ومثله ابنه المهدي - واسمه محمد - ترجمه الخطيب (٥/ ٣٩١-٤٠١) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وفي ظني أنه هو وأباه المقصودان بقول الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٦٧) :
"رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، وفيه من لم أعرفهم".
وقد أعله المنذري بعلتين أخريين:
الأولى: أحمد بن محمد؛ شيخ الطبراني؛ قال:
"فيه نظر"!
والأخرى: قال:
"وجد المهدي: هو محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وروايته عن ابن عباس مرسلة"!
قلت: والجواب عن الأولى: أنه قد تابعه أبو الحارث محمد بن مصعب الدمشقي ومحمد بن الحسن بن فيل وغيرهما عند ابن عساكر في المجلد (١٨) .
وأما الأخرى: فالذي يظهر لي أن الجد هنا إنما هو علي بن عبد الله بن عباس لا ابنه محمد؛ فإن المهدي هو محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. فقول المهدي: "حدثني أبي" صريح في أنه يعني: المنصور. وقوله: "عن أبيه" إنما يعني أبا المنصور محمد بن علي. فقوله: "عن جده" إنما يعني - إذن - علي بن عبد الله بن عباس، وهذا ظاهر، والله أعلم.
(تنبيه) : هذا الحديث مما عزاه مؤلف "منهاج الصالحين" لرواية الإمام أحمد برقم (٥٨٣) ! وهو من أخطائه الفاحشة التي طف بها كتابه، وأنا الآن في صدد
стр. 7562
تتبعها والكشف عنها؛ تحذيراً وتذكيراً.
٥٤٢٣ - (يا سلمان! ما من مسلم يدخل على أخيه المسلم، فيلقي له وسادةً إكراماً له؛ إلا غفر الله له) .
ضعيف جداً
أخرجه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١٢٤-١٢٥) ، وأبو الشيخ في "الأخلاق" (ص ٢٦٦) ، والطبراني في "الكبير" (٦٠٦٨) ، والحاكم (٣/ ٥٩٩) من طريق عمران بن خالد الخزاعي عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال:
دخل سلمان الفارسي على عمر بن الخطاب ﵄ وهو متكىء على وسادة، فألقاها له، فقال سلمان: صدق الله ورسوله! فقال عمر: حدثنا يا أبا عبد الله! قال:
دخلت على رسول الله ﷺ وهو متكىء على وسادة؛ فألقاها إلي، ثم قال لي: ... فذكره.
قلت: أورده ابن حبان في ترجمة عمران هذا، وقال:
"روى عنه أهل البصرة العجائب، وما لا يشبه حديث الثقات، فلا يجوز الاحتجاج به".
وأما الحاكم؛ فسكت عنه! وبيض له الذهبي في "تلخيصه"!
ولكنه قال في "الميزان":
"وهذا خبر ساقط".
стр. 7563
قلت: ومن هذا الوجه: رواه الطبراني في "الصغير" أيضاً (ص ١٥٧ - هندية) بلفظ مقلوب أوله؛ فقال:
دخل عمر بن الخطاب على سلمان ... والباقي مثله!
وأورده الهيثمي بروايتي الطبراني؛ وقال عقب كل واحدة منهما:
"وفيه عمران بن خالد الخزاعي، وهو ضعيف"!
وهذا الحديث مما سود به مؤلف "منهاج الصالحين" كتابه هذا (١١٣٨) ، وقد زعم أنه استبعد عنه الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد استدركت عليه أكثر من ثلاث مئة حديث من النوعين.
ثم رواه الطبراني (٦١٨٨) من طريق سويد بن عبد العزيز عن أبي عبد الله النجراني عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: قال سلمان الفارسي: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"إذا زار أحدكم أخاه، فألقى له شيئاً يقيه من التراب؛ وقاه الله عذاب النار".
قلت: وسويد هذا واه جداً.
ولم يورده الهيثمي (٨/ ١٧٤) عقب الروايتين السابقتين، وكأنه استغنى بهما عن هذا! والله أعلم.
٥٤٢٤ - (استوصوا بالكهول خيراً، وارحموا الشباب) .
موضوع
أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" (١/ ١/ ٤٩ - مختصره) من طريق عثمان بن عبد الله القرشي: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن
стр. 7564
أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
قلت: قال الحافظ عقبه:
"قلت: عثمان متروك".
قلت: وهو عثمان بن عبد الله الأموي؛ قال ابن حبان في "الضعفاء" (٢/ ١٠٢) :
"يروي عن الليث ومالك وابن لهيعة، ويضع عليهم الحديث، لا يحل كتابة حديثه إلا على سبيل الاعتبار".
وكلمات سائر الأئمة تدور كلها حول اتهامه بالوضع.
وقد أطال ابن حجر ترجمته في "لسان الميزان"؛ فليراجعه من شاء.
٥٤٢٥ - (من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه؛ فكأنما ينظر في النار) .
ضعيف جداً
رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (ق ٤٠/ ١) ، والحاكم (٤/ ٢٧٠) من طريق أبي المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب عن ابن عباس مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته هشام هذا؛ فإنه متروك؛ كما قال الحافظ ابن حجر في "التقريب"، والذهبي من قبل في "التلخيص".
وقد تابعه - عند الحاكم - محمد بن معاوية: حدثنا مصادف بن زياد المديني قال: سمعت محمد بن كعب به مختصراً بلفظ:
"لا ينظر أحد منكم في كتاب أخيه إلا بإذنه".
стр. 7565
سكت الحاكم عن الحديث من الوجهين! فتعقبه الذهبي بقوله:
"قلت: هشام متروك، ومحمد بن معاوية كذبه الدارقطني، فبطل الحديث".
ولذلك؛ قال الشوكاني في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص ٢٢٩) :
"طرقه واهية".
٥٤٢٦ - (لا تظهر الشماتة لأخيك؛ فيرحمه الله ويبتليك) .
ضعيف
أخرجه الترمذي (٢٥٠٨) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٨٦) ، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٩٦) ، وكذا المخلص في "الفوائد المنتقاة" (٧/) (١) ، وأبو الحسن الحربي في "الأمالي" (٢٤٧/ ١) ، وابن الأعرابي في "معجمه" (١٥٨/ ٢) ، والماليني في "الأربعين" (٤٢/ ٢) ، والطبراني في "المنتقى منه" (٨١/ ٢) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٣١٠/ ١) ، والخطيب أيضاً في "الموضح" (٢/ ٥) ، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٥/ ١٧٧/ ٢) ، وأبو جعفر الطوسي في "الأمالي" (ص ٢٠) ، وابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٢١٣-٢١٤) من طريق عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني والقاسم بن أمية الحذاء كلاهما عن حفص بن غياث عن برد بن سنان عن مكحول عن واثلة بن الأسقع مرفوعاً به. وقال أبو نعيم:
"غريب من حديث برد ومكحول، لم نكتبه إلا من حديث حفص بن غياث النخعي". وقال الترمذي:
стр. 7566
"هذا حديث حسن غريب، ومكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع"!
قلت: وقد خالفه ابن حبان، فقال:
"وهذا لا أصل له من كلام رسول الله ﷺ ؛ القاسم بن أمية شيخ يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد".
قلت: وهذا الإعلال رده الحافظ ابن حجر في "التهذيب" بقوله:
"كذا قال! وشهادة أبي زرعة وأبي حاتم له أنه صدوق أولى من تضعيف ابن حبان".
وسبقه إلى هذا المعنى الذهبي في "الميزان".
ولذلك؛ لا تطمئن النفس لهذا الإعلال، وإن تبعه عليه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٢٤) ! على أن السيوطي قد رده من جهة أخرى، وهي أن القاسم هذا قد تابعه آخران سماهما، فانظر "اللآلي" (٤/ ٤٢٨) .
ولذلك؛ أورده الحافظ ابن حجر في جملة الأحاديث التي حكم القزويني بوضعها، ورد ذلك عليه، وهي مطبوعة في آخر "المشكاة" (٣/ ٣١١- بتحقيقي) ، ولكنه لم يحقق القول فيه على خلاف عادته؛ فإنه ادعى أن الترمذي إنما حسنه لاعتضاده بشاهد ساقه الترمذي له بمعناه! ومع أن هذا لا يصلح في الشواهد؛ لأن فيه متهماً بالكذب؛ كما تقدم نقله عند تخريج حديثه برقم (١٧٨) ؛ لأن الترمذي قد وصف حديث الترجمة بأنه:
"حسن غريب"، وما يحسنه لشواهده إنما يقول فيه:
"حسن" فقط؛ كما صرح بذلك في آخر كتابه "السنن".
стр. 7567
فالصواب أنه حسنه لذاته؛ لثقة رجاله، واتصال إسناده عنده. أما الثقة؛ فلا مجال للنظر فيها لما سبق، وإنما النظر في الاتصال المذكور؛ فإن تصريحه بسماع مكحول من واثلة قد خالفه فيه شيخه البخاري؛ فقال: إنه لم يسمع منه.
ولا يشك عارف بهذا الفن أنه أعلم منه بعلل الحديث ورجاله، ولا سيما أنه وافقه على ذلك أبو حاتم الرازي، فأخشى أن يكون الترمذي اعتمد في ذلك على رواية لا تثبت؛ فقد جاء في "التهذيب" ما نصه:
"قال أبو حاتم: قلت لأبي مسهر: هل سمع مكحول من أحد من الصحابة؟! قال: من أنس. قلت: قيل: سمع من أبي هند؟ قال: من رواه؟ قلت: حيوة عن أبي صخرة عن مكحول: أنه سمع أبا هند. فكأنه لم يلتفت إلى ذلك. فقلت له: فواثلة بن الأسقع؟ فقال: من يرويه؟ قلت: حدثنا أبو صالح: حدثني معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة! فكأنه أومى برأسه".
قلت: فهذا لو صح عن مكحول؛ ثبت سماعه منه، ولكن في الطريق إليه ما يدفعه؛ فأبو صالح - وهو عبد الله بن صالح المصري - كثير الغلط؛ كما قال الحافظ في "التقريب".
والعلاء بن الحارث كان اختلط، ولهذا لم يعتد به أبو حاتم، وهو الراوي له، فنفى سماعه منه؛ كما تقدم.
وأيضاً؛ لو ثبت سماعه منه في الجملة؛ لم يلزم ثبوت سماعه لهذا الحديث منه؛ لأن ابن حبان رماه بالتدليس.
نعم؛ إن صح ما في رواية الشهاب القضاعي من طريق أبي يعلى الساجي: أخبرنا
стр. 7568
القاسم بن أمية الحذاء قال: سمعت حفص بن غياث يقول: سمعت برداً يقول: سمعت مكحولاً يقول: سمعت واثلة يقول ...
قلت: ففي هذا الإسناد التصريح بسماع مكحول.
والساجي - واسمه زكريا بن يحيى - أحد الأثبات؛ كما قال الذهبي.
لكن لا أدري ما حال الذين دون الساجي؛ فإن الكناشة التي عندي لم أكتبهم فيها يوم نسخت الأحاديث فيها من أصولها المحفوظة في المكتبة الظاهرية، ولا سبيل الآن إلى الرجوع إلى الأصل؛ لأني أكتب هذا التحقيق وأنا في عمان.
وعلى كل حال؛ فأنا في شك كبير في ثبوت سماعه في هذه الطريق؛ لمخالفتها لسائر طرق الحديث عند كل من ذكرنا من المخرجين.
والخلاصة: أن علة الحديث عندي: الانقطاع بين مكحول وواثلة. والله أعلم.
بقي شيء واحد؛ وهو أن السيوطي ذكر له شاهداً من حديث ابن عباس، وضعفه بإبراهيم بن الحكم بن أبان.
وقد ضعفه البخاري جداً؛ فلا يستشهد به، والله أعلم.
٥٤٢٧ - (من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله؛ فلينظر كيف منزلة الله عنده؛ فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه) .
ضعيف
أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٢/ ٥١٢،٥٧٥) ، ومن طريقه ابن حبان في "الضعفاء" (٢/ ٨١) ، والبزار في "مسنده" (ص ٢٩٥ - زوائد
стр. 7569
ابن حجر) ، والحاكم (١/ ٤٩٤-٤٩٥) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١/ ٣٢١) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢/ ٢٦٨/ ٢) من طريق عمر بن عبد الله مولى غفرة قال: سمعت أيوب بن خالد بن صفوان الأنصاري يقول: قال جابر بن عبد الله: ... فذكره مرفوعاً، وزادوا في أوله:
"يا أيها الناس! إن لله سرايا من الملائكة، تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فارتعوا في رياض الجنة؟ " (١) . قالوا: أين رياض الجنة؟ قال: "مجالس الذكر؛ فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروه أنفسكم، من كان ... " وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد"! ورده الذهبي بقوله:
"قلت: عمر ضعيف". وفي ترجمته أورد الحديث، وقال:
"كان يقلب الأخبار، ويروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره إلا على سبيل الاعتبار". وقال الحافظ في "التقريب":
"ضعيف". وقال الهيثمي في "المجمع":
"رواه أبو يعلى، والبزار، والطبراني في "الأوسط"، وفيه عمر مولى غفرة؛ وقد وثقه غير واحد، وضعفه جماعة، وبقية رجالهم رجال (الصحيح) ".
ونحوه في "الترغيب" (٣/ ٢٣٤) ؛ إلا أنه قال:
"والحديث حسن. والله أعلم"!
قلت: وهو تساهل منه! وقد ذكره الذهبي فيما أنكر على عمر، مع تصريحه بضعفه آنفاً. والله أعلم.
стр. 7570
ثم رأيت الحديث قد رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص ٢٤٢) من طريق غيلان يحدث عن مطرف (وهو ابن الشخير) قال: سمعته يقول:
من أحب أن يعلم ما له عند الله؛ فلينظر ما لله عنده.
وإسناده صحيح مقطوع.
وغيلان: هو ابن جرير البصري.
فلعل أصل الحديث موقوف، رفعه ذاك الضعيف. والله أعلم.
والحديث؛ أورده شارح "الطحاوية" في بحث الفوقية، ولم يصرح بأنه مرفوع؛ فإنه قال:
"جاء في الأثر ... " فذكره؛ لكنه قال: "في قلبه" مكان: "عنده"! و: "من قلبه" مكان: "من نفسه"!
وكنت لما خرجت الشرح المذكور علقت عليه بقولي:
"لا أعرفه".
وها قد عرفته فيما بعد مقطوعاً صحيحاً بطرفه الأول، وبتمامه مرفوعاً ضعيفاً، فبادرت إلى نشره، مع الشكر لمن كان السبب إلى إرشادي إلى وجوده في "المستدرك"، كما أشرت بذلك في الطبعة التاسعة من الشرح المذكور (ص ٢٩٠) .
وأما مخرجه الشيخ شعيب الأرناؤوط فقد علق عليه (ص ٣٨٩ - طبع مؤسسة الرسالة) بقوله:
"أطلق المؤلف كلمة (الأثر) على المأثور من كلام السلف؛ كما هو في اصطلاح
стр. 7571
الفقهاء؛ فإن النص الذي أورده ليس بحديث"!
كذا قال! وهذا من تهوره وادعاء ما لم يحط به علمه، فهلا وقف عند قولي: "لا أعرفه"، أو ما هو بمعناه مثل قولهم: "لم أجده"،أو "لم أقف عليه"؟!
٥٤٢٨ - (لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا استظهار أوفق من المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إيمان كالحياء والصبر) .
موضوع
رواه الطبراي في "المعجم الكبير" (٢٦٨٨) ، وابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٣٠٦-٣٠٧) من طريق عثمان بن سعيد الزيات: حدثنا محمد ابن عبد الله أبو رجاء الحبطي التستري: حدثنا شعبة بن الحجاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي مرفوعاً. وقال الطبراني:
"لم يروه عن شعبة إلا الحبطي، تفرد به عثمان بن سعيد الزيات، ولا يروى عن علي ﵁ إلا بهذا الإسناد".
قلت: وهو موضوع؛ آفته الحبطي هذا؛ قال الهيثمي (١٠/ ٢٨٣) :
"كذاب". وهو معنى قول ابن حبان في الحبطي هذا:
"يروي عن شعبة ما ليس من حديثه، ممن يأتي عن الثقات بما ليس من حديث الأثبات".
وهو من الأحاديث التي سود بها المدعو (عز الدين بليق) كتابه الذي سماه "منهاج الصالحين" (رقم ١٥٧٥) . ومن مصائبه أنه عزاه لابن ماجه أيضاً،
стр. 7572
فكأنه قلد في ذلك الشيخ العجلوني في "كشف الخفاء"!
وقد أخطأ هذا خطأ آخر، فقال:
"رواه ابن ماجه، والطبراني عن أبي ذر، وفي الباب عن علي بن أبي طالب"!!
ووجه الخطأ: أنه جعل حديث الترجمة لأبي ذر عند ابن ماجه، وإنما هو لعلي عند الطبراني،ولأبي ذر - لدى الأول - جملة العقل واللتان بعدها، وقد رويت من طرق أخرى عن غيره من الصحابة؛ وكلها ضعيفة، وقد سبق تخريجها رقم (١٩١٠) .
ثم إن في الحديث علة أخرى، وهي الحارث - وهو ابن عبد الله الأعور -؛ فيه لين؛ كما قال الذهبي في "الكاشف".
ولأبي نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٦) الجملة الأولى والثانية. وللقضاعي (ق ٧١/ ١) أكثره.
وأورده السيوطي في "الجامع الكبير" (٩١٤) مختصراً من رواية أبي بكر بن كامل في "معجمه" وابن النجار عن الحارث عن علي!
٥٤٢٩ - (أول شيء كتب الله في اللوح المحفوظ: بسم الله الرحمن الرحيم، إنه من استسلم لقضائي، ورضي بحكمي، وصبر علي بلائي؛ بعثته يوم القيامة مع الصديقين) .
موضوع
أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" عن إسماعيل بن بشر: حدثنا حماد بن قريش: حدثنا سليمان بن عمرو عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
стр. 7573
قال الحافظ في "الغرائب الملتقطة" (١/ ١/ ٣) :
"قلت: جويبر ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. والراوي عنه تالف. وفي السند أيضاً ... "! كذا بياض بخط الحافظ.
قلت: والتالف: هو سليمان بن عمرو، وهو أبو داود النخعي الكذاب؛ كما وصفه الذهبي، وذكر أن أحمد قال:
"كان يضع الحديث". وقال يحيى:
"كان أكذب الناس". وفي "اللسان":
"قال ابن المديني: كان من الدجالين. وقال ابن راهويه: لا أدري في الدنيا أكذب منه"! قال الحافظ ابن حجر:
"قلت: الكلام فيه لا يحصر؛ فقد كذبه ونسبه إلى الوضع من المتقدمين والمتأخرين ممن نقل كلامهم في الجرح والعدالة فوق الثلاثين نفساً".
قلت: وهو من أقبح الأحاديث التي شان بها الكاتب بليق كتابه "المنهاج" (١٦١٢) !
٥٤٣٠ - (يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة؛ وسع الله له في الجنة) .
ضعيف
أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١١٣) ، والطبري في "التفسير" (٢٦/ ١٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٨٣٢) من طريق الحكم بن أبان العدني عن الغطريف أبي هارون عن جابر بن زيد عن ابن عباس
стр. 7574
مرفوعاً به - زاد غير البخاري - عن الروح الأمين قال - زاد الطبراني -: قال الرب ... فذكره.
أورده البخاري في ترجمة (الغطريف) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وكذلك فعل ابن أبي حاتم، وذكر أنه يماني؛ فهو مجهول.
وأما قول الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٢١٨) :
"رواه الطبراني، وإسناده جيد"!
قلت: فالظاهر أنه - أعني: الغطريف - وثقه ابن حبان؛ فإن الهيثمي كثير الاعتماد على توثيقه، وقد أشار إلى ذلك في مكان آخر، فقال (١٠/ ٣٥٥) :
"رواه البزار [٣٤٥٦] ، ورجاله وثقوا، على ضعف في بعضهم".
والبعض الذي أشار إليه: هو الحكم بن أبان؛ فقد قال الحافظ فيه:
"صدوق عابد، وله أوهام".
ثم رأيت الحافظ ابن كثير قد أورد الحديث في "التفسير" (٤/ ١٥٨) من رواية ابن جرير وابن أبي حاتم من هذا الوجه؛ وقال:
"وهو حديث غريب، وإسناده جيد لا بأس به"!!
٥٤٣١ - (ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب) .
ضعيف
رواه ابن عدي (٢٠٧/ ٢) ، وابن عساكر في "التوبة" (٤/ ١) عن غسان بن عبيد: حدثنا أبو عاتكة طريف بن سليمان عن أنس مرفوعاً. وقال ابن عدي:
стр. 7575
"طريف بن سليمان أبو عاتكة؛ عامة ما يرويه عن أنس لا يتابعه عليه أحد من الثقات". وقال ابن حبان في "الضعفاء" (١/ ٣٨٢) :
"منكر الحديث جداً". وقال البخاري:
"منكر الحديث".
وغسان بن عبيد فيه ضعف.
وأخرجه الديلمي (٤/ ٢٠) من طريق أحمد بن محمد بن غالب عن أنس مرفوعاً.
وابن غالب هذا: هو غلام خليل الزاهد، وهو متروك.
والحديث؛ أورده السيوطي من رواية أبي المظفر السمعاني في "أماليه" عن سلمان، وله عنده تتمة.
٥٤٣٢ - (سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يسمى، ويختن، ويماط عنه الأذى، ويثقب أذنه، ويعق عنه، ويحلق رأسه، ويلطخ بدم عقيقته، ويتصدق بوزن شعره في رأسه ذهباً أو فضة) .
منكر بهذا التمام
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم ٥٥٢ - بترقيمي) عن رواد بن الجراح عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس قال: سبعة ... الحديث. وقال:
"لم يروه عن عبد الملك إلا رواد".
قلت: وهو ضعيف؛ لاختلاطه واختلاف العلماء فيه؛ فمنهم من وثقه،
стр. 7576
ومنهم من ضعفه، ومنهم من بالغ في تضعيفه؛ كالدارقطني فقال:
"متروك". ولخص أقوالهم الحافظ ابن حجر، فقال في "التقريب":
"صدوق، اختلط بآخره فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعف شديد".
قلت: فالعجب منه كيف احتج به لشرعية ثقب أذن الصبي، وقال - عقبه -:
"وهو يستدرك على قول بعض الشارحين: لا مستند لأصحابنا في قولهم: إنه سنة"!
قلت: وكيف يجوز إثبات السنة بمثل هذا الإسناد الواهي؟! ولا سيما وفي متنه جملة مستنكرة، وهي أنه يلطخ رأسه بدم عقيقته؛ فإن هذا التلطيخ كان في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمر النبي ﷺ أن يجعل مكان الدم خلوقاً، وقد ذكر الحافظ نفسه في "الفتح" بعض الأحاديث الواردة في ذلك (٩/ ٥٩٤) ، وخرجت أنا بعضها في "الإرواء" (٤/ ٣٨٨-٣٨٩) ؛ فليراجعها من شاء.
هذا؛ ولعل الحافظ لم يتيسر له الرجوع إلى سند الحديث؛ فاعتمد على قول شيخه الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٥٩) :
"رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله ثقات"!
وهذا مع كونه غير مسلم - لما فيه من إهمال الجرح المفسر بالاختلاط عمداً أو سهواً -؛ فإنه لا يعني أن الإسناد قوي، كما سبق التنبيه عليه مراراً.
ومن المحتمل أن ذلك كان بسبب العجلة. ومما يشعر بذلك: أنه لم يسق الحديث بتمامه، بل طرفه الأول، ثم موضع الشاهد منه، فقال:
стр. 7577
"فذكر السابع منها: وثقب أذنه". فهذا خطأ ظاهر فإنه الرابع منها، ولا تعليل له إلا العجلة، والله أعلم.
٥٤٣٣ - (إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) ، فرددناها عليك) .
منكر
أخرجه أحمد في "الزهد" - كما في "الدر المنثور" (٢/ ١٨٨) - ومن طريقه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦١١٤) ، والخطيب (١٤/ ٤٤) أيضاً، وابن جرير في "التفسير" (٥/ ١٢٠) من طريق هشام بن لاحق عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال:
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله! فقال:
"وعليك [السلام] ورحمة الله". ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله! ورحمة الله.
فقال: "وعليك [السلام] ورحمة الله وبركاته".
ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله! ورحمة الله وبركاته. فقال له: "وعليك".
فقال له الرجل: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي؛ أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي؟! فقال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات؛ غير هشام بن لاحق؛ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٣٣) - بعد أن عزاه للطبراني -:
стр. 7578
"وفيه هشام بن لاحق؛ قواه النسائي، وترك أحمد حديثه، وبقية رجاله رجال (الصحيح) "!
قلت: وأورده ابن حبان في "الضعفاء" (٣/ ٩٠-٩١) ، وقال:
"منكر الحديث، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به لما أكثر من المقلوبات عن أقوام ثقات".
قلت: وعزاه السيوطي لابن المنذر أيضاً، وابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند حسن!
كذا قال! وفيه تساهل ظاهر؛ فإن هشاماً هذا لم يوثقه - غير النسائي - إلا ابن عدي؛ فقال:
"أحاديثه حسان، أرجو أنه لا بأس به".
وتناقض فيه ابن حبان، فأورده في "الثقات" أيضاً، فقال:
"روى عن عاصم. وعنه أحمد بن هشام بن بهرام نسخة، في القلب من بعضها"!
ذكره في "اللسان". وفيه أن العقيلي ذكره في "الضعفاء"، وقال هو والساجي:
"قال البخاري: هو مضطرب الحديث، عنده مناكير، أنكر شبابة أحاديثه". قال الساجي:
"وهو لا يتابع".
стр. 7579
قلت: فقد ضعفه الجمهور، وقولهم مقدم على قول من وثقه؛ لأنه جرح مفسر، حتى في كلام ابن حبان في "الثقات"، فهو يلتقي مع طعنه فيه في "الضعفاء"؛ ويتحصل من مجموع كلمتيه أن الرجل صدوق في نفسه؛ لكنه يخطىء، فهو لذلك بكتاب "الضعفاء" أليق. وقال ابن الجوزي في "العلل" (٢/ ٢٣١) :
"لا يصح. قال أحمد: تركت حديث هشام بن لاحق. قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به".
وأقره الحافظ في "تخريج الكشاف" (ص ٤٦) .
ثم إن قول الهيثمي المتقدم:
"وبقية رجاله رجال (الصحيح) "! فهو غير صحيح؛ لأن الراوي عن هشام - عند الطبراني - عبد الله بن أحمد بن حنبل؛ وإن كان ثقة؛ فليس من رجال "الصحيح"؛ فإنه لم يرو عنه من الستة إلا النسائي!
وللحديث شاهد من حديث نافع أبي هرمز عن عكرمة عن ابن عباس به نحوه.
أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢٠٠٧) وفي "الأوسط" أيضاً؛ كما في "المجمع"؛ وقال:
"وفيه نافع بن هرمز، وهو ضعيف جداً".
قلت: فمثله لا يستشهد به.
وأما الحديث الذي رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم ٧٧١ - بترقيمي)
стр. 7580
في ترجمة (أحمد بن يحيى الحلواني) بسنده الصحيح عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال لها:
"يا عائشة! هذا جبريل يقرأ عليك السلام".
فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. فذهبت تزيد، فقال النبي ﷺ :
"إلى هذا انتهى السلام"، فقال: " (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) ". وقال الطبراني:
"لم يروه عن العلاء بن المسيب إلا عباد بن العوام".
قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، وكذلك من فوقه.
إلا أن العلاء بن المسيب قد تكلم فيه من قبل حفظه، حتى قال الحاكم:
"له أوهام في الإسناد والمتن". وأشر إلى ذلك الحافظ في "التقريب" بقوله:
"ثقة ربما وهم".
قلت: وأنا أظن أن قوله في هذا الحديث: فذهبت تزيد ... إلخ؛ غير محفوظ فيه؛ لأنه قد جاء من طرق عن عائشة ﵂ بدونها.
كذلك أخرجه البخاري (٣٧٦٨،٦٢٤٩،٦٢٥٣) ، ومسلم (٧/ ١٣٩) ، والنسائي في "عشرة النساء"، والدارمي (٢/ ٢٧٧) ، وابن سعد (٨/ ٦٧-
стр. 7581
٦٨،٧٩) ، وأحمد (٦/ ١٤٦،١٥٠، ٢٠٨،٢٢٤) من طرق كثيرة عن عائشة دون الزيادة.
فهي شاذة في نقدي. والله سبحانه تعالى أعلم.
ولعل سبب الوهم: أنه جاء في بعض الآثار ما يشبه هذه الزيادة، فاشتبه الأمر على الراوي، ودخل عليه رواية في أخرى، وهي ما رواه مالك في "الموطأ" (٣/ ١٣٢) عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال:
كنت جالساً عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ ثم زاد شيئاً مع ذلك أيضاً، قال ابن عباس - وهو يومئذ قد ذهب بصره -: من هذا؟ قالوا: هذا اليماني الذي يغشاك، فعرفوه إياه. قال: فقال ابن عباس:
إن السلام انتهى إلى بركة.
قلت: وإسناده صحيح.
ونحوه: ما رواه مالك أيضاً (٣/ ١٣٣-١٣٤) عن يحيى بن سعيد:
أن رجلاً سلم على عبد الله بن عمر، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، والغاديات والرائحات! فقال له عبد الله بن عمر: وعليك آنفاً! كأنه كره ذلك.
قلت: وإسناده منقطع بين يحيى وابن عمر.
لكن أخرجه البيهقي في "الشعب" من طريق عبد الله بن بابيه قال:
جاء رجل إلى ابن عمر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته.
стр. 7582
فقال: حسبك إلى: "وبركاته"؛ انتهى إلى: "وبركاته".
ومن طريق زهرة بن معبد قال: قال عمر: انتهى السلام إلى "وبركاته".
ورجاله ثقات؛ كما قال الحافظ في "الفتح" (١١/ ٦ - السلفية) ، ولم يتعرض بذكر للإسناد إلى عبد الله بن بابيه - ويقال: ابن باباه -، وهو ثقة.
ولا يخفى أن أثر ابن عمر هذا لو صح لا يشهد - كأثر ابن عباس - لحديث الترجمة، وذلك لأمرين:
١- أن الحديث مرفوع، والأثر موقوف.
٢- أن الحديث في رد السلام، والأثر في إلقائه.
ويؤيد ذلك: أنه ثبت عن ابن عمر وغيره من السلف ما يخالف هذا الحديث الضعيف: فروى البخاري في "الأدب المفرد" (ص ٤٩ - دار الكتب العلمية) عن عمرو بن شعيب عن سالم مولى ابن عمر قال:
كان ابن عمر إذا سلم عليه، فرد؛ زاد، فأتيته وهو جالس، فقلت: السلام عليكم. فقال: السلام عليكم ورحمة الله. ثم أتيته مرة أخرى فقلت: السلام عليكم ورحمة الله. قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم أتيته مرة ثالثة فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطيب صلواته.
قلت: ورجاله ثقات معروفون؛ غير سالم هذا، وقد وقع في "الأدب" - كما ترى - أنه مولى ابن عمر، وكذلك وقع في "الفتح" نقلاً عنه!
ويبدو أنه خطأ قديم؛ فإنه في كتب الرجال: أنه مولى عبد الله بن عمرو، منها
стр. 7583
"التاريخ الكبير" للبخاري نفسه، ويبدو أنه مجهول؛ لأنه لم يذكروا راوياً عنه غير ابن شعيب هذا. وأما ابن حبان: فذكره في "الثقات" على قاعدته المعروفة، ولكن ذلك لا يمنع من الاستشهاد به؛ كما لا يخفى على الخبراء بهذا العلم الشريف.
ثم روى في "الأدب المفرد" (ص ١٤٧،١٦٥) عن زيد بن ثابت: أنه كتب إلى معاوية - والظاهر أنه جواب كتاب من معاوية إليه -:
"والسلام عليك - أمير المؤمنين! - ورحمة الله وبركاته ومغفرته"، زاد في الموضع الأول: "وطيب صلواته".
قلت: إسناده صحيح. وسكت عنه الحافظ وعن الذي قبله. وذكر عن ابن دقيق العيد أنه نقل عن أبي الوليد بن رشد أنه يؤخذ من قوله تعالى: (فحيوا بأحسن منها) الجواز في الزيادة على البركة إذا انتهى إليها المبتدىء.
ثم ذكر بعض الأحاديث المرفوعة الصريحة في ذلك، ثم قال:
"وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت؛ قوي ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على (وبركاته) ".
ومن تلك الأحاديث الصريحة: ما ذكره من رواية البيهقي في "الشعب" - بسند ضعيف - من حديث زيد بن أرقم:
كنا إذا سلم علينا النبي ﷺ قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته.
قلت: وفاته أنه أخرجه البخاري أيضاً في "التاريخ"؛ كما كنت خرجته في
стр. 7584
"الصحيحة" (١٤٤٩) ، وذهبت هناك إلى تجويد إسناده؛ لأنه ليس في رجاله من ينظر فيه غير إبراهيم بن المختار الرازي، وهو وإن كان مختلفاً فيه؛ فقد اعتمدت على قول أبي حاتم فيه:
"صالح الحديث"؛ مع تشدده المعروف في التوثيق، لا سيما وقد وافقه على ذلك أبو داود، وهو مقتضى توثيق ابن شاهين وابن حبان إياه؛ إلا أن هذا قال:
"يتقى حديثه من رواية ابن حميد عنه".
وهذا ليس من روايته عنه، بل من رواية محمد بن سعيد بن الأصبهاني عنه، كما ذكرته هناك؛ خلافاً لأحد الطلبة الأفاضل الذي كتب إلى يرجح أنه محمد ابن حميد؛ دون أيما دليل سوى أن كلاً منهما روى عن إبراهيم بن المختار، غير ملتفت إلى أن الأول من شيوخ البخاري يقيناً، والآخر لم يذكره أحد في شيوخه أو أنه روى عنه، مع تصريحهم بأنه تركه. وهذا ظاهره أنه حدث عنه مطلقاً لعلمه بشدة ضعفه، أو أنه تبين له ذلك بعد أن سمع منه. وأما أنه حدث عنه وصار من جملة شيوخه ثم تركه؛ فهذا مما لا يفهمه أحد له معرفة بهذا العلم؛ إلا أن ينص أحد أنه كان من شيوخه ثم تركه، فهذا ما لم يقله أحد؛ خلافاً لما رمى إليه المشار إليه بقوله:
"والبخاري قد أتى ابن (كذا بالضم ولعله سبق قلم) حميد ثم تركه"!
وجملة القول: أن الحديث ضعيف الإسناد منكر المتن؛ لمخالفته لظاهر آية رد التحية بأحسن منها، والأحاديث والآثار الموافقة لها. والله تعالى أعلم.
ثم إن حديث الترجمة؛ قد أورده ابن علان في "شرح الأذكار" (٥/ ٢٩١) ؛ وقال - ولعله نقله عن "نتائج الأفكار" للحافظ ابن حجر -:
стр. 7585
"أخرجه أحمد في "الزهد"، ولم يخرجه في "المسند"؛ لضعف هشام بن لاحق عنده، وقد وثقه غيره".
قلت: وقد سبق بيان أن الراجح التضعيف، لا سيما وقد تركه الإمام أحمد؛ كم تقدم نقله عن جمع من الأئمة. ومع ذلك؛ فإنه لم يعجب الكاتب المشار إليه آنفاً؛ فإنه أخذ يحاول التشكيك في ثبوت ذلك عن الإمام أحمد في مقال له آخر، أرسله إلي بعد كتابه الأول، فقال:
"ولم أجد هذا القول مستفيضاً عن أحمد"!!
وهذا مما يدل الواقف على كلامه ونقده للأحاديث على أنه ناشىء في هذا المجال؛ - وهذا أقل ما يمكن أن يقال -، وإلا؛ فمتى كان شرطاً في قبول قول الإمام أن يكون مستفيضاً؟! ألا ترى أنه يمكن لمخالفه أن يعارضه بقوله هذا فيما مال هو إليه من الاعتماد على قول أحمد الآخر:
"لم يكن به بأس"؟! أليس في ذلك كله مخالفة صريحة لقول العلماء:
"الجرح مقدم على التعديل" بشرطه المعروف؟! وهل يمكن لأحد اليوم أن يصنف أقوال أئمة الجرح والتعديل من حيث روايتها عنهم، فيقول: هذا القول آحاد عن فلان! وهذا مستفيض عنه أو عن غيره! وهذا متواتر؟!
وللمشار إليه من مثل هذا النقد المخالف للعلماء أمور أخرى حول هذا الحديث وغيره، لا نطيل الكلام ببيان فسادها.
وقد كنت كتبت إليه بشيء من ذلك في الرد على كتابته الأولى إلي، كما سبقت الإشارة إلى ذلك قريباً، لذلك؛ لم أنشط للرد عليه في مقاله الآخر، لا
стр. 7586
سيما وقد تجاهل فيه ردي عليه المومى إليه ولو بكلمة واحدة، مع إعراضه عن كلام الحافظ الذي كنت نقلته إليه؛ ذهب فيه إلى شرعية الزيادة على ".. وبركاته" في رد السلام خلافاً للكاتب؛ فإنه أصر على عدم مشروعيتها في مقال آخر! فإنه بعد أن تكلم على حديث الترجمة بما عنده من علم؛ كشفت آنفاً عن بعضه! أخذ يسوق شواهد له تقويه بزعمه، تدل المبتدىء في هذا العلم أنه لم يصل فيه بعد إلى مقامه! فإنه بعد أن ساق حديث عائشة الذي بينت آنفاً شذوذه؛ أتبعه ببعض الآثار عن الصحابة، منها أثر ابن عباس وابن عمر المتقدمين، وهي لا تشهد للحديث مطلقاً؛ لأنها في رد الزيادة على ".. وبركاته" في ابتداء السلام، والحديث إنما هو في رده؛ كما لا يخفى على البصير.
وبدهي جداً: أن يخفى على مثله ما هو أدق من ذلك على الباحثين؛ فقد نقل من "شرح ابن علان للأذكار" (٥/ ٢٩٢) قول الحافظ في حديث عائشة المتقدم:
"هذا حديث حسن غريب جداً، قد أخرج لرواته في "الصحيح"؛ إلا أن ابن المسيب لم يسمع من عائشة".
فعقب عليه بقوله:
"وما أدري ما وجه قوله: "ابن المسيب لم يسمع من عائشة"؟! فلينظر "الأوسط" أو "مجمع البحرين" ... "!!
قلت: فخفي عليه أن (ابن المسيب) هذا ليس هو سعيد بن المسيب التابعي الجليل، وإنما هو العلاء بن المسيب، وهو علة الحديث؛ كما تقدم منقولاً من مصورة "المعجم الأوسط"، فهو معذور أن يخفى ذلك عليه؛ لأن كل مراجعه إنما هي من
стр. 7587
المطبوعات، فبالأولى أن يخفى عليه خطأ الحافظ في إعلاله بالانقطاع!
وكأنه لم يتنبه - الحافظ - لقول العلاء بن المسيب: "عن أبيه"، أو أنه لم يقع ذلك في نسخته من "الأوسط"، والظاهر الأول، وإلا؛ لأعله شيخه الهيثمي بالانقطاع لظهوره. والله أعلم.
والحقيقة: أن العلة إنما هي المخالفة والشذوذ من العلاء كما سبق بيانه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في تمام كلامه السابق، ولأمر ما لم ينقله الكاتب! فقال الحافظ:
"وسيأتي حديثها بدون هذه الزيادة في (باب الحكم السلام) ".
يشير إلى رواية الشيخين المتقدمة من طرق.
ثم تبين لي أن في متن حديث الترجمة نكارة تؤكد ضعفه، وهي قوله في الرد على الرجل الأخير الذي انتهى سلامه إلى "وبركاته":
"وعليك"؛ وقوله في آخر الحديث:
"فرددناها عليك"؛ فإن السياق يقتضي أن يرد عليه بالمثل؛ أي: إلى قوله: "وبركاته"، وكون الرجل لم يدع مجالاً للزيادة عليه لا يستلزم أن يكون الرد بـ: "وعليك"؛ لأنه دون المثل، كما هو ظاهر من الآية الكريمة: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) . قال الحسن البصري في تفسيرها:
إذا سلم عليك أخوك المسلم فقال: السلام عليك؛ فقل: السلام عليكم ورحمة الله، (أو ردوها) : يقول: إن لم تقل له: السلام عليك ورحمة الله؛ فرد عليه كما قال: السلام عليكم؛ كما سلم، ولا تقل: وعليك.
стр. 7588
أخرجه البيهقي من طريق المبارك بن فضالة عنه؛ كما في "الدر" (٢/ ١٨٨) .
ولهذا؛ قال الشوكاني في "فتح القدير" (١/ ٤٥٦) - وتبعه صديق حسن خان في "نيل المرام" (ص ١٦١) -:
"ومعنى قوله: (أو ردوها) : الاقتصار على مثل اللفظ الذي جاء به المبتدىء، فإذا قال: السلام عليكم؛ قال المجيب: وعليكم السلام".
قلت: فثبت أن قوله في الحديث: "وعليك" منكر؛ لأنه دون الرد بالمثل، بله الرد بالأحسن.
فالحديث ضعيف سنداً ومتناً. هذا ما ظهر لي؛ (وفوق كل ذي علم عليم) .
٥٤٣٤ - (إن محرم الحلال كمحلل الحرام) .
ضعيف
أخرجه ابن حبان في "الضعفاء" (١/ ١٠٣) ، وأبو بكر النيسابوري في "الفوائد" (١٤٢/ ١) ، والقاسم السرقسطي في "الدلائل" (٢/ ١٤٦/ ٢) ، وأبو بكر اليزدي في "مجلس له" (٦٨/ ١) ، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٨٢/ ٢) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري عن يحيى بن عباد بن حارثة الليثي أن أباه أخبره: أنه كان يصحب عبد الله بن عمر في الحج والعمرة، فقال: قال لي ابن عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ : ... فذكره.
أورده ابن حبان في ترجمة إبراهيم هذا، وقال فيه:
"كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل". ثم روى عنه ابن معين أنه قال فيه:
"ليس بشيء". ثم قال عقب الحديث:
стр. 7589
"وهذا من قول ابن عمر محفوظ، فأما من حديث رسول الله ﷺ ؛ فلا".
قلت: ويحيى بن عباد بن حارثة الليثي وأبوه: أوردها ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ١/ ٧٧-٧٨ و ٤/ ٢/ ١٧٢) ، ولم يذكر فيهما جرحاً ولا تعديلاً.
وأما ابن حبان؛ فذكر عباداً في "الثقات" دون ابنه! والله أعلم.
وجملة القول: أن هذا الإسناد ضعيف؛ لضعف إبراهيم، وجهالة شيخه يحيى ابن عباد وأبيه عباد.
لكن للحديث إسناد آخر؛ فقال الطبراني في "المعجم الأوسط" (٨١٤٨ - بترقيمي) : حدثنا موسى بن هارون: حدثنا أبو موسى الأنصاري: حدثنا عاصم بن عبد العزيز الأشجعي عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد زعم الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٧٦) أن رجاله رجال "الصحيح"! وهو من أوهامه ﵀؛ فإن من دون الحارث - باستثناء الأنصاري - ليسوا من رجال "الصحيح".
وفي الأشجعي وشيخه الحارث ضعف؛ كما يشير إلى ذلك قول الحافظ في كل منهما:
"صدوق يهم".
والأشجعي أضعف؛ فإنه ضعفه الأكثر. بل قال فيه البخاري:
"فيه نظر".
стр. 7590
فالظاهر أنه هو علة هذا الإسناد. وقد أورده ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ٣٠٨) من هذا الوجه، وقال:
"قال أبي: هذا حديث منكر".
قلت: وقد صح موقوفاً على عبد الله بن مسعود؛ فأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٥٧٣) ، وعنه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨٨٥٢) ، والبغوي في "حديث علي بن الجعد" (٩/ ١١٣/ ١) من طرق عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود به. وقال الهيثمي (١/ ١٧٧) :
"ورجاله رجال (الصحيح) ".
وفي رواية للطبراني (٨٨٥٣) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق قال:
كنت جالساً عند عبد الرحمن بن عبد الله، فأتاه رجل يسأله عن ابنه القاسم؟ فقال: غدا إلى الكناسة يطلب الضباب. فقال: أتأكله؟ فقال عبد الرحمن: ومن حرمه؟! سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ... فذكره. قال الهيثمي أيضاً (٤/ ٣٩) :
"ورجاله رجال (الصحيح) ".
قلت: وهو كما قال؛ إلا أن أبا إسحاق هذا - وهو السبيعي - كان اختلط.
لكنه لم يتفرد به؛ فقد أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠/ ١٧/ ٢) من طريق المسعودي عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: ... فذكره.
ثم روى ابن عساكر عن الحافظ أحمد العجلي قال:
стр. 7591
"عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود؛ يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفاً واحداً ... ". ثم ذكر هذا الحديث.
وكأنه يشير إلى رواية الطبراني المتقدمة من طريق إسرائيل؛ فإنها صريحة في سماع عبد الرحمن من أبيه ابن مسعود.
٥٤٣٥ - (يسلم الرجال على النساء، ولا يسلم النساء على الرجال) .
موضوع
أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٢٤٣) ، وابن حبان في "الضعفاء" (١/ ١٩٠) من طريق بشر بن عون: حدثنا بكار بن تميم عن مكحول عن واثلة بن الأسقع مرفوعاً.
أورده ابن حبان في ترجمة بشر هذا، وقال:
"له نسخة فيها مئة حديث؛ كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال.."، ثم ساق له بهذا الإسناد أحاديث هذا أحدها.
وأورده ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٢٣٤) ، وقال:
"لا يصح عن رسول الله ﷺ . وقال أبو حاتم الرازي: بشر وبكار مجهولان".
والحديث؛ عزاه الحافظ في "الفتح" (١١/ ٣٤) لأبي نعيم (!) في "عمل يوم وليلة"، وقال:
"وسنده واه، ومن حديث عمرو بن بن حريث مثله موقوفاً عليه، وسنده جيد"!
ذكره تحت شرح (باب: تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال) ، وحكى خلاف العلماء في ذلك، وانتهى من ذلك إلى الجواز إذا أمنت الفتنة، وهو
стр. 7592
الراجح؛ لثبوت سلام النبي ﷺ على النساء.
وكذلك صح سلام الصحابة على العجوز التي كانت تقدم إليهم أصول السلق مطبوخاً مع الطحين بعد صلاة الجمعة.
رواه البخاري في "صحيحه" (٦٢٤٨) .
وروى في "الأدب المفرد" (١٠٤٦) بسند حسن عن الحسن (وهو البصري) قال:
كن النساء يسلمن على الرجال.
٥٤٣٦ - (رأس هذا الأمر الإسلام، ومن أسلم سلم، وعمودة الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، لا يناله إلا أفضلهم) .
ضعيف
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٥٥/ ٩٦) من طريق عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن معاذ بن جبل مرفوعاً.
ثم رواه (٨/ ٢٦٦/ ٧٨٨٥) من طريق أخرى عن عثمان به مختصراً؛ دون ما قبل الذروة.. ولم يذكر معاذاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ علي بن يزيد - وهو الألهاني - ضعيف.
وبه أعله الهيثمي (٥/ ٢٧٤) .
ونحوه عثمان بن أبي العاتكة. وقال الحافظ في "التقريب":
"ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني".
стр. 7593
بيد أنه قد خالفه في متن الحديث وإسناده: أبو عبد الرحيم - وهو الحراني خالد بن أبي يزيد الثقة -؛ فقال: عن أبي عبد الملك عن القاسم عن فضالة بن عبيد الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"الإسلام ثلاثة أبيات: سفلى، وعليا، وغرفة.
فأما السفلى؛ فالإسلام؛ دخل عليه عامة المسلمين، فلا يسأل أحد منهم إلا قال: أنا مسلم.
وأما العليا؛ فتفاضل أعمالهم؛ بعض المسلمين أفضل من بعض.
وأما الغرفة العليا؛ فالجهاد في سبيل الله، لا ينالها إلا أفضلهم".
أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٨/ ٣١٨/ ٨٢٢) . وقال الهيثمي:
"وأبو عبد الملك لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات"!
قلت: هو علي بن يزيد الألهاني، وأبو عبد الملك كنيته، وهو صاحب القاسم، وقد عرفت ضعفه مما تقدم.
ومما يؤكد ذلك: اضطرابه في متن الحديث وسنده.
أما المتن؛ فظاهر.
وأما السند؛ فرواه عثمان عنه عن القاسم عن أبي أمامة عن معاذ.
ورواه أبو عبد الرحيم عنه عن القاسم عن فضالة.
وهو عن معاذ معروف من طرق عنه مختصراً ومطولاً.
стр. 7594
وقد رواه شعبة عن الحكم قال: سمعت عروة بن النزال يحدث عن معاذ بن جبل قال: ... فذكر حديثه الطويل الذي أوله:
"لقد سألت عن عظيم ... " الحديث، وفي آخره:
"وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! ".
ورواه الترمذي وغيره من طريق أخرى عن معاذ، وهو مخرج في "الإرواء" (٤١٣) .
وأما طريق شعبة هذه؛ فأخرجه ابن أبي شيبة في أول كتاب "الإيمان" رقم (١) ، وأحمد (٥/ ٣٣٧) ، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٤٧/ ٣٠٤) من طرق عن شعبة به نحو حديث الترمذي، وفيه حديث الترجمة دون قوله:
"لا يناله إلا أفضلهم".
ورجاله ثقات؛ إلا أن عروة بن النزال فيه جهالة، مع انقطاع؛ بينه أحمد (٥/ ٢٣٣) من رواية روح عن شعبة:
قال شعبة: فقلت له: سمعه من معاذ؟ قال: لم يسمعه منه وقد أدركه.
وجملة القول: أن الحديث بهذه الزيادة:
"لا يناله إلا أفضلهم"؛ ضعيف لا يصح؛ لتفرد الألهاني به، واضطرابه في سنده ومتنه. والله أعلم.
٥٤٣٧ - (سألت جبريل ﵊ عن هذه الآية: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) ؛ من الذي لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال:
стр. 7595
هم الشهداء، يتقلدون أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم الملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت، [أزمتها الدر [الأبيض] ، برحال [الذهب، أعنتها] السندس والإستبرق] ، نمارها ألين من الحرير، مد خطاها مد أبصار الرجال، يسيرون في الجنة [على خيول] ، يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا؛ لننظر كيف يقضي بين خلقه؟ يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن؛ فلا حساب عليه) .
منكر بهذا التمام
قال في "الدر المنثور" (٥/ ٣٣٦) :
"أخرجه أبو يعلى، والدارقطني في "الأفراد"، وابن المنذر، والحاكم - وصححه -، وابن مردويه، والبيهقي في "البعث" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ... (فذكره) ".
قلت: وفي عزوه بهذا التمام للحاكم نظر؛ فإنه إنما أخرجه في "المستدرك" (٢/ ٢٥٣) دون قوله: "يتقلدون أسيافهم.." إلخ؛ عن أبي أسامة عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة. وقال:
"صحيح الإسناد". وأقره المنذري في "الترغيب" (٢/ ١٩٩) .
وأما الذهبي؛ فزاد في "التلخيص":
".. على شرط البخاري ومسلم".
قلت: وهو الصواب؛ فإن رجاله كلهم على شرطهما.
وعمر هذا: هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني؛ نزيل عسقلان، ولم يعرفه الحافظ ابن كثير كما يأتي. ثم قال المنذري:
стр. 7596
"ورواه ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن عياش أطول منه؛ وقال فيه: (هم الشهداء، يبعثهم الله متقلدين أسيافهم حول عرشه ... ) "!
قلت: وإسماعيل بن عياش - وهو الحمصي الشامي - مختلف فيه. والذي استقر عليه رأي الحفاظ النقاد فيه: أنه ثقة فيما يرويه عن الشاميين، ضعيف فيما يرويه عن غيرهم، ولذلك؛ كان الواجب على المنذري أن يسمي لنا شيخه فيه!
وقد وقفت عليه بواسطة "تفسير ابن كثير"؛ فإنه - جزاه الله خيراً - ذكر إسناد أبي يعلى، فقال:
"وقال أبو يعلى: حدثنا يحيى بن معين: حدثنا أبو اليمان: حدثنا إسماعيل ابن عياش عن عمر بن محمد ... " فذكره كما تقدم في إسناد الحاكم. ثم قال:
"رجاله كلهم ثقات؛ إلا شيخ إسماعيل بن عياش؛ فإنه غير معروف. والله أعلم"!
وأقول: بل هو معروف؛ فإنه من ذرية عمر بن الخطاب كما تقدم؛ فقد ذكر الحافظ المزي - شيخ ابن كثير - في ترجمة عمر بن محمد هذا أنه روى عن زيد بن أسلم، وعنه جماعة منهم إسماعيل بن عياش فهو علة تلك الزيادة التي لم يروها الحاكم؛ لأن شيخه عمر هذا مدني كما تقدم،وقد عرفت من ترجمته آنفاً أنه ضعيف فيما يرويه عن المدنيين وغيرهم.
وقد يقول قائل: قد ذكرت آنفاً أن عمر هذا كان نزيل (عسقلان) ؛ وهي من بلاد الشام، فيمكن أن يكون إسماعيل سمعه منه فيها، وأنه حفظه عنه؟!
فأقول: هذا ممكن، ولكن لا بد له من مرجح، وهذا مفقود، وحينئذ يبقى حكم هذه الزيادة على الضعف، حتى يتبين المرجح؛ كشأن المختلط الذي لم يعلم
стр. 7597
أحدث بالحديث قبل الاختلاط أم بعده؟ فهو على الضعف حتى يتبين أنه حدث به قبل الاختلاط.
على أنه يترجح عندي ضعف هذه الزيادة من جهة أخرى؛ وهي مخالفة إسماعيل لأبي أسامة - واسمه حماد بن أسامة -، وهو ثقة ثبت، ولم يروها كما تقدم من تخريج الحاكم. ويبعد جداً أن يكون حدث بها عمر بن محمد، ولا يحفظها أبو أسامة عنه، ويحفظها إسماعيل، مع ما فيه من القال والقيل! ولذلك؛ فإن هذه الزيادة منكرة عندي،بخلاف ما قبلها، ولذلك؛ لم أوردها مع حديث الحاكم في "صحيح الترغيب" (٢/ ١٤٧/ ١٣٧٨) ، والله أعلم.
(تنبيه) : قد عزا الحديث لأبي يعلى الحافظ ابن حجر أيضاً في "المطالب العالية" (٣/ ٣٦٥/ ٣٧٢١) ، وذكر الشيخ الأعظمي في تعليقه عليه: أن البوصيري قد سكت عليه! وقد كشفنا لك عن علته بفضل الله وتوفيقه.
ولم أره في "مجمع الزوائد" للهيثمي، ولا عزاه المنذري لأبي يعلى كما تقدم! فلعله في بعض النسخ منه. والله أعلم.
ثم إن متن الحديث قد نقلته من "تفسير ابن كثير"، والزيادات التي بين المعكوفات [] ؛ إنما هي من "الترغيب"، وبعضها من "الدر". ووقع فيه: "البرهة" مكان: "النزهة"! ولعله تصحيف.
ثم رأيت الحافظ قد ساق إسناد أبي يعلى في "المطالب العالية المسندة" (٢/ ٤٥/ ٢) كما ساقه ابن كثير.
وقد رواه آخرون عن إسماعيل، وعن محمد بن عمر؛ دون قوله:
стр. 7598
"تتلقاهم الملائكة ... ". وتقدم برقم (٣٦٨٥) .
٥٤٣٨ - (إن جبريل أتى رسول الله ﷺ - حين قبض سعد بن معاذ [من جرح أصابه يوم الخندق]- من جوف الليل معتجراً بعمامة من إستبرق، فقال: يا محمد! من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ قال: فقام رسول الله ﷺ سريعاً يجر ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات) .
ضعيف
أخرجه ابن إسحاق في "السيرة" (٣/ ٢٧١) : حدثني معاذ بن رفاعة الزرقي قال: حدثني من شئت من رجال قومي: إن جبريل ... الحديث.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة شيخ معاذ بن رفاعة.
على أن هذا نفسه فيه نظر؛ فإنه لم يوثقه غير ابن حبان، وحكى أبو الفتح الأزدي عن عباس الدوري عن ابن معين أنه قال فيه:
"ضعيف". قال الأزدي:
"ولا يحتج بحديثه"؛ كما في "التهذيب".
وقد روى عنه جمع، ولم يذكر فيه البخاري في "التاريخ"، وابن أبي حاتم في كتابه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول الحال؛ إن لم يكن ضعيفاً.
وأما الحافظ؛ فقال:
"صدوق"!
وبيض له الذهبي في "الكاشف".
стр. 7599
وقد خولف ابن إسحاق في إسناده ومتنه؛ فقال يزيد بن الهاد: عن معاذ بن رفاعة عن جابر بن عبد الله قال: ... فذكره مختصراً نحوه، ولفظه:
جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات؛ فتحت له أبواب السماء، وتحرك له العرش؟
قال: فخرج رسول الله ﷺ ؛ فإذا سعد بن معاذ.
أخرجه البيهقي في "الدلائل" - كما في "السيرة" لابن كثير (٣/ ٢٤٥) -، رواه عن شيخه الحاكم، وقد أخرجه هذا في "المستدرك" (٣/ ٢٠٦) مختصراً نحوه؛ ليس فيه ذكر جبريل ﵇، فصار الحديث من قول النبي ﷺ ، وليس من قول جبريل.
وكذلك رواه الإمام أحمد (٣/ ٣٢٧) ، والنسائي في "الكبرى" - كما في "تحفة الأشراف" (٢/ ٣٧٩) -، وعزاه إليه الذهبي أيضاً في "سير أعلام النبلاء" (١/ ٢٩٣) ؛ لكن ذكره بلفظ البيهقي الذي فيه ذكر جبريل، وكأنه من أوهامه؛ إذا صح ما في "التحفة"! وتبعه على الوهم المعلق عليه؛ فعزاه لأحمد والحاكم، وقد عرفت أن روايتهما كرواية النسائي!
وجملة القول: أن حديث الترجمة ضعيف عندي؛ للجهالة، والضعف الذي في بعض رواته، ومخالفة ابن إسحاق لابن الهاد في إسناده ومتنه.
وقد وجدت له طريقاً أخرى، ولكنها واهية أيضاً، فلا يستشهد بها؛ يرويه أبو قرة محمد بن حميد: حدثنا سعيد بن تليد: حدثنا محمد بن فضالة عن أبي طاهر عبد الملك بن محمد بن أبي بكر عن عمه عبد الله بن أبي بكر قال:
стр. 7600
مات سعد بن معاذ من جرح أصابه يوم الخندق شهيداً، قال: فلبغني أن جبريل ﵇ نزل في جنازته معتجراً.. الحديث مثله.
أخرجه ابن عبد البر في ترجمة (سعد بن معاذ) من "الاستيعاب".
قلت: وهذا إسناد مظلم؛ فإنه مع كونه بلاغاً من عبد الله بن أبي بكر، وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري التابعي؛ فيما يظهر لي؛ فإن في الطريق إليه جمعاً لا يحتج بهم:
الأول: عبد الملك بن محمد بن أبي بكر - وهو الحزمي -؛ أورده البخاري في "التاريخ" (٣/ ١/ ٤٣١) ، وابن أبي حاتم (٢/ ٢/ ٣٦٩) من رواية ابن وهب عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ويحتمل عندي أنه الذي في "الميزان" و "اللسان":
"عبد الملك بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:
"ليس في القبلة وضوء".
وعنه بقية. قال الدارقطني: عبد الملك ضعيف".
قلت: وهو من طبقة الحزمي هذا، وحديثه في القبلة في "سنن الدارقطني" (١/ ١٣٦) معلقاً.
الثاني: محمد بن فضالة؛ لم أعرفه، ويحتمل - على بعد - أنه الذي في "الميزان" و "لسانه":