← Акыда

Акыда · id 12763

مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

ناصر القفاري

Полный текст (699 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

محمد بن علي بن النعمان الأحول (١)) (٢) . ومن المتصور أن مثل فكرة العصمة تنشأ وتشيع في ظل الحالة النفسية التي يعيشها الشيعة.. من حقد مكبوت على الحكم القائم، ومحاولة إلصاق المساوئ به، وبالجانب الآخر غلو في آل البيت وفي الحديث عن فضائلهم وما جرى عليهم من محن وأنهم الأحق بالحكم. في مثل هذا الجو تولد مثل هذه الأفكار في خضم أحاديثهم عن فضائل أهل البيت، ومساوئ الحكم القائم. ويبدو أن فكرة العصمة قد مرت بأطوار مختلفة أو أن الشيعة قد اختلفت عقائدهم في تحديدها - في أول الأمر - فمثلاً في عصر أبي جعفر بن بابويه القمي (٣) (ت ٣٨١هـ) وشيخه محمد بن الحسن القمي (٤) كان رأي جمهور الشيعة أن أول درجة في الغلو

стр. 317

هي نفي السهو عن النبي ﷺ (١) ، فكانوا يعدون من ينفي السهو عن النبي من الشيعة الغلاة، ولكن تبدلت الحال بعد ذلك وأصبح نفي السهو عن الأئمة من ضرورات مذهبهم، ولا شك أن نفي السهو والنسيان عن الأئمة هو خروج بهم إلى منزلة من لا تأخذه سنة ولا نوم، وقد كانت العصمة - بهذه الصورة الغالية من نفي السهو والنسيان عن الأئمة - معتقد فئة شيعية مجهولة في الكوفة، ففي «البحار» للمجلسي (أنه قيل للرضا - إمام الشيعة الثامن - إن في الكوفة قوماً يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم، الله إن الذي لا يسهو هو الله لا إله إلا هو) (٢) . فهذا يدل على أن عقيدة نفي السهو كانت معتقد قوم غير معينين لشذوذهم في هذا الاعتقاد، وأنهم كانوا ينفون السهو عن النبي الذي هو أفضل الأئمة ولم يقولوا بذلك للأئمة، ثم تطور هذا الاعتقاد ليشمل أئمة الشيعة الاثني عشر وليعم طائفة الشيعة الإمامية كلها كما سنوضح ذلك فيما بعد (٣) . وكان معتقد العصمة من أسباب نشوء عقيدة البداء والتقية - كما سيأتي - ذلك أن واقع الأئمة لا يتفق بحال ودعوى عصمتهم، فإذا حصل اختلاف وتناقض في أقوالهم قالوا هذا بداء أو تقية، كما اعترف

стр. 318

بهذا بعض الشيعة (١) . وقد نقل الشيعة في دواوينهم في الحديث أخباراً عن أئمتهم تنفي هذه العصمة المطلقة التي يزعمها، فهذا أبو عبد الله جعفر الصادق يقول - لما ذكر له السهو -: (أو ينفلت من ذلك أحد؟ ربما أقعدت الخادم خلفي يحفظ عليّ صلاتي) (٢) . وجاء في الصحيفة السجادية أن من دعاء علي بن الحسين: (اللهم لك الحمد على سترك بعد علمك.. فكلنا قد اقترف العائبة فلم تشهره وارتكب الفاحشة فلم تفضحه.. كم نهي لك قد أتيناه، وأمر قد وقفتنا عليه فتعديناه، وسيئة اكتسبناها، وخطيئة ارتكبناها..) (٣) . فهو لم يدع لنفسه دعوى الشيعة فيه، بل يعترف بالذنب ويقر بالخطيئة، وهذا تنقله كتب الشيعة نفسها. ومن يتتبع أخبارهم وأحاديثهم يجد مجموعة كبيرة منها تناقض دعواهم في عصمة أئمتهم. وقد أقر عالمهم المجلسي بوجود كثير من الأخبار في كتبهم تناقض دعوى نفي السهو عن الأئمة، ولذا قال: (المسألة في غاية الإشكال لدلالة كثير من الأخبار والآيات على صدور السهو عنهم وإطباق الأصحاب

стр. 319

إلا من شذ منهم على عدم الجواز..) (١) . وهذا اعتراف من المجلسي بأن إجماع الشيعة على عصمة أئمتهم بإطلاق؛ يصادم رواياتهم. وهذا دليل على أنهم يجمعون على ضلاله، وعلى غير دليل حتى من كتبهم ... ٣- التقية (٢) : يعرف المفيد التقية عندهم بقوله: (التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا) (٣) . وعرفها أحد علمائهم المعاصرين بقوله: (التقية.. أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك أو لتحتفظ بكرامتك) (٤) . وهذا التعريف للتقية لا ينطبق على حالات التقية عندهم، وسنرى أنهم يقولون بالتقية في غير مجال الضرورة والحاجة الشرعية. إن التقية التي هي في الإسلام رخصة عند الضرورة العارضة (٥)

стр. 320

وليست من أصول الدين المتبعة - هي عند الشيعة من أُسس عقائدها وركائز إيمانها.. بل غالوا في قيمتها حتى قالوا - في حديث لهم عن أبي عبد الله - أن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له (١) . فهذا النص يسنده الشيعة إلى أبي عبد الله جعفر الصادق المولود سنة ٨٠ والمتوفى سنة ١٨٤، أي الذي عاش في فترة عز الإسلام والمسلمين، فأي حاجة إلى التقية في ذلك الزمن إلا إذا كان الدين المتقي به غير الإسلام؟ (٢) . ومن العجيب أن تجعل الشيعة التقية تسعة أعشار الدين فماذا بقي لأركان الدين من قيمة بعد ذلك؟. بل إنهم يجعلون تارك التقية لا دين له وهذا نهاية في الغلو. فعن أبي عبد الله "ع" قال: (اتقوا الله في دينكم فاحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له..) (٣) . وكذلك يروي الكليني عن أبي جعفر المولود بالمدينة سنة ٥٧ والمتوفى سنة ١١٤ - أي في العصر الذهبي للإسلام وفي خير القرون وأفضل البقاع - أنه يقول: (التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له) (٤) .

стр. 321

ويقول: (خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية) (١) . ويهتم الكليني (ت ٣٢٩ أو ٣٢٨) بأمر التقية ويعقد لها باباً خاصاً بعنوان: (باب التقية) ، ويضعه ضمن كتاب الإيمان والكفر. وهذا دليل علي أن الكليني يرى أن ترك التقية كفر كما أن فعلها إيمان، وقد ذكر الكليني في باب التقية ٢٣ حديثاً لهم (٢) . ثم أردف باب التقية بباب آخر يدخل في معنى التقية وهو (باب الكتمان) ، وذكر فيه ١٦ حديثاً (٣) تأمر الشيعة بكتمان دينهم، ومن هذه الأحاديث: قول أبي عبد الله - كما يفترون - لسليمان بن خالد: (يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله) (٤) . وقال أبو جعفر: (لا تبثوا سرنا ولا تذيعوا أمرنا..) (٥) . وقال أبو عبد الله: (يا معلي - راوي الخبر - اكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نوراً بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة، يا معلي من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة وجعله ظلمة تقوده إلى النار، يا معلي إن التقية من ديني ودين آبائي

стр. 322

ولا دين لمن لا تقية، يا معلي إن المذيع لأمرنا كالجاحد له) (١) . وفي حديث لهم يقول: (.. وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله) (٢) . ثم يعقد الكليني بعد باب الكتمان بأبواب كثيرة (٣) باباً في موضوع التقية أيضاً بعنوان: "باب الإذاعة"، ويذكره ضمن كتاب الكفر والإيمان أيضاً ويضمنه ١٢ حديثاً (٤) تحذر من إذاعة أمرهم وتأمر بكتمانه والتقية فيه، منها قول: أبي عبد الله: (من أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان) (٥) . وقال: (مذيع السر شاك، وقائله عند غير أهله كافر) (٦) . قال شارح «الكافي» في تفسير النص الأخير: (كأن المعنى مذيع السر عند من لا يعتمد عليه من الشيعة شاك.. ويمكن حمله على الأسرار التي لا تقبلها عقول عامة الخلق) (٧) . وهذا يدل على أن هناك كتماناً وتقية من علماء الشيعة لعامتهم. وقد ذكرت كتب الشيعة مشروعية التقية والكتمان لكثير من أخبارهم وعقائدهم حتى وإن كان السامع من شيعهم، لعدم تحمل عقول كثير من الناس وقلوبهم لها فيدعوهم هذا لكره المذهب

стр. 323

والنفور منه، وهذا من باب التقية عندهم وإن اختلف الدافع له والغرض منه، وأنه قد يستعمل حتى مع نبي قومهم. ففي «الكافي» : (باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب) وذكر فيه خمس روايات لهم (١) . وفي «البحار» للمجلسي جاء هذا الباب بعنوان: (باب أن حديثهم ﵈ صعب مستصعب وأن كلامهم ذو وجوه كثيرة، وفضيلة التدبر في أخبارهم ﵈ والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم) وفيه (١١٦) حديثاً (٢) . ومن هذه الروايات التي يذكرونها في هذا الباب: (إن حديثنا تشمئز منه القلوب، فمن عرف فزيدوهم ومن أنكر فذروهم) (٣) . وعن سفيان السمط قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: (جعلت فداك إن رجلاً يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله: يقول لك إني قلت لليل أنه نهار أو للنهار أنه ليل، قال: لا، قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني) (٤) . وهذا يدل على أن من الشيعة من يستبشع رواياتهم ولكن يلزمون بالإيمان الأعمى بها.

стр. 324

وعن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر "ع": قال رسول الله ﷺ : (إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان..) (١) . هذه صورة لعقيدة التقية في أهم كتب الشيعة (٢) . ولا شك أن أسرارهم قد انكشفت حتى عقيدة التقية قد انكشف أمرها، والسبب هم الشيعة أنفسهم، ولهذا جاءت بعض نصوصهم تصف الشيعة بـ "النزق وقلة الكتمان" (٣) . ولكن الأثر العملي للتقية لا يزال يؤدي دوره الخطير في جوانب عديدة منها: أولاً: أن عقيدة التقية استغلها دعاة التفرقة بين الأمة، والزنادقة المتسترون بالتشيع استغلوها لإبقاء الخلاف بين المسلمين. وذلك برد الأحاديث الصحيحة في معناها التي وردت عن الأئمة ووافقت ما عند الأمة وروتها كتب الشيعة نفسها ردها، بحجة أنها تقية لموافقتها لما عند أهل السنّة، فإذا جاء حديث يثني على الصحابة قالوا: إن هذا تقية، وإقرار أئمتهم بالخلافة القائمة في عصرهم يقولون: إنه تقية، وصلح الحسن هو عندهم تقية وهكذا، فضلاً عن الفروع الفقهية إذْ يردون الأحاديث التي توافق ما عليه أهل السنّة وتخالف شذوذهم ـ يردونها بحجة التقية لأنها وافقت إجماع المسلمين.

стр. 325

ومن الأمثلة لتأثير التقية العملي عندهم أنهم قالوا عن تزويج علي ﵁ ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب (- تلك التي هي من أقوى الدلائل على كمال الحب والولاء بين الصحب والآل - قالوا: إن هذا من باب التقية، فقد عقد عالمهم الحر العاملي في "وسائل الشيعة" باباً في هذا بعنوان: (باب جواز مناكحة الناصب عند الضرورة والتقية) ومما جاء فيه: عن أبي عبد الله (في تزويج أم كلثوم فقال: (إن ذلك فرج غصبناه) (١) . كما أورد في هذا الباب تزويج رسول الله ﷺ ابنتيه لعثمان (وعده من باب التقية. قال أبو جعفر: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله زوج منافقين: أبا العاص بن الربيع، وسكت عن الآخر (٢)) (٣) . أي لم يصرح الإمام باسم عثمان تقية وخوفاً. هذا مجرد مثال والأمثلة كثيرة سيأتي بعض منها أيضاً في فصل (هل من طريق للتقريب؟) . وهكذا جعلوا عقيدة التقية منفذاً للغلو والغلاة ووسيلة وضعها أعداء الأمة للنأي بالشيعة عن جماعة المسلمين. ثانياً: إنهم جعلوا عقيدة التقية هي المخرج من الاختلاف

стр. 326

والتناقض في أخبارهم وأحاديثهم، فإن ظاهرة التناقض في أحاديثهم كانت من أقوى الدلائل على أنها من عند غير الله (١) ، ولهذا كان ذلك الاختلاف الكثير في أخبارهم من أسباب ترك بعض الشيعة للتشيع كما اعترف بذلك الطوسي (٢) . ثالثاً: أنهم قالوا بعصمة الأئمة وأنهم لا ينسون ولا يسهون ولا يخطئون مع أن الناس حفظوا عنهم ما يخالف ذلك وينافي عصمتهم، فقالوا بالتقية للمحافظة على دعوى عصمة الأئمة، تلك العصمة التي بسقوطها تسقط قيمة أقوالهم وبالتالي يسقط مذهب الشيعة، ولهذا قال سليمان بن جرير: (إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداً وهما: القول بالبداء وإجازة التقية) (٣) . رابعاً: جعلت التقية وسيلة للكذب على الأئمة، فيردون - مثلاً - كلام الإمام الباقر أو جعفر الصادق الذي سمعه مجموعة من الناس بحجة أنه قد حضره بعض السنّة فاتقى في كلامه، ويقبلون ما ينقله الكذبة أمثال جابر الجعفي بحجة أنه لم يحضر مجلسه أحد يتقيه، فما ينقله غلاة الروافض والزنادقة عن أئمة أهل البيت مقبول عندهم، وما ينقله العدول من المسلمين مردود بدعوى التقية.

стр. 327

فمثلاً الإمام زيد بن علي وهو من أهل البيت يروي عن علي ﵁ - كما تذكره كتب الشيعة نفسها - أنه غسل رجليه في الوضوء، ولكن عالم الشيعة الطوسي يرد هذه الرواية ويزعم أنها من باب التقية. استمع إلى نص الرواية: عن زيد بن علي عن آبائه عن علي ﵁ قال: (جلست أتوضأ فأقبل رسول الله ﷺ حين ابتدأت الوضوء فقال لي: تمضمض واستنشق واستن (١) ، ثم غسلت ثلاثاً فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان، فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار) (٢) . قال الطوسي: (فهذا خبر موافق للعامة - يعني أهل السنّة لأن مذهبهم غسل الرجلين - وقد ورد مورد التقية، لأن المعلوم الذي لا يتخالج منه الشك من مذاهب أئمتنا ﵈ القول بالمسح على الرجلين - ثم قال: إن رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به) (٣) . هكذا ترد النصوص التي تتفق مع مذهب أهل السنّة تحت ستار التقية حتى وإن كان الراوي من أئمة أهل البيت. خامساً: انبثق من خلال عقيدة التقية: مبدأ أن ما خالف العامة - أي أهل السنّة - هو الحق، حتى إنهم جعلوا من معالم التعرف على الحق - في نظرهم - عند اختلاف رواياتهم معرفة ما عليه أهل السنّة

стр. 328

وأن يكون مجتهدهم على دراية بذلك ليتسنى له الأخذ بخلافه، فإذا اختلفت أحاديثهم فالحق هو ما فيه خلاف العامة، وإذا أفتى عالم أهل السنّة بفتوى فالحق في خلافها. ففي «البحار» عن علي بن أسباط قال: قلت للرضا "ع": (يحدث الأمر لا أجد بدّاً من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك، قال: فقال ﵇: ائت فقيه البلد - يعني من أهل السنّة - فاستفته في أمرك، فإن أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه) (١) . وفي «البحار» أيضاً قال أبو عبد الله "ع": (إذا ورد عنكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم) (٢) . وهكذا أراد مؤسسو هذا المذهب الانفصال عن جماعة المسلمين والنأي بالشيعة عن حقيقة الإسلام، ولهذا حملوا كل ما في مذهبهم من نصوص توافق الأمة ـ حملوها على التقية وجعلوا علامة إصابة الحق تتمثل في مخالفة العامة - أهل السنّة -. ٤- الرجعة (٣) : هي عندهم: (رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم

стр. 329

القيامة) (١) وعودتهم إلى (الحياة بعد الموت) (٢) ، قبل ذلك اليوم الموعود يرجعون (في صورهم التي كانوا عليها) (٣) . والراجعون إلى الدنيا - كما يعتقدون -: (فريقان: أحدهما: من علت درجته في الإيمان.. والآخر من بلغ الغاية في الفساد) (٤) . وزمن الرجوع هو: (عند قيام مهدي آل محمد ﵈ (٥) . والغرض من الرجعة عندهم هو انتقام المهدي ومن معه من أعدائهم (٦) ، وعلى رأس الأعداء حسب معتقدهم خليفتا رسول الله وصاحباه وحبيباه وصهراه ومن أقاما دولة الإسلام بعده: أبو بكر وعمر ﵄ (٧) . وقد جاء في كتبهم روايات وحكايات كثيرة عن المجازر الدموية التي تجري في هذه الرجعة (٨) .

стр. 330

وعقيدة الرجعة من أصول المذهب الشيعي، فمن رواياتهم: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا) (١) وأجمعوا على الاعتقاد بها. يقول المفيد: (واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات) (٢) . ويقول الحر العاملي: أنها موضع (إجماع جميع الشيعة الإمامية) (٣) وأنها (من ضروريات مذهب الإمامية) (٤) ، ويقول: (إنا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة وكل وقت، كما أننا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة) (٥) ، واعترافات علمائهم بأن عقيدة الرجعة محل الإجماع والتواتر في مذهبهم كثيرة (٦) وخصها بعضهم بمؤلفات (٧) ، وأحصى بعضهم رواياتهم فيها بأنها أكثر من مائتي حديث في أكثر من خمسين كتاباً من كتبهم المعتبرة عندهم (٨) .

стр. 331

(وهذه العقيدة مخالفة صريحة للكتاب، فإن - الرجعة - قد أُبطلت في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (*) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (١) ، وقوله سبحانه: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (صريح في نفي الرجعة مطلقاً) (٢) . إذن كيف ومتى دخلت هذه العقيدة إلى الشيعة؟ يرى بعض الباحثين أنها تسربت عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية (٣) ، ودخلت التشيع عن طريق عبد الله بن سبأ اليهودي. وقد يكون الهدف منها إضعاف الإيمان باليوم الآخر (٤) . وقد قال ابن سبأ برجعة محمد ﷺ (٥) ، ثم تحول إلى القول برجعة علي وقال - لما بلغه نعي علي - للذي نعاه: (كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض) (٦) .

стр. 332

فابن سبأ جعل الرجعة خاصة بعلي، ومن يراجع كتب الفرق يجد أن كثيراً من فرق الشيعة تزعم أن إمامها سيرجع (١) ، وهناك فرقة من فرق الشيعة اشتهرت بالدعوة لهذا الاعتقاد حتى سميت "بالرجعية" (٢) ، ثم تطور مفهوم الرجعة عند الشيعة إلى المعنى العام الذي ذكرناه عنهم في صدر الكلام عن الرجعة. ويذكر الألوسي (٣) أن تحول مفهوم الرجعة عند الشيعة من رجعة المهدي فقط إلى ذلك المعنى العام الذي بيناه كان في القرن الثالث (٤) . ويذكر أبو الحسين الخياط (٥) أن هذه العقيدة كانت سرية عندهم (قد تواصوا بكتمانها وألا يذكروها في مجالسهم ولا في كتبهم إلا فيما قد أسروه من الكتب ولم يظهروه) .

стр. 333

ويرى ابن حجر أن الإيمان بالرجعة هو نهاية الغلو في الرفض فيقول: (التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغال في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو) (١) . ٥- البداء: في القاموس "بدأ" بَدْواً وبُدُوّاً وبَداءَة: ظهر ... وبدا له في الأمر بَدْواً وبَدَاء وبداة: نشأ له فيه رأي (٢) .. فالبدا في اللغة - كما جاء في القاموس - له معنيان: الأول: الظهور والانكشاف. الثاني: نشأة الرأي الجديد. وكلا المعنيين وَرَدَ في القرآن، فمن الأول قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ((٣) ومن الثاني قوله: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ((٤) . والبداء بهذين المعنيين لا تجوز نسبته إلى الله (. والبداء في الأصل عقيدة يهودية ضالة، وقد وردت في التوراة التي حرفها اليهود وفق ما شاءت أهواؤهم نصوص صريحة تتضمن نسبة معنى البداء إلى الله سبحانه (٥) .

стр. 334

وانتقل الاعتقاد في البداء - أولاً - إلى فرق السبئية المدعية للتشيع، ففرق السبئية (كلهم يقولون بالبداء؛ إن الله تبدو له البداوات) (١) ، ثم أخذ بفكرة البداء "المختار بن أبي عبيد الثقفي" (٢) (لأنه كان يدعي علم الغيب، فكان إذا حدث خلاف ما أخبر به قال: قد بدا لربكم) (٣) . وقال سليمان بن جرير - كما مر - (أن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداً، وهما: القول بالبداء وإجازة التقية) (٤) . ويشرح كيف يستخدمون عقيدة البداء ستاراً على ادعائهم الكاذب في الغيب فيقول: (فأما البدا: فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون والإخبار بما يكون في غد وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد.. كذا وكذا، فإن

стр. 335

جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون؟ فنحن نعلم من قبل الله (ما علمه الأنبياء وبيننا وبين الله (مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا أنه يكون على ما قالوا؛ قالوا لشيعتهم: بداء لله في ذلك يكونه) (١) . إذن البداء فرية يهودية، حاولت السبئية أن تدخلها في عقائد المسلمين وأخذ بها المختار لتأييد دعواه الكاذبة في علم الغيب، وهي لا تجوز نسبتها إلى الله. ولكن الشيعة الإمامية تلقفتها وجعلتها من أصول عقائدها وقالت: (ما عبد الله بشيء مثل البداء) (٢) ، (وما بعث الله نبياً قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء) (٣) ، (ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) (٤) . وفي صحيحهم «الكافي» باب في هذا بعنوان (باب البداء) جاء ضمن كتاب التوحيد! وفي هذا الباب ١٦ حديثاً في البداء (٥) . وفي «البحار» للمجلسي ذكر أحاديث البداء في باب بعنوان: (البداء والنسخ) وذكر فيه ٧٠ حديثاً (٦) .

стр. 336

فهل الشيعة الإمامية في عقيدتهم في البداء ينسبون الجهل والنسيان إلى الله؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. قال بهذا بعض مفكري المسلمين (١) ، لأن البداء بهذا المعنى من الكفر البواح. وإن القارئ لأحاديثهم في البداء يجد في بعضها ذلك المعنى الضال في البداء (٢) . وهناك روايات أُخرى تقول أنه (ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له) (٣) . وقال كثير من علماء الشيعة أنهم لم يريدوا "بالبداء" ما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه، يقول محمد حسين آل كاشف الغطاء: (البداء، وإن في جوهر معناه يتمثل في ظهور الشيء بعد خفائه، ولكن ليس المراد به هنا ظهور الشيء لله جل شأنه، وأي ذي حريجة

стр. 337

ومسكة يقول بهذه المضلة؟ بل المراد ظهور الشيء من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم وقولنا: "بدا لله" أي بدا حكم الله أو شأن الله) (١) . وهذا التفسير مقبول، ولكن إذا كان الأمر كذلك فلم تلك المغالاة في البداء؟، ولم صار من أصول العقائد، وأصبح مما تشذ به الشيعة عن جمهور المسلمين؟، وما الهدف من جعله بتلك المثابة وهو في الأصل من معتقدات اليهود، ومن دعاوى ابن سبأ، والمختار بن أبي عبيد، وهو في معناه اللغوي الظاهر مما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه؟ فلم لا ترفض عقيدة البداء أصلاً بدلاً من أن يبحث لها عن مسوغ ومخرج؟ إن الجواب عن سبب تعلق الشيعة بعقيدة البداء وعنايتهم بها هو نفس السبب الذي جعل المختار يأخذ بهذه العقيدة؛ وهو غلوهم في أئمتهم وزعمهم أنهم يعلمون الغيب، حتى عقد صاحب «الكافي» باباً يقول فيه: إنّ الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء - كما مر - فكان القول بالبداء هو المخرج إذا حدّث الأئمة بشيء وكذبهم الواقع. كما كان هو المخرج للمختار إذا أخبر بشيء وجاء على خلاف ما قال. وعلماء كان موقفهم إزاء هذه العقيدة الغريبة البحث لها عن مسوغ يدافعون به عنها لا نقضها ووأدها (٢) .

стр. 338

ولو كان لفظ "البداء" ورد في نص من نصوصهم لكان دفاعهم عنه سائغاً (١) ، أما وأنه جعل عقيدة، وغلا فيه القوم غلواً شديداً فهو ما لا يقبل فيه الدفاع، وسيحمل على أنه تقية، وهو الذي يستدعي ذلك التساؤل عن سبب هذا الاهتمام وهو ما أسلفنا الجواب عنه. ٦- الغَيْبة: (الغَيْبَة ... من العقائد الأساسية عند الإمامية) (٢) ، وذلك أن الشيعة تعتقد (أن الأرض لا تخلو من إمام لحظة واحدة ولو بقيت الأرض بغير إمام لساخت) (٣) ، (ولو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) (٤) ، ذلك أنه عندهم (هو الحجة على أهل الأرض) (٥) فلا حجة عندهم سواه، لدرجة أن كتاب الله عندهم ليس بحجة بدون الإمام، (لأن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم) (٥) ، والقيم هو أحد أئمتهم الاثني عشر كما تقضي توجهاتهم العقدية. ولنا أن نسأل: أين إمام الشيعة اليوم؟ لقد توفي الحسن العسكري - إمامهم الحادي عشر - سنة

стр. 339

٢٦٠ هـ (١) بلا عقب كما قاله كبار المؤرخين (٢) ، واعترفت كتب الشيعة بأنه (لم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه) (٣) ، واضطرب الشيعة بعد وفاة الحسن بلا ولد وتفرقوا - فيمن يخلفه - فرقاً شتى بلغت ـ كما يقول المسعودي ـ عشرين فرقة (٤) ، أو خمس عشرة فرقة كما يقول القمي (٥) ، حتى إن بعضهم قال: إن الإمامة قد انقطعت (٦) ، وكاد أن يكون موت الحسن بلا عقب نهاية للشيعة والتشيع حيث سقط عموده وهو "الإمام". ولكن "فكرة غيبة الإمام" كانت هي القاعدة التي قام عليها كيان الشيعة بعد التصدع، وأمسكت ببنيانه عن الانهيار، لهذا أصبح الإيمان بغيبة ابن للحسن العسكري هو المحور الذي تدور عليه

стр. 340

عقائدهم ودان بذلك أكثر الشيعة بعد تخبط واضطراب، فلم يكن لهم من ملجأ إلا ذلك. وإذا كان ابن سبأ هو الذي وضع عقيدة "النص على علي بالإمامة" التي هي أساس التشيع، فإن هناك ابن سبأ آخر هو الذي وضع البديل "لفكرة الإمامة" بعد انتهائها حسياً بانقطاع نسل الحسن، أو أنه واحد من مجموعة وضعت هذه الفكرة لكنه هو الوجه البارز لهذه الدعوى. هذا الرجل يدعى عثمان بن سعيد (١) ، زعم أن للإمام الحسن ولداً قد اختفى وعمره أربع سنوات (٢) ، على الرغم من أن هذا الولد - كما تعترف كتب الشيعة ـ لم يظهر في حياة أبيه الحسن ولا عرفه الجمهور بعد وفاته (٣) ، ولكن هذا الرجل عثمان بن سعيد هو الذي يزعم أنه يعرفه وأنه وكيله في تسلم أموال الشيعة والإجابة عن أسئلتهم. ومن الغريب أن الشيعة تزعم أنها لا تقبل إلا قول المعصوم وها هي تقبل في أهم عقائدها دعوى رجل غير معصوم، حيث استجابت الشيعة لهذه الدعوى. ورفض عثمان بن سعيد ومن معه البوح باسم هذا الولد المزعوم أو ذكر مكان وجوده - وذلك في بادئ الأمر - ففي «الكافي» عن

стр. 341

أبي عبد الله الصالحي قال: سألت أصحابنا بعد مضي أبي محمد (الحسن العسكري) أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: (إن دللتم على الاسم أَذاعوه، وإن عرفوا المكان دلوا عليه) (١) ، ولكن ورد في كتب الشيعة أن اسمه محمد، وظل بعض علماء الشيعة ينهون عن التصريح باسمه إِلى اليوم ويكتفون بذكر أحد أَلقابه التي وضعوها له وهي: (المهدي، والحجة، والقائم، والخلف والسيد، والناحية المقدسة، والصاحب، وصاحب الزمان، وصاحب العصر (٢) ، وصاحب الأَمر) ، وقد ورد عندهم (صاحب هذا الأَمر لا يسميه باسمه إِلا كافر) (٣) ، ولما قيل: كيف نذكره؟ قال: قولوا: (الحجة من آل محمد صلوات الله عليه وسلامه) (٤) . ويبدو أَن عملية كتمان اسمه ومكانه ما هي إِلا محاولات لستر هذا الكذب؛ إِذ كيف يسوغ كتمانه وهم يقولون: «من لم يعرف الإِمام فإنما يعرف ويعبد غير الله» (٥) . وفكرة الغيبة كما نادى بها عثمان نادى بها من بعده ابنه محمد ثم بعده النوبختي وأَخيراً السيمري - كما مر - وتسمى فترة نيابة هؤلاء الأَربعة عن المهدي بـ "الغيبة الصغرى" وقد استمرت أربعاً وسبعين سنة (٦) .

стр. 342

وآخر هؤلاء النواب الأربعة هو «السيمري» ، وقد طور فكرة الغيبة: فبدلاً من أن تكون بيد واحد من الشيعة يزعم أنه يلتقي بالإِمام مباشرة أَعلن انقطاع الصلة المباشرة بالمهدي وقال: كل مجتهد شيعي هو نائب عن الإمام وأَخرج توقيعاً يقول: (أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إِلى رواة حديثنا، فإِنهم حجتي عليكم وأَنا حجة الله) (١) . وما ندري على وجه التأكيد لم قام السيمري بإعلان هذا "الانقطاع المباشر" مع الإِمام؟ قد يكون هذا من أَجل المحافظة على كيان فكرة الغيبة من الانهيار، فقد كثر المتنافسون على دعوى النيابة عن المهدي (٢) لما في ذلك من مكاسب مادية كبيرة وقام البعض منهم بفضح الآخر، فمثلاً يقول "الشلمغاني" (٣) - وهو أَحد مدعي النيابة عن المهدي الذين لا تعترف بهم الاثني عشرية - (ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح "النائب الثالث للمهدي عند الاثني عشرية" إِلا

стр. 343

ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، فلقد كنا نتهارش على هذا الأَمر كما تتهارش الكلاب على الجيف) (١) . يقول - أَحمد الكسروي معقباً على هذا القول -: (ولقد صدق فيما قال؛ فإِن التخاصم لم يكن إِلا لأَجل الأَموال، كان الرجل يجمع المال ويطمع فيه فيدعي البابية لكيلا يسلمه إِلى آخر) (٢) . ولقد كانت مسألة "غيبة الإِمام" - وهي من أَركان المذهب الشيعي - من المسائل التي حيرت كثيراً من الشيعة لشكهم في أَمره وطول غيبته، وانقطاع أَخباره. يقول ابن بابويه القمي: (رجعت إلى نيسابور، وأقمت فيها فوجدت أَكثر المختلفين عليَّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، وقد دخلت عليهم في أَمر القائم ﵇ الشبهة) (٣) . وهذا الشك في أَمر منتظرهم في عصر ابن بابويه (ت ٣٨١) ، فكيف يكون الآن بعد مضي هذه القرون الطويلة؟! ذلك أَن الأَسباب التي يذكرها الشيعة علة لغيبته لا يقتنع بها عاقل؛ فالشيعة يعللون سبب غيبته بأَنه "يخاف القتل" (٤) ، مع أَنهم يقولون بأَن الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إِلا باختيار منهم (٥) ، فكيف يحتجب خوفاً وأمر الموت بيده؟!! ثم لماذا لم يقتل

стр. 344

واحد من هؤلاء النواب الأَربعة الذين يزعمون الاتصال به مباشرة وهم ليسوا كالإِمام لا يموتون إِلا باختيار منهم؟. ثم لم يظهر حين تولى الشيعة الحكم باسمه وأصبحت لهم السلطة؟! يقول الكسروي: (إِذا كان منتظرهم قد اختفى لخوفه على نفسه، فلِمَ لم يظهر عندما استولى آل بويه الشيعيون على بغداد، وصيروا خلفاء بني العباس طوع أمرهم؟ فلم لم يظهر عندما قام الشاه إِسماعيل الصفوي وأجرى من دماء السنيين أَنهاراً؟ فلم لم يظهر عندما كان كريمخان الزندي ـ وهو من أكابر سلاطين إيران ـ يضرب على السكة اسم إِمامكم «صاحب الزمان» ويعد نفسه وكيلاً عنه؟ وبعد فلم لا يظهر اليوم وقد كمل عدد الشيعيين ستين مليوناً وأَكثرهم من منتظريه؟! (١) . ولو كان الكسروي حيّاً لقال - ولم لم يظهر وقد قامت دولة "الخميني" الذي يزعم النيابة عن المعصوم في كل شيء؟!! وقد أَلّف علماء الشيعة مؤلفات كثيرة في موضوع "الغيبة" (٢) ، وزعم بعض علمائهم أَنه على صلة مباشرة بالمهدي كما مر، وادعوا أن من كتب رقعة وأَرسلها بطريقة معينة ودعاء معين (٣) فإِنها تصل للمهدي، وما كل ذلك إِلا لإقناع قومهم بهذه "العقيدة"، وبدأوا يسمون هذه العقيدة بالمهدية، ويدعون أَنها مسألة مجمع عليها بين السنّة والشيعة لأن الجميع يؤمنون بالمهدي (٤) . وعظموا من أمر هذه العقيدة وبالغوا

стр. 345

- كعادتهم - فزعموا أن رسول الله ﷺ قال عن منتظرهم: (من أنكر القائم من ولدي فقد أَنكرني) (١) ، وأَن جعفر الصادق سئل عمن أَقر بالأئمة جميعاً وجحد الآخر - أي الإمام الغائب - فقال: كمن أَقر بعيسى وجحد محمداً أَو أَقر بمحمد وجحد عيسى، نعوذ بالله من جحد حجة من حججه (٢) ، وقال ابن بابويه القمي: (ومثل من أنكر القائم ﵇ في غيبته مثل إبليس في امتناعه عن السجود لآدم) (٣) . وأن من انتظر خروج هذا القائم فهو (كالمتشحط في دمه في سبيل الله) (٤) وهو كمن استشهد مع رسول الله ﷺ (٥) . وقال لطف الله الصافي (٦) : (والأخبار الواردة في فضيلة الانتظار كثيرة متواترة) (٧) .

стр. 346

وانتظار خروجه من غيبته من أصول الدين عندهم في «الكافي» عن أبي جعفر أنه قال لمن سأله عن دينه الذي يدين الله به: (والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله به، شهادة أن لا إله إلا الله، وأَنّ محمداً رسول الله.. وانتظار قائمنا) (١) . ولهذا ظل الشيعة إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي الذي صنف فيه ابن خلدون تاريخه الكبير يجتمعون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب سرداب سامراء (٢) فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم، ثم ينفضون كل منهم إلى بيته بعد طول الانتظار وهم يشعرون بخيبة الأمل والحزن (٣) . وكان هذا الانتظار مثار سخرية الساخرين حتى قيل: ما آن للسرداب أن يلد الذي ... كلمتموه بجهلكم ما آنا فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا (٤) ومع ذلك فإن نصوص الشيعة تدعو كل شيعي منذ أكثر من أحد عشر قرناً إلى الآن إلى أن لا يبايع لخليفة من خلفاء المسلمين إلا تقية، وإنما البيعة لهذا المنتظر وعليه أن يجدد البيعة له في اعتقاده وقوله وأدعيته.

стр. 347

فمن أَدعيتهم اليومية الخاصة بصاحب الأمر دعاء يسمونه "دعاء العهد" وفيه: (اللهم إني أُجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهداً أو عقداً أو بيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبداً..) (١) . وفي دعاء يومي آخر لصاحب الأمر يقول: (اللهم هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة) . قال المجلسي: (..ويصفق بيده اليمنى على اليسرى كتصفيق البيعة) . ومعظم الشيعة لا يقيمون صلاة الجمعة في زمن الغيبة ويقولون: (الجمعة والحكومة لإمام المسلمين) (٢) . وإمام المسلمين عندهم من أكثر من أحد عشر قرناً هو هذا "المنتظر"، فهم يعطلون فريضة من فرائض الله بسبب هذه الدعوى الغريبة (٣) .

стр. 348

ويزعمون أن مهديهم هذا يغير من شريعة رسول الله ﷺ ، ففي «البحار» للمجلسي: (ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول الله ﷺ ..) (١) ، (وأنه يحكم بحكم سليمان، وداود، وآل داود لا يسأل الناس بينه) (٢) (وأنه يحكم بينهم مرة بحكم آدم ومرة بحكم داود ومرة بقضاء إبراهيم وفي كل واحد منها يعارضه بعض أصحابه.. فيضرب أعناقهم ثم يقضي الرابعة بقضاء محمد فلا ينكر أحد عليه) (٣) ، (وأن القائم إذا خرج قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائهم) (٤) ، ويقولون إن منتظرهم: (يسير في العرب بما في الجفر الأحمر - وهو قتلهم) (٥) ، (وإنه يقتل المولّي ويجهز على الجريح) (٦) . ويعترفون بأن ذلك خلاف سيرة رسول الله ﷺ وعلي والحسن، ففي «البحار» : (أن عليّاً والحسن يسيران بسيرة رسول الله ﷺ وقد بعث رحمة للعالمين، وأن القائم بعث نقمة على الظالمين) (٧) ، ومقتضى هذا - عندهم - أنه لا يسير سيرتهم. (وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين) (٨) . ويذكرون أن "مهديهم" يقوم بعملية هدم وتخريب في الحرمين

стр. 349

الشريفين، ففي الغيبة (أن القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه ومسجد الرسول ﷺ إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه وأقامه على أساسه - هكذا -..) (١) . ويعترفون بأن "منتظرهم" يحاول أن يصرف الناس عن هذا القرآن ويخرج لهم قرآناً يزعم أنه هو القرآن الكامل الذي أُنزل على رسول الله ﷺ ، وقد مر نقل ذلك عنهم (٢) . كما أنهم يدعون أن عند مهديهم مصحف فاطمة، والكتب السماوية السابقة، والجفر، والجامعة وغيرها من العلوم التي يزعمون أن "القائم" ورثها عن الأئمة (٣) - كما سلف -. ومن العجب أنهم كانوا يؤقتون خروجه في أول الأمر بوقت معين، ففي «الكافي» : (أن علياً - كما يزعمون - سئل: كم تكون الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام، أو ستة أشهر أو ست سنين..) (٤) . وهذا التوقيت القريب - فيما يبدو - لأجل إقناع شيعتهم بهذه الدعوى في مبدأ نشأتها حتى تشب ويصلب عودها ويكثر مصدقها. ثم أعلنوا - بعد ذلك - أنه لا وقت معيناً لخروجه، وذلك بعد أن طال بهم الانتظار واستبدت بهم الحيرة، جاء في «الكافي» : (كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نؤقت) (٥) .

стр. 350

وقد نقلت لنا كتب الفرق أقوالهم المختلفة، وآراءهم المضطربة في شأن الغيبة، فكل يتبع إماماً ويدعي غيبته، وكل يقول برأي ويزعم أحقيته (١) . وقال الشهرستاني بعد أن نقل خلافهم في ذلك: (ومع اختلافكم هذا كيف يصح لكم دعوى الغيبة؟..) (٢) . ولا شك أن هذا "الأمر" لو كان من عند الله لم يكن ليظهر على هذا الاضطراب والاختلاف والحيرة.. وإذا سألتهم عن مدة الغيبة كيف تعقل؟ إذ كيف يمكن أن يحيا إنسان هذه القرون المتطاولة؟! قالوا: أليس الخضر يعيش في الدنيا من آلاف السنين. ومع أن القول الصحيح أن "الخضر" ليس بحي (٣) ، فإن حجتهم داحضة فالخضر ليس مكلفاً كما أنه ليس مسؤولاً عن هداية أُمة أو جماعة، وإمامكم هو المسؤول عندكم عن المسلمين جميعاً - على ما تهرفون -!!! ٧- معتقدهم في الصحابة: في كتب الشيعة الأساسية سب وطعن ولعن وتكفير للصحابة رضوان الله عليهم إلا قليلاً منهم لا يتجاوز الثلاثة في معظم

стр. 351

الروايات، وتتناول نصوص السب والتكفير كثيراً من آحادهم على سبيل التعيين، ويخصون الخلفاء الثلاثة بالنصيب الأوفى من ذلك. وتتضمن صفحات كتب الشيعة المعتمدة أخبار صراعات وعداوات بين علي وفاطمة من جهة وبين سائر الصحابة من جهة أخرى، وفي مقدمة الصحب الخليفتان الراشدان. ولو أخذنا ننقل ما وجدنا من هذا "الغثاء" لاستغرق مئات الصفحات، وكل هذه الصفحات السوداء تذكي العداوة، وتوري نيران الحقد وتزرع الفرقة، والهدف منها صرف الأمة عن شريعة نبيها بالطعن في الطريق الأول الناقل لها، وإبطال التواتر في نقل دين الإسلام. وفيما يلي أمثلة لهذا من كتبهم المعتمدة. هناك روايات كثيرة في كتبهم المعتمدة تقول، إن الصحابة ارتدوا إلا ثلاثة، وتزيد بعض الروايات آخرين رجعوا عن ردتهم، إلا أن المجموع لا يتجاوز السبعة في كل الروايات، وهذا الحكم بردة الصحابة رضوان الله عليهم الذين أثنى عليهم ورسوله وسجل التاريخ مآثرهم بمداد من نور ولم تشهد الدنيا إلى يومنا مجتمعاً كمجتمعهم - رضوان الله عليهم - هذا الحكم بردتهم إلا ثلاثة ورد في كثير من كتب الشيعة المعتمدة مثل: «الكافي» (١) ، و «البحار» (٢) ، و «كتاب سليم بن قيس» (٣) و «الاختصاص» (٤) ، و «رجال الكشي» (٥) ،

стр. 352

وفي «تفسير العياشي» (١) ، و «البرهان» (٢) ، و «الصافي» (٣) ، و «تفسير نور الثقلين» (٤) وغيرها وما في هذه الكتب إنما هو أحاديث عن معصوميهم فيما يزعمون. أما كلام علمائهم في الطعن في ذلك الجيل القرآني الفريد فهو قد سود معظم كتبهم، ونحن لا نحاول أن نستشهد بهم كثيراً فهم يزعمون أنه لا حجة إلا في كلام معصوميهم، وغرضنا هنا التثبت في نقل مذهبهم. روى "ثقتهم" الكليني في «الكافي» عن حمران بن أعين قال: (قلت لأبي جعفر "ع": جعلت فداك، ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها (٥) ! فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة..) (٦) . وفي روايات أخرى لهم تعيين لهؤلاء الثلاثة: فعن أبي جعفر "ع" كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم، ثم عرف الناس بعد يسير..) (٧) .

стр. 353

وهؤلاء الذين عرفوا، عددهم أربعة ليصبح مجموع الذين نجوا من الردة - في كتب الشيعة - سبعة، ففي رجال الكشي عن أبي جعفر قال: (ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، قال: قلت: فعمار؟ قال: جاض جيضة (١) ، ثم رجع، ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد. فأما سلمان فإنه عرض في قلبه عارض أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم لو تكلم به لأخذتهم الأرض، وهو هكذا فلبب (٢) ووجئت (٣) عنقه حتى تركت كالسلقة، فمر به أمير المؤمنين "ع" فقال له: يا أبا عبد الله هذا من ذاك فبايِعْ، فبايَع، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين "ع" بالسكوت - ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم ـ فأبى إلا أن يتكلم، فمر به عثمان فأمر به - كذا - ثم أناب الناس بعد فكان أول من أناب أبو ساسان الأنصاري، وأبو عمرة، وشتيرة وكانوا سبعة فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين "ع" إلا هؤلاء السبعة) (٤) . حتى هؤلاء الثلاثة الذين نجوا من الردة لم ينجوا من السب والقدح في كتب الشيعة؛ ففي «رجال الكشي» .. قال أمير المؤمنين - علي -: (يا أبا ذر إن سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان) (٥) . وعن جعفر عن أبيه "ع" قال: ذكرت التقيّة يوماً عند علي "ع" فقال: (لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله..) (٦) .

стр. 354

وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله "ع" يقول: قال رسول الله ﷺ : (يا سلمان: لو عرض علمك على مقداد لكفر، يا مقداد: لو عرض علمك على سلمان لكفر) (١) . ثم إن هذه الروايات التي تحكم بالردة على ذلك المجتمع المثالي الفريد ولا تستثني منه سوى ثلاثة أو أربعة أو سبعة على الأكثر - هذه الروايات ليس فيها لأهل البيت ذكر، فالحكم بالردة في هذه النصوص شامل للصحابة من قرابة رسول الله ﷺ وزوجاته أمهات المؤمنين ومن غيرهم، فهي تتناول الصحب والآل مع أن واضعها يزعم التشيع لأهل بيت رسول الله ﷺ ، فهل هذا إلا دليل على أن التشيع إنما هو ستار لتنفيذ أغراض خبيثة ضد الإسلام وأهله؟. فعلي، والحسن، والحسين، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس وآل علي وزوجاته ﷺ أُمهات المؤمنين ليس لهم ذكر في هذه الروايات، إلا أن هناك رواية عندهم تذكر عليّاً وتنسى الباقين، فعن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر "ع" قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قُبض صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي والمقداد، وسلمان، وأبو ذر. فقلت: فعمار؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة) (٢) . أما نصوصهم التي تتناول كبار الصحابة وخيارهم على وجه التعيين فهي كثيرة، ولخير هذه الأمة بعد نبيها - كما شهد بذلك أخوهم

стр. 355

علي ﵁ لهما النصيب الأكبر من هذه الزندقة الحاقدة، ففي «الكافي» : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماماً من الله، ومن زعم أن لهما - يعنون أبا بكر وعمر ﵄ في الإسلام نصيباً) (١) . وفي «روضة الكافي» (أن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (٢) . وقال شيخهم نعمة الله الجزائري: (قد وردت في روايات الخاصة - يعني شيعته - أن الشيطان يغل بسبعين غلاً من حديد جهنم ويساق إلى المحشر فينظر ويرى رجلاً أمامه يقوده ملائكة العذاب وفي عنقه مائة وعشرون غلاً من أغلال جهنم، فيدنو الشيطان إليه ويقول: ما فعل الشقي حتى زاد علي في العذاب وأنا أغويت الخلق وأوردتهم موارد الهلاك؟، فيقول عمر للشيطان: ما فعلت شيئاً سوى أني غصبت خلافة علي بن أبي طالب) (٣) . وقال هذا "النقمة" معقباً على هذه الرواية: (والظاهر أنه - يعني عمر ﵁ قد استقل سبب شقاوته ومزيد عذابه ولم يعلم أن كل ما وقع في الدنيا إلى يوم القيامة من الكفر والنفاق واستيلاء أهل الجور والظلم إنما هو من فعلته هذه) (٤) .
следующие страницы →