وغيرها من كتب تطعن في دين الأمة وتاريخها ورجالها وتسير على منهج المبشرين والمستشرقين، بل تقدم لهؤلاء مادة ضخمة عمادها الكذب والافتراء ليستعينوا بها على طعنهم في إسلامنا وقرآننا وسنّة نبينا وتاريخ أمتنا!!
وقد قامت في هذا العصر حركة نشطة لبعث التراث الشيعي القديم وتعريف الناس به وترويجه بينهم، وهذا التراث مليء باللعن والتكفير والتخليد بالنار لرجال الصدر الأول للإسلام، وفي مقدمتهم الخلفاء الثلاثة وبعض أمهات المؤمنين ومن معهم من المهاجرين والأنصار ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه بنص القرآن.
وحركة النشر هذه قام بها علماء من أشهر مجتهدي الشيعة في هذا العصر وعلى كثير من هذه الكتب تصحيحاتهم وتعليقاتهم وتقريضاتهم، ومع هذا لم نر اعتراضاً ولا انتقاداً لما في هذه الكتب من أحد منهم، أليس في ذلك إقرارٌ من هؤلاء لما فيها من كفر وضلال؟!
وكتبهم الأساسية التي يعتبرونها مصادر في التلقي إلى اليوم تكفر المسلمين، وعلى رأسهم خيار صحابة رسول الله مثل «الكافي» و «البحار» وغيرها.
وكتب الأدعية المعتمدة عندهم والتي يدعون بها إلى اليوم تتضمن لعن وتكفير الخلفاء الثلاثة وبعض أمهات المؤمنين وخيار الأصحاب من المهاجرين والأنصار، مثل «مفاتيح الجنان» الذي جمعه من أمهات كتبهم المعتمدة شيخهم "عباس القمي" وكتاب «ضياء الصالحين» والذي جمعه شيخهم "محمد الجوهري"، وفي صفحات «الوافي» ، و «البحار» في أبواب الزيارات أدعية كثيرة تتضمن لعن
стр. 492
وتكفير خيار صحابة رسول الله ﷺ وتدعو بها الشيعة إلى اليوم.
ونعود إلى مناقشة الذين يقولون بأن الشيعة لا تسب بشكل مباشر - ونقول: ألا يعلم أحمد مغنية أن عمر بن الخطاب لا عمر بن سعد قد تعرض لأشد أنواع السب والتجريح في كتب الشيعة المعتمدة، أليس في «الكافي» أن المراد بقوله تعالى: (ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا.. (قال: هما، وبيّن شيخهم المجلسي (أن الإشارة في "هما" ترجع إلى الشيخين في اعتقادهم) (١) ، ألم يرد في «الكافي» حديثان في باب واحد يقولان (بأن من زعم للشيخين الإسلام لا يكلمه الله ولا يزكيه وله عذاب أليم) ؟ (٢) فهذا تكفير لمن حكم بإسلامهما، فأحمد مغنية في نصوص «الكافي» الكاذبة كافر لأنه حكم لعمر بالتقوى. لم التستر على الباطل؟ إلا إذا كان أحمد مغنية لم يطلع على «الكافي» !.
وأما الرفاعي الذي يقول بأن من ينسب إلى الشيعة عدم تقدير الصحابة هو خصم سيء النية، أو لم يطلع على كتبهم. فالذي نسب إلى الشيعة هذا المذهب هو كتبهم وليس خصماً سيء النية أو جاهلاً بما في كتبهم، والرفاعي نفسه رجع إلى «البحار» في كتيبه الذي ينفي فيه هذا القول عن الشيعة (٣) ، و «البحار» حوى عشرات الروايات والأقوال التي تكفر أولئك الرواد العظام، فلم هذا التجاهل؟.
стр. 493
ومن الغريب أن هذا الرفاعي قد سب خيار صحابة رسول الله ﷺ في تعليقه على رسالة لـ"محمد باقر الصدر"، فهو في هذا من الذين يقولون ما لا يفعلون كما هو من الذين ينكرون ما يعرفون، فيتهم عمر (بالتآمر وأنه أول من قال بالرجعة من المسلمين (١) ، وقال عن أبي بكر وعمر وأبي عبيدة أنهم بمقتضى هذه الحجج التي حاجوا بها الأنصار قد أدخلوا أنفسهم فيما حكموا به على من ينازع في الحق أهله ويخاصمهم فيه؛ من أنه يكون ظالماً ومدلياً بباطل، ومتجانفاً لإثم ومتورطاً في هلكة (٢) . وراح هذا "الرفاعي" ينشر رسالة باقر الصدر التي سماها: «التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية» ، وهذه الرسالة محاولة يائسة وعاجزة لإثبات أصالة الرفض، وأن الصحابة ليسوا أهلاً لحمل الرسالة والشريعة، وإنما الجدير بحملها هو علي وحده، وهذا طعن في الصحابة، وفي السنّة، وفي تواتر هذا الدين. وهذا الرفاعي ينشر هذا الباطل ويتحفه بتفريظه وتأييده، ويقول في كتيب آخر: إن الإمامية يقدرون الصحابة. فأي تقدير هذا إلا إن كان يريد أن تقدير الإمامية للصحابة هو السب واللعن والتكفير..؟!
وكذلك الخنيزي يقع في هذا التناقض ويطعن في الصديق ((٣) ، بل يزعم أن ما ورد في «الكافي» عندهم من الطعن في الصحابة وتكفيرهم يوجد مثله في «صحيح البخاري» (٤) ، وهي
стр. 494
دعوى لا حقيقة لها، ولو كان في «صحيح البخاري» مثل ما يوجد في «الكافي» لكان في السنّة من هو كالشيعة يطعن ويكفر، ولكن الرجل يريد إثبات معتقده الباطل بأية وسيلة.
وأما محمد جواد مغنية - الذي ينفي أن يكون الشيعة ينتقصون من مقام الصحابة - فهو الذي يقول في كتابه «في ظلال نهج البلاغة» عن الخليفة الثالث ذي النورين - صاحب الجود والحياء، وصهر النبي ﷺ في ابنتيه، ومجهز جيش العسرة وصاحب الهجرتين.. والمبشر بالجنة من رسول الله ﷺ ـ يقول هذا الرافضي فيه: (إن عثمان انحرف عن سنّة الرسول وخالف شريعة الإسلام، واستأثر هو وذووه بأموال المسلمين فامتلكوا بها القصور والمزارع والرياش والخيول والعبيد والإماء ومن حولهم ملايين الجياع والمعدمين) (١) .
ويقول: (كان الزبير وطلحة وعائشة وراء ما حدث لعثمان وعليهم تقع التبعة في دمه..) (٢) ويتهم عمر ﵁ وأهل الشورى - الذين فوض لهم عمر اختيار خليفة من بعده - يتهم الجميع بالخيانة والتآمر (٣) . فأي احترام لمقام الصحابة وهذا الكلام الحاقد يوجه لخيارهم؟، وأي إيذاء لرسول الله ﷺ أشد من هذا الإيذاء الذي يوجه له بسب بعض زوجاته، وأصهاره وخيار أصحابه؟.
لماذا هذا التناقض من هؤلاء الروافض؟.
стр. 495
هل هذا تقية؟ والتقية عندهم تسعة أعشار الدين.
أم هي مؤامرة للدعاية للشيعة والتشيع؟.
وقد تكون الكل، لكن نحب قبل أن نرفع القلم عن الحديث في هذا المبحث أن نكشف حقيقة هامة يدين بها الروافض في "معتقدهم في الصحابة" وهي:
أن هؤلاء الروافض كما يزعمون أنهم يوالون أهل البيت، ويعنون بهم أئمتهم الاثني عشر فكذلك يزعمون أنهم يوالون الصحابة، ويعنون بهم الثلاثة أو الأربعة أو السبعة الذين لم يرتدوا في عقيدتهم. والذي لا يعرف هذه الحقيقة ينخدع بكلامهم في هذا الباب، ولا يتصور أن للصحابة عندهم تفسيراً خاصاً بهم لا يدخل فيه إلا بضعة منهم.
وهناك تفسير آخر لهم في الصحابة جاء بيانه في بعض رواياتهم، تقول روايتهم ـ بعد ثناء على الصحابة وأمر بالرجوع لأقوالهم وإجماعهم - فقيل: يا رسول الله، ومن أصحابك؟ قال: أهل بيتي (١) . فهم يفسرون الصحابة بأهل البيت.
ثم هناك مسلك آخر يسلكونه في الثناء على الصحابة أشار إليه شيخهم الطوسي، يقول الطوسي بعد أن سب عائشة أم المؤمنين ﵂: (فإن قيل: أليس قد روي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر أن سائلاً سأله عن عائشة وعن مسيرها في تلك الحرب، فاستغفر لها، وقال له "الراوي": تستغفر لها وتتولاها؟ فقال: نعم؟: أما علمت ما كانت تقول؟: يا ليتني كنت شجرة، ليتني كنت مدرة) . قال الطوسي: (لا حجة في ذلك على مذاهبنا لأنا نجيز عليه ـ صلوات الله عليه ـ التورية،
стр. 496
ويجوز أن يكون السائل من أهل العداوة واتقاه بهذا القول وروى فيه تورية يخرجه من أن يكون كذباً، وبعد فإنه علق توبتها بتمنيها أن تكون شجرة ومدرة، وقد بينا أن ذلك لا يكون توبة وهو (بهذا أعلم) (١) .
إن على الذين يقولون بتقدير الشيعة للصحابة أن يعلنوا خطأ هذه المسالك وعدم صحتها، وأن يعترفوا ببطلان تلك الروايات السوداء، وأن يصدقوا وألا يتناقضوا، حتى يقبل منهم موقفهم، ثم لِمَ يذهبون للرد على أهل السنّة إذا قالوا: إن مذهب الشيعة الطعن في الصحابة وتكفيرهم، ولا يردون على أنفسهم وعلى كتبهم وعلى مشايخهم المعاصرين الذين لا يزالون يهذون في هذا الضلال؟، كما بينا ذلك فيما سبق. فأي فائدة اليوم في اللعن والطعن والتكفير؟ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٢) ، ولا هدف إلا الطعن في القرآن والسنّة، والدين بعامة، وماذا يبقى من أمجادنا وتاريخنا إذا كان أولئك السادة القادة، الأتقياء الأصفياء الأوفياء الرواد الذين نشروا الدين وأرسوا دعائم الدولة، وفتحوا البلاد، وأرشدوا العباد، إذا كان هؤلاء الرواد الأوائل لكل معالم الخير والعدل والفضائل يستحقون اللعن من أحفادهم، وتشويه تاريخهم، وهم الذين اثني الله عليهم ورسوله وسجل التاريخ الصادق مفاخرهم بمداد من نور؟ فمن الذي يستحق الثناء والمديح، إذا كان أولئك كذلك؟.
стр. 497
١٢- في التقية:
ماذا يقول دعاة التقارب في التقية التي هي من أول موانع التجاوب المخلص بينهم وبين السنة؟ يقول «محمد جواد مغنية» : (إن التقية كانت عند الشيعة حيث كان العهد البائد عهد الضغط والطغيان، أما اليوم حيث لا تعرض للظلم في الجهر بالتشيع، فقد أصبحت التقية في خبر كان) (١) .
ويقول: (قال لي بعض أساتذة الفلسفة في مصر.. أنتم الشيعة تقولون بالتقية.. فقلت له: لعن الله من أحوجنا إليها، اذهب الآن إن شئت إلى بلاد الشيعة فلا تجد للتقية عندهم عيناً ولا أثراً، ولو كان ديناً ومذهباً في كل حال لحافظوا عليها محافظتهم على تعاليم الدين ومبادئ الشريعة) (٢) .
وكذلك يقول مجموعة من أعلام الشيعة ومراجعهم: إن التقية عند الشيعة لا تستعمل إلا في حال الاضطرار الشرعي وذلك عند الخوف على النفس أو المال أو العرض، وإنما تميز الشيعة بهذا الاعتقاد لكثرة وقوع الظلم عليهم (٣) .
стр. 498
مناقشة هذا الرأي:
سنناقش هذا الرأي في النقاط التالية:
أولاً: أن الخطورة الكبرى في اعتقاد الشيعة بالتقية ـ والتي قد لا يفطن لها من ليس على صلة بكتب الشيعة أو له صلة بكتب "الدعاية" للتشيع فقط، ولا يرجع لكتبهم المعتمدة عندهم إن الخطورة تتمثل في أن معتقد التقية عندهم قد عطل تعطيلاً تاماً إمكانية استفادة الشيعة مما في كتبهم الأساسية من نصوص توافق ما عند المسلمين، وتخالف ما شذوا به من عقائد وآراء. ذلك أن من قواعدهم الأصولية والتي قررتها كتبهم القديمة (١) ، وقررتها كتبهم الحديثة أيضاً (٢) الأخذ بما خالف العامة - أهل السنّة - عند اختلاف الأحاديث في كتبهم. بحجة أن الأحاديث التي توافق ما عند أهل السنّة محمولة على التقية.
وإذا لاحظنا أن أحاديثهم متناقضة ومتضادة ويوجد فيها غالباً في مختلف أبواب العقائد والأحكام ما يوافق ما عند المسلمين أدركنا خطورة معتقد التقية عندهم، وآثاره السيئة في إبقاء الخلاف بينهم وبين المسلمين. وقد اعترف شيخهم "الطوسي" بهذا التناقض فقال: (ذاكرني بعض الأصدقاء.. بأحاديث أصحابنا وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يوجد خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا وتطرقوا بذلك إلى
стр. 499
إبطال معتقدنا) ، ثم ذكر (أن هذا الاختلاف كان سبب رجوع الكثير عن التشيع، وقال: إن منهم أبا الحسن الهاروني العلوي كان يدين بالإمامة فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب ودان بغيره) (١) .
هذا ما يقوله شيخهم "الطوسي"، ولم يجد ما ينقذه وشيعته من هذا "التناقض" إلا القول في كل ما يوافق جمهور المسلمين ويخالف شذوذهم بأن ذلك ورد على سبيل التقية (٢) ، كما قام بحمل رواياتهم التي في سندها رجال من أهل السنّة أو الزيدية على التقية، فكانت التقية حيلة لرد السنن الثابتة (٣) .
وكما عطل معتقد التقية الاستفادة من الأحاديث التي في كتبهم وهي موافقة لما عند المسلمين ومخالفة لشذوذهم، كذلك عطل هذا الاعتقاد استفادة الشيعة أنفسهم من كل صوت معتدل ينشأ بينهم. فمثلاً حينما أنكر شيوخهم "المرتضي، والصدوق، والطبرسي" فرية الطعن في كتاب الله بالقول بتحريفه ونفوا عن مذهب الشيعة هذه المقولة، قال شيخهم نعمة الله الجزائري ـ الموصوف عندهم بـ"السيد السند والركن والمعتمد إلخ" - قال بأن هذا "الإنكار" هو من باب التقية - كما مر - (٤) .
وقالوا عن تفسير «التبيان» للطوسي: إنه موضوع على أسلوب التقية (٥) . فهل يقال بعد هذا إن عهد التقية انتهى، وأثرها السام
стр. 500
لا يزال يسري في نصوص الشيعة المعتدلة ليزهق روحها؟.
ثانياً: أن هؤلاء الذين يقولون بأنه لا تقية اليوم عند الشيعة هم الذين تقول كتبهم المعتمدة بأن عهد الخلفاء الثلاثة، وعصر الإسلام الذهبي، هو عهد تقية، فهل هذا العصر أفضل من عصر الخلافة الراشدة؟!!
يقول شيخهم المفيد: (وكانت إمامة أمير المؤمنين بعد النبي ﵌ ثلاثين سنة منها أربع وعشرون سنة وستة أشهر - أي في عهد الخلفاء الثلاثة قبل أن يلي الخلافة - ممنوعاً من التصرف في أحكامها مستعملاً للتقية والمداراة.. كما كان رسول الله ﵌ ثلاث عشرة سنة من نبوته ممنوعاً من أحكامها خائفاً ومحبوساً وهارباً) (١) ، بل إن شيخهم نعمة الله الجزائري يعتبر عهد الخلافة الفعلي لعلي عهد تقية ومدارة. يقول: (ولما جلس أمير المؤمنين ﵇ أي على كرسي الخلافة - لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن (٢) ، وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء متعة النساء، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء ومعاوية عن الإمارة) (٣) .
فكيف يعتبر عهد الخلافة الراشدة عهد تقية، وتصرف الوقائع التي تثبت مذهب علي الحقيقي عن مدلولها بدعوى التقية؟، ويقال بعد
стр. 501
ذلك إن التقية عندهم تستعمل في حال الضرورة، فأي ضرورة للعمل بالتقية في عز الإسلام والمسلمين؟.
ثالثاً: هناك شواهد كثيرة تفيد أن التقية عندهم ليست هي التقية الشرعية المنوطة بالضرورة، بل هي الكذب والخداع، وتحليل الحرام وتحريم الحلال وتغيير شرع الله، فمن ذلك أنهم نسبوا إلى رسول الله ﷺ العمل بالتقية بلا ضرورة حيث قالوا عن أبي عبد الله "ع" قال: لما مات عبد الله بن أبي سلول حضر النبي جنازته، فقال عمر لرسول الله ﷺ : ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فسكت فقال: يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فقال له: ويلك ما يدريك ما قلت، إني قلت: اللهم احش جوفه ناراً واملأ قبره ناراً وأصله ناراً، قال أبو عبد الله: فبدا من رسول الله ما كان يكره) (١) .
فانظر إلى هذا الافتراء على رسول الله ﷺ ونسبتهم إليه أنه يخادع أصحابه فيدعو على منافق وهم يظنونه يترحم عليه، فيقتدون به، ثم أي ضرورة تضطر رسول الله ﷺ للصلاة على هذا المنافق في قوة الإسلام وسطوته، وما نافق عبد الله بن أبي إلا رهبة من سلطان الإسلام؟.
فهل هذا النص يفيد أن العمل بالتقية في حال الضرورة؟!! ومما يدل صراحة على أن التقية ليست إلا الكذب الصريح بلا مسوغ ما رواه شيخهم الكليني عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبد الله ("جعفر الصادق" وعنده أبو حنيفة فقلت له:
стр. 502
جعلت فداك، رأيت رؤيا عجيبة، فقال لي: يا ابن مسلم هاتها إن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، فعرض الراوي الرؤيا على أبي حنيفة فأجابه أبو حنيفة عليها - كما يزعمون - فقال أبو عبد الله (: أصبت والله يا أبا حنيفة. قال "الراوي": ثم خرج أبو حنيفة من عنده فقلت له: جعلت فداك، إني كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا ابن مسلم لا يسوءك الله، فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا، ولا تعبيرنا تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك، فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطئ؟ قال: نعم، حلفت عليه أنه أصاب الخطأ (١) .
فهل استعمال التقية في هذا النص له مسوغ؟ هل أبو حنيفة ذو سلطة وقوة حتى يخشى منه ويتقي؟ وهل من ضرورة لمدحه والقسم على صواب إجابته؟ ثم لما خرج يحكم عليه بالنصب ويخطئ جوابه، هل لهذا تفسير غير أنه الخداع والكذب بلا مسوغ؟ ونحن نبرئ جعفر الصادق من هذا الافتراء ونقول: إن هذا سبٌّ وطعنٌ في جعفر ممن يزعم التشيع له ومحبته..
ثم إنهم هم يجيزون تأويل كتاب الله على غير تأويله باسم التقية بلا موجب. روى الكليني عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله "ع" فسأله رجل عن آية من كتاب الله (فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كأن قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهه وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله، فبينما أنا كذلك إذ دخل
стр. 503
عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي فعلمت أن ذلك منه تقية (١) .
ويزعمون أن التقية تبيح لأئمتهم تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ ففي «الكافي» عن أبان من تغلب قال: (سمعت أبا عبد الله يقول: كان أبي "محمد الباقر" (يفتي في زمن بني أمية أن ما قتل البازي والصقر فهو حلال وكان يتقيهم، وأنا لا أتقيهم وهو حرام ما قتل) (٢) .
وتقول رواياتهم إنهم يمارسون التقية عن حب ورغبة، لا عن خوف ورهبة وضرورة قالوا: (.. قال أبو عبد الله "ع": سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إليّ من التقية..) (٣) ، وقال: (وأي شيء أقر لعيني من التقية؟) (٤) ، ويقولون: (إن التقية هي الطريق الوحيد لعبادة الله (.. أبى الله إلا أن يعبد سراً) (٥) وأبى الله (لنا ولكم في دينه إلا التقية. ويقولون: (ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء والخبء هو التقية) (٦) .
رابعاً: يلاحظ أن التقية يعمل بها أئمة الشيعة مع الشيعة أنفسهم، أي أنهم يفتونهم بالتقية في مجلس لا يوجد به سنّي يتقونه وليس هناك أدنى مسوغ لها، ومن ذلك ما في «أصول الكافي» عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر "ع" قال: (سألته عن مسألة فأجابني ثم جاءه رجل
стр. 504
فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاءه رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني، وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة إن هذا خير لنا، وأبقى لنا ولكن ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.
قال: ثم قلت لأبي عبد الله "ع": شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب أبيه) (١) .
خامساً: (أن قول مغنية: انتهى عهد التقية اليوم عند الشيعة إنما هو تقية على التقية) (٢) كما يقول الأستاذ محمود الملاح (٣) ، ومما يؤكد ما يقوله الملاح أنه ورد في كتبهم المعتمدة (أن التقية واجبة لا يجوز رفضها إلى أن يخرج القائم "مهديهم المنتظر"، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة) (٤) و (أن تارك التقية كتارك الصلاة) (٥) . هذه بعض
стр. 505
نصوصهم فمن نصدق؟
وفي كتاب «الوافي» ما يشير إلى أن ما يقوله مغنية وغيره من المدافعين عن التشيع حول التقية، إنما هو أمر مطلوب من كل "رافضي" حتى يمكن أن يستفيدوا من عقيدة التقية يقول «الوافي» عن حسان بن أبي علي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (لا تذكروا سرنا، بخلاف علانيتنا ولا علانيتنا بخلاف سرنا حسبكم أن تقولوا ما نقول وتصمتوا عما نصمت..إلخ) .
قال صاحب «الوافي» في شرح هذا "النص": (يعني لا تظهروا للناس ما نكتمه عنهم، ولا تقولوا لهم إن سرنا غير موافق لعلانيتنا وأنا نكتم عنهم غير ما نظهر لهم، ونظهر غير ما نكتم، فإن ذلك مفوت لمصلحة التقية التي بها بقاؤنا وبقاء أمرنا، بل كونوا على ما نحن عليه؛ قائلين ما نقول صامتين عما نصمت موافقين لنا غير مخالفين عن أمرنا) (١) .
سادساً: أن من علمائهم من يصرح إلى أن للتقية عندهم مجالات غير مجال الخوف. يقول آيتهم العظمى محمد صادق روحاني - معاصر -: (التقية أربعة أقسام:
التقية الخوفية، والتقية الإكراهية، والتقية الكتمانية، والتقية المداراتية (٢) ، فهؤلاء الذين يقولون بأن الشيعة لا تعمل بالتقية إلا عند الضرورة، إنما ينطبق كلامهم على تقية الخوف أو الإكراه لا تقية الكتمان والمداراة) .
стр. 506
سابعاً: قول مغنية - إن التقية ليست بدين لهم - يتنافى مع ما جاء في رواياتهم فيما نسبوه إلى جعفر ـ (التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له.. إلخ) - كما مر- (١) فمن نصدق في هذا: مغينة أم «الكافي» ؟!
ثامناً: في كتبهم الحديثة التي يكتبونها في الدفاع عن التشيع أو في الطعن على أهل السنّة عشرات من الأمثلة على أن كثيراً من علمائهم المعاصرين يستعملون التقية بمعنى الكذب والخداع والافتراء، بل هناك كتب أساسها وعمدتها الكذب. وتفصيل هذا القول بالشواهد والقرائن يحتاج لدراسة مستقلة لكثرته، وتنوع أساليب الكذب والخداع فيه، وحسبنا أن نشير إشارة سريعة إلى هذا اللون من الكذب وذلك لإثبات أن القوم لا يزالون يمارسون التقية؛ فهذا شيخهم "مغنية" يقول: إن الشيعة لا يطعنون في الصحابة، وذلك في تفسيره «الكاشف» ثم في كتابه «في ظلال نهج البلاغة» يطعن في كبار الصحابة - كما سلف - (٢) وهو يقول بأن الإمامة (ليست أصلاً من أصول دين الإسلام، وإنما هي أصل لمذهب التشيع، فمنكرها مسلم إذا اعتقد بالتوحيد والنبوة والمعاد ولكنه ليس شيعياً) . يقول هذا القول في كتابه «مع الشيعة الإمامية» (٣) ، ولكنه يقول في كتابه الآخر «الشيعة والتشيع» عن عيد لهم يسمونه عيد الغدير والذي تنسج الشيعة حوله أساطير كثيرة تدور حول "النص على علي بالخلافة" (٤) .
стр. 507
يقول: (إن احتفالنا بهذا اليوم هو احتفال بالقرآن الكريم وسنة النبي العظيم بالذات، احتفال بالإسلام ويوم الإسلام، إن النهي عن يوم الغدير تعبير ثان عن النهي بالأخذ بالكتاب والسنّة وتعاليم الإسلام ومبادئه) (١) ثم استشهد بما قاله شيخهم المعاصر عبد الله العلايلي وهو (أن عيد الغدير جزء من الإسلام، فمن أنكره فقد أنكر الإسلام بالذات) (٢) .
فانظر إلى هذا "الخداع" المسمى عندهم بالتقية من رجل يزعم ارتفاع حكم التقية، فهو يقول في موضع إن من أنكر الإمامة فهو مسلم، وفي موضع آخر يحكم على منكر عيد الغدير ـ الذي جرى فيه حادث هو أحد أدلتهم على الإمامة ـ أن منكر هذا العيد كافر، فكيف نفسر هذا التناقض والكذب؟ وأعتقد أن القارئ لهذا الباب «آراء دعاة التقريب» يلمس آثار عقيدة التقية في بعض إجابات دعاة التقريب ونفيهم لما هو واقع، وقد سجلت عشرات الأمثلة من أمثلة الخداع والكذب والاحتيال من بعض أعلامهم المعاصرين لا يتسع المجال لعرضها وشرحها وكشف ما فيها من زيف وتمويه وخداع.
أما الكتب التي وضعوها وأساسها "الكذب" فمن أمثلتها: كتاب «المراجعات» وسيأتي كشف ما فيه، وكتاب «لماذا اخترت مذهب الشيعة؟» ، وهو يتضمن قصة مخترعة أو مؤامرة مصنوعة تتضمن أن عالماً من كبار علماء السنّة يدعى "محمد مرعي الأمين الأنطاكي" قد ترك مذهب السنّة، وأخذ بمذهب الشيعة بعد أن تبين له بطلان
стр. 508
الأول، وهذا الأنطاكي "يزعم أنه نزيل حلب" رغم أنه لا يعرفه من كبار علمائها أحد (١) ، والكتاب مليء بالدس والكذب والافتراء والتجني مما لا يصدر إلا عن جاهل متعصب أو عن زنديق متستر بالتشيع.
وقد مر بنا أنهم يضعون كتباً وينسبونها لأهل السنّة كما نسبوا كتاب «سر العالمين» "للغزالي" (٢) ، وأنهم اعترفوا بأنهم يضعون الكتب لغرض صحيح (٣) ، وقد كذبوا على أعلام الأمة وعلى صحابة رسول الله، بل استحلوا الكذب على رسول الله ﷺ وأهل بيته، كل ذلك باسم التقية والتي لا حقيقة لها سوى الكذب، وقد اعترف بعض علمائهم المعاصرين من حيث لا يدري أن التقية عندهم هي: "الغاية تبرر الواسطة" (٤) أي هي "الميكافيلية" (٥) ، التي اعتمدها الذين لا دين لهم في تحقيق أهدافهم.
وأخيراً إن من أعلام الشيعة المعاصرين من يمارس «أسلوب التقية» حتى مع الشيعة أنفسهم فمن الأمثلة على ذلك أن ثلاثة
стр. 509
من كبار علماء الشيعة أحجموا عن إعلان خطأ مسألة فرعية فقهية في دينهم خوفاً من العوام، وكانوا يفتون بخطئها ويقولون بخلافها سراً ولخواصهم فقط، كما يعترف به أحد أعلام الشيعة المعاصرين. وهذه المسألة هي أن (مذهب الشيعة يقول بنجاسة أهل الكتاب) (١) ومن علماء الشيعة من يفتي بخلاف ذلك سراً ولخاصته فقط ويتقي جمهور الشيعة في ذلك، وقد كشف ذلك شيخهم محمد جواد مغنية فقال: أحدث القول بنجاسة أهل الكتاب مشكلة اجتماعية للشيعة وأوقعهم في ضيق وشدة بخاصة إذا سافروا إلى بلد مسيحي كالغرب أو كان فيه مسيحيون كلبنان.. وقد عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد، الأول كان في النجف الأشرف، وهو الشيخ محمد رضا آل يس. والثاني في قم وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان وهو السيد محسن الأمين، وقد أفتوا جميعاً بالطهارة وأسروا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفاً من المهوشين، على أن يس كان أجرأ الجميع. وأنا على يقين بأن كثيراً من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة ولكنهم يخشون أهل الجهل والله أحق أن يخشوه (٢) .
ويذكر "مغنية" في تفسيره «الكاشف» أن شيخهم (السيد الخوئي أسر برأيه لمن يثق به) (٣) .
وكذلك يقول "الرافضي" كاظم الكفائي بأن (الإمام الغطا أفتى
стр. 510
بالطهارة لخاصته لأن عقول العامة لا تحتمله) (١) .
يقول د. علي السالوس تعليقاً على ذلك: (وهكذا يضيع العلم، ويفترى على الإسلام، لأن أُناساً ائتمنوا على العلم فضيعوه وزيفوه لأنهم يخشون الناس ولا يخشون الله) (٢) .
ونقول: إن من أسباب مراعاة علماء الشيعة لجهال الشيعة وعوامهم هو أن هؤلاء هم مصدر رزقهم الذي يسلبونه منهم باسم "الخمس". وإذا كان هذا موقف خمسة من كبار مراجع الشيعة في العصر الحاضر إزاء مسألة فرعية يجزمون بخطئها فكيف يرجى أن يستجيبوا لتعديل أصولهم؟!!
وإذا ثبت أن الشيعة لا يتركون تقيتهم، فإن استعمال هذه التقية عندهم يخف ويشتد حسب الظروف المحيطة بهم. ويبدو هذا واضحاً في أن الكتب التي صدرت من علماء الشيعة في إبّان الدولة الصفوية (٣) - مثلاً - مثل كتابات المجلسي، ونعمة الله الجزائري وغيرهما قد كشفت إلى حد كبير حقيقة التشيع، وأظهرت الكثير مما يكنه الشيعة ضد الإسلام والقرآن والصحابة وأهل البيت والخلافة الإسلامية.
بينما يلاحظ من خلال ما سبق - أن كتابات بعض أعلام الشيعة المعاصرين أمثال محمد جواد مغنية، محمد حسين آل كاشف الغطا قد سلكت في دفاعها عن التشيع مسلك التقية بإنكار ما هو واقع، ولكن مطابع النجف ولبنان قد فضحتهم.
стр. 511
الفصل الثاني: فيما يتصل بمذهب أهل السنّة
إن من أصول أهل السنة العظيمة الاعتصام بحبل الله جميعاً وعدم التفرق، ومبادئ أهل السنّة كلها تتجاوب مع هذا الأصل العظيم، فمن الكتاب والسنّة والإجماع تستقي عقيدتها، وتحل خلافها ونزاعها، واعتقادها قائم على الحب لأتباع رسول الله ﷺ من الصحابة والقرابة ومن تبعهم بإحسان.
ولا يعتقدون بما دسته الشعوبية من عداوة مفتعلة بين الصحب والآل القصد منها تفريق الأمة وزرع العداوة بينها. وقد سلطنا الضوء على الجانب العقدي من مذهب أهل السنّة، فلا حاجة إلى إعادة القول فيه، لكن غرضنا هنا أن نقول: إن أهل السنّة بحمد الله لم يشذوا بعقائد هي من لبان وغذاء الديانات والعقائد الأجنبية من يهودية ونصرانية ومجوسية، بل اتبعوا في اعتقادهم الكتاب والسنّة وما عليه سلف الأمة، وإن وجد في دائرة أهل السنّة بعض الانحرافات فقد تصدى لها أعلامهم بالنقض والرد ولا يجمع أهل السنة على ضلالة (١) ، كشأن أهل البدع والفرق الخارجة عن السنّة. فلهذا لا حاجة لأن نعقد لهم "بحثاً" حول ما خالفتهم فيه الروافض، كما بحثنا آراء دعاة التقريب في شذوذ الروافض. لكن من باب الموضوعية والتوازن في مبحث مسألة التقريب بين الطائفتين نشير إلى وجهة نظر "الشيعة" في هذا
стр. 512
الباب وهم على قسمين:
١- فريق يرى أنه لا فرق بين أهل السنة والشيعة في الاعتقاد. وهذا "القول" ردده الذين لا يمعنون النظر من المنتسبين لأهل السنّة ولم يفطنوا لما وراءه وما علموا أن وراء الأكمة ما وراءها.
إن هذا الرأي هو نتيجة مؤامرة نفذتها طائفة الرافضة في كتبها الخاصة، وفي كتب نسبتها زوراً لبعض أعلام أهل السنّة، وفي كتب كتبها بعض الروافض المتسترين بمذهب أهل السنّة (١) ، وفي هذه الكتب مادة كبيرة يزعمون أخذها من كتب أهل السنّة ومن أصولها المعتمدة، وهي توافق معظم شذوذ الروافض في العقائد والأحكام. فإذا قال الروافض إن مذهبهم لا يختلف عن مذهب أهل السنّة فإنهم يعنون بذلك ما زعموا نقله عن مذهب أهل السنّة، من عقائد وآراء لا مذهب أهل السنّة على الحقيقة، وهم بهذا القول يحققون هدفين:
١- الهدف الأول: محاولة كسب صفة الشرعية لمذهبهم في الديار الإسلامية بالقول بأنه لا يختلف عن مذهب أهل السنّة، وهم في قولهم أن مذهبهم لا يختلف عن مذهب أهل السنّة يخدمون هذه المؤامرة ولا يغيرون من واقعهم شيئاً.
٢- الهدف الثاني: أن هذه المقولة التي رددوها رددها بعض المنتسبين لأهل السنّة كشلتوت وغيره، واعتبر ذلك الروافض "شهادة" بصحة ما يزعمونه في مذهب أهل السنّة، يقنعون بها الحائرين والمتشككين من بني مذهبهم، وتخدمهم في التبشير بالتشيع في ديار أهل السنّة.
стр. 513
الفريق الثاني:
ويعبر عن رأيه أحد آيات الشيعة وهو عبد الحسين الموسوي بقوله: (الأمور التي ينفر منها الشيعي ولا يكاد يمتزج بها مع السني أهمها شيئان:
الأول: التكفير، والتحقير والشتم والتزوير.
الثاني: إعراض أهل السنّة عن مذهب الأئمة من أهل البيت وعدم الاعتناء بأقوالهم في أصل الدين وفروعه) (١) .
مناقشة هذا القول:
مناقشة السبب الأول: من أعجب العجب أن يشتكي من يكفر صحابة رسول الله ﷺ ، وأعلام الأمة، وخيار المسلمين من حكام ومحكومين، يشتكي من أن المسلمين يكفرونه. فإذا قارنّا بين ما جاء في "صحيح الشيعة" ـ وهو «الكافي» ـ من تكفير لأبي بكر وعمر ومن بايعهما ومن رضي بخلافتهما إلى أن تقوم الساعة، ومن حكم بردة المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ إلا ثلاثة، وحكم بردة المسلمين بعد مقتل الحسين إلا ثلاثة وتطاول - بالتخصيص والتعيين - على خيار الأمة وروادها بالسب والطعن والتكفير (٢) ، إذا قارنا ذلك بما جاء في «صحيح البخاري» في كتاب «فضائل الصحابة» مثلاً، فمن الذي يكفر أهل السنة أم الشيعة؟!.
стр. 514
وإذا نظرنا في كتب الاعتقاد عندهم. مثل كتاب «أوائل المقالات» لشيخهم المفيد، وهو من كتبهم المعتمدة في العقيدة باعتراف شيوخهم المعاصرين (١) ، نجده يقول: (واتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار.. وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار) (٢) .
بينما في كتب العقيدة عند أهل السنّة لا يكفرون أهل البدع مطلقاً. قال الطحاوي مثلاً: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين وله بكل ما قال وأخبر مصدقين) ، قال شارح «الطحاوية» : (والمراد بقوله أهل قبلتنا: من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء ومن أهل المعاصي ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول ﷺ ) (٣) .
هذا ما يقوله أئمة أهل السنّة وذاك ما يقوله أئمة الروافض، وهو قول من عشرات الأقوال في تكفير المسلمين، نقلنا شيئاً منها فيما مضى. فمن هو الذي يكفر؟!!
مناقشة السبب الثاني: أما دعوى أن أهل السنّة لا يتلقون عن أهل البيت. فلنر حقيقة ذلك في بعض أئمة أهل البيت:
مثلاً "زيد بن علي بن الحسين" وهو من خيار أهل البيت:
نجد في كتاب الرجال عند أهل السنّة توثيقه والثناء عليه وقبول
стр. 515
ما صح عنه، وأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه (١) . أما في كتب الشيعة ففي «الاستبصار» للطوسي، (والطوسي شيخ الشيعة على الإطلاق وصاحب كتابين من أصولهم الأربعة، وكتابين من كتب «الرجال» الأربعة عندهم) في كتاب «الاستبصار» يصرح الطوسي برد مرويات زيد بن علي - مراراً - (٢) .
فمن يتلقى عن آل البيت حقيقة؟ هل هو من إذا روى عن بعض أهل البيت أحاديث لا توافق مذهبه ردها بدعوى التقية (٣) ، في حين يقبل روايات الكليني والقمي وغيرهما في الطعن في كتاب الله وصحابة رسوله وأهل بيته، لأنها تتفق مع تعصبه وشذوذه؟!
ومن هم أهل البيت عند الشيعة؟ إن لكل طائفة من طوائف الشيعة تفسيراً خاصاً لأهل البيت، يختلف من طائفة لأخرى حول عدد أهل البيت وأعيانهم.
والرافضة تخالف أهل البيت في عامة أصولهم، فليس في أئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد الصادق من يقول بالنص على علي، أو بعصمة الأئمة الاثني عشر، أو يسب أبا بكر وعمر، أو ينكر الرؤية، أو يقول بخلق القرآن، أو ينكر القدر، والمنقولات الثابتة المتواترة عن هؤلاء معروفة موجودة وكانت مما يعتمد عليه أهل السنّة (٤) . فهم مخالفون لأئمة أهل بيت
стр. 516
رسول الله ﷺ في أصول دينهم كما هم مخالفون لأصحابه، بل ولكتاب الله وسنّة رسوله (١) .
حقيقة أن أهل السنّة لا يقبلون روايات الروافض المشهورين بالكذب عن أهل البيت. وهذا كما هو حفظ للسنة وتوثيق لها هو صون لأهل البيت مما ألصقه بهم أعداء الإسلام.
وهذا "الرافضي" يريد بدعوة أهل السنّة إلى الرجوع للأخذ من أهل البيت لأنه لا يقنعه منهج أهل السنّة في تلقي ما صح عن أئمة العلم والدين من أهل البيت، إنه يريد منهم أن يتعبدوا بحكايات الرقاع التي يزعمون أنها صدرت عن إمامهم المنتظر والذي لم يولد أصلاً، يريد منهم أن يستقوا دينهم من «الكافي» للكليني وهو يطعن في كتاب الله ويحرف آياته، ويكفر صحابة رسول الله، أي: يريد أن يتلقوا دينهم عمن يسعى في هدمه وتغييره.
وهو يريد منهم أن يرجعوا لما يجمعه الروافض من "نصوص" ينسبونها كذباً لأهل البيت في الإمامة والعصمة والتقية والرجعة والغيبة والبداء، وإلا فإن أهل السنّة عندهم يتحملون كبر الفرقة والتباعد.
ولهذا رأينا بعض "آياتهم" وشيوخهم يجعلون من شرط التقارب أن يوافق أهل السنّة على سب صحابة رسول الله صلى الله عليهم وسلم (٢) ، أي يوافق أهل السنّة على القدح في صحابته وبالتالي يرجعون لمدونات الروافض.
стр. 517
وقد لاحظنا أن معظم أئمة أهل البيت - من غير الاثني عشر - يتعرضون في كتب الشيعة للسب والطعن والتكفير - كما مر - الإشارة لذلك (١) .
فمن الذي يتولى أهل البيت ومن الذي لا يتولاهم؟، ومن الذي يقبل مروياتهم ومن الذي يعرض عنها؟، ومن الذي يطعن فيهم بقبول مرويات الكذبة عليهم ومن الذي يصونهم ويرد هاتيك المرويات؟، ومن الذي لا يعتبر من أهل البيت غير الاثني عشر ويطعن في غالب أهل البيت؟ من غيرهم؟!!
ولا شك أن من تأمل ما نقلناه من نصوص الروافض يدرك أنهم أعداء لأهل البيت والصحابة، وإنما اتخذوا شعار التشيع لأهل البيت لترويج باطلهم.
стр. 518
الباب الرابع
ويشمل:
الفصل الأول: "محاولات التقريب" عرض وتقويم .
الفصل الثاني: هل من طريق للتقريب؟.
стр. 519
تمهيد:
من الطبيعي أن تقوم في المجتمع الإسلامي المحاولات الجادة الصادقة المخلصة لإصلاح كل نزاع أو اختلاف يحدث في المجتمع الإسلامي، لأن من أصول الإسلام العظيمة: الاعتصام بحبل الله جميعاً وعدم التفرق. وهو ما جاء به الكتاب، والسنة، وقام عليه إجماع الأمة. وقد ضرب الصحابة - رضوان الله عليهم - أروع الأمثلة في هذا الباب.
لكن مسألة التقريب أو الوحدة لا يمكن أن تتم على حساب العقيدة والدين.
قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (١) .
وقد سار الصحابة والتابعون لهم بإحسان يرفضون كل تقريب أو وحدة تهدف إلى المساواة بين الحق والباطل.
وكانت هناك "محاولات" لإدخال الأفكار الأجنبية، والعقائد الغريبة باسم الوحدة والتقريب في "العقيدة الإسلامية"، ويرى بعض المفكرين (٢) أن الدعوة إلى وحدة العقائد ترتد في أصولها الأولى إلى فرق غلاة الشيعة ممن حاولوا المزج والتوفيق بين العقائد الإسلامية وأنظار وأفكار استمدوها من الأديان والفلسفات الأخرى
стр. 520
كاليهودية، والمسيحية، والمجوسية، والفلسفات اليونانية. فالتقوا في محاولتهم هذه مع ما عرف في الدوائر الغنوصية (١) من ميل إلى الجمع والتلفيق.
ثم تطورت النزعة على أيدي فرقة الباطنية من الإسماعيلية، وجماعات إخوان الصفا، والقرامطة.. (٢) .
وقد واجه أئمة المسلمين هذه المحاولات، وكشفوا باطلها.. ولا شك أن كل دعوة إلى وحدة أو تقريب إن لم تقم على هدى من كتاب الله وسنة نبيه فإنها وحدة زائفة وتقريب خادع، وكل اجتماع وائتلاف إن لم يكن اجتماعاً على هدى الله واعتصاماً بحبل الله فإن مآله الفشل. قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ... ) (٣) ، وقال سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٤) .
هذا ومحاولة التقريب بين أهل السنّة والشيعة مسألة قديمة، ولم أر من عني بتسجيل وقائعها ولا دراستها، فهي متفرقة في مواضعها من كتب التاريخ، وفي كتب روادها وأصحابها، وقد أشار المستشرق "جولد تسيهر" إلى بعض المحاولات المعاصرة وأشار إلى أن التاريخ لا يعدم مثل هذه المحاولات ولم يفصل (٥) .
стр. 521
ونحن في هذا المبحث ليس من منهجنا الدراسة التاريخية البحتة لهذه القضية، ولكننا نعتبر هذه "الوقائع" تجارب حيّة، سنعرض لأمثلة مختارة منها بالعرض والتقويم، وهذا فيما أظن سيكون مفيداً لرواد الإصلاح، وسيكون نافعاً في سلوك منهج أوفق وأكمل في المستقبل، فمن مجموع هذه الأمثلة قد يوجد أسلوب متكامل للتقارب وسيكون هناك رؤية واضحة، وتصور سليم لعناصر الخطأ والصواب في هذه "الوقائع" إذا نظرنا إليها من خلال دراسة أصول الفريقين التي عرضنا لها.
وتبقى هذه "الوقائع" محاولات لم تصل حتى الآن إلى مستوى حل القضية، فهل من طريق لحلها؟ هذا ما سنتحدث عنه في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
وسنتعرض لبعض المحاولات وفق المنهج التالي:
стр. 522
(١) المحاولات في القديم.
(٢) المحاولات المعاصرة:
(أ) محاولات جماعية:
١- جماعة الأخوة الإسلامية.
٢- دار الإنصاف.
٣- دار التقريب بين المذاهب الإسلامية.
(ب) محاولات فردية: ومن أمثلتها ما يلي:
١ - من السنة:
(أ) محمد عبده.
(ب) رشيد رضا.
(ج) مصطفى السباعي.
(د) موسى جار الله.
٢ - من الشيعة:
(أ) محمد الخالصي.
(ب) عبد الحسين شرف الدين الموسوي.
(ج) أحمد الكسروي.
(ج) الخميني ودولته.
стр. 523
المحاولات في القديم
يرى الشيخ محمد أبو زهرة (أن الطوسي (١) كان بشخصه أول من حاول التقريب الفكري والنفسي بين طائفة الاثني عشرية وجمهور المسلمين) (٢) ، بينما يرى د. محمود بسيوني فوده أن دعوة التقريب لها جذورها القديمة التي تمتد في نظره إلى القرن السادس الهجري وبالتحديد إلى شخصية الطبرسي (٣) ، ويرى أن هذا الرجل أول من وضع اللبنات الأولى للتقريب بين أهل السنّة والشيعة في صورة علمية متسامحة ونفسية هادئة تركز على إزالة الهوة بين المسلمين (٤) . ويعني فودة بدعوة التقريب التي ينسبها للطبرسي هو ما سلكه في تفسيره «مجمع البيان» من تفسير لآيات القرآن معتمداً فيه على مصادر الفريقين ومتجنباً بعض "مظاهر الغلو" المعهودة عند الروافض في الاعتقاد والتفسير. وقد سبقه إلى هذا المنهج الطوسي في تفسيره «التبيان» ، وقد اعترف الطبرسي أنه يسير على نفس أسلوب الطوسي في التفسير. فمنهجهما في هذا واحد، ومعنى ذلك أن الطوسي أسبق في هذا المجال، وأن هذا يتفق مع رأي أبي زهرة.
стр. 524
وقد اعترف أحد كبار شيوخ الشيعة في القديم "ابن طاوس" وأحد كبار الشيعة في العصور الأخيرة "النوري الطبرسي" (ت ١٣٢٠هـ) أن تفسير التبيان للطوسي موضوع على أسلوب التقية وعلى غاية المداراة للمخالفين - كما سبق - (١) ، ومن الدليل أنه وضع على التقية أن الطوسي هذا يرفض الاحتجاج بروايات أهل السنّة، بل يرفض روايات زيد بن علي بن الحسين (وهو من كبار أئمة أهل البيت وأجمع أهل السنّة على أنه من ثقات المسلمين، ولكن الطوسي يرفض روايته (٢) لأنه ليس بجعفري، فكيف مع هذا يحتج الطوسي بروايات أهل السنّة في تفسيره «التبيان» إلا على أساس التقية ومحاولة نشر التشيع بين أهل السنّة بالاحتجاج على أصوله من روايتهم؟.
فكانت حقيقة محاولة "الطوسي" في التقريب هو نشر عقيدة "الرافضة" بين جمهور المسلمين. وفي «البحار» للمجلسي - وهو أحد مصادرهم الثمانية في الحديث - باب مستقل في النهي عن الأخذ بروايات السنّة إلا في حالة الاحتجاج عليهم (٣) . وقد سار الطبرسي على منوال الطوسي ومسلكه - كما أسلفنا (٤) -.
وإذا كان الشيخ أبو زهرة يرى أن الطوسي الرافضي كان أول من دعا للتقريب فهذا صحيح باعتبار أنه قدم منهجاً في هذا السبيل، وإلا فإن التاريخ يشير إلى حصول محاولات للتقارب بين السنّة والشيعة في القرن الخامس الهجري حدثت أثناء الصراع العنيف الذي نشب
стр. 525
بين الطائفتين في بغداد، والذي بدأ في سنة ٣٣٨هـ في ربيع الأول منها وذلك بحدوث فتنة بين أهل السنّة والشيعة (١) لأول مرة في تاريخ بغداد (٢) ، ثم توالت الفتن بينهما (٣) بعد ذلك.
ومحاولات التقريب التي وقعت للقضاء على ذلك الصراع الدموي العنيف لا نعلم عن تفاصيلها شيئاً، فهي مجرد "إشارات" نقلها بعض المؤرخين. فمثلاً قال ابن كثير:
في سنة ٤٣٧ (اتفق أهل السنّة والشيعة على مواجهة اليهود في بغداد وقاموا بنهب دورهم وإحراق الكنيسة العتيقة التي لهم) (٤) ولم يفصل أكثر من ذلك، والأقرب أن هذا الاتفاق جرى من عوام الفريقين، ذلك أن صنيعهم مع أهل الكتاب لا يتفق ومبادئ الإسلام في حقوق أهل الذمة. ولكن هذا "الاتفاق" ما لبث أن انتهى سريعاً، ففي سنة ٤٣٩ (وقعت فتنة بين الروافض والسنّة ببغداد قتل فيها خلق كثير) (٥) .
لكن بعد ذلك حدث وفاق وتصالح مرة أخرى، فيذكر ابن كثير أنه في سنة ٤٤٢هـ (اصطلح الروافض والسنة ببغداد وذهبوا كلهم لزيارة مشهد علي ومشهد الحسين، وترضوا - أي الروافض - في الكرخ على الصحابة كلهم وترحموا عليهم، وصلوا في مساجد السنّة،
стр. 526
وتواد الفريقان وتحابوا (١) . قال ابن كثير: وهذا عجيب جداً إلا أن يكون من باب التقية) (٢) .
وأقول: إن الدليل على أنه تقية أنه بعد ذلك بسنة واحدة ـ أي في سنة ٤٤٣ ـ قام الروافض ونصبوا أبراجاً وكتبوا عليها بالذهب: (محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر) (٣) . وهذا تكفير لمن قدم الخلفاء الثلاثة على علي وهم صحابة رسول الله ﷺ ، وتنزيل لعلي ﵁ منزلة أفضل الرسل والأنبياء. فبسبب صنيع الرافضة هذا اشتعلت الفتنة بين الفريقين ووقعت الحرب بينهما (٤) .
ثم عاد التصالح بين الفريقين مرة ثالثة، وأشار إلى ذلك بعض المؤرخين بقوله: وفي سنة ٤٨٨هـ (اصطلح أهل الكرخ من الرافضة والسنّة مع بقية المحال، تزاوروا وتواصلوا وتواكلوا وكان هذا من العجائب) (٥) .
هذا ما ذكرته كتب التاريخ التي اطلعنا عليها من حوادث الوفاق والتآلف، وكانت هذه "المحاولات" في خضم الأحداث الكبيرة العنيفة من الصراع بين الطائفتين أشبه ما تكون بومضة برق في ليل
стр. 527
بهيم، ما تلبث أن تنتهي. ونقول - من غير تحيز أو تعصب - بأن أسباب الصراع والفتن - في الغالب - مصدره وسببه الروافض نتيجة لسبهم وتكفيرهم للصحابة في مآتمهم السنوية "عاشوراء"، وهذا واضح لمن يستقرئ التاريخ.. فكان استفزازهم لأهل السنّة و"شنائعهم" تقضي على كل محاولة "وفاق".
وإذا كان ما مضى ذكره من محاولات كانت - كما يظهر - تتم عن طريق "القاعدة الشعبية"، فإن هناك بعض المحاولات عن طريق "القمة" أو "القيادة السياسية"، ومن ذلك ما قام به "المأمون" من توليته العهد "لعلي الرضا" (١) ، والذي يزعم التشيع له وأتباعه طوائف من الروافض وغيرهم (٢) . وذلك أن المأمون رأى أن علياً الرضا خير أهل البيت - يعني في زمنه - وليس في بني العباس مثله في علمه ودينه (٣) ، فقلده ولاية العهد، وقد يكون في صنيع المأمون لو تحققت نتيجته امتصاصاً للنقمة، وتحقيقاً للمودة من قطاع كبير يزعم أحقية "الرضا" للخلافة وتفويتاً للفرصة أمام الأعداء الذين يستغلون دعوى التشيع لأهل البيت من أجل تحقيق أغراض لهم ضد
стр. 528
الإسلام والمسلمين، ولكن وفاة الرضا (ت ٢٠٣هـ) حالت دون ذلك. وقيل إنه مات مسموماً (١) .
لكن أكبر محاولة وأهمها للتقريب على أساس اتباع الحق هو ما حدث بين الطائفتين في القرن الثاني عشر في اجتماع بين ممثلي الطائفتين برئاسة علامة العراق "عبد الله السويدي" وإشراف وتدبير "نادر شاه" (٢) ، وهو ما سنتحدث عنه فيما يلي:
مؤتمر النجف:
وصفه محب الدين الخطيب بأنه (أعظم مؤتمر عقد في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنّة المحمدية) (٣) ، وقال أنه: (كان الأول من نوعه في المجتمع الإسلامي) .
وأحداث هذا المؤتمر تضمنتها مذكرات علامة العراق عبد الله السويدي والتي سماها: «النفحة المسكية في الرحلة المكية» والتي لا تزال مخطوطة (٤) ، كما تضمنها كتاب ابنه "عبد الرحمن بن عبد الله
стр. 529
السويدي" والمسمى: «حديقة الزوراء في سيرة الوزراء» أو «تاريخ بغداد» في القسم الذي لم يطبع من الكتاب (١) ، وقد أفردت أحداث هذا المؤتمر (من مذكرات السويدي) بكتاب سُمّي: «الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية» ، وطبعته مطبعة السعادة بالقاهرة عام ١٣٢٣هـ، ثم نشره محب الدين الخطيب باسم «مؤتمر النجف» ١٣٦٧هـ، وكان قد نشره قبل ذلك على صفحات مجلة «الفتح» بعنوان أعظم مؤتمر في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنة المحمدية (٢) .
وفيما يلي: تعريف بالشيخ السويدي عماد هذا المؤتمر، وتلخيص وعرض لأهم أحداثه ومقرراته (٣) .
стр. 530
ترجمة السويدي:
هو أبو البركات عبد الله بن حسين بن مرعي بن ناصر الدين الدوري (١) السويدي (٢) ، ولد في بغداد عام أربع ومائة وألف (٣) وقد تلقى العلم على طائفة من علماء العراق والحجاز والشام.
وقد امتدحه السيد محمود شكري الألوسي بأنه: (شيخ البسيطة على الإطلاق، وزين الشريعة بالإجماع والاتفاق) (٤) ، وقال عنه أيضاً: (كان رحمه الله تعالى شيخ المعارف وإمامها والآخذ بيد زمامها..) (٥) . وله ﵀ من المؤلفات: «شرح جليل على صحيح الإمام البخاري» ، وكتاب «المحاكمة بين الدماميني والشمني فيما كتباه على مغني اللبيب» ، و «النفحة المسكية» ، و «الأمثال السائرة» وغيرها.
وقد كان له ﵀ مع بعض علماء الشيعة - في غير هذا المؤتمر - مباحثات ومناظرات فكان ينقطع معه الخصم، ولا يواجه حججه وبراهينه. قد ذكر بعض هذه المناظرات والمباحثات ابنه عبد الرحمن السويدي (٦) في «تاريخ بغداد» ، ولولا خشية الخروج