لا يُعمل به على ما بُيّن في غير موضع) (١) .
والرافضة تكفر الزيدية (٢) ، لهذا لم يبق سوى "الرافضة" وهي التي تنشط في الدعوة للتقريب، فلنر ما يقولونه فيما شذّوا به عن المسلمين.
١- في قول الشيعة بتحريف القرآن:
لقد نسبت كتب أهل السنّة إلى مذهب الشيعة تلك المقالة الشنيعة في الزندقة والإلحاد وهي قولهم بتحريف القرآن (٣) . ورأينا أن أهل السنّة لم يظلموهم، وأن هذا "الطعن" في كتاب الله متواتر في كتبهم وهو مذهب لطائفة من علمائهم، بل نقل بعضهم.. اتفاقهم على هذه "المقالة" (٤) فماذا يرى دعاة التقريب في هذه "المقالة" التي تقطع صلتهم بالإسلام والمسلمين وهم يحاولون اللقاء مع المسلمين؟
وحين نتتبع ما كتبه دعاة التقريب من الشيعة حول هذه "القضية" نجد أنها تدور على المحاور التالية:
стр. 387
المحور الأول:
استعمال التقية، وذلك بإنكار ما ينسب إليهم في هذا الشأن، ونفي أن يكون لهم رأي، أو قول، أو حديث يمس كتاب الله ويشير إلى تحريفه نفياً قاطعاً، وممن سار على هذا "الخط" عبد الحسين الأميني النجفي في كتابه «الغدير» ـ وذلك حينما رد على ابن حزم (١) ما نسبه إلى الشيعة من القول بتلك المقالة ـ فقال هذا النجفي: (ليت هذا المجترئ أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به، أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزناً، بل نتنازل معه إلى قول جاهل من جهالهم أو قروي من بسطائهم، أو ثرثار كمثل هذا الرجل يرمي القول على عواهنه، وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه) (٢) .
مناقشة هذا الرأي:
إن القارئ ليعجب من هذه الجرأة على نفي ما هو واقع، ولا شك أن هذا النفي سيؤول من الشيعة ومن المطلعين على ما في
стр. 388
كتب الشيعة من أهل السنّة سيؤول بأنه تقية فماذا يجدي مثل هذا الدفاع.
وإن القارئ ليعجب من جرأة مثل هذا الرجل على هذا الكذب الصريح مع مكانته الكبيرة عند طائفته (١) ، وفي أخبارهم أن الرجل يكبر في أنفسهم كل ما كان أبدع وأقدر في استعمال التقية مع المخالفين، لكن هذا النجفي لم يحسن التقية فهو كمن يريد أن يحجب ضوء الشمس بكفه وأنّى له ذلك؟! فهو ينفي ما هو واقع في كتبهم التي أصبحت في متناول الكثيرين، وليرجع القارئ إلى ما كتبناه عنهم في مبحث قولهم بتحريف القرآن. ومن العجيب أنه وهو ينكر وجود تلك المقالة في كتبهم في الجزء الثالث من كتابه ـ نراه في الجزء التاسع من الكتاب يتورط هو نفسه بهذه المقولة الشنيعة ويناقض نفسه بنفسه؛ فيقول مهاجماً وطاعناً في الخليفة الراشد ـ أفضل الصحابة ﵃ أبي بكر الصديق (يقول: (سل عنها - أي صفة أبي بكر في زعمه - أمير المؤمنين وهو الصديق الأكبر يوم قادوه كما يقاد الجمل.. إلى بيعة عمت - كذا ـ شؤمها الإسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، وعنفت سلمانها، وطردت مقدادها، وفتقت بطن عمارها، وحرقت القرآن، وبدلت الأحكام) (٢) كما أورد آية مفتراة في نفس كتابه «الغدير» الذي ينفي فيه وجود تلك المقالة
стр. 389
عندهم، ونص هذه الآية المزعومة هي: (اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته فمن لم يأْتم به وبمن كان من ولدي"؟! " من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إن إبليس أخرج آدم "﵇" من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم) .
وزعم هذا الرافضي أن رسول الله ﷺ قال: إنها نزلت في علي. وحاول أن يموه ويخدع القراء فينسب هذا الافتراء لمحمد بن جرير الطبري السني، وهو محمد بن جرير الطبري الرافضي، إن صحت النسبة إليه، فالرجل افترى على الله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين (١) .
وهكذا يثبت الرجل ما ينفيه (٢) ، والمسألة لا تحتاج لإثباته أو نفيه، فهي قد سودت صفحات كتب الشيعة الأساسية، وأقر كبار علمائهم بأنها مستفيضة ومتواترة فيها، وأصبحت مذهباً لطائفة منهم ... لكن أسلوب هذا الرجل يتفق مع ما ذكروه من أن المسائل التي أجمع المسلمون عليها يجب إظهار الموافقة لهم فيها وتقيتهم بها.
وإلى هذا يشير الطوسي - وهو يرد حديثين عندهم وردا بتحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها - على أن
стр. 390
الخبرين يحتملان شيئاً آخر؛ وهو أن نحملهما على ضرب من التقية، لأن جميع العامة "أهل السنة" يخالفوننا في ذلك، (لأن مذهب الشيعة يبيح الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها) ويدعون - أي أهل السنّة - أن هذه مسألة إجماع، وما هذا حكمه تجري فيه التقية.
فالطوسي هنا يكشف أمراً خطيراً، ومبدأ في غاية الفساد وهو أن مسائل الإجماع عند المسلمين تجري فيها التقية عند الشيعة، فهل نثق بعد هذا في موافقة الشيعة لجمهور المسلمين؟ وهذا كلام إمامهم الطوسي صاحب كتابين من كتبهم الأربعة في الحديث وكتابين من كتبهم الأربعة في الرجال ومن يسمونه بـ "شيخ الطائفة على الإطلاق".
وقد مر بنا في مبحث "قول الشيعة بتحريف القرآن" أنهم ألفوا في إثبات هذا الاعتقاد كتباً مستقلة آخرها كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» لحسين النوري الطبرسي (١٣٢٠هـ) ، وقلنا: إن مؤلف هذا الكتاب يحظى بثقة الشيعة، وهذا الكتاب - كما سبق - يعتبر من أكبر فضائح الشيعة، لأن مؤلفه جمع أحاديثهم وأقوال علمائهم في الطعن في كتاب الله سبحانه إلخ. وكنا ننتظر من دعاة التقريب من الشيعة موقفاً جاداً وحازماً إزاء هذا الكتاب ومؤلفه، لكننا وجدناهم يحاولون خداع الناس والتستر على الباطل، وحماية عرض هذا الرجل الذي يريد هدم الإسلام بالطعن في ركنه وعموده وهو القرآن الكريم.
стр. 391
فهذا "لطف الله الصافي" من علماء الشيعة في إيران، وممن يتظاهر بالحماس لفكرة التقريب، ووحدة المسلمين (١) ، يحاول أن يخدع المسلمين ويغرر بهم ويدافع بالكذب عن ذلك "الرجل" فيقول: إن المحدث النوري - يعني صاحب فصل الخطاب - لم ينكر ما قام عليه الإجماع واتفاق المسلمين من عدم الزيادة ولم يقل: إن القرآن قد زيد فيه، بل صرح في ص ٢٣ بامتناع زيادة السورة أو تبديلها، فقال: (هما منتفيان بالإجماع وليس في الأخبار ما يدل على وقوعهما، بل فيها ما ينفيهما) - كما يأتي - وقد اعترف المحدث المذكور بخطئه في تسمية هذا الكتاب، كما حكى عنه تلميذه الشهير وخريج مدرسته العالم الثقة الثبت الشيخ أغابزرك الطهراني ـ مؤلف «الذريعة» و «أعلام الشيعة» وغيرهما من الكتب القيمة ـ فقال في ذيل ص ٥٥٠ من الجزء الأول من القسم الثاني من كتابه «أعلام الشيعة» : (ذكرنا في حرف الفاء من «الذريعة» عند ذكرنا لهذا الكتاب مرام شيخنا النوري في تأليفه «فصل الخطاب» ، وذلك حسبما شافهنا به وسمعنا من لسانه في أواخر أيامه فإنه كان يقول: أخطأت في تسمية الكتاب، وكان الأجدر أن يسمى بـ «فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب» ، لأني أثبت فيه أن كتاب الإسلام "القرآن الكريم" الموجود بين الدفتين المنتشر في أقطار العالم وحي إلهي بجميع سوره وآياته وجمله لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل ولا زيادة ولا نقصان
стр. 392
من لدن جمعه حتى اليوم) (١) هذا ما يقولونه، وبالرجوع إلى كتاب «فصل الخطاب» (٢) لمعرفة "الحقيقة" نجد أن المؤلف كشف عن غرضه الخبيث في مقدمة كتابه حيث يقول فيها: (هذا كتاب.. عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته: «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» ) (٣) .
أما صفحات الكتاب فتشتمل على ثلاث مقدمات وبابين:
المقدمة الأولى: في الأخبار الواردة عن الشيعة في جمع القرآن وجامعه وسبب جمعه وكونه - كما يعتقد هذا المجوسي - في معرض النقص بالنظر إلى كيفية الجمع، وبأن تأليفه يخالف تأليف المؤلفين. ص ٢- ٢٤.
المقدمة الثانية: في أقسام التغيير الممكن حصوله في القرآن والممتنع دخوله فيه. ص ٢٤- ٢٦ - كما يزعم-.
المقدمة الثالثة: في ذكر أقوال علماء الشيعة في تغيير القرآن وعدمه. ص ٢٦- ٣٦.
الباب الأول: أدلة هذا المجوسي وأهل ملته على وقوع التغيير والنقص في القرآن. ص ٣٦- ٣٦٠.
الباب الثاني: في ذكر أدلة القائلين بعدم تطرق التغيير وجواب هذا المجوسي عنها. ص ٣٦٠- ٣٩٨.
стр. 393
وقد طبع الكتاب على الحجر في إيران سنة ١٢٩٨هـ وعليه خاتم الدولة الإيرانية الرسمي، وقد استبشر به "أعداء الإسلام" فترجمه المبشرون إلى لغاتهم ونشروه كما ذكر ذلك بعض الشيعة (١) .
فمادة هذا الكتاب كلها محاولة يائسة للنيل من كتاب الله العظيم، فكيف يقال بعد هذا: إن المؤلف أخطأ فقط في عنوان الكتاب؟ وقوله: إن النوري الطبرسي نفى زيادة السورة أو تبديلها وقال: هما منتفيان بالإجماع، فهذه حقيقة ولكن لماذا لم يكمل "الصافي" ما في الصفحة نفسها والتي تليها؟ فقد قال "النوري الطبرسي" وهو يذكر صور التغيير في القرآن - كما يزعم-: (الأولى: زيادة السورة ولا ريب في امتناعها.. الثانية: تبديل السورة وهي كالأولى.. الثالثة: نقصان السورة وهو جائز كسورة الحفد وسورة الخلع وسورة الولاية) . ثم استمر يعدد صور التغيير بزعمه فقال: (نقصان الآية وهو غير ممتنع ومثاله: والعصر إن الإنسان لفي خسر وأنه فيه إلى آخر الدهر، زيادة الكلمة كزيادة «عن» في قوله تعالى: يسألونك عن الأنفال، ونقصانها كـ "في علي"؟ في مواضع كثيرة، وتبديل الكلمة كتبديل آل محمد بعد قوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم) بآل عمران.. نقصان الحرف كنقصان همزة من قوله تعالى: كنتم خير أمة - يريدها خير أئمة - و «يا» في قوله تعالى: يا ليتني كنت تراباً - يريدها ترابياً حتى تكون إشارة لعلي لأن لقبه أبو تراب) .. إلخ الصور التي ذكرها، وكلها طعن في كتاب الله (٢) . وقد اعترف بعض علماء الشيعة بأن هذا
стр. 394
الطبرسي تجرأ جرأة عظيمة على الإصرار على تحريف كتاب الله (١) .
فلماذا هذا التستر على الباطل والدفاع الكاذب من رجال يعدهم الشيعة من كبار علمائهم المعاصرين؟، هل يظنون أن هذا الكذب سيخدعون به جميع الناس؟ وهل يتصورون أنهم بهذا الأسلوب يتمكنون من إخفاء حقيقة كتاب مطبوع؟، فهم بهذا المنهج كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال وتظن أن الناس لا يرونها.
أليس في هذا الأسلوب نزع لثقة الناس بما يقولونه بشكل مطلق؟! ومن العجب أن ينال هؤلاء «الرجال» ثقة بني قومهم وهم على هذا المستوى من الكذب. أم أن هذا مفخرة لهم لأنهم فعلوا تسعة أعشار الدين وهو التقية؟ نحمد الله على نعمة العقل والدين.
إن لبعض الشيعة «أساليبهم» في المكر والخداع. فهؤلاء الثلاثة بهذا الدفاع إنما يعنون شيئاً آخر لا يفطن له من لم يقرأ في كتب الشيعة، ويتعرف على مكائدهم، إنهم يعنون بهذا الدفاع القرآن المزعوم عند إمامهم المنتظر، والدليل على ذلك في تكملة الكلام السابق - الذي ذكره لطف الله الصافي عن أقابزرك الطهراني، والذي يرويه عن شيخه صاحب فصل الخطاب - وهو قوله بعد ذلك الكلام السابق مباشرة: (وقد وصل إلينا المجموع الأوّلي بالتواتر القطعي ولا شك لأحد من الإمامية فيه.. كما أني أهملت التصريح بمرامي في مواضع متعددة من
стр. 395
الكتاب حتى لا تسدد نحوي سهام العتاب والملامة، بل صرحت غفلة بخلافه، وإنما اكتفيت بالتلميح إلى مرامي ص ٢٢، إذ المهم حصول اليقين بعدم وجود بقية للمجموع بين الدفتين كما نقلنا هذا العنوان عن الشيخ المفيد ص ٢٦) .
ففي قوله: (وقد وصل إلينا المجموع الأولي.. ولا شك لأحد من الإمامية فيه) إشارة واضحة إلى قرآنهم المزعوم فهو يقول: (وصل إلينا المجموع الأولي) فهو وصل إليهم خاصة، وهو المجموع الأولي، وحتى يؤكد أن المراد هو ما عند منتظرهم قال: (ولا شك لأحد من الإمامية فيه) .. فمن الثابت أن طائفة من الشيعة: كالكليني، والقمي، والطبرسي، والمجلسي وغيرهم لا يشكون بل يؤكدون تلك المقولة الخبيثة في كتاب الله، ويزعمون أن القرآن الكامل هو عند مهديهم - كما سبق - ولكن الذي لا شك لأحد من الإمامية فيه هو ما عند منتظرهم وانظر إلى قوله: (كما أني أهملت التصريح بمرامي حتى لا تسدد نحوي سهام العتاب والملامة) ، ما هو مرامه الذي أهمل التصريح به؟ إذا كان مرامه إثبات أن القرآن محفوظ فهذا إجماع المسلمين وهذا ينجيه من الملامة فلماذا يهمل التصريح به؟، وقوله: (بل صرحت غفلة بخلافه) كيف نفسر هذه الكلمات البلهاء إذا كان القصد أنه صرح بحفظ كتاب الله على غفلة؟ فلم يكون التصريح بهذا الأمر المجمع عليه عند المسلمين على غفلة؟ وكيف يفطن القارئ لهذه الغفلة إلا إذا كان يخاف من طائفته؟ ولكن واقع كتابه غير ذلك، ولا شك أن هذا كلام ساقط لا يستحق المناقشة ولكن لأنه صادر من كبارهم عرضناه ليقف القارئ عليه.
ومن الأمثلة لنفيهم المطلق لما هو واقع في كتبهم: "في مسألة
стр. 396
تحريف القرآن» أن محب الدين الخطيب ذكر أن الطبرسي في فصل الخطاب في الصفحة ١٨٠ ذكر سورة "الولاية" التي تزعم الشيعة أنها سقطت من القرآن (١) فيرد عليه عالم الشيعة الصافي بقوله: (فانظر ما في كلامه من الكذب الفاحش والافتراء البيّن، ليس في فصل الخطاب لا في ص ١٨٠ ولا في غيرها من أول الكتاب إلى آخره ذكر من هذه السورة المكذوبة على الله تعالى) (٢) . ا. هـ.
والواقع أن الكاذب هو "لطف الله الصافي" فسورة الولاية أشار إليها الطبرسي في «فصل الخطاب» ص ٢٣، ونقلها بكمالها في ص ١٨٠ وسيرى القارئ صورة لهذه.. السورة المزعومة من كتاب «فصل الخطاب» في "الوثائق"، فهل يجهل هذا لطف الله الصافي وقد رجع إلى الصفحة نفسها التي تضمنت الإشارة إلى السورة المزعومة؟ فماذا يجدي مثل هذا الدفاع الكاذب؟
ومن الأمثلة على نفيهم التحريف عن القرآن - ويعنون به القرآن الذي يزعمون أنه عند منتظرهم - ما يقوله عبد الحسين شرف الدين الموسوي (٣) ونصه: (نسب إلى الشيعة القول بالتحريف بإسقاط كلمات وآيات، فأقول نعوذ بالله من هذا القول ونبرأ إلى الله من هذا الجهل وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا، فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته) (٤) تأمل
стр. 397
قوله: (فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته) ، ماذا يعني بالقرآن المتواتر من طرقهم؟ هل هو القرآن الذي بين أيدينا؟ أم القرآن الغائب كما يدعون؟!. إن تخصيصه بأنه متواتر من طرقهم إشارة للمعنى الأخير. فالقرآن العظيم كان من أسباب حفظه تلك العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر وأتمها أخوهما ذو النورين عثمان بن عفان في جمعه وتوحيد رسمه.. تحقيقاً لوعده (: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (ومعتقد الشيعة في هؤلاء الثلاثة معروف. فهذا القرآن إذن غير متواتر من طرقهم.
هذه الصور التي نقلناها كلها تندرج تحت محور الإنكار لما هو واقع موجود، ويستحلون ذلك باسم التقية، فأي ثقة بشيوخ هذا مسلكهم؟ وكيف يطمئن مسلم إلى دين قائم على الخداع والكذب؟ وكيف يمكن التفاهم مع شيوخ مردوا على الدجل والتزييف؟
المحور الثاني ومناقشته:
المحور الثاني هو الاعتراف بأن هناك بعض الروايات في تحريف القرآن ولكنها عندهم شاذة ومخالفة للإجماع.
يقول محمد حسين آل كاشف الغطا - وهو مرجع الشيعة بين سنة ١٩٦٥ - ١٩٧٣م -: (وأن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدي، ولتعليم الأحكام، وتمييز الحلال والحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم.. والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً،
стр. 398
فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار) (١) .
مناقشة هذا القول:
هذا المعنى قاله قبله.. الطوسي، والطبرسي، والمرتضي وغيرهم من علماء الشيعة السابقين وتابعهم عليه بعض المعاصرين (٢) من الشيعة، لكن يرد عليه أن الأمر ليس مجرد روايات ضعيفة شاذة، بل هو مذهب لكبار علماء الشيعة، زعموا تواتره واستفاضته، ومنهم من زعم اتفاقهم عليه كما سبق، فلماذا التستر على هؤلاء، والزعم بأنها روايات ضعيفة مشتركة بين الطائفتين؟ ولماذا يُقَدس أصحاب هذه "المقولة" وتصبح كتبهم مصادر معتمدة في الحديث عندهم كالكليني والمجلسي والطبرسي؟.
ومع ذلك نقول: إن هذا الحكم من كبير علماء الشيعة على تلك الروايات بالشذوذ ـ وهي كما سبق (٣) قد بلغت بشهادة علمائهم حد الاستفاضة والتواتر من طرقهم ـ هذا الحكم إن كان بصدق ينبغي أن يكون دافعاً للحكم على عقائد الشيعة الأخرى التي انفصلت بها عن المسلمين، كما ينبغي أن تكون منطلقاً لنقد أسانيد رواياتهم؛ فمن روى مثل تلك الروايات لا ينبغي أن يوثق به كالكليني وغيره. هذه هي النتيجة العملية لحكم آل كاشف الغطا إن كان صادقاً، وإلا فإن المسألة تبقى مجرد دفاع عن المذهب مبرقعاً بالتقية.
стр. 399
المحور الثالث:
وهو الاعتراف بأن هناك روايات في هذا كالروايات التي تزعم حذف أسماء الأئمة ونحو ذلك ولكن هذه من قبيل التفسير وليست من القرآن. يقول محمد حسين الطباطبائي: (المراد في كثير من روايات التحريف من قولهم ﵈ كذا نزل هو التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن والتأويل) (١) .
المناقشة:
هذا الرأي عند تطبيقه على روايات الشيعة نراه لا يتلاءم مع كثير من تلك الروايات، فقد ورد في رواياتهم "المفتراة" أن القرآن العظيم قد شابه تغيير في ألفاظه وكلماته، مثل ما يروونه عن علي ﵁ زوراً وبهتاناً أنه قال: (وأما ما حُرّف من كتاب الله فقوله: (كنتم خير "أئمة" أخرجت للناس) .. فخرفت إلى خير أمة، ومنهم الزناة واللاّطة والسراق وقطاع الطريق والظلمة وشراب الخمر والمضيعون لفرائض الله تعالى والعادلون عن حدوده، أفترى الله تعالى مدح من هذه صفته؟) (٢) .
ومنه قوله تعالى في سورة النحل: (أن تكون أمة هي أربى من أئمة) فجعلوها أمة.. وقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أئمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) ومعنى وسطاً بين الرسول وبين الناس، فحرفوها وجعلوها أمة.
стр. 400
ومثله في سورة عم: (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابياً) فحرفوها وقالوا: تراباً، وذلك أن الرسول ﷺ كان يكثر من مخاطبتي بأبي تراب ومثل هذا كثير (١) . فهل هذه الرواية - وأمثالها كثير - تنسجم مع تأويلهم بها بأنها من قبيل التفسير؟ لا شك أن هذا مخرج غير سليم، والموقف الصحيح هو ردها ورد مرويات من اعتقدها..
المحور الرابع:
وهو الاعتراف بأن هناك روايات وكتب للشيعة في إثبات تحريف القرآن، ولكن المقصود بالتحريف هنا.. النقص..!!!
يقول شيخهم - المعاصر - أغابزرك الطهراني في كتابه «الذريعة» إلى تصانيف الشيعة ـ بعد ذكره لما ألفه الشيعة من مؤلفات لتأييد هذه الفرية ـ يقول: (.. وتحرير هذا البحث على ما ذكره السيد المفيد قدس سره هو أنه هل لهذا القرآن ـ الذي هو كتاب الإسلام وهو الموجود بين الدفتين ـ بقية؟ أم ليست له بقية؟ فالنفي والإثبات متوجهان إلى البقية التي هي غير القرآن الموجود بين الدفتين، أم لم ينزل شيء آخر غير ما بينهما؟ فمحل هذا الخلاف إنزال وحي آخر وعدمه، لكن عبروا قديماً عن الإنزال وعدمه بالتحريف وعدمه من باب التعبير عن الشيء بلوازمه، فإن لازم نزول وحي لم يوجد فيما بين أيدينا أن يكون ذلك المنزل متروكاً ومحذوفاً ومسقطاً ومنقصاً، واللفظ الكاشف بمعناه اللغوي عن جميع تلك اللوازم هو التحريف.. فعدلوا عن دعوى ثبوت الإنزال وعدمه إلى دعوى تحقق التحريف،
стр. 401
أي الأخذ بالجانب وعدمه، ثم قال: فظهر أن عنوان البحث قديماً بتحريف الكتاب بغير بيان لم يقع في محله، وكان الأولى أن يُعَنْوَن المبحث بتنقيص الوحي، أو يصرح بنزول وحي آخر وعدمه حتى لا يتمكن الكفار من التمويه على ضعفاء العقول بأن في كتاب الإسلام تحريفاً باعتراف طائفة من المسلمين) (١) .
المناقشة:
هذا هو دفاع عالم الشيعة عن كتاب الله سبحانه وهو تأكيد "التحريف" والطعن في كتاب الله بما يشبه الدفاع. (كبرت كلمة تخرج من أفواههم (، ولا يستغرب الشيء من معدنه فهذا الطهراني: هو تلميذ صاحب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» وهو الذي أراد خداع جمهور المسلمين بزعمه أن مؤلف «فصل الخطاب» شافهه بأنه أراد الدفاع عن القرآن وإنما أخطأ في العنوان، فهو يحاول أن يتستر على معتقد شيخه الباطل بأساليب من المكر والمراوغة، وها هو ذا ينكشف بهذا "الدفاع"، فهو يزعم أن للقرآن بقية، وأن للوحي الإلهي تكملة وأن الأولى أن يعنون بدل التحريف بعنوان "نقص القرآن" أو نزول وحي آخر - ويزعم أن في هذا دفاعاً عن القرآن أمام الأعداء، هذا هو مبلغ دفاعه عن القرآن والإسلام. سبحانك هذا بهتان عظيم، أما مسألة دعواهم نزول وحي آخر فلهم فيها مزاعم كثيرة كما رأينا ذلك في مبحث "دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن".
стр. 402
المحور الخامس:
وهو أنهم يقولون بأن هذا القرآن محفوظ لكن لدينا قرآناً آخر عند إمامنا المنتظر..
وفي كتاب «البيان» للخوئي أن هذا المعنى متفق عليه بينهم (١) وفي كتاب «الإسلام على ضوء التشيع» لمن يلقبونه بالحجة آية الله العظمى الإمام الخراساني.. نجد هذا القول: (نحن معاشر الشيعة نعتقد بأن هذا القرآن الذي بأيدينا الجامع بين الدفتين - كذا يعني المجموع - هو الذي أنزله الله تعالى على قلب خاتم الأنبياء (من غير أن يدخله شيء بالنقص أو بالزيادة، كيف وقد كفّل - كذا - الشارع بنفسه تعالى من كل شين: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (؟.
على أننا معاشر الشيعة "الاثني عشرية" نعترف بأن هناك قرآناً كتبه الإمام علي ﵁ بيده الشريفة، بعد أن فرغ من كفن رسول الله ﷺ وتنفيذ وصاياه، فجاء به إلى المسجد النبوي فنبذه الفاروق عمر بن الخطاب قائلاً للمسلمين: حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن، فرده الإمام علي إلى بيته، ولم يزل كل إمام يحتفظ عليه كوديعة إلهية إلى أن ظل محفوظاً عند الإمام المهدي القائم المنتظر، عجل الله تعالى فرجنا بظهوره) (٢) .
стр. 403
المناقشة:
هذه دعوى "وجود" قرآن آخر غير كتاب الله، وهو وديعة إلهية - كما يدعي - وقد رده عمر.
ما الحاجة لوجود قرآن والله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكن الإسلام ديناً ((١) ؟!.
ولِمَ تبق هذه الوديعة هذه الآماد من السنين عند منتظرهم والناس في حاجة إليها؟
إن مسألة وجود قرآن آخر، ومسألة الطعن في كتاب الله سبحانه هما في كتب الشيعة الأساسية مسألة واحدة وقضية واحدة لا تنفصل إحداهما عن الأخرى. فهم يطعنون في القرآن ويزعمون أن القرآن الكامل عند مهديهم المنتظر، وذلك بعد أن قام عمر برده وقال: لا حاجة لنا فيه. كما في كتابهم «الاحتجاج» للطبرسي وغيره على ما سبق بيانه. فهذا "الشيعي" ومن على منهجه أراد أن يتدرج بالقارئ المسلم لإقناعه بهذه الفرية بإظهاره على أحد وجوهها، ثم هذه الدعوى لا بقاء لمذهبهم إلا بها، لأن دينهم قام على مسألة إمامة الاثني، عشر وهؤلاء ليس لهم ذكر في كتاب الله فاضطروا إلى الالتجاء لهذه المقولة الشنيعة وتخبطوا في ذلك أيما تخبط.
المحور السادس:
إنهم يقولون: كنا نقول بالتحريف ثم عدلنا عن ذلك بعد الدراسة والتمحيص، وهذا الرأي لم أجده إلا في كتاب «الشيعة والسنة
стр. 404
في الميزان» (١) حيث يقول: (الفرق بيننا وبين غيرنا أنا لم نقل بعدم التحريف إلا بعد دراسة وتمحيص، ولذلك وقع بعض علمائنا المتقدمين بالاشتباه فقالوا بالتحريف، ولهم عذرهم كما أن لهم اجتهادهم وإن أخطأوا بالرأي، غير أنا حينما فحصنا ذلك ثبت لنا عدم التحريف فقلنا به وأجمعنا عليه) (٢) .
المناقشة:
هذا رأي انفرد به صاحب الشيعة والسنّة.. وليس له في كتب الشيعة شاهد ولا أثر، ويبدو أنه اضطر إلى القول به لمحاولة الرد على الشواهد الكثيرة التي جاء بها إحسان إلهي ظهير ... وقوله بأنهم رجعوا عن هذا الافتراء بأجمعهم منقوض بصنيع عالمهم المعاصر حسين النوري الطبرسي ـ وهو صاحب أحد مراجعهم في الحديث، وقد ألف كتابه «فصل الخطاب» لإثبات هذه الفرية كما تقدم ـ، وهو منقوض أيضاً بكتاب «تحريف القرآن» لسيدهم راحت حسين المعاصر المولود سنة ١٢٩٧هـ وقد كتبه بالأردية (٣) ، وكذلك «تحريف القرآن» لسيدهم علي نقي ابن السيد أبي الحسن النقوي اللكهنوي - المعاصر - المولود سنة ١٣٢٣ هـ وهو بالأردية أيضاً (٤) ، وهو معارض أيضاً بما قدمناه عن أغابزرك الطهراني والأميني النجفي وغيرهما، ثم لِمَ يقال في "أمر" أجمع عليه
стр. 405
المسلمون - وهو حفظ كتاب الله - أن من خالفهم فيه له عذره واجتهاده؟ وهل هي مسألة اجتهادية، وهل فيها عذر وتأويل سائغ؟!
وإنه ليسر المسلم أن يرجعوا عن هذا المذهب الفاسد.. ولكن لِمَ هذا التعصب الأعمى والزعم بأن الجميع قد رجعوا عن مقالتهم؟ ولِمَ التأول والاعتذار عمن هذا مذهبه ومقاله؟
وعلام تلك الثقة بفئة هذا معتقدها في كتاب الله سبحانه؟ لم لا يكون هناك صدق في القول، ومصارحة بالحقيقة، وتميز في الاعتقاد والقول والعمل؟ وإلا فإن سحابة من الشك ستلون هذا الموقف. وعسى الله سبحانه أن يبصر المخلصين ويهدي الحائرين، ويبيد المنافقين الذين يسعون في الأرض فساداً ويخادعون عباد الله المؤمنين.
إن صدق الموقف في هذه المسألة يقتضي البراءة من معتقديها وكتبهم كالكليني وكتابه «الكافي» ، والمجلسي وكتابه «البحار» ، والقمي وتفسيره، وغيرهم من علمائهم الكبار - عندهم - الذين يأخذون منهم دينهم ويقتدون بهم، ويثقون بكتبهم ويقدسونها.
المحور السابع:
إن القول بالتحريف هو قول طائفة من الشيعة يسمون بالإخباريين أو أهل الحديث، وهم الذين يقبلون كل ما جاء عن طريق "المعصومين" بلا تمحيص أو تمييز، أما الطائفة الأخرى وهم "الأصوليون"، والذين يميزون بين الأحاديث صحة وضعفاً فهم ينكرون التحريف ويؤولون تلك الأخبار أو يردونها.
стр. 406
يقول شيخهم جعفر النجفي (١) : (وصدرت منهم - يعني من الإخباريين - أحكام غريبة، وأقوال منكرة عجيبة، منها قولهم بنقص القرآن مستندين إلى روايات تقضي البديهة بتأويلها وطرحها، وفي بعضها نقص ثلث القرآن أو ربعه ونقص أربعين اسماً من سورة تبت منها أسماء جماعة من المنافقين، وفي ذلك منافاة لبديهة العقل، لأنه لو كان ذلك.. لقامت الحرب على ساق وكان في ابتداء الإسلام من الفتن ما كان في الختام، ثم لو كان حقّاً لتواتر نقله وعرفه جميع الخلق، لأنهم كانوا يضبطون آياته وحروفه وكلماته تمام الضبط، فكيف يغفلون عن مثل ذلك؟، ولعرف بين الكفار وعَدّوه من أعظم معايب الإسلام والمسلمين..) (٢) .
هذا قول كبير شيوخ الشيعة المتأخرين، واحتج بقوله هذا بعض شيوخ الشيعة المعاصرين (٣) .
المناقشة:
هذا "الرأي" قال به بعض علماء الشيعة السابقين وهو السيد "المرتضي" حيث قال: (من خالف في ذلك - أي في حفظ كتاب
стр. 407
الله - من الإمامية ... لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث - من الشيعة - نقلوا أخباراً ضعيفة وظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته) (١) .
ولما قال ابن حزم: إن من قول الإمامية قديماً وحديثاً أن القرآن مبدل ... استثنى السيد المرتضي من هذا القول (٢) .
ويلاحظ أن "المرتضي" حكم على تلك الأخبار بالضعف وعدم القبول، لكن عالم الشيعة المعاصر جعفر النجفي.. سلك في تلك الأخبار مسلك التأويل، فقد قال بعد ذلك الكلام السابق الذي نقلناه: (فلا بد من تنزيل تلك الأخبار إما على النقص من الكلمات المخلوقة (٣) قبل النزول إلى السماء الدنيا أو بعد النزول إليها قبل النزول إلى الأرض، أو على نقص المعنى في تفسيره، والذي يقوي في نظر القاصر التنزيل على أن النقص بعد النزول إلى الأرض فيكون القرآن قسمين: قسم قرأه النبي صلى الله عليه وآله على الناس وكتبوه وظهر بينهم وقام به الإعجاز، وقسم أخفاه ولم يظهر عليه أحد سوى أمير المؤمنين ﵇ ثم منه إلى باقي الأئمة الطاهرين، وهو الآن محفوظ عند صاحب الزمان جعلت فداه) (٤) .
стр. 408
ولا شك أن مسلك المرتضي مسلك سليم إن لم يكن ذلك منه تقية، فقد نقل عنه بعض علماء الشيعة ما يمس كتاب الله - كما مر - والله يتولى السرائر، على أن من الإنصاف أن نقول: إن ذلك الناقل عنه متهم في نقله لأن هدفه إثبات تلك الفرية وهو رافضي لا يعوزه الكذب، أما رأي جعفر النجفي فهو رأي من الخطورة بمكان وهو عين رأي "السبئية" كما نقله عنها "الحسن ابن محمد بن الحنفية" وهو قولهم: (هدينا لوحي ضل عنه الناس، وعلى خفي) ، ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن (١) ، والخطورة الكبرى في هذا الرأي أنه صادر من مرجع من كبار مراجعهم ومن يأخذ برأيه الملايين.
وإذا كان هذا هو رأي أحد كبار علماء الشيعة فكيف يمكن أن نرد مسائل النزاع إلى كتاب الله، وهم يحتجون بنصوص يزعمون أنها من ذلك القرآن المستودع عند علي ﵁ والمكتوم عن الأمة؟!!
وهذه المقولة من كبير من كبار الروافض طعن في كتاب الله، وفي رسوله ﷺ ، وفي علي ﵁، ذلك أنه يترتب على ذلك الرأي أن كتاب الله ناقص، وأن رسول الله ﷺ المأمور بالبلاغ الكامل لأمته قد كتم عن أمته قسماً من الوحي الإلهي.
وهو طعن في علي ﵁ بأن عنده علماً كتمه عن الناس، وتكذيب له ﵁ في نفيه ذلك قاطعاً (٢) .
стр. 409
المحور الثامن والأخير:
هو موقف مرجع الشيعة "الحالي" من هذه القضية:
أكبر مرجع للشيعة في العصر الحاضر هو "الخوئي"، خص هذه المسألة بحديث طويل في كتابه «البيان» وخلاصة رأيه في هذه الفرية ما يلي:
أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف (١) ، لكنه يعترف بوجود روايات التحريف في كتب الشيعة، بل يقطع بصحة بعضها فيقول: (إن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين ﵈، ولا أقل من الاطمئنان بذلك وفيها ما روي بطريق معتبر) (٢) !!
ثم يقسم روايات الشيعة في هذا الباب إلى أقسام:
أولاً: رواياتهم التي تقول بوجود مصحف لعلي غير المصحف الموجود وأنه مشتمل على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي بأيدينا، ويقول إن رواياتهم في هذا كثيرة (٣) ، ويذكر أمثلة لذلك، ومما ذكره ما يروونه عن أبي جعفر أنه قال: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أُنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده ﵈ (٤) .
стр. 410
وكان موقف مرجع الشيعة من هذا النوع من "أساطيرهم" هو: (الاعتراف بوجود هذا المصحف والتصريح بأنه مختلف عن القرآن الموجود في ترتيب السور وفي اشتماله على زيادات ليست في القرآن الذي بين أيدينا) (١) !!
ولكنه يقول: (إنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن وقد أُسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله شرحاً للمراد) (٢) .
ثانياً: رواياتهم التي دلت على التحريف بعنوانه - كما يعبر - وبلغت عندهم - على حسب اعترافه - عشرين رواية، وذكر لذلك عدة أمثلة، منها ما عن الكافي والصدوق بإسنادهما عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى (- وهو في الحبس - كتاباً إلى أن ذكر جوابه "ع" بتمامه وفيه قوله "ع": (أؤتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه) ويجيب شيخ الشيعة عن أمثال هذه "الأكاذيب" بأن الأمة وعلى رأسهم الصحابة - رضوان الله عليهم - قد حملوا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية، ونص كلامه في هذا هو قوله: (فهي ظاهرة الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الآيات على غير معانيها.. ولولا هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة، وحرمة النبي فيهم مرعية، ولما انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي ﵌ فيهم) (٣) .
стр. 411
ثالثاً: رواياتهم التي دلت على أن بعض الآيات المنزلة من القرآن قد ذكرت فيها أسماء الأئمة ﵈ وهي كثيرة كما يقول (١) وذكر لها أمثلة من كتبهم، ومما ذكره رواية العياشي بإسناده من الصادق "ع": (لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا مُسَمّين) (٢) .
وأجاب عن هذه الروايات بأنها من قبيل التفسير للقرآن المنزل من عند الله، وليست من القرآن نفسه، ثم قال: (وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من طرح هذه الروايات) (٣) .
رابعاً: رواياتهم التي دلت على التحريف في القرآن بالنقيصة فقط.. وجوابه عنها.. أنه لا بد من حملها على ما تقدم في معنى الزيادات في مصحف أمير المؤمنين "ع"، وإن لم يمكن الحمل في جملة منها فلا بد من طرحها، ثم ذكر أن لهذه "الروايات" جواباً آخر ذكر في مجلس بحثه، وضن علينا بذكره واعتذر عن ذلك بالإطالة!
وقال بأن كثيراً هذه الروايات بل أكثرها ضعيف السند. ثم نقل عن بعض علمائهم قوله: (إن نقصان الكتاب مما لا أصل له، وإلا لاشتهر وتواتر نظراً إلى العادة في الحوادث العظيمة، وهذا منها لا بل أعظمها) (٤) .
стр. 412
خامساً: أساطيرهم التي دلت على وقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان وأن الأمة بعد النبي ﷺ غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى. وذكر لذلك أمثلة ومما أورده عن العياشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله "ع" عن قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران) قال: هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين فوضعوا اسماً مكان اسم. أي أنهم غيروا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران.
وكان جوابه عن ذلك - أنها مخالفة للكتاب والسنّة، ولإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفاً واحداً حتى من القائلين بالتحريف (١) .
المناقشة:
هذه "المحاولة" هي مجرد غطاء جميل لتحقيق هدف سيء وهو ما نرفضه الرفض كله، لأنها مؤامرة الهدف منها المساس بكتاب الله بطرق خفية ماكرة، ولذا فإنه يكون لزاماً علينا أن نكشف هذه المؤامرة، وأن نبين تلك المنكرات في ذلك الجهد المزعوم. فأول ما ننكره هو ذلك الزعم بأن لعلي قرآناً مشتملاً على زيادات ليست في كتاب الله، وتلك الدعوى الخطيرة التي فسر بها هذه الزيادات وهي أنها تفسير نزل من عند الله سبحانه، هذه دعوى باطلة ويترتب عليها آثار في قمة الخطورة فإذا فقدت المعاني الإلهية للقرآن فما فائدة الألفاظ؟ وإذا تجرأ الصحابة على رد التفسير فكيف
стр. 413
يؤمنون على كتاب الله؟
ولماذا يبقى هذا التفسير عند منتظرهم والأمة في حاجة إليه؟. كما ننكر "قولته الشنيعة" بأن الصحابة انحرفوا في تأويل القرآن وفسروه بغير معانيه الحقيقية، وإذا كان تفسير الصحابة هو المنحرف فهل ذلك التفسير الباطني لكتاب الله والمنتشر في كتبهم الأساسية هو المعتدل؟!
ثم إن القارئ ليعجب حينما يجد هذا "الخوئي" يناقض نفسه بنفسه، فنراه يذهب إلى توثيق وتصحيح أسانيد وروايات تفسير شيخهم إبراهيم القمي - شيخ الكليني - كما مر (١) ـ وفيها روايات كثيرة في الطعن في كتاب الله سبحانه ـ مع أنه هنا ينكر التحريف ويحكم بطرح ما لا يمكن تأويله من رواياته فكيف نفسر هذا "التناقض"؟.
ومرجع الشيعة ـ وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن وينكر فرية التحريف ـ له "كلمات" و"دعاوى" غريبة تجعل القارئ يتشكك في صدقه في الدفاع، فمن تلك الدعاوى قوله:
(إن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة عند علماء أهل السنّة يستلزم - في زعمه - اشتهار القول بالتحريف) (٢) وقال: (إن الالتزام بصحة هذه الروايات - يعني روايات نسخ التلاوة - التزام بوقوع التحريف في القرآن) (٣) وقال: (.. فيمكن أن يدعي أن القول بالتحريف هو
стр. 414
مذهب أكثر علماء أهل السنّة لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة) (١) .
وهذه "الدعوى" من مرجع الشيعة هي إحدى "حجج" الذين يطعنون في كتاب الله (٢) ، وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن وحجتهم واهية، فالنسخ - كما سبق - ورد وقوعه بروايات صحيحة، والفرق واضح بين النسخ والتحريف، فالتحريف من صنع البشر، وقد ذم الله فاعله، والنسخ من الله (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها.. ((٣) وهو لا يستلزم مس كتاب الله سبحانه بأي حال، والشيعة يقرون به كما سبق نقل ذلك عن شيخهم الطبرسي (٤) وكذلك أقر به شيخهم "المرتضي"، لكن هذا الرجل فيما يظهر من فلتات قلمه يحاول أن يتدسس بهذه العقيدة "الخبيثة الملحدة" إلى المسلمين تحت غطاء الدفاع عن القرآن، ولهذا يلاحظ أن شيخ الشيعة "المرتضي" لما كان ينكر التحريف - وهو الذي استثناه ابن حزم من جمهور الإمامية القائلين بهذه الفرية - رأيناه يقر بنسخ التلاوة، ففي كتابه «الذريعة» قال: (فصل في جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دونه) (٥) ثم تكلم عن ذلك.
٢- في انحرافهم في تفسير القرآن:
مر بنا في بيان أسس الخلاف بين السنّة والشيعة تصوير لما عليه الشيعة
من تعسف ظاهر، وشطط بالغ في تأويل آيات القرآن (٦) .
стр. 415
ولا شك أن ذلك "التأويل" الذي سلكوه في تفسير كتاب الله عقبة في طريق التفاهم والوصول إلى لقاء؛ إذ كيف يمكن أن نرد "النزاع" إلى كتاب الله وهم جعلوا من تأويلهم له كتاباً آخر غير ما في أيدي المسلمين؟!! فماذا يقول دعاة التقارب والمدافعون عن التشيع في ذلك؟
إليك آراء بعض علمائهم المعاصرين في هذا الأمر:
(أ) رأي مرجع الشيعة «الخوئي» :
يعقد الخوئي في كتابه «البيان في تفسير القرآن» مبحثاً عنوانه: (حجية ظواهر القرآن) (١) يؤكد فيه على أنه لا بد من العمل بظواهر القرآن، فهل معنى هذا أن "الخوئي" يرفض ذلك التفسير الباطني الموجود في أكثر كتب التفسير عندهم؟. إنا نراه وهو يدّعي هذا القول يذهب إلى توثيق أسانيد القمي في تفسيره وصحة أحاديثه (٢) ، وتفسير القمي قد بلغ الغاية في التأويلات الباطنية لآيات القرآن، وليس ذلك فحسب بل إنه ذهب إلى حمل ما ورد من "طرقهم" من روايات تقول بأن الصحابة حرفوا كتاب الله على أن المراد بها أن الصحابة قد فسروا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية (٣) ، وكان الأحرى به لو كان صادقاً في الدفاع عن "قدسية القرآن" أن يرد تلك الروايات لا أن يحملها هذا المحمل الذي يكرس به ذلك التفسير الباطني في كتبهم، ويلغي به هداية القرآن بين شيعته.
стр. 416
ولعل القارئ يتساءل كيف يطعن الخوئي في تفسير الصحابة لكتاب الله ويوثق روايات القمي، وهو يزعم أنه يعمل بالظواهر؟ وجواب هذا التساؤل عند أصحاب التقية.
ثم إن هذا "الخوئي" وقف من رواياتهم التي تسند علم هذا القرآن إلى أئمتهم الاثني عشر موقف الموافقة في الغالب، وإليك بعض هذه الروايات وموقف الخوئي منها:
يزعمون - في حديث لهم - أن أبا عبد الله قال لأبي حنيفة:
أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم، قال: فبأي شيء تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنّة نبيه، قال "ع": يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: نعم، قال "ع": يا أبا حنيفة لقد ادعيت علماً - ويلك - ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أُنزل عليهم! ويلك ما هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا ﵌ وما ورثك الله تعالى من كتابه حرفاً (١) .
وفي رواية زيد الشحام، قال: دخل قتادة على أبي جعفر "ع" فقال له: أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال "ع": بلغني أنك تفسر القرآن، قال: نعم، إلى أن قال: يا قتادة إن كنت قد فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، يا قتادة - ويحك - إنما يعرف القرآن من خوطب به (٢) .
стр. 417
وكان جواب الخوئي عن الرواية الأولى: (أنهم هم المخصصون بعلم القرآن - يعني الأئمة - على واقعه وحقيقته، وليس لغيرهم في ذلك نصيب) (١) !! وقال عن الثانية - رواية زيد الشحام -: (وأما الرواية الثانية فقد تضمنت لفظ التفسير وهو بمعنى كشف القناع، فلا يشمل الأخذ بظاهر اللفظ لأنه غير مستور ليكشف عنه القناع) (٢) ، ويتبين واضحاً من توجيه الخوئي للرواية الأخيرة حقيقة مذهبه في حجية الظواهر، فهو يرى أن في القرآن ما يحتاج إلى تفسير وهذا من خصوصيات الأئمة فلا يدخل في قوله: (بالعمل بظواهر القرآن لكل أحد) ، وهناك نوع آخر هو الذي لا يحتاج إلى تفسير، وهو ما يعبر عنه الخوئي بغير المستور فلا يختص به الأئمة، وهذا هو الظاهر عنده الذي لا يحتاج إلى تفسير باطني من عند الأئمة، ولهذا قال "الخوئي" معقباً على روايتهم الأولى: (وإلا فكيف يعقل أن أبا حنيفة لا يعرف شيئاً من كتاب الله حتى مثل قوله تعالى: (قل هو الله أحد (، وأمثال هذه الآية مما يكون صريحاً في معناه؟) (٣) .
ومعنى هذا أن رأيه في حجية الظواهر لا يخالف موافقته على التفسير الباطني. وما ندري ما هي تلك الآيات الظاهرة التي لا تحتاج إلى تفسير، والآيات غير الظاهرة التي تحتاج إلى تفسير باطني من عند الأئمة؟!
стр. 418
(ب) رأي آيتهم العظمى «عبد الحسين شرف الدين الموسوي» (١) :
لما قال موسى جار الله: (في كتب الشيعة أبواب في آيات وسور نزلت في الأئمة والشيعة، وفي آيات وسور نزلت في كفر أبي بكر وعمر وكفر من اتبعهما والآيات تزيد على المئة بل فيها سور مستقلة.. يذكر كل ذلك أكبر إمام للشيعة في أقدس كتبها في أصول الكافي) (٢) .
أجابه هذا "الموسوي" بقوله:
(أما ما نزل في فضل الأئمة من أهل البيت وشيعتهم فمسلم بحكم الضرورة من علم التفسير المأثور من السنن وبحكم ما ثبت في السنّة المقدسة من أسباب النزول، وأما نزول شيء من القرآن في كفر فلان وفلان فإنه مما نبرأ إلى الله منه والبلاء فيه، إنما جاء من بعض غلاة المفوضة (٣) . وربما كان في كتبهم فرآه هذا الرجل فرمى البريء بحجر المسيء شأن الجهال بحقائق الأحوال) (٤) .
المناقشة:
يلاحظ القارئ أن عبد الحسين، يعترف بوجود ذلك التأويل
стр. 419
المتعسف لكثير من آيات القرآن بالأئمة عندهم، بل يرى أن هذا مسلم عندهم بحكم الضرورة، مع أنه تأويل باطني لا تربطه بالآيات أدنى رابطة كما سبق التمثيل لذلك (١) .
وليس غريباً إقراره بذلك، فقد خرج علينا في كتابه «المراجعات» بتأويلات في غاية الغرابة لآيات من القرآن فسرها بالأئمة الاثني عشر، مع أنها لا تحمل أية دلالة على ذلك التأويل الذي فسرها عليه، كما سيأتي بعد قليل، ولكن الغريب أن ينكر هذا الموسوي حقيقة قائمة، وواقعاً ملموساً في كتب الشيعة، يتمثل في عشرات من الروايات تفسر آيات الكفر والكفار بالشيخين ﵄ كما سلف نقل ذلك من أُمّات كتبهم المعتمدة، ويأتي هذا الموسوي ليخدع الناس، وينكر ما هو واقع، ويلصق ذلك بالمفوضة الذين لم يقل الكاتبون من الشيعة عنهم أن من مذهبهم تفسير آيات الكفار بالشيخين مطلقاً (٢) ، ثم إن فرقة المفوضة اندثرت ولا توجد باعتراف شيخ الشيعة محمد حسين آل كاشف الغطا (٣) ، فكيف يقول هذا الموسوي أن موسى جار الله ربما رأى ذلك في كتب المفوضة؟.
ثم إن «الكافي» ، و «البحار» ، و «تفسير القمي» ، والعياشي، والصافي وغيرها منتشر فيها ذلك التأويل، وهي كتب الاثني عشرية بلا إشكال، بل هي المعتمدة عندهم.
стр. 420
ثم إن تفسير آيات الإيمان والمؤمنين.. بالأئمة وتفسير آيات الكفر والكافرين بالشيخين وأتباعهما. قضية واحدة، وكفتا ميزان لا تنفصلان في كتب الاثني عشرية بدليل أحاديثهم وأبوابهم التي ذكروها في هذا الباب، مثل:
باب: (في تأويل المؤمنين والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم عليهم الصلاة والسلام، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم) وفيه مائة حديث (١) .
باب: (أنهم الأبرار والمتقون والسابقون والمقربون وشيعتهم أصحاب اليمين وأعداؤهم الفجار والأشرار وأصحاب الشمال) وفيه خمسة وثلاثون حديثاً (٢) .
باب: (أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن) (٣) ، وأعداؤهم هم الشيخان ومن اتبعهم كما يتبين من خلال الأحاديث المذكورة في هذه الأبواب وقد مر ذكر بعضها (٤) .
أما لماذا فصل بينهما هذا الموسوي؟ فالجواب على ذلك أن الثناء على الشيخين محل إجماع المسلمين وتكفيرهم كفر، وما كان محل إجماع المسلمين تجري فيه التقية عندهم كما قال الطوسي، وأما تأويل آيات القرآن بالأئمة فهذا مسلك يدخله تحت غطاء
стр. 421
"فضل أهل البيت" فلا يلزم استخدام التقية، لأن فضل أهل البيت محل اتفاق المسلمين، ولو قال هذا الموسوي إنني لا أقول بذلك التأويل، أو أن بعض الشيعة يرفض هذه الروايات لكان له وجه، أما أن ينكر واقعاً قائماً في كتبهم فهذا هو عين التقية (١) ، ولنا أن نسأل آيتهم العظمى عبد الحسين هل يعتبر الكليني الذي أخرج روايات كثيرة في تأويل آيات الكفر والكفار بالشيخين ﵄ مع أنه التزم الصحة في كل ما يرويه - هل يعتبره من غلاة المفوضة؟، إن كان ذلك كذلك فهذا موقف يستحق الإشادة والتقدير، وكذلك ينسحب هذا الحكم في كل من روى ذلك اللون من التفسير كالقمي، والكاشاني، والبحراني، والملجسي وأضرابهم. ومعنى ذلك أن الشيعة يتلقون دينهم من غلاة المفوضة.
(ج) رأي صاحب كتاب «أضواء على خطوط محب الدين الخطيب» (٢) :
حينما قال محب الدين الخطيب مشيراً إلى انحراف الشيعة عن جمهور المسلمين في مصادر التلقي: (وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع لنا ولهم على التقارب نحو الوحدة، فإن أصول الدين عندهم قائمة من جذورها على تأويل آياته وصرف
стр. 422
معانيها إلى غير ما فهمه منها الصحابة عن النبي ﷺ ، وإلى غير ما فهمه منها أئمة الإسلام عن الجيل الذي نزل عليه القرآن) (١) ، أجاب صاحب «الأضواء» على ذلك بقوله: (إن الشيعة ترى من الكيد للإسلام أن يأخذوا تفسيرهم للقرآن عمن تقصدهم وتعنيهم بالذات أمثال أبي هريرة وسمرة ابن جندب.. وأنس بن مالك وغيرهم ممن أتقنوا صناعة التلفيق والدس والكذب والافتراء) (٢) .
التعليق:
هذا الجواب ينسبه المؤلف للشيعة جميعاً فيقول: (إن الشيعة.. إلخ) فهو ليس من عنديّاته، فإذا كانت الشيعة تعتقد أن تلقي الدين عن طريق الصحابة هو من الكيد للإسلام، فلهم دينهم ولنا ديننا، لأن هذا القول إبطال لتواتر الشريعة، وطعن في الإسلام، وكيد للمسلمين، وهو لا يحتاج إلى مناقشة. وهناك أقوال وآراء أخرى لا تخرج عما ذكرنا (٣) نغض الطرف عن ذكرها.
стр. 423
أمثلة من تأويلات علمائهم المعاصرين لكتاب الله:
(٢) يقول آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في «مراجعاته» التي حاول بها - كما زعم - إقناع شيخ الأزهر بالتشيع للاثني عشر (١) يقول - مفسراً آيات من كتاب الله بأئمته ومحتجاً بها على لزوم التشيع لهم -:
(أليسوا حبل الله الذي قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢) والصادقين الذين قال: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (٣) وصراط الله الذي قال: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) (٤) وسبيله الذي قال: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (٥) وأولي الأمر الذين قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
стр. 424
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (١) وأهل الذكر الذين قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٢) والمؤمنين الذين قال: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) (٣) .
والهداة الذين قال: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (٤) . ألم يجعل المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحاً مشروطة بالاهتداء إلى ولايتهم إذ يقول: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (٥) أليست هي - يعني ولايتهم - النعيم الذي قال الله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) ؟ (٦) وسيسأل الناس عن ولايتهم يوم يبعثون، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (٧) ، ولا غرو فإن ولايتهم لمما بعث الله به الأنبياء وأقام عليه الحجج والأوصياء كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) (٨) ، بل هي مما أخذ الله به العهد من عهد ألست بربكم كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي
стр. 425
آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (١) .
(وتلقى آدم من ربه كلمات) التوسل بهم فتاب عليه (٢) .. فهم الناس المحسودون الذين قال الله فيهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (٣) وهم الراسخون في العلم الذين قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) (٤) .
وهم رجال الأعراف الذين قال: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم) (٥) ورجال الصدق الذين قال: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (٦) ورجال التسبيح الذين قال الله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (٧) .