← Акыда

Акыда · id 12763

مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

ناصر القفاري

Полный текст (699 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

"فضل أهل البيت" فلا يلزم استخدام التقية، لأن فضل أهل البيت محل اتفاق المسلمين، ولو قال هذا الموسوي إنني لا أقول بذلك التأويل، أو أن بعض الشيعة يرفض هذه الروايات لكان له وجه، أما أن ينكر واقعاً قائماً في كتبهم فهذا هو عين التقية (١) ، ولنا أن نسأل آيتهم العظمى عبد الحسين هل يعتبر الكليني الذي أخرج روايات كثيرة في تأويل آيات الكفر والكفار بالشيخين ﵄ مع أنه التزم الصحة في كل ما يرويه - هل يعتبره من غلاة المفوضة؟، إن كان ذلك كذلك فهذا موقف يستحق الإشادة والتقدير، وكذلك ينسحب هذا الحكم في كل من روى ذلك اللون من التفسير كالقمي، والكاشاني، والبحراني، والملجسي وأضرابهم. ومعنى ذلك أن الشيعة يتلقون دينهم من غلاة المفوضة. (ج) رأي صاحب كتاب «أضواء على خطوط محب الدين الخطيب» (٢) : حينما قال محب الدين الخطيب مشيراً إلى انحراف الشيعة عن جمهور المسلمين في مصادر التلقي: (وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع لنا ولهم على التقارب نحو الوحدة، فإن أصول الدين عندهم قائمة من جذورها على تأويل آياته وصرف

стр. 422

معانيها إلى غير ما فهمه منها الصحابة عن النبي ﷺ ، وإلى غير ما فهمه منها أئمة الإسلام عن الجيل الذي نزل عليه القرآن) (١) ، أجاب صاحب «الأضواء» على ذلك بقوله: (إن الشيعة ترى من الكيد للإسلام أن يأخذوا تفسيرهم للقرآن عمن تقصدهم وتعنيهم بالذات أمثال أبي هريرة وسمرة ابن جندب.. وأنس بن مالك وغيرهم ممن أتقنوا صناعة التلفيق والدس والكذب والافتراء) (٢) . التعليق: هذا الجواب ينسبه المؤلف للشيعة جميعاً فيقول: (إن الشيعة.. إلخ) فهو ليس من عنديّاته، فإذا كانت الشيعة تعتقد أن تلقي الدين عن طريق الصحابة هو من الكيد للإسلام، فلهم دينهم ولنا ديننا، لأن هذا القول إبطال لتواتر الشريعة، وطعن في الإسلام، وكيد للمسلمين، وهو لا يحتاج إلى مناقشة. وهناك أقوال وآراء أخرى لا تخرج عما ذكرنا (٣) نغض الطرف عن ذكرها.

стр. 423

أمثلة من تأويلات علمائهم المعاصرين لكتاب الله: (٢) يقول آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في «مراجعاته» التي حاول بها - كما زعم - إقناع شيخ الأزهر بالتشيع للاثني عشر (١) يقول - مفسراً آيات من كتاب الله بأئمته ومحتجاً بها على لزوم التشيع لهم -: (أليسوا حبل الله الذي قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢) والصادقين الذين قال: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (٣) وصراط الله الذي قال: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) (٤) وسبيله الذي قال: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (٥) وأولي الأمر الذين قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا

стр. 424

الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (١) وأهل الذكر الذين قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٢) والمؤمنين الذين قال: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) (٣) . والهداة الذين قال: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (٤) . ألم يجعل المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحاً مشروطة بالاهتداء إلى ولايتهم إذ يقول: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (٥) أليست هي - يعني ولايتهم - النعيم الذي قال الله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) ؟ (٦) وسيسأل الناس عن ولايتهم يوم يبعثون، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (٧) ، ولا غرو فإن ولايتهم لمما بعث الله به الأنبياء وأقام عليه الحجج والأوصياء كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) (٨) ، بل هي مما أخذ الله به العهد من عهد ألست بربكم كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي

стр. 425

آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (١) . (وتلقى آدم من ربه كلمات) التوسل بهم فتاب عليه (٢) .. فهم الناس المحسودون الذين قال الله فيهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (٣) وهم الراسخون في العلم الذين قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) (٤) . وهم رجال الأعراف الذين قال: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم) (٥) ورجال الصدق الذين قال: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (٦) ورجال التسبيح الذين قال الله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (٧) .

стр. 426

وبيوتهم هي التي ذكرها الله (فقال: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ((١) ، وقد جعل الله مشكاتهم في آية النور مثلاً لنوره وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم (٢) ، وهم: السابقون السابقون أولئك المقربون (٣) ، وهم: الصديقون والشهداء والصالحون (٤) . وفي أوليائهم قال الله تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (٥) . وقال في حزبهم وحزب أعدائهم: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) (٦) .. وقال فيهم وفي شيعتهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (٧) ، وفيهم وفيمن فاخرهم بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام أنزل الله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٨) . وفي جميل بلائهم وجلال عنائهم قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (٩) .. وقد

стр. 427

صدقوا بالصدق فشهد لهم الحق تبارك اسمه فقال: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (١) .. وهم أولو الأرحام: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (٢) .. وهم ذوو الحق الذي صدع القرآن بإتيانه: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) (٣) ، وذوو الخمس الذي تبرأ الذمة إلا بأدائه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) (٤) .. فهم المصطفون من عباد الله، السابقون بالخيرات بإذن الله، الوارثون كتا٤ب الله الذين قال فيهم: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) (٥) وهو الذي لا يعرف الأئمة (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) وهو الموالي للأئمة ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.. وهو الإمام) (٦) ثم استدل برواية موضوعة على ابن عباس أنه قال: (نزل في علي وحده ثلاثمائة آية) (٧) . التعليق: (١) هذا تفسير لآيات من القرآن من أحد مراجعهم الكبار في العصر الحاضر، وممن يتزعمون الدعوة للتقارب بين السنّة والشيعة وهو موجه "لشيخ سني" للاحتجاج عليه بالقرآن ليقتنع بالتشيع للاثني عشر، فهو تفسير قد بالغ صاحبه في اختياره وانتقائه، ومع ذلك هو

стр. 428

كما يرى القارئ قد جعل آيات الإيمان والمؤمنين وصفاتهم مقصورة على أئمته لا يشترك فيها أحد من جمهور المسلمين اللهم إلا شيعته في بعض الآيات، وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، وكأنهم المسلمون وحدهم. ولا شك أن المسلم يدرك أن هذا التأويل بعيد عن لغة القرآن، وروح الإسلام، عمدته روايات موضوعة، ومزاعم واهية. وهؤلاء الأئمة تختلف فرق الشيعة اختلافاً كبيراً في أعدادهم وفي أعيانهم، وكل فرقة تفسر الآيات بأئمتها خاصة وتزعم أن أئمة الفرق الأخرى بمعزل عن مدلولها، وكل طائفة تضع من الروايات ما يؤيد مذهبها، وتقصر مفهوم أهل البيت على أئمتها خاصة، ولا تسلم فرقة من فرق الشيعة من طعن في بعض أهل البيت من غير أئمتها، (والله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كان فيه يختلفون (فهم ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء، ثم إن هذا التأويل لتلك الآيات كما يصدق عندهم على الإمام علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين وغيرهم من أئمة العلم والدين يصدق على إمامهم المعدوم الذي لم يولد أصلاً، وعلى "الحسن العسكري" - إمامهم الحادي عشر - الذي ضعفه ابن الجوزي في الموضوعات (١) !! وتفسير عبد الحسين الباطني لكتاب الله؛ وهو مثال من أمثلة كثيرة تدل على أن العقلية الشيعية المعاصرة لا تزال في الغالب تعيش أسيرة لتلك التأويلات التي وضعها علماؤهم السابقون والتي عرضنا أمثلة لها فيما مضى. ومن الأمثلة الأخرى أن أحد علمائهم المعاصرين ويدعى "علي محمد دخيل" يتحدث عن غيبة مهديهم - وهو كما

стр. 429

يقول بعض كتاب الشيعة من أشهر الكتاب الإمامية الذين عالجوا "الغيبة" (١) -. فيعقد فصلاً بعنوان "المهدي في القرآن الكريم" ويورد في هذا الفصل خمسين آية من القرآن كلها يزعم تأويلها بالمهدي، ويتوصل بذلك إلى أن موضوع المهدي لا يختلف عن ضروريات الإسلام الأخرى، وإنكاره إنكار لضرورة من ضروريات الدين (٢) . ونرى شيخهم - المعاصر - محمد رضا الطبيسي النجفي (ت ١٣٦٥هـ) يفسر ٧٦ آية من كتاب الله بعقيدة الرجعة عندهم (٣) ، وهذا شطط لم يبلغ مستواه شيوخهم القدامى الذين فسروا بالرجعة عشرين آية ونيفاً، وفي القرن الثاني عشر تطور الأمر إلى تأويل ٦٤ آية بتلك العقيدة الباطلة على يد شيخهم "الحر العاملي" (٤) وغيره، ثم كانت نهاية الشطط على يد هذا "الطبيسي" وغيره من شيوخهم المعاصرين. وهذا محمد حسين آل كاشف الغطا من مراجع الشيعة الكبار في العصر الحاضر ومن دعاة الوحدة والتقارب.. يفسر قوله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان (٥) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ((٦) بالتفسير التالي: علي بحر نور الإمامة، وفاطمة بحر نور النبوة والكرامة. يخرج منهما اللؤلؤ الأخضر بخضرة السماء، والمرجان

стр. 430

الأحمر بحمرة الأرض (١) . فهل هذا سوى تفسير باطني لا تربطه بالآية أدنى رابطة؟، ويفسر د. محمد الصادقي - معاصر - الآية المذكورة بمثل ما فسر به آل كاشف الغطا، حيث يقول: (اتصل بحر النبوة فاطمة الصديقة بنت النبي ﷺ ببحر الإمامة (- يعني عليّاً - بحران ملتئمان متلاقيان بينهما برزخ الرسالة القدسية المحمدية.. والخارج منهما اللؤلؤ والمرجان: الحسنان هما مجمع الولاية روحانياً والنبوة نسبياً) (٢) . وفي تفسير «الميزان» لإمامهم الأعظم محمد حسين الطباطبائي كثير من التفسيرات الباطنية التي يختارها من كتب التفسير القديمة عندهم، ويذكرها تحت عنوان "بحث روائي".. ومن النماذج التي نقلها مقراً لها معتقداً إياها ما ذكره تفسير «البرهان» عن قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ((٣) . قال: (الآية مثل ضربه الله لعائشة وحفصة أن تظاهرتا على رسول الله وأفشتا سره) (٤) . وعند قوله سبحانه: (ويبقى وجه ربك) (٥) قال الصادق: (نحن وجه الله) (٦) . وهكذا يستقي الرجل التفسير الباطني من أمهات

стр. 431

كتبهم ويتعمد النقل لبعض الروايات الضعيفة من كتب أهل السنّة ليخدم بها مذهبه. وهناك تفسير «الكاشف» لمحمد جواد مغنية، وهو يعتمد أساساً على روايات أهل السنّة، وهذه أمارة التقية عند بعض علماء الشيعة - كما مر - وهو وإن كان يحتج ببعض الآيات على معتقده الشيعي مثل تفسيره لقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم (بقوله: (معنى الآية أن الله سبحانه أكمل الدين مع هذا اليوم بالنص على علي بالخلافة) فهو وإن كان كذلك إلا أنه بالنسبة لتفاسيرهم المتضمنة لروايات الشيعة فقط يعتبر معتدلاً. والاعتدال قد جاءه من اعتماده على مرويات أهل السنّة وإقلاله من الاستدلال بمروياتهم. وهذا التفسير يظهر عليه واضحاً الدعاية المذهبية والتبشير بالتشيع، فليس ببعيد أن يكون موضوعاً على "التقية". ونكتفي بهذه الشواهد التي عرضناها من تفسيرات معاصريهم، لأن غرضنا معرفة مدى سير الأواخر على غلو الأوائل، يبدو لي أن الصورة متشابهة تماماً. ففي الأوائل كتب تفسير باطنية محضة مثل تفسير القمي والعياشي، والبحراني، ومحسن الكاشاني وغيرهم وكتب تفسير معتدلة بالنسبة لتلك التفاسير الباطنية مثل تفسير «البيان» للطوسي، و «مجمع البيان» للطبرسي. والفئة الأولى اعتمدت على روايات الشيعة فقط والفئة الثانية اعتمدت على روايات السنة والشيعة، أما كتب التفسير المعاصرة فهي فيما تعتمده من رواياتهم في تفسير الآيات تتلبس بالروح الباطنية، وحينما تحاول أن تبشر بالتشيع وتحتج على أهل السنة ببعض الروايات عندهم فتتخلص إلى حد ما من "الروح الباطنية".

стр. 432

والخلاصة أنك لا تجد تفسيراً شيعياً اعتمد على رواياتهم فقط يخلو من الطريقة الباطنية في التفسير. ويؤكد عالمهم المجلسي على أن اعتمادهم على روايات أهل السنة إنما هو للاحتجاج عليهم، وإلا فلا يجوز عندهم الأخذ عن المخالفين. وعقد لهذا باباً بعنوان (الباب الثامن والعشرون: ما ترويه العامة - ما عدا الشيعة - من أخبار الرسول ﷺ وأن الصحيح من ذلك عندهم - يعني شيعته - والنهي عن الرجوع إلى أخبار المخالفين) (١) ثم استثنى من ذلك حالة الاحتجاج عليهم للتبشير بالتشيع (٢) . وهكذا يتفق تفسيرهم المعاصر مع القديم على تأويل كتاب الله على غير تأويله، فكانت تلك التأويلات هي سلم الغلو والغلاة في التأويل، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن "تأويلهم": (من هذا دخلت الإسماعيلية والنصيرية في تأويل الواجبات والمحرمات فهم - أي الروافض - أئمة التأويل الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه ومن تدبر ما عندهم وجد فيه من الكفر في المنقول والتكذيب بالحق منها والتحريف لمعانيها ما لا يوجد في صنف من المسلمين منهم قطعاً، فهم أدخلوا في الدين ما ليس فيه أكثر من كل أحد، وحرفوا كتابه تحريفاً لم يصل غيرهم إلى قريب منه) (٣) . فكيف نتفق ونتقارب وهم على هذا الوضع من التأويل؟، والتأويل مصدر الخلاف والشقاق، وأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من

стр. 433

التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده. وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟! وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل؟! وهل فتح باب التأويل إلا مضادة لحكم الله في تعليمه عباده البيان الذين امتن في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه (١) ؟! ٣- في دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن: سبق أن تحدثنا عن دعوى الشيعة تنزل كتب إلهية بعد القرآن على الأئمة. ولننظر ما يراه دعاة التقارب في هذا الأمر الخطير. (١) يقول محمد حسين آل كاشف الغطا: (ويعتقد الإمامية أن كل من اعتقد أو ادعى نبوة بعد محمد أو نزول وحي أو كتاب فهو كافر يجب قتله) (٢) . هذا ما يقوله "مرجع الشيعة" وهو حق. وثمرة هذا القول أن الحكم بالتفكير ينطبق على كل من قال بنزول كتب إلهية على الأئمة وادعى نزول وحي عليهم، وهم كبار محدثي الإمامية كالكليني، والطوسي، والطبرسي، والمجلسي وغيرهم - كما مر - ومعنى هذا أن الشيعة تتلقى دينها من كفار يجب قتلهم. فهل الشيعة تقبل هذا الحكم أو تحاول أن تخرج من هذا التناقض بالقول بأن كلام كاشف الغطا تقية؟ والقول بالتقية هو الذي جعل الشيعة تعيش في دائرة الغلو وكل ما خرج منهم مصلح يحاول أن ينقض ما قرره الكليني أو غيره من محدثيهم حملوا كلامه على التقية. ولن

стр. 434

يتخلص الشيعة من هذا "الأسر" إلا بتحطيم أسطورة التقية، ورفض ما يقوله رؤوس الضلال كالكليني وغيره ممن وضع أصول الغلو أو تلقاها عن الغلاة فأصبحت من مبادئ التشيع، وإذا كان آل كاشف الغطا اكتفى بذلك الكلام العام ولم يقل رأيه صراحة في روايتهم التي تدعي نزول تلك الكتب على الأئمة؛ فإن لشيخهم عبد الحسين الموسوي جواباً على سؤال موجه من شيخ سنّي - كما يدعي هذا الرافضي - وتعرض هذا الموسوي لمصحف فاطمة وقال: (بعد فراغ علي من جمع القرآن - بعد وفاة النبي - ألف لسيدة نساء العالمين كتاباً كان يعرف عند أبنائها الطاهرين بمصحف فاطمة، يتضمن أمثالاً وعبراً وأخباراً ونوادر توجب لها العزاء عند فقد سيد الأنبياء أبيها) (١) . هذا هو تفسير شيخهم "عبد الحسين" لمسألة "مصحف فاطمة"، ولم يشر عبد الحسين إلى ما يدل عليه من كتب الشيعة، وما في كتب الحديث عند الشيعة لا يتفق بحال وهذا التفسير؛ فما جاء في «الوافي» و «الكافي» ، و «دلائل الإمامة» ، و «الاحتجاج» وغيرها من كتب الشيعة نصوص صريحة على أن ما في كتاب مصحف فاطمة هو وحي إلهي نزل به ثلاثة من الملائكة، أو كتبه علي من إملاء الملك على خلاف في الروايات عندهم، والملاحظ أن جواب عبد الحسين عن مصحف فاطمة كان موجهاً لشيخ سني، فيكون عبد الحسين قد كال للشيخ من جراب التقية - كما هي عقيدة الشيعة في هذا الموضوع - إذ لا دليل على جواب هذا الشيعي من كلام معصوميهم، والحجة عندهم في كلام المعصومين، فنحن لا نجد في

стр. 435

نصوصهم جميعها نصاً يقول بأن مصحف فاطمة ألفه علي من عند نفسه، بل نصوصهم صريحة على أن مصحف فاطمة (إنما هو شيء أملاه الله عليها أو أوحى إليها (١) . ما هو قرآن، ولكنه كلام من كلام الله أنزله عليها، إملاء رسول الله وخط علي ﵁، أو أنه وصل إليها عن طريق جبرائيل) (٢) وهكذا على اختلاف أقوالهم، وليس فيها ما يدعيه هذا الموسوي من أنه من عند علي ... ثم إن كتاباً من علي ﵁ فيه مواعظ ونصائح لفاطمة يعزيها عن فقد أبيها له قيمة كبيرة من الناحية الأدبية والتاريخية ومن الناحية التربوية ـ فأين هي هذه النصائح؟ ليس لها وجود اليوم مع عدم المسوّغ لكتمانها. إذن جواب عبد الحسين لا يتفق مع ما جاء في كتب الشيعة كما لا يتفق والواقع. ثم كيف يعزي علي فاطمة، وكلاهما معصوم، وهل يحتاج المعصوم إلى معصوم آخر يسدده؟! ونجد في كلام محسن الأمين - وهو من مجتهديهم المعاصرين - كلاماً مغايراً لما يقوله عبد الحسين عن مصحف فاطمة؛ تحدث محسن الأمين عن مصحف فاطمة في كتابه «أعيان الشيعة» (٣) وأورد رواياتهم عن أئمتهم من أن مصحف فاطمة مثل القرآن ثلاث مرات، وأنه من كلام الله أنزله عليها بإملاء رسول الله وخط علي.. إلخ. وأورد

стр. 436

روايات أخرى عن هذا المصحف وأنهى إلى القول (أنهما مصحفان: أحدهما من إملاء رسول الله ﷺ خط علي «ع» والآخر من حديث جبرائيل) ، وقال: (أنه لا استبعاد ولا استنكار أن يحدث جبرائيل «ع» الزهراء ﵍ ويسمع ذلك علي ويكتبه في كتاب يطلق عليه «مصحف فاطمة» بعد ما روى ذلك عن أئمة أهل البيت ثقات أصحابهم) (١) . وهكذا كان هذا الرافضي المدعو بالأمين أجرأ من ذلك الموسوي في الحديث عن أسطورتهم تلك. وننتهي من هذه المناقشة إلى أن لعلماء الشيعة جوابين: جواباً من أنفسهم لا دليل عليه من كتبهم وذلك حينما يكون النقاش من سنّي، وهذا ما تفرضه عقيدة التقية عليهم صيانة لمذهبهم من نقد الخصوم. وجواباً آخر حقيقي حينما يكون المجال غير مجال الدفاع والنقاش مع الخصوم. وهذا المسلك لا يخدم الحقيقة في شيء، وهو ترويج للخرافة، فالتقية كانت عاملاً من عوامل استمرار «الخرافة» عندهم ومن أسباب بعدهم عن الجماعة الإسلامية. ويبقى هذا الزعم الخطير بنزول كتب إلهية على الأئمة مسطراً ومؤكداً في كتبهم القديمة والمعاصرة، على الرغم من أن بعض مراجعهم وشيوخهم - كما مر - يفتون بأن اعتقاد هذا كفر، فكانت النتيجة أن بعضهم يكفر بعضاً

стр. 437

ويناقض بعضهم رأي بعض، ويستحلون - باسم التقية - الخداع والكذب. نسأل الله سبحانه أن يهدي المخلصين الباحثين عن الحق منهم ويكشف علماء النفاق وزنادقة الباطنيين على حقيقتهم (١) . ٤- في السنة: تحدثنا في مبحث معتقد الشيعة في «السنة» أن الشيعة يرون أن أقوال أئمتهم كأقوال الله ورسوله، وأنهم يعتقدون أن رسول الله ﷺ كتم جزءاً من الشريعة وأودعه علياً، وأنهم يتعبدون بحكايات الرقاع، وأنهم يرفضون مرويات الصحابة، وأنهم لذلك انفصلوا عن المسلمين بكتب وأسانيد ورجال وأحاديث لا يوافقهم عليها المسلمون. وفي هذا المبحث نتعرف على رأي علماء الشيعة في هذه المسائل وهم يحاولون اللقاء مع المسلمين، ويدعون إلى اعتبار مذهبهم أحد المذاهب الإسلامية المعتبرة. وقد بحثت عن إجابات علماء الشيعة حول هذه المسائل فلم

стр. 438

أر سوى التأكيد عليها، والتصريح بها، فمحمد جواد مغنية يقول عن أقوال أئمته: (قول المعصوم وأمره تماماً كالتنزيل من الله العزيز العليم (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ((١)) (٢) . ويقول "الخميني": (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها) (٣) . أما دعواهم أن رسول الله ﷺ كتم جزءاً من الشريعة فهذه - كما مر - من أركان دينهم لا يكفون عن التصريح بها، ومعاصروهم أصرح في ذلك من متقدميهم، ولذا لم نجد أوضح في هذه المسألة ولا أصرح من كلام مراجعهم المعاصرين ولذا اضطررنا للاستشهاد بها فيما مضى، مع أننا نؤثر فيما أسلفنا من مباحث حول عقائدهم أن نستشهد بكتب حديثهم ومتقدمي شيوخهم. ولما أثار الشيخ موسى جار الله القول بأن الشيعة يؤمنون بكتب وهمية كالجفر والجامعة، أجاب عن ذلك مرجع الشيعة المعاصر (محسن الأمين) - بلا حياء - بقوله: (إن ضاعت صحيفة الفرائض والجفر والجامعة

стр. 439

وما ذكر معها عنده وعند أمثاله - يعني موسى جار الله - فلم تضع عند أهلها) (١) . ونجد من شيوخهم الكبار من يتباهى بذكر تلك الكنوز الوهمية، والأسماء التي لا مسمى لها، ويذهب يعدد هذه "الكتب" بكل خفة عقل، وإذا سئل أين هذه «المزعومات» أجاب بأنها عند المنتظر. ولولا خشية الإطالة لنقلنا كلامهم في ذلك (٢) . أما عن تعبدهم بحكايات "الرقاع" فيعترف دعاة التقريب بذلك وأنهم يعتبرونها من السنّة إلا أنهم يقولون إنها نادرة (٣) . وقد بينا فيما مضى حجم تلك الروايات.. وأن هناك مؤلفات مستقلة فيها.. وأن تلك التوقيعات استمرت بعد الغيبة الكبرى عندهم على يد بعض علمائهم الذين زعموا أن "مهديهم" قد نسخ لهم بعض الكتب، مثل ابن المطهر الحلي الذي زعم أنه التقى بالمهدي فنسخ له كتاباً ضخماً في ليلة واحدة (٤) . ثم إنهم فتحوا الباب للاتصال العام بالمهدي عن طريق كتابة رقعة وبعثها للمهدي ببحر أو نهر، مع دعاء معين (٥) ، وزعموا أن «الكافي» كله قد عرض على المهدي وقال: (الكافي كافٍ لشيعتنا) (٦) .

стр. 440

فكيف يقال إن الصلة بالمهدي وحكايات الرقاع نادرة وهم يسجلون في كتبهم هذه "المزاعم" كلها؟! أما ردهم لمرويات الصحابة، فقد مر استشهادنا بقول محمد حسن آل كاشف الغطا (١) ، وغيره (٢) في ذلك، ولكبار علمائهم حملات مسعورة ضد المكثرين من الرواية من صحابة رسول الله ﷺ كما صنع آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في كتابه "أبو هريرة"، وكما فعل "حجتهم" عبد الحسين الأميني النجفي مع كبار الصحابة في كتابه «الغدير» وغيرهما (٣) ، وذلك كله بغية رد رواياتهم والطعن في أحاديثهم. ولهم سب وتجريح لكبار محدثي الأمة، ولأمهات كتب المسلمين، ما لا يوجد مثله في كتب طائفة من طوائف الكفر، كما في كتاب «الغدير» لشيخهم الأميني وغيره، والمجال لا يتسع لنقل شواهد من هذا الغثاء وحسبنا الإشارة (٤) . وهم لا يحتجون بأسانيد وكتب المسلمين، يقول «السبيتي» - من علمائهم المعاصرين - «أن الشيعة لا تعول على تلك الأسانيد (أي

стр. 441

أسانيد أهل السنة) بل لا تعتبرها ولا تعرج في مقام الاستدلال عليها، فلا تبالي بها وافقت مذهبها أو خالفته» (١) ، وقال: «إن لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبرة عندهم ودونوها في كتب لهم مخصوصة وهي كافية وافية لفروع الدين وأصوله، عليها مدار علمهم وعملهم، وهي لا سواها الحجة عندهم» (٢) . وبعض دعاة التقريب يقول عن عدم احتجاج الشيعة بكتب أهل السنة: (إن عدم أخذ الإمامية بما في كتب أهل السنة - مطلقاً - ممنوع أشد المنع وأجلاه. فهذه كتب الإمامية مشحونة بالأحاديث المنقولة من كتب أهل السنة في فضائل أهل البيت ومآثرهم وكرامتهم ﵈ (٣) . وهذا الجواب قد ينخدع به بعض من لا يعرف أصول الشيعة وأساليبهم في الدفاع عن عقائدهم. ويفهم منه أن الشيعة تحتج بكتب

стр. 442

أهل السنة، والواقع أنه أراد خداع القارئ، وإلا فإن الشيعة إنما تحتج من كتب أهل السنة لمحاولة الدفاع عن مذهبها، والتبشير به بين صفوف المسلمين، لا أنهم يحتجون بها تديناً وعبادة. ولهذا عقد المجلسي - كما مر - باباً في النهي عن الأخذ من كتب المخالفين من السنة إلا في حالة الاحتجاج عليهم من كتبهم (١) . ٥- في الإجماع: مر بنا أنهم لا يحتجون بالإجماع على وجه الحقيقة ويحاول الشيعة التستر على رفضهم للإجماع، ومحاولة خداع المسلمين. فهم أولاً عقدوا في كتبهم الأصولية مبحث "الإجماع" (٢) مع أنه لا عبرة ولا وزن للإجماع عندهم مع قول المعصوم، والحجة بالمعصوم لا بالإجماع، فعقد هذا "المبحث" هو لمجرد الخداع في العناوين. وبعض الشيعة المحدثين يحاول أن يتستر على رفضهم لأصل الإجماع - بطريق الحيلة - ويزعم أن الشيعة يوافقون السنة في الاحتجاج به. يقول محمد جواد مغنية: إجماع الصحابة بأن تتفق كلمة الأصحاب جميعاً على حكم شرعي، وقد وأجب السنة والشيعة الأخذ بهذا الإجماع واعتباره أصلاً من أصول الشريعة، ثم يذكر أن

стр. 443

الشيعة قالوا بحجتيه لوجود الإمام مع الصحابة) (١) . انظر إلى هذا التحايل رغم أن مؤدى قوله أن الشيعة ترى أن الحجة في قول المعصوم لا في الإجماع. لكنه استعمل هذا الأسلوب الملتوي للخداع والتغرير، وقد انخدع بذلك البعض (٢) . ومن أسس ردهم لإجماع المسلمين ذلك المبدأ الخطير عندهم، وهو أن خلاف العامة - أي أهل السنة - فيه الرشاد. وقد سارت كتبهم المعاصرة في الأصول على الأخذ بهذا المبدأ واعتباره أحد وسائل الترجيح عند تعارض الأحاديث في كتبهم، أي على نفس أسلوب كتبهم القديمة. يقول آيتهم العظمى محمد باقر الصدر في كتاب «تعارض الأدلة الشرعية» : (وقد بلغ الأمر بالأئمة في التقية ـ لا من الحكام فحسب، بل من الأمة بصورة آكد ـ أن جعلوا مخالفة العامة مقياساً لترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين على الأخرى) (٣) . يذكر "الصدر" هذا المبدأ وهو يتحدث عن وسائل الترجيح

стр. 444

عند التعارض ويعتبره من الأصول التي وضعها أئمتهم لهم عند اختلاف أحاديثهم. ٦- الإمامة: (أ) رأي دعاة التقريب فيما جاء في أمهات كتب الشيعة من غلو في الأئمة: سبق أن عرضنا بعض ما تخلعه كتب الشيعة الأساسية على الأئمة من صفات تخرج بهم إلى درجة النبوة، وأحياناً تبلغ بهم إلى درجة الألوهية، وفي هذا المبحث نستمع إلى رأي دعاة التقريب في ذلك: ١- لقد مر ذكر بعض الأبواب التي عقدها الكليني في كتابه «الكافي» حول الأئمة مثل: (باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء) ونحوها - كما أسلفنا - وقد توجه د. علي السالوس (١) إلى أحد علماء الشيعة المعاصرين "كاظم الكفائي" (٢) ، وسأله عن رأيهم في تلك الأبواب والأحاديث فأجاب عن ذلك بقوله: (أما الروايات التي ذكرها شيخنا الكليني في كتابه «الكافي» فهي موثوقة الصدور عندنا.. وما ورد في «الكافي» أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة، والأنبياء، والرسل، وأنهم إذا شاءوا أن يعلموا علموا، ويعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم،

стр. 445

ويعلمون علم ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء، لا شك أنهم أولياء الله وعباده الذين أخلصوا له في الطاعة) ، ثم ذكر قولاً عن أئمتهم وهو: (قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية) (١) يعني أنهم يستحقون هذه الأوصاف وغيرها.. وهكذا يؤكد كاظم الكفائي إيمانهم بهذا الغلو في الأئمة. وللخنيزي جواب من هذه المسائل لا يخالف جواب الكفائي في حقيقته (٢) ، وكذلك أجاب "لطف الله الصافي" بأن الأبواب المعنونة في «الكافي» ليست إلا عناوين لبعض ما ورثوا عن جدهم رسول الله ﷺ (٣) وإذا كان هؤلاء يقرون بهذا فإن شيخهم عبد الحسين الأميني النجفي ينكر بعض ما ورد عنهم في ذلك مثل أن موت الأئمة باختيارهم، وينفي وجوده عندهم ويعتبر ذلك تحايلاً ومكابرة بالإفك (٤) . رغم أن ذلك من أبواب «الكافي» و «البحار» الحاوية لكثير من أحاديثهم في ذلك، على أن عبد الحسين هذا يعترف في موضع آخر بأوصاف الغلو في أئمته، وذلك في معرض حديثه عن اختلاف المقاييس والموازين بين طائفته وسائر المسلمين فيقول: (لولا أن هناك من يتعامى أو يتصامم عن رؤية هذه وسماع هاتيك - يعني من فضائل أئمته - ... من الذين استأسرهم الهوى وتدهور بهم الجهل إلى هوة التيه

стр. 446

والضلال - يعني أهل السنة - فعدوا من الغلو الفاحش: القول بعلم الغيب فيهم أو تكلم الموتى معهم، أو علمهم بمنطق الطير والحيوانات أو إحياء الله الموتى بدعائهم، أو استجابة دعواتهم في برء الأكمه والأبرص بل وكل ذي عاهة، أو القول بالرجعة لهم، أو ظهور كرامة لهم تخرق العادة، أو الشخوص إلى زيارة قبورهم والتوسل بهم والتبرك بتربتهم والدعاء والصلاة عند مراقدهم (١) ، أو التلهف والتأسف على ما انتابهم من المصائب - يشير إلى ما يصنعونه في ذكرى وفيات الأئمة - إلى كثير من أمثال هذه من مبادئ تراها الشيعة في العترة الهادية من فضائلهم المدعومة بالبرهنة الصحيحة والحجج القوية - أي قوية وصحيحة عندهم - ... مما أنكرته ابنا حزم وجوزي وتيمية وقيم وكثير ممن حذا حذوهم) (٢) . وعلى الرغم من ادعاء عبد الحسين هذا، وكاظم الكفائي وغيرهما علم الغيب للأئمة، وزعمهم أن ذلك هو معتقد الشيعة، فإن محمد جواد مغنية ينكر علم الأئمة للغيب، بل ينكر نسبة ذلك إلى الشيعة يقول: (وكيف نسب إلى الشيعة الإمامية القول بأن أئمتهم يعلمون الغيب وهم يؤمنون بكتاب الله ويتلون قوله تعالى حكاية عن نبيه: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ((٣) وقوله: (إنما الغيب لله ((٤) وقوله: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ((٥) لقد ظلم الشيعة الإمامية من نسب إليهم القول

стр. 447

بأن الأئمة يعلمون الغيب) (١) . ثم قال: (وإن من نسب إليهم شيئاً من ذلك فهو جاهل متطفل أو مفترٍ كذاب) (٢) . هذا ما يقوله مغنية. فأيهما نصدق في مذهب الشيعة؟ هل نصدق «الكافي» و «البحار» ، ونأخذ بقول كاظم الكفائي، وعبد الحسين النجفي ونقول أن الشيعة يدعون لأئمتهم علم الغيب، أو نأخذ بقول مغنية؟ والعجيب في الأمر أن الكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الشيعة، وعلى رأي مغنية فإن الكليني، والمجلسي، والكفائي، والأميني وغيرهم هم من الجهلة المتطفلين أو المفترين الكذابين. وهذا التناقض في آراء دعاة التقارب له أمثلة كثيرة، فمن ذلك: بخصوص الغلو في الأئمة فقط أن محمد جواد مغنية يقول: إن الشيعة تعتقد أن علم الأئمة كسْبي، ويرمي من يدعي أن علم الأئمة إلهامي بالجهل والدس فيقول: (وبهذا يتبين الجهل أو الدس في قول من قال بأن الشيعة يزعمون أن علم الأئمة إلهامي وليس بكسبي) (٣) ، في حين أن داعية التقريب الآخر الخنيزي يقول: (علم الأئمة ليس بكسبي) (٤) ، وشيخهم محمد رضا المظفر يقول - وهو يتحدث عن علم الإمام -: (وإذا استجد شيء لا بد أن يعلمه - أي الإمام - من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه) (٥) ، فمن نصدق وكلٌّ يزعم أن قوله هو مذهب الشيعة؟ لكن كتبهم الأساسية تثبت

стр. 448

الوحي والإلهام للأئمة، فمعنى هذا أن قول مغنية تقية وهو يزعم أنه لا تقية عندهم اليوم - كما سيأتي - كما نرى شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطا يكفّر من يقول أن الأئمة يوحى إليهم (١) ، مع أن هذا هو مذهب الكليني حيث روى ذلك في «الكافي» (٢) - الذي ضمن فيه أن لا يخرج إلا ما صح عنده ـ (٣) ، فهل الكليني عند آل كاشف الغطا كافر؟ وكذلك المجلسي أثبت أحاديث الوحي للأئمة (٤) فهل يأخذ نفس الحكم؟. وهكذا يكفر بعضهم بعضاً ويناقض بعضهم بعضاً. كما أننا نرى الغلو في الأئمة عند مراجع الشيعة وعلمائها، فهذا شيخهم محمد حسين كاشف الغطا يقول: (لولا سيف علي.. لما اخضر للإسلام عود ولما قام له عمود) (٥) . ولما استنكر الشيخ موسى جار الله هذا الغلو (٦) أجابه محسن الأمين - أحد مراجع الشيعة المعاصرين - بقوله: (إنه لم يسمع لسواه.. - يعني علياً (- بقتيل ولا جريح في موقف من المواقف) (٧) .

стр. 449

ومحمد حسين آل كاشف الغطا هذا هو أيضاً الذي يقول في أئمته: يا كعبة لله إن حجت لها الـ ... أملاك منه فعرشه ميقاتها أنتم مشيئته التي خلقت بها الـ ... أشياء بل ذرئت بها ذراتها أنا في الورى قال لكم إن لم أقل ... ما لم تقله في المسيح غلاتها (١) هذا ما يقوله أحد كبار مراجع الشيعة، وكبار دعاة التقريب منهم، ومن يعتبر عند بعض أهل السنّة من معتدلي الشيعة، ولهذا قدموه إماماً لهم في مؤتمر القدس الأول (٢) . لأن له وجهين وقولين، والتقية لا تنتهي كنوزها، وهو يتعهد في "البيت الأخير" أنه سيقول في أئمته ما لم تقله غلاة النصرانية في المسيح، وما أدري أي مرحلة سيصل إليها؟ وهل بعد غلو النصارى الذين جعلوا المسيح إلهاً من دون الله.. هل بعد غلوهم من غلو؟!! ولكنه استطاع تجاوز ما قالته النصارى في المسيح، حيث جعلهم الكعبة التي تحجها الأملاك وميقاتها العرش وخلقت بهم الأشياء.

стр. 450

ولهم شيخ آخر يدعى عبد الحسين ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ صادق ابن الشيخ يحيى.. العاملي (١) ، قالوا أنه كان آية من آياتهم التي ينسبوها - زوراً - إلى الله سبحانه، يقول هذا "العاملي" مشطراً أبيات السيد حسين القزويني في مدح الأمير "ع". أبا حسن أنت عين الإله ... وعنوان قدرته السامية وأنت المحيط بعلم الغيوب ... فهل عندك تعزب من خافية؟ وأنت مدبر رحى الكائنات ... وعلة إيجادها الباقية لك الأمر إن شئت تنجي غدا ... وإن شئت تسفع بالناصية (٢) والشواهد في هذا الباب كثيرة: ونقول إن هذه هي السبئية، خرجت لنا اليوم متلفعة برداء الاثني عشرية، وما كنا نظن أن للسبئية وجوداً حتى بدأنا القراءة في كتب "الروافض" فوجدنا أفكار ابن سبأ قد خلدت في دواوين الاثني عشرية الأساسية، فيولد في أحضان الاثني عشرية، بفضل هذه الدواوين،

стр. 451

من أمثال ابن سبأ العشرات، والخلاف في الاسم فقط. ولولا ضيق المجال لأكثرت من الشواهد في ذلك (١) . (ب) رأيهم في الغلو في قبور أئمتهم: سبق أن نقلنا عن شيخهم عبد الحسين أنهم لا يعتبرون هذا من الغلو لأنه مؤيد بالأدلة عندهم. وأكد شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطا أن كربلاء عندهم أشرف بقاع الأرض بالضرورة، وذكر أنه قد شهد بذلك الكثير من الأخبار والآثار عندهم، ثم استشهد بالبيت التالي: ومن حديث كربلا والكعبة ... لكربلا بان علو الرتبة ثم ذكر أن شعراءهم قد تفننوا في بيان فضلها وقداستها، واستطالتها على جميع بقاع الأرض (٢) !!!! ويؤكد آيتهم ميرزا حسن الحائري هذا المعنى الوثني فيقول: (كربلاء تلك التربة الطيبة الطاهرة، والأرض المقدسة التي قال في حقها رب السموات والأرضين - مخاطباً للكعبة حينما افتخرت على سائر البقاع -: قري واستقري لولا أرض كربلاء وما ضمنته لما

стр. 452

خلقتك) ، ثم يقول هذا الرافضي: وكذلك أصبحت هذه البقعة المباركة بعد ما صارت مدفناً للإمام "ع" مزاراً للمسلمين وكعبة للموحدين ومطافاً للملوك والسلاطين، ومسجداً للمصلين (١) . ويقول د. عبد الجواد آل طعمه في كتاب له يسمى: «تاريخ كربلاء» - وهو موثق من عدد من آياتهم وحججهم (٢) - يقول: (أُعطيت كربلاء حسب النصوص الواردة بأكثر مما أُعطى لأي أرض أو بقعة أخرى من المزية والشرف في الإسلام؛ فكانت أرض الله المختارة، وأرض الله المقدسة المباركة، وحرماً آمناً مباركاً، وحرماً من حرم الله وحرم رسوله وقبة الإسلام، ومن المواضع التي يحب الله أن يعبد ويدعى فيها، وأرض الله التي في تربتها الشفا، فإن هذه المزايا وأمثالها التي اجتمعت لكربلاء لم تجتمع لأي بقعة من بقاع الأرض حتى الكعبة) (٣) . ويقول محمد الشيرازي وهو من آياتهم عن قبور أئمته: (ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين أحياء عند ربهم يرزقون، ولذا فإننا نزور قبورهم ونتبرك بآثارهم ونقبل أضرحتهم كما نقبل الحجر الأسود وكما نقبل جلد القرآن الكريم) (٤) .

стр. 453

ويقول آيتهم وحجتهم عبد الله الممقاني: (وعليك بني بالتوسل بالنبي وآله صلى الله عليهم أجمعين، فإني قد استقصيت الأخبار فوجدت أنه ما تاب الله على نبي من أنبيائه من الزلة إلا بالتوسل بهم، وقد ورد - أي من طرقهم - أن الله تعالى لما خلق آدم (نقل أشباح محمد وآله المعصومين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين من ذروة العرش إلى ظهره، وكان أمره الملائكة بالسجود لآدم (؛ إذ كان وعاء تلك الأشباح ... وأنه قال لآدم ﵇ لما سأله عنهم - أن هؤلاء خيار خليقتي، وكرام بريتي بهم آخذ، وبهم أُعطي، وبهم أُعاقب، وبهم أُثيب، فتوسل بهم يا آدم، وإذا دهتك داهية فاجعلهم لي شفعاءك، فإني آليت على نفسي قسماً حقاً أن لا أُخيب بهم آملاً، ولا أرد بهم سائلاً، فلذلك حين زلت منه الخطيئة دعا الله (بهم فتاب تعالى عليه وغفر له، وكذلك من بعده يعقوب، ويوسف وغيرهما لم ينج منهم ناج إلا بالتوسل بهؤلاء الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين. وعليك بني بزيارته - يعني الحسين - في كل يوم من البعد مرة والمضي إليه في كل شهر مرة، ولا أقل من زيارته في الوقفات السبع (١) ، وإن كنت في بلدة بعيدة ففي السنة مرة) (٢) .

стр. 454

وعلق على ذلك ابنه شيخهم محي الدين الممقاني بأنه قد ورد من طرقهم (أن من زاره - عارفاً بحقه - كتب الله له ثواب ألف حجة وألف عمرة، وكأنما زار الله. وحق على الله ألا يعذبه بالنار، ألا وإن الإجابة تحت قبته والشفاء في تربته) (١) .. (ومن زار قبر الحسين (ليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة عرفة في سنة واحدة كتب الله له ألف حجة مبرورة، وألف عمرة متقبلة، وقضيت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة) (٢) ، (ومن أتاه يوم عرفة عارفاً بحقه كتب الله له ألف حجة وألف عمرة متقبلات، وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل) (٣) . وهكذا تتفق كتب الشيعة قديمها وجديدها على هذا الاعتقاد الوثني وينسبون هذا لأئمتهم، ولا يعلم المسلمون كلهم بهذا الأمر وينفرد بنقله الشيعة دون غيرهم. والحق أن هذه النصوص والأقوال هي التي أحيت عقيدة المشركين في مزارات الشيعة ومشاهدها وأصبحت المشاهد معمورة والمساجد مهجورة، وعلماؤهم يؤيدون هذا "المنكر" (٤) . (ج) غلوهم في مجتهديهم: لا نجد من دعاة التقريب إلا كل تأييد لهذا الغلو بل إن هذا

стр. 455

الغلو يمتد على أيديهم ويزداد فهذا شيخهم "محمد جواد مغنية" الذي يلهج بالدعوة للتقارب والذي ما زال يؤمن بقوله إن الشيعة مظلومون ومفترى عليهم وأنهم من أبعد الناس عن الغلو، ولكنه يقول في كتابه «الخميني والدولة الإسلامية» في مدح الخميني: (وقال السيد المعلم - يعني الخميني - ص ١١١ من «الحكومة الإسلامية» لماذا الخوف؟ فليكن حبساً أو نفياً أو قتلاً، فإن أولياء الله يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله) (١) . ثم علق على ذلك مغنية بقوله: (وليست هذه الكلمات مجرد سورة من سورات الغضب كما فعل موسى (حين ألقى الألواح - التوراة - وأخذ برأس أخيه يجره إليه، بل تنبني أيضاً على العلم والمنطق الصارم دون أن تلفحه نار العاطفة) (٢) .

стр. 456

هذا نص مغنية بحروفه، وهو يفيد أن الخميني أكمل من نبي الله موسى ﵊ وأن فعل الخميني مبني على العلم والمنطق وموسى على الغضب والعاطفة!! وموسى (أكرم وأعظم أن يقارن بصفوة الصالحين فكيف يفضل عليه الخميني، أو يذكر معه، في مقارنة ولكنه منطق الغلاة الذين قد فرغت قلوبهم من توقير أنبياء الله ورسله لأن غلوهم في أئمتهم ونوابهم قد استل من قلوبهم عظمة الرسالة والرسل. وإلا فما معنى هذه المقولة الشنيعة التي سقط بها هذا الرافضي؟ (١) . (د) رأي دعاة التقارب فيما جاء في أصولهم وكتبهم الأساسية من عدم شرعية أي حكومة إسلامية غير حكومة الاثني عشر: ١- رأي آيتهم "حسين الخراساني (٢) . لعل رأيه في هذا الباب يؤخذ من خلال ما ذكر في كتابه «الإسلام على ضوء التشيع» أن كل شيعي على وجه الأرض يتمنى فتح مكة والمدينة وإزالة الحكم الوهابي عنها - كما يزعم - يقول: (إن طوائف الشيعة يترقبون من حين وآخر أن يوماً قريباً آت يفتح الله تعالى لهم تلك الأراضي المقدسة لمرة أخرى - كذا - ليدخلوها آمنين مطمئنين فيطوفوا ببيت ربهم، ويؤدوا مناسكهم ويزوروا قبور ساداتهم ومشايخهم وفي مقدمها قبر صاحب الشريعة الإسلامية ومسجده الشريف وقبور أهل بيته وعترته الطاهرين في البقيع، ولا يكون هناك سلطان جائر يتجاوز عليهم بهتك أعراضهم وذهاب حرمة إسلامهم وسفك دمائهم المحقونة، ونهب أموالهم

стр. 457

المحترمة ظلماً وعدواناً. حقق الله تعالى آمالنا) (١) . هكذا يتمنى هذا "الرافضي" فتح الديار المقدسة، وكأنها بيد كفار، ويعلل هذا التمني بأنه يريد الحج والزيارة وكأنه وطائفته قد منعوا من ذلك، والواقع أنه يريد إقامة الشرك وهدم التوحيد في الحرمين الطاهرين، وهذه الأمنية هي التي رددها بعض رجالات ثورة الخميني؛ ففي احتفال رسمي وجماهيري أقيم في عبدان في ١٧/٣/١٩٧٩م تأييداً لإقامة الجمهورية الإسلامية ألقى د. محمد مهدي صادقي خطبة في هذا الاحتفال سجلت باللغتين العربية والفارسية، ووصفتها الإذاعة بأنها مهمة، ومما جاء في هذه الخطبة: (أصرح يا إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن مكة المكرمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشد من اليهود..) ، وذكر قبل ذلك بأنه حين تثبت ثورته على أقدامها سينتقلون إلى القدس وإلى مكة المكرمة، وإلى أفغانستان وإلى مختلف البلاد (٢) . وهكذا يعتبر الوضع في مكة كوضع القدس الذي يحتله اليهود ووضع أفغانستان التي يحتلها الشيوعيون (٣) ، في حين أننا نراهم يتعاطفون مع الحكم النصيري الكافر في سوريا ولا يمسونهم بنقد..!! ٢- رأي آيتهم العظمى عبد الحسين الرشتي (٤) : في جواب له على ما قاله الشيخ جار الله من أن الشيعة

стр. 458

ترى أن حكومات الدولة الإسلامية وقضاتها كلها طواغيت (١) . أجابه هذا الرشتي بجواب حاول فيه إقامة الدليل على شرعية إمامة الاثني عشر وبطلان ما عداها من حكم وإمامة، وزعم أنه يأخذ هذه الأدلة من كتب السنّة المعتمدة، ومما أورده في ذلك قوله: (وروى صدر الأئمة أخطب خوارزم (٢) بسنده أن الله (قال لنبيه عن ولاية أئمتهم الاثني عشر: فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ومن جحدها كان عندي من الكافرين، يا محمد لو أن عبداً من عبادي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتهم) (٣) . والنتيجة من جواب هذا الرشتي أن الشيعة ترى كفر الحكومات الإسلامية، وتحاول أن تقيم على أهل السنّة الحجة والدليل من كتبهم ليأخذوا بهذا المبدأ!!

стр. 459

٣- عبد الحسين شرف الدين الموسوي (١) : لما قال الشيخ موسى جار الله إن الشيعة تعتبر الحكومات الإسلامية وقضاتها طواغيت أجابه هذا الموسوي بقوله: (الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون الغاشمون المستحلون من آل محمد ما حرم الله ورسوله.. أما غيرهم من حكومات الإسلام فإن من مذهب الشيعة وجوب مؤازرتهم في أمر يتوقف عليه عز الإسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولا يجوز عندهم شق عصا المسلمين وتفريق جماعتهم بمخالفته، بل يجب على الأمة أن تعامل سلطانها القائم بأمورها والحامي لثغورها معاملة الخلفاء بالحق) (٢) . مناقشة هذا الرأي: هل يختلف قول عبد الحسين الموسوي عن رأي سابقيه حسين الخراساني وعبد الحسين الرشتي؟ وهل يختلف عما جاء في كتبهم الأساسية عندهم ـ تلك التي تقول إن كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت ـ؟. إذا كان ذلك كذلك فلماذا يتطوع بالرد على موسى جار الله، ولا يرد على كتبهم التي قالت هذا القول، وعلى علمائهم الذين لا يزالون يجاهرون بهذا المبدأ؟!! الحقيقة أن حديث علماء الشيعة إذا كان موجهاً لأهل السنّة فإنه يحمل مواصفات معينة من الحذر والكتمان صيانة لمذهبهم من نقد الخصوم - غالباً - وأنت إذا تأملت كلمات عبد الحسين رأيت الرجل لا يختلف في قوله عن قول سابقيه سوى أنه صاغ كلامه

стр. 460

بأسلوب التورية، وبطريقة تخدع من لا يعرف أساليبهم في التقية، فهو يقول: إن الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون لآل محمد، وهو في هذا لم يخرج عن مذهب الشيعة فهم يعتبرون كل من تعدى على سلطان أحد أئمتهم الاثني عشر وادعى الإمامة من دونهم هو ظالم لآل محمد، حتى إنهم يعتبرون أبا بكر أول ظالم لهم. وفي قوله: وأن الشيعة ترى وجوب مؤازرتهم - أي الحكام - في أمر يتوقف عليه عز الإسلام، وهذا هو أيضاً مذهب الشيعة، ومرادهم بـ "عز الإسلام" عز مذهب الشيعة، ولهذا نرى شيخهم الخميني يؤيد ما صنعه نصير الدين الطوسي من دخوله في العمل وزيراً لهولاكو (١) ، بقصد هدم الخلافة الإسلامية وإظهار مذهب الشيعة، ويرى مشروعية هذا اللون من التعاون مع الدول والحكام، فيقول: إن من باب التقية الجائزة دخول الشيعي في ركب السلاطين إذا كان في دخوله الشكلي نصر للإسلام وللمسلمين مثل دخول نصير الدين الطوسي (٢) . وقوله: يجب على الأمة أن تعامل سلطانها القائم بأمورها
следующие страницы →