← Акыда

Акыда · id 12763

مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

ناصر القفاري

Полный текст (699 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وتواد الفريقان وتحابوا (١) . قال ابن كثير: وهذا عجيب جداً إلا أن يكون من باب التقية) (٢) . وأقول: إن الدليل على أنه تقية أنه بعد ذلك بسنة واحدة ـ أي في سنة ٤٤٣ ـ قام الروافض ونصبوا أبراجاً وكتبوا عليها بالذهب: (محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر) (٣) . وهذا تكفير لمن قدم الخلفاء الثلاثة على علي وهم صحابة رسول الله ﷺ ، وتنزيل لعلي ﵁ منزلة أفضل الرسل والأنبياء. فبسبب صنيع الرافضة هذا اشتعلت الفتنة بين الفريقين ووقعت الحرب بينهما (٤) . ثم عاد التصالح بين الفريقين مرة ثالثة، وأشار إلى ذلك بعض المؤرخين بقوله: وفي سنة ٤٨٨هـ (اصطلح أهل الكرخ من الرافضة والسنّة مع بقية المحال، تزاوروا وتواصلوا وتواكلوا وكان هذا من العجائب) (٥) . هذا ما ذكرته كتب التاريخ التي اطلعنا عليها من حوادث الوفاق والتآلف، وكانت هذه "المحاولات" في خضم الأحداث الكبيرة العنيفة من الصراع بين الطائفتين أشبه ما تكون بومضة برق في ليل

стр. 527

بهيم، ما تلبث أن تنتهي. ونقول - من غير تحيز أو تعصب - بأن أسباب الصراع والفتن - في الغالب - مصدره وسببه الروافض نتيجة لسبهم وتكفيرهم للصحابة في مآتمهم السنوية "عاشوراء"، وهذا واضح لمن يستقرئ التاريخ.. فكان استفزازهم لأهل السنّة و"شنائعهم" تقضي على كل محاولة "وفاق". وإذا كان ما مضى ذكره من محاولات كانت - كما يظهر - تتم عن طريق "القاعدة الشعبية"، فإن هناك بعض المحاولات عن طريق "القمة" أو "القيادة السياسية"، ومن ذلك ما قام به "المأمون" من توليته العهد "لعلي الرضا" (١) ، والذي يزعم التشيع له وأتباعه طوائف من الروافض وغيرهم (٢) . وذلك أن المأمون رأى أن علياً الرضا خير أهل البيت - يعني في زمنه - وليس في بني العباس مثله في علمه ودينه (٣) ، فقلده ولاية العهد، وقد يكون في صنيع المأمون لو تحققت نتيجته امتصاصاً للنقمة، وتحقيقاً للمودة من قطاع كبير يزعم أحقية "الرضا" للخلافة وتفويتاً للفرصة أمام الأعداء الذين يستغلون دعوى التشيع لأهل البيت من أجل تحقيق أغراض لهم ضد

стр. 528

الإسلام والمسلمين، ولكن وفاة الرضا (ت ٢٠٣هـ) حالت دون ذلك. وقيل إنه مات مسموماً (١) . لكن أكبر محاولة وأهمها للتقريب على أساس اتباع الحق هو ما حدث بين الطائفتين في القرن الثاني عشر في اجتماع بين ممثلي الطائفتين برئاسة علامة العراق "عبد الله السويدي" وإشراف وتدبير "نادر شاه" (٢) ، وهو ما سنتحدث عنه فيما يلي: مؤتمر النجف: وصفه محب الدين الخطيب بأنه (أعظم مؤتمر عقد في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنّة المحمدية) (٣) ، وقال أنه: (كان الأول من نوعه في المجتمع الإسلامي) . وأحداث هذا المؤتمر تضمنتها مذكرات علامة العراق عبد الله السويدي والتي سماها: «النفحة المسكية في الرحلة المكية» والتي لا تزال مخطوطة (٤) ، كما تضمنها كتاب ابنه "عبد الرحمن بن عبد الله

стр. 529

السويدي" والمسمى: «حديقة الزوراء في سيرة الوزراء» أو «تاريخ بغداد» في القسم الذي لم يطبع من الكتاب (١) ، وقد أفردت أحداث هذا المؤتمر (من مذكرات السويدي) بكتاب سُمّي: «الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية» ، وطبعته مطبعة السعادة بالقاهرة عام ١٣٢٣هـ، ثم نشره محب الدين الخطيب باسم «مؤتمر النجف» ١٣٦٧هـ، وكان قد نشره قبل ذلك على صفحات مجلة «الفتح» بعنوان أعظم مؤتمر في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنة المحمدية (٢) . وفيما يلي: تعريف بالشيخ السويدي عماد هذا المؤتمر، وتلخيص وعرض لأهم أحداثه ومقرراته (٣) .

стр. 530

ترجمة السويدي: هو أبو البركات عبد الله بن حسين بن مرعي بن ناصر الدين الدوري (١) السويدي (٢) ، ولد في بغداد عام أربع ومائة وألف (٣) وقد تلقى العلم على طائفة من علماء العراق والحجاز والشام. وقد امتدحه السيد محمود شكري الألوسي بأنه: (شيخ البسيطة على الإطلاق، وزين الشريعة بالإجماع والاتفاق) (٤) ، وقال عنه أيضاً: (كان رحمه الله تعالى شيخ المعارف وإمامها والآخذ بيد زمامها..) (٥) . وله ﵀ من المؤلفات: «شرح جليل على صحيح الإمام البخاري» ، وكتاب «المحاكمة بين الدماميني والشمني فيما كتباه على مغني اللبيب» ، و «النفحة المسكية» ، و «الأمثال السائرة» وغيرها. وقد كان له ﵀ مع بعض علماء الشيعة - في غير هذا المؤتمر - مباحثات ومناظرات فكان ينقطع معه الخصم، ولا يواجه حججه وبراهينه. قد ذكر بعض هذه المناظرات والمباحثات ابنه عبد الرحمن السويدي (٦) في «تاريخ بغداد» ، ولولا خشية الخروج

стр. 531

عن المقصود لنقلنا شيئاً من ذلك (١) . وقال العلامة محمود شكري الألوسي أيضاً - عما قام به السويدي في المؤتمر -: (وله مناقب لا تعد ولا تحصى ولا يدرك أدناها ولا يستقصى، منها تشييده للشريعة الأحمدية وتأييده للسنة النبوية، وذلك حين مجيء نادر شاه إلى سواد العراق مع جم غفير من الأعاجم ذوي النفاق والشقاق، فلم تزل الرسل تختلف بينه وبين الوزير أحمد باشا والي بغداد والمراسلات تتوارد بين الطرفين أي إيراد، إلى أن آل الأمر أن طلب الشاه الإقرار بصحة مذهب الاثني عشرية ورفض مذهب أهل السنة بالكلية، فأرسل الوزير المشار إليه الشيخ المترجم - يعني به عبد الله السويدي - إلى مباحثتهم فأخمد الله تعالى على يده نيران ضلالتهم وألبسهم ثوب الخزي بين عامتهم، فلما علموا أنه بحر علم لا يمكن الوصول إلى أصله صاروا له أطوع من شراك نعله فسعى بالصلح بين الدولتين فحاز الفخار والنجح ... ورفع يومئذ سب الصحابة الكرام وحصل له من الشاه المشار إليه غاية التعظيم والاحترام، فصار الشاه سنياً بعد أن كان شيعياً، فأحيا السنة السنية بعد ما كاد يعتريها أفول وحقن دماء الشبان والشيوخ والكهول. ورفع عن أهل السنة أعظم المصائب.. ولعمري إنها لنعمة يجب شكرها على عموم أهل السنّة.

стр. 532

وقد توفي ﵀ يوم السبت حادي عشر شوال سنة أربع وسبعين ومائة وألف (١) . مؤتمر النجف: في يوم الخميس ٢٥ شوال سنة ١١٥٦ عقد في النجف، وفي الموضع الذي تحت المسقف الذي وراء الضريح المنسوب إلى الإمام علي ﵁ عقد هذا المؤتمر برئاسة علامة العراق عبد الله السويدي وبحضور مجتهدي الشيعة في إيران والنجف وعلماء من أهل السنّة والجماعة في أردلان (٢) والأفغان وما وراء النهر (٣) ، فمن إيران حضر نحو سبعين عالماً (ما فيهم سني إلا مفتي أردلان (٤) ، وعلى رأس شيوخ الروافض عظيمهم الديني الملاباشي علي أكبر وحضر علماء الأفغان وهم سبعة، وعلماء ما وراء النهر وهم سبعة أيضاً. وكان "نادر شاه" وهو أعظم ملوك إيران في العصور الأخيرة (٥) يرعى هذا المؤتمر ويراقب أعماله. وقد اجتمع للاستماع "لوقائع المؤتمر" أعداد كبيرة من

стр. 533

العجم والعرب والتركستان (١) . قال السويدي: (أنه يبلغ عددهم نحو الستين ألفاً) (٢) . وكان انعقاد هذا المؤتمر بعد أحداث دامية جرت على يد "نادر شاه" حيث قام بالاستيلاء على الهند وتركستان وبخارى (٣) وبلخ (٤) وأصفهان (٥) فأطاعته الأفغان والتركستان، كما أن جميع أهل إيران أطاعوه وكان له مع الدولة العثمانية حروب ومواقف وحاصر بغداد والبصرة وكركوك (٦) وغيرها (٧) فصارت مملكته كما تضم الشيعة تضم سنّة، فكان الصراع الذي يحدث بين السنّة والشيعة في مملكته هو الذي حدا بنادر شاه لعقد هذا المؤتمر للتفاهم بين الطائفتين، وهذا ما صرح به نادر شاه للسويدي في قوله له: أتدري لم أردتك؟ قال السويدي: لا. فقال نادر: إن في مملكتي فرقتين تركستان وأفغان يقولون للإيرانيين: (أنتم كفار) ، فالكفر قبيح ولا يليق أن يكون في مملكتي قوم يكفر بعضهم بعضاً، فالآن أنت وكيل من قبلي ترفع جميع المكفرات وتشهد على الفرقة الثالثة بما يلتزمونه، وكل ما رأيت أو سمعت تخبرني وتنقله لأحمد

стр. 534

خان (١) ... ويذكر السويدي أنه قيل له قبل شخوصه إلى «نادر شاه» أنه يعني «نادر شاه» - يريد عالماً مع علماء يبحث مع العجم في شأن مذهب الشيعة ويقيم الدلائل على بطلانه، والعجم يقيمون الدلائل على صحته فإن غلب عالمنا يجب أن يقر ويصدق المذهب الخامس (٢) . ويذكر السويدي أنه حينما كلف بهذه المهمة كان وقع التكليف عليه شديداً، حتى إنه يقول أنه (وقف شعري وارتعدت فرائصي) (٣) ، وسبب ذلك أنه يرى أن الروافض أهل عناد ومكابرة ولا سيما أنهم في عز من أمرهم، وأن السبيل للتفاهم معهم عسير لعدم الالتقاء معهم في مصادر التلقي، (كيف تحصل المباحثة معهم وهم ينكرون كل حديث عندنا فلا يقولون بصحة الكتب الستة ولا غيرها، وكل آية احتج بها يؤولونها ويقولون: الدليل إذا تطرقه الاحتمال يبطل به الاستدلال، كما أنهم يقولون: شرط الدليل أن يتفق عليه الخصمان (٤)) لهذا فإنه طلب الإعفاء من هذه المهمة وتكليف عالم آخر بهذا الأمر، فلم يوافق على طلبه (٥) فعزم وتوكل على الله.. ويذكر أنه في مسيره كان يفكر كثيراً ويصور المسائل والدلائل من الطرفين ويتخيل أجوبتها حتى قال: (إني صورت أكثر من مائة دليل وعلى كل دليل جعلت جواباً أو جوابين أو ثلاثة على حسب

стр. 535

الشبه ومظنتها..) (١) ، وكان يرتب الخطط ويضع "التدابير". وقبل انعقاد هذا الاجتماع وبعده كان للسويدي جلسة مباحثة مع كبير مجتهدي الشيعة "الملاباشي" استطاع السويدي أن يقيم عليه الحجة، وذلك بإثارته لثلاث مسائل لا تملك الشيعة عليها جواباً مقنعاً: وسنوردها "بنص السويدي": الأولى والثانية: (وهذه جلسة ما قبل المؤتمر) قول السويدي لكبير شيوخ الشيعة: (أريد أن أسألك عن مسألتين لا تستطيع أهل الشيعة الجواب عنهما. فقال: وما هما؟ قلت: الأولى: كيف حكم الصحابة عند الشيعة؟ فقال: ارتدوا إلا خمسة: علياً، والمقداد، وأبا ذر، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، حيث لم يبايعوا علياً على الخلافة. قلت: إن كان الأمر كذلك فكيف زوّج علي بنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب؟ فقال: إنه مكره (٢) . قلت: والله إنكم اعتقدتم في علي منقصة لا يرضى بها أدنى العرب، فضلاً عن بني هاشم الذين هم سادات العرب وأكرمها

стр. 536

أرومة.. وأعلاها نسباً وأعظمها مروءة وحمية..، وإن أدنى العرب يبذل نفسه دون عرضه، ويقتل دون حرمه، ولا تعز نفسه على حرمه وأهله. فكيف تثبتون لعلي - وهو الشجاع الصنديد، ليث بني غالب، أسد الله في المشارق والمغارب - مثل هذه المنقصة التي لا يرضى بها أجلاف العرب؟ بل كم رأينا من قاتل دون عياله فقتل (١) . قال: يحتمل أن تكون زفت لعمر جنية تصورت بصورة أم كلثوم (٢) ؟ قلت: هذا أشنع من الأول فكيف يعقل مثل هذا؟! ولو فتحنا هذا الباب لانسدت جميع أبواب الشريعة، حتى لو أن الرجل جاء إلى زوجته لاحتمل أن تقول: أنت جني تصورت بصورة زوجي فتمنعه من الإتيان إليها، فإن أتى بشاهدين عدلين على أنه فلان، لاحتمل أن يقال فيهما أنهما جنيان تصورا بصورة هذين العدلين وهلمّ جرا.. ويحتمل أن يقتل الإنسان أحداً أو يدعي عليه بحق، فله أن يقول: ليس المطالب أنا في هذه الحادثة، بل يحتمل أن يكون جنياً تصور بصورتي، ويحتمل أن يكون جعفر الصادق الذي تزعمون أن عبادتكم موافقة لمذهبه جنياً تصور بصورته، وألقي إليكم هذه الأحكام الثابتة.

стр. 537

المسألة الثانية: ثم قلت له: ما حكم أفعال الخليفة الجائر؟ هل هي نافذة عند الشيعة؟ فقال: لا تصح ولا تنفذ. فقلت: أُنشدك الله من أي عشيرة أم محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب؟ فقال: من بني حنيفة. فقلت: من سبي بني حنيفة؟ قال: لا أدري (وهو كاذب) . قال بعض الحاضرين من علمائهم: سباهم أبو بكر - رضي الله تعالى عنه -. فقلت: كيف ساغ لعلي أن يأخذ جارية من السبي، ويتولدها، والإمام - على زعمكم - لا تنفذ أحكامه لجوره، والاحتياط في الفروج أمر مقرر! فقال: لعله استوهبها من أهلها، يعني زوجوه بها. قلت: يحتاج هذا إلى دليل. فانقطع ... والحمد لله (١) . المسألة الثالثة: (وجرى البحث فيها بعد نهاية المؤتمر) . يقول السويدي: واجتمعت مع الملاباشي عصر يوم الجمعة (٢) وتذاكرنا في خصوص مذهب الجعفرية (مذهب جعفر الصادق) . فقلت: إن المذهب الذي تتعبدون عليه باطل، لا يرجع إلى اجتهاد مجتهد.

стр. 538

فقال: هذا هو اجتهاد (١) جعفر الصادق. فقلت: ليس لجعفر الصادق فيه شيء، وأنتم لا تعرفون مذهب جعفر الصادق. فإن قلتم: إن في مذهب جعفر الصادق تقية، فلا أنتم ولا غيركم يعرف مذهبه لاحتمال كل مسألة أن تكون تقية، فإنه بلغني عنكم أنه له في البئر إذا وقعت فيها نجاسة ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه سئل عنها فقال: هي بحر لا ينجسه شيء. ثانيها: أنها تنزح كلها. ثالثها: ينزح منها سبعة دلاء أو ستة. فقلت لبعض علمائكم: كيف تصنعون بهذه الأقوال الثلاثة؟ فقال: مذهبنا أن الإنسان إذا صارت له أهلية الاجتهاد يجتهد في أقوال جعفر الصادق فيصحح واحداً منها. فقلت: وما يقول في الباقي؟ قال: يقول إنها تقية. فقلت: إذا اجتهد واحد فصحح غير هذا القول فما يقول في القول الذي صححه المجتهد الأول؟ فقال: يقول إنها تقية. فقلت: إذن ضاع مذهب جعفر الصادق؛ إذ كل مسألة تنسب له يحتمل أن تكون تقية، إذ لا علامة تميز بين ما هو للتقية وبين غيره. فانقطع ذلك العالم.. فما جوابك أنت؟ فانقطع هو أيضاً (٢) .

стр. 539

ثم قلت له: فإن قلتم: (ليس في مذهب جعفر الصادق تقية) ، فهو ليس المذهب الذي أنتم عليه لأنكم كلكم تقولون بالتقية (١) . فانقطع الملابشي: ثم ذكرت له دلائل غير هذا تدل على أن الذي في أيديهم ليس بمذهب جعفر الصادق. المؤتمر في يومه الأول: اجتمع العلماء من السنة ومن الشيعة وقد ذكر السويدي معظم أسمائهم، وحضر للاستماع لما يقع حشد كبير من العرب والعجم والتركستان - كما أسلفنا - وكانت "أحداث" الاجتماع تنقل لنادر شاه بواسطة مخبرين كل لا يعلم عن صاحبه، فلا ينقل إليه إلا الواقع. وفي هذا الاجتماع قرر علماء الشيعة ومجتهدوهم جميعاً وعلى رأسهم كبير مجتهديهم الملاباشي أنهم ينزلون على مذهب أَهل السنّة في الصحابة فقالوا على لسان "الملاباشي" - كما يذكر السويدي - الصحابة، كلهم عدول رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأَفضل الخلق بعد النبي ﷺ أَبو بكر بن أَبي قحافة، فعمر بن الخطاب، فعثمان بن عفان، فعلي بن أَبي طالب ﵃ وأَن خلافتهم على هذا الترتيب الذي ذكرناه في تفضيلهم.

стр. 540

وقالوا عن المتعة: هي حرام لا يقبلها إِلا السفهاء منا. ووافقوا على أَن لا يحلوا حراماً معلوماً من الدين بالضرورة وحرمته مجمع عليها، ولا يحرموا حلالاً مجمعاً عليه معلوماً حله بالضرورة.. وبعد هذا الاعتراف والرجوع: قاموا كلهم وتصافحوا، ويقول أَحدهم للآخر: أَهلاً بأَخي، ثم انقضى المجلس قبيل المغرب من يوم الأَربعاء لأَربع وعشرين خلون من شوال من عام ١١٥٦هـ. المؤتمر في يومه الثاني (الخميس ٢٥ شوال ١١٥٦ه ـ) (١) : وجرى فيه تلاوة ما صيغ من مقررات المؤتمر في يومه الأَول، ذلك أَن نادر شاه قد أَمرهم أَن يكتبوا جميع ما قرروه والتزموه - في اليوم الأَول - في رقعة وأَن يحضروا في اليوم الثاني وفي نفس المكان لتلاوة ما اتفقوا عليه والتصديق على ذلك من الجميع. وكانت "جريدة المقررات" مكتوبة في اللغة الفارسية، وقد أَمر الملا باشي مفتي الركاب أَقا حسين أَن يقرأَها قائماً على رؤوس الأَشهاد، وكان مضمونها: إِن الله اقتضت حكمته إِرسال الرسل فلم يزل يرسل رسولاً بعد رسول حتى جاءت نبوة نبينا محمد المصطفى ﷺ . ولما توفي - وكان خاتم الأَنبياء والمرسلين - اتفقت الأصحاب ﵃ على أَفضلهم، وخيرهم، وأَعلمهم: أَبي بكر

стр. 541

الصديق بن أبي قحافة - رضي الله تعالى عنه - فأَجمعوا واتفقوا على بيعته، فبايعه كلهم حتى الإمام علي بن أَبي طالب بطوعه واختياره من غير جبر ولا إكره، فتمت له البيعة والخلافة وإجماع الصحابة ﵃ حجة قطعية، وقد مدحهم الله في كتابه المجيد فقال: (والسابقون الأًَولون من المهاجرين والأَنصار ((١) الآية وقال الله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إِذ يبايعونك تحت الشجرة ((٢) الآية وكانوا إِذ ذاك سبعمائة صحابي وكلهم حضروا بيعة الصديق. ثم عهد أَبو بكر الصديق بالخلافة لعمر بن الخطاب فبايعه الصحابة كلهم حتى الإِمام علي بن أَبي طالب، ثم إِن عمر (جعل الخلافة شورى بين ستة أَحدهم علي بن أَبي طالب فاتّفق رأيهم على عثمان بن عفان، ثم استشهد عثمان في الدار ولم يعهد، فبقيت الخلافة شاغرة، فاجتمع الصحابة في ذلك العصر على علي بن أَبي طالب. وكان هؤلاء الأَربعة في مكان واحد وفي عصر واحد ولم يقع بينهم تشاجر ولا تخاصم ولا نزاع، بل كان كل منهم يحب الآخر ويمدحه ويثني عليه.. فاعلموا أَيها الإِيرانيون أَن فضلهم وخلافتهم على هذا الترتيب فمن سبهم أَو انتقصهم فماله وولده وعياله ودمه حلال للشاه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وكنت (الضمير يعود لنادر شاه) شرطت عليكم حين المبايعة في صحراء مغان عام ١١٤٨ رفع السب، فالآن رفعته فمن سب قتلته وأَسرت أَولاده وعياله وأَخذت أَمواله. ولم يكن في نواحي إِيران

стр. 542

ولا في أَطرافها سب ولا شيء من هذه الأُمور الفظيعة، وإِنما حدثت أَيام الخبيث الشاه إِسماعيل الصفوي (١) ولم يزل أَولاده يقتفون أَثره حتى كثر السب وانتشرت البدع واتسع الخرق، منذ عام ثمانمائة وسبعة وخمسين، فيكون لظهور هذه القبائح قرابة ثلاثمائة سنة. ويلي هذا الكلام الصادر من الشاه والمكتوب في الرقعة ـ يلي ذلك تعهد على لسان الإِيرانيين ومضمونه: (أَنا قد التزمنا رفع السب وأَن الصحابة فضلهم وخلافتهم على هذا الترتيب الذي هو في الرقعة، فمن سب منا أَو قال خلاف ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أَجمعين..) . ويلي ذلك الكلام السابق نفسه موضوع على لسان أَهل النجف، وكربلاء والحلة (٢) والخوارزم (٣) . ويلي ذلك تعهد من الأَفغانيين (السنّة) ومضمونه: (أَن الإِيرانيين إذا التزموا ما قرروه ولم يصدر منهم خلاف ذلك فهم من الفرق الإِسلامية، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم) ثم يلي ذلك الكلام السابق نفسه موضوع على لسان علماء ما وراء النهر "السنّة". ثم صادق الجميع على ما جاء في الرقعة، كل وضع "خاتمه" تحت

стр. 543

الكلام الذي يخصه، ثم كتب السويدي شهادته على الجميع ونصها: (شهدت على الفرق الثلاث بما قرروه والتزموه وأَشهدوني عليهم) ثم وضع خاتمه تحت اسمه. يقول السويدي عن هذه النتيجة للمؤتمر: (وكان الوقت وقتاً مشهوداً من عجائب الدنيا، وصار لأَهل السنّة فرح وسرور لم يقع مثله في العصور ولا تشبهه الأَعراس والأَعياد والحمد لله على ذلك) . ويقول "نادر شاه": (كم جهز العثمانيون من عساكر.. ليرفعوا سب الصحابة فلم يوفقوا إِليه وأَنا ولله الحمد رفعته بسهولة) ، ويقول: (وأَنا لي منّة على جميع المسلمين حيث أَني رفعت السب عن الصحابة وأَرجو أَن يشفعوا لي) . وفي نهاية المؤتمر أَصبح ذكر الصحابة ومناقبهم ومفاخرهم في كل خيمة وعلى لسان الأَعاجم كلهم، بحيث يذكرون لأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهم - مناقب وفضائل يستنبطونها من الآيات والأحاديث مما يعجز عنه فحول أَهل السنّة ومع ذلك يسفهون رأي العجم والشاه إِسماعيل في سبهم. وفي يوم الجمعة (٢٦ شوال ١١٥٦هـ) أُقيمت صلاة الجمعة في جامع الكوفة، وفي الخطبة ترضى الخطيب على الخلفاء الأَربعة على الترتيب، وعلى بقية الصحابة والقرابة، ولكنه صلى صلاة خارجة عن المذاهب الأَربعة فأُخبر الشاه بذلك فغضب وأَمر برفع جميع ما شذت به الشيعة حتى السجود على التراب. ثم لم يلبث نادر شاه أَن توفي وحالت وفاته دون استثمار نتائج المؤتمر.

стр. 544

تقويم مؤتمر النجف: (أ) لا شك أن هذا المؤتمر يشكل نصراً لأهل السنّة، وإعلاء لكلمة الحق، وهو برهان عملي على أن الباطل لا يستطيع الوقوف أمام الحق إذا كان القول الفصل للحجة والبرهان لا للتعصب الأعمى أو السلطة الغاشمة. (ب) أن المنهج الذي سلكه السويدي لإقامة الحجة على الشيعة هو منهج فريد، ينبغي أن يُفاد منه في الردود على الروافض وأن يكون نواة لدراسة أكمل وأشمل على نفس النهج. (ج) اكتفى المؤتمر في مقرراته برفع سب الصحابة من الألسن ولم يتعرض لطلب رفع ما تحويه كتب الشيعة من طعن وسب وتكفير. ولا شك أن الأصل أن ترفع تلك الكلمات اللاعنة الطاعنة في خير جيل عرفته الإنسانية من الكتب المعتمدة عند القوم، لأنها هي التي يصدرون عنها في عقائدهم وأقوالهم، وما السب بالألسن إلا ثمرة عملية للتلقي والتربي على هذه المصادر. وهي التي تؤجج نيران الحقد والبغضاء، وتزرع الفرقة والخلاف، وتنأى بهم عن جماعة المسلمين. (د) ثم إن "المؤتمر" لم يتعرض إلى الأثر العملي لترك سب الصحابة والطعن فيهم وهو الاحتجاج بمروياتهم وقبول أحاديثهم. ذلك أن سب الصحابة والنيل منهم ما هو إلا

стр. 545

مؤامرة على "السنّة المطهرة" في أهدافه القريبة، وأما أهدافه البعيدة فهي النيل من كتاب الله (، ومن شريعة الإسلام كلها. (هـ) لقد كان لعقيدة التقية عند الروافض دور كبير في عدم الإفادة من النتيجة التي انتهى إليها المؤتمر، واستثمار ذلك في جمع كلمة المسلمين. ولم يخف على السويدي ﵀ ألاعيب الروافض في هذا المجال. ومن ملاحظاته الطريفة في ذلك والتي قد تشير إلى حقيقة مسلك بعض علماء الشيعة في هذا المؤتمر قوله عن خطبة صلاة الجمعة التي أُقيمت بعد المؤتمر وصعد الكربلائي فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم قال: (وقال الخليفة الأول من بعده على التحقيق، أبي بكر الصديق، ﵁ وعلى الخليفة الثاني الناطق بالصدق والصواب سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ لكنه كسر الراء من "عمر" مع أن الخطيب إمامٌ في العربية لكنه قصد دسيسة لا يفهمها إلا الفحول، وهي أن منع صرف عمر إنما كان للعدل والمعرفة، فصرفه هذا الخبيث إلى أنه لا عدل فيه ولا معرفة قاتله الله من خطيب وأخزاه ... ) (١) .

стр. 546

المحاولات المعاصرة (أ) محاولات جماعية: قامت عدة محاولات "جماعية" للتقريب من أهل السنة والشيعة في هذا العصر. والذي اطلعت عليه من ذلك ما يلي: ١- محاولة جماعة سمّت نفسها "جماعة الأخوة الإسلامية ": والمعلومات عن هذه الجماعة لم تتوفر - حسب علمي - إلا عن طريق أحد الباطنيين الإسماعيليين ويدعى محمد حسن الأعظمي، قال عنه محمود الملاح: (محمد الأعظمي نسبة إلى "أعظم كره" في الهند لا "أعظمية بغداد"، وهو يبطن إسماعيليته، ويتصنع الدعوة للوحدة الإسلامية، وتورط في دعوته كثير من الفضلاء، بحيث أني أخجل من ذكر أسمائهم. فيا لضيعة الحقائق) (١) . يزعم هذا الباطني أنه أنشأ هذه الجماعة عام ١٩٣٧م، وجعل مركزها "قبة الغوري بمصر" (٢) ثم انتقل بعد ذلك إلى كراتشي عام ١٩٤٨ (٣) ، وزعم أنها تضم طائفة من رجال الفكر والعلم في مصر (٤) .

стр. 547

وادعى أنه يشترط في المشتركين في جماعته أن يكونوا من أتباع المذاهب التي لا تخالف نص الكتاب، أو صحيح السنّة، وإجماع الأمة (١) ، وكان من نشرات هذا الإسماعيلي التي ينشد فيها الوحدة والتقريب - كما يدعي - كتابه «الحقائق الخفية عن الشيعة الفاطمية والاثني عشرية» والذي نشر عام ١٩٧٠م وتستر فيه على مذهبه الباطني، فقال: (وجوابي لكل من سألني عن المذهب الذي أنتمي إليه أني أقول كلمة واحدة أني مسلم مؤمن) (٢) مع أن الرجل يسعى في نشر مذهبه الباطني (٣) . وأقول إن مما يشكك في حقيقة هذه الجماعة، والدعاوى الكثيرة التي ينسجها هذا الرجل حولها هو تفرد هذا الباطني بنشرها. ولولا خشية الاغترار بها لما أشرت إليه. ٢- دار الإنصاف: تأسست - كما يقول بعض أعضائها - (٤) عام ١٣٦٦هـ من

стр. 548

فريق أهل التقوى والصلاح، وكان من خطتها (فهم المذاهب الإسلامية على منهاج دار تقريب المذاهب الإسلامية في مصر..) (١) . ومن كتبهم التي أصدروها من أجل التقريب كتاب «الإسلام بين السنّة والشيعة» في جزئين. وقد بنوه على أصل خاطئ وهو أن الرافضة فئة اندرست وهم الذين يكرهون الصحابة، أما الشيعة فيحبون الشيخين ويترضون على الصحابة (٢) . وأقول أما أن الشيعة يحبون الصحابة فقد سبق جوابه (٣) . وأما أن الرافضة غير الشيعة فهذا ما يرده الشيعة أنفسهم، وقد عقد شيخهم المجلسي باباً في تأكيد هذا في كتابه «البحار» بعنوان (باب فضل الرافضة ومدح التسمية بها) (٤) ، كما أن عدداً من شيوخ الشيعة المعاصرين يؤكدون أن هذه التسمية خاصة بهم (٥) . ٣- دار التقريب بين المذاهب الإسلامية: لكن أبرز هذه المحاولات وأهمها وأكبرها والتي تستحق أن

стр. 549

نعرض لها بشيء من التفصيل، وأن نخصها بالدراسة والتقويم هي "محاولة" جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر. هذه المحاولة دعا إليها شيخ رافضي من قم "بإيران" ويدعى محمد تقي القمي في عام ١٣٦٤ هـ تقريباً، واستجابت لدعوته ثلة من علماء مصر، ومن زيدية اليمن، وقد اتخذ لها مقراً في القاهرة باسم «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية» ، ثم قامت الجماعة بإصدار مجلة باسم «رسالة الإسلام» (١) لخدمة أغراضها. وقد حملت إلينا مجلة الأزهر "وثيقة هامة" لأحد كبار أعضاء جماعة التقريب وأحد المشاركين في نشأة "الجماعة" وهو الشيخ عبد اللطيف محمد السبكي عضو جماعة كبار العلماء، يصف لنا نشأة الجماعة وخط سيرها، والهدف الذي تسعى لتحقيقه. يقول: (.. جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية، نشط في تكوين هذه الجماعة شيخ شيعي.. يقيم في مصر لعهد قريب أو بعيد، وقد استجاب لدعوته ثلة كريمة من رجالات مصر، ولم يكن يسع مسلماً أن يتخلف عن تلبية الدعوة لتجديد وحدة المسلمين التي هتف بها القرآن أول ما هتف: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢) ، (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (٣) .

стр. 550

جذبتني هذه الدعوة، فشرفت بالعضوية المتواضعة بين أولئك الأمجاد، فماذا أجدت جماعتنا وقد مضى عليها أربع سنوات تقريباً؟ نشطت في صدر عهدها إلى تعاقب الاجتماعات، فمرة: للتعارف واختيار الرئيس والوكيل والسكرتير إلخ. ومرة ثانية: لاستقبال ضيف شرقي مسلم سيزور دارنا، دار التقريب، وثالثة: لسماع رسائل وردت من جهات إسلامية، ومن بينها رسالة من النجف - مركز الشيعة - يطلب مرسلوها كلمة تلقى هناك في الذكرى الموسمية للإمام الحسين بن علي ﵂، ثم يقترح علينا في هذه الجلسة أن تطلب الجماعة إلى الأزهر تدريس الفقه الشيعي إلى جانب مذاهب أهل السنة، ويتوارى الاقتراح في سرعة لأنه قبل أوانه كما همس بذلك من همس. وبعد ذلك توقفت الاجتماعات، وانحصرت الجهود في مجلة تصدرها دار التقريب هذه وتسميها «رسالة الإسلام» (١) . وقد اعترف أحد شيوخ الروافض بأن إنشاء دار التقريب كان عن سابق اتفاق من شيوخ الشيعة وقال: (ليس له - أي القمي - ولا لغيره من الناس أن يقوم بمثل هذا العمل من وراء المراجع ومن غير موافقتهم) (٢) . إذن هي خطة مبيتة..، والغريب - فيما يبدو - أن هذا الأمر غير واضح عند بعض أعضاء الجماعة حتى خفي عليهم الجهة التي تمول "دار التقريب"، حتى قال أحد كبار أعضائها - بعد مضي أربع سنوات على إنشاء الدار ـ قال: (ورابني ويجب أن يرتاب

стр. 551

معي كل عضو بريء أنها تنفق عن سخاء دون أن نعرف لها مورداً من المال، ودون أن يطلب منا دفع اشتراكات تنفق على دار أنيقة بالزمالك في القاهرة فيها أثاث فاخر، وفيها أدوات قيمة، وتنفق على مجلتها فتكافئ القائمين عليها، وتكافئ الكاتبين فيها وتتأنق في طبع أعدادها، وتغليف ما يطبع، إلى غير ذلك مما يحتاج إلى مورد فياض.. فمن أين ذلك؟؟!! وعلى حساب من يا ترى؟!!) (١) . أما قيام الشيعة بإرسال داعية لها إلى مصر وهو القمي فلم تكن هذه الحادثة أول مرة، بل كان هذا القمي ثالث ثلاثة تعاقبوا في المجيء إلى مصر، ورفعوا شعار التقارب والوحدة (٢) - في هذا

стр. 552

القرن - كما أن هذا الصنيع من "الرافضة" قد سبق ما يشبهه في العصور الغابرة (١) . كما تبين لي أثناء زيارتي إلى مصر - من أجل جمع المادة العلمية للموضوع - أن هذا القمي لم يكن آخر رسول من الروافض - أيضاً - فقد قامت الرافضة - بعد رحيل القمي وتوقف نشاط دار التقريب - بإرسال رسول آخر يدعى "طالب الرفاعي الحسيني" ويلقب نفسه بـ"إمام الشيعة في جمهورية مصر العربية" إلى مصر، ولم يرفع هذا الرفاعي شعار التقريب الذي أثار ثائرة بعض علماء السنّة، بل حاول الدخول إلى قلوب المصريين بمدخل يتقن الروافض اللعب فيه وهو مدخل "آل البيت"، فأنشأ داراً أسماها "دار أهل البيت" تقوم هذه الدار بنشر كتب الروافض، وإحياء مواسم الرافضة والتبشير بـ"الرفض" بأساليب مختلفة بين أهالي مصر (٢) .

стр. 553

أما المذاهب التي تسعى للتقريب بينها: فقد أعلنت التقريب بين المذاهب في حين اقتصر نشاطها في التقريب بين دين الشيعة الإمامية وبين مذهب أهل السنّة. أما لون هذا التقريب ومعناه: فقد رفعت شعاراً ومفهوماً للتقريب ونفذت شيئاً آخر. رفعت شعار التقريب بين أصحاب المذاهب مع احتفاظ كل بمذهبه، يقول الرافضي القمي مؤسس الدار: (إن دعوتنا أن يتحد أهل الإسلام على أصول الإسلام التي لا يكون المسلم مسلماً إلا بها، وأن ينظروا فيما وراء ذلك نظرة من لا يبتغي الفلج والغلب، ولكن يبتغي الحق والمعرفة الصحيحة، فإذا استطاعوا أن يصلوا بالإنصاف والحجة البينة إلى الاتفاق في شيء مما اختلفوا فيه فذاك، وإلا فليحتفظ كل منهم بما يراه وليعذر الآخرين، ويحسن الظن بهم، فإن الخلاف على غير أصول الدين لا يضر بالإيمان، ولا يخرج المختلفين عن دائرة الإسلام) (١) .

стр. 554

وتقول مقدمة كتاب دعوة التقريب: (ليس من غايتنا أن يترك السنّي مذهبه، أو الشيعة مذهبه، وإنما نريد أن يتحد الجميع حول الأصول المتفق عليها، ويعذر بعضهم بعضاً فيما وراء ذلك، مما ليس شرطاً من شروط الإيمان ولا ركناً من أركان الإسلام، ولا إنكاراً لما هو معلوم من الدين بالضرورة) (١) . هذا الشعار هو الذي رفعته دعوة التقريب، ولكنها نفذت شيئاً آخر سوى ذلك. فها هي تلك مجلة التقريب تنشر بحثاً طويلاً بعنوان "منهاج عملي للتقريب" لأحد كبار روافض إيران (٢) يطالب فيه أهل السنّة بأن يرجعوا في دينهم إلى مصادر الشيعة الثمانية، وبأن ينصب كرسي لتدريس فقه الروافض في مصر وآخر لتدريس عقائدهم، وأن يعترفوا ويؤمنوا بمسألة الإمامة عندهم. ولم يقتصر الأمر على مجرد الدعوة، بل قام الروافض بتزيين آرائهم للشيخ شلتوت شيخ الأزهر في هذا الموضوع، فلبى رغبتهم ونفذ بعض مطالبهم، فتولى بنفسه محاولة تنفيذ هذه المهمة في إبّان مشيخته للأزهر فوضع مشروعاً يجعل للروافض - كما تقول مجلة رسالة الإسلام - نصيباً مقسوماً في الفقه وأصوله وتاريخه وفي مصطلح الحديث ورجاله وفي دراسة الكتب الأمهات وأصحابها الثقات (٣) في الأزهر. ولكن

стр. 555

وقوف بعض شيوخ الأزهر حال دون تنفيذ المشروع (١) . وبعد ذلك يخرج تقي القمي عن تقيته ويكشف عن هدفه وغرضه ويزيل الستار عن مهمة الدار الخفية، فيدعو المسلمين صراحة دون تورية أو تقية إلى الأخذ بعقيدة الشيعة وآرائها، فيقول ـ بعد أن يزعم أن أهل السنّة في مصر أخذوا ببعض آراء الشيعة الفقهية ـ فيقول: (فماذا عليهم لو استقبلوا ما وراء الفقه، كما استقبلوا الفقه وما الفرق بين الفروع العملية والفروع العلمية؟) (٢) . ثم قامت الدار بالدعاية للتشيع عن طريق نشر الكتاب الشيعي وترويجه بين أهل السنّة وراحت تستكتب بعض ذوي الأطماع المادية، والنفوس الضعيفة لوضع مقدمات لكتب الشيعة التي أزمعوا نشرها بين أهل السنّة (٣) ، فنشروا عدة كتب من كتب الروافض مثل (٤) : ١- «المختصر النافع» : لنجم الدين الحلي (ت ٦٧٦هـ) . وقد طبع هذا

стр. 556

الكتاب مراراً في مصر (١) . ٢- «تذكرة الفقهاء» : للحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي (ت ٧٢٦هـ) . ٣- «وسائل الشيعة ومستدركها» : «الوسائل» لمحمد بن علي بن حسن الحر العاملي (ت ١١٠٤هـ) ، و «المستدرك» لشيخهم حسين النوري الطبرسي صاحب كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» . ٤- «الحج على المذاهب الخمسة» : (أي الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والجعفري) . ٥- «تفسير مجمع البيان» : للطبرسي (ت ٥٤٨هـ) (٢) . ٦- «حديث الثقلين» : محمد قوام الدين القمي - معاصر - (٣) . ومن الملاحظ أنهم اهتموا بنشر كتب الفقه بالذات وبدأوا بالفروع قبل الأصول، مع أن الفرقة الكبرى هي في مسائل الأصول والعقيدة، أما قضايا الفقه فهم وإن كان لهم في كل باب من أبواب الفقه شواذ غريبة، إلا أن معظم مسائل أبواب الفقه يشتركون فيها مع أهل السنة، لأنه لا فقه لهم إلا ما أخذوه عن طريق أهل

стр. 557

السنة (١) وبالتشابه الفقهي يصطادون بعض المغفلين. ومجلة الدار المسماة «رسالة الإسلام» تتولى الدعاية للتشيع والدفاع عن عقائد الشيعة (٢) ، والتعريف والدعاية بكتب الشيعة ونشراتها (٣) والثناء والمديح لرجالات الروافض، وتأبين موتاهم (٤) ، وتسيطر أخبارهم ونشر مقالاتهم وكلماتهم. كما تتولى الدار إقامة "الحفلات" وإصدار النشرات وكتابة المقالات في مناسبات أئمة الروافض الاثني عشر. ثم استطاع الروافض في ظل دعوة التقريب أن يخدعوا شلتوت شيخ الأزهر بالقول بأن مذهب الشيعة لا يفترق عن مذهب أهل السنة، ويطلبوا منه أن يصدر فتوى في شأن جواز التعبد بالمذهب الجعفري. فاستجاب لهم وأصدر فتواه (٥) في سنة ١٣٦٨هـ بجواز التعبد بالمذهب الجعفري (٦) . فطار الروافض بهذا فرحاً، واعتبروا هذه الفتوى هي القطف

стр. 558

الشهي والثمرة الكبرى.. لدعوة التقريب، لأنها تعطيهم - كما يتصورون - "الشرعية" في التبشير بالرفض في ديار السنة. كل هذه "الأهداف" تنفذ باسم التقريب بين المسلمين، فصار مفهوم التقريب في قانون الجماعة الحقيقي هو نشر التشيع والرفض في ديار السنة. فلهذا خابت آمال المخلصين المشتركين بهذه الجماعة بصمت ومنهم من أعلن عن ذلك. فهذا د. محمد البهي - مثلاً - يستبشر بنشأة الجماعة ويشيد بها ويضع يده في يدها - كما ذكرت ذلك مجلة التقريب (١) ، ولكنه بعد ذلك يخيب أمله ويسجل رأيه في ذلك بقوله: (وفي القاهرة قامت حركة تقريب بين المذاهب الإسلامية لتقريب ما بين السنة والشيعة. وبدلاً من أن تركز نشاطها على الدعوة إلى ما دعا إليه القرآن إذا وصل الخلاف في الرأي إلى نزاع كما جاء في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٢) ركزت نشاطها إلى إحياء ما للشيعة: من فقه.. وأصول.. وتفسير.. ونشر المقالات التي تدعو دعوة عامة إلى عدم التفرقة بين المسلمين) (٣) . وهذا الشيخ السبكي ينفض يده عن هذه الجماعة بعد أربع

стр. 559

سنوات من نشأتها وذلك بعد ما تبين له حقيقة أهدافها - كما مر -. وهذا الشيخ محمد عرفة عضو كبار العلماء والشيخ طه محمد الساكت وغيرهما يتركون الجماعة بعدما استبانت لهم أغراضها (١) . ويتابع الأعضاء المخلصون في التخلي عن جماعة أرادت أن تنشر الرفض في ديار المسلمين باسم الوحدة والتقريب، حتى وصف الشيخ محب الدين الخطيب ما آل إليه أمر دار التقريب وجماعة التقريب بقوله: (انفض المسلمون جميعاً من حول دار التخريب التي كانت تسمى دار التقريب ومضى عليها زمن طويل والرياح تصفر في غرفها الخالية تنعي من استأجرها. ثم يذكر أنه لم يبق متعلقاً بعضويتها إلا فئة من المنتفعين مادياً من وراء انتمائهم إلى هذه الدار وأن العلماء المخلصين من أهل السنّة انكشف لهم المستور من حقيقة دين الرافضة ودعوة التقريب التي يريدها الروافض، فانفضوا عن هذه الدار وعن الألاعيب التي كان يراد إشراكهم في تمثيلها) ، ثم يقول الخطيب: (فلم يبق موضع عجب إلا استمرار النشر الخادع في تلك المجلة. ولعل القائمين يضعون لها حداً) (٢) . ولكن هذه المجلة «رسالة الإسلام» التي يشير الخطيب إلى استمرار صدورها ما لبثت أن توقفت بصدور آخر عدد في ١٧ رمضان ١٣٩٢هـ وهو العدد (٦٠) . وقد زرت الدار أثناء تحضيري لهذه الرسالة - ١٣٩٩هـ-

стр. 560

فوجدتها مهجورة من أعضائها ومن زوارها، ولا أثر فيها لأي نشاط، وقد لبثت أتردد على مكتبتها أياماً فلا أرى أحداً يؤمها. ولما شعر الروافض بفشلها ويئسوا من نجاحها أنشأوا داراً أخرى لنشر "عقيدة الرافضة" بين أهل السنّة في مصر، ولا تزال إلى هذا الوقت تمارس نشاطها بمختلف الأساليب وهي "جمعية أهل البيت" (١) . التقويم: ١- إن استجابة طائفة من كبار علماء مصر أمثال عبد المجيد سليم وغيره لدعوة التقريب بين المسلمين هي استجابة طبيعية لأن الله سبحانه يقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، وما كانت دعوة التقريب قد أبانت عن حقيقتها وأهدافها، بل رفعت شعارات إسلامية تتستر بها على ما تهدف إليه، فلا يتوجه اللوم إلى هؤلاء في نظري. ٢- جماعة التقريب استهدفت أهل السنّة، وساهمت في نشر الكتاب الشيعي بين أهل السنّة، ولم تقم بنشر الكتاب السنّي في ديار الشيعة، وحاولت تدريس مذهب الشيعة في الأزهر، ولم تحاول تدريس مذهب أهل السنّة في حوزات الشيعة العلمية في النجف أو قم أو عامل أو غيرها من مراكزهم. ولا شك أن هذا لا يؤدي الغرض من التقريب، لأنه من طرف واحد ولا بد من اشتراك أطراف النزاع في موضوع التقريب، ثم هو يدل على نيّة مبيّتة، وهدف مرسوم وراء دعوة التقريب

стр. 561

وهو نشر الروافض بين المسلمين، وإلا فلم يخص أهل السنّة وبلاد السنّة بذلك مع أن الروافض هم الذين يتحملون كبر الفرقة؟، ذلك أن أهل السنّة خاصتهم وعامتهم في مشارق الأرض ومغاربها يجلون علي بن أبي طالب (وأهل بيت الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين إجلالاً لا مزيد عليه، ويحبونهم حباً يرضاه الله ورسوله وأهل البيت، ولكن الشيعة هم الذين ينالون من صحابة رسول الله ﷺ ولا سيما صديق الأمة، وفاروقها. فأحرى بدعوى التقريب أن تقام في ديارهم وأجدر بأن تتوجه الجهود المقرّبة إليهم، فأهل السنّة، يحتاجون إلى تقريب. ٣- أليس من الأصول أن يقوم هؤلاء العلماء من السنّة (من أعضاء الجماعة) بدراسة مذهب الشيعة من خلال كتبها الأصيلة ليتعرفوا على مدى إمكانية التقريب، وعلى أي وجه يكون التقريب (إذا أمكن) بدل أن يكونوا ضحية تقية الشيعة وخداعهم؟. ٤- في كل دعوة للتقارب لا بد من البدء بالأصول قبل الفروع، ومن الغفلة أن يبدأ بدراسة الخلافات الفقهية بين السنّة والشيعة. والشيعة تشذ عن الأمة بكتبها في الحديث ورجالها، وأصولها، في مدلول القرآن ومفهوم السنّة، وفي حجية الإجماع. فأين الأصل الواحد الذي تناقش على ضوئه الخلافات الفقهية؟. ٥- فتوى شلتوت التي تعتبرها جماعة التقريب ثمرة التقريب وقطفه الشهي هل كانت مبنية على دراسة لمذهب الشيعة أم

стр. 562

مبنية على تصديق شلتوت لدعاوى القمي وغيره بأنه لا خلاف بين السنّة والشيعة؟. الذي أرجحه بناء على ما سمعته من بعض معاصري شلتوت ومجالسيه هو الثاني، ومما يؤكد جهل الشيخ شلتوت بالشيعة أنه يرى أن السبيل الوحيد إلى إعادة الصف الإسلامي إلى وحدته وقوته أن لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، وأن نطرح وراء ظهورنا تلكم التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية من كتاب وسنّة صحيحة، وأن نفهمها كما فهمها المعاصرون للتنزيل وأن نجعل أهواءنا تبعاً لديننا ولا نجعل ديننا تبعاً لأهوائنا، وأن نحارب احتكار فرد أو أفراد تعاليم الدين، فما كان الإسلام دين أسرار وأحاج لا يعرفها إلا طائفة خاصة تطلع عليها من تشاء وتمنعها عمن تشاء، فما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وطلب من أصحابه وأتباعه أن يبلغوا ما علموه ... (١) . فشلتوت بهذا القول كأنه يحكم على الشيعة ـ التي أفتى - جهلاً منه - بجواز التعبد على مذهبها ـ يحكم عليها بأنها لم تسلك سبيل التقريب، لأن الشيعة على خلاف تام لهذه الأركان التي وضعها للتقريب، فاتخاذهم للأئمة أرباباً من دون الله منتشر عندهم وفي كتبهم، وهم أهل التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية، ويرون أنه من الكيد للإسلام أن نفهم هذه النصوص كما فهمها المعاصرون للتنزيل من الصحابة، وهم بمزاعمهم في أئمتهم ودعاويهم في مجتهديهم يمثلون في الإسلام ذلك الاحتكار للدين

стр. 563

الذي يعنيه شلتوت، وهم يقولون بأن في دين الله أسراراً وأحاجي لا يعلمها إلا طائفة خاصة ـ بزعمهم هم أهل البيت لأن الرسول ﷺ كتم قسماً من الشريعة وأودعه إياهم وهم وحدهم عندهم الجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة، وعلم ما كان، وما يكون.. إلخ ـ، ولمجتهديهم اتصال بالمنتظر الذي انتهت إليه هذه العلوم بزعمهم.. إلخ. كما شرحنا ذلك بالشواهد والأرقام. فكأن شلتوت بهذا القول ينقض فتواه بنفسه. ومن المفارقات أن أحد شيوخ الشيعة الذين ينادون بالوحدة الإسلامية سئل عن جواز التعبد بالمذاهب الأربعة فأفتى بالمنع من ذلك (١) . ٦- وعلى الرغم من قيام الشيعة بتأسيس دار التقريب ومجلتها وجماعتها واستجابة بعض علماء الأزهر لفكرتهم لم نر لهذه الدعوة لهذا التقارب أي أثر بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير الكاذب لما كان بين الصحابة من خلاف، ولا تزال مطابع الروافض تقذف سنوياً بعشرات الكتب التي تحمل اللعن والتكفير والتخليد بالنار لخير القرون. وقد بعث أحد القراء المؤمنين بفكرة التقريب برسالة إلى شلتوت بعد إصداره لفتواه يذكر له ما ينشر في بلاد الشيعة من كتب لا تتفق ودعوة التقريب ويدعوهم لأن يجدوا لذلك

стр. 564

حلاً (١) ، فأجابه شلتوت: (يمكنكم أن ترجعوا إلى مجلة «رسالة الإسلام» لتروا فيها ما يشفي الغلة ويطمئن القلوب إن شاء الله تعالى) (٢) . وهو جواب يشبه فتواه في الشذوذ والغرابة. ٧- جاء في القانون الأساسي لجماعة التقريب في المادة الثانية ما يلي: "أغراض الجماعة هي": العمل على جمع كلمة أرباب المذاهب الإسلامية "الطوائف الإسلامية" الذين باعدت بينهم آراء لا تمس العقائد التي يجب الإيمان بها (٣) . وفي هذا القانون الذي قامت عليه الجماعة عدة أخطاء - في نظري -:

стр. 565

أولاً: أنها فسرت المذاهب الإسلامية بالطوائف الإسلامية، ولا شك أن مصطلح "الطوائف" إنما يطلق على مثل المعتزلة والخوارج والشيعة، فهل دار التقريب تعتبر المذاهب الأربعة طوائف، فتكون قد قامت على قانون يفرق بين المسلمين ولا يقربهم؟. فلا شك أن هذا التفسير يخرج المذاهب الأربعة؛ لأنها ليست بطوائف. لكن دار التقريب أشاعت هذا المفهوم الخاطئ وهو اعتبار المذاهب طوائف. كما قالت: المذاهب أو الطوائف الستة - تعني المذاهب الأربعة، وطائفة الزيدية والشيعة - وفي هذا مغالطة تكمن في اعتبار تعدد المذاهب الفقهية لدى أهل السنّة هو من قبيل تعدد الفرق والطوائف، والحق أن يقال مذهب أهل السنّة ومذهب الشيعة. ثانياً: ثم هل مذاهب أهل السنة - المتوارثة عن أئمة الهدى المعروفين ﵏ هل تحتاج إلى من يقرب بينها مثلها في ذلك - على حسب صنيع دار التقريب - مثل مذهب الشيعة مع غيره؟. لا شك أن في هذه التسوية خطأ، والسعي في التقريب بين المذاهب الأربعة سعي في تحصيل الحاصل بالنظر إلى أن أئمة تلك المذاهب أسرة واحدة في خدمة الدين، والرجوع إلى الكتاب والسنّة، والاحتجاج بالإجماع والقياس حتى نضج الفقه الإسلامي على أيديهم. ثالثاً: وقول "قانون الجماعة" أنه أوقع التباعد بين هذه الطوائف آراء لا تمس العقائد: مخالف للواقع؛ إذ كيف يقال هذا والرافضة تكفر من أنكر إمامة أئمتهم الاثني عشر؟، ومعنى هذا أن أهل السنّة في اعتقاد الرافضة مخالفون لهم في أصل الاعتقاد، ثم هل مواقف الشيعة من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ -
следующие страницы →