← Акыда

Акыда · id 12763

مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

ناصر القفاري

Полный текст (699 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الروايات، وتتناول نصوص السب والتكفير كثيراً من آحادهم على سبيل التعيين، ويخصون الخلفاء الثلاثة بالنصيب الأوفى من ذلك. وتتضمن صفحات كتب الشيعة المعتمدة أخبار صراعات وعداوات بين علي وفاطمة من جهة وبين سائر الصحابة من جهة أخرى، وفي مقدمة الصحب الخليفتان الراشدان. ولو أخذنا ننقل ما وجدنا من هذا "الغثاء" لاستغرق مئات الصفحات، وكل هذه الصفحات السوداء تذكي العداوة، وتوري نيران الحقد وتزرع الفرقة، والهدف منها صرف الأمة عن شريعة نبيها بالطعن في الطريق الأول الناقل لها، وإبطال التواتر في نقل دين الإسلام. وفيما يلي أمثلة لهذا من كتبهم المعتمدة. هناك روايات كثيرة في كتبهم المعتمدة تقول، إن الصحابة ارتدوا إلا ثلاثة، وتزيد بعض الروايات آخرين رجعوا عن ردتهم، إلا أن المجموع لا يتجاوز السبعة في كل الروايات، وهذا الحكم بردة الصحابة رضوان الله عليهم الذين أثنى عليهم ورسوله وسجل التاريخ مآثرهم بمداد من نور ولم تشهد الدنيا إلى يومنا مجتمعاً كمجتمعهم - رضوان الله عليهم - هذا الحكم بردتهم إلا ثلاثة ورد في كثير من كتب الشيعة المعتمدة مثل: «الكافي» (١) ، و «البحار» (٢) ، و «كتاب سليم بن قيس» (٣) و «الاختصاص» (٤) ، و «رجال الكشي» (٥) ،

стр. 352

وفي «تفسير العياشي» (١) ، و «البرهان» (٢) ، و «الصافي» (٣) ، و «تفسير نور الثقلين» (٤) وغيرها وما في هذه الكتب إنما هو أحاديث عن معصوميهم فيما يزعمون. أما كلام علمائهم في الطعن في ذلك الجيل القرآني الفريد فهو قد سود معظم كتبهم، ونحن لا نحاول أن نستشهد بهم كثيراً فهم يزعمون أنه لا حجة إلا في كلام معصوميهم، وغرضنا هنا التثبت في نقل مذهبهم. روى "ثقتهم" الكليني في «الكافي» عن حمران بن أعين قال: (قلت لأبي جعفر "ع": جعلت فداك، ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها (٥) ! فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة..) (٦) . وفي روايات أخرى لهم تعيين لهؤلاء الثلاثة: فعن أبي جعفر "ع" كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم، ثم عرف الناس بعد يسير..) (٧) .

стр. 353

وهؤلاء الذين عرفوا، عددهم أربعة ليصبح مجموع الذين نجوا من الردة - في كتب الشيعة - سبعة، ففي رجال الكشي عن أبي جعفر قال: (ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، قال: قلت: فعمار؟ قال: جاض جيضة (١) ، ثم رجع، ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد. فأما سلمان فإنه عرض في قلبه عارض أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم لو تكلم به لأخذتهم الأرض، وهو هكذا فلبب (٢) ووجئت (٣) عنقه حتى تركت كالسلقة، فمر به أمير المؤمنين "ع" فقال له: يا أبا عبد الله هذا من ذاك فبايِعْ، فبايَع، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين "ع" بالسكوت - ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم ـ فأبى إلا أن يتكلم، فمر به عثمان فأمر به - كذا - ثم أناب الناس بعد فكان أول من أناب أبو ساسان الأنصاري، وأبو عمرة، وشتيرة وكانوا سبعة فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين "ع" إلا هؤلاء السبعة) (٤) . حتى هؤلاء الثلاثة الذين نجوا من الردة لم ينجوا من السب والقدح في كتب الشيعة؛ ففي «رجال الكشي» .. قال أمير المؤمنين - علي -: (يا أبا ذر إن سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان) (٥) . وعن جعفر عن أبيه "ع" قال: ذكرت التقيّة يوماً عند علي "ع" فقال: (لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله..) (٦) .

стр. 354

وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله "ع" يقول: قال رسول الله ﷺ : (يا سلمان: لو عرض علمك على مقداد لكفر، يا مقداد: لو عرض علمك على سلمان لكفر) (١) . ثم إن هذه الروايات التي تحكم بالردة على ذلك المجتمع المثالي الفريد ولا تستثني منه سوى ثلاثة أو أربعة أو سبعة على الأكثر - هذه الروايات ليس فيها لأهل البيت ذكر، فالحكم بالردة في هذه النصوص شامل للصحابة من قرابة رسول الله ﷺ وزوجاته أمهات المؤمنين ومن غيرهم، فهي تتناول الصحب والآل مع أن واضعها يزعم التشيع لأهل بيت رسول الله ﷺ ، فهل هذا إلا دليل على أن التشيع إنما هو ستار لتنفيذ أغراض خبيثة ضد الإسلام وأهله؟. فعلي، والحسن، والحسين، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس وآل علي وزوجاته ﷺ أُمهات المؤمنين ليس لهم ذكر في هذه الروايات، إلا أن هناك رواية عندهم تذكر عليّاً وتنسى الباقين، فعن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر "ع" قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قُبض صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي والمقداد، وسلمان، وأبو ذر. فقلت: فعمار؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة) (٢) . أما نصوصهم التي تتناول كبار الصحابة وخيارهم على وجه التعيين فهي كثيرة، ولخير هذه الأمة بعد نبيها - كما شهد بذلك أخوهم

стр. 355

علي ﵁ لهما النصيب الأكبر من هذه الزندقة الحاقدة، ففي «الكافي» : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماماً من الله، ومن زعم أن لهما - يعنون أبا بكر وعمر ﵄ في الإسلام نصيباً) (١) . وفي «روضة الكافي» (أن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (٢) . وقال شيخهم نعمة الله الجزائري: (قد وردت في روايات الخاصة - يعني شيعته - أن الشيطان يغل بسبعين غلاً من حديد جهنم ويساق إلى المحشر فينظر ويرى رجلاً أمامه يقوده ملائكة العذاب وفي عنقه مائة وعشرون غلاً من أغلال جهنم، فيدنو الشيطان إليه ويقول: ما فعل الشقي حتى زاد علي في العذاب وأنا أغويت الخلق وأوردتهم موارد الهلاك؟، فيقول عمر للشيطان: ما فعلت شيئاً سوى أني غصبت خلافة علي بن أبي طالب) (٣) . وقال هذا "النقمة" معقباً على هذه الرواية: (والظاهر أنه - يعني عمر ﵁ قد استقل سبب شقاوته ومزيد عذابه ولم يعلم أن كل ما وقع في الدنيا إلى يوم القيامة من الكفر والنفاق واستيلاء أهل الجور والظلم إنما هو من فعلته هذه) (٤) .

стр. 356

تلك نظرة من يزعم التشيع لعلي في عمر الذي قال فيه أخوه علي: «ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك..» (١) . وقال هذا "النقمة" - في أبي بكر (-: (نقل في الأخبار - أخبار شيعته - أن الخليفة الأول قد كان مع النبي ﷺ وصنمه الذي كان يعبده زمن الجاهلية معلق بخيط في عنقه ساتره بثيابه وكان يسجد - ويقصد أن سجوده لذلك الصنم - إلى أن مات النبي ﷺ فأظهروا - كذا - ما كان في قلوبهم) (٢) . انظر كيف بلغ الحقد والعداء بهؤلاء الذين لبسوا ثوب التشيع لآل البيت زوراً وبهتاناً ضد رواد الإسلام، ومن أقاموا دولة الإسلام وفتحوا ديار هؤلاء المجوس ونشروا الإسلام بينهم، وأطفأوا نار المجوسية والوثنية في بلادهم، وإذا كان هذا مبلغ حقدهم ومقدار سبهم لمن ﵃ وتواتر الثناء عليهم في كتاب الله وسنّة نبيه وقد واراهم التراب من قرون، فكيف يكون مستوى حقدهم وتآمرهم على المسلمين الآخرين؟! كما قال بعض السلف: «لا يغل قلب أحد على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إلا كان قلبه على المسلمين أغل» (٣) . كما تطاولوا بالسب والتكفير على كثير من خيار الصحابة غير

стр. 357

الشيخين أمثال ذي النورين عثمان بن عفان (١) ، وأنس بن مالك (٢) والبراء بن عازب (٣) ، ولم يكتف الشيعة بذلك بل طعنوا في آل النبي وأقربائه، في عم النبي العباس (٤) وفي ابنه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس (٥) وفي بعض زوجاته (عائشة (٦) ﵂. وظاهرة التكفير والسب عند الشيعة لا تخص جيل الصحابة - كما قدمنا - لكنهم يركزون على صحابة رسول الله ﷺ بوجه خاص باعتبار أنهم نقلة الشريعة السماوية، وإلا فهم مثلاً يكفرون جميع الناس بعد مقتل الحسين إلا ثلاثة (٧) ، تقول كتب الشيعة إن الناس ارتدوا بعد الحسين إلا ثلاثة، ويطعنون في كل من أنكر إمامة "الاثني عشر" ولو كان من أهل البيت وأولاد فاطمة (٨) ، هذا مع أن علياً (لم يكفر حتى من حاربه من أهل الشام وغيرهم، فقد قال - كما يرويه إمام الشيعة الشريف الرضي في نهج البلاغة - قال في كتابه إلى أهل الأمصار - يذكر فيه

стр. 358

ما جرى بينه وبين أهل صفين -: (وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله، والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء) (١) . وقد أنكر على من يسب معاوية ومن معه فقال - كما في نهج البلاغة أيضاً ـ: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم..) (٢) . فهذا السب والتكفير لم يكن من هدي علي باعتراف الكتاب الأول عند الشيعة. ولقد وضعت أيدينا كتب الشيعة نفسها على مؤسس هذا السب والطعن لأكرم خلق الله بعد النبيين، فقالت: إنه عبد الله بن سبأ لأنه هو (أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وادعى أن علياً (أمره بذلك) (٣) . والشيعة - هي تنال من أشرف الخلق بعد الرسل والنبيين - نراها

стр. 359

تدافع عن المرتدين كأصحاب مسيلمة (١) ، والزنادقة: كالمختار (٢) ، والنصير الطوسي (٣) ، بل إنهم يلقبون (أبا لؤلؤة المجوسي قاتل عمر بن الخطاب ﵁ بـ "أبابا شجاع الدين") (٤) . هذه كتب الشيعة تثني على أقزام التاريخ وحثالة البشر وأعداء الإسلام، وتسب وتطعن وتكفر خيار الأمة وروادها. ولا شك أن الطعن في صحابة رسول الله ﷺ هو طعن في دين الله وشرعه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضاً في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنّة كفار أو فسّاق وأن هذه الآية التي هي: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) (٥) وخيرها هو القرن

стр. 360

الأول، كان عامتهم كفاراً أو فساقاً، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق..) (١) . وبعد: فهذه هي أهم عقائد القوم التي خالفوا بها جماعة المسلمين، ولهم بالإضافة لذلك شذوذات في "مسائل الفقه" خالفوا بها ما تواتر من النصوص وقد درج أئمة السنّة على ذكر مثل هذه المسائل في مباحث العقيدة، ولضيق المجال حسبنا أن نشير إلى أن صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية قد ذكر معظم هذه المسائل في مختلف أبواب الفقه (٢) ، وللدكتور علي السالوس دراسة جديدة في بابها لهذه القضايا أثبت فيها شذوذهم، وناقشه بما ورد عن أهل السنّة، وبما ورد في كتب الشيعة من روايات توافق ما عند أهل السنّة، ونقض رد علماء الشيعة لرواياتهم الموافقة لأهل السنّة بدعوى التقية، وهو منهج يستحق الإشادة والتقدير (٣) . والذي جعلنا نكتفي بهذه الإشارة ولا ندرس هذه القضايا إيماننا بأن التقريب يبدأ من الأصول أولاً.. ومن العجب أن الشيعة يغالون في قيمة كل مسألة يشذون بها عن أهل السنّة، حتى في المسائل الفقهية والعملية. فمثلاً "مسألة المتعة"

стр. 361

لم يكتفوا بإباحتها بل رتبوا على تركها وعيداً شديداً. فمن رواياتهم في ذلك أن (من خرج من الدنيا ولم يتمتع جاء يوم القيامة وهو أجدع (١)) (٢) . وجعلوا لفاعلها أجراً عظيماً حتى قالوا: إن من تمتع أربع مرات كان كرسول الله ﷺ في الأجر، ونسبوا هذه "القولة الشنيعة" إلى رسول الله ﷺ . تقول روايتهم: قال النبي ?: (من تمتع مرة كان درجته كدرجة الحسين (ومن تمتع مرتين فدرجته كدرجة الحسن ومن تمتع ثلاث مرات كان درجته كدرجة علي ومن تمتع أربع مرات كانت درجته كدرجتي) (٣) . وقالوا: من لم يقل بالمتعة فليس بشيعي، فمن رواياتهم: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا) (٤) . وفسروا آيات من كتاب الله "بالمتعة"، فمن ذلك ما رووه عن الباقر "ع" أن عبد الله بن عطا المكي سأله عن قوله تعالى: (وإذ أسر النبي.. الآية ((٥) فقال: (إن رسول الله ﷺ تزوج بالحرة متعة فاطلع عليه بعض نسائه فاتهمته بالفاحشة!! فقال: إنه نكاح بأجل فاكتميه فاطلعت، عليه بعض نسائه) (٦) .

стр. 362

هذا مجرد مثال لمبالغتهم في تعظيم الشذوذ وإن كانت في الفقه. والمتعة إنما هي جزء من فوضى سلوكية عندهم ما أَنزل الله بها من سلطان (١) . ومن الملاحظ أَنهم يروون روايات في تحريم المتعة ولكن مشايخهم يردونها بحجة التقية بلا دليل وبرهان. ففي كتبهم: (عن زيد بن علي عن آبائه عن علي ﵁ قال: حرم رسول الله ﷺ خيبر لحوم الحمر الأَهلية ونكاح المتعة) (٢) . قال شيخهم الحر العاملي: (أقول حمله الشيخ (٣) وغيره على التقية - يعني في الرواية - لأَن إِباحة المتعة من ضروريات مذهب الإِمامية) (٤) . هذا مثال واحد لشذوذهم في مسائل الفروع، ونكتفي بهذا المثال وبما أَشرنا إِليه من بعض المراجع للسبب الذي ذكرناه آنفاً. وقد لاحظت أَنه لا يوجد لهم شذوذ ومخالفة إِلا وهناك في الغالب بعض الروايات التي تنفي هذا الشذوذ والمخالفة، ولكن شيوخهم يعملون بالشذوذ ويردون ما يوافق أَهل السنّة بحجة التقية. فهل هذا عمل من يريد التقارب؟!

стр. 363

النتيجة للباب الأول والثاني وبعد هذه الدراسة والتعريف والبيان لما ينفرد به أَهل السنّة حقيقة ومصدراً وعقيدة، وما ينفرد به الشيعة عن المسلمين في ذلك - بعد هذا كله هل نستطيع أَن نحكم على مسأَلة التقريب من خلال ما سبق؟ لقد رأَينا كيف وضع الشيعة مذهبهم على أسس تنأَى بهم عن الجماعة الإِسلامية، وتبتعد عن العودة إِلى المسلمين. ولم يكن هذا البعد وليد يوم وليلة، بل هو مخاض سنين طويلة، كان أُولئك المتسترون بالتشيع يعملون عملهم في البعد بالشيعة عن أُمة الإِسلام كما كانوا دائبين على خلق الفرقة بين المسلمين. فكان من الشيعة، من خرج عن دائرة الإِسلام كفرق الباطنية. وكان منهم من ظل في هذه الدائرة على انحراف كمعتدلة الزيدية. وكانت منهم طائفة في يوم من الأَيام وسطاً ولكنها اليوم استقرت عقائدها على مركب الغلو، وانمحت السدود العازلة بينهم وبين الغلاة، وإِليك البيان لذلك في ضوء ما سبق. إِن الشيعة التي تسمى بالإِثنا عشرية، وبالإِمامية، وبالرافضة، وبالجعفرية، تلك التي تشكل أَكثرية الشيعة اليوم، حتى قالوا: إِن لفظ

стр. 364

الشيعة إِذا أُطلق - اليوم - فلا ينصرف إِلا إليها، وغيرها إِما زيدية وإما إسماعيلية - كما مر - هذه الطائفة قد عزلت نفسها عن جماعة المسلمين بمصادر لها خاصة تأخذ منها دينها وعقائدها. وهذه المصادر والدواوين التي اعتمدتها في التلقي هي - كما مر النقل عنها ومن خلال القراءة الطويلة فيها أثناء هذا البحث - قد استوعبت آراء فرق الشيعة من خلال القرون، ذلك أنه بالمقارنة بين ما في كتب الاثني عشرية وبين آراء فرق الشيعة في كتب الفرق وغيرها؛ نجد أنه ما من رأي أو فكرة نادت بها طائفة من فرق الشيعية في حقب التاريخ المختلفة إلا ونجد لها شاهداً ودليلاً في كتب الاثني عشرية، حتى يكاد القارئ لذلك يحكم بأن ذلك التقسيم الكثير للشيعة وذكر طوائفها المتعددة قد أصبح اليوم لا داعي له، لأن هذه الطائفة الاثني عشرية قد استوعبت تلك الآراء والعقائد. وهذه حقيقة مهمة وكبيرة ولم تكن واضحة قديماً كما هي اليوم بعد انتشار كتب الاثني عشرية. وإن دراسة مقارنة لآراء تلك الفرق، وما جاء في كتب الاثني عشرية لهي دراسة جديدة نافعة تكشف حقائق هامة، والمجال لا يتسع لذلك، فلنأخذ أمثلة على ما نقول لنرى كيف استقر مركب الاثني عشرية على الغلو. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكذلك - أي في الحكم بالتكفير - من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت..) ثم بيّن أن هذا مذهب القرامطة والباطنية (١) .

стр. 365

هذا القول الذي نسبه ابن تيمية للباطنية نجد في دواوين الشيعة الاثني عشرية ما يشهد له ويؤيده. وقد رأينا اشتمال الكتب الأساسية عند الاثني عشرية على أحاديث تقول بنقص القرآن. وزعم علماء الشيعة كالمفيد في «أوائل المقالات» ، والمجلسي في «مرآة العقول» ، والمازندراني في «شرحه للكافي» وغيرهم أن الأحاديث التي تقول بنقص القرآن وتحريفه متواترة من طرقهم. وشهد عالمهم نعمة الله الجزائري أنها بلغت أكثر من ألفي حديث، وأقر علماء الشيعة بأنه مذهب لكبار علمائهم كالكليني، وشيخه القمي، والطبرسي صاحب «الاحتجاج» ، والمجلسي صاحب «البحار» وغيرهم كما مر بيانه وتفصيله. أفلا يحق لنا القول بأن آراء القرامطة قد تضمنتها كتب الاثني عشرية وأصبح التقسيم بينهما اسمياً لا حقيقياً في هذا؟. والغريب أن كتب الاثني عشرية التي تضمنت القول بنقص القرآن وتحريفه، كان منها ما هو قبل ابن تيمية بقرون مثل «الكافي» للكليني (ت ٣٢٩) وتفسير إبراهيم القمي شيخ الكليني وغيرهما، فهل كانت هذه الكتب سرية التداول بين الشيعة أو أن تلك الآراء الشاذة أُضيفت إليها فيما بعد؟، أو أن علماء السنّة لم يهتموا بالاطلاع على كتبهم لكذبهم؟!!! على أية حال إن ما ينسبه ابن تيمية للقرامطة هو متواتر في كتب الاثني عشرية.

стр. 366

ومثلاً "عقيدة البداء" (اعتبرها أصحاب الفرق من عقائد الغلاة) (١) ونسبوها للمختارية (٢) وهي من الغلاة، ومع ذلك - كما مر - قد ورد في صحيحهم «الكافي» ستة عشر حديثاً في البداء، وفي «البحار» في باب البداء، والنسخ أكثر من سبعين حديثاً، وصار البداء من عقائد الاثني عشرية، وإن حاول علماؤهم أن يلتمسوا مخلصاً له لينجوا من تكفير المسلمين لهم لقولهم بهذه العقيدة الضالة. وكذلك "عقيدة الرجعة" (اعتبروها من عقائد الغلاة) (٣) ، وقد ذكرت كتب الشيعة (٤) والسنّة (٥) أنها من أصول عقائد ابن سبأ اليهودي، ومع ذلك فهي من أصول عقائد الإمامية. ومسألة "تفضيل الأئمة على الأنبياء" هي مذهب غلاة الروافض كما قال ذلك الإمام عبد القاهر البغدادي (٦) (ت ٤٢٩هـ) والقاضي عياض (٧) (ت ٥٤٤هـ) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٨) (ت ٧٢٨هـ) ، ونقل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (إجماع المسلمين على كفر من ذهب إلى هذا القول) (٩) .

стр. 367

ومع ذلك فهي من عقائد الاثني عشرية، وفي كتب حديثهم، وقد عقدوا لها باباً خاصاً - كما سبق - (١) كما ألف شيوخهم في إثباتها مؤلفات مستقلة (٢) . والأمثلة على قضية استيعاب مدونات الاثني عشرية لعقائد الفرق الغالية كثيرة وبسط هذا الموضوع يحتاج لبحث مستقل. وقد رأيت بعض علماء الشيعة المعاصرين أشار إلى هذا الرأي فقال: (ولكن يجب أن نشير قبل أن نضع القلم بأن ما مر بنا من أفكار الشيعة مما كان خاصاً بفرقة بعينها لم يلبث أن دخل كله في التشيع الاثني عشري ودعم بالحجج العقلية وبالنصوص. والتشيع الحالي إنما هو زبدة الحركات الشيعية كلها من عمار (٣) إلى حجر ابن عدي إلى المختار وكيسان إلى محمد بن الحنفية وأبي هاشم إلى بيان بن سمعان، والغلاة الكوفيين إلى الغلاة من أنصار عبد الله بن الحارث إلى الزيديين

стр. 368

والاسماعيليين، ثم الإمامية التي صارت اثنا عشرية، وقام بعملية المزج متكلمو الشيعة ومصنفوها) (١) . إذن كتب الاثني عشرية الأساسية هي الدن الذي امتزجت فيه كل التهريفات الشيعية، واستقر بنيان التشيع الاثني عشري على الأصول العامة للتشيع. من هنا رأى البعض أن (أصول مذهب الغلاة والمفوضة والباطنية من الإسماعيلية والإمامية الاثني عشرية مختلطة بعضها ببعض في كثير من المسائل، ولذلك قيل: الإمامية دهليز الباطنية) (٢) . ولقد رأينا كيف أن النزعة السبئية التي تضفي صفات الإله على الأئمة قد بدت واضحة من خلال أحاديث الاثني عشرية، فالأئمة يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم شيء، ولا يسهون ولا ينسون ولا يخطئون مطلقاً، إلى آخر قائمة الأوصاف التي يجعلونها للأئمة التي هي من خصائص الجبار جل علاه.. كما أن النزعة الباطنية واضحة في كتب الاثني عشرية في تأويلهم لآيات القرآن، وأركان الإسلام، ودعواهم نقص القرآن وغيرها. ومن يطالع بعض الكتب الإسماعيلية يرى وفاقاً في كثير من أحاديث الطائفتين حول العقيدة (٣) ، ويشير بعض علماء الاثني عشرية إلى

стр. 369

وحدة الأصل في التلقي بين الإسماعيلية والاثني عشرية فيقول: (وإذا لم يكن الفاطميون على المذهب الاثني عشري فإن هذا المذهب قد اشتد أزره ووجد منطلقاً في عهدهم، فقد عظم نفوذه ونشط دعاته.. ذلك أن الاثني عشرية والإسماعيلية - وإن اختلفوا من جهات - فإنهم يلتقون في هذه الشعائر، وبخاصة في تدريس علوم آل البيت والتفقه فيها وحمل الناس عليها) (١) . ولهذا نرى بعض كتب الإسماعيلية من المراجع المعتبرة عند الاثني عشرية ويرجع إليها كبار علمائهم العاصرين في بحوثهم (٢) ، مثل كتاب (دعائم الإسلام) للقاضي النعمان بن محمد بن منصور بن حيان (ت ٣٦٣) وهو إسماعيلي، كما تؤكد ذلك بعض مصادر الشيعة الاثني عشرية نفسها (٣) . وقد جاء في دائرة المعارف عن انفتاح الاثني عشرية على الغلاة هذا القول: (على أن الحدود لم تقفل تماماً أمام الغلاة، يدل على ذلك التقدير الذي دام طويلاً للكتاب الأكبر للإسماعيلية وهو كتاب «دعائم الإسلام» ) (٤) . وغير الإسماعيلية من سائر الفرق التي بقيت أو اندرست؛ دخلت أفكارها في مدونات الاثني عشرية. وقد رأينا فيما سبق أن الطوسي قد ذكر أن معظم رجالهم في الحديث من أصحاب المذاهب الفاسدة، ومع ذلك قال: إن كتبهم

стр. 370

معتمدة، ولعل هذا من أسباب دخول أفكارهم إلى التشيع الاثني عشري. وقد لاحظنا أن بعض شيوخ الاثني عشرية وآياتها إذا تحدثوا عن طائفتهم ورجالها ودولها ـ نسبوا لها كل الفرق والدول والرجال المنتمين للتشيع، وإن كانوا من الإسماعيلية والباطنية أو من الزنادقة الدهرية أو من المجسمة الغلاة. فهم إذا تحدثوا - مثلاً - عن دول الشيعة ذكروا الدولة الفاطمية في صدر دولهم مع أنها غير اثني عشرية (١) . وإذا جاء ذكر رجالهم رأيت منهم كثيراً من رؤوس الضلال والزندقة ممن تنسب إليهم فرق ليست من الاثني عشرية. ولكن هذه الطائفة تتبنى هذه الفرق ورجالها لأنها احتوت أفكارها وبدعها. لهذا نرى - مثلاً - شيخ الشيعة محسن الأمين يقول عن الهشامية (٢) أتباع هشام بن الحكم..، واليونسية أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي (٣) ، والشيطانية أتباع محمد بن النعمان "شيطان

стр. 371

الطاق» (١) وغيرهم (أنهم عند الشيعة الإمامية كلهم ثقات صحيحو العقيدة، فكلهم إمامية واثنا عشرية) (٢) . ويلاحظ أنه من منطلق استيعاب الاثني عشرية لآراء الفرق الأخرى ـ رأينا بعض علماء الشيعة الاثني عشرية قد أضفى صفة الشرعية على بعض الغلاة الكفرة كالنصيرية (٣) . وهذا التطور العقدي عند الاثني عشرية يؤكده بعض علماء الشيعة المعاصرين بصراحة وهو عبد الله الممقاني (٤) - الذي يعدونه

стр. 372

من كبار علمائهم المعاصرين في علم الرجال - يقول في معرض دفاعه عن المفضل بن عمرو الجعفي فيما رمي به من الغلو من قبل بعض علماء الشيعة القدماء: (إنا قد بينا غير مرة أن رمي القدماء الرجل بالغلو لا يعتمد عليه ولا يركن إليه، لوضوح كون القول بأدنى مراتب فضائلهم - يعني الأئمة - غلوّاً عند القدماء، وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع غلوّاً عند هؤلاء، وكفاك في ذلك عد الصدوق نفي السهو عنهم غلوّاً مع أنه اليوم من ضروريات المذهب، وكذلك إثبات قدرتهم على العلم بما يأتي - أي علم الغيب - بتوسط جبرائيل والنبي غلوّاً عندهم ومن ضروريات المذهب اليوم) (١) . فهذا الممقاني يعترف بالتطور العقدي عندهم، ويحكم بأن ما كان يعد غلوّاً في عرف الشيعة المتقدمين ـ مثل أن الأئمة يعلمون الغيب، ولا يسهون ـ هو اليوم من ضروريات مذهب التشيع. ومن هذا المنطلق نرى شيخ الشيعة المعاصر: محمد حسين آل كاشف الغطا يحكم على جميع فرق الشيعة الموجودة اليوم بعدم الغلو ويزعم أن جميع الفرق الغالية قد بادت ولا يوجد منها اليوم نافخ ضرمة (٢) (٣) . والواقع أن أسماء معظم تلك الفرق قد اختفت وبقيت آراؤها وأفكارها في كتب الاثني عشرية.

стр. 373

وقد تنبه لهذه الحقيقة - وهي تطور معتقدهم نحو الغلو - الشيخ: ملا علي القاري (١) وذلك حينما نقل قول الإمام النووي (٢) وهو: إن (المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع) (٣) فقال القاري معقباً على ذلك (قلت: وهذا في غير حق الرافضة الخارجة في زماننا، فإنهم يعتقدون كفر أكثر الصحابة فضلاً عن سائر أهل السنّة والجماعة، فهم كفرة بالإجماع بلا نزاع) (٤) . ولعل هذه الظواهر هي التي دعت محب الدين الخطيب إلى أن يحكم بأن مدلول الدين عند الشيعة يتطور، ثم استدل على ذلك بقول الممقاني السالف الذكر، ثم قال: (هذا تقرير علمي في أكبر كتاب وأحدثه لهم في الجرح والتعديل يعترفون فيه بأن مذهبهم الآن غير مذهبهم قديماً، فما كان يعدونه قديماً من الغلو وينبذونه وينبذون أهله بسبب ذلك، صار الآن - أي الغلو - من ضروريات المذهب. فمذهبهم اليوم غير مذهبهم قبل الصفويين ومذهبهم قبل الصفويين غير مذهبهم قبل ابن المطهر ومذهبهم قبل ابن المطهر غير مذهبهم قبل آل بويه، ومذهبهم

стр. 374

قبل آل بويه غير مذهبهم قبل شيطان الطاق ومذهبهم قبل شيطان الطاق غير مذهبهم في حياة علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين) (١) . ولعل من أكبر العوامل لاستقرار هذا المذهب على الغلو هو استيعاب مدونات الروافض لآراء تلك الفرق الشاذة، وقبولهم لروايات أصحاب تلك الفرق لأنهم «شيعة» ، فهم مقبولون بغض النظر عن معتقدهم فمع التشيع لا يضر انتحال أي نحلة! ولهذا انبثق من الروافض كثير من الفرق الخارجة عن الإسلام (٢) . هذا وقبل أن نرفع القلم عن هذا الموضوع نضيف حقيقة مهمة في هذا المجال وهي أنه يوجد للاتجاه الشيعي المعتدل أثر في مدونات الروافض في أحاديث تثني على الصحابة وترفض التقية، وتوافق المسلمين في معتقدهم، لكن علماء الروافض رفضوا العمل بها بحجة أنها وردت مورد التقية، في حين أنهم لا يملكون دليلاً يؤكدون به ذلك سوى أنها موافقة لجمهور المسلمين، وهذا دليل عليهم لا لهم. وإننا نعتقد أنه بالإمكان استخلاص هذا الأثر الشيعي المعتدل من كتب الشيعة ليكون شمعة ضوء تهدي المخلصين في البحث عن الحق، وعلى ضوئه يمكن التقارب، وسيأتي تفصيل هذا في مبحث "هل من طريق إلى التقريب؟ ".

стр. 375

لكن ذلك الغثاء الذي حوته كتب الشيعة هو الذي يمثل القسم الأكبر، وقد وضع الشيعة قاعدة تقديم الأكثر على الأقل (١) فبقي هذا الأكثر يشكل العقبة الكؤود بينهم وبين المسلمين. لقد كان الأحرى بالشيعة - وهم اليوم ينشطون في الدعوة إلى التقارب مع أهل السنّة - أن يبدأوا بإزالة تلك العوائق الكامنة في أصول مذهبهم ما دامت لهم رغبة في الالتقاء مع الأمة. إن مجرد إطلاق القول بأنه لا خلاف بين الطائفتين لا يؤدي الغرض المنشود في التقارب وتحقيق ما يؤمله المسلمون من الألفة والوحدة. ما القيمة العملية - مثلاً - للأصل الذي وضعه الروافض وجعلوه من أسس مذهبهم وهو أن مخالفة العامة - أي أهل السنّة - فيها الرشاد؟ وهل هذا منطق علمي للوصول إلى الحق، أم هو تعصب مذهبي أعمي؟ وهل هذا إلا من وضع زنديق لتفريق الأمة، والخروج عن إجماع المسلمين؟ ولماذا يردُّ علماء الشيعة ما في كتبهم من أحاديث توافق أهل السنّة، ويزعمون أنها تقية لأنها توافق مذهب الأمة؟! وهل هذا صنيع من يريد التقارب واللقاء؟. حتى إن هذه التقية كانت سبباً في ضياع مذهب أهل البيت الحقيقي في كتب الشيعة، وكانت من عوامل تفريق شمل الأمة، والكذب على الأئمة.

стр. 376

إن الشيعة اليوم وهي تتنادى بالتقارب، وتزعم أنه لا خلاف بينها وبين المسلمين، وتدعو أن يرجع المسلمون إلى كتبها في الحديث - إن هذه الشيعة إذا كانت جادة بهذه الدعوة فلا بد لها من أن تزيل العقبات التي تحول دون ذلك. فكيف يحتج ويثق المسلمون بكتب تواتر فيها الطعن في كتاب الله، ودعوى أنه ناقص ومحرف؟! وكيف يتلقى المسلمون دينهم من رجال هذه عقيدتهم؟ فهل نتلقى ديننا عمن يسعى لهدمه وتغييره؟! وكيف نجتمع على كتاب الله وهم بتأويلهم المنحرف وتفسيرهم الباطني قد جعلوا منه كتاباً آخر غير ما في أيدي المسلمين؟! ثم كيف يؤمن المسلمون بتلك الدعاوى الغريبة التي تتضمن الزعم بنزول كتب إلهية بعد كتاب الله (؟! هل بهذه المزاعم والمفتريات تستطيع الشيعة أن تقترب من الأمة؟ أما السنّة المطهرة فالبون بيننا وبينهم فيها كبير كما رأينا؛ فهم يزعمون أن أقوال أئمتهم الاثني عشر كأقوال الله ورسوله، وأن الرسول ﷺ كتم جزءاً من الشريعة وأودعه الأئمة، ويؤمنون بحكايات الرقاع ويبنون عليها دينهم ويقبلون مرويات رجال هم عند المسلمين من الكذبة والدجالين، ويطعنون في خيار الخلق بعد النبيين والرسل ويردون أحاديثهم.. فهل نلتقي معهم في "السنة" وهذا معتقدهم فيها؟! وكيف يمكن أن نزيل أسباب النزاع والخلاف بالرجوع إلى

стр. 377

الكتاب والسنّة ما دمنا فيهما مختلفين؟! وكيف نطبق قوله سبحانه: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ((١) وذلك برد النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟! ثم هم يرفضون الإجماع ويتعمدون مخالفة المسلمين، لأن خلاف العامة - عندهم - فيه الرشاد. ثم كيف يدعون المسلمين إلى التقارب وهم يكفرونهم في كتبهم الأساسية؟! وهل الطعن والسب والتكفير لصحابة رسول الله ﷺ مسلك من يريد التآلف؟! ثم هم يعتقدون أنهم "شعب الله المختار"؛ فاسمهم الخاصة، وهم أهل الأجر والمثوبة في الآخرة.. إلخ. وهم يشذون عن الأمة بعقائدهم في الإمامة، والعصمة والتقية والرجعة والمهدية، والبداء. فكيف السبيل إلى التقريب، مع هذا الشذوذ كله؟! وإننا نعتقد أنه ما دامت كل هاتيك البلايا موجودة في كتب الشيعة فإنها ستبقى في منأى عن جماعة المسلمين. إن أهل السنّة يحبون أهل البيت، بينما الشيعة - وهي تزعم التشيع لهم - تقدح في معظمهم، وترد بعض مروياتهم، فأي الفريقين ضد التقريب ومن هو الأحوج إلى دعوة التقريب؟!

стр. 378

ولا نحكم هنا الحكم النهائي بل نستمع لآراء دعاة التقريب فيما سبق حسبما نجده لهم من آراء ونناقشها على ضوء ما مر، وكذلك نعرض بعض محاولات التقارب ونقيمها، ثم نرسم الطريق الذي نراه للتقريب فيما يلي من صفحات.

стр. 379

دليل الموضوعات «القسم الأول»

стр. 380

مسألة التّقريب بين أهْل السُّنة والشّيعَة القسم الثاني د. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري دار طيبة للنشر والتوزيع

стр. 381

القسم الثاني الباب الثالث: آراء دعاة التقريب في قضايا الخلاف ومناقشة ذلك ويشمل: الفصل الأول: فيما يتصل بمذهب الشيعة . ويتضمن: آراء دعاة التقريب: ١- في قول الشيعة بتحريف القرآن. ٢- في انحرافهم في تفسير القرآن. ٣- في دعواهم تنزل كتب إلهية غير القرآن. ٤- في السنّة. ٥- في الإجماع. ٦- في الإمامة. (أ) في غلوهم بالأئمة. (ب) وفي قبور الأئمة. (ج) في غلوهم في مجتهديهم. (د) في قولهم بعدم شرعية حكومة إسلامية غير حكومة الاثني عشر. (هـ) في قولهم بأن الإمامة ركن من أركان الدين ومنكرها كافر. (و) في غلو الشيعة في نفسها.

стр. 382

٧- في العصمة. ٨- في الرجعة. ٩- في الغيبة. ١٠- في البَدَاء. ١١- في الصحابة. ١٢- في التَّقِيَّة. الفصل الثاني: فيما يتصل بمذهب أهل السنة.

стр. 383

توطئة: سبق أن ذكرنا الأصول العقدية عند الفريقين: السنّة، والشيعة، وهو ما في الباب الأول والثاني، وكانت الدراسة لتلك الأصول من خلال المصادر المعتمدة لهما، ولقد تبين سعة الفجوة بين الفريقين كما جاء بيان ذلك في النتيجة. وفي هذا الباب عرض لآراء دعاة التقارب الذين يرون أنه لا خلاف بين الفريقين إلا في مسائل يسيرة في الفروع.. نعرض آراءهم فيما مضى من أسس الخلاف ونناقشه. ولن تجد في هذا الباب إلا كلام المعاصرين، اللهم إلا ما نأتي به أحياناً لمناقشة آراء المعاصرين، كما أنك تلاحظ أن السمة الغالبة فيما مضى هو النقل من أصولهم المعتمدة في الحديث ومن أقوال علمائهم السابقين. وسنرى في هذا المبحث هل يسير المعاصرون على خطى القدامى، أو أن الصورة تغيرت، كما يقول بعض دعاة التقريب؟ فدعوى عدم وجود خلاف بين السنّة والشيعة هي دعوى نشأت في هذا العصر مع نشاط حركة التقريب. فلنر.. هل تغير شيء مما عرضنا؟ ونقول: إن دعاة التقريب هم من الفريقين: السنّة والشيعة - كما سيأتي في «محاولات التقريب» - وسنعرض ما نجده من آراء لهم حول ما أثرناه فيما مضى من صفحات كما قلنا، والجدير بالذكر أن معظم فئات التقريب من أهل السنّة ليسوا على دراية بكثير مما مضى

стр. 384

حول الشيعة، فهم لا يعلمون بوجوده فكيف يكون لهم رأي فيه؟ (١) ، ولكن الشيعة هم الذين كان لهم دفاع عن بعض ما مضى - حول مذهبهم - أو إقرار بما فيه، وهم أهل المذهب، وأحرى بأن يستفتوا فيه حتى لا يكون هناك مظلمة لأحد، لذلك ستكون تلك الآراء الآتية فيما يتصل بما شذ فيه الشيعة مأخوذة من كتب الشيعة المعاصرة التي تنادي بالتقريب، وتدافع عن التشيع وتزعم أنها لا تخالف جمهور المسلمين إلا في بعض مسائل الفروع - كما قلنا - نتعرف على آراء تلك الفئة ونناقشها على ضوء ما مر ليتبين مقدار الجدية في التقريب والصدق في محاولة اللقاء مع المسلمين. لقد تبين لنا سعة الفجوة بين الفريقين، وإن كبر الفُرقة يتحملها الشيعة، فلنر ما يقولون في تلك المسائل. ولعل من الضروري أن نشير إلى أن تلك الفئة التي نستطلع آراءها هي من الاثني عشرية "الرافضة"، لأنها - كما بينا - كانت هي المحضن أو المستودع لآراء الشيعة بكافة فرقها وهي التي أصبحت مصادرها في التلقي معروفة معلومة، وبالإمكان دراسة تلك الآراء - على ضوئها كما مر - أما غيرها فهي: (أ) إما باطنية محضة لا تزال تمارس العزلة والتخفي وتعيش في سراديب الكتمان، وقد برهنت الوثائق والوقائع على زندقتهم وإلحادهم، ومع ذلك فإن بعض الأقلام الباطنية في هذا العصر تدعو للتقارب (٢) ، مع أن مصادرها في الاعتقاد لا تزال في الغالب

стр. 385

طي الكتمان وما ظهر منها يبرهن على إلحادهم، فكيف يمكن التقارب معهم، وهل دعوة التقارب منهم سوى محاولة لاكتساب صفة الشرعية والعمل على تسهيل مهمة الدعاة الباطنيين في الديار الإسلامية؟. (ب) وإما زيدية، والزيدية إما جارودية فهي - رافضية إمامية - وإن تسمت بالزيدية - تكفر صحابة رسول الله ﷺ وترد مروياتهم، وأما الزيدية المعتدلة كالبترية، فهي من أقرب فرقة الشيعة إلى الاعتدال. وهي على ما بينّا ترجع لمصادر الأمة (ولذلك تجد القرب قائماً من غير محاولة تقريب) (١) . ولهذا فإن "الرافضة" تطعن في الزيدية وتخرجهم من التشيع ما عدا فئة الجارودية من الزيدية - كما سبق (٢) - وهم لا يحتجون بروايات الزيدية. يقول الطوسي: (ورجال الزيدية وما يختصون بروايته

стр. 386

لا يُعمل به على ما بُيّن في غير موضع) (١) . والرافضة تكفر الزيدية (٢) ، لهذا لم يبق سوى "الرافضة" وهي التي تنشط في الدعوة للتقريب، فلنر ما يقولونه فيما شذّوا به عن المسلمين. ١- في قول الشيعة بتحريف القرآن: لقد نسبت كتب أهل السنّة إلى مذهب الشيعة تلك المقالة الشنيعة في الزندقة والإلحاد وهي قولهم بتحريف القرآن (٣) . ورأينا أن أهل السنّة لم يظلموهم، وأن هذا "الطعن" في كتاب الله متواتر في كتبهم وهو مذهب لطائفة من علمائهم، بل نقل بعضهم.. اتفاقهم على هذه "المقالة" (٤) فماذا يرى دعاة التقريب في هذه "المقالة" التي تقطع صلتهم بالإسلام والمسلمين وهم يحاولون اللقاء مع المسلمين؟ وحين نتتبع ما كتبه دعاة التقريب من الشيعة حول هذه "القضية" نجد أنها تدور على المحاور التالية:

стр. 387

المحور الأول: استعمال التقية، وذلك بإنكار ما ينسب إليهم في هذا الشأن، ونفي أن يكون لهم رأي، أو قول، أو حديث يمس كتاب الله ويشير إلى تحريفه نفياً قاطعاً، وممن سار على هذا "الخط" عبد الحسين الأميني النجفي في كتابه «الغدير» ـ وذلك حينما رد على ابن حزم (١) ما نسبه إلى الشيعة من القول بتلك المقالة ـ فقال هذا النجفي: (ليت هذا المجترئ أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به، أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزناً، بل نتنازل معه إلى قول جاهل من جهالهم أو قروي من بسطائهم، أو ثرثار كمثل هذا الرجل يرمي القول على عواهنه، وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه) (٢) . مناقشة هذا الرأي: إن القارئ ليعجب من هذه الجرأة على نفي ما هو واقع، ولا شك أن هذا النفي سيؤول من الشيعة ومن المطلعين على ما في

стр. 388

كتب الشيعة من أهل السنّة سيؤول بأنه تقية فماذا يجدي مثل هذا الدفاع. وإن القارئ ليعجب من جرأة مثل هذا الرجل على هذا الكذب الصريح مع مكانته الكبيرة عند طائفته (١) ، وفي أخبارهم أن الرجل يكبر في أنفسهم كل ما كان أبدع وأقدر في استعمال التقية مع المخالفين، لكن هذا النجفي لم يحسن التقية فهو كمن يريد أن يحجب ضوء الشمس بكفه وأنّى له ذلك؟! فهو ينفي ما هو واقع في كتبهم التي أصبحت في متناول الكثيرين، وليرجع القارئ إلى ما كتبناه عنهم في مبحث قولهم بتحريف القرآن. ومن العجيب أنه وهو ينكر وجود تلك المقالة في كتبهم في الجزء الثالث من كتابه ـ نراه في الجزء التاسع من الكتاب يتورط هو نفسه بهذه المقولة الشنيعة ويناقض نفسه بنفسه؛ فيقول مهاجماً وطاعناً في الخليفة الراشد ـ أفضل الصحابة ﵃ أبي بكر الصديق (يقول: (سل عنها - أي صفة أبي بكر في زعمه - أمير المؤمنين وهو الصديق الأكبر يوم قادوه كما يقاد الجمل.. إلى بيعة عمت - كذا ـ شؤمها الإسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، وعنفت سلمانها، وطردت مقدادها، وفتقت بطن عمارها، وحرقت القرآن، وبدلت الأحكام) (٢) كما أورد آية مفتراة في نفس كتابه «الغدير» الذي ينفي فيه وجود تلك المقالة

стр. 389

عندهم، ونص هذه الآية المزعومة هي: (اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته فمن لم يأْتم به وبمن كان من ولدي"؟! " من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إن إبليس أخرج آدم "﵇" من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم) . وزعم هذا الرافضي أن رسول الله ﷺ قال: إنها نزلت في علي. وحاول أن يموه ويخدع القراء فينسب هذا الافتراء لمحمد بن جرير الطبري السني، وهو محمد بن جرير الطبري الرافضي، إن صحت النسبة إليه، فالرجل افترى على الله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين (١) . وهكذا يثبت الرجل ما ينفيه (٢) ، والمسألة لا تحتاج لإثباته أو نفيه، فهي قد سودت صفحات كتب الشيعة الأساسية، وأقر كبار علمائهم بأنها مستفيضة ومتواترة فيها، وأصبحت مذهباً لطائفة منهم ... لكن أسلوب هذا الرجل يتفق مع ما ذكروه من أن المسائل التي أجمع المسلمون عليها يجب إظهار الموافقة لهم فيها وتقيتهم بها. وإلى هذا يشير الطوسي - وهو يرد حديثين عندهم وردا بتحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها - على أن

стр. 390

الخبرين يحتملان شيئاً آخر؛ وهو أن نحملهما على ضرب من التقية، لأن جميع العامة "أهل السنة" يخالفوننا في ذلك، (لأن مذهب الشيعة يبيح الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها) ويدعون - أي أهل السنّة - أن هذه مسألة إجماع، وما هذا حكمه تجري فيه التقية. فالطوسي هنا يكشف أمراً خطيراً، ومبدأ في غاية الفساد وهو أن مسائل الإجماع عند المسلمين تجري فيها التقية عند الشيعة، فهل نثق بعد هذا في موافقة الشيعة لجمهور المسلمين؟ وهذا كلام إمامهم الطوسي صاحب كتابين من كتبهم الأربعة في الحديث وكتابين من كتبهم الأربعة في الرجال ومن يسمونه بـ "شيخ الطائفة على الإطلاق". وقد مر بنا في مبحث "قول الشيعة بتحريف القرآن" أنهم ألفوا في إثبات هذا الاعتقاد كتباً مستقلة آخرها كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» لحسين النوري الطبرسي (١٣٢٠هـ) ، وقلنا: إن مؤلف هذا الكتاب يحظى بثقة الشيعة، وهذا الكتاب - كما سبق - يعتبر من أكبر فضائح الشيعة، لأن مؤلفه جمع أحاديثهم وأقوال علمائهم في الطعن في كتاب الله سبحانه إلخ. وكنا ننتظر من دعاة التقريب من الشيعة موقفاً جاداً وحازماً إزاء هذا الكتاب ومؤلفه، لكننا وجدناهم يحاولون خداع الناس والتستر على الباطل، وحماية عرض هذا الرجل الذي يريد هدم الإسلام بالطعن في ركنه وعموده وهو القرآن الكريم.
следующие страницы →