٥٥٥١ - (ليس صغير بصغير مع الإصرار، وليست كبيرة بكبيرة مع الاستغفار، طوبى لمن وجد في كتابه يوم القيامة استغفار كثيراً) (١) .
موضوع.
أخرجه الطبراني في " مسند الشاميين " (ص ٦٨٣) من طريق بشر بن عبيد الراسبي: ثنا أبو عبد الرحمن العنبري عن مكحول عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً به.
قلت: وهذا موضوع؛ آفته الراسبي هذا؛ قال الذهبي:
" كذبه الأزدي. وقال ابن عدي: منكر الحديث عن الأئمة بيِّن الضعف جداً "
ثم ساق له ثلاثة أحاديث منكرة، وقال:
" وهذه أحاديث غير صحيحة، فالله المستعان ". ثم أتبعها بحديث رابع، وقال:
" وهذا موضوع ".
وبه أعله الحافظ السخاوي في " المقاصد "، فقال:
" وهو متروك ".
قلت: وشيخه أبو عبد الرحمن العنبري؛ لم أعرفه.
وللحديث بعض الشواهد دون جملة الاستغفار وقد تكلم عليها في " المقاصد " (ص ٤٦٧ / ١٣٠٨) ، فليراجعها من شاء.
стр. 7819
٥٥٥٢ - (مسألة الغني شَين في وجهه، [ومسألة الغني نار،] إن أُعطي قليلاً فقليل، وإن أُعطي كَثِيرًا فَكَثِير) .
منكر بهذا التمام. أخرجه البزار في " مسنده " (١ / ٤٣٥ / ٩٢٢ - كشف الأستار) ، وأبو الشيخ في " الأ قران " (٢ / ١) ، والطبراني في " الكبيرة " (١٨ / ١٧٥ / ٤٠٠) من طرق عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن عمران بن حصين مَرْفُوعًا. وقال البزّار - والزيادة له -:
" لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن عمران، وإسماعيل ليس بالقوي ".
قلت: وهو المكي أبو إسحاق؛ قال في " التقريب ":
" ضعيف الحديث ".
قلت: وقد خالفه جمع من الثقات؛ فرووه عن الحسن به؛ دون الزيادة وما بعدها، وزادوا: " يوم القيامة ".
أخرجه أحمد (٤ / ٤٢٦، ٤٣٦) ، والطبراني في " الكبير " (١٨ / ١٦٤ / ٣٦٢) وفي " الأوسط " (٢ / ٢١٦ / ١ / ٨٣٤٢) .
وجود المنذري في " الترغيب " (٢ / ٣) إسناده!
وفيه نظر؛ لأن اَلْحَسَن - وهو البصري - مدلس وقد عنعنه في كل الطرق عنه. لكن هذا القدر من الحديث له شاهد صحيح من رواية ثوبان مَرْفُوعًا؛ كما بينته في " التعليق الرغيب ".
стр. 7820
ثم وجدت لإسماعيل مُتَابِعًا، وهو أبو حمزة العطار قال: ثنا الحسن عن عمران بتمامه دون زيادة البزّار.
أخرجه الطّبراني (١٨ / ١٦٢ / ٣٥٦) .
وأبو حمزة اسمه إسحاق بن الربيع البصري؛ ضعفه جمع، منهم عمرو بن علي قال:
" ضعيف الحديث ". وقال ابن عدي:
" ومع ضعفه يكتب حديثه ".
وهذان النصان من هذين الإمامين يدفعان قول الحافظ في " التقريب ": " تُكُلِّم فيه؛ للقدر ".
وبالجملة؛ فالحديث بتمامه لا يزال في مرتبة الضعف؛ لعدم الشاهد.
٥٥٥٣ - (توضأ ﷺ ، فمسح أسفل الخف وأعلاه) .
منكر بزيادة (الأسفل) . أخرجه أحمد (٤ / ٢٥١) : ثنا الوليد بن مسلم: ثنا ثور عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة به.
وأخرجه أبو داود (١٦٥) : حدثنا موسى بن مروان ومحمود بن خالد الدمشقي، والترمذي (١ / ١٦٢ / ٩٧ - شاكر) : حدثنا أبو الوليد الدمشقي - واسمه أحمد بن عبد الرحمن بن بكار البسري؛ ثقة -، وابن ماجه (١ / ١٩٥) : حدثنا هشام بن عمار، وابن الجارود (رقم ٨٤) ، والطبراني في " مسند الشاميين " (ص ٤١٩) من طريق عبد الله بن يوسف، والدارقطني في " سننه " (١ / - ١٩٥ /
стр. 7821
٦ و ٧) عن داود بن رشيد وعيسى بن أبي عمران، والبيهقي (١ / ٢٩٠) عن الحكم بن موسى وداود بن رشيد وأحمد بن يحيى بن إسحاق الحلواني، والطبراني في " الكبير " (٢٠ / ٣٩٦ / ٩٣٩) عن الهيثم بن خارجة وعبد الله بن يوسف، وكذا في " مسند الشاميين " (ص ٨٣) ؛ كلهم قالوا: ثنا الوليد بن مسلم به.
إلا أنهم اختلفوا عليه في إسناده:
فمنهم من قال عنه: (عن) في جميع الرواة فيه، كعبد الله بن يوسف والحكم بن موسى والهيثم بن خارجة.
ومنهم من صرح بالتحديث عن بعضهم، ثم اختلفوا عليه فيه:
فأكثرهم قال: عنه: ثنا ثور. . . كما في رواية أحمد، وتابعه محمود بن خالد الدمشقي وأبو الوليد الدمشقي وهشام بن عمار - وهو دمشقي أَيْضًا - - وكذلك وقع في " مسند الثاميين " - عن ابن يوسف وابن خارجة.
وخالفهم جَمِيعًا داود بن رشيد، فقال: عنه عن ثور بن يزيد: ثنا رجاء بن حيوة. فذكر التحديث بين ثور ورجاء، وليس بين الوليد وثور.
لكنه في رواية الحلواني عنه قال: (عن رجاء) . فلم يذكر التحديث بين ثور ورجاء، فهو في فلك موافق لرواية أحمد والثقات الذين معه.
فتكون روايته هذه أرجح من الأولى التي فيها التحديث بين ثور ورجاء. فتكون شاذة لمخالفته فيها الثقات الذين تابعوه في روايته عن الوليد بن مسلم، وخالفوه في ذكره التحديث بين ثور ورجاء، ولم نجد له مُتَابِعًا؛ اللهم الا ما في " التلخيص " لابن حجر (١ / ١٥٩) ؛ قال:
стр. 7822
" وذكر الدارقطني في " العلل " أن محمد بن عيسى بن سُمَيْع رواه عن ثور كذلك ".
قلت: لكن ابن سميع هذا لا يحتج به؛ كما قال ابن أبي حاتم عن أبيه (٤ / ١ / ٣٨) ، وقال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق يخطئ ".
ولذلك، قال الدارقطني في " العلل " - كما في " نصب الراية " (١ / ١٨١) وغيره -:
" هذا حديث لا يثبت؛ لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد [قال: حدثتُ عن
رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن النبي ﷺ ] مُرْسَلًا [ليس فيه المغيرة] ".
وما بين القوسين سقط من الأصل، استدركته من " سنن الدارقطني ". وهو تلقاه عمن قبله؛ كأحمد والبخاري؛ كما يأتي.
وقال الأثرم:
" سمعت أحمد بن حنبل يُضَعِّف هذا الحديث، ويذكر أنه ذكره لعبد الرحمن
ابن مهدي، فذكر عن ابن المبارك عن ثور قال: حدثت عن رجاء. . . " فذكر مثل ما تقدم عن الدارقطني (١) .
وتتابع المحدثون الأئمة على إعلال هذا الحديث بعلة الانقطاع، فقال أبو داود عقب الحديث:
" بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء. وقال الترمذي:
стр. 7823
" وهذا حديث معلول: لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل (يعني: الإمام البخاري) عن هذا الحديث؛
فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك. . . . " إلخ ما تقدم عن الدارقطني؛ إلا أنه
وقع في الترمذي خطأ نبه عليه الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على " الترمذي " (١ / ١٦٤) ؛ فراجعه إن شئت.
" وقال ابن أبي حاتم في " العلل " (١ / ٥٤ / ١٣٥) عقب الحديث عن أبيه:
" ليس بمحفوظ، وسائر الأحاديث عن المغيرة أصح ".
قلت: وفيه إشارة إلى أن في الحديث علة أخرى وهي في متنه؛ فإن المحفوظ عن المغيرة من طرق كثيرة جداً: أنه ﷺ مسح على الخفين. ليس فيها ذكر الأسفل. بل في بعضها: " على ظاهرهما ". وإسناده حسن صحيح كما كنت بينته في " صحيح أبي داود " (رقم ١٥١، ١٥٢) ، ونقل الحافظ في " التلخيص " أن البخاري قال في " التاريخ الأوسط ":
" وهذا أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة ".
قلت: ويؤكد ذلك أن عبد الملك بن عمير قد رواه عن ورّاد كاتب المغيرة عن المغيرة؛ ولم يذكر أسفل الخف.
كذلك رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عنه؛ كما نبه عليه الدارقطني في " العلل "، وحكاه عنه الحافظ ابن حجر في " النكت الظراف على الأطراف " (٨ / ٤٩٧ - ٤٩٨) .
وإسماعيل هذا؛ وإن كان ضَعِيفًا؛ فقد تابعه الحكم بن هشام الثقفي: حدثني
стр. 7824
عبد الملك بن عمير به.
أخرجه الطبراني في " الكبير " (٢٠ / ٣٩٠ / ٩٢٣) من طريقين عنه.
والحكم هذا؛ صدوق، فالإسناد جيد.
وعزاه أخونا السلفي لأحمد وأبي داود والترمذي! وهو تساهل منه، فإنما أخرجوه من الطريق السابقة عن الوليد بن مسلم. .!
هذا؛ وإن مما يزيد الأمر تَأْكِيدًا: أنه قد روى المسح على الخفين عن اَلْمُغِيرَة نحو ستين رَجُلًا؛ كما حكاه الحافظ في " الفتح " (١ / ٣٠٧) عن البزّار، ورواه معه من الصحابة أكثر من الثمانين - ومنهم العشرة المبشرون بالجنة -، ولذلك؛ صرح جمع من الحفاظ بتواتره عن النبي ﷺ ، وقد ساق أحاديث كثيرين منهم: ابن أبي شيبة في " المصنف " (١ / ١٧٥ - ١٨٤) ، ولحديث المغيرة عنده طرق، وكذلك عند النسائي في " الكبرى " (١ / ٤٣، ٤٤، ٥٩، ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٨، ٧١، ١٠٠ - ١٠١) ، كما استوعب الكثير منها عنه: الطّبراني في " الكبير " (٨٥٨، ٨٦٤ - ٨٨٢، ٨٨٧ - ٨٨٩، ٩٤٤ - ٩٤٦، ٩٦٣، ٩٧١، ٩٧٦، ٩٨٥، ٩٩٠، ٩٩٢ - ٩٩٧، ١٠٠٠ - ١٠٠٢، ١٠٠٥ - ١٠٠٧، ١٠١٨، ١٠٢٨ - ١٠٤١، ١٠٥٠، ١٠٥١، ١٠٦٢ - ١٠٦٤، ١٠٧٨ - ١٠٨١، ١٠٨٥) وفي " الأوسط " أَيْضًا (رقم ٥٢٩، ١١٣٣، ١٣٠٩، ١٣٩٢، ٢٠٢٨، ٢٨٠٥، ٣٢٥٨، ٣٥٩٢، ٣٦٦٩، ٣٧٦٣، ٥٢٧٢، ٥٤٢٠، ٥٤٥٢، ٥٥٣٥، ٩٠٩٦، ٩٢٦٤ - بترقيمي) .
أقول: فعدم ورود زيادة المسح أسفل الخفين في هذه الروايات المتواترة عن الصحابة بصورة عامة، وعن المغيرة بصورة خاصة إلا في رواية الوليد هذه؛ فهو مما لا يدع أي شك في شذوذها حسب قواعد علم الحديث الشريف.
стр. 7825
وهذا لو كان إسناد الوليد بها صَحِيحًا، فكيف وقد أعله اَلْأَئِمَّة - كما تقدم - بالإرسال والانقطاع!
أما الإرسال؛ فليس مُسَلَّمًا عندي؛ لمجيئه مَوْصُولًا من طريق عبد الملك بن عمير عن وراد؛ لكن ليس فيه الزيادة كما سبق بيانه.
وكنت أود أن أفسر قولهم بالإرسال هنا بالانقطاع الذي هو من معانيه عند المتقدمين من علمائنا.
وبه فسره الإمام البغوي في " شرح السنة " (١ / ٤٦٣) ؛ فقد قال بعد أن ذكر الحديث معلقاً:
" والحديث مرسل؛ لأنه يرويه ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة. وثورلم يسمع هذا من رجاء ".
كنت أود أن أفسره بالانقطاع؛ لكن ظاهر كلامهم المتقدم صريح بأن الإرسال
فيه غير الانقطاع، فهما عندهم علتان.
وثمة علة ثالثة عند أبي حاتم، وهي في المتن كما سبق بيانه، وهي علة قادحة كما شرحنا. ومثلها: الانقطاع، والمقصود به ما بين ثور ورجاء؛ كما تقدم في رواية ابن المبارك.
وقد أجاب عن هذه العلة ابن التركماني في " الجوهر النقي "، وتبعه أبو الحسن السندي في " حاشية ابن ماجه "، ثم الشيخ أحمد شاكر في تعليقه - وقلده المعلق على " شرح السنة " للبغوي - فقالوا - واللفظ لأحمد شاكر -:
" إن الوليد بن مسلم كان ثقة حَافِظًا مُتْقِنًا، فإن خالفه ابن المبارك في هذه
стр. 7826
الرواية؛ فإنما زاد أحدهما على الآخر، وزيادة الثقة مقبولة "!
قلت: لقد فات هؤلاء كلهم - وبخاصة أحمد شاكر منهم - أمران هامّان جداً
في هذا الحديث:
الأول: أن قاعدة (زيادة الثقة مقبولة) ليست على إطلاقها عند المحققين من المحدثين وغيرهم؛ بل الصواب الذي صرح به الحافظ ابن كثير وابن حجر وغيرهما: تقييدها بما إذا لم يخالف الثقة من هو أوثق منه أو أكثر عدداً. وإلا؛ كانت شاذة مردودة، وسواء كان ذلك في الإسناد أو المتن، ولذلك؛ اشترطوا في تعريف الحديث الصحيح:
" أن لا يشذ ".
وعلى ذلك جروا في كتب العلل والتخريجات وغيرها، كما يعلم ذلك من
درس ذلك دراسة واعية. ومن لم يتنبه لهذا القيد، أو لم يأخذ به؛ كان مُضْطَرِبًا
أشد الاضطراب في التصحيح والتضعيف، والأمثلة على ذلك كثيرة جِدًّا لا ضرورة للتوسع في ذكرها، وحسبك الآن - مَثَلاً - هذا الحديث؛ فقد أعله ابن حزم بمخالفة
الوليد بن مسلم لعبد الله بن المبارك، تَابِعًا في ذلك الإمام أحمد وغيره ممن سبق ذكرهم، فأصاب؛ لكنه لم يشعر أنه خالف قاعدته التي قررها في كتابه " الإحكام في أصول الأحكام "، وهي الأخذ بزيادة الثقة مُطْلَقًا؛ فقال (٢ / ٩٠ - ٩٦) :
" إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره، فسواء انفرد بها، أو شاركه فيها غيره، مثله أو دونه أو فوقه؛ فالأخذ بتلك الزيادة فرض. . . "!
وفي هذا الحديث يقول في " المحلى ":
стр. 7827
(أخطأ فيه الوليد بن مسلم في موضعين. . .) .
ثم ساق بإسناده إلى أحمد روايته عن عبد الله بن المبارك عن ثور قال: حدثت عن رجاء. . . إلخ، ليس كما تقدم، ليس له دليل على التخطئة سوى مخالفته لابن المبارك الذي هو أحفظ من الوليد، فأصاب تفريعا وأخطأ تفصيلاً، بخلاف أحمد شاكر، فإنه مع تأييده لابن حزم في قاعدته المذكورة في كتابه (الباعث الحثيث) (ص ٦٨) خالف المحدثين جميعا، فقدم رواية الوليد على رواية ابن المبارك!
فأخطأ تأصيلاً وتفريعاً! !
والأمر الآخر: أن الرواة اختلفوا على الوليد بن مسلم في مكان تصريحه بالتحديث في إسناد هذا الحديث، فيمنهم من ذكره بينه وبين ثور بن يزيد، ومنهم من ذكره بين ثور ورجاء بن حيوة.
فهو إسناد مضطرب، والمضطرب من أقسام الحديث الضعيف، إلا إذا ترجحت رواية على أخرى، وكانت الرواية الراجحة سالمة من علة أخرى تستوجب ضَعفها.
وليس الأمر كذلك هنا، فقد بيّنا في مطلع هذا التخريج أن الرواية الراجحة إنما هي التي صرح فيها الوليد بالتحديث بينه وبين شيخه ثور بن يزيد، ولم يصرح بذلك بين ثور ورجاء، بل عنعنه، وأنت إذا تذكرت أن الوليد بن مسلم كان يدلس تدليس التسوية، علمت أن الحديث يضعف بهذه العنعنه وحدها، فلا يكفي تصريحه بالتحديث بينه وبين شيخه، بل لا بد أن يصرح به بين شيخه وشيخ شيخه أيضا، ولهذا قال الحافظ في (تخريج المختصر) (ق ٢١ / ٢) في حديث آخر:
(وإسناده على شرط الصحيح، فقد صرح الوليد بالتحديث له ولشيخه، فَأُمِنَ
стр. 7828
التدليس والتسوية) .
فكيف إذا انضم إلى ذلك تصريح الإمام ابن المبارك بالانقطاع في هذا الموضع نفسه؟ !
(فائدة) : قال عبد الله بن أحمد في ((مسائله)) (ص ٣٣ - طبع المكتب الإسلامي) :
((سمعت أبي سئل عن المسح كيف هو؟ قال:
خططاً بالأصبع؛ كذا سمعنا. وأشار بيده، وكان أبي لا يذهب إلى أن يمسح أسفل الخفين)) .
قلت: وهذا مما يؤكد ضعف الحديث عند أحمد كما لا يخفى.
٥٥٥٤ - (كانَ قَبْلَ أن يبْني المسْجِدَ يُصَلِّي إلي خَشَبَةٍ، فلما بنَى المسجد بُنِيَ له مِحْرابٌ، فتقدَّم إليه، فَحَنَّتِ الخشَبَةُ حَنينَ البعيرِ، فَوضَعَ رسولُ الله ﷺ يدَهُ عليها، فسَكَنتْ) .
منكر. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٦ / ١٥٥ / ٥٧٢٦) عن عبد المهيمن ابن عباس بن سهل بن سعد: حدثني أبي عن جدي قال:. . . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد واهٍ؛ عبد المهيمن؛ قال الذهبي في ((الميزان)) :
((قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ليس بقوي))
قلت: والسند إليه صحيح، فهو من منكراته؛ لأن قصة الخشبة وحنينها
стр. 7829
صحيحة مشهورة من رواية جمع من الصحابة، إن لم تكن متواترة لكثرة طرقها وتعدد مخارجها، وفيها كلها أن ذلك كان حين اتُّخِذَ المنبر للنبي ﷺ وانتقل في خطبته من الخشبة إليه، وليس فيها ذكر للمحراب مطلقاً! فهو من أوهام عبد المهيمن بن عباس، وكأنه كان يضرب في روايته لهذه القصة.
فقد أخرجها ابن سعد في ((الطبقات)) (١ / ٢٥١) ، والطبراني أيضاً (٥٧٢٧) من طريقين آخرين عن عبد المهيمن به مختصراً بذكر النبر؛ دون حنين الخشبة.
وكذلك رواه عبد الله بن عمر العمري عن العباس بن سهل به؛ أتم منه.
أخرجه أحمد (٥ / ٣٣٧) ، وعنه الطبراني (٥٧٣٢) .
وتابعهما سعد بن سعيد بن قيس عن عباس بن سهل به مطولاً، وفبه ذكر المنبر والحنين.
أخرجه ابن سعد والبيهقي في ((الدلائل)) (٢ / ٥٥٩) بإسناد جيد على شرط مسلم.
وتابعه على قصة المنبر: أبو حازم بن دينار عن سهل بن سعد به، وفيه صلاته ﷺ على
المنبر، وفيه:
فلما فرغ؛ أقبل على الناس، فقال:
((أيها الناس! إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي)) .
أخرجه البخاري (٩١٧) ، ومسلم (٢ / ٧٤) ، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٥٢١ و ١٥٢٢) ، وابن سعد (١ / ٢٥٢ - ٢٥٣) ، وأحمد (٥ / ٣٣٩) ، والطبراني (٥٧٥٢، ٥٧٩٠، ٥٨٨١، ٥٩٧٧، ٥٩٩٢) ، وأبو نعيم في
стр. 7830
((الدلائل)) (ص ٣٤٣) من طرق عن أبي حازم به.
وفي بعض طرقه عند الطبراني:
((فلما جلس عليه؛ حنت الخشبة التي كان يقوم عليها، فجاء فوضع يده عليها حتى سكنت))
وهي زيادة صحيحة ثابتة في رواية بعض الصحابة المشار إليهم آنفا، وهي عند أبي نعيم أيضا في ((دلائل النبوة)) (ص ٣٤٣) مثل رواية الطبراني، والدارمي (١ / ١٩) مختصراً، ومعناها أشار إليه أحمد في روايته بلفظ:
((فقيل لسهل بن سعد: هل كان من شأن الجذع ما يقول الناس؟ قال: قد كان منه الذي كان)) .
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ثم رأيت الحافظ ابن حجر قد أفاض في ((تخريج المختصر)) في تخريج حديث حنبن الخشبة والمنبر بأسانيده عن جمع من الصحابة (ق ٥٢ / ١ - ٥٧ / ٢) ، ونقل عن البيهقي أنه قال:
((أمره ظاهر، نقله الخلف عن السلف، وإيراد الأحاديث فيه كالتكلف. يعني لشدة شهرته. وهو كما قال؛ فقد وقع لنا من حديث:
عبد الله بن عمر
وعبد الله بن عباس
وأنس بن مالك
стр. 7831
وجابر بن عبد الله
وسهل بن سعد
وأبي بن كعب
وأبي سعيد
وعائشة
وأم سلمة)) .
ثم أفاض في تخريجها وذكر طرقها وألفاظها، وكلها ليس فيها ذكر المحراب، فثبتت نكارته، ولا يصح في المحراب وأنه كان في مسجده ﷺ حديث، وللسيوطي في ذلك رسالة نافعة مطبوعة. فلتراجع.
٥٥٥٥ - (لولا أن بني إسرائيل قالوا: ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ ؛ ما أعطوا أبدا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها؛ لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم) .
منكر. أخرجه ابن مردويه في ((تفسيره)) - كما في ((تفسير ابن كثير)) ، و ((تخريج المختصر)) لابن حجر (ق ١٧٢ / ١) - من طريق سرور بن المغيرة بن أخي منصور بن زادان عن عباد بن منصور عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مرفوعا.
وأخرجه البزار في ((مسنده)) (ق ٢٠٠ / ٢ - كشف الأستار) ، وتمام في ((الفوائد)) (١٢ / ٢) ومن طريقه ابن حجر وابن أبي حاتم من طريق أبي سعيد
стр. 7832
الحداد أحمد بن داود: ثنا سرور بن المغيرة به مختصرا. وقال البزار:
((لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد)) .
قلت: وهو ضعيف؛ فيه علل ثلاثة:
الأولى: عنعنة الحسن البصري.
الثانية: ضعيف عباد بن منصور وعنعنته أيضا؛ قال الحافظ في ((التقريب)) :
((صدوق، رمى بالقدر، وكان يدلس، وتغير بآخره)) .
وبه أعله الحافظ في ((تخريج الكشاف)) ؛ لكنه أجمل القور فيه، فقال (٤ / ٨) :
((وفي سنده عباد بن منصور، وفيه ضعف))
الثالثة: سرور بن المغيرة؛ ليس بالمشهور؛ أورده ابن أبي حاتم في ((الجرح)) (٢ / ١ / ٣٢٥) برواية الحداد هذا عنه، وقال عن أبيه:
((شيخ)) ! ولم يزد، وقال الذهبي في ((الميزان)) :
((ذكره الأزدي وتكلم فيه)) .
وأما ابن حبان؛ فذكره في ((الثقات)) ! وهو عمدة الهيثيمي في توثيقه بقوله في ((المجمع)) (٦ / ٣١٤) :
((رواه البزار، وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات)) !
على أن أبا سعيد الحداد هذا تركه أبو حاتم وغيره؛ فقال ابنه (١ / ١ / ٥٠)
стр. 7833
عنه وعن أبي زرعة:
((أدركناه، ولم نكتب عنه)) .
لكن وثقه ابن معين وابن سعد؛ كما في ((تاريخ بغداد)) (٣ / ١٣٩) ، فالعلة ممن فوقه، لا سيما وقد توبع؛ كما يشعر بذلك قول ابن كثير بعد أن ذكره من طريقه:
((ورواه الحافظ ابن مردويه في ((تفسيره)) من وجه آخر عن سرور بن المغيرة. . . . . .)) إلخ. ثم قال عقبه مبينا ضعفه:
((وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة، كما تقدم مثله عن السدي))
ولذلك؛ فإنه قد أساء الشيخ الصابوني كل الإساءة حين أورد الحديث في ((مختصره)) (١ / ٧٧) ! فأوهم القراء بذلك أنه صحيح كما نص عليه في المقدمة! على ما كنت شرحت ذلك في مقدمة المجلد الرابع من ((الصحيحة)) ، ثم زاد في الإيهام بحذفه تضعيف ابن كثير إياه، واقتصاره على تخريج الحديث فقط في حاشيته! فهذا أسلوب جديد منه في الكذب على رسول الله ﷺ وعلى العلماء! فليضم إلى ما كنت ذكرته
عنه هناك. والله المستعان.
ثم إن الحديث قد أخرجه ابن حجر بسند صحيح عن عبيدة بن عمر السلماني قال:
كان في بني اسرائيل رجل عقيم. . . القصة، وفيها الحديث بنحوه موقوفا عليه، فهو من الإسرائيليات، قال ابن حجر عقبها:
стр. 7834
((ورواه عمرو بن الأزهر عن هشام بن حسان، فقال: عن محمد بن سرين عن عبيدة وأبي هريرة. ذكره الدارقطني في ((العلل)) ، قال: وهم عمرو في ذكر أبي هريرة.
قلت (هو ابن حجر) : وهو ضعيف جدا؛ لكن له طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعة متصلة مختصرة. . .)) .
قلت: ثم ساق حديث الترجمة.
وعمرو بن الأزهر هذا؛ له ترجمة سيئة جدا في ((الميزان)) و ((لسانه)) ، حتى قال الإمام أحمد:
((كان يضع الحديث)) . وقال يحيى:
((كان كذابا ضعيفا)) . وقال أبو سعيد الحداد المتقدم:
((كان يكذب مجاوبة. . . لا أكثر في المسلمين مثله)) .
٥٥٥٦ - (لدوا للموت، وابنوا للخراب) .
ضعيف. وهو قطعة من حديث أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧ / ٣٩٦ / ١٠٧٣١) من رواية موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبي حكيم مولى الزبير ﵁ مرفوعا بلفظ:
((ما من صباح يصبح على العباد إلا وصارخ يصرخ: لدوا للموت، واجمعوا للفناء، وابنوا للخراب)) .
وضعفه الحافظ ابن حجر في ((تخريج المختصر)) بقوله (ق ٢٠٢ / ١) :
стр. 7835
((هذا حديث غريب، وموسى وشيخه ضعيفان، وأبو حكيم مجهول، وقد أخرج الترمذي من طريق موسى هذا بهذا الإسناد حديثا غير هذا واستغربه)) .
قلت: يشير إلى الحديث المتقدم (٤٤٩٦) بلفظ:
((ما من صباح يصبح العبد إلا ومناد ينادي: سبحان الملك القدوس)) .
وقد بينت هناك أن محمد بن ثابت هذا ليس هو البناني الضعيف، وإنما هو آخر مجهول تفرد بالرواية عن أبي حكيم وعنه موسى بن عبيدة، ولا هو أيضا محمد بن ثابت العبدي كما وقع في ترجمة أبي حكيم هذا من
((تهذيب التهذيب)) لابن حجر! وكأنه سبق قلم منه؛ فإنه ليس في ((تهذيب المزي)) : (العبدي) .
ومن الغريب أن يتتابع المخرجون لهذا الحديث على تقليد الحافظ بن حجر في تضعيفه في ((تخريج المختصر)) لمحمد بن ثابت هذا دون أن يتنبهوا أنه واهم في ذلك، وأنه المجهول الذي صرح به في ((التقريب)) ! كالحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٣٣٢ / ٨٥٥) ، وعلى القاري في ((الموضوعات الكبرى)) (ص ٢٧٧ - تحقيق الصباغ) ، والمناوي في ((فيض القدير)) ، والشيخ الحوت في ((أسنى المطالب))
(ص ١٦٨) ، والعجلوني في ((كشف الخفاء)) وغيرهم! ! والله المستعان.
ومن المفارقات العجيبة التي وقفت عليها في هذا الحديث قول الزرقاني في ((مختصر المقاصد الحسنة)) (٧٩١ / ١٥٧) إنه حديث صحيح! وهذا مما لم يقله أحد قبله، وأظنه أُتي من ظاهر كلام السخاوي في حديث أبي هريرة الآتي كشاهد لهذا.
стр. 7836
ويقابل هذا ما نقله الشيخ القاري - وقلده الشيخ القاوقجي في ((اللؤلؤ المرصوع)) (ص ٦٢) - عن الإمام أحمد أنه قال في حديث الترجمة:
((وهو مما يدور في الأسواق! ولا أصل له)) !
وفي صحة هذا النقل عن الإمام أحمد نظر عندي، لسببين:
الأول: أنني لم أره في شيء من المصادر القديمة المعتمدة.
والآخر: أن المري عن الإمام أحمد أنه قال:
أربعة أحاديث تدور على رسول الله ﷺ في الأسواق ليس لها أصل. . .
فذكرها، وليس منها حديث الترجمة. رواه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢ / ٢٣٦) بسند عنه.
ومع ذلك، فقد قال الحافظ العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (٢٢٣) - وأقره السيوطي في ((اللآلي)) - (٢ / ١٤٠) :
((لا يصح هذا الكلام عن الإمام أحمد، فإنه أخرج حديثاً منها في ((المسند)) . . .)) إلخ، فراجعه إن شئت، فإنه لم يتعرض لنقده من حيث إسناده. فلينظر.
هذا، وقد روي الحديث عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً بلفظ:
(إن ملكاً بباب من أبواب الجنة يقول: من يقرض اليوم، يجز غدا. . .)) .
الحديث
стр. 7837
أخرجه أحمد (٢ / ٣٠٥ - ٣٠٦) ، وابن حبان (٨١٥) ، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٨ / ٣٨٠ / ٨٩٣٥ - الحرمين) من طرق عن حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عنه به، دون حديث الترجمة. ومن هذا الوجه: أخرجه النسائي في ((الكبرى)) ، والطبراني في ((الأوسط)) (٢ / ٢٦٩ / ٢ / ٩٠٩٨) وقال:
((تفرد به حماد)) .
قلت: وهو ثقة إمام، ولذا، قال الحافظ في ((تخريج المختصر)) :
((حديث صحيح)) .
قلت: وهو في ((الصحيحة)) (٩٢٠) من رواية ابن حبان.
وقبله من رواية الشيخين من طريق أخرى عن أبي هريرة نحوه.
وله في ((الأوسط)) طريق أخرى عن أبي هريرة مختصراً، لكن فيه (٢ / ١٦٤ / ١ ٧٥٠٨) و (٧ / ٢٣٦ / ٧٣٧٤ - حرمين) داود بن الزبرقان، وهو متروك.
ثم قال الحافظ:
((وأخرجه البيهقي في ((الشعب)) [١٠٧٣٠] من رواية مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به، وزاد:
((وإن ملكاً بباب آخر يقول: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم؛ فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. وإن ملكاً بباب آخر ينادي: يا بني آدم! لدوا للموت، وابنوا للخراب)) .
стр. 7838
قلت: سكت عنه الحافظ؛ لظهور علته؛ فإن مؤملاً هذا؛ قال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق سيئ الحفظ ". قلت: فمثله لا يحتج به عند التفرد، فكيف وقد خالف الثقات وزاد عليهم في حديثهم ما ليس فيه، فتكون زيادته منكرة.
والحديث؛ ذكره السخاوي من رواية البيهقي عن مؤمل بن إسماعيل به، وقال:
وهو عند أحمد والنسائي في " الكبرى " بدون الشاهد منه، وصححه ابن حبان ثم شيخنا ".
وعلى ضوء تخريجنا السابق يتبين أنه يعني الحديث بدون الشاهد؛ خلافاً لما فهمه الزرقاني في " مختصره " فصحح الشاهد كما سبق.
٥٥٥٧ - (إن الرجلَ ليكونُ مِنْ أَهْلِ الصلاة والزكَاةِ والحَجِّ والعُمْرَةِ والصيامِ والجهادِ - حتى ذَكَرَ سهام الخير -؛ وما يُجْزَى يومَ القيامةِ إلا بقدر عَقْلِهِ.)
باطل. أخرجه أبو أمية الطرسوسي في " مسند ابن عمر " (٢٥٤ / ١ - ٢) ، والعقيلي في " الضعفاء " (ص ٤١٦) ، وابن حبان أيضاً (٣ / ٤٠) ، وابن أبي الدنيا في " العقل وفضله " (ص ١٢) ، ومشرق بن عبد الله الفقيه في " حديثه " (ق ٦٠ / ١) ، والخطيب في " التاريخ " (١٣ / ٧٩) ، والواحدي في " تفسيره " (٤ / ١٥٦) ، وابن عساكر في " تاريخه " (٩ / ٤٥٨ / ٢) ، وابن الجوزي في
стр. 7839
منهاج القاصدين " (١ / ٢١ / ٢) وفي " الموضوعات " (١ / ١٧٢) من طريق الخطيب؛ كلهم عن منصور بن صقير الجزري: حدثتا موسى بن أعين عن عبيد الله بن عمرو عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً به. وقال العقيلي:
" منصور هذا في حديثه بعض الوهم، ولا يتابع عليه ".
وقال ابن حبان: " يروي عن موسى بن أعين وعبيد الله بن عَمر [و] المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد ". وقال ابن الجوزي:
" هذا حديث ليس بصحيح، قال ابن حبان:. . . " إلى آخر كلامه.
ثم قال ابن حبان:
" وهذا خبر مقلوب تتبعته مرة؛ لأن أجد لهذا الحديث أصلا أرجع إليه، فلم أره؛ إلا من حديث إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر. وإسحاق بن أبي فروة ليس بشيء في الحديث، وعبيد الله بن عَمرو سمع من إسحاق بن أبي فروة، فكأن موسى بن أعين سمعه من عبيد الله بن عمرو في المذاكرة عن إسحاق بن أبي فروة فحكاه. فسمعه منصور عنه فَسقط عليه إسحاق بن أبي فروة، فصار: عبيد الله عن نافع! ".
قلت: قد وصله العقيلي من طريقين عن عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن نافع به، وقال:
" هذه الرواية بهذا الحديث أشبه، وابن أبي فروة أحمل ".
قلت: وهو متروك؛ كما قال أبو زرعة وغيره، فهو آفة الحديث، وقد أسقطه منصور بن صقير، فإن كان فعل
ذلك عمداً. لزم إلحاقه بالمدلسين تدليس التسوية،
стр. 7840
ولم يورده أحد فيهم فيما علمت؛ حتى ولا الحافظ في " طبقات المدلسين "، ولعل ذلك لعدم ظهور تعمده لإسقاطه، والدته أعلم.
والحديث؛ قال ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ١٢٩ (:
" سمعت أبي سئل عن حديث رواه منصور. . . (فذكره وقال:) قال أبي:
سمعت ابن أبي الثلج (اسمه محمد بن عبد الله بن إسماعيل - من شيوخ البخاري -) يقول: ذكرت هذا الحديث ليحيى بن معين فقال: هذا حديث باطل؛ إنما رواه موسى بن أعين عن صاحبه عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، فرُفع إسحاق من الوسط فقيل: موسى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. قال أبي: وكان موسى وعبيد الله ابن عمرو صاحبين يكتب بعضهما عن بعض، وهو حديث باطل في الأصل.
قيل لأبي: ما كان منصور هذا؟ قال: ليس بقوي، كان جندياً، وفي حديثه اضطراب ".
قال ابن أبي حاتم:
" حدثنا ابن أبي الثلج قال: كنا نذكر هذا الحديث ليحيى بن معين سنتين أو ثلاثاً فيقول: " هو باطل "، ولا يدفعه شيء، حتى قدم علينا زكريا بن عدي فحدثنا بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة، فأتيناه فأخبرناه، فقال: هذا بابن أبي فروة أشبه منه بعبيد الله بن عمرو ".
قلت: وزكريا بن عدي وهو أخو يوسف؛ ثقة جليل يحفظ، احتج به مسلم، وقد ساق الإسناد على وجهه، فساعد على الكشف عن علته التي لما وقف ابن معين عليها أكد قوله ببطلان الحديث، وتبعه على ذلك العقيلي وأبو حاتم وابن
стр. 7841
حبان وغيرهم كما تقدم، ولعله أحد الطريقين المشار إليهما آنفاً عند العقيلي " وليس كتابه بين يدي - وهو من مخطوطات الظاهرية العامرة - لأتأكد من ذلك (*) ، ولكنه قد توبع أيضاً. فقال الخطيب عقب قول أبي حاتم المتقدم:
" قلت: وقد روى حديث موسى بن أعين: بقية بن الوليد عن عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن عبد الله؛ كما ذكر يحيى بن معين؛ إلا أنه خالفه في المتن ".
ثم ساقه بإسناده عن موسى بن سليمان: حدثنا بقية: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة به، بلفظ:
" لا تعجبوا بإسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة عقله ".
لكن موسى بن سليمان هذا؛ قال الحافظ في " التقريب ":
" صالح الحديث؛ إلا عن بقية ".
قلت: لأنه تلقن في حديث رواه ابن عدي في " مقدمة الكامل " (ص ٦٣) عن شيخه محمد بن حاتم الهزهاز المنبجي، فقال الشيخ في موسى:
" لقنوه - أصحاب الحديث - فتلقن، ثم رجع عنه ".
لكني لم أجد لهذا الشيخ ترجمة، وقد ذكر الذهبي في " التذكرة " جماعة بهذا الاسم (محمد بن حاتم) ، ليس فيهم هذا. والله أعلم.
ــ
(*) لا يشوش على كلام شيخنا الألباني ﵀ هذا أنه ذكر " ضعفاء العقيلي " قبل ذلك - وبعد - ونقل عنه؛ لأنه - كما هو معلوم عن شيخنا - يخرج الحديث، ثم يتركُهُ، ويرجع إليه بعد ذلك مراتٍ ومراتٍ مُضيفأ وحاذفاَ، فلعلًه كتبَ هذا لاحقاً؛ خاصة أنه تُوفي قبل تهيئة الكتاب للطبع. . (الناشر) .
стр. 7842
وقد توهم بقية على هذا اللفظ؛ فأخرجه ابن أبي الدنيا (ص ١١) ، والعقيلي (ص ٣٦، ٤١٦) ، وابن عدي (ق ١٥ / ١) ، والحكيم الترمذي في " الرياضة " (٣٦٨) ، والقضائي في " مسند الشهاب " (ق ٧٩ / ١ - ٢) من طريق خالد بن حيان عن عبيد الله بن عمرو. وقال بعضهم في لفظه:
" لا يعجبنكم إسلام امرئ. . .! إلخ. وقال العقيلي: " منكر، لا يتابع عليه ابن أبي فروة ".
قلت: قد رواه ابن عدي (١٠٥ / ١) من طريق حبيب ين رزيق: ثنا ابن أبي ذئب ومالك بن أنس عن نافع به. وقال: " هذا باطل عن مالك وابن أبي ذئب؛ حبيب هذا يضع الحديث، وإنما يروي هذا عبيد الله بن عمرو الرقي عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع، وإسحاق متروك الحديث ".
ثم إن بقية بن الوليد قد اتهم بالتدليس في هذا الحديث تدليس التسوية؛ فقد قال ابن أبي حاتم في " العلل " أيضاً (٢ / ١٥٤) / " سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية قال: حدثني أبو وهب الأسدي قال: حدثنا نافع عن ابن عمر [عن النبي ﷺ قال] : " لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه ". قال أبي:
هذا الحديث له علة قل من يفهمه] : رواه عبيد الله بن عَمرو عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ . وعبيد الله بن عمرو كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكأن بقية كنى عبيد الله بن عمرو ونسبه إلى بني أسد؛
стр. 7843
لكيلا يفطن له، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له، وكان بقية من أفعل الناس لهذا.
وأما ما قال إسحاق في روايته عن بقية عن أبي وهب: " حدثنا نافع "؛ فهو وهم، غير أن وجهه عندي أن إسحاق لعله حفظ عن بقية هذا الحديث، ولم يفطن لما عمل بقية من تركه إسحاق من الوسط وتكنيته عبيد الله بن عمرو، فلم يتفقد لفظة بقية في قوله: " حدثنا نافع " أو: " عن نافع " ".
قلت: يتلخص من كلامه أمران:
١ - أن بقية كان يدلس الشيوخ والأسماء
٢ - اتهامه بأنه كان يدلس تدليس التسوية، كالوليد بن مسلم.
أما الأول؛ فهو من المسالم به؛ فقد ذكر ذلك عنه كثير ممن ترجم له من الأئمة، القدامى منهم والمحدَثين؛ لكن في شيوخه، وليس في شيوخهم، منهم الحافظ يعقوب الفسوي؛ فقال في " المعرفة والتاريخ " (٢ / ٤٢٤) : "
وبقية يقارب إسماعيل والوليد في حديث الشاميين، وهو ثقة إذا حدث عن ثقة، فحديثه يقوم مقام الحجة، يذكر بحفظ، إلا أنه يشتهي المُلَح والطرائف من الحديث، ويروي عن شيوخ فيهم ضعف، وكان يشتهي الحديث، فيكني الضعيف المعروف بالاسم، ويسمي المعروف بالكنية باسمه. وسمعت إسحاق بن راهويه قال: قال ابن المبارك: أعياني بقية! كان يكني الأسامي، ويسمي الكنى، قال: حدثني أبو سعيد الوحاظي، فإذا هو عبد القدوس.
وقد قال أهل العلم: بقية إذا لم يُسَمِ الذي يروي عنه وكناه؛ فلا يسوى حديثه شيئا ".
стр. 7844
ورواه عنه الخطيب في " تاريخ بغداد " (٧ / ١٢٤) ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٠ / ٢٠٨ - ٢٠٩، ٢١٢ - ٢١٣) ، وتجد عندهما روايات أخرى في ذلك عن ابن معين وغيره.
وأما الآخر - وهو اتهامه بأنه كان يدلس تدليس التسوية -؛ فما أعتقد أن ذلك صح عنه، وذلك لأمور:
أولاً: أن استدلال أبي حاتم برواية إسحاق بن راهويه عن بقية - إن كانت محفوظة - لا تنهض بذلك؛ لأن فيها تصريح أبي وهب - شيخ بقية - بالتحديث عن نافع، وكذلك صرح بقية بالتحديث عن أبي وهب، فهي رواية مسلسلة بالتحديث، فأين التدليس المدَّعى؟ ! والمدلس إذا أسقط من الإسناد راوياً - سواء كان شيخه أو شيخ شيخه -؛ رواه بصيغة توهم السماع؛ كأن يقيل: قال فلان، أو: عن فلان، ونحوه. فلو قال مكان ذلك: سمعت، أو: حدثني، أو نحو ذلك مما هو صريح في الاتصال؛ كان كذباً، وسقطت به عدالته (١) ، وبقية صدولَى اتفاقاً، وقد قال أبو زمعة: " ما لبقية عيب إلا كثرة روايته عن المجهولين، فأما الصدق فلا يؤتى من الصدق، وإذا حدث عن الثقات فهو ثقة "؛ كما رواه عنه ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٤٣٥) ، وتقدم نحوه عن يعقوب الفسوي.
ولذلك؛ اضطر أبو حاتم إلى توهيم الإمام إسحاق بن راهويه في الإسناد: حدثنا نافع) ؛ لتصوره الانقطاع بين أبي وهب ونافع؛ الناتج من إسقاط بقية لابن أبي فروة من بينهما! وإذا جاز مثل هذا التوهيم منه، أفلا يجوز لغيره أن يقول:
стр. 7845
لعل الإسقاط المذكور كان من أبي حاتم مجرد دعوى؛ فإن بقية قد ذكر ابن أبي فروة في إسناد الحديث كما تقدم في رواية موسى بن سليمان، على ما فيها من الكلام الذي سبق بيانه؟ ! وعلى افتراض سقوطه في رواية ابن راهويه عن بقية؛ فليس هناك دليل على أنه كان مقصوداً من بقية، فيمكن أن يكون وهما منه كما تقدم مثله في أول هذا التخريج من منصور بن صقير، وذلك لا يبرر اتهامه بتدليس التسوية كما لا يخفى على الناقد البصير بهذا الفن الشريف، بل ويمكن أن يكون الإسقاط المدعى من غير بقية؛ فقد أشار إلى ذلك الحافظ في " النكت على ابن الصلاح "، فقال (٢ / ٦٢٢) :
" تنبيه آخر: ذكر شيخنا ممن عرف بالتسوية جماعة، وفاته أن ابن حبان قال في ترجمة بقية: إن أصحابه كانوا يسوون حديثه ".
قلت: ذكر ذلك ابن حبان في " الضعفاء " (١ / ٢٠٠ - ٢٠١) بعد أن صرح بأن بقية كان مدلساً يسقط الضعفاء من شيوخه بينه وبين شيوخهم الثقات، فقال:
" فراْيته ثقةً مأموناً، ولكنه كان مدلساً؛ سمع من عبيد الله بن عمرو وشعبة ومالك أحاديث يسيرة مستقيمة، ثم سمع عن أقوام متروكين عن عبيد الله بن عمر وشعبة ومالك؛ مثل المجامع بن عمرو، والسري بن عبد الحميد، وعمر بن موسى المَيتمي (١) وأشباههم، وأقوام لا يعرفون إلا بالكنى، فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم بالتدليس ما سمع من هؤلاء الضعفاء، وكان يقول: قال عبيد الله بن عمر عن نافع، وقال مالك عن نافع، فحملوا عن بقية عن عبيد الله، وبقية عن