق علي بن سهل: حدثنا محمد بن حميد: حدثنا سلمة: حدثني محمد بن إسحاق عن شريك بن عبد الله عن أبي ربيعة الإيادب عن ابن بريدة عن أبيه مرفوعاً.
وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" بإسناده عن البغوي: حدثنا محمد بن حميد الرازي: حدثنا علي بن مجاهد: حدثنا محمد بن إسحاق به. وقال:
"الرازي؛ كذبه أبو زرعة وغيره".
أورده السيوطي في "اللآلىء" (١/ ١٨٦) ؛ وزاد:
"قلت: قال الجورقاني: هذا حديث باطل. وفي إسناده ظلمات: علي بن مجاهد؛ كان يضع الحديث. ومحمد بن حميد؛ كذبه صالح وغيره".
قلت: وقد اختلف شيخ الرازي - في رواية ابن عدي عنه - عن شيخه في رواية البغوي كما ترى -؛ فهو سلمة - وهو ابن الفضل - في رواية الأول، وهو علي ابن مجاهد في رواية الآخر.
ولعل ذلك من تخاليط الرازي أو أكاذيبه.
وقد تابعه في روايته عن سلمة: أحمد بن عبد الله الفرياناني فقال: حدثنا سلمة بن الفضل به.
стр. 6742
رواه ابن الجوزي في "الموضوعات". وقال:
"الفرياناني يضع".
وأقره السيوطي في "اللآلىء"، ثم ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٣٥٦-٣٥٧) .
قلت: ولعله سرقه من الرازي أو العكس؛ وهذا أقرب؛ فقد جاء عن غير واحد أن ابن حميد كان يسرق الحديث، كما قال الذهبي.
وعلى كل حال؛ فهما آفة الحديث.
وإن كان سلمة بن الفضل فيه ضعف من قبل حفظه.
وابن إسحاق من جهة عنعنته؛ فإنه مدلس.
وشريك؛ لسوء حفظه.
لكن الذهبي رفع العهدة عنه، فقال عقب الحديث - وقد ساقه من طريق الرازي عن سلمة به -:
"قلت: هذا كذب، ولا يحتمله شريك".
قلت: وأشار إلى الآفة هو الرازي؛ حيث قال عقب اسمه في سند الحديث:
"وليس بثقة".
(تنبيه) قلت: نقل الشيعي في "مراجعاته" (ص ٢٢٤) قول الذهبي المذكور بشيء من الخبث والمكر، ثم قال:
"والجواب: أن الإمام أحمد بن حنبل والإمام أبا القاسم البغوي والإمام ابن
стр. 6743
جرير الطبري وإمام الجرح والتعديل ابن معين وغيرهم من طبقتهم، وثقوا محمد ابن حميد ورووا عنه؛ فهو شيخهم ومعتمدهم؛ كما يعترف به الذهبي في ترجمة محمد بن حميد من (الميزان) "!!
قلت: فيه أنواع من الكذب والتدليس:
أولاً: قوله: "وثقوا محمد بن حميد"!! كذب بهذا التعميم؛ فإن أحداً من المذكورين لم يصرح بتوثيقه؛ سوى بن معين، مع مخالفة الأئمة الآخرين إياه كما يأتي.
نعم؛ سائر المذكورين رووا عنه، ولا يلزم من ذلك أنه ثقة عندهم، كما هو معلوم عند العارفين بهذا الشأن. فهذا ابن خراش من الرواة عنه يقول فيه:
"حدثنا ابن حميد، وكان - والله - يكذب". وقال صالح جزرة:
"كنا نتهم ابن حميد في كل شيء يحدثنا؛ ما رأيت أجرأ على الله منه؛ كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض"!
نعم؛ قد أثنى الإمام أحمد عليه خيراً، ولكن هذا ليس نصاً في التوثيق أيضاً؛ لاحتمال أنه لشيء آخر، وهو الحفظ والعلم مثلاً، وهذا هو الذي رواه ابنه عبد الله عنه، فقال عبد الله عن أبيه:
"لا يزال بالري علم؛ ما دام محمد بن حميد حياً".
ثم هب أنه يلزم من كل ذلك أنهم وثقوه؛ فمن المحتمل أن ذلك كان منهم قبل أن يتبين لهم كذبه الذي عرفه منه الآخرون من الأئمة؛ فقد قال أبو علي النيسابوري:
стр. 6744
"قلت: لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد؛ فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه؟ فقال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه؛ ما أثنى عليه أصلاً".
قلت: ومن المحتمل أن أولئك الأئمة الذين رووا عنه لم يستمروا على الرواية عنه؛ فهذا داود بن يحيى يقول:
"حدثنا عنه أبو حاتم قديماً، ثم تركه بآخرة".
ثانياً: هب أن الشيعي صادق فيما نقله من التوثيق؛ فذلك غير كاف للرد على قول الذهبي:
"ليس بثقة"؛ لأن الشيعي يعلم أن في مقابل التوثيق تكذيباً صدر من أئمة آخرين، فلا بد حينئذ من الترجيح، ومن المعلوم أيضاً أن التكذيب جرح مفسر، فهو مقدم على التوثيق! هذا في قواعدنا نحن معاشر أهل السنة. وأما الشيعة؛ فلست أعلم مذهبهم في ذلك وإن كان لا يعقل غير ما عليه أهل السنة.
وهب أن الأمر كذلك عندهم؛ فذلك مما لا ينفع معهم؛ لأنهم إنما يتبعون أهواءهم، وقاعدة الغربيين: (الغاية تبرر الوسيلة) !!
ثالثاً: هب أن الرازي هذا ثقة على مذهب الشيعي؛ فهل يلزم منه أن يكون من فوقه من رجال الإسناد ثقات أيضاً؟! مع أننا قد سبق أن بينا أن الأمر ليس كذلك!
ثم هب أنهم ثقات؛ فهل بمجرد ذلك يصح الإسناد؛ أم لا بد من سلامته من كل علة قادحة؟!
стр. 6745
لعل الشيعي يعرف هذه الحقائق، ثم هو يتجاهلها للقاعدة السابقة: (الغاية تبرر الوسيلة) !
ومن أجل ذلك؛ تراه يتجاهل حكم الأئمة الآخرين على الحديث بالوضع؛ كالجورقاني، وابن الجوزي، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وابن عراق!
رابعاً: قوله: "فهو شيخهم ومعتمدهم، كما يعترف به الذهبي ... "! كذب على الذهبي؛ فإنه لم يذكر لفظ: "معتمدهم" أصلاً، وإنما زادها الشيعي من عند نفسه زوراً وتضليلاً، فعليه من الله مايستحق!
٤٩٦٣ - (ألا قلت: فكيف تكونان خيراً مني؛ وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى؟!) .
ضعيف
أخرجه الترمذي (٢/ ٣٢٣) ، والحاكم (٤/ ٢٩) عن هاشم بن سعيد الكوفي: حدثنا كنانة قال: حدثتنا صفية بنت حيي قالت:
دخل علي رسول الله ﷺ ؛ وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك له فقال ... فذكره.
وكان الذي بلغها أنهم قالوا: نحن أكرم على رسول الله ﷺ منها، وقالوا: نحن أزواج النبي ﷺ وبنات عمه.
هذا لفظ الترمذي. وقال:
"حديث غريب، لا نعرفه من حديث ضفية إلا من حديث هاشم الكوفي، وليس إسناده بذلك القوي".
قلت: وقال الحافظ في "التقريب":
стр. 6746
"ضعيف".
قلت: وكنانة مولى صفية؛ لم يوثقه غير ابن حبان. لكن روى عنه جمع. وقال الحافظ:
"مقبول" (١) !
وقد ذكر الحافظ في ترجمته من "التهذيب" أن الحديث رواه ابن عدي من طريق يزيد بن مغلس الباهلي: حدثنا كنانة بن نبيه مولى صفية ... فذكر الحديث.
قلت: وهذا ظاهره أن يزيد بن المغلس تابع هاشم بن سعيد. وحينئذ يتقوى الحديث بمتابعته.
ولكني أرى أن في إسناد ابن عدي انقطاعاً أو سقطاً؛ فإن ابن المغلس إنما يروي عن مالك وطبقته من أتباع التابعين، فمثله لم يدرك أحداً من التابعين قطعاً، وكنانة منهم.
ويؤيده أنهم ذكروا في شيوخ يزيد هذا هاشم بن سعيد الراوي للحديث عن كنانة، فالظاهر أنه هو الساقط بين يزيد وكنانة. والله أعلم.
والحديث؛ بيض له الحاكم والذهبي، ولعل ذلك لظهور ضعفه.
وأشار إلى ذلك ابن عبد البر في ترجمة صفية من "الاستيعاب" (٤/ ١٨٧٢) بقوله:
"ويروى أن رسول الله ﷺ دخل على صفية ... " فذكره.
стр. 6747
وتجاهل الشيعي في "مراجعاته" (ص ٢٣٩) ضعف الحديث، فاستدل به على أن عائشة ﵂ ليست أفضل من صفية وسائر زوجاته ﷺ .
ومن غرائب جهله أو تجاهله: أنه عزاه للترمذي، ولم ينقل عنه تضعيفه إياه بقوله:
"حديث غريب ... " إلخ.
كما جهل أو تجاهل أيضاً إشارة ابن عبد البر إلى تضعيفه.
ولكن هذا غريباً منه وهو يكذب على العلماء الكذب الصريح؛ كما تقدم بيانه مراراً وتكراراً!
٤٩٦٤ - (خذ هذا السيف؛ فانطلق، فاضرب عنق ابن عم مارية حيث وجدته) .
ضعيف جداً
أخرجه الحاكم (٤/ ٣٩) من طريق أبي معاذ سليمان بن الأرقم الأنصاري عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت:
أهديت مارية إلى رسول الله ﷺ ومعها ابن عم لها؛ قالت: فوقع عليها وقعة، فاستمرت حاملاً. قالت: فعزلها عند ابن عمها. قالت: فقال أهل الإفك والزور: من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره! وكانت أمة قليلة اللبن، فابتاعت له ضائنة لبون، فكان يغذى بلبنها، فحسن عليها لحمه. قالت عائشة ﵂: فدخل به على النبي ﷺ ذات يوم. فقال:
"كيف ترين؟ ". فقلت: من غذي بلحم الضأن يحسن لحمه! قال:
"ولا الشبه؟ ". قالت: فحملني ما يحمل النساء من الغيرة أن قلت: ما أرى
стр. 6748
شبهاً! قالت: وبلغ رسول الله ﷺ ما يقول الناس. فقال لعلي ... (فذكر الحديث) . قالت: فانطلق؛ فإذا هو في حائط على نخلة يخترف رطبات. قال: فلما نظر إلى علي ومعه السيف؛ استقبلته رعدة. قال: فسقطت الخرقة؛ فإذا هو لم يخلق الله له ما للرجال؛ شيء ممسوح.
قلت: سكت عنه الحاكم والذهبي، ولعله لظهور ضعفه؛ فإن سليمان بن الأرقم متفق بين الأئمة على تضعيفه، بل هو ضعيف جداً؛ فقد قال البخاري:
"تركوه". وقال أبو داود، وأبو أحمد الحاكم، والدارقطني:
"متروك الحديث". وقال أبو داود:
"قلت لأحمد: روى عن الزهري عن أنس في التلبية؟ قال: لا نبالي روى أم لم يرو"! وقال ابن عدي في آخر ترجمته - وقد ساق له نيفاً وعشرين حديثاً (١٥٤/ ١-٢) -:
"وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد".
قلت: وللحديث أصل صحيح، زاد عليه ابن الأرقم هذا زيادات منكرة، تدل على أنه سيىء الحفظ جداً، أو أنه يتعمد الكذب والزيادة؛ لهوى في نفسه، ثم يحتج بها أهل الأهواء!
فأنا أسوق لك النص الصحيح للحديث؛ ليتبين لك تلك الزيادات المنكرة، فروى ثابت عن أنس:
أن رجلاً كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لعلي:
"اذهب فاضرب عنقه".
стр. 6749
فأتاه علي؛ فإذا هو في ركي يتبرد فيها. فقال له علي: اخرج. فناوله يده، فأخرجه؛ فإذا هو محبوب ليس له ذكر، فكف علي عنه. ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنه لمحبوب؛ ما له ذكر.
أخرجه مسلم (٨/ ١١٩) ، والحاكم (٤/ ٣٩-٤٠) ، وأحمد (٣/ ٢٨١) ، وابن عبد البر في ترجمة مارية من "الاستيعاب" (٤/ ١٩١٢) ؛ كلهم عن عفان: حدثنا حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت ... وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"!
فوهم في استدراكه على مسلم! وقال ابن عبد البر:
"وروى الأعمش هذا الحديث فقال فيه: قال علي: يا رسول الله! أكون كالسكة المحماة؛ أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب".
قلت: هذه الزيادة لم أقف عليها من رواية الأعمش، وإنما من رواية غيره من حديث علي نفسه، وقد مضى تخريجه في "الصحيحة" برقم (١٩٠٤) ، وليس فيه أيضاً تلك الزيادات المنكرة التي تفرد بها ابن الأرقم في هذا الحديث.
وأشدها نكارة ما ذكره عن عائشة أنها قالت: ما أرى شبهاً!
فقد استغلها عبد الحسين الشيعي في "مراجعاته" أسوأ الاستغلال، واتكأ عليها في اتهامه للسيدة عائشة في خلقها ودينها، فقال (ص ٢٤٧-٢٤٨) :
"وحسبك مثالاً لهذا ما أيدته - نزولاً على حكم العاطفة - من إفك أهل الزور إذ قالوا - بهتاناً وعدواناً - في السيدة مارية وولدها ﵇ ما قالوا،
стр. 6750
حتى برأهما الله من ظلمهم براءة - على يد أمير المؤمنين - محسوسة ملموسة! (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً) "!
وعلق على هذا بقوله:
"من أراد تفصيل هذه المصيبة؛ فليراجع أحوال السيدة مارية ﵂ في (ص ٣٩) من الجزء الرابع من "المستدرك" للحاكم، أو من "تلخيصه" للذهبي"!
يشير بذلك إلى هذا الحديث المنكر!
وإن من مكره وخبثه: أنه لم يكتف في الاعتماد عليه - مع ضعفه الشديد - بل إنه زد على ذلك أنه لم يسق لفظه؛ تدليساً على الناس وتضليلاً؛ فإنه لو فعل وساق اللفظ؛ لتبين منه لكل من كان له لب ودين أن عائشة بريئة مما نسب إليها في هذا الحديث المنكر من القول - براءتها مما اتهمها المنافقون به؛ فبرأها الله تعالى بقرآن يتلى -، آمن الشيعة بذلك أم كفروا، عامل الله الكذابين والمؤيدين لهم بما يستحقون! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وتأمل ما في إيراده في آخر كلامه للآية الكريمة: (ورد الله الذين كفروا ... ) من رمي السيدة عائشة بالكفر، مع أنه يترضى عنها أحياناً (ص ٢٢٩) ! ويتعرف (ص ٢٣٨) بأن لها فضلها ومنزلتها!
وما إخال ذلك منه إلا من باب التقية المعهودة منهم، وإلا؛ فكيف يتلقي ذلك مع حشره إياها في زمرة الذين كفروا؟! عامله الله بما يستحق!
ثم إن الحديث؛ أخرجه ابن شاهين أيضاً من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري به؛ كما في "الإصابة" (٦/ ١٤) للحافظ العسقلاني؛ وقال:
"وسليمان ضعيف".
стр. 6751
٤٩٦٥ - (لقد رأيت خالاً بخدها؛ اقشعرت كل شعرة منك) .
موضوع
أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ١٦٠-١٦١) : أخبرنا محمد ابن عمر: حدثني الثوري عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط قال:
خطب رسول الله ﷺ امرأة من كلب، فبعث عائشة تنظر إليها، فذهبت ثم وجعت. فقال لها رسول الله ﷺ :
"ما رأيت؟ ". فقالت: ما رأيت طائلاً. فقال لها رسول الله ﷺ ... فذكره. فقالت: يا رسول الله! ما دونك سر!
قلت: وهذا موضوع؛ فإنه مع كونه مرسلاً، فإن محمد بن عمر - وهو الواقدي - كذاب، كما تقدم مراراً.
وقد استغل الشيعي أيضاً هذا الحديث الباطل استغلالاً غير شريف؛ فطعن به على السيدة عائشة ﵂، فنسبها إلى الكذب، كما طعن عليها بالحديث الذي قبله!
стр. 6752
٤٩٦٦ - (إنا لم نرد هذا، إنا لم نرد هذا) .
ضعيف
أخرجه الديلمي عن عائشة:
أنها خاصمت النبي ﷺ إلى أبي بكر؛ فقالت: يا رسول الله! اقصد! فلطم أبو بكر خدها؛ وقال: تقولين لرسول الله ﷺ : اقصد؟! وجعل الدم يسيل من أنفها على ثيابها، ورسول الله ﷺ يغسل الدم من ثيابها بيده؛ ويقول ... فذكره.
كذا في "كنز العمال" (٧/ ١١٦/ ١٠٢٠) .
стр. 6753
قلت: وعزوه للديلمي يشعر بضعف إسناده؛ كما نص عليه في مقدمة "الجامع الكبير"، ونقلته عنه في مقدمتي لكل من "صحيح الجامع الصغير وزيادته" و "ضعيف الجامع الصغير وزيادته".
وقد صرح بضعفه الحافظ العراقي؛ فقال في "تخريج الإحياء" (٢/ ٤٠) :
"رواه الطبراني في "الأوسط"، والخطيب في "التاريخ" من حديث عائشة بسند ضعيف".
قلت: ومع ذلك؛ احتج به الشيعي في "مراجعاته" (٢٤٩) في الطعن في السيدة عائشة ﵂! عامله الله بما يستحق!
وقد روى طرفاً منه ابن سعد (٨/ ٨٠) : أخبرنا محمد بن عمر: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن ابن المسيب قال:
قال رسول الله ﷺ لأبي بكر:
"يا أبا بكر! ألا تعذرني من عائشة؟! ".
قال: فرفع أبو بكر يده، فضرب صدرها ضربة شديدة، فجعل رسول الله ﷺ يقول:
"غفر الله لك يا أبا بكر! ما أردت هذا".
لكنه إسناد واه بمرة؛ فإن محمد بن عمر - وهو الواقدي - كذاب.
ومحمد بن عبد الله: هو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة؛ قال الحافظ:
"رموه بالوضع".
стр. 6754
ثم وقفت على إسناد الحديث عند الديلمي في "مسنده" (ص ٣١٩-٣٢٠- مصورة) : أخرجه من طريق إسماعيل بن إبراهيم المنقري عن أبيه عن مبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ...
قلت: والمبارك بن فضالة؛ وإن كان صدوقاً؛ فهو مدلس تدليس التسوية (١) !
وإسماعيل بن إبراهيم المنقري وأبوه؛ لم أعرفهما.
٤٩٦٧ - (إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه) (٢) .
ضعيف
أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٣/ ١١٤٨) عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة أنها قالت:
وكان متاعي فيه خف، وكان على جمل ناج، وكان متاع صفية فيه ثقل، وكان على جمل ثفال بطيء؛ يبطىء بالركب، فقال رسول الله ﷺ :
" [حولوا متاع عائشة على جمل صفية] ، وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب". قالت عائشة: فلما رأيت ذلك قلت: يا لعباد الله! غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله ﷺ ! قالت: فقال رسول الله ﷺ :
"يا أم عبد الله! إن متاعك كان فيه خف، وكان متاع صفية فيه ثقل، فأبطأ بالركب، فحولنا متاعها على بعيرك، وحولنا متاعك على بعيرها". قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله؟! قالت: فتبسم فقال:
стр. 6755
"أو في شك أنت يا أم عبد الله؟! ". قالت: قلت: ألست تزعم أنك رسول الله، فهلا عدلت؟! وسمعني أبو بكر - وكان فيه غرب؛ أي: حدة -؛ فأقبل علي فلطم وجهي. فقال رسول الله ﷺ :
"مهلاً يا أبا بكر! ". فقال: يا رسول الله! أما سمعت ما قالت؟! فقال رسول الله ﷺ ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لعنعنة ابن إسحاق؛ فإنه مدلس.
وسلمة بن الفضل كثير الخطأ؛ كما قال الحافظ. وقال الهيثمي (٤/ ٣٢٢) :
"رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن إسحاق؛ وهو مدلس. وسلمة بن الفضل، وقد وثقه جماعة: ابن معين وابن حبان وأبو حاتم، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال "الصحيح". وقد رواه أبو الشيخ ابن حبان في "كتاب الأمثال"، وليس فيه غير أسامة ابن زيد الليثي؛ وهو من رجال "الصحيح"؛ وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات"!
كذا قال! وفي آخر كلامه وقفة عندي؛ فقد قال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٢/ ٤٠) :
"رواه أبو يعلى في "مسنده"؛ وأبو الشيخ في "كتاب الأمثال" من حديث عائشة، وفيه ابن إسحاق؛ وقد عنعنه".
قلت: فهذا صريح في مخالفة ما ذكره الهيثمي.
ومن المحتمل أن يكون أبو الشيخ أخرجه من طريقين، في أحدهما ابن إسحاق دون الطريق الأخرى، وفي هذه الليثي فقط كما أفاده الهيثمي؛ فإن صح كلامه؛ فالحديث حسن عندي على أقل المراتب. والله أعلم.
стр. 6756
٤٩٦٨ - (علمني ألف باب، يفتح كل باب ألف باب) .
منكر
أخرجه ابن عدي (ق ١١١/ ٢) ، وعنه ابن عساكر (١٢/ ١٦١/ ١) من طريق ابن لهيعة: حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو:
أن رسول الله ﷺ قال في مرضه:
"ادعوا لي أخي". فدعوا له أبا بكر، فأعرض عنه. ثم قال:
"ادعوا لي أخي". فدعوا له عمر، فأعرض عنه. ثم قال:
"ادعوا لي أخي". فدعي له عثمان، فأعرض عنه. ثم قال:
"ادعوا لي أخي". فدعي له علي بن أبي طالب، فستره بثوب، وانكب عليه. فلما خرج من عنده قيل له: ما قال؟ قال ... فذكره. وقال ابن عدي:
"هذا حديث منكر، ولعل البلاء فيه من ابن لهيعة؛ فإنه شديد الإفراط في التشيع، وقد تكلم فيه الأئمة ونسبوه إلى الضعف".
وأقره الحافظ ابن عساكر، ثم الحافظ الذهبي في ترجمة ابن لهيعة، أورده في جملة ما أنكر عليه من الأحاديث.
والحديث؛ مما احتج به الشيعي في "المراجعات" (ص ٢٥٣) ؛ وقال:
"وأخرجه أبو نعيم في "حليته"، وأبو أحمد الفرضي في "نسخته" كما في ص (٣٩٢) من الجزء السادس من [الكنز] "!
وكذلك قال (ص ٢٥١) .
стр. 6757
وأنا أظن أن عزوه إلى "الحلية" خطأ من صاحب "الكنز" أو طابعه، اغتر به الشيعي؛ فإن نصه في الموضع المشار إليه من الشيعي:
"عن علي قال: علمني رسول الله ﷺ ألف باب.. (أبو أحمد الفرضي في "جزئه"، وفيه الأجلح أبو جحفة (!) قال في "المغني": صدوق شيعي جلد. حل) "!
قلت: والمعروف من صاحب "الكنز" - تبعاً لأصله "الجامع الكبير" - أنه يسوق رموز مخرجي الحديث أولاً، ثم يتكلم عليه - على قلة كلامه -!
وهنا نجد رمز (حل) قد جاء بعد كلامه على الأجلح، مما يشعر أنه مقحم!
وقد تأكدت من ذلك بعد رجوعي إلى نسخة مصورة عندي من "الجامع الكبير"؛ فلم يقع فيها الرمز المذكور. وتأيد ذلك بأني رجعت إلى "فهرس الحلية" للشيخ الغماري؛ فلم أر الحديث فيه.
(تنبيه) : حديث علي هذا مع ضعفه؛ فإن الشيعي قد دس فيه زيادة من عنده؛ دون أن ينبه القراء إلى ذلك؛ فإنه ساقه عقب الحديث المتقدم (٤٩٤٥) الذي فيه: أن النبي ﷺ توفي وهو مستند إلى علي، فزاد - بعد قوله: ... علمني رسول الله ﷺ -:
- يعني: حينئذ -. يعني: حين وفاته ﷺ !
فإن قيل: إن معنى هذه الزيادة في حديث ابن عمرو؛ فإنه صريح أن التعليم المذكور كان في مرضه.
فأقول: كلا؛ ليس في معناه، وذلك من وجهين:
стр. 6758
الأول: أنه ليس فيه أن المرض هو مرض موته.
والآخر: هب أنه مرض موته؛ فليس فيه أنه علمه ومات مستنداً إلى علي؛ بل هو صريح بأن علياً خرج وتركه مريضاً.
فهذا كله من الأدلة الكثيرة على أن الشيعة يستحلون الدس والكذب في سبيل تأييد ما هم عليه من الضلال! نسأل الله السلامة.
وفي الباب في فضل علي وأهل بيته: عن أبي أمامة الباهلي، وسوف يأتي إن شاء الله تخريجه برقم (٦٢٥٤) .
٤٩٦٩ - (توفي [ ﷺ ] وإنه لمستند إلى صدر علي) .
موضوع
أخرجه ابن سعد (٢/ ٢٦٣) : أخبرنا محمد بن عمر: حدثني سليمان بن داود بن الحصين عن أبيه عن أبي غطفان قال:
سألت ابن عباس: أرأيت رسول الله ﷺ توفي ورأسه في حجر أحد؟ قال: توفي وهو لمستند إلى صدر علي. قلت: فإن عروة حدثني عن عائشة أنها قالت:
توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري؟! فقال ابن عباس: أتعقل؟! والله! لتوفي رسول الله ﷺ وإنه لمستند إلى صدر علي؛ وهو الذي غسله وأخي الفضل ابن عباس. وأبي أبي أن يحضر، وقال: إن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نستتر، فكان عند الستر.
قلت: وهذا موضوع؛ آفته محمد بن عمر - وهو الواقدي -؛ كذاب.
وشيخه سليمان بن داود بن الحصين؛ لا يعرف؛ أورده ابن أبي حاتم (٢/ ١/ ١١١) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
стр. 6759
ثم رأيت الحافظ قال في "الفتح" (٨/ ١٠٧) :
"لا يعرف حاله".
قلت: وإن مما يؤكد وضع الحديث؛ مخالفته لحديث عروة المذكور عن عائشة؛ فإن عروة وهو - ابن الزبير - من كبار التابعين وثقاتهم، وقد رواه عنه جمع من الثقات في "مسند الإمام أحمد" (٦/ ١٢١،٢٠٠،٢٧٠،٢٧٤) ، و "صحيح البخاري" (٨/ ١٠٥-١١٠) ، و "مسلم" (٧/ ١٣٧-١٣٨) .
وتابعه عندهما جماعة من الثقات عن عائشة ﵂، وكذلك في "المسند" (٦/ ٣٢،٤٨،٦٤،٧٤،٧٧،٢٣١،٢٧٤) ، و "ابن سعد" (٢/ ٢٦١،٢٦٢) . فهو حديث مشهور عن عائشة ﵂؛ إن لم يكن متواتراً.
ولذلك جزم به إبراهيم النخعي فقال: قبض رسول الله ﷺ ولم يوص، وقبض وهو مستند إلى صدر عائشة.
رواه ابن سعد بإسناد رجاله ثقات؛ غير عبد الرحمن بن جريس؛ ترجمه ابن أبي حاتم (٢/ ٢/ ٢٢١) ؛ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
فمثل هذا الحديث المشهور عن عائشة يبعد جداً أن يخفى على ابن عباس ﵁! فنفيه عن عائشة وإثباته لعلي ﵁؛ إنما هو من صنع الكذابين من الشيعة أو من يساندهم.
ونحوه ما رواه الواقدي أيضاً: أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن حرام بن عثمان عن أبي حازم عن جابر بن عبد الله الأنصاري:
أن كعب الأحبار قام زمن عمر فقال - ونحن جلوس عند عمر أمير المؤمنين -:
стр. 6760
ما كان آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: سل علياً. قال: أين هو؟ قال: هو هنا. فسأله، فقال علي: أسندته إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي، فقال:
"الصلاة الصلاة". فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء وبه أمروا، وعليه يبعثون. قال: فمن غسله يا أمير المؤمنين؟! قال: سل علياً. قال: فسأله؟ فقال: كنت أنا أغسله، وكان عباس جالساً، وكان أسامة وشقران يختلفان إلي بالماء.
أخرجه ابن سعد.
قلت: وهذا موضوع أيضاً؛ والآفة الواقدي، أو الشيخ شيخه حرام بن عثمان؛ فقد قال الإمام الشافعي وغيره:
"الرواية عن حرام حرام"! وقال الحافظ:
"وفي سنده الواقدي، وحرام بن عثمان؛ وهما متروكان".
ومما يؤكد وضعه، أن في رواية لعائشة في حديثها المتقدم:
فجعل يقول:
"في الرفيق الأعلى"؛ حتى قبض.
أخرجه البخاري.
نعم؛ قد روي بإسناد آخر خير من هذا عن علي قال:
كان آخر كلام رسول الله ﷺ :
"الصلاة الصلاة! اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم".
وله شواهد خرجتها في "الصحيحة" (٨٦٨) من حديث أم سلمة وغيرها.