← Акыда

Акыда · id 12763

مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

ناصر القفاري

Полный текст (699 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٦- يقول أهل السنّة: إن أصول أحكام الشريعة الكتاب والسنّة وإجماع السلف (١) ، وقال عبد القاهر البغدادي: إنهم أكفروا من لم ير إجماع الصحابة حجة (٢) .

стр. 107

٧- ويرى أهل السنة: أن المعجزات (١) لا يأتي بها أحد إلا الأنبياء ﵈ (٢) خلافاً للروافض الذين جعلوا علامة الإمام عندهم صدور المعجزة منه، لأن الإمامة عندهم كالنبوة.. - كما سيأتي -. ٨- ومن اعتقاد أهل السنّة: أنه لا يعلم الغيب إلا الله وحده، قال تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (٣) (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) (٤) . وقال سبحانه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (٥) . ويؤمنون بعلم الله المطلق، وأنه عالم الغيب والشهادة، ويعلم السر وأخفى، وهو بكل شيء عليم، وضللوا الروافض في نسبتهم إلى الله "البداء" - كما سيأتي - تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

стр. 108

٩- ومما يقوله أهل السنة أن ما اختاره المسلمون من الأئمة الذين مضوا وعقدت لهم الإمامة كانوا أئمة خلافاً لمن حصرهم بعدد معين وأبطل إمامة ما سواهم (١) . ١٠- ومما يعتقده أهل السنّة أن من أصول السنة لزوم الجماعة وترك الشذوذ والفرقة استجابة لأمر الله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢) . (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٣) ولما جاء من الأحاديث التي تأمر بالتزام الجماعة وتنهى عن الفرقة كقوله ﷺ : «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» (٤) وقوله ﵊: «من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية» (٥) .

стр. 109

١١- ومن أصول أهل السنة أن (الحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما) (١) . ١٢- ومن أصول أهل السنة والجماعة (أنهم يصلون الأعياد والجماعات ولا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم) (٢) . ١٣- ومن اعتقاد أهل السنة أنه (لا يرجع أحد من الأموات قبل يوم البعث. فلا يرجع محمد رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه إلا يوم القيامة إذا رَجَعَ الله المؤمنين والكافرين للحساب والجزاء، هذا إجماع جميع أهل الإسلام قبل حدوث الروافض..) (٣) . هذه أهم المسائل التي يأخذ بها أهل السنّة، وفي عقائد الشيعة ودواوينها ما يخالفها كما تقوله "مصادر أهل السنّة"، وسنرى مصداق ذلك أو غيره في مبحث الشيعة وعقائدهم. وهذه المسائل منها ما يدخل في أصول الإيمان عند أهل السنّة كما جاءت في حديث جبريل وغيره، ومنها ما يدخل فيما تواترت به السنّة وخالفه أهل البدع من "مسائل الفروع" أو "العمليات"، ذلك (أن الخلاف المذموم ما خولف فيه كتاب أو سنّة صحيحة أو

стр. 110

إجماع..) (١) ، ولهذا نرى أهل السنّة يبحثون في كتب العقيدة ما خالف فيه أهل البدع مما جاءت به السنّة الصحيحة وإن كان من قضايا الفروع، وقد نبه بعض الأئمة إلى أن مسألة التفرقة بين الأصول والفروع لم تكن في عصر السلف وأنها غير منضبطة بحد محدود (٢) . كما قد نبه بعض أهل السنّة إلى أنه يوجد ما هو من أصول الدين عند الشيعة وليس كذلك عند أهل السنّة كمسألة الإمامة وغيرها. هذا وسنرى - في دراسة "الشيعة" - ما تقوله كتب الشيعة نفسها. وهل هذا الشذوذ موجود فيها أو أكثر منه، أو لا يوجد من ذلك شيء لهم؟ وهل أهل السنّة يظلمونهم أو أن ما قالوه فيهم هو دون ما هم عليه من غلو بعد انتشار كتبهم في هذا العصر.

стр. 111

الباب الثاني: الشيعة الفصل الأول: تعريف الشيعة، ونشأتهم وفرقهم. الفصل الثاني: اعتقادهم في مصادر التلقي (أو في أصول الأحكام) المتفق عليها بين المسلمين. الفصل الثالث: عقائدهم الأخرى التي انفصلوا بها عن أهل السنّة.

стр. 112

الفصل الأول: تعريف الشيعة ونشأتهم وفرقهم تعريف الشيعة: الشيعة في اللغة: هم الأتباع والأنصار. جاء في «القاموس» : (شيعة الرجل بالكسر أتباعه وأنصاره، والفرقة على حده، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وجمعه أشياع وشيع) (١) . (وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة.. وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو له شيعة) (٢) . قال الأزهري (٣) : (معنى الشيعة: الذين يتبع بعضهم بعضاً وليس كلهم متفقين) (٤) .

стр. 113

فالتشيع بمعناه اللغوي هنا يعني المناصرة والمتابعة، أو الاجتماع على أمر أو التحزب لشخص، ويضيف الأزهري: معنى عدم وجود الوفاق التام بينهم (١) وهو هنا لا يحدد فرقة بعينها، ولكنه غلب فيما بعد كما يقول صاحب «القاموس» على كل من يتولى علياً وأهل بيته حتى صار اسماً لهم خاصاً (٢) ، فإذا قيل فلان من الشيعة عرف أنه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم (٣) . والشيعة في الاصطلاح: يقول شيخ الشيعة وعالمها في زمنه "المفيد" (٤) بأن لفظ الشيعة يطلق على (أتباع أمير المؤمنين على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول صلوات الله عليه وآله بلا فصل، ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة، وجعله في الاعتقاد متبوعاً لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء) (٥) ثم يذكر أنه يدخل في هذا التعريف "الإمامية والجارودية الزيدية"، أما باقي فرق الزيدية فلا تشملهم سمة التشيع وليسوا من الشيعة وكذا الفرق الأخرى (٦) .

стр. 114

ومما يلاحظ على تعريف المفيد للشيعة: (١) أنه لم يشر إلى اعتبار الأئمة بعد علي، مع أنهم يقولون بأن من لم يؤمن بـ "الأئمة" بعد علي فليس من الشيعة. (٢) أنه لم يذكر في تعريفه مسألة النص على عليٍّ من الله ورسوله - كما يعتقدون - وأن من لم يؤمن بالأئمة وبالنص عليهم فليس من الشيعة عندهم. كما يلاحظ أنه ينص في تعريفه على إخراج معتدلي الزيدية من وصف التشيع، ولا يصدق وصف التشيع - في نظره - إلا على "الجارودية"، في حين أنه فتح المجال في تعريفه لدخول فرق الغالية كلها. أما قوله في التعريف: بالاعتقاد بإمامة علي بعد الرسول ﷺ بلا فصل؛ فإننا نجد شرحاً لهذه الجملة في كتاب آخر له حيث قال: (وكانت إمامة أمير المؤمنين بعد النبي ﷺ ثلاثون سنة - كذا - منها أربع وعشرون سنة وستة أشهر كان ممنوعاً من التصرف في أحكامها مستعملاً للتقية والمداراة، ومنها خمس سنين وستة أشهر ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين (١) ، ومضطهداً بفتن الضالين كما كان رسول الله ﷺ ثلاث عشرة سنة من نبوته ممنوعاً من أحكامها خائفاً ومحبوساً وهارباً ومطروداً لا يتمكن من جهاد الكافرين ولا يستطيع دفعاً عن المؤمنين، ثم هاجر وأقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهداً

стр. 115

للمشركين ممتحناً بالمنافقين إلى أن قبضه الله - جل اسمه - إليه وأسكنه جنات النعيم) (١) . وإذا كان تعريف «المفيد» للشيعة ليس بجامع لمعنى التشيع لما ذكرنا، فإن كتب المقالات والفرق الشيعية القديمة ككتاب «فرق الشيعة» للنوبختي، و «المقالات والفرق» لسعد القمي لم تسعفنا بتعريف جامع للشيعة، وتكتفي في تعريف الشيعة بالقول بأنهم: (أتباع علي بن أبي طالب) (٢) . وفي كلام لشيخهم الطوسي (٣) عن النص والوصية نراه يربط التشيع بالاعتقاد بكون علي إماماً للمسلمين بوصية من الرسول، وبإرادة من الله (٤) . فالطوسي هنا يجعل الاعتقاد بالنص هو أساس التشيع، ولهذا يخرج الطوسي السليمانية الزيدية من الفرق الشيعية لأنهم لا يقولون بـ "النص" (٥) ، بل يقولون: (إن الإمامة شورى، وأنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين وأنها قد تصلح في المفضول، ويثبتون إمامة الشيخين أبي بكر وعمر) (٦) . وينطبق رأي الطوسي على كل من يقول من فرق الزيدية برأي السليمانية كالصالحية والبترية، فلا ينتظم في

стр. 116

سلك التشيع - في اعتقاد الروافض - من فرق الزيدية سوى الجارودية من الزيدية (١) ، وخالص القول أن الإيمان بالنص على إمامة علي يعتبر عندهم لباب التشيع، لهذا نجد بعض علمائهم المعاصرين يعرف الشيعة على هذا النحو، فيقول إن لفظ الشيعة: (عَلَم عَلَى من يؤمن بأن عليّاً هو الخليفة بنص النبي) (٢) . وتعريف الشيعة على هذا النحو يغفل هو الآخر بعض الجوانب الأساسية في التعريف بالشيعة عندهم، حيث لم يذكر الإيمان بباقي الأئمة بعد علي ﵁ (٣) . لهذا نرى بعض كتاب الشيعة المعاصرين يولي وجهه تعاريف أهل السنّة للشيعة ويختار تعريف ابن حزم لهم ويعتبره (من أكثر التعاريف شمولاً وأقربها للتدقيق) (٤) . يقول ابن حزم: (ومن وافق الشيعة في أن علياً ﵁ أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعياً) (٥) .

стр. 117

ويعلل الرافضي اختياره لتعريف ابن حزم بقوله: (ومما حدانا إلى تفضيل تعريف ابن حزم أن الاعتراف بأفضلية الإمام علي على الناس بعد رسول الله، وأنه الإمام الخليفة بعده وأن الإمامة في ذريته من فاطمة؛ هو أس التشيع وجوهره) (١) . وإن من يقرأ كلام الشيعة عن عقائدهم كالعصمة، والتقية، والرجعة، وغيرها يرى أنهم يغالون في كل عقيدة من عقائدهم بحيث يربطون وصف التشيع بالإيمان بتلك العقيدة، مثل قولهم: (من لم يؤمن بكرَّتنا (٢) ويقل بمتعتنا فليس منا) ، وغيره مما سيأتي مما يتضمن نفي صفة التشيع عمن لم يؤمن بتلك العقائد، ولا نرى لهذه العقائد ذكراً في التعريفات مع أنهم يعتبرونها لباً وجوهراً للتشيع. ونجد الإمام الشهرستاني (٣) يقدم لنا تعريفاً للشيعة يعتبر من أكثر التعاريف شمولاً لعقائد الشيعة فيقول: (الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً ﵁ على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصية إما جليّاً، وإما خفيّاً، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقيَّة من عنده وقالوا: "ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة" وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم الصلاة

стр. 118

والسلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله. ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً إلا في حال التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك) (١) . ومن هذا التعريف يتبين أن جميع فرق الشيعة ما عدا بعض الزيدية يتفقون على وجوب اعتقاد الإمامة، والعصمة، والتقية. وسنرى أن الاثني عشرية يقولون بعقائد أخرى كالغيبة، والرجعة والبداء أيضاً. ولكننا نجد الإمام الأشعري ﵀ يكتفي في تعريف الشيعة بقوله: (إنما قيل لهم الشيعة لأنهم شايعوا عليّاً ﷺ ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله ﷺ ) (٢) . وهو تعريف ينطبق على أول سلم التشيع، وهو تشيع الزيدية (ما عدا طائفة الجارودية) . وبتعبير آخر هو تعريف "للمفضلة" من الشيعة، وهم الذين يفضلون عليّاً على أبي بكر وعمر وسائر أصحاب رسول الله ﷺ ، والشيعة الاثنا عشرية لا يعتبرون مجرد تقديم علي على سائر أصحاب النبي ﷺ كافياً في التشيع، بل لا بد من الاعتقاد بأن خلافة علي بالنص واعتقاد أن خلافته بدأت بعد وفاة الرسول ﷺ حتى استشهاده ﵁. ويمكن أنه يقال إن الأشعري بتعريفه هذا قد أخرج الروافض

стр. 119

من دائرة التشيع، لأنه لم يذكر ما يعتبرونه الأساس في التشيع في تعريفه. التعريف المختار للشيعة: ومع كل ما ورد في هذا المساق فقد تكون الرؤية في هذا المقام أكثر دقة إذا نحن نظرنا إلى بعض الملابسات. ولذا فإني أرى أن تعريف الشيعة مرتبط أساساً بأطوار نشأتهم ومراحل التطور العقدي لهم، ولهذا كان في الصدر الأول لا يسمى شيعيّاً إلا من قدّم عليّاً على عثمان، ولذلك قيل شيعي وعثماني، والشيعي من قدّم عليّاً على عثمان، والعثماني من قدّم عثمان على علي ﵁ (١) . فعلى هذا يكون تعريف الشيعة في الصدر الأول مقصوراً على الذين يقدمون عليّاً على عثمان فقط. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن: (الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر (٢) ، ولما سأل سائل شريك بن عبد الله (٣) فقال له أيهما أفضل: أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. قال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، ومن لم يقل هذا فليس شيعيّاً، والله لقد رقي عليٌّ هذه الأعواد، فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فكيف نرد قوله وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذاباً) (٤) .

стр. 120

وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا جرير عن سفيان عن عبد الله بن زياد بن حدير قال: قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة، قال لنا شمر بن عطية: قوموا إليه، فجلسنا إليه، فتحدثوا، فقال أبو إسحاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون (١) . قال محب الدين الخطيب (٢) : (هذا نص تاريخي عظيم في تحديد تطور التشيع، فإن أبا إسحاق السبيعي كان شيخ الكوفة وعالمها، ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان قبل شهادته بثلاث سنين، وعمَّر حتى توفي سنة ١٢٧هـ، وكان طفلاً في خلافة أمير المؤمنين علي. وهو يقول عن نفسه رفعني أبي حتى رأيت علي بن أبي طالب يخطب، أبيض الرأس واللحية، ولو عرفنا متى فارق الكوفة ثم عاد فزارها لتوصلنا إلى معرفة الزمن الذي كان فيه شيعة الكوفة علويين يرون ما يراه إمامهم من تفضيل أبي بكر وعمر، ومتى أخذوا يفارقون عليّاً ويخالفونه فيما كان يؤمن به ويعلنه على منبر الكوفة من أفضلية أخويه صاحبي رسول الله ﷺ ووزيريه وخليفتيه على أمته في أنقى وأطهر أزمانها) (٣) .

стр. 121

وقال ليث بن أبي سليم (١) : (أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحداً) (٢) . وذكر صاحب مختصر التحفة: (أن الذين كانوا في وقت خلافة الأمير ـ كرم الله وجهه ــ من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، كلهم عرفوا له حقه، وأحلوه من الفضل محله، ولم ينتقصوا أحداً من إخوانه أصحاب رسول الله ? فضلاً عن إكفاره وسبه، بيد أن منهم من قاتل معه على تأويل القرآن كما قاتلوا مع رسول الله ﷺ على تنزيله، فقد كان معه ﵁ في حرب صفين من أصحاب بيعة الرضوان ثمانمائة صحابي، وقد استشهد منهم تحت رايته هناك ثلاثمائة) (٣) . ولكن مبدأ التشيع تغير فأصبحت الشيعة شيعاً، لهذا نرى الإمام زيداً يسمي الطاعنين في الشيخين بالروافض ويجردهم من وصف الشيعة لأنهم لا يستحقونه. ومن عرف التطور العقدي لطائفة الشيعة لا يستغرب وجود طائفة من أعلام المحدثين وغير المحدثين من العلماء الأعلام أطلق عليهم لقب الشيعة، وقد يكونون من أعلام السنّة، لأن للتشيع في زمن السلف

стр. 122

مفهوماً وتعريفاً غير المفهوم والتعريف المتأخر للشيعة، ولهذا قال الإمام الذهبي (١) (ت ٧٤٨هـ) ، في معرض الحديث عمن رمى ببدعة التشيع من المحدثين قال: (إن البدعة على ضربين فـ"بدعة صغرى" كغلو التشيع أو كالتشيع من غير غلو، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة، ثم "بدعة كبرى" كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر ﵄ والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضاً فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم والتقِيَّة والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا وكلاّ. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليّاً ﵁ وتعرض لسبهم. والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفّر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين، فهذا ضال مفتر) (٢) .

стр. 123

أما الشيعة التي أعنيها بالحديث، والطور من التشيع الذي أقصده فهو التشيع الذي يستقي عقيدته ودينه من الأصول الحديثية الأربعة عندهم وهي: (الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه) تلك التي يعتبرونها كالكتب الستة عند أهل السنّة، وما أُلحق بها في الاعتبار من المصادر الأربعة المتأخرة عندهم، وهي: (الوافي، والبحار، والوسائل، ومستدرك الوسائل) وما رأى علماء التشيع أنه بدرجة هذه الكتب من مؤلفاتهم (١) . هذا هو التشيع الذي نعنيه، وهو الذي ندرس مسألة التقريب على ضوئه. نشأة الشيعة: وردت عدة أقوال في «بداية التشيع» ووقت ظهور الشيعة، منها ما يحمل "طابع" الدعاية للشيعة وإثبات أصالتها ومحاولة الرد على الأقوال التي تنسب بدايات التشيع إلى مصادر أجنبية، ومنها ما يهدف للوصول إلى الحقيقة.. وما دمنا قد التزمنا أن نعرف الشيعة من مصادرها ثم نفسح المجال بعد ذلك "للرأي الآخر"، فبناء على ذلك نبدأ بذكر الرأي الشيعي، مع ملاحظة أن محور البحث هنا هو الإشارة إلى الآراء في أصل التشيع، ولا يعنينا بحث التطور العقدي للشيعة والفِرق الشيعية، فهذا موضوع يطول استعراضه ودراسته ولا مجال له هنا. أصل الشيعة: أولاً: يزعم بعض الروافض - في القديم والحديث - أن الرسول ? هو الذي بذر بذرة التشيع وأن الشيعة ظهرت

стр. 124

في عصره، وأن هناك بعض الصحابة الذين يتشيعون لعلي ويوالونه في زمنه ﷺ .. يقول القمي (ت ٣٠١) : (فأول الفرق الشيعية وهي فرقة علي بن أبي طالب "ع" المسلمون شيعة علي "ع" في زمان النبي ﷺ وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار (١)) وبمثل هذا يقول النوبختي (٢) (ت ٣١٠) . ويقول محمد حسين آل كاشف الغطاء من مجتهديهم المعاصرين (ت ١٣٧٣هـ) : (إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية - يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والرعي حتى نمت وازدهرت في حياته ثم أثمرت بعد وفاته) (٣) . ويقول بهذا الرأي طائفة أخرى من الشيعة (٤) . ويرى د. محمود صبحي: (أن إرجاع التشيع من الناحية التاريخية إلى عهد الرسول ﷺ ليس إلا محاولة من جانب متكلمي الشيعة لنقض دعوى خصومهم القائمة على رد معتقدات الشيعة إلى أصول أجنبية) (٥) . والخطأ الأكبر في هذه المحاولة أو الحيلة هو - كما يقول د. علي

стр. 125

سامي النشار -: (أنه لم يكن بين يدي الرسول ﷺ شيعة وسنّة، وقد أعلن الله في القرآن: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (١) . لا التشيع ولا التسنن) (٢) . والجميع شيعة للمصطفى ﷺ ، ولم يكن للشيعة وجود زمن أبي بكر وعمر وعثمان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان لم يكن أحد يسمى بالشيعة، ولا تضاف الشيعة إلى أحد) (٣) . ويرى الشيخ موسى جار الله أن هذه "المقالة" من الشيعة مغالطة فاحشة خرجت عن حدود كل أدب وأنها افتراء على النبي محمد ? وتحريف للآيات ولعب بالكلمات. ويتعجب من قول آل كاشف الغطاء (أن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة) .. فيقول: (أي حبة بذر النبي حتى أنبتت سنابل اللعن والتكفير للصحابة وخيار الأمة وسنابل الاعتقاد بأن القرآن محرف بأيدي منافقي الصحابة، وأن وفاق الأمة ضلال، وأن الرشاد في خلافها حتى توارت العقيدة الحقة في لُجٍّ من ضلال الشيعة جَم) (٤) . ثانياً: القول الثاني: أن التشيع ظهر بعد وفاة الرسول ﷺ حيث وجد من يرى أحقية علي بالإمامة، ويتشيع له، وهم بعض الصحابة - رضوان الله على الجميع - كسلمان وأبي ذر، والمقداد، وهذا الرأي قال به بعض الشيعة (٥) بتفسير خاص له وقال به بعض

стр. 126

أهل السنّة (١) وغيرهم (٢) بتفسير مغاير لغرض الشيعة. فالشيعة يعنون بنشأة التشيع بداية عقائدهم في الإمامة وغيرها وهو تعسف ظاهر، وكيف ينسب لأولئك الصحب رضوان عليهم عقيدة من عقائد الشيعة في الإمامة أو الرجعة أو البداء وغيرها من العقائد.. التي بناها الشيعة فيما بعد، ثم هم لا يملكون لهذا الادعاء سنداً ... أما غير الشيعة فيربط هذا القول بوجود رأي يقول بأحقية قرابة الرسول ﷺ بالخلافة بعده. ولا شك أنه إذا وُجد من يرى أحقية علي بالإمامة أو أن الإمامة ينبغي أن تكون في القرابة، فقد وجد رأي يقول باستخلاف سعد بن عبادة من الأنصار، وبأن الإمامة ينبغي أن تكون في الأنصار، وهذا الاختلاف لا دلالة فيه على ميلاد حزب معين، وتعدد الآراء أمر طبعي، وهو من مقتضيات نظام الشورى في الإسلام، فهم في مجلس واحد تعددت آراؤهم وما انفصلوا حتى اتفقوا، ومثل هذا لا يعد نزاعاً (٣) . وقد اندرجوا تحت الطاعة على بكرة أبيهم لأبي بكر (، وكان علي ﵁ سامعاً لأمره ناهضاً إلى غزوة بني حنيفة.. وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد (٤) . والقول بوجود رأي من سلمان وأبي ذر والمقداد بأحقية علي في الخلافة لم أجد له ذكراً في المصادر الأصيلة، (وقد تواتر عن علي - رضي

стр. 127

الله عنه - من وجوه كثيرة أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر) (١) ، فكيف يرى غيره من الصحابة فيه ما لم يره في نفسه؟. والشيعة ليس لها ذكر أو وجود في عهد أبي بكر أو عمر أو عثمان، فكيف يقال بنشأتها بعد وفاة الرسول ﷺ ؟. وقد أقر بعض الشيعة بهذه الحقيقة التاريخية الثابتة، إذ يذكر محمد حسين العاملي: (أن لفظ الشيعة قد أهمل بعد أن تمت الخلافة لأبي بكر وصار المسلمون فرقة واحدة إلى أواخر أيام الخليفة الثالث) (٢) ونحن نقول إنه لم يوجد أصلاً ولم يوجد لمسماه ذكر. ثالثاً: أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان. يقول ابن حزم: (ثم ولي عثمان وبقي اثنا عشر عاماً، وبموته حصل الاختلاف وابتدأ أمر الروافض) (٣) (٤) ، والذي تولى غرس بذرة الرفض والتشيع هو عبد الله بن سبأ (٥) اليهودي الذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان.

стр. 128

وأكدت طائفة كبيرة من الباحثين القدماء والمعاصرين أن ابن سبأ أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه (١) . وقد تواتر ذكره في كتب السنّة والشيعة على حد سواء ونبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرة قلم دون مسوغ واقعي أو دليل قاطع (٢) ، فضلاً عن أن بعضهم قد ادعى أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر (٣) ، وهذه الدعوى هي محاولة لتبرئة اليهود من فتنة المسلمين، كما أنها محاولة لإضفاء صفة الشرعية على "الرفض"، وقد اتفق القدماء من أهل السنّة والشيعة على السواء على اعتباره حقيقة واقعية وشخصية تاريخية، فكيف ينفي ما أجمع عليه الفريقان؟، أما القول بأن ابن سبأ هو عمار بن ياسر فهو قول يرده التاريخ والسنة الثابتة، وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر، وهل

стр. 129

هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم؟ ولا مجال لدراسة هذه المسألة هنا. وقد كتب فيها بعض الباحثين المعاصرين ورد هذه الادعاءات بالأدلة من الفريقين (١) . وسنكتفي هنا بالرجوع إلى مصادر الشيعة الأصيلة لنرى ما تقول كتب الشيعة نفسها عن ابن سبأ (وذلك لالتزامنا أن لا نكتب عنهم إلا من كتبهم) . فالشيعي سعد بن عبد الله القمي (٢) (ت ٢٢٩ أو ٣٠١) في كتابه (المقالات والفرق) يقر بوجوده ويعتبره أول من قال بفرض إمامة علي ورجعته وأظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة (٣) . وسعد القمي هذا هو - عندهم - ثقة واسع المعرفة بالأخبار، ومعلوماته - عندهم - مهمة موثوقة نظراً لقدم فترتها الزمنية، ولأن سعداً كما روى شيخ الشيعة الصدوق - كما يلقبونه - قد لقي إمامهم المعصوم الحسن العسكري وسمع منه (٤) ، ويتفق

стр. 130

النوبختي (١) (ت ٣١٠) في الحديث عن ابن سبأ مع القمي حتى في الألفاظ نفسها (٢) ، والنوبختي هو أيضاً من ثقاتهم، قال الطوسي: (كان إمامياً حسن الاعتقاد) (٣) .. وعالمهم الكشي (٤) يقول في كتابه المعروف بـ «رجال الكشي» - وهو أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال -: (إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى عليّاً (، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى بالغلو - كذا - فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله ﷺ في علي مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفرهم، من هنا قال من خالف الشيعة: إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية) (٥) . هذا ما جاء عن ابن سبأ في «رجال الكشي» الذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال، وقام الطوسي المسمى عندهم بشيخ الطائفة بتهذيب الكتاب فزادت ثقتهم بالكتاب، حيث اجتمع في تأليف الكشي الذي هو عندهم (ثقة عين بصير بالأخبار والرجال، كثير

стр. 131

العلم حسن الاعتقاد ومستقيم المذهب) (١) مع الطوسي شيخ طائفتهم، وصاحب كتابين من صحاحهم الأربعة. وما نقلناه عن رجال الكشي هو من تهذيب الطوسي، لأنهم قالوا (بأن الأصل لا يعرف له أثر) (٢) . ونقل الممقاني ـ الذي يعتبرونه من أكبر علمائهم المعاصرين في الرجال ـ ما قاله الكشي عن ابن سبأ (٣) . ولعل أقدم مصدر عند الشيعة تحدث عن ابن سبأ والسبئية هو كتاب (مسائل الإمامة) (٤) لعبد الله الناشئ الأكبر (٥) (ت ٢٩٣) . وكتب الشيعة التي ذكرت ابن سبأ كثيرة لا مجال لاستعراضها، وما نقلناه يشهد بوجود ابن سبأ وسعيه لبذر العقائد الدخيلة في معتقد الأمة - باعتراف كتب الشيعة نفسها - وأنه أول من قال بالوصية لعلي ورجعته وطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة، وهي آراء وعقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي. رابعاً: ومنهم من يجعل تاريخ ظهور الشيعة يوم الجمل. قال ابن النديم أن عليّاً قصد طلحة والزبير ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل

стр. 132

اسمه، وتسمى من اتبعه على ذلك بالشيعة، وكان يقول: شيعتي، وسماهم ﵇: الأصفياء، الأولياء، شرطة الخميس، الأصحاب) (١) . هذا هو رأي - ابن النديم - وهو شيعي. ويرى د. مصطفى الشيبي - شيعي معاصر - أنه رأي غريب (٢) ، ولكن لا يستغرب مثل هذا الرأي من شيعي متحمس لمذهبه، وقال د. النشار: (أرى في كلام ابن النديم وهو شيعي بعض الغلو) (٣) . خامساً: إن تاريخ ظهور الشيعة بعد رجوع علي من صفين. ومن أشهر القائلين بالرأي المذكور الأستاذ وات منتوجمري (٤) (Montgomery Watt) حيث يقول: (إن بداية حركة الشيعة هي أحد أيام سنة ٦٥٨م -٣٧هـ) (٥) . ويقول صاحب «مختصر التحفة الإثني عشرية» : (إن ظهور اسم الشيعة كان عام ٣٧هـ) (٦) . سادساً: إن مقتل الحسين كان هو زمن ميلاد الشيعة، يقول شتروتمان (٧) (Strotnmann، R.) : (إن دم الحسين يعتبر البذرة الأولى

стр. 133

للتشيع كعقيدة) (١) . الرأي المختار: هذه معظم الآراء في نشأة الشيعة ... والذي أراه أن الشيعة باعتبارها فكرة وعقيدة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت أطواراً زمنية.. ولكن طلائع العقيدة الشيعية، وجذورها الأولى ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من أشهر القول بفرض إمامة علي - كما مر نقله - وهذه عقيدة «النص على علي بالإمامة» وهي أساس التشيع، وقالت: إن عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله ? وأرحامه والصحابة - كما قال النوبختي وغيره - وهذه هي عقيدة الشيعة في الصحابة، وذكرت أنه لما بلغه نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: (كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض، وهذه عقيدة الرجعة) . وأما عقيدة الشيعة في أن الرسول ﷺ استودع عليّاً شيئاً غير ما في أيدي الناس، فقد وجدت هذه المقالة أيضاً في عهد علي ﵁، وسئل عن ذلك فنفى هذه الدعوى نفياً قاطعاً كما جاء في صحيح البخاري عن أبي جحيفة ((٢) . هذه بعض أصول الشيعة، وقد وجدت إثر مقتل عثمان وفي عهد علي ولم تأخذ مكانها في نفوس فرقة معينة، بل إن السبئية ما كادت

стр. 134

تطل برأسها حتى حاربها علي ﵁، ولكن ما تلا ذلك من أحداث هيأ جوّاً صالحاً لظهور هذه العقائد كمعركة صفين، وحادثة التحكيم التي أعقبتها، ومقتل علي ومقتل الحسين، كل هذه الأحداث هيأت جوّاً صالحاً لدخول الفكر الوافد من نافذة التشيع لعلي وآل بيته. ولم يكن استعمال "الشيعة" في عهد علي ﵁ إلا بمعنى الموالاة والنصرة، ولا يعني بحال الإيمان بعقيدة من عقائد الشيعة اليوم، ولم يختص إطلاقها بعلي ﵁، ويدل على ذلك ما جاء في صحيفة التحكيم من إطلاق اسم الشيعة على كل من أتباع علي وأتباع معاوية ومما جاء فيها: (هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما ... ) «ومنها» : (وإن عليّاً وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص ... ) «ومنها» (فإذا توفي أحد الحكمين فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه ... ) «ومنها» : (وإن مات أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدود في هذه القضية فلشيعته أن يختاروا مكانه رجلاً يرضون عدله) (١) . فاسم الشيعة لم يتحدد بفئة معينة إلى ذلك الوقت. وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية حديثاً في صحيح مسلم وفيه قول «حكيم بن أفلح» : لأني نهيتها - يعني عائشة - أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً» (٢) . وأخذ من هذا دلالة تاريخية على عدم اختصاص علي باسم الشيعة في ذلك الوقت (٣) .

стр. 135

ويستدل د. علي النشار ببعض النصوص التي تفيد عدم اختصاص علي باسم الشيعة في عهد خلافته ومنها قول معاوية لبسر بن أرطأة حين وجهه إلى اليمن: (أمعن حتى تأتي صنعاء فإن لنا بها شيعة) (١) . لكن بعد مقتل الحسين رأينا بدء التجمع الفعلي لمن يدعون التشيع للأخذ بثأر الحسين.. يقول المسعودي (٢) : (وفي سنة خمس وستين تحركت الشيعة في الكوفة) (٣) وتكونت حركة "التوابين" ثم حركة المختار "الكيسانية"، وبدأت الشيعة تتكون وتضع أصول مذهبها، وتستدل له.. وبعدما كانت الآراء الشيعية تطارد وجدت بعد هذه الأحداث الجو الذي تنمو فيه تحت ستار التشيع لآل البيت، وملخص القول أن بعض الأصول العقدية للشيعة ظهر على يد ابن سبأ في عهد علي، ولكنها لم تأخذ صفة الجماعة أو اسم التشيع، وبعد توالي الأحداث التي ذكرنا، ولا سيما بعد مقتل الحسين بدأت الشيعة كفرقة، وانطلقت لتأسيس مذهبها على أصول معينة، وبالتالي وجد أن الآراء التي نادى بها ابن سبأ أخذت مكاناً لها في المناخ الفكري للشيعة.

стр. 136

فرق الشيعة في كتاب «المقالات والفرق» للشيعي سعد القمي (ت ٣٠١ أو ٣٩٩) وكتاب «فرق الشيعة» للشيعي الحسن النوبختي (٣١٠) - وهما من أهم كتب الشيعة الخاصة بالفرق وأقدمها - في هذين الكتابين عشرات وعشرات من الفرق الشيعية، وبعدهما أيضاً حدثت فرق، وولدت طوائف ومقالات تنتمي للتشيع، حتى أن الرافضي مير باقر الداماد (١) زعم أن جميع الفرق المذكورة في الحديث - حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة - هي فرق الشيعة وأن الناجية منهم فرقة الإمامية. وأما أهل السنة والمعتزلة وغيرهم من سائر الفرق فجعلهم من أمة الدعوة: ـ أي ليسوا من أمة الإجابة، فهم في اعتقاده لم يدخلوا في الإسلام (٢) . والمسعودي قبله يذكر أن طوائف الشيعة بلغت ثلاثاً وسبعين فرقة (٣) .

стр. 137

وقد ورد في دائرة المعارف أنه (ظهر من فروع الفرق الشيعية ما يزيد كثيراً عن الفرق الاثنتين والسبعين المشهورة (١)) ، وذكر بعض العلماء أن فرق الشيعة بلغت ثلاثمائة فرقة (٢) . ولا شك أن (هذا الاختلاف العظيم يدل على عدم النص) (٣) على إمام. وتحدثت كتب الفرق والمقالات (غير الشيعية) عن الشيعة وأصول فرقها وفروعها. فالشهرستاني يجعل أصول فرق الشيعة خمساً (٤) ، كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية (٥) ، أما الأشعري فيرجع فرقهم إلى ثلاثة أصول: (١) الغلاة ويقسمها إلى خمس عشرة فرقة.

стр. 138

(٢) الرافضة (١) : ويقسمها إلى أربع وعشرين فرقة. (٣) الزيدية: ويقسمها إلى ست فرق (٢) . أما أبو الحسين الملطي (٣) فلا يفرق بين الغلاة والرافضة ـ الذين يلقبون بالإمامية في الغالب أو الإثني عشرية ـ والزيدية، ويطلق على الجميع "الرافضة"، وكذا أبو المظفر الإسفراييني في «التبصير في الدين» ، والبغدادي في «الفرق بين الفرق» وعثمان بن عبد الله بن الحسن الحنفي (من القرن السابع) في كتابه «الفرق المفترقة بين أهل الزيغ والزندقة» وغيرهم (٤) . والذي يلاحظ على إطلاق اسم "الرافضة" على كل فرق الشيعة هو أنه ينبغي استثناء الزيدية، أو بعبارة أدق الزيدية ما عدا فرقة الجارودية منها، وذلك أن الجارودية سلكت مسلك "الروافض"، ولهذا رأينا شيخ الرافضة (المفيد) يدخل في سمة التشيع فرقة الجارودية من

стр. 139

الزيدية ويخرج ما عداها من فرق الزيدية من التشيع لأن الجارودية تشاركه في أساس مذهبه، لهذا ينبغي استثناء الزيدية - ما عدا الجارودية - من التسمية بالرافضة (١) . ولن نتطرق لذكر "فروع" الفرق الشيعية لأن منها ما قد انتهى من الوجود، ومنها ما هو داخل في فرقة من الفرق الموجودة اليوم، والذي يعنينا أن نتعرف على الفرق الشيعية المعاصرة، يقول شيخ الشيعة محسن الأمين (٢) : (والموجود اليوم من فرق الشيعة هم: الإمامية الاثنا عشرية وهم الأكثر عدداً، والزيدية، والإسماعيلية) (٣) . ويقول د. علي سامي النشار: (وتشمل الشيعة في عصرنا الحاضر فرقاً ثلاثاً هي: الاثنا عشرية، والإسماعيلية والزيدية) (٤) . وسنتحدث حديثاً موجزاً عن كل من الإسماعيلية والزيدية، ثم يكون حديثنا عن الشيعة الإمامية الإثني عشرية على سبيل التفصيل، لأنها هي التي نشطت في سبيل الدعوة للتقريب، ولأنها في مصادرها الأساسية قد استوعبت آراء معظم فرق الشيعة وعقائدها - كما سيأتي شرح ذلك.

стр. 140

الإسماعيلية وهم الذين قالوا: (الإمام بعد جعفر: إسماعيل بن جعفر، وادعوا أن جعفراً أشار إليه في حياته ودل الشيعة عليه، ثم قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر من بعده، وأنكروا إمامة سائر ولد جعفر) (١) . ذلك أنه بعد وفاة جعفر بن محمد افترقت الشيعة ـ كعادتها في الافتراق بعد وفاة كل إمام ـ افترقت إلى عدة فرق عدها النوبختي (٢) ستاً، فمن قائل إن جعفراً حي لم يمت حتى يظهر ويلي أمر الناس وهو المهدي (٣) . ومن قائل إن الإمام بعد جعفر ولده موسى (٤) إلى آخر هذه المقالات والفرق، لكن فرقة الإسماعيلية هي التي قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وابنه محمد. ويذكر البغدادي أن الإسماعيلية افترقت فرقتين بعد وفاة إسماعيل: (١) فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه.

стр. 141

(٢) فرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إن جعفراً نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده فلما مات إسماعيل (ت ١٤٣هـ) في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل، وإلى هذا القول مالت الإسماعيلية من الباطنية (١) . ثم ابتدئ من محمد بن إسماعيل بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سراً ويظهرون الدعاة جهراً (٢) ، وأئمة الستر الذين خلفوا محمد بن إسماعيل وترتيبهم أمر مختلف فيه بينهم (٣) ، وأول أئمة الظهور عندهم عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية (٤) (٥) .

стр. 142

ومن الإسماعيلية انبثق، القرامطة، والحشاشون، والفاطميون، والدروز وغيرهم، وللإسماعيلية فرق متعددة، ووجوه مختلفة، وألقاب كثيرة.. يقول الشهرستاني: (وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطناً) (١) ، ومسألة التأويل الباطني جعلوها رسالة جديدة حملها الأئمة بعد قيام الرسول ﷺ بتبليغ الظاهر. فقد جاء في أحد الرسائل "الإسماعيلية" أنه (لما كان الدين ظاهراً وباطناً قام النبي ﷺ بتبليغ الظاهر وصرف إلى وصيه نصف الدين وهو الباطن) (٢) . وعلم التأويل هو معجزة الأئمة كما أن التنزيل - أي القرآن - معجزة الرسول ﷺ (٣) ، وهم يحاولون بهذه الوسيلة هدم كل النصوص التي قام عليها كيان الإسلام. ولهم ألقاب كثيرة ذكر منها الشهرستاني ستة هي: الباطنية، والإسماعيلية، والقرامطة، والتعليمية، والملحدة، والمزدكية، وذكر منها الغزالي عشرة ألقاب هي: الباطنية، والقرامطة، والقرمطية، والخرمية، والخرمدينية، والإسماعيلية، والسبعية، والبابكية، والمحمرة والتعليمية (٤) . أما ابن الجوزي فيذكر من ألقابهم ثمانية هي ما ذكره الغزالي باستثناء لقبي: القرمطية، والخرمدينية (٥) .

стр. 143

أما الفقيه المؤرخ محمد بن الحسن الديلمي (١) ، فقد ذكر لهم خمسة عشر لقباً هي ما ذكره الغزالي مع زيادة هذه الألقاب: المباركية، والإباحية، والملاحدة، والزنادقة، والمزدكية (٢) ، ويذكر الكوثري (٣) عدداً من ألقابهم فيقول: إنهم (يدعون في مصر بالعبيدية نسبة إلى عبيد المعروف، وفي الشام بالنصيرية، والدروز، والتيامنة، وفي فلسطين بالبهائية. وفي الهند بالبهرة والإسماعيلية، وفي اليمن باليامية نسبة إلى القبيلة المعروفة. وفي بلاد الأكراد بالعلوية.. حيث يقولون علي هو الله - تعالى الله عما يقولون - وفي بلاد الأتراك بالبكداشية والقزلباشية على اختلاف منازعهم، وفي بلاد العجم بالبابية (٤) . ولهم فروع إلى يومنا هذا تلبس لكل قرن لبوسه وتظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة. وقدماؤهم كانوا يسمون أنفسهم بالإسماعيلية باعتبار تميزهم عن فرق الشيعة بهذا الإسلام) (٥) . لهذا يقول عنهم الشهرستاني إنهم:

стр. 144

(يقولون نحن الإسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم وهذا الشخص) (١) . ويلاحظ هنا أن هذه الألقاب للإسماعيلية جعلت مفهوم الإسماعيلية يشمل كل الفرق الشيعية الغالية، بل إن بعض هذه الألقاب لا تندرج تحت وصف التشيع مثل: البابكية نسبة إلى بابك الخرمي، كما أن بعض هذه الألقاب عبارة عن لقب واحد اختلفت ألفاظه، كالقرامطة، والقرمطية، كلاهما نسبة إلى حمدان قرمط. كما أن البعض من هذه الألقاب عبارة عن أسماء لفرقهم المختلفة والتي تشترك فيما بينها في المسلك الباطني وفي الهدف والغاية، وهي تقويض دعائم الإسلام وأُسسه على ما بينها من اختلاف، كما أن بعض الفرق الإسماعيلية إنما هي عبارة عن مراتب للدعوة الإسماعيلية، ذلك أن المدعو لا يعرف إلا المرتبة التي وصل إليها فيصور الفرقة على أساس أنها تلك المرتبة التي وصل إليها، وهكذا قد تفسر المراتب على أساس أنها فرق، ذلك أن سبيل دعوتهم ليس بمتعين في فن واحد، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة لإمامهم فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم ويقرونهم

стр. 145

عليها (١) . ويذكر الشهرستاني أن ألقابهم تختلف أيضاً باختلاف البلدان: فبالعراق يسمون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية. وبخراسان التعليمية، والملحدة (٢) ، ثم إن لهم دعوة في كل زمان ومقالة جديدة بكل لسان (٣) . مجمل اعتقادهم: ذكر الغزالي (٤) مجمل مذهبهم فقال: (إنه مذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم (٥) ... ) ثم فصل القول في مذهبهم. وقال ابن الجوزي في تلخيص مذهبهم: (فمحصول قولهم تعطيل الصانع، وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم، بل يزعمون أن الله حق وأن محمداً رسول الله والدين الصحيح، لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر. وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسن لهم مذاهب مختلفة) (٦) .
следующие страницы →