← Акыда

Акыда · id 12763

مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

ناصر القفاري

Полный текст (699 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(٢) فرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إن جعفراً نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده فلما مات إسماعيل (ت ١٤٣هـ) في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل، وإلى هذا القول مالت الإسماعيلية من الباطنية (١) . ثم ابتدئ من محمد بن إسماعيل بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سراً ويظهرون الدعاة جهراً (٢) ، وأئمة الستر الذين خلفوا محمد بن إسماعيل وترتيبهم أمر مختلف فيه بينهم (٣) ، وأول أئمة الظهور عندهم عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية (٤) (٥) .

стр. 142

ومن الإسماعيلية انبثق، القرامطة، والحشاشون، والفاطميون، والدروز وغيرهم، وللإسماعيلية فرق متعددة، ووجوه مختلفة، وألقاب كثيرة.. يقول الشهرستاني: (وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطناً) (١) ، ومسألة التأويل الباطني جعلوها رسالة جديدة حملها الأئمة بعد قيام الرسول ﷺ بتبليغ الظاهر. فقد جاء في أحد الرسائل "الإسماعيلية" أنه (لما كان الدين ظاهراً وباطناً قام النبي ﷺ بتبليغ الظاهر وصرف إلى وصيه نصف الدين وهو الباطن) (٢) . وعلم التأويل هو معجزة الأئمة كما أن التنزيل - أي القرآن - معجزة الرسول ﷺ (٣) ، وهم يحاولون بهذه الوسيلة هدم كل النصوص التي قام عليها كيان الإسلام. ولهم ألقاب كثيرة ذكر منها الشهرستاني ستة هي: الباطنية، والإسماعيلية، والقرامطة، والتعليمية، والملحدة، والمزدكية، وذكر منها الغزالي عشرة ألقاب هي: الباطنية، والقرامطة، والقرمطية، والخرمية، والخرمدينية، والإسماعيلية، والسبعية، والبابكية، والمحمرة والتعليمية (٤) . أما ابن الجوزي فيذكر من ألقابهم ثمانية هي ما ذكره الغزالي باستثناء لقبي: القرمطية، والخرمدينية (٥) .

стр. 143

أما الفقيه المؤرخ محمد بن الحسن الديلمي (١) ، فقد ذكر لهم خمسة عشر لقباً هي ما ذكره الغزالي مع زيادة هذه الألقاب: المباركية، والإباحية، والملاحدة، والزنادقة، والمزدكية (٢) ، ويذكر الكوثري (٣) عدداً من ألقابهم فيقول: إنهم (يدعون في مصر بالعبيدية نسبة إلى عبيد المعروف، وفي الشام بالنصيرية، والدروز، والتيامنة، وفي فلسطين بالبهائية. وفي الهند بالبهرة والإسماعيلية، وفي اليمن باليامية نسبة إلى القبيلة المعروفة. وفي بلاد الأكراد بالعلوية.. حيث يقولون علي هو الله - تعالى الله عما يقولون - وفي بلاد الأتراك بالبكداشية والقزلباشية على اختلاف منازعهم، وفي بلاد العجم بالبابية (٤) . ولهم فروع إلى يومنا هذا تلبس لكل قرن لبوسه وتظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة. وقدماؤهم كانوا يسمون أنفسهم بالإسماعيلية باعتبار تميزهم عن فرق الشيعة بهذا الإسلام) (٥) . لهذا يقول عنهم الشهرستاني إنهم:

стр. 144

(يقولون نحن الإسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم وهذا الشخص) (١) . ويلاحظ هنا أن هذه الألقاب للإسماعيلية جعلت مفهوم الإسماعيلية يشمل كل الفرق الشيعية الغالية، بل إن بعض هذه الألقاب لا تندرج تحت وصف التشيع مثل: البابكية نسبة إلى بابك الخرمي، كما أن بعض هذه الألقاب عبارة عن لقب واحد اختلفت ألفاظه، كالقرامطة، والقرمطية، كلاهما نسبة إلى حمدان قرمط. كما أن البعض من هذه الألقاب عبارة عن أسماء لفرقهم المختلفة والتي تشترك فيما بينها في المسلك الباطني وفي الهدف والغاية، وهي تقويض دعائم الإسلام وأُسسه على ما بينها من اختلاف، كما أن بعض الفرق الإسماعيلية إنما هي عبارة عن مراتب للدعوة الإسماعيلية، ذلك أن المدعو لا يعرف إلا المرتبة التي وصل إليها فيصور الفرقة على أساس أنها تلك المرتبة التي وصل إليها، وهكذا قد تفسر المراتب على أساس أنها فرق، ذلك أن سبيل دعوتهم ليس بمتعين في فن واحد، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة لإمامهم فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم ويقرونهم

стр. 145

عليها (١) . ويذكر الشهرستاني أن ألقابهم تختلف أيضاً باختلاف البلدان: فبالعراق يسمون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية. وبخراسان التعليمية، والملحدة (٢) ، ثم إن لهم دعوة في كل زمان ومقالة جديدة بكل لسان (٣) . مجمل اعتقادهم: ذكر الغزالي (٤) مجمل مذهبهم فقال: (إنه مذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم (٥) ... ) ثم فصل القول في مذهبهم. وقال ابن الجوزي في تلخيص مذهبهم: (فمحصول قولهم تعطيل الصانع، وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم، بل يزعمون أن الله حق وأن محمداً رسول الله والدين الصحيح، لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر. وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسن لهم مذاهب مختلفة) (٦) .

стр. 146

وقال فخر الدين الرازي (١) : (اعلم أن الفساد اللازم من هؤلاء - يعني الباطنية - على الدين الحنيفي أكثر من الفساد اللازم عليه من جميع الكفار وهم عدة فرق، ومقصودهم على الإطلاق إبطال الشريعة، ونفي الصانع، ولا يؤمنون بشيء من الملل، ولا يعترفون بالقيامة، إلا أنهم لا يتظاهرون بهذه الأشياء إلا بالآخرة) (٢) . وإذا أردنا أن نتعرف على عقائد هؤلاء من كتبهم ومصادرهم الخاصة بهم، وجدنا في هذا صعوبة، لأنه كما ينقل عنهم أحد الإسماعيليين المعاصرين قد قالوا: (إن لنا كتباً لا يقف على قراءتها غيرنا ولا يطلع على حقائقها سوانا) (٣) . وقد نشرت في هذا العصر مجموعة من مخطوطات الإسماعيليين، إلا أن معظمها ليست من كتبهم السرية، ذلك أنها قد صيغت بأسلوب الدفاع عن مذهبهم والدعاية له. ولهذا يقول د. علي النشار ـ عن نشرات محمد كامل حسين (٤) لكتب الإسماعيلية ـ: (وقد قدم لنا عدداً كبيراً من مخطوطات الإسماعيلية في نشرات علمية، وقد أجهد نفسه في سبيل توضيح عناصر هذا المذهب، غير

стр. 147

أنني ألاحظ أنه فيما خلا كتب الكرماني التي نشرها د. محمد كامل حسين فإن الكتب التي قدمها لنا ليست من الكتب السرية) (١) . ثم إن الباحث وهو يراجع هذه الكتب الباطنية يجد صعوبة في فك أسرارها وحل ألغازها ومعرفة طلاسمها. وقد كشف أبو حامد الغزالي عن حقيقة مذهبهم في الإلهيات والنبوات وفي الإمامة وفي القيامة والمعاد والتكاليف الشرعية وغيرها فيقول عن معتقدهم في الإلهيات: (وقد اتفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردد أنهم قائلون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، واسم العلة السابق واسم المعلول التالي، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي لا بنفسه. وقالوا

стр. 148

السابق لا يوصف بوجود ولا عدم وليس هو معلوماً ولا مجهولاً) (١) . وقال عن معتقدهم في النبوات: (والمنقول عنهم قريب من مذهب الفلاسفة، وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق - بواسطة التالي - قوة قدسية، كما قد يحدث لبعض النفوس الزكية في المنام،.. وقالوا إن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه، أما القرآن فهو تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل) . ومعتقدهم في الإمامة: (اتفقوا على أنه لا بد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات ويستظهر الإمام بالحجج والمأذونين والأجنحة، فلا بد للإمام في كل وقت من اثني عشر حجة.. ولا بد لكل حجة من معاونين له على أمره.. واسم المعاون "المأذون"، ولا بد للدعاة من رسل إلى الإمام يرفعون إليه الأحوال، واسم الرسول "الجناح") .. وقالوا: (كل نبي لشريعته مدة فإذا انصرمت مدته بعث الله نبياً آخر ينسخ شريعته، ومدة شريعة كل نبي سبعة أعمار وهو سبعة قرون، فأولهم هو النبي الناطق، ومعنى الناطق أن شريعته ناسخة لما قبله ومعنى الصامت أن يكون قائماً على ما أسسه غيره، ثم أنه يقوم بعد وفاته ستة أئمة، إمام بعد إمام، وصوروا بعثات الأنبياء على هذه الفلسفة إلى أن انتهوا إلى بعثة رسول الله ﷺ الذي استتم دوره - كما قالوا - بجعفر بن محمد وصارت شريعته بهذا الدور ناسخة، وهكذا يدور الأمر عندهم إلى أبد الدهر) . أما معتقدهم في القيامة والمعاد: (فقد اتفقوا عن آخرهم على إنكار القيامة والمعاد وتأويلهما إلى غير الحقيقة) .

стр. 149

وأما اعتقادهم في التكاليف الشرعية: (فالمنقول عنهم الإباحة المطلقة واستباحة المحظورات وإنكار الشرائع إذا نسب، إليهم ويقولون: لا بد من أخذ الشرع عن الإمام المعصوم) (١) . وينقل عبد القاهر البغدادي عن كتاب لهم يسمى «السياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأكبر» ينقل مضمون ما قرأه فيه عن مذهبهم من القول بإبطال المعاد والعقاب والتشكيك في الكتب السماوية والدعوة إلى إبطال الشرائع وتأويل أركان الإسلام بقولهم بأن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته، والصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام، واستدل بما جاء في هذا الكتاب على أن الباطنية دهرية زنادقة (٢) . وللإسماعيليين مراتب في الدعوة.. وحقيقة المذهب لا تعطى إلا لمن وصل إلى المرتبة الأخيرة، يقول ابن النديم (٣) : (ولهم - أي للإسماعيلية - البلاغات السبعة وهي: كتاب البلاغ الأول للعامة، كتاب البلاغ الثاني لفوق هؤلاء قليلاً، كتاب البلاغ الثالث لمن دخل في المذهب سنة، كتاب البلاغ الرابع لمن دخل في المذهب سنتين، كتاب البلاغ الخامس لمن دخل في المذهب ثلاث سنين، كتاب

стр. 150

البلاغ السادس لمن دخل في المذهب أربع سنين، كتاب البلاغ السابع وفيه نتيجة المذهب والكشف الأكبر. قال محمد ابن إسحاق "ابن النديم" قد قرأته - أي السابع - فرأيت فيه أمراً عظيماً من إباحة المحظورات والوضع من الشرائع وأصحابها) (١) . وقد تحدث عن مراتب دعوة الإسماعيليين (البغدادي) وسماها بأسمائها (٢) ، (والغزالي) (٣) ، ونقل (النويري) في نهاية الأَرب عن الشريف أبي الحسن محمد بن علي نصّاً طويلاً في كيفية الدعوة عند الإسماعيليين (٤) ، وقد كشف "الحمادي اليماني" عن تجربة شخصية له مع الباطنيين في كتابه «كشف أسرار الباطنية» ، وليس من موضوعنا التفصيل في هذا، إنما غرضنا إلمامة يسيرة وننبه هنا إلى ناحية مهمة في هذا الباب؛ وهي أن الكتب الإسماعيلية انتشرت في وقتنا هذا ولا ندري عن مرتبة هذه الكتب في الدعوة الإسماعيلية، ولكن هناك فئة من الباحثين اعتبروا هذه الكتب هي المرحلة الأخيرة والكشف الأكبر، وراحوا على ضوئها يخطئون ما كتبه الأسلاف وما نقلوه من وثائق عنهم ويغالطون في وقائع التاريخ اغتراراً أو تغريراً، مع أن القوم لم يبرحوا من عزلتهم ولم يخرجوا عن باطنيتهم وزاد نشاطهم في هذا العصر ولهم جامعات في الهند لتخريج دعاة يبعثونهم إلى شتى البلدان لنشر الدعوة فيها على مراحل مدروسة.

стр. 151

الزيدية وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (١) وسموا بالزيدية نسبة إليه (٢) ، وقد افترقوا عن "الإمامية" "الرافضة" حينما سئل زيد عن أبي بكر وعمر فترضى عنهما فرفضه قوم، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيدية لانتسابهم إليه، وذلك في آخر خلافة هشام سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين ومائة (٣) . والزيدية كما يقول الشهرستاني: (ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵂ ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين ﵄، وجوزوا إمامة المفضول مع وجود الأفضل) (٤) . والزيدية «يوافقون المعتزلة في العقائد» (٥) لأن زيد بن علي

стр. 152

تتلمذ في الأصول على واصل بن عطا (١) . ومذهب الزيدية المعتدلة أو الزيدية الحقيقية في الصحابة هو الترضي عنهم كما ينقل ذلك ابن الوزير (٢) عن "الإمام الكبير المنصور بالله" (٣) ، إذ قال في الرسالة الإمامية في الجواب عن المسائل التهامية: فأما ما ذكره المتكلم عنا من تضعيف آراء الصحابة فعذرنا أنهم أشرف قدراً، وأعلى أمراً، وأرفع ذكراً من أن تكون آراؤهم ضعيفة، أو موازينهم في الشرف والدين خفيفة، فلو كان كذلك لما اتبعوا

стр. 153

رسول الله ﷺ ، ومالوا عن إلف دين الآباء والأتراب والقرباء إلى أمر لم يسبق لهم به أُنس، ولم يسمع له ذكر، شاق على القلوب، ثقيل على النفوس. فهم خير الناس على عهد رسول الله ﷺ وبعده فرضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيراً - إلى قوله - فهذا مذهبنا لم نكتم سواه تقية وكيف وموجبها زائل ومن هو دوننا مكاناً وقدوة يسب ويلعن ويذم ويطعن ونحن إلى الله سبحانه من فعله براء، وهذا ما يقضي به علم آبائنا منا إلى علي ﵇ إلى قوله - وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء بسب الصحابة ﵃ والبراءة منهم فتبرأ من محمد (من حيث لا يعلم (١) . ويقول.. المقبلي (٢) : (إن الزيدية ليسوا من الرافضة بل ولا من غلاة الشيعة في عرف المتأخرين (٣) ولا في عرف السلف (٤) . فإنهم الآن مستقر مذهبهم الترضي على عثمان وطلحة والزبير وعائشة ﵃ فضلاً عن الشيخين) (٥) . ولكن في الزيدية من هو رافضي ومذهبه في الصحابة كمذهب الرافضة كطائفة الجارودية، ولهذا رأينا شيخ الرافضة في القرن الرابع "المفيد" ينظمهم في سلك التشيع (بمعنى الرفض) ويخرج ما عداهم

стр. 154

من فرق الزيدية من شمول اسم التشيع لهم (١) - كما أشرنا إلى ذلك - ولقد أصبحت فئة الجارودية في فترة من الفترات هي الممثلة للزيدية ولا يوجد غيرها، كما يذكر صاحب «الحور العين» حصول ذلك في زمنه حيث قال: (وليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية وهم بصنعاء وصعدة وما يليهما) (٢) . ويذكر الشهرستاني: (أن أكثر الزيدية طعنت في الصحابة طعن الإمامية) (٣) . ويذكر المقبلي: (أن الزيدية ليست لهم قاعدة محددة فإنهم أحياناً يطعنون في بعض خيار الصحابة كأبي هريرة وجرير البجلي وأم المؤمنين حبيبة (لأنهم رووا ما يخالف هواهم، وإذا جاءهم الحديث على ما يوافق هواهم قبلوه من طريق ذلك الصحابي وإن كان أقل فضلاً ورتبة ممن طعنوا فيه) (٤) . ويتحدث المقبلي: (أنه قد سرى داء الإمامية في الزيدية في هذه الأعصار حتى تظهر جماعة مح (٥) مذهب الإمامية، وهو تكفير الصحابة ومن تولاهم - صانهم الله تعالى - (٦) ولعل هذه الظاهرة - اعتناق الزيدية لمذهب الرفض - هي التي جعلت بعضهم يقول: جئني بزيدي صغير أخرج لك منه رافضياً كبيراً) (٧) .

стр. 155

ومن عقائد الزيدية قولهم: (بعصمة فاطمة وعلي والحسين) (١) . ويقول يحيى بن حمزة بن علي الهاشمي اليمني (٢) : (بأن معظم فرق الزيدية يقولون بالنص على إمامة الثلاثة علي وولديه، واعتقاد ثبوت إمامة من عداهم من أولادهما بالدعوة) (٣) . ومسألة "العصمة والنص" هي كالطعن في الصحابة، كلها من أدواء الإمامية التي استشرت في بعض فرق الزيدية، والبعض الآخر يخالفهم في هذا كالسليمانية والصالحية والبترية الذين يقولون: الإمامة شورى ويجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل (٤) ، كما أن القائلين بالنص والعصمة يخالفون من ينتسبون إليه وهو الإمام زيد الذي لم يقل بالنص (٥) كما لم يقل بالعصمة (٦) .

стр. 156

فرق الزيدية اختلف أصحاب «المقالات والفرق» في عدد فرق الزيدية، فالقمي لا يذكر سوى فرقتين هما: الضعفاء والأقوياء (١) وكذا النوبختي (٢) ، بينما الأشعري يذكر لهم ست فرق هي: الجارودية، والسليمانية، والبترية، والنعيمية، ولا يذكر اسم الفرقة الخامسة ويذكر مذهبها فقط، ثم اليعقوبية (٣) ، أما البغدادي فلا يذكر سوى ثلاث فرق منها وهي: الجارودية، والسليمانية والبترية (٤) ، وكذلك الحال عند الشهرستاني الذي قال: هم أصناف ثلاثة: جارودية، وسليمانية، وبترية. والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد (٥) . وكذلك الحال عند الرازي (٦) ، ونشوان الحميري (٧) ، أما الملطي فيجعلهم أربع فرق ولا يسمي هذه الفرق باستثناء واحدة يطلق عليها اسم "معتزلة بغداد" (٨) .

стр. 157

بينما البرسي (١) يذكر خمس عشرة فرقة للزيدية بأسمائها (٢) ولم أجد من وافقه على هذا التقسيم وهذا العدد من أصحاب الفرق والمقالات، كما أن البرسي غير موثوق لما ينقله من أباطيل وخرافات في كتبه فلا نشتغل بعرض ما ذكر. أما عن مذاهب هذه الفرق فإننا ذكرنا مذهب معظم الزيدية على سبيل الإجمال، أما العرض التفصيلي لمذاهب تلك الفرق فإننا سنكتفي بما كتبه علامة اليمن أبو سعيد نشوان الحميري (ت ٥٧٣هـ) عن مذاهب الفرق الزيدية على حسب تقسيمه ـ ولا يخفى أصالة هذا المرجع باعتبار أن اليمن من مراكز الزيدية ونشوان من كبار علماء اليمن ـ يقول: (وافترقت الزيدية ثلاث فرق: بترية، وجريدية، وجارودية، فقالت البترية: إن عليّاً ﵇ كان أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ لأن علياً (سلم لهما ذلك بمنزلة رجل كان له حق على رجل فتركه له، ووقفت في أمر عثمان، وشهدت بالكفر على من حارب عليّاً. وسموا البترية لأنهم نسبوا إلى كثير النوى وكان كثير يلقب بالأبتر) (٣) .

стр. 158

وقالت الجريرية: (إن عليّاً كان الإمام بعد رسول الله ﷺ وأن بيعة أبي بكر وعمر كانت خطأ لا يستحقان عليه اسم الكفر ولا اسم الفسوق، وأن الأمة قد تركت الأصلح، وبرئت من عثمان - (- بسبب إحداثه، وشهدت عليه وعلى من حارب عليّاً بالكفر) (١) . وقالت الجارودية (٢) : (إن رسول الله ﷺ نص على علي ﵁ بالإشارة والوصف دون التسمية والتعيين، وأنه أشار إليه ووصفه بالصفات التي لا توجد إلا فيه، وأن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره، وأن رسول الله ﷺ نص على الحسن والحسين ﵉ بمثل نصه على علي. ثم الإمام بعد هؤلاء الثلاثة ليس بمنصوص عليه ولكن الإمامة شورى بين الأفاضل من ولد الحسن والحسين ممن شهر منهم سيفه، ودعا إلى سبيل ربه، وباين الظالمين وكان صحيح النسب من هذين البطنين وكان عالماً زاهداً شجاعاً فهو الإمام) .

стр. 159

وافترقت الجارودية في نوع آخر ثلاث فرق: (أ) فزعمت أن محمد بن عبد الله بن الحسين المعروف بالنفس الزكية لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم، وكان محمد بن عبد الله خرج على المنصور فقتل بالمدينة. (ب) وفرقة زعمت أن محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب حي لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً وأنه المهدي المنتظر عندهم. وكان محمد بن القاسم هذا خرج على المعتصم.. فأسره المعتصم فلم يدر بعد ذلك كيف كان خبره. (ج) وفرقة زعمت أن يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب حي لم يمت، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً. وكان يحيى بن عمر هذا خرج على المستعين فقتل بالكوفة (١) . يقول عبد القاهر البغدادي عن هذه الفرق الثلاث إنها: (اجتمعت على القول بأن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين

стр. 160

في النار، فهم من هذا الوجه كالخوارج (١) ، كما أن هذه الفرق يكفر بعضها بعضاً؛ فالبترية والسليمانية يكفرون الجارودية من الزيدية لإقرار الجارودية على تكفير أبي بكر وعمر، والجاردوية يكفرون السليمانية والبترية لتركهما تكفير أبي بكر وعمر) (٢) . لكن ما ذكره أصحاب الفرق والمقالات عن هذه الفرق الثلاث لا يتفق مع ما تقدم نقله عن بعض الزيدية من معتقد حسن في الصحابة، فلعل ما ذكرناه أولاً هو اتجاه لفرقة أخرى من الزيدية، ولعلها هي الأصل وهي الفرقة التي ذكرها الملطلي - وقد ذكر للزيدية أربع فرق - حيث قال: (والفرقة الثالثة من الزيدية: يقولون أن الأمة ولت أبا بكر (اجتهاداً لا عناداً، وقصدوا فأخطأوا في الاجتهاد، وولوا مفضولاً على فاضل فلا شيء عليهم، وإنما أخطأوا في ذلك ولم يتعمدوا) . وهذه الفرقة لم يتبرؤوا ولم يكفروا أحداً، وتولوا وهم أصحاب سمت يظهرون زهداً وعبادة وخيراً، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر (٣) ،.. وهم الذين عناهم ابن حزم بقوله: (وأقرب مذاهب الشيعة إلى أهل السنّة المنتمون إلى أصحاب الحسن بن صالح بن حي الهمذاني الفقيه، القائلون بأن الإمامة في ولد علي ﵁، والثابت عن الحسن بن صالح ﵀ هو قولنا: إنَّ الإمامة في جميع قريش وتولي جميع الصحابة (، إلا أنه كان يفضل عليّاً على جميعهم) (٤) . وهؤلاء أحق بالانتساب إلى زيد.

стр. 161

الرافضة وهم الذين يُسمَّوْن بالجعفرية، وبـ «الإمامية الإثني عشرية» ، كما يسمون بالرافضة. ويرى بعض الباحثين أن مصطلح "الشيعة" إذا أُطلق فلا ينصرف إلا إليهم، وغيرهم إما إسماعيلية أو زيدية. وأقول بهذا الرأي لأن مصادر الشيعة الإثني عشرية في التلقي قد استوعبت كثيراً من الآراء والأصول التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى، فأصبحت بذلك الوجه للشيعة. والعبرة بالمعتقد لا بالاسم، وسيأتي توضيح هذه المسألة (١) . وهم يسمون بالإمامية؛ لأنهم قالوا بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان (٢) ، فالإمامية علم على من دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان، وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام، ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي، وساقها إلى الرضا علي بن موسى (٣) . ويسمون بالاثني عشرية، لأنهم يقولون بأن الأئمة بعد الرسول ﷺ اثنا عشر إماماً (٤) وهم: علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري والمهدي المنتظر (٥) .

стр. 162

ويسمون بـ "الجعفرية" نسبة إلى جعفر الصادق - إمامهم السادس كما يقولون - وهو من باب التسمية للعام باسم الخاص. روى الكشي أن شيعة الصادق في الكوفة سموا بالجعفرية (١) . وأما تسميتهم بـ «الرافضة» ، فقد ورد في (البحار) للمجلسي - وهو أحد مراجعهم الحديثية المتأخرة - أربعة أحاديث في مدح التسمية بـ "الرافضة" (٢) ، وكأنهم أرادوا تطييب نفوس أتباعهم بتحسين هذا الاسم لهم. ولكن في هذه الأحاديث ما يفيد أن الناس بدأوا يسمونهم بالرافضة من باب الذم لا المدح. ولا تجيب هذه المصادر الشيعية عن سبب تسمية الناس لهم بهذا الاسم على سبيل الذم والسب لهم (٣) ، ولكن كتب الفرق غير الشيعية تذكر أن ذلك

стр. 163

لأسباب تتعلق بموقفهم من خلافة الشيخين ورفضهم لها. يقول أبو الحسن الأشعري: وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر (١) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد نقله لرأي الأشعري هذا: (قلت: الصحيح أنهم سموا رافضة لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما خرج بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك) (٢) . وهذا الرأي لابن تيمية يعود لرأي الأشعري لأنهم ما رفضوا زيداً إلا لما أظهر مقالته في الشيخين ومذهبه في خلافتهما، فالقول بأنهم سموا رافضة لرفضهم زيداً أو لرفضهم مذهبه ومقالته مؤداه - في نظري - واحد. ولكن شيخ الإسلام راعى في التصويب والتفريق المسألة التاريخية لظهور لقب الرافضة وارتباطه بتلك الحقبة. وهذه الفرقة تسلك مسلك المعتزلة في عقائدها وتنفرد بعقائد وآراء في الإمامة، والصحابة، والقول بالرجعة، والغيبة وغيرها، وبمصادر خاصة بها تتلقى منها عقائدها ودينها - كما سيأتي -. وهذه الطائفة هي الفرقة الشيعية الكبرى في عالمنا اليوم ولها أتباعها وأنصارها في إيران ولهم في الدولة وفي العراق، والقطيف ولبنان والكويت وباكستان والهند (٣) وليس في مصر ولا في شمال أفريقية شيعة (٤) .

стр. 164

أما بالنسبة لعددهم فلم أجد إحصائية رسمية لهم، وهناك دعاوى من الشيعة مختلفة حول عددهم فمن قائل: إنهم يقربون من سبعين مليوناً (١) ومن قائل: إنهم مائة مليون (٢) ومن زاعم: أنهم يقدرون بمائتي مليون (٣) . والواقع أن الشيعة يحاولون المبالغة في أعدادهم كنوع من الدعاية لمذهبهم، كما يحاولون نسبة الشخصيات الإسلامية البارزة إليهم. وهذه الطائفة هي التي نشطت في الدعوة إلى التقريب، وأنشأت بعض المراكز في ديار السنة لهذا الغرض، وأرسلت بعوثها ورسلها إلى ديار السنّة للمناداة بهذه "الفكرة". وهذه هي الفرقة التي ادعى علماؤها أنه لا يفصلهم عن أهل السنّة كبير شيء، وإنما خلافهم معهم في مسائل الفروع. يقول محمد حسين آل كاشف الغطا (٤) : (الشيعة ما هم إلا طائفة من طوائف المسلمين ومذهب من مذاهب الإسلام، يتفقون مع سائر المسلمين في الأصول وإن اختلفوا معهم في بعض الفروع) (٥) وردد هذا الكلام بعض أهل السنّة (٦) ، بناء على كلام الشيعة، وأصدر شلتوت فتواه

стр. 165

بجواز التعبد بمذهبهم الجعفري (١) ، لأن الخلاف معهم إنما هو في بعض المسائل الكلامية كما يقول. فهل هذه الدعوى حقيقية؟ إن الإجابة على ذلك هي في الدراسة التالية لمصادر القوم في التلقي وعقائدهم وآرائهم من واقع كتبهم الأصيلة والموثقة عندهم، لنتعرف على أسس الخلاف وأوجهه بينهم وبين أهل السنّة من كتبهم نفسها، وتخصيصنا لهذه الطائفة بالدراسة التفصيلية لا لأنها هي الفرقة التي نشطت في الدعوة للتقريب بينهم وبين أهل السنّة فحسب، ولا لأنها الطائفة الشيعية الكبرى فحسب، بل فضلاً عن ذلك فإن بحث أوجه الخلاف بين الشيعة والسنة، ودراسة فكرة التقريب على ضوء ذلك لا بد وأن يعتمد على دراسة لمصادر التلقي عند كل فريق، وإننا نجد طوائف الشيعة: إما طائفة قد تقنعت واستترت بباطنيتها كالإسماعيلية، والدروز، والنصيرية وغيرها من طوائف الباطنية، وهي وإن تكشَّف للأمة كفرها وإلحادها على مرور الزمن، لكنها لا تزال تعيش في سراديب الكتمان والتخفي، فتلك الفئة لا سبيل إلى معرفة مصادرها وكتبها فكيف يمكن أن ندرس فكرة التقارب معها؟. وأما الزيدية المعتدلة فقد قال الإمام ابن حزم: (إنهم من أقرب فرق الشيعة لأهل السنة) (٢) والاعتقادات الخطرة في المذهب الزيدي

стр. 166

إنما تعزى إلى الجارودية وهم يدخلون في "الروافض"، لأن العبرة بالمسمى لا بالاسم، والزيدية المعتدلة ترجع لمصادر الأمة في التلقي ويمكن أن يحل الخلاف على ضوئها - كما رأينا في مبحث الزيدية - فلم يبق أمامنا سوى الإثني عشرية "الرافضة"، وهي اليوم أصبحت معروفة بكتبها ومصادرها ويمكن التعرف عليها من خلال تلك المصادر. وذهب جمع من العلماء إلى أن مصطلح الشيعة إذا أُطلق اليوم فلا ينصرف إلا إلى هذه الطائفة - كما سبق - أَمثال كاشف الغطا (١) ، وشتروتمان (٢) وأمير علي (٣) وغيرهم. يقول أمير علي - مثلاً -: (أصبحت الإثني عشرية مرادفة للشيعة) (٤) ولهذا يقول د. عرفان عبد الحميد: (إِن البحث في عقائد الشيعة من غير تحديد وحصر للمصطلح لا بد أن يعتمد على كتب الإثني عشرية الإمامية باعتبار أنها تمثل الغالبية من الشيعة) (٥) . فلنبدأ دراستنا لهذه الطائفة وعقائدها من مراجعها الأصيلة (٦) .

стр. 167

الفصل الثاني: اعتقادهم في مصادر التلقي أو في أصول الأحكام المتفق عليها بين المسلمين ١- اعتقادهم في كتاب الله: (أ) قولهم بتحريفه . (ب) انحرافهم في تفسيره. (ج) دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن. (أ) قولهم بتحريفه: أجمعت الأُمة على حفظ الله لكتابه العظيم، وأَنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهو حجة الله الخالدة ومعجزة نبيه الكبرى، وقد تكفل الله سبحانه بحفظه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (١) وتحدى به الناس جميعاً، فمن حاول المساس به والنيل من قدسيته فإنه بعيد عن الإِسلام وإِن تسمى به، وإِنه يجب كشفه لتعرف الأُمة عداوته لأنه يحارب الإِسلام في أَصله العظيم وركنه المتين. إن دعوى "تحريف القرآن" هي محاولة يائسة من أعداء المسلمين تستهدف الطعن في دينهم وقرآنهم (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا

стр. 168

نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (١) ، ذلك أنهم حين لم يستطيعوا أن يحدثوا في كتاب الله أمراً لأنه فرق منالهم، وكانت سهامهم التي تصوب إليه ترتد إلى صدورهم، حينذاك ادّعوا أنّ في كتاب الله نقصاً وتحريفاً، وما أسهل الادّعاء الكاذب من حاقد موتور، وما كان لهذا "الادّعاء" وجود حتى نبتت نابتة الرافضة، وقام دينها على أسس ومبادئ ليس لها في كتاب الله ذكر وبيان، فلم يكن لها من بد إذا أَرادت إقامة مذهبها إِلا الطعن في القرآن ذاته. وكان تدبيرهم هذا من أسباب كشفهم وفضحهم بين المسلمين، فكانت قولتهم هذه في كتاب الله هي اليد التي رفعت "القناع" الذي يرتدونه بين المسلمين وهو التشيع لآل البيت، ليظهر وجههم الحقيقي المعادي للإسلام والمسلمين. وتقوم فريّتهم على القول بأَنّ هذا القرآن ناقص ومحرف، وإِن القرآن الكامل عند علي ابن أَبي طالب، ثم أَورثه (الأئمة من بعده وهو اليوم عند مهديّهم المنتظر) . وهذه المقالة الملحدة ممن يزعمون التشيع لعلي، فوق أَنها طعْنٌ في كتاب الله ودينه، وطعن في صحابة رسول الله ﷺ ـ هي مع ذلك أكبر طعن في علي ﵁ من قوم يزعمون محبته والتشيع له، إذ كيف لم يخرج علي القرآن الكامل الذي جمعه - كما يزعمون - ويعارض به هذا القرآن المحرف؟، ولماذا لم يتدارك الأمر حين أفضت إليه الخلافة؟، ومن

стр. 169

أقر الخائن على خيانته كان كفاعلها.. وقد حارب علي الخوارج على أقل من هذا. لم يجد الروافض ما يجيبون به عن هذا سوى قولهم على لسان عالمهم "نعمة الله الجزائري" (١) : (ولما جلس أمير المؤمنين ﵇ لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه) (٢) . هكذا يعتذرون.. وأي قدح أَبلغ من هذا.. أَنهم يتهمون عليّاً (بأَنّه راعي المجاملة لمن سبقه على هداية الأمة، ولهذا لم يخرج ما عنده من القرآن. سبحانك هذا بهتان عظيم. هذه فحوى "الخرافة" التي وجدت مكانها في دواوين الشيعة ومجاميعهم الحديثية وكتبهم المعتمدة في عشرات من النصوص والروايات، وسنتعرف على هذه "الخرافة" عند القوم على المراحل التالية: ١- كتب الشيعة التي روت أَخبار التحريف. ٢- النصوص الواردة في كتبهم حول هذه الفرية. ٣- معتقدهم في هذه النصوص والروايات. ٤- بداية هذا الافتراء عندهم.

стр. 170

١- كتب الشيعة التي روت أَخبار التحريف: أَول كتاب للشيعة يسجل فيه هذا الافتراء هو "كتاب سليم بن قيس" الذي يعتبرونه "أَول كتاب ظهر للشيعة" (١) وأثنى عليه كثير من علماء الشيعة القدماء والمعاصرين، [وسيكون لنا وقفة مع هذا الكتاب في نهاية حديثنا عن "فرية التحريف" باعتباره أَول كتاب توجد فيه هذه الفرية] ، ومن كتاب سليم بن قيس تسري الفرية وتنتشر في أُمهات كتب الشيعة المعتمدة عندهم، حتى أن حسين النوري الطبرسي - وهو عندهم إِمام أَئمة الحديث والرجال في الأعصار المُتأخرة ومن أَعاظم علماء الشيعة في هذا القرن (ت ١٣٢٠هـ) - نقل في كتابه "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب" الذي أَلّفه ليثبت - من كتبهم - أنّ القرآن محرف، نقل فيه مجموعة كبيرة من أخبارهم التي تطعن في القرآن، جمعها كما يقول من (الكتب المُعتبرة التي عليها المعول وإليها المرجع عند الأَصحاب) (٢) وقال في موضع آخر: (واعلم أَنّ تلك الأخبار منقولة عن الكتب المعتبرة التي عليها معول أَصحابنا في إِثبات الأَحكام الشرعية والآثار النبوية) (٣) . فهذه الكتب التي ذكرت هذه "الأَخبار" الملحدة موثقة عندهم، ويتلقون عنها دينهم، ومنسوبة لكبار علمائهم ومحققيهم. ومن هذه الكتب "صحيحهم الكافي" الذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أَهل السنة ويعتبرونه أَصحّ كتبهم (٤) ؛ ويلقبون مؤلفه

стр. 171

- محمد بن يعقوب الكليني [ت ٣٢٨ أو ٣٢٩]- بـ «ثقة الإسلام» ، وقد روى الكليني من هذه الأساطير الشيء الكثير (١) . مع أنه التزم الصحة فيما يرويه (٢) ولهذا قرر الكاتبون عنه من الشيعة (أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه يثق بما رواه) (٣) ، وقال بعض أَهل السنّة في تعليقه على ذلك: (ولنا أَن نقول إن رأينا فيمن ينقل هذا ويؤمن به أَنه لا يُعدّ من أهل القبلة) (٤) ، (وكذلك أُستاذه علي بن إبراهيم القمي (٥) فإنّ تفسيره مملوء منه وله غلو فيه) (٦) وقد صرح بهذا المعتقد في أوّل

стр. 172

تفسيره وملأ كتابه من أخباره، مع التزامه في أوله ألا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته (١) ، ومع ذلك فإن كبير علماء الشيعة اليوم "الخوئي" يوثق روايات القمي كلها؛ فيقول: (ولذا نحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم الذين روى عنهم في تفسيره مع انتهاء السند إلى أحد المعصومين) (٢) . وتشاهد هذه الأساطير عند عالمهم محمد بن الحسن العياشي (٣) في تفسيره المسمى "تفسير العياشي" (٤) ، وهو من كتبهم المعتمدة (٥) . وترى عالِمُهم النوري الطبرسي ينقل بعض النصوص التي تطعن في كتاب الله من كتب أخرى لهم قديمة ومنسوبة لعلمائهم الأوائل،

стр. 173

مثل "الغيبة" لمحمد بن إبراهيم النعماني (١) وغيره (٢) ، بل يزعم الطبرسي أن بعض نصوص التحريف توجد في بعض نسخ نهج البلاغة التي وضعها "الشريف الرضي" و (الشيعة.. متفقون على أن ما في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين علي اعتماداً على رواية الشريف ودرايته ووثاقته) (٣) هكذا يقولون، مع أن براهين الوضع على الكتاب بينة واضحة في متنه وسنده وكما قرر ذلك المحققون (٤) . هذه بعض كتبهم المتقدمة - كما يزعمون - والتي روت أخبار التحريف، ولكن عالم الشيعة في القرن الرابع وصاحب أحد صحاحها الأربعة شيخهم الذي يلقبونه بـ "الصدوق" محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الذي يصفونه بـ "رئيس المحدثين" (ت ٣٨١هـ) يقول: (اعتقادنا في القرآن أنه ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس وليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب) (٥) .

стр. 174

فصدوقهم يكذّب إبراهيم القمي والكليني، والعياشي وغيرهم بهذا الكلام الذي يقرره، وقد يؤخذ من "شهادة الصدوق" هذه شيء مهم في هذا؛ وهو أنّ تلك الكتب المنسوبة لأوائل الشيعة والتي حوت تلك الفرية قد زيد فيها وأُضيفت إليها تلك الزندقة وذلك الباطل فيما بعد، ذلك أن صدوقهم لم يقل بوجود هذه الروايات في تلك الكتب وأن هذا الباطل مذهب التقية وكلتا الحالتين شر. والغريب أن هذه "الفرية" لم تسلم منها بعض الكتب المنسوبة للصدوق الذي ينفي التحريف حيث نرى بعض هذه الروايات في كتاب الخصال للصدوق (١) ، فهل هي مدسوسة في كتابه أم أنّ هذه قرينة على أن الإنكار من قبيل التقية (٢) ؟!. وهذه الزندقة تسري في كتبهم وتنتشر، فبعض رواياتها موجودة أيضاً في رجال الكشي (٣) الذي هو عندهم عمدة في علم الرجال (٤) ورجال الكشي الموجود اليوم ليس هو الأصل الذي وضعه الكشي، بل هو من تهذيب الطوسي (مؤلف كتابين من صحاحهم الأربعة توفي ٤٦٠هـ) الملقب عندهم بشيخ الطائفة، فهذا الافتراء رواه الكشي ولم يحذفه الطوسي وهو يهذب الكتاب، فهل هذا قبول له؟ لكن الطوسي ينكر هذا الضلال في تفسيره "التبيان" (٥) ، غير أن عالِمهم النووي الطبرسي يزعم

стр. 175

أن تفسير التبيان موضوع على غاية الحذر والمداراة للمخالفين (١) ـ أي على أسلوب التقية ـ ويحكم عليه بهذا الحكم لأنه لم يوافق معتقده الباطل في كتاب الله، وينقل من بعض كتب الطوسي ما يمس كتاب الله (٢) وذلك ليثبت أن إنكاره تقية، ويعزو إنكاره مرة أُخرى لهذه الفرية إلى قلة تتبعه الناشىء كما يقول من عدم توفر الكتب عنده (٣) . والشريف المرتضي (٤) - وهو شيعي - ينكر هذه الضلالات التي شملت كتب الشيعة في جواب المسائل الطرابلسيات (٥) ، ولهذا استثناه ابن حزم من القائلين بهذه المقالة (٦) التي هوت بها الشيعة. وعلى رغم الإنكار من القمي والطوسي والمرتضي، فإن هذا "الإلحاد" يسري في كتب القوم، ففي كتاب «الاحتجاج» لأحمد بن أبي طالب طبرسي (٧) - وهو غير الطبرسي صاحب مجمع البيان (٨) -

стр. 176

روايات عديدة في تأييد هذا الباطل، وقبل ذلك نرى هذه الأسطورة عند شيخهم المفيد (ت ٤١٣) - حيث بذكر بعض رواياتها في كتابه «الإرشاد» ، وهو من كتبهم المعتبرة كما سيأتي، كما يقرر هذا الضلال في كتابه «أوائل المقالات» ، ويعترف باستفاضة "رواياته" من طرقهم، وأوائل المقالات من كتبهم المعتمدة في العقيدة كما يؤكد ذلك بعض شيوخهم المعاصرين (١) ، كما أن الروايات في هذا "الباطل" منتشرة في كثير من كتب التفسير عندهم كتفسير البرهان (٢) ، والصافي (٣) وغيرهما. وفي دواوين الأخبار عندهم كـ «الوافي» ، وكـ «البحار» (٤) - الذي حوى من هذا الضلال فأوعى - وغيرهما. كما تتكرر أخبار التحريف في كثير من كتبهم المعتمدة عندهم، وقد ذكر شيخهم الطبرسي في كتابه «فصل الخطاب» كثيراً من هذه الكتب (٥) - غير ما مر - وإن كان هناك من شيوخ الشيعة من ينكر هذا "الإلحاد"، لكن تبقى مع ذلك الكتب التي روت هذه الزندقة، والشيوخ الذين جاهروا بهذا الاعتقاد موضع احترام وتقدير من الشيعة كلهم. ولم تكتف العناصر المجوسية التي لبست ثوب التشيع زوراً وبهتاناً بذلك، بل وضعت هذه الأساطير في كتب مستقلة باسم التغيير

стр. 177

والتحريف وغيره. وممن وضع هذا الإلحاد في مؤلف شيخهم الثقة ـ عندهم ـ أحمد بن محمد البرقي عند شيخهم الطوسي، من كتبه كتاب التحريف (١) ومنهم والده الثقة - عندهم - محمد بن خالد عد النجاشي من كتبه «التنزيل والتغيير» ، ومنهم شيخهم الثقة الذي لم يعثر له على زلة في الحديث - كما ذكروا - علي بن الحسن بن فضال عد من كتبه كتاب «التنزيل من القرآن والتحريف» ، ومنهم محمد بن الحسن الصيرفي في الفهرست له كتاب «التحريف والتبديل» ، ومنهم أحمد بن محمد بن سيار عد الشيخ (٢) والنجاشي من كتبه كتاب «القراءات» ونقل عنه ابن ماهيار الثقة - عندهم - في تفسيره كثيراً، وكذا الشيخ حسن بن سليمان الحلي تلميذ الشهيد في مختصر البصائر وسماه «التنزيل والتحريف» ، ومنهم الثقة الجليل - عندهم - محمد بن العباس بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام صاحب التفسير المعروف - لهم -.. له كتاب «قراءة أمير المؤمنين» ، وكتاب «قراءة أهل البيت» وقد أكثر من نقل أخبار التحريف في كتابه. ومنهم أبو طاهر عبد الواحد بن عمر القمي، ذكر ابن شهراشوب في معالم العلماء أن له كتاباً في قراءة أمير المؤمنين (٣) . وفي هذا العصر ألف الرافضي حسين الطبرسي كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» ، وأبان عن غرضه المجوسي في مقدمة كتابه حيث قال: (فيقول العبد المذنب المسيء حسين بن

стр. 178

محمد تقي الدين الطبرسي جعله الله من الواقفين ببابه المتمسكين بكتابه! هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» . وأودعت فيه من بدائع الحكمة ما تقر به كل عين، وأرجو ممن ينتظر رحمته المسيئون أن ينفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون) (١) . انظر كيف تتقنع "المجوسية" بمسوح الرياء والكذب لخداع الأغرار والبسطاء عن الهدف الخبيث الذي تسعى إليه. وقد طبع هذا الكتاب على الحجر في إيران سنة ١٢٩٨ وعليه خاتم الدولة الإيرانية الرسمي. والمؤلف يحظى بتعظيم الشيعة، حتى اعتبروا كتابه «مستدرك الوسائل» مرجعاً من مراجعهم في الحديث، قالوا: (وأصبح في الاعتبار كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة) (٢) ، وبعد أن مات هذا الطبرسي وضعوه في أشرف بقعة - عندهم - بين العترة والكتاب، يعني في الإيوان الثالث عن يمين الداخل إلى الصحن الشريف من باب القبلة (٣) (في النجف) . ويذكر إحسان إلهي ظهير أنه: (في القارة الهندية) صنف الشيعة كتباً عديدة في إثبات وإظهار هذه العقيدة الباطلة؛ فقد ألف ميرزا سلطان أحمد الدهلوي «تصحيف كاتبين ونقص آيات كتاب مبين» ، ومحمد مجتهد

стр. 179

اللكنوي «ضربة حيدرية» وغيرها (١) . والكيد المجوسي لا ينتهي ولكن سيكفيكهم الله وهو السميع العليم، ولن يضروا الله شيئاً والله يحفظ كتابه ودينه، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، فها هي مؤامراتهم ومكائدهم تندحر وترتد على أعقابها، وتصبح فضيحة كبرى لهم يحاولون التستر عليها الآن بكل وسيلة، ويبقى كتاب الله في حفظ الله وكنفه فوق كيد الكائدين، ويرجع أصحاب الكيد بالخزي والذل والصغار، وفي هذا آيات للمؤمنين. فلا قرآن يوجد إلا هذا القرآن العظيم، وتبقى هذه الدعاوى فضيحة لأصحابها، وعلى مر الزمن واستفحال الكيد تتجدد معجزة الوعد الإلهي في حفظ هذا القرآن العظيم (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (. ٢- النصوص الواردة في كتبهم: النصوص المجوسية التي تطعن في كتاب الله قد كثرت في كتب "الشيعة" ومصادرها في الحديث كثرة عجيبة، حتى إن عالمهم المجلسي صاحب «بحار الأنوار» جعلها في الكثرة والتواتر تساوي أخبار الإمامة التي هي لب التشيع وجوهره، ورأى أن ترك الاعتماد على أخبار التحريف يستلزم عندهم رفع الاعتماد على أخبارهم - رأساً -. يقول: (وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنىً، وطرْح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة) (٢) . وقال شيخهم المفيد:

стр. 180

(إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد ﵌ باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان) (١) ، ويقول عالمهم الطبرسي عن أخبارهم في الطعن في القرآن: (وهي كثيرة جداً حتى قال السيد نعمة الله الجزائري في بعض مؤلفاته كما حكي عنه أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث) (٢) ، وقال ثقتهم محمد صالح المازندراني (ت ١٠٨١) : (.. وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنىً، كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها) (٣) . وقال شيخهم نعمة الله الجزائري: إن القول بصيانة القرآن وحفظه: (يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن.. مع أن أصحابنا - رضوان الله عليهم - قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها) (٤) . ويرى عالمهم الطبرسي أنه لا ينبغي عندهم النظر في أسانيدها لتواترها من طرقهم، يقول: (إن ملاحظة السند في تلك الأخبار الكثيرة توجب سد باب التواتر المعنوي فيها، بل هو أشبه بالوسواس الذي ينبغي الاستعاذة منه) (٥) . والخوئي مرجع الشيعة في العراق وغيره - اليوم - يقول: (إن كثرة الروايات - على وقوع التحريف في القرآن - تورث القطع
следующие страницы →