"ورواه ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن عياش أطول منه؛ وقال فيه: (هم الشهداء، يبعثهم الله متقلدين أسيافهم حول عرشه ... ) "!
قلت: وإسماعيل بن عياش - وهو الحمصي الشامي - مختلف فيه. والذي استقر عليه رأي الحفاظ النقاد فيه: أنه ثقة فيما يرويه عن الشاميين، ضعيف فيما يرويه عن غيرهم، ولذلك؛ كان الواجب على المنذري أن يسمي لنا شيخه فيه!
وقد وقفت عليه بواسطة "تفسير ابن كثير"؛ فإنه - جزاه الله خيراً - ذكر إسناد أبي يعلى، فقال:
"وقال أبو يعلى: حدثنا يحيى بن معين: حدثنا أبو اليمان: حدثنا إسماعيل ابن عياش عن عمر بن محمد ... " فذكره كما تقدم في إسناد الحاكم. ثم قال:
"رجاله كلهم ثقات؛ إلا شيخ إسماعيل بن عياش؛ فإنه غير معروف. والله أعلم"!
وأقول: بل هو معروف؛ فإنه من ذرية عمر بن الخطاب كما تقدم؛ فقد ذكر الحافظ المزي - شيخ ابن كثير - في ترجمة عمر بن محمد هذا أنه روى عن زيد بن أسلم، وعنه جماعة منهم إسماعيل بن عياش فهو علة تلك الزيادة التي لم يروها الحاكم؛ لأن شيخه عمر هذا مدني كما تقدم،وقد عرفت من ترجمته آنفاً أنه ضعيف فيما يرويه عن المدنيين وغيرهم.
وقد يقول قائل: قد ذكرت آنفاً أن عمر هذا كان نزيل (عسقلان) ؛ وهي من بلاد الشام، فيمكن أن يكون إسماعيل سمعه منه فيها، وأنه حفظه عنه؟!
فأقول: هذا ممكن، ولكن لا بد له من مرجح، وهذا مفقود، وحينئذ يبقى حكم هذه الزيادة على الضعف، حتى يتبين المرجح؛ كشأن المختلط الذي لم يعلم
стр. 7597
أحدث بالحديث قبل الاختلاط أم بعده؟ فهو على الضعف حتى يتبين أنه حدث به قبل الاختلاط.
على أنه يترجح عندي ضعف هذه الزيادة من جهة أخرى؛ وهي مخالفة إسماعيل لأبي أسامة - واسمه حماد بن أسامة -، وهو ثقة ثبت، ولم يروها كما تقدم من تخريج الحاكم. ويبعد جداً أن يكون حدث بها عمر بن محمد، ولا يحفظها أبو أسامة عنه، ويحفظها إسماعيل، مع ما فيه من القال والقيل! ولذلك؛ فإن هذه الزيادة منكرة عندي،بخلاف ما قبلها، ولذلك؛ لم أوردها مع حديث الحاكم في "صحيح الترغيب" (٢/ ١٤٧/ ١٣٧٨) ، والله أعلم.
(تنبيه) : قد عزا الحديث لأبي يعلى الحافظ ابن حجر أيضاً في "المطالب العالية" (٣/ ٣٦٥/ ٣٧٢١) ، وذكر الشيخ الأعظمي في تعليقه عليه: أن البوصيري قد سكت عليه! وقد كشفنا لك عن علته بفضل الله وتوفيقه.
ولم أره في "مجمع الزوائد" للهيثمي، ولا عزاه المنذري لأبي يعلى كما تقدم! فلعله في بعض النسخ منه. والله أعلم.
ثم إن متن الحديث قد نقلته من "تفسير ابن كثير"، والزيادات التي بين المعكوفات [] ؛ إنما هي من "الترغيب"، وبعضها من "الدر". ووقع فيه: "البرهة" مكان: "النزهة"! ولعله تصحيف.
ثم رأيت الحافظ قد ساق إسناد أبي يعلى في "المطالب العالية المسندة" (٢/ ٤٥/ ٢) كما ساقه ابن كثير.
وقد رواه آخرون عن إسماعيل، وعن محمد بن عمر؛ دون قوله:
стр. 7598
"تتلقاهم الملائكة ... ". وتقدم برقم (٣٦٨٥) .
٥٤٣٨ - (إن جبريل أتى رسول الله ﷺ - حين قبض سعد بن معاذ [من جرح أصابه يوم الخندق]- من جوف الليل معتجراً بعمامة من إستبرق، فقال: يا محمد! من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ قال: فقام رسول الله ﷺ سريعاً يجر ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات) .
ضعيف
أخرجه ابن إسحاق في "السيرة" (٣/ ٢٧١) : حدثني معاذ بن رفاعة الزرقي قال: حدثني من شئت من رجال قومي: إن جبريل ... الحديث.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة شيخ معاذ بن رفاعة.
على أن هذا نفسه فيه نظر؛ فإنه لم يوثقه غير ابن حبان، وحكى أبو الفتح الأزدي عن عباس الدوري عن ابن معين أنه قال فيه:
"ضعيف". قال الأزدي:
"ولا يحتج بحديثه"؛ كما في "التهذيب".
وقد روى عنه جمع، ولم يذكر فيه البخاري في "التاريخ"، وابن أبي حاتم في كتابه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول الحال؛ إن لم يكن ضعيفاً.
وأما الحافظ؛ فقال:
"صدوق"!
وبيض له الذهبي في "الكاشف".
стр. 7599
وقد خولف ابن إسحاق في إسناده ومتنه؛ فقال يزيد بن الهاد: عن معاذ بن رفاعة عن جابر بن عبد الله قال: ... فذكره مختصراً نحوه، ولفظه:
جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات؛ فتحت له أبواب السماء، وتحرك له العرش؟
قال: فخرج رسول الله ﷺ ؛ فإذا سعد بن معاذ.
أخرجه البيهقي في "الدلائل" - كما في "السيرة" لابن كثير (٣/ ٢٤٥) -، رواه عن شيخه الحاكم، وقد أخرجه هذا في "المستدرك" (٣/ ٢٠٦) مختصراً نحوه؛ ليس فيه ذكر جبريل ﵇، فصار الحديث من قول النبي ﷺ ، وليس من قول جبريل.
وكذلك رواه الإمام أحمد (٣/ ٣٢٧) ، والنسائي في "الكبرى" - كما في "تحفة الأشراف" (٢/ ٣٧٩) -، وعزاه إليه الذهبي أيضاً في "سير أعلام النبلاء" (١/ ٢٩٣) ؛ لكن ذكره بلفظ البيهقي الذي فيه ذكر جبريل، وكأنه من أوهامه؛ إذا صح ما في "التحفة"! وتبعه على الوهم المعلق عليه؛ فعزاه لأحمد والحاكم، وقد عرفت أن روايتهما كرواية النسائي!
وجملة القول: أن حديث الترجمة ضعيف عندي؛ للجهالة، والضعف الذي في بعض رواته، ومخالفة ابن إسحاق لابن الهاد في إسناده ومتنه.
وقد وجدت له طريقاً أخرى، ولكنها واهية أيضاً، فلا يستشهد بها؛ يرويه أبو قرة محمد بن حميد: حدثنا سعيد بن تليد: حدثنا محمد بن فضالة عن أبي طاهر عبد الملك بن محمد بن أبي بكر عن عمه عبد الله بن أبي بكر قال:
стр. 7600
مات سعد بن معاذ من جرح أصابه يوم الخندق شهيداً، قال: فلبغني أن جبريل ﵇ نزل في جنازته معتجراً.. الحديث مثله.
أخرجه ابن عبد البر في ترجمة (سعد بن معاذ) من "الاستيعاب".
قلت: وهذا إسناد مظلم؛ فإنه مع كونه بلاغاً من عبد الله بن أبي بكر، وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري التابعي؛ فيما يظهر لي؛ فإن في الطريق إليه جمعاً لا يحتج بهم:
الأول: عبد الملك بن محمد بن أبي بكر - وهو الحزمي -؛ أورده البخاري في "التاريخ" (٣/ ١/ ٤٣١) ، وابن أبي حاتم (٢/ ٢/ ٣٦٩) من رواية ابن وهب عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ويحتمل عندي أنه الذي في "الميزان" و "اللسان":
"عبد الملك بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:
"ليس في القبلة وضوء".
وعنه بقية. قال الدارقطني: عبد الملك ضعيف".
قلت: وهو من طبقة الحزمي هذا، وحديثه في القبلة في "سنن الدارقطني" (١/ ١٣٦) معلقاً.
الثاني: محمد بن فضالة؛ لم أعرفه، ويحتمل - على بعد - أنه الذي في "الميزان" و "لسانه":
стр. 7601
"محمد بن فضالة بن الصقر، شيخ شامي. حدث عن هشام بن عمار. قال أبو أحمد الحاكم: فيه نظر".
وإنما استبعدت أن يكون هو هذا؛ لأمرين:
الأول: أنه متقدم الطبقة على هذا.
والآخر: أني أخشى أن يكون اسم (محمد) محرفاً من (المفضل) ؛ فقد جاء في ترجمة (سعيد بن تليد) من "التهذيب" أنه روى عن المفضل بن فضالة، وهو المصري؛ فإن يكن هو؛ فهو ثقة. والله أعلم.
والثالث: أبو قرة محمد بن حميد - وهو ابن هشام الرعيني -؛ ذكره الحافظ المزي فيمن روى عن سعيد بن تليد، ولم أجد له ترجمة.
واعلم أن الكلام على هذا الحديث وإيراده هنا في هذا الكتاب؛ إنما هو من أجل ما فيه من ذكر جبريل واعتجاره بعمامة الإستبرق.
وإلا؛ فجملة: "اهتز العرش" منه صحيحة، جاءت من وجوه كثيرة متواترة؛ كما قال ابن عبد البر، والذهبي، وبعضها في "الصحيحين"، فانظر: ترجمة سعد في "سير النبلاء"، و "فتح الباري" (٧/ ١٢٣-١٢٤) ، و "الصحيحة" (١٢٨٨) ، و "الإرواء" (٣/ ١٦٦-١٦٧) ، و "مختصر الشمائل" (٣١/ ١٦) ، و "الظلال" (١/ ٢٤٧-٢٤٨) .
٥٤٣٩ - (سئلت اليهود عن موسى؟ فأكثروا [فيه] وزادوا ونقصوا؛ حتى كفروا. وسئلت النصارى عن عيسى؟ فأكثروا فيه وزادوا ونقصوا؛ حتى كفروا.
стр. 7602
وإنه سيفشو عني أحاديث، فما أتاكم من حديثي؛ فأقرأوا كتاب الله واعتبروه، فما وافق كتاب الله؛ فأنا قلته، وما لم يوافق كتاب الله؛ فلم أقله) .
منكر
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ٣١٦/ ١٣٢٢٤) : حدثنا علي بن سعيد الرازي: حدثنا الزبير بن محمد بن الزبير الرهاوي: حدثنا قتادة ابن الفضيل عن أبي حاضر عن الوضين عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مظلم مسلسل بالعلل:
١- الوضين: هو ابن عطاء الدمشقي؛ قال الحافظ في "التقريب":
"صدوق سيىء الحفظ، ورمي بالقدر. من السادسة".
٢- أبو حاضر؛ أورده ابن أبي حاتم في "الكنى" (٤/ ٢/ ٣٦٢) برواية قتادة بن الفضيل عنه، وقال عن أبيه:
"مجهول".
وكذا في "الميزان" و "اللسان".
ثم أوردوا ثلاثتهم في "الأسماء"، فقالوا - واللفظ للأول -:
"عبد الملك بن عبد ربه بن زيتون أبو حاضر. روى عن رجل عن ابن عباس. روى عنه عيسى بن يونس".
ونحوه في "التاريخ الكبير" للبخاري (٣/ ١/ ٤٢٤) ، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.
стр. 7603
وأما الذهبي؛ فقال:
"عبد الملك بن عبدربه الطائي عن خلف بن خليفة وغيره، منكر الحديث، وله عن الوليد بن مسلم خبر موضوع، وله عن شعيب بن صفوان"!
قلت: والظاهر أن هذا غير الذي ترجم له ابن أبي حاتم والبخاري؛ فإنه متأخر عنه، وليس هو - بالتالي - أبا حاضر هذا الذي روى عن الوضين؛ للسبب نفسه.
ولكن هل هو ابن زيتون أبو حاضر؟
صنيع ابن أبي حاتم يدل على الفرق بينهما؛ بترجمته لكل منهما.
وخالفه الحافظ المزي؛ فذكره في شيوخ قتادةة بن الفضيل، وفي الرواة عن الوضين: عبد الملك بن عبدربه أبو حاضر. فالله أعلم.
وقد تبعه على ذلك الهيثمي، فأعل الحديث به؛ فقال في "مجمع الزوائد" (١/ ١٧٠) :
"رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه أبو حاضر عبد الملك بن عبدربه، وهو منكر الحديث"!
ولكنه لفق بين ما ذهب إليه المزي، وبين قول الذهبي في الطائي: "منكر الحديث". وقد عرفت أن أبا حاضر هذا غير الطائي، وأنه مجهول؛ كما قال أبو حاتم، وتبعه الذهبي والعسقلاني؛ فهو غير عبد الملك بن عبدربه الطائي الذي قال فيه الذهبي: "منكر الحديث". والله أعلم.
٣- قتادة بن الفضيل؛ قال أبو حاتم:
стр. 7604
"شيخ".
وذكره ابن حبان في "الثقات".
وروى عنه جمع، ومع ذلك قال فيه الحافظ:
"مقبول"! يعني: عند المتابعة، وإلا؛ فلين الحديث.
٤- الزبير بن محمد الرهاوي؛ قد ذكروه في الرواة عن قتادة بن الفضيل، ولكني لم أجد له ترجمة.
والشطر الثاني من الحديث؛ قد نص كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين على أنه من وضع الزنادقة، وقد ذكرت طرفاً منه في الرد على "منهاج الصالحين" للمدعو (عز الدين بليق) ، رقم الحديث (٢٤٧) .
٥٤٤٠ - (يا معاذ! إذا كان في الشتاء؛ فغلس بالفجر، وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم. وإذا كان الصيف فأسفر بالفجر؛ فإن الليل قصير، والناس ينامون، فأمهلهم حتى يدركوا) .
موضوع
أخرجه أبو الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ " (ص ٧٥ - النهضة) ، وعنه البغوي في "شرح السنة" (٢/ ١٩٨/ ٣٥٦) ، والديلمي في "مسنده" (٣/ ٢٨٢-٢٨٣) من طريق يوسف بن أسباط: حدثنا المنهال بن الجراح عن عبادة ابن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال:
بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد موضوع، ومتن منكر، والمتهم به: المنهال بن الجراح - وهو
стр. 7605
الجراح بن المنهال أبو العطوف -، قلب اسمه يوسف بن أسباط الضعيف وغيره. وقد أورده - أعني: الجراح هذا - ابن حبان في "الضعفاء"، وقال (١/ ٢١٨) :
"كنيته أبو العطوف، وبه يعرف، وكان رجل سوء؛ يشرب الخمر، ويكذب في الحديث". وقال الدارقطني:
"متروك".
وضعفه آخرون.
ثم إن الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة المتفقة على أن النبي ﷺ كان يصلي الفجر بغلس؛ وهي مخرجة في "الإرواء" (١/ ٢٧٨-٢٨١) :
وقد تابعه على الشطر الأول منه محمد بن سعيد عن عبادة بن نسي به في حديث له طويل.
أخرجه ابن عساكر في "التاريخ" (١٠/ ٦١٨) .
ومحمد بن سعيد هذا: هو الشامي المصلوب في الزندقة، كذبوه. وقال ابن عساكر:
"وقد روي هذا من وجه آخر أتم من هذا، بإسناد أشبه منه".
ثم ساقه من طريق البغوي: حدثني السري بن يحيى أبو عبيدة التميمي: أخبرنا سهل بن يوسف عن أبيه عن عبيد بن صخر بن لوذان الأنصاري السلمي - وكان فيمن بعثه النبي ﷺ مع عمال اليمن -، فقال: ... فذكر الحديث بطوله، وفيه الحديث بشطريه.
стр. 7606
وقد قال الحافظ في ترجمة (عبيد) هذا من "الإصابة":
"ذكره البغوي وغيره في الصحابة، وقال ابن السكن: يقال: له صحبة، ولم يصح إسناد حديثه.
وأخرج هو، والبغوي، والطبري من طريق سيف بن عمر عن سهل بن يوسف عن أبيه عن عبيد ... ".
قلت: فذكر طرفه الأول من الحديث الطويل.
وفي إسناد هؤلاء الثلاثة (سيف بن عمر) ، وليس له ذكر في رواية ابن عساكر عن البغوي؛ فإما أن يكون رواية أخرى للبغوي، لم تتيسر للحافظ، أو أنه لم يقف عليها، أو أن في إسنادها عند ابن عساكر شيئاً من الخطأ أو السقط. والله أعلم.
وعلى كل حال؛ ففي الإسناد عندهم جميعاً: (يوسف) والد (سهل) - وهو يوسف بن سهل (١) بن مالك الأنصاري -، كذا ساقه المزي في ترجمة (سيف بن عمر) ، وقد ذكر في شيوخه: ابنه هذا (سهلاً) ، وهو ثقة؛ بخلاف أبيه (يوسف بن سهل) ؛ فإني لم أجد له ترجمة فيما عندي من المراجع، حتى ولا في "ثقات ابن حبان"!
وأما (سيف بن عمر) ؛ فمعروف؛ لكنه متهم بالوضع؛ قال الذهبي في "المغني":
"له تواليف، متروك باتفاق".
стр. 7607
بخلاف السري بن يحيى؛ فإنه صدوق؛ كما قال ابن أبي حاتم.
وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٠٢) .
٥٤٤١ - (إن الله يقول:
أنتقم ممن أبغض بمن أبغض، ثم أصير كلاً إلى النار) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم ٣٥٠٠ - بترقيمي) عن أحمد بن بكر البالسي قال: أخبرنا عروة بن مروان الرقي قال: أخبرنا معتمر بن سليمان عن الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعاً. وقال:
"لم يروه عن ابن المنكدر إلا الحجاج، ولا عن الحجاج إلا معتمر، تفرد به عروة بن مروان".
قلت: وهو ضعيف؛ قال الدارقطني:
"كان أمياً، ليس بالقوي في الحديث".
والحجاج بن أرطاة مدلس، وقد عنعنه.
والبالسي ضعيف؛ كما قال الدارقطني. وقال ابن عدي:
"روى مناكير عن الثقات". وأما الأزدي؛ فقال:
"كان يضع الحديث".
وفي مقابله ابن حبان؛ فإنه ذكره في "الثقات"؛ ولكنه قال:
"كان يخطىء".
стр. 7608
وبه وحده أعله الهيثمي، فقال في "المجمع" (٧/ ٢٨٩) :
"رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه أحمد بن بكر البالسي، وهو ضعيف"!
قلت: وإعلاله بمن فوقه ممن ذكرنا أولى؛ فإن كلام الطبراني يشعر أنه لم يتفرد به. والله أعلم.
٥٤٤٢ - (قال ربكم: ابن آدم! أنزلت عليك سبع آيات، ثلاث لي، وثلاث لك، وواحدة بيني وبينك: فأما التي لي؛ فـ (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين) ، [والتي بيني وبينك] : (إياك نعبد وإياك نستعين) ؛ منك العبادة وعلي العون لك. وأما التي لك: (اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم. غير المغضوب عليهم ولا الضالين)) .
ضعيف جداً
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٦٥٤٧ - بترقيمي) من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي ابن كعب قال:
قرأ رسول الله ﷺ فاتحة الكتاب؛ ثم قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته ابن أرقم هذا؛ فإنه متروك؛ كما قال الذهبي في "الكاشف"، والهيثمي في "المجمع" (٢/ ١١٢) ، وبه أعله.
ثم إن في متنه نكارة؛ فقد صح بلفظ:
"قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني
стр. 7609
عبدي ... " الحديث. رواه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما" وغيرهما، وهو مخرج في "الإرواء" (٥٠٢) .
(تنبيه) : ما بين المعكوفتين سقط من الأصل، ويظهر أنه سقط قديم؛ فإنه كذلك في "المجمع" برواية "الأوسط"، وقد استدركته من "الدر المنثور" (١/ ٦) ، و "الجامع الكبير" (١/ ٥٩٩) ؛ لكن وقع فيه: (طب) ؛ أي: الطبراني في "الكبيرط! والظاهر أنه خطأ من الناسخ؛ فإنه ليس فيه.
٥٤٤٣ - (كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب العرش الكريم، اللهم! اصرف [عني] شره. وفي رواية: شر فلان) .
منكر بزيادة الصرف
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص ١٠٣ - التازية) من طريق عبد الملك بن الخطاب بن عبيد الله بن أبي بكرة قال: حدثني راشد أبو محمد عن عبد الله بن الحارث قال: سمعت ابن عباس يقول: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان:
الأولى: راشد هذا - وهو ابن نجيح الحماني - قال أبو حاتم:
"صالح الحديث".
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال:
"ربما أخطأ". ولخص هذا الحافظ، فقال:
"صدوق، ربما أخطأ".
стр. 7610
والأخرى: عبد الملك بن الخطاب؛ ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن القطان:
"حاله مجهولة". وقال الحافظ في "التقريب":
"مقبول".
قلت: فهو العلة.
ولا يقويه أنه رواه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٣٨٦/ ١٠٧٧٢) عن خالد ابن يوسف السمتي: حدثنا أبي عن راشد بن نجيح (الأصل: ابن أبي نجيح!) به. والزيادة له؛ وكذا الرواية.
وهذا إسناد أشد ضعفاً من الذي قبله، وآفته يوسف هذا؛ فقال الذهبي في ترجمة ابنه خالد:
"أما أبوه فهالك، وأما هو فضعيف".
والحديث صحيح محفوظ من طريق أخرى عن ابن عباس به، دون قوله:
"اللهم! اصرف عني شره..".
فقد أخرجه البخاري (٦٣٤٦، ٧٤٢٦) ، وفي "المفرد" أيضاً؛ ومسلم (٨/ ٨٥) ، والترمذي (٣٤٣١) - وصححه -، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤١٤/ ٦٥٢-٦٥٣) ، وابن ماجه (٣٨٨٣) ، والطيالسي (٢٦٥١) ، وأحمد (١/ ٢٢٨، ٢٥٤، ٣٣٩، ٣٥٦) ، وابن أبي شيبة (١٠/ ١٩٦/ ٩٢٠٤) ، والطبراني في "الكبير" (١٢/ ١٥٨) وفي "الدعاء" (٢/ ١٢٧٤/ ١٠٢٣،١٠٢٤) من طريق أبي العالية عن ابن عباس به دون الزيادة.
стр. 7611
فهي منكرة.
فيتعجب من الحافظ كيف سكت عليها في "الفتح" (١١/ ١٤٧) ؛ وقد ذكرها من طريق "الأدب المفرد"؟! وزاد أحمد والطبراني والنسائي:
ثم يدعو.
وسنده صحيح.
٥٤٤٤ - (بينا أنا جالس؛ إذ جاء جبريل، فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة مثل وكري الطير، فقعد في إحداهما، وقعدت في الأخرى، فسمت فارتفعت؛ حتى سدت الخافقين؛ وأنا أقلب بصري، ولو شئت أن أمس السماء لمسست، فنظرت إلى جبريل كأنه حلس لاطىء، فعرفت فضل علمه بالله علي، وفتح لي بابين من أبواب الجنة، ورأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرف الدر والياقوت، فأوحى إلي ما شاء أن يوحي) .
ضعيف
أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٢٠٩-٢١٠- مكتبة الكليات الأزهرية) ، وابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٧١) ، والبزار في "مسنده" (١/ ٤٧/ ٥٨) ، والطبراني في "الأوسط" (١/ ٩٩/ ٥٩ - مجمع البحرين) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣١٦) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١/ ١٠٩ - هندية) من طريق الحارث بن عبيد الإيادي عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك مرفوعاً. وقال أبو نعيم مضعفاً:
"غريب، لم نكتبه إلا من حديث أبي عمران، تفرد به الحارث بن عبيد أبو قدامة".
стр. 7612
قلت: قال الذهبي في "الكاشف":
"ليس بالقوي، وضعفه ابن معين". وقال الحافظ في "التقريب":
"صدوق يخطىء".
قلت: ولم يصرح أحد بتوثيقه.
ومع ذلك؛ رجح الشيخ أحمد شاكر ﵀ توثيقه، وقد رددت عليه في "شرح الطحاوية" (ص ٣٤٨ - الطبعة السادسة) .
ومما يؤكد ضعفه: أنه خالفه حماد بن سلمة؛ فقال: أخبرنا أبو عمران الجوني عن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب التميمي - زاد بعضهم - عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
أخرجه البيهقي هكذا بالزيادة، وعلقه قبيل ذلك بدونها. وهكذا رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١٩٤) ، وكذا ابن المبارك في "الزهد"، والحسن بن سفيان في "مسنده" - كما في "اللسان" -، وقال:
"وجزم البخاري وابن أبي حاتم والعسكري وابن حبان [يعني في "الثقات" (٣/ ٢٣٤) ] بأنه مرسل".
وذكره نحوه في ترجمة محمد بن عمير هذا من "الإصابة"، وقال:
"قال ابن منده: ذكر في الصحابة، ولا يعرف له صحبة ولا رؤية". ثم قال الحافظ:
"وأما أبوه: فلا أدري هل له إدراك أم لا؟ فإني لم أجد أحداً ممن صنف في الصحابة ذكره، وأخلق به أن يكون أدرك العهد النبوي"!
стр. 7613
وأقول: نعم؛ لو صح ذكره في الإسناد؛ ولكن الظاهر أنه شاذ لا يصح؛ كما يشعر بذلك إعلال الأئمة إياه بالإرسال، وعدم ذكره في روايتهم - إلا البيهقي - على ما في ثبوتها في كتابه من الشك كما سبقت الإشارة إليه. والله أعلم.
٥٤٤٥ - (اعمم ولا تخص؛ فإن بين الخصوص والعموم كما بين السماء والأرض) .
ضعيف
أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" (٢/ ١/ ١٤) من طريق الدارقطني عن محمد بن إسماعيل الصائغ عن علي بن جرير الخراساني عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال:
مر رسول الله ﷺ وأنا أقول: اللهم! ارحمني، فضرب بيده بين كتفي فقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات معروفون؛ مترجمون في "التهذيب"؛ غير علي بن جرير الخراساني؛ والظاهر أنه الذي في "الجرح والتعديل" (٣/ ١/ ١٧٨) :
"علي بن جرير الباوردي، روى عنه.. (بياض) . سئل أبي عنه؟ فقال: صدوق".
فإن (الباوردي) نسبة إلى (أبيورد) ؛ وهو بلد بـ (خراسان) ، كما في "معجم البلدان" وغيره، ولم أجد له ترجمة في غير المصدر المذكور، وهي غير كافية؛ لجهالة من روى عنه، فهو شبه المجهول عندي، لا سيما وقد خولف في إسناده.
стр. 7614
فأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ١٣٠) من طريق العيشي: حدثنا حماد بن سلمة: حدثنا ثابت عن عمرو بن شعيب:
أن النبي ﷺ أتى على علي بن أبي طالب ﵁، وقد خرج لصلاة الفجر؛ وعلي يقول: اللهم! اغفر لي وارحمني، اللهم! تب علي. فضرب النبي ﷺ على منكبه، وقال: ... فذكره، دون قوله:
"ولا تخص".
وكذا رواه أبو داود في "المراسيل"؛ كما ذكره البيهقي عقبه، وهو في النسخة المطبوعة من "المراسيل" (ص ١١-١٢) ؛ لكنها مختصرة من الأسانيد وبعض المتون؛ كما تبين لنا بالمراجعة، فلم نعرف هل هو من طريق العيشي هذا أم غيره؟!
وبالجملة؛ فالصواب في الحديث أنه مرسل عمرو بن شعيب، أخطأ الخراساني في وصله عن علي؛ لأن العيشي - وهو عبيد الله بن محمد - ثقة اتفاقاً.
ثم إن المتن منكر مخالف لكثير من الأحاديث الصحيحة التي وردت عن النبي ﷺ في أدعيته؛ فإنها بصيغة الإفراد، حتى في الصلاة. ومنها قوله ﷺ بين السجدتين:
"اللهم! اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، واهدني، وارزقني".
انظر كتابي "صفة الصلاة"، والرد على (عز الدين بليق) ؛ وقد أورد هذا الحديث في كتابه الذي سماه "منهاج الصالحين"! وإنما هو منهاجه هو؛ لجهله
стр. 7615
بالشريعة، وكثرة الأحاديث الضعيفة فيه والموضوعة والمنكرة، وقد جاوزت الأربع مئة حديث في ردي المشار إليه، وهذا منها برقم (١٦٨) .
وقد أورده السيوطي في "الجامع الكبير" (١/ ١٢٤) من رواية الديلمي وأبي داود والبيهقي مرفوعاً.
ثم ذكره (٣/ ١٦٠) في مسند علي من رواية الديلمي كما تقدم! ومعلوم أن ما عزاه إليه ضعيف، يكفي، مجرد العزو إليه عن بيان ضعفه؛ كما نص عليه في المقدمة.
٥٤٤٦ - (دثر مكان البيت، فلم يحج هود ولا صالح؛ حتى بوأه الله لإبراهيم) .
ضعيف جداً
أخرجه أبو إسحاق الحربي في "المناسك" (ص ٤٨٢) من طريق إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري عن أبيه عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: دثر ... إلخ. قال عروة: قلت لعائشة: عن رسول الله ﷺ ؟ قالت: عن رسول الله.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ إبراهيم وأبوه محمد متروكان، مترجمان في "الميزان"، و "اللسان"، وغيرهما.
ومحمد هذا: هو الذي بمشورته جلد الإمام مالك؛ كما هو مصرح به في "التاريخ الكبير" للبخاري (١/ ١/ ١٦٧) ، و"الصغير" أيضاً (ص ١٩٠) ، و"الضعفاء" لابن حبان (٢/ ٢٦٤) وغيرها.
لكن وقع مثله في ترجمة ابنه إبراهيم من "الميزان" و "اللسان"!
стр. 7616
فالظاهر أنه خطأ. والله أعلم.
والحديث؛ أورده الذهبي - ثم العسقلاني - في مناكير إبراهيم هذا.
٥٤٤٧ - (لا تكن فتاناً، ولا مختالاً، ولا تاجراً إلا تاجر خير؛ فإن أولئك المسبوقون في العمل) .
ضعيف
أخرجه الطيالسي في "مسنده" (رقم ٩٦) : حدثنا شعبة عن الحكم عن رجل من أهل البصرة - ويكنونه أهل البصرة: أبو المودع، وأهل الكوفة يكنونه بـ:أبي محمد، وكان من هذيل - عن علي بن أبي طالب مرفوعاً به. وفيه قصة.
وأخرجه أحمد (١/ ٨٧) من طريقين آخرين عن شعبة به؛ إلا أنه قال في الطريق الأخرى منهما: (مورع) - بالراء - بدل (مودع) - بالراء أيضاً -.
وكذلك أعاده أحمد (١/ ١٣٩) من الطريق الأخرى.
ثم رواه عبد الله من طريق حجاج بن أرطاة عن الحكم بن عتيبة عن أبي محمد الهذلي عن علي.
قلت: وأبو محمد هذا - أو أبو المودع، أو أبو المورع، وقيل: أبو المروع -؛ قال الحسيني:
"مجهول"؛ كما في "التعجيل"؛ وقال الذهبي في كنيته الأولى والثالثة:
стр. 7617
"لا يعرف".
قلت: وذلك؛ لأنه لم يرو عنه غير الحكم بن عتيبة.
وأما قول الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٧٣) - بعدما عزاه لأحمد وابنه -:
"ولم أجد من وثقه، وقد روى عنه جماعة".
فهو خطأ، قلده فيه الشيخ المناوي في "الجامع الأزهر" (٣/ ١٠٧/ ١) ؛ يتبين ذلك لكل من رجع إلى ترجمته في "تعجيل المنفعة".
هذا؛ ويغلب على ظني أنه ثعلبة بن يزيد المترجم في "التهذيب"؛ فقد رأيت الحديث في "طبقات الأصبهانيين" لأبي الشيخ (ص ٢٣٣- ظاهرية) من طريق أبان بن تغلب عن الحكم بن عتيبة عن ثعلبة بن يزيد عن علي بن أبي طالب به دون الاستثناء.
وكذا رواه الطحاوي في "المشكل" (٣/ ١٥) بالاستثناء.
ويؤيد ذلك: أن ثعلبة هذا كوفي يروي عن علي، وعنه الحكم وغيره؛ قال ابن حبان في "الضعفاء" (١/ ٢٠٧) :
"كان غالياً في التشيع، لا يحتج بأخباره التي ينفرد بها عن علي".
ثم تناقض فأورده في "الثقات" (٤/ ٩٨ - دائرة المعارف) من روايته عن علي، وعنه حبيب بن أبي ثابت! وقال الحافظ المزي في "التهذيب" (٤/ ٣٩٩ - الرسالة) :
"قال البخاري: في حديثه نظر، لا يتابع في حديثه. روى له النسائي في
стр. 7618
"مسند علي" وقال: ثقة".
واعلم أن الشيخ أحمد شاكر ﵀ قد حسن إسناد الحديث في تعليقه على "المسند" (٢/ ٦٩) ؛ مع أنه نقل قول الذهبي المتقدم في أبي محمد:
"لا يعرف"! ولكنه عقب عليه بقوله:
"وأنا أرى أن التابعين على الستر والثقة حتى نجد خلافهما"!!
قلت: وعلى هذا جرى في كثير من أحاديث "المسند"! وهو توسع غير محمود عندي؛ لأن النفس لا تطمئن لكون التابعي أياً كان على الستر والثقة؛ لأننا نخشى في روايته غير اتهامه في نفسه، وهو احتمال أن يكون ضعيفاً في حفظه، فلو أنه اشترط إلى ذلك أن يكون معروفاً برواية جمع من الثقات عنه، ولم يتبين في حديثه ما يضعف به من الخطأ والمخالفة للثقات؛ لكان مقبولاً. والله أعلم.
ثم رأيت الحديث قد أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" (١/ ٣٩/ ٩٠) من طريق أبان بن تغلب به؛ إلا أنه قال: ثعلبة بن يزيد، أو يزيد بن ثعلبة ... وذكر الاستثناء، ثم قال:
"وهذا خبر - عندنا - صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيماً غير صحيح، وذلك؛ أنه خبر لا يعرف لبعض ما فيه مخرج عن علي عن النبي ﷺ يصح إلا من هذا الوجه. وأخرى: أن في إسناده شكاً فيمن حدث عن علي رحمة الله عليه؛ أثعلبة بن يزيد هو أم يزيد بن ثعلبة؟ والثالثة: أن الذي فيه من ذكر (التاجر) إنما روي عن علي موقوفاً عليه من كلامه غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، وبخلاف اللفظ الذي فيه"!
стр. 7619
ثم ساق عدة روايات موقوفة على علي ﵁، وأتبعها بقوله:
"وقد وافق علياً رحمة الله عليه في روايته عن رسول الله ﷺ بذم التجارة جماعة من الصحابة، نذكر ما صح عندنا من ذلك سنده".
ثم ساق عدة أحاديث في أن التجار هم الفجار إلا من بر وصدق، ونحو ذلك، وبعضها مخرج في "الصحيحة" (٣٦٦) .
ولكن إن كان هذا يشهد لما في حديث الترجمة من ذكر التاجر؛ فإنه لم يجب عن الأمر الآخر الذي أورده هو على نفسه؛ وهو الشك في الراوي عن علي: ثعلبة ابن يزيد أو العكس؟! فإن كان الأول؛ فقد عرفت البخاري وغيره فيه، وإن كان الآخر فمن هو؟ ولا نعلم في الرواة من يسمى يزيد بن ثعلبة.
ولا يخفى أن الطبري ﵀ لا تتم دعواه إلا بعد أن يجيب عن الشك المذكور بترجيح أحد طرفيه، ثم بيان أن الذي رجحه ثقة عند المحدثين! وهذا ما لم يفعله، فنحن على الضعف الذي ظهر لنا، حتى يتبين لنا ما يضطرنا إلى الانتقال إلى ما ذهب إليه الإمام الطبري من الصحة. والله أعلم.
(تنبيه) : قوله: "المسبوقون"! كذا في رواية الطيالسي وأحمد في الموضع الأول. وفي الرواية الأخرى له وابنه عبد الله:
"المسوفون"؛ وكذا في رواية ثعلبة عند الطحاوي؛ خلافاً لرواية الطبري عنه؛ فإنها باللفظ الأول.
وهذا الاختلاف مما قد يزيد في ضعف الحديث؛ لأنه يدل على أن راويه لم يضبطه. والعلم عند الله تعالى.
стр. 7620
٥٤٤٨ - ((يمحو الله ما يشاء) ؛ إلا الشقاوة، والسعادة، والحياة، والموت) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٩٦٢٦ - مصورتي) من طريق محمد بن جابر عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ... فذكره. وقال:
"لم يروه عن ابن أبي ليلى إلا محمد بن جابر، ولا رواه عن نافع إلا ابن أبي ليلى".
قلت: وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي الفقيه، وهو صدوق سيىء الحفظ جداً؛ كما قال الحافظ في "التقريب".
ونحوه الراوي عنه: محمد بن جابر - وهو الحنفي اليمامي -؛ قال الحافظ أيضاً:
"صدوق، ذهبت كتبه؛ فساء حفظه وخلط كثيراً، وعمي فصار يلقن، ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة".
وبه وحده أعله الهيثمي، فقال في "المجمع" (٧/ ٤٣) :
"وهو ضعيف من غير تعمد كذب".
ولذلك؛ جزم السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٦٦) بأن سنده ضعيف، وعزاه لابن مردويه أيضاً.
وتبعه على ذلك الشوكاني في "فتح القدير" (٣/ ٨٥) .
стр. 7621
ويحتمل عندي احتمالاً قوياً أن أصل الحديث الموقوف على ابن عباس؛ أخطأ في إسناده ورفعه: محمد بن جابر عن ابن أبي ليلى؛ فقد خالفه سفيان وغيره من الثقات فرووه عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به موقوفاً.
أخرجه ابن جرير في "التفسير" (١٦/ ٤٧٨ - شاكر) . ونسبه السيوطي لعبد الرزاق أيضاً، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في "الشعب".
وقد رواه ابن جرير عن مجاهد أيضاً مقطوعاً. وسنده صحيح.
وكأنه تلقاه عن ابن عباس ﵁ فإنه من تلامذته.
وثبت خلافه عن عمر وغيره، فروى ابن جرير (١٦/ ١٨١-١٨٢) من طريق أبي حكيمة عن أبي عثمان النهدي:
أن عمر بن الخطاب قال - وهو يطوف بالبيت ويبكي -: اللهم! إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنباً؛ فامحه؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.
ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٦٣) في ترجمة عصمة أبي حكيمة هذا. وقد قال فيه ابن أبي حاتم (٣/ ٢/ ٢٠) عن أبيه:
"محله الصدق".
وذكره ابن حبان في "الثقات".
والظاهر أنه قد توبع؛ فقد رواه ابن جرير من طريق معتمر عن أبيه عن أبي حكيمة عن أبي عثمان، وأحسبني قد سمعته من أبي عثمان مثله.
стр. 7622
وأبو المعتمر: اسمه سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة من رجال الشيخين.
ثم روى ابن جرير من طريق شريك عن هلال بن حميد عن عبد الله بن عكيم عن عبد الله أنه كان يقول:
اللهم! إن كنت كتبتني في السعداء؛ فأثبتني في السعداء؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب.
ورجاله ثقات؛ لولا ضعف حفظ شريك؛ لكنه يتقوى بطريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول:
اللهم! إن كنت كتبتني في أهل الشقاوة؛ فامحني، وأثبتني في أهل السعادة.
رواه ابن جرير، والطبراني في "الكبير" (٨٨٤٧) .
ورجاله ثقات رجال مسلم إلا أن أبا قلابة لم يدرك ابن مسعود؛ كما قال الهيثمي (١٠/ ١٨٥) ، ولكنه شاهد قوي للطريق الموصولة قبله. والله أعلم.
ولعل الواسطة بينهما أبو وائل شقيق بن سلمة؛ فقد روى الأعمش عنه:
أنه كان يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات.
رواه ابن جرير بسند صحيح عنه.
وكان أبو وائل من أعلم أهل الكوفة بحديث ابن مسعود.
واعلم أن المفسرين اختلفوا اختلافاً كثيراً في تفسير آيتي (الرعد) : (لكل
стр. 7623
أجل كتاب. يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) على أقوال كثيرة، استوعبها الشوكاني في "الفتح"، وذكر بعضها ابن جرير، ثم ابن كثير، واختار هذا ما هو أقرب للسياق؛ فقال:
"أي: لكل كتاب أجل، يعني: لكل كتاب أنزله الله من السماء مدة مضروبة عند الله، ومقدار معين، فلهذا: (يمحو الله ما يشاء) : منها: (ويثبت) ؛ يعني: حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه".
فالمحو والإثبات فيهما خاص بالأحكام في الكتب المتقدمة أو في الشريعة المحمدية، ينسخ منها ما يشاء، ويثبت ما يشاء.
وهو يلتقي مع ما رواه ابن جرير (١٦/ ٤٨٥) وغيره بسند فيه ضعف عن ابن عباس: (يمحو الله ما يشاء) ، قال:
من القرآن؛ يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله. (وعنده أم الكتاب) ، يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل، كل ذلك في كتاب.
وقد وجدت ما يقويه من رواية عكرمة عن ابن عباس، من وجهين عن عكرمة:
الأول: رواه يزيد النحوي عنه ابن عباس؛ في قوله:
(ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ، وقال: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ... ) الآية، وقال: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ؛ فأول ما نسخ من القرآن القبلة ... الحديث.
стр. 7624
رواه النسائي أواخر "الطلاق"، وأبو داود مختصراً.
وإسناده حسن؛ كما هو مبين في "الإرواء" (٧/ ١٦١/ ٢٠٨٠) .
والآخر: رواه سليمان التيمي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄؛ في قول الله :
(يمحو الله ما يشاء) ، قال: من أحد الكتابين؛ هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت. (وعنده أم الكتاب) ؛ أي: جملة الكتاب.
رواه ابن جرير (١٦/ ٤٨٠،٤٨١) ، والحاكم (٢/ ٣٤٩) . وقال:
"صحيح غريب". ووافقه الذهبي.
قلت: وفي رواية لابن جرير (١٦/ ٤٩١) من طريق علي عن ابن عباس:
(وعنده أم الكتاب) ، يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب؛ الناسخ والمنسوخ،، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب.
وفي سنده انقطاع وضعف.
ثم اعلم أنه - وإن كان المحو والإثبات في الآية خاصاً بالأحكام الشرعية؛ كما تقدم -؛ فليس في الشرع ما ينفيهما في غيرها، بل إن ظواهر بعض النصوص تدل على خلاف ذلك؛ كمثل قوله ﷺ :
"لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر"؛ وهو حديث حسن مخرج في "الصحيحة" (١٥٤) . وقوله ﷺ :
"من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره (وفي بعض الطرق:
стр. 7625
في آجله) ؛ فليصل رحمه". متفق عليه، وهو مخرج في المصدر السابق برقم (٢٧٦) .
وقد صح عن ابن عباس أنه قال:
لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر.
أخرجه الحاكم (٢/ ٣٥٠) . وقال:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
إذا عرفت ما تقدم؛ فاعلم أن المحو المذكور والزيادة في الرزق والعمر؛ إنما هو بالنسبة للقضاء أو القدر المعلق، وأما القضاء المبرم المطابق للعلم الإلهي؛ فلا محو ولا تغيير، كما كنت شرحت ذلك في تعليقي على "مختصر مسلم" للمنذري (ص ٤٧٠) ؛ فراجعه فإنه هام!
ثم رأيت القرطبي قد أشار إلى ذلك في تفسيره "الجامع"، فقال (٥/ ٣٣٢) :
"والعقيدة: أنه لا تبديل لقضاء الله، وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء، وقد تقدم أن من القضاء ما يكون واقعاً محتوماً - وهو الثابت -، ومنه ما يكون مصروفاً بأسباب - وهو الممحو - والله أعلم. قال الغزنوي (١) :
وعندي: أن ما في اللوح خرج عن الغيب؛ لإحاطة بعض الملائكة، فيحتمل التبديل؛ لأن إحاطة الخلق بجميع علم الله محال، وما في علمه من تقدير الأشياء
стр. 7626
لا يبدل".
وإذا عرفت هذا؛ سهل عليك فهم كثير من النصوص المرفوعة والآثار الموقوفة، وقد تقدم بعضها، وتخلصت من الوقوع في تأويلها. والله الهادي.
ثم وقفت على كلام جيد لشيخ الإسلام ابن تيمية، يؤيده ما ذهبت إليه في "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥١٦-٥١٨،٥٤٠،٥٤١) و (١٤/ ٤٨٨-٤٩٢) ، فراجعه؛ فإنه مهم!
٥٤٤٩ - ((يمحو الله ما يشاء ويثبت) ؛ قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه) .
ضعيف جداً
رواه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٥٧٤) : أخبرنا عفان ابن مسلم قال: أخبرنا همام بن يحيى عن الكلبي في قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) قال: ... فذكره. فقلت: من حدثك؟ قال: حدثني أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري عن النبي ﷺ .
ورواه ابن جرير (١٦/ ٤٨٤-٤٨٥) من طريق أخرى عن عفان به.
وهذا إسناد ضعيف جداً، إن لم يكن موضوعاً؛ آفته الكلبي هذا؛ فإنه سبئي متهم بالكذب، بل قد اعترف هو بذلك.
فروى ابن حبان (٢/ ٢٥٤) : أخبرنا عبد الملك بن محمد قال: حدثنا عمر ابن شبة قال: حدثنا أبو عاصم قال: قال لي سفيان الثوري: قال لي الكلبي:
ما سمعته مني عن أبي صالح عن ابن عباس؛ فهو كذب.
стр. 7627
ورجال هذا الإسناد ثقات؛ على ضعف في عبد الملك هذا - وهو الرقاشي -، وليس لفظه صريحاً بالاعتراف المذكور، لا سيما وقد رواه ابن أبي حاتم (٣/ ٢٧١) :أخبرنا عمر بن شبة بلفظ: زعم لي سفيان الثوري قال: قال لنا الكلبي:
ما حدثت (١) عني عن أبي صالح عن ابن عباس؛ فهو كذب؛ فلا تروه.
وهذا إسناد صحيح؛ فهو يحتمل أن الكذب من أبي صالح؛ وهو المسمى (باذام) أو (باذان) مولى أم هانىء وهو صاحب التفسير الذي رواه عن ابن عباس، ورواه عنه الكلبي هذا؛ كما في "طبقات ابن سعد" (٦/ ٢٩٦) ، وهو ضعيف، أو أشد. انظر "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (رقم ٢٢٥) ، فكأن الكلبي يتهم بذلك أبا صالح نفسه! ويرجح هذا رواية أخرى عند ابن حبان أيضاً (٢/ ٢٥٥) بإسناده المتقدم بلفظ:
.. عن سفيان قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: كل ما حدثتك فهو كذب.
ويقويه رواية يحيى بن سعيد عن سفيان قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: كل شيء حدثتك؛ فهو كذب.
أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١/ ١٠١) : قال لنا علي: حدثنا يحيى بن سعيد.
وكذلك رواه في "التاريخ الصغير" (ص ١٥٨) .
وهذا إسناد صحيح غاية؛ فهو أصح من الأول، لا سيما والرواية الأخرى منه
стр. 7628
بمعناه؛ فهو المعتمد.
وقد سقط من رواية "الميزان" (تحقيق البجاوي) قوله: "قال لي أبو صالح"؛ فصارت العبارة فيه:
كل ما حدثتك عن أبي صالح؛ فهو كذب!
والخلاصة: أن القائل: "كل شيء حدثتك فهو كذب"؛ إنما هو أبو صالح؛ وليس هو الكلبي، وإنما هو الراوي لذلك عن أبي صالح، ولذلك؛ حذر من التحديث بذلك بقوله للثوري:
فلا تروه.
ومن البداهة في مكان: أن أبا صالح - على ضعفه - لا يدان بذلك؛ لوهاء الكلبي؛ فتنبه، ولا تتورط بما وقع في "الميزان"؛ كما وقع لي فيما تقدم من الكلام على الحديث (١١١) من هذه "السلسلة"، والمعصوم من عصمه الله تعالى!
وجملة القول: أن حديث الترجمة ضعيف جداً؛ لأن مداره على الكلبي عن أبي صالح، وقد عرفت وهاءهما الشديد. ولهذا؛ لم يحسن السيوطي بسكوته على الحديث في "الدر المنثور" (٤/ ٦٦) ؛ لا سيما وقد وقع فيه:
... عن الكلبي ﵁! فأوهم أن الكلبي صحابي! وإنما هو من صغار التابعين، والترضي خاص بالصحابة عرفاً. وأما أتباعهم فيترحم عليهم؛ وما أدري إذا كان الكلبي السبئي يستحق الترحم عليه؟!
(تنبيه) : قد ذكر أبو السعود في "تفسيره" من الأقوال التي قيلت في تفسير
стр. 7629
آية (يمحو الله ما يشاء ... ) قول:
"يمحو الأجل أو السعادة والشقاوة"، ثم قال:
"وبه قال ابن مسعود، وابن عمر ﵃، والقائلون به يتضرعون إلى الله أن يجعلهم سعداء، وهذا رواه جابر عن النبي ﵊"!!
ففيه ثلاثة أخطاء:
الأول: قوله: "وابن عمر"! . صوابه "عمر"؛ كما تقدم في الحديث الذي قبله.
الثاني: قوله: "رواه جابر"؛ فليس لجابر إلا حديث الترجمة.
الثالث: أطلق العزو لجابر؛ فأوهم أنه جابر بن عبد الله بن عمرو - لأنه المتبادر عند الإطلاق -، وليس به، وإنما هو جابر بن عبد الله بن رئاب كما تقدم، وكلاهما أنصاري؛ فتنبه!
٥٤٥٠ - (يا أبا بكر! برد أمرنا وصلح) (١) .
ضعيف جداً
رواه ابن أبي خيثمة في "التاريخ" (ص ٢١ - مصورة الجامعة الإسلامية) ، وابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/ ٧٣) ، وابن عدي في "الكامل" (ق ٢٨/ ٢) ، والخطابي في "غريب الحديث" (ق ٣٣/ ١- ظاهرية و ١/ ١٨٠-١٨١- جامعة أو القرى) عن الحسين بن حريث: حدثنا أوس ابن عبد الله بن بريدة: حدثني الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه:
стр. 7630
أن النبي ﷺ لما توجه نحو المدينة؛ خرج بريدة الأسلمي في سبعين راكباً من أهل بيته من بني سهم، فيتلقى نبي الله ﷺ ليلاً. فقال له:
"من أنت؟ ". قال: بريدة. فالتفت إلى أبي بكر، وقال:
"يا أبا بكر! برد أمرنا وصلح". ثم قال:
"ممن؟ ". قال: من أسلم. قال لأبي بكر: "سلمنا". ثم قال:
"ممن؟ ". قال: من بني سهم. قال:
"خرج سهمك".
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ أوس هذا متروك؛ كما قال الدارقطني. ونحوه قول البخاري:
"فيه نظر".
وله طريق أخرى، ولكنها واهية أيضاً؛ لأنها من رواية عبد العزيز بن عمران: حدثنا أفلح بن سعيد عن سليمان بن فروة عن أبيه عن بريدة الأسلمي به مختصراً؛ قال:
لما أقبل رسول الله ﷺ في مهاجره؛ لقي ركباً، فقال:
"يا أبا بكر! سل القوم ممن هم؟ ". قالوا: من أسلم. قال:
"سلمت يا أبا بكر! سلهم من أي أسلم؟ ". قالوا: من بني سهم. قال:
"ارم بسهمك يا أبا بكر! ".
стр. 7631
أخرجه البزار في "مسنده" (٢/ ٣٠١-٣٠٢- كشف الأستار) ، وقال:
"لا نعلم رواه إلا بريدة، ولا نعلم له إلا هذا الطريق"!
كذا قال! والطريق الأولى ترد عليه. وقد أعل هذه الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٥٥) بقوله:
"وعبد العزيز بن عمران الزهري متروك".
(تنبيه) : كان الداعي إلى تخريج الحديث: أنني شرعت قريباً في أواسط شهر الله المحرم سنة (١٤٠٤) في اختصار كتاب ابن قيم الجوزية: "تحفة المودود في أحكام المولود"، فمر بي هذا الحديث، وقد عزاه في موضع لابن أبي خيثمة، وفي آخر لأبي عمر بن عبد البر في "الاستذكار"؛ ساكتاً عليه فيهما، فتذكرت أن شيخه ابن تيمية كان قد ذكر طرفاً منه في كتابه "الكلم الطيب" الذي كنت حققته وخرجت أحاديثه، ثم طبعته سنة (١٣٨٥) في المكتب الإسلامي، ذكره مع أحاديث أخرى (ص ١٢٥-١٢٧) قائلاً:
"هذه الأحاديث في (الصحاح) ".
فعلقت عليه يومئذ بأنني لم أعثر عليه، وأبديت شكي في كونه في "الصحاح"! والآن تأكدت من خطأ عزوه إليها، وتبينت أن إسناد الحديث ضعيف جداً: والله تعالى هو الموفق الهادي.
واعلم أن ابن أبي خيثمة: هو الحافظ أحمد بن زهير بن حرب النسائي البغدادي صاحب "التاريخ الكبير"، فالظاهر أن ابن القيم منه نقله، ومن طريقه: أخرجه ابن عبد البر في "الاستذكار"؛ فقد رأيته أخرجه في "الاستيعاب" أيضاً في ترجمة بريدة بن الحصيب ﵁ من رواية قاسم بن أصبغ قال:
стр. 7632
أخبرنا أحمد بن زهير: قال: أخبرنا حسين بن حريث عن الحسين بن واقد به، وزاد في أوله:
كان رسول الله ﷺ لا يتطير، ولكن يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكباً ...
وهكذا أورده ابن القيم أيضاً في "مفتاح دار السعادة" - من رواية "الاستذكار" -:
"الحسين بن حريث عن الحسين بن واقد"؛ ليس بينهما (أوس بن عبد الله) المتروك! وكأنه سقط من بعض النساخ، بدليل أنه زاد فيه - أعني: "الاستذكار" - عقب الحديث:
"قال أحمد بن زهير: قال لنا أبو عمار [قلت: هو الحسين بن حريث] : سمعت أوساً يحدث هذا الحديث بعد ذلك عن أخيه سهل بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن بريدة، فأعدت ثلاثاً: من حدثك؟ قال: سهل أخي".
قلت: فهذا صريح في أن ابن حريث سمع الحديث أولاً من أوس يحدث به عن ابن واقد، ثم سمعه بعد منه عن أخيه سهل بن عبد الله، وهو متروك أيضاً.
فهذا يدلنا على أمرين:
الأول: أن مدار الحديث عند ابن عبد البر في كتابيه على أوس.
والآخر: أن أوساً كان يضطرب في إسناده: فمرة يرويه عن ابن واقد - وهو صدوق -، وأخرى عن أخيه سهل المتروك.
ويؤيد الأول: أن السيوطي أورد الزيادة التي عند ابن عبد البر في كتابه "الجامع الصغير" من رواية الحكيم، والبغوي عن بريدة.
стр. 7633
فقال المناوي في "شرحه" عليه:
"ورواه عنه قاسم بن أصبغ، وسكت عليه عبد الحق مصححاً له. قال ابن القطان: وما مثله يصحح؛ فإن فيه أوس بن عبد الله بن بريدة، منكر الحديث".
وقد عرفت أن الحديث عند ابن عبد البر من طريق قاسم بن أصبغ؛ ففيه إذن أوس بن عبد الله؛ وهو متروك.
وقد خفي هذا على محقق "الوابل الصيب" لابن القيم - الشيخ إسماعيل الأنصاري -؛ فإنه مع كونه لم يفصح عن درجته؛ خلافاً لما نص عليه في مقدمته؛ فإنه تكلف جداً في تأويل عزو ابن تيمية الحديث هذا لـ "الصحاح" كما تقدم، وقد تبعه ابن القيم في "الوابل"! بل وأوهم الشيخ القراء بأنه صحيح، فقال:
"فيمكن أن يكون مرادهما بكونه في "الصحاح": أنه في الأحاديث الصحيحة؛ لأن عبارة "في الصحيح" قد تطلق على الصحيح المقابل للحسن والضعيف، كما تطلق على ما في بعض الكتب التي التزم مؤلفوها فيها الصحة"!!
قلت: الإطلاق الآخر هو المتبادر والمعروف عند علماء الحديث.
وأما الأول؛ فغير معهود إلا نادراً جداً، ولقرينة قوية، وإلا؛ كان تدليساً وتضليلاً، وليس هنا في كلام الشيخين أية قرينة، بل القرينة فيه تؤكد أنه بالمعنى المعروف؛ فإن الأحاديث التي أورداها في فصل "الفأل والطيرة"، كلها في "الصحاح" بالمعنى المعهود؛ فهذا يبعد أن يكونا أراد بذلك المعنى النادر.
ثم هب أن هذا هو المراد؛ فهل الحديث صحيح الإسناد، حتى يؤول كلامهما بذاك التكلف البارد؟! نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصدع بالحق، وأن لا تأخذنا في
стр. 7634
ذلك لومة لائم، ولا جلالة عالم.
ثم إن مما يؤكد ضعف هذا الحديث: أن أوس بن عبد الله قد خالفه في متنه قتادة - الإمام الثقة - فرواه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعاً بلفظ آخر، تراه مخرجاً في الكتاب الآخر: "الصحيحة" (٧٦٢) ، فليراجعه من شاء.
٥٤٥١ - (إنه سيولد لك بعدي ولد، فسمه باسمي وكنه بكنيتي. قاله لعلي) .
منكر بهذا اللفظ
أورده ابن القيم في "تحفة المودود" (ص ٨٣-٨٤- الهندية العربية) ساكتاً عليه، فقال: وقال ابن أبي خثيمة في "تاريخه": حدثنا ابن الأصبهاني: حدثنا علي بن هاشم عن فطر عن منذر عن ابن الحنفية قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره، وزاد:
فكانت رخصة من رسول الله ﷺ لعلي.
قلت: ورجاله ثقات؛ على كلام في علي بن هاشم - وهو ابن البريد -، وهو صدوق، ولكنه شيعي، وقد تكلم بعضهم فيه من قبل حفظه، فقال ابن حبان في "الضعفاء" (٢/ ١١٠) :
"كان غالياً في التشيع؛ مم يروي المناكير عن المشاهير؛ حتى كثر ذلك في رواياته، مع ما يقلب من الأسانيد".
وجرى على ظاهر إسناده: الأخ عبد القادر أرناؤوط؛ فقال في تعليقه على "التحفة" (ص ١٤٣ - دار البيان) :
"وإسناده حسن"!
стр. 7635
فلم يتنبه لكون ابن البريد قد خالفه الثقات في لفظه، على ما فيه من ضعف في حفظه كما تقدم، وهم:
١- أبو أسامة حماد بن أسامة؛ قال: عن فطر به، ولفظه:
قال علي للنبي ﷺ : إن ولد لي غلام بعدك؛ أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك؟ قال:
"نعم".
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨/ ٦٦٨) : حدثنا أبو أسامة به.
ومن طريقه: أخرجه أبو داود (٤٩٦٧) ، وعن هذا البيهقي (٩/ ٣٠٩) .
٢- وكيع بن الجراح؛ قال: حدثنا فطر به، وزاد:
فكانت رخصة من رسول الله ﷺ لعلي.
أخرجه أحمد (١/ ٩٥) : حدثنا وكيع به.
٣ و ٤- قال ابن سعد في "الطبقات" (٥/ ٩١) : أخبرنا الفضل بن دكين وإسحاق بن يوسف الأزرق قالا: حدثنا فطر بن خليفة به.
والفضل بن دكين: كنيته أبو نعيم.
ومن طريقه: أخرجه البيهقي، وكذا الحاكم (٤/ ٤٧٨) ، وقال:
"صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي.
وأقول: إنما هو على شرط البخاري وحده؛ فإن فطر بن خليفة لم يخرج له