← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 127654

إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق صلى الله عليه وسلم

النووي

Полный текст (857 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتاب إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق ﷺ تأليف الإمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي (٦٣١ هـ - ٦٧٦ هـ) تحقيق وتخريج ودراسة عبد الباري فتح الله السلفي [المجلد الأول]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

حُقُوق الطّبع مَحفُوظة الطّبعَة الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م مَكتبَة الأَيمَان ص. ب: ١١٦٥ - المَدينَة المُنوّرة، السُعوديّة قامَت بطبَاعَته وَإخرَاجه دَار البشائر الإسْلاميّة للطبَاعَة وَالنشرَ والتَوزيع بَيروت، لبنان - ص. ب: ٥٩٥٥ - ١٤ وَيُطلبْ مِنهَا

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شكر وتقدير الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فقد منّ الله عليَّ بالانتهاء من إعداد هذه الرسالة العلمية لنيل درجة الماجستير، فاعترافًا بالحق لأهله - كما قال رسول الله ﷺ : "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" (١). أتقدم بالشكر الجزيل للجامعة الإِسلامية التي أتاحت لي الفرصة للدراسة تحت رعايتها وهيأت لنا العلماء الصالحين، ووفرت لنا كل ما نحتاج إليه طيلة دراستنا بها. وأرجو الله أن يديمها نعمة علينا ويسدد خطاها فيما ترجوه وتصبو إليه، وليس ذلك عليه بعزيز. وأُثني بالشكر والتقدير لفضيلة رئيسها الدكتور عبد الله صالح العبيد، أخذ الله بيده وسدد خطاه ورزقه البطانة الصالحة. كما أتقدم بخالص الشكر والدعاء لفضيلة أستاذي الدكتور محمود أحمد ميرة المشرف على هذه الرسالة، والذي لم يأل جهدًا في إبداء توجيهاته القيمة وملاحظاته السديدة، وتوفيره لي كثيرًا من المصادر النادرة المخطوطة والمطبوعة

стр. 5

ثم أتقدم بالشكر والدعاء وبالغ التقدير والاحترام إلى كل من فضيلة أستاذي العلّامة عبد المحسن بن حمد العباد، وفضيلة الشيخ أستاذي المحدث الكبير حماد بن محمد الأنصاري، لما بذلاه من توجيهات قيمة أيام الدراسة والتحضير، فإنهما فتحا أمامي - بعد الله تعالى - بابًا واسعًا في هذا العلم الشريف، ومهدا لي الطريق إليه، وعرفاني فوائده. فبارك الله في أعمارهما وجمعني بهما في الدار الآخرة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. آمين. ثم أتقدم بجزيل الشكر وفائق الاحترام إلى أستاذي الدكتور ربيع بن هادي المدخلي رئيس شعبة السنة في قسم الدراسات العليا والذي ساعدني وتعاون معي في اختيار الموضوع، والحصول على النسخ المخطوطة من الكتاب، وأرشدني إلى القيام برحلة علمية إلى بعض البلدان للبحث عن نسخ الكتاب، فجزاه الله عني خير الجزاء، وبارك في أيامه وأطال عمره، مع العمل الصالح. ثم أتقدم بالشكر إلى كل من وجهني وقدم لي عونًا أيًا كان من الأساتذة الكرام، والأصدقاء والزملاء، وأخص بالذكر فضيلة الدكتور الأستاذ صالح بن سعد السحيمي، فإنه أفادني طيلة دراستي بالجامعة الإِسلامية كثيرًا في ميدان العقيدة ومسائل الفقه، وللجميع مني الدعاء الصالح. وأختم بالشكر والتقدير لكل أساتذتي في قسم الدراسات العليا وعلى رأسهم رئيس قسم الدراسات العليا فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان حفظه الله وتولاه، آمين. قال رسول الله ﷺ : "من صنع إليه معروف، فقال لفاعله جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء" (١).

стр. 6

الإِمام النووي، ﵀ اسمه ونسبه ولقبه: هو يحيى بن شرف بن مري (١) بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام أبو زكريا ابن الشيخ الزاهد الورع ولي الله تعالى أبي يحيى الحزامي (٢) - نسبة لجده حزام المذكور - (٣) النووي (٤)، ثم الدمشقي الشافعي (٥).

стр. 7

ولقب بمحي الدين، وكان يكره أن يلقب به تواضعًا، وصح عنه أنه قال: لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين. (١) مولده واشتغاله بالعلم: ولد الإِمام النووي في العشر الأوسط (٢) من المحرم، وقيل في العشر (٣) الأول سنة إحدى وثلاثين وستمائة بنوى. ختم القرآن وقد ناهز الحلم (٤)، قال الشيخ النووي، فلما كان عمري تسع عشرة سنة قدم بي والدي في سنة تسع وأربعين إلى دمشق، فسكنت المدرسة الرواحية (٥)، وبقيت نحو سنتين لا أضع جنبي بالأرض (٦)، وأتقوت بجراية (٧) المدرسة، وحفظت التنبيه (٨) في نحو أربعة

стр. 8

أشهر ونصف، ثم حفظت ربع العبادات من المهذب (١) في باقي السنة، فلما كانت سنة إحدى وخمسين حججت مع والدي. ارتحلنا من أول رجب، فحصلت الإِقامة بالمدينة النبوية نحوًا من شهر ونصف شهر. وقال والده: انه من حين توجهنا من نوى أخذت الشيخ حمي فلم تفارقه إلى يوم عرفة، وهو صابر لم يتأوه. قال الذهبي: ذكر شيخنا أبو الحسن ابن العطار، أن الشيخ محي الدين ذكر له أنه كان يقرأ كل يوم إثني عشر درسًا على مشايخه، شرحًا وتصحيحًا، درسين في الوسيط (٢)، ودرسًا في المهذب، ودرسًا في الجمع بين الصحيحين ودرسًا في صحيح مسلم، ودرسًا فِى اللمع لابن جني، ودرسًا في إصلاح المنطق ودرسًا في التصريف، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين. قال: وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل، ووضوح عبارة، وضبط لغة وبارك الله تعالى لي في وقتي. وخطر لي أن أشتغل في

стр. 9

الطب واشتريت "كتاب القانون" فأظلم قلبي، وبقيت أيامًا لا أقدر على الاشتغال، فأفقت على نفسي وبعت القانون فأنار قلبي (١). أبرز شيوخه وتلامذته: أبرز شيوخه في الحديث: أخذ فقه الحديث عن الشيخ المحقق أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي (٢) الشافعي (ت ٦٦٨). وقرأ على الحافظ الزين أبي البقا خالد (٣) بن يوسف بن سعد النابلسي (ت ٦٦٣) الكمال في أسماء الرجال للمقدسي، وعلق عليه حواشي وضبط عنه أشياء حسنة. وسمع الحديث على الشمس أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي (٤) (ت ٦٨٢) وهو أجل شيوخه. وأبي العباس أحمد بن عبد الدائم المقدسي (٥) (ت ٦٦٨). وأبي محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي (٦) (ت ٦٧٢).

стр. 10

وشيخ الشيوخ الشرف أبي محمد عبد العزيز أبي أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن الأنصاري (١) (ت ٦٦٢). والقاضي عماد الدين أبي الفضائل عبد الكريم بن عبد الصمد بن الحرستاني (٢) خطيب دمشق (ت ٦٦٢). وأبي الفضل محمد بن محمد بن محمد البكري الحافظ (٣). وأبي زكريا يحيى بن أبي الفتح الحراني الصيرفي (٤) (ت ٦٧٨). والرضى أبي إسحاق (٥) إبراهيم بن عمر بن نصر الواسطي (٦٩٢)، فإنه سمع عليه صحيح مسلم، كما ذكر في أول شرحه (٦) له. أبرز شيوخه في الفقه وأصوله: أول شيوخه في الفقه الإِمام المتفق على علمه، أبو إبراهيم أسحق (٧) بن أحمد بن عثمان المغربي ثم المقدسي (ت ٦٥٠)، وكان (٨) معظم انتفاعه عليه.

стр. 11

والإِمام الزاهد مفتي دمشق في وقته أبو محمد عبد الرحمن (١) بن نوح بن محمد المقدسي ثم الدمشقي (٦٥٤) والإِمام المتقن المفتي أبو حفص عمر (٢) بن أسعد بن أبي غالب الربعي الاربلي. والإِمام المجمع على إمامته وجلالته وتقديمه في علم المذهب على أهل عصره بهذه النواجي أبو الحسن سلار (٣) بن الحسن الاربلي ثم الحلبي ثم الدمشقي (ت ٦٧٠). وأخذ علم الأصول على جماعة أشهرهم وأجلهم العلامة القاضي أبو الفتح عمر (٤) بن بندار بن عمر بن علي بن محمد التفليسي الشافعي (ت ٦٧٢) رحمهم الله تعالى. واستفاد من غير هؤلاء العلماء في بقية العلوم (٥). أبرز تلاميذه: تخرج بالإِمام النووي جماعة من العلماء أذكر منهم على سبيل المثال: القاضي صدر الدين سليمان (٦) بن هلال الجعفري، خطيب داريا (ت ٧٢٥) وأثنى عليه الشيخ.

стр. 12

وأبو العباس أحمد (١) بن فرح الاشبيلي (ت ٦٩٩)، كان له ميعاد عليه يوم الثلاثاء والسبت، يشرح في أحدهما البخاري وفي الآخر صحيح مسلم. والبدر أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن (٢) جماعة (ت ٧٣٣). وعلاء الدين أبو الحسن علي (٣) بن إبراهيم بن داود الدمشقي المعروف بابن العطار (ت ٧٢٤). الذي كان لشدة ملازمته له وتحققه به يقال له: مختصر النووي. والعلاء علي (٤) بن أيوب بن منصور المقدسي (٧٤٨)، الذي نسخ المنهاج بخطه وحرره ضبطًا واتقانًا. ثناء العلماء عليه: أجمع العلماء الفقهاء والمحدثون والزاهدون والمتعبدون على حب النووي والثناء عليه، حتى قال الحافظ ابن حجر ﵀: لا أعلم نظيره في قبول مقاله عند سائر أرباب الطوائف (٥). وها أنا أذكر طائفة من أقوال العلماء في الثناء عليه.

стр. 13

١ - وصفه تلميذ ابن العطار (ت ٧٢٤) بقوله: شيخي وقدوتي الإِمام ذو التصانيف المفيدة والمؤلفات الحميدة أوحد دهره وفريد عصره الصوام القوام الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضية والمحاسن السنية، العالم الرباني، المتفق على علمه وأمانته وجلالته وزهده. وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، له الكرامات الطافحة والمكرمات الواضحة، والمؤثر بنفسه وماله للمسلمين، والقائم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنصح والدعاء في العالمين، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه (١). ٢ - وقال الذهبي (٧٤٨) ﵀: النووي الإِمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإِسلام علم الأولياء محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحزامي الحوراني الشافعي، صاحب التصانيف النافعة (٢). وناهيك بما قال الذهبي، فإنه دقيق في الكلام على الرجال ومعروف بعدم إعطائهم أكثر مما يستحقونه. ٣ - وأرخه الشيخ قطب اليونيني (ت ٣٢٦)، وقال: كان أوحد زمانه في العلم والورع والعبادة والتقلل وخشونة العيش، واقف الملك الظاهر بدار العدل غير مرة، وقد حكى عن الملك الظاهر أنه قال: أنا أفزع منه (٣). ٤ - وقال التاج السبكي (ت ٧٧١) في الطبقات الكبرى: الشيخ العلامة

стр. 14

محي الدين أبو زكريا شيخ الإِسلام أستاذ المتأخرين وحجة الله على اللاحقين. والداعي إلى سبيل السالفين. كان يحيى ﵀ سيدًا وليثًا على النفس هصورًا وزاهدًا لم يبال بخراب الدنيا إذا صير دينه ربعًا معمورًا (١). يقول السخاوي (٩٠٢): ونقل التاج السبكي في التوشيح عن والده، أنه قال: ما اجتمع بعد التابعين المجموع الذي اجتمع في النووي، ولا التيسير الذي يسر له (٢) انتهى. ونقل السخاوي عن محمد الأخميمي (ت ٦٨٤)، قوله: كان الشيخ سالكًا منهاج الصحابة ﵃ ولا أعلم أحدًا في عصره سالكًا على منهاجهم (٣). ٥ - وقال أحمد بن فرح الإِشبيلي (ت ٦٩٩): كان الشيخ قد صارت إليه ثلاث مراتب، كل مرتبة منها لو كانت لشخص شدت إليه الرحال: المرتبة الأولى: العلم، الثانية: الزهد، والثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤). ٦ - وقال الحافظ بن كثير ﵀ (ت ٧٧٤): الشيخ محي الدين النووي العالم العلامة، شيخ المذهب وكبير الفقهاء في زمانه، قد كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري والانجماع عن الناس على جانب كبير، لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره، وكان يصوم

стр. 15

الدهر، ولا يجمع بين اداميين، وكان غالب قوته مما يحمله إليه أبوه من نوى (١). اشتغاله بالتدريس والتأليف: باشر الإِمام النووي ﵀ تدريس المدرسة الإِقبالية (٢) والفلكية (٣) والركنية (٤) للشافعية نيابة عن الشمس أحمد بن خلكان (ت ٦٨١) في ولايته الأولى (٥). وولي ﵀ مشيخة دار (٦) الحديث الأشرفية بعد وفاة الإِمام

стр. 16

أبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل (ت ٦٦٥) إلى أن توفي سنة ٦٧٦. وقد نشر بها علمًا جمًا وأفاد (١) الطلبة. وقال الذهبي (ت ٧٤٨) ﵀: لزم الاشتغال ليلًا ونهارًا نحو عشرين سنة، حتى فاق الأقران، وتقدم على جميع الطلبة، وحاز قصب السبق في العلم والعمل. ثم أخذ في التصنيف من حدود الستين وستمائة إلى أن مات (٢). مؤلفاته في الحديث وعلومه ومكان وجودها ومن شرحها وعلق عليها: قد ألف النووي ﵀ في علوم شتى: الحديث والفقه وشرح الحديث والمصطلح، واللغة والتراجم، والتوحيد، وغير ذلك، وتمتاز مؤلفاته بالوضوح وصحة التعبير وعذوبة الألفاظ وانسيابها بسهولة وعدم تكلف. وهو إذا أطال لا يدع شاردة ولا واردة مما يمتع ويفيد، وإذا اختصر أتى بما يعجب ويدهش (٣) وإليك الكلام على مؤلفاته في الحديث وعلومه واحدًا بعد واحد. ١ - شرح صحيح مسلم: وهو شرح متوسط يبين المختصرات والمبسوطات، لا من المختصرات المخلات ولا من المطولات المملات. وسماه "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج".

стр. 17

قال فيه: ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين وخوف عدم انتشار الكتاب لقلة الطالبين للمطولات، لبسطته فبلغت به ما يزيد على مائة من المجلدات. من غير تكرار ولا زيادات عاطلات. بل ذلك لكثرة فوائده وعظم عوائده الخفيات والبارزات وهو جدير بذلك فإنه كلام أفصح المخلوقات (١). وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مرة في مصر والهند، وهو متوفر الآن في كل مكان. ٢ - رياض الصالحين: وهو كتاب جليل كثير الخير، جم النفع والبركة جمع فيه مؤلفه، ما ذكره في المقدمة إذ قال: فرأيت أن أجمع مختصرًا من الأحاديث الصحيحة، مشتملًا على ما يكون طريقًا لصاحبه إلى الآخرة، ومحصلًا لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعًا للترغيب والترهيب، وسائر أنواع آداب السالكين، من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارج وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من مقاصد العارفين. قال: وألتزم فيه أن لا أذكر إلا حديثًا صحيحًا من الواضحات، مضافًا إلى الكتب الصحيحة المشهورات، وأصدر الأبواب من القرآن العزيز بآيات كريمات، وأوشح ما يحتاج إلى ضبط أو شرح معنى خفي بنفائس من التنبيهات (٢) انتهى.

стр. 18

وقد منح الله هذا الكتاب قبولًا عامًا، وانتشر بشكل غريب بين الناس وقد طبع محققًا أكثر من طبعة. وشرحه العلامة محمد بن علي بن محمد علان الصديقي الشافعي (ت ١٠٥٧) شرحًا حسنًا في أربع مجلدات مملوءًا بالعلم، وسماه، دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين"، وقال في مقدمة هذا الكتاب: وبعد فهذا ما دعت إليه الحاجة من وضع تعليق لطيف، على نهج منيف، على كتاب "رياض الصالحين"، ولم أقف على كتابة عليه تكون كالدليل للسالك إليه (١). انتهى. وقد طبع "دليل الفالحين" ثلاث مرات، وهو منتشر بين الناس. وشرح "رياض الصالحين" الدكتور الحسين عبد المجيد هاشم أيضًا، في مجلدين ضخمين. وانتهى منه ٧/ ٢/ ١٣٩٠ هـ، الموافق ١٣ أبريل سنة ١٩٧٠ م وطبع في دار الكتب الحديثة. مصر. ٣ - الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار: وهو كتاب جليل لا يستغنى عنه، بل قال المصنف: وهو الكتاب الذي لا يستغنى عنه متدين (٢) انتهى. ولم يحظ كتاب في الأذكار عند عامة الناس وخاصتهم، ما حظي به هذا الكتاب، ذكر المؤلف فيه عمل اليوم والليلة، مع كثير من الأحكام المتناسبة مع الذكر. يقول المصنف في مقدمته: وقد صنف العلماء ﵃ في عمل اليوم والليلة والدعوات والأذكار كتبًا كثيرة معلومة عند العارفين، ولكنها مطولة بالأسانيد والتكرار، فضعفت عنها همم الطالبين فقصدت تسهيل ذلك على الراغبين، فشرعت في جمع هذا الكتاب مختصرًا مقاصد ما ذكرته تقريبًا للمعنيين، وأحذف

стр. 19

الأسانيد في معظمه، لما ذكرته من إيثار الاختصار، ولكونه موضوعًا للمتعبدين، وليسوا إلى معرفة الأسانيد متطلعين، بل يكرهونه - وإن قصر - إلا الأقلين، ولأن المقصود به معرفة الأذكار والعمل بها، وإيضاح مظانها للمسترشدين. وأذكر إن شاء الله تعالى بدلًا من الأسانيد ما هو أهم منها مما يخل به غالبًا وهو بيان صحيح الأحاديث وحسنها وضعيفها ومنكرها، فإنه مما يفتقر إلى معرفته جميع الناس إلا النادر من المحدثين، وهذا أهم ما يجب الاعتناء به، وما يحققه الطالب من جهة الحفاظ المتقنين، والأئمة الحذاق المعتمدين، وأضم إليه إن شاء الله جملًا من النفائس من علم الحديث، ودقائق الفقه، ومهمات القواعد ورياضات النفوس، والآداب التي تأكد معرفتها على السالكين، وأذكر جميع ما أذكره موضحًا بحيث يسهل فهمه على العوام والمتفقهين (١). وقد روينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا". فأردت مساعدة أهل الخير بتسهيل طريقه، والإِشارة إليه وإيضاح سلوكه، والدلالة عليه، وأذكر في أول الكتاب فصولًا مهمة يحتاج إليها صاحب هذا الكتاب وغيره من المعتنين، وإذا كان في الصحابة من ليس مشهورًا عند من لا يعتني بالعلم نبهت عليه فقلت: روينا عن فلان الصحابي، لئلا يشك في صحبته وأقتصر في هذا الكتاب على الأحاديث التي في الكتب المشهورة التي هي أصول الإِسلام وهي خمسة: صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وقد أروي يسيرًا من الكتب المشهورة وغيرها.

стр. 20

وأما الأجزاء والمسانيد، فلست أنقل منها شيئًا إلا في نادر من المواطن، ولا أذكر من الأصول المشهورة أيضًا من الضعيف إلا النادر مع بيان ضعفه، وإنما أذكر فيه الصحيح غالبًا، فلهذا أرجو أن يكون هذا الكتاب أصلًا معتمدًا، ثم لا أذكر في الباب من الأحاديث إلا ما كانت دلالته ظاهرة في المسألة. انتهى. وكان فراغ المصنف منه في المحرم سنة سبع وستين وستمائة. قال سوى أحرف ألحقتها بعد ذلك، وأجزت (١) روايته لجميع المسلمين (١) انتهى. وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مرة، وهو منتشر ومتداول بين الناس. قلت لعل أجود طبعاته الطبعة التي حققها الشيخ عبد القادر الأرناؤوط وتتولى توزيعها رئاسة إدارات البحوث العلمية والإِفتاء. وقد طبعت في دمشق سنة ١٣٩١ هـ. وشرحه (٢) الشيخ محمد بن علي بن محمد بن علان الشافعي (ت ١٠٥٧) أيضًا، وسماه "الفتوحات الربانية على الأذكار النووية". وعليه نكت للشيخ شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي (ت ٩٥٣)، سماها "إتحاف الأخيار في نكت الأذكار" ولخصه السيوطي ﵀ (ت ٩١١) في كراستين، وسماه "أذكار (٣) الأذكار"، ثم شرح هذا الملخص وخرج أحاديثه واختصره الشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسين

стр. 21

الرملي الشافعي (ت ٨٤٤) وسماه "مختصر الأذكار" وترجمه بعض الأعاجم إلى الفارسية (١). وقد خرج أحاديثه الحافظ بن حجر وأطال النفس كثيرًا في مجالس متعددة أملاها في مصر وسماه "نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار" (٢). قلت وقد اختصر السيوطي هذه الأمالي المتعلقة بالأذكار في كتاب سماه: "تحفة الأبرار بنكت الأذكار" وهو من مخطوطات الظاهرية بدمشق ومنه نقول تدل على استدراك السيوطي على ابن حجر في أماكن فاتته. انظر: الأذكار، ص ٣٥٨ لزامًا. ٤ - الأربعين: وهو كتاب صغير جمع فيه المصنف اثنين وأربعين حديثًا مما يحتاجه كل مسلم. قال فيه: وقد صنف (٣) العلماء ﵃ في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات، وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثًا اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإِسلام. ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد وبعضهم في الآداب وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد صالحة. وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثًا مشتملة على جميع ذلك. وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين قد وصفه العلماء

стр. 22

بأن مدار الإِسلام عليه، أو هو نصف الإِسلام أو ثلثه أو نحو ذلك. ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة ومعظمها في صحيح البخاري ومسلم، وأذكرها محذوفة الأسانيد ليسهل حفظها، ويعم الانتفاع بها إن شاء الله تعالى. انتهى (١) بحذف. قال السخاوي: انتهى منها في ليلة الخميس تاسع عشري جمادى الأولى سنة ثمان وستين وستمائة (٢). وهذا الكتاب طبع مرات وهو منتشر ومتداول بين الناس. وقد اعتنى العلماء بشرحه وحفظه، فكثرت شروحه، وقد استقصى ذكرها صاحب كشف (٣) الظنون، ومن أجودها شرح الحافظ العلامة بن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥) وهو شرح كبير سماه "جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم" قال فيه: وقد جمع العلماء ﵃ جموعًا من كلماته ﷺ وأشار الخطابي في أول كتابه (٤): "غريب الحديث" إلى يسير من الأحاديث الجامعة، وأملى الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلسًا سماه: "الأحاديث الكلية" جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال: إن مدار الدين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، فاشتمل مجلسه هذا على ستة وعشرين حديثًا ثم أن النووي ﵀ أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح، وزاد عليها اثنين وأربعين حديثًا، واستخرت الله تعالى في جمع كتاب يتضمن شرح ما يسره الله تعالى من معانيها، وتقييد

стр. 23

ما يفتح به سبحانه من تبيين قواعدها ومباينها ورأيت أنا أن أضم إلى ذلك كله أحاديث أُخر من جوامع الكلم الجامعة لأنواع العلوم والحكم. حتى تكمل عدة الأحاديث كلها خمسين حديثًا انتهى (١) ملخصًا. وهذا الشرح مطبوع ومنتشر بين الناس. ٥ - الإِشارات إلى بيان الأسماء المبهمات (٢): هذا الكتاب اختصر فيه المصنف "الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة" للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣) مع زيادات عليه وهذا الكتاب يعتبر نوعًا من أنواع مصطلح الحديث، ألا وهو النوع التاسع والخمسون من كتابنا هذا. قال فيه المصنف: فإن علم (٣) الحديث من أنفس العلوم الشرعية، وأولى ما رغب أصحاب الأنفس الزكية، وأحق ما تفنن به ذوو الرغبة والأهلية، ومن جملة علومه الزاهرات ومستفادات أقسامه المطلوبات، معرفة ما يقع في متونه من الأسماء المبهمات، فإنه يترتب عليه فوائد كثيرة، يعرفها أهل العنايات ويعرف به منازل أولى المراتب والدرجات. وقد ألف العلماء في ذلك جملًا من المصنفات المشهورات، من أحسنها كتاب الخطيب البغدادي ذات التحقيقات، وصاحب النفائس ومستجدات المصنفات فآثرت اختصار كتابه لرجحانه عند أهل المعرفة والدرايات. فإن كتابه ﵀ وإن كان مختصرًا بالنسبة إلى أهل العناية فهو بالنسبة إلى أهل زماننا من المطولات، وطول الكتاب سبب هجره في معظم الأوقات،

стр. 24

فقصدت اختصاره متوسطًا بين البسط والاطالات، وأذكر فيه طرفًا من الحديث (١) ... الخ ما قال. وقد طبع هذا الكتاب على الحجر في المطبعة الدخانية بلاهور الهند سنة ١٣٤١ هـ وقد أعيد طبعه محققًا وألحق في آخر كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة للخطيب بتحقيق الدكتور عز الدين على السيد في مطبعة المدني بالقاهرة. وقد حقق كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة طالب قبله في رسالة تقدم بها إلى جامعة الإِمام لنيل درجة الماجستير وقد نوقشت عام ١٣٩٩ - ١٤٠٠ هـ وهو تحقيق علمي جيد. ٦ - إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق ﷺ -: هذا الكتاب في مصطلح الحديث اختصر فيه المصنف مقدمة ابن الصلاح مع زيادات عليه. قال في مقدمته: وأعلم أن علم الحديث من أفضل العلوم وأولاها بالاعتناء وأحق ما شمر فيه المبرزون ومحققوا العلماء، إذ هو أكثر العلوم تولجًا في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء، ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيمًا، وأمره مفخمًا، جسيمًا عظيمة جموع طلبته، رفيعة مقادير حفاظه وحملته، فذهب في هذه الأزمان المعظم من ذلك، ولم يبق إلا آثار مما كان هنالك، والله المستعان وعليه التكلان. وهذا كتاب اختصر فيه إن شاء الله الكريم الرؤوف الرحيم معرفة علوم الحديث للشيخ الإِمام الحافظ الضابط البارع المتقن المحقق بقيمة العلماء المحققين والصلحاء العارفين، ذي التصانيف الحميدة والمؤلفات

стр. 25

المفيدة، أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشافعي، المعروف بابن الصلاح ﵁ وأرضاه وأكرم نزله ومثواه وجمع بيننا وبينه في دار كرامته مع من اصطفاه. فإن كتابه ﵀ وإن كان بليغًا في الاختصار، فقد ضعفت عن حفظه همم أهل هذه الأعصار، والهمم مترقية في الكسل والفتور، فصار كتابه لهذا قريبًا من المهجور، وهو كتاب كثير العوائد، عظيم الفوائد، قد نبه المصنف ﵀ في مواضع من الكتاب وغيره على عظم شأنه وزيادة حسنه وبيانه وحسبك بالشيخ مشيرًا مرشدًا ودالًا على الخير مسعدًا، فلهذا وغيره من الأسباب قصدت اختصار هذا الكتاب ورجوت أن يكون هذا المختصر، إحياء لذكره وطريقًا إلى حفظه وزيادة الانتفاع به ونشره، وأبالغ إن شاء الله تعالى في إيضاحه بأسهل العبارات، ولا أخل بشيء من مقاصده المهمات وغير المهمات، وأحرص على الاتيان بعبارة صاحب الكتاب في معظم الحالات ولا أعدل عنها إلا لمقاصد صالحات، وأذكر فيه جملًا من الأدلة والأمثلة المختصرات، وأضم إليه في بعض المواطن لقيطات وفريعات وتتمات، واستمدادي المعونة في ذلك وغيره من رب الأرضين والسموات. إنه سميع الدعوات، جزيل الأعطيات (١) ... الخ. قلت: وهذا الكتاب هو الذي قمت أنا بتحقيقه وإخراجه، وسيأتي الكلام عنه في بحث مستقل. إن شاء الله تعالى. ٧ - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير: هذا الكتاب أيضًا في مصطلح الحديث اختصره من كتابه السابق الذكر "الإِرشاد" فبالغ في اختصاره، يقول في مقدمته مبينًا منهجه فيه بعد الثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على أنبيائه، أما بعد.

стр. 26

فإن علم الحديث من أفضل القرب إلى رب العالمين، وكيف لا يكون وهو بيان طريق خير الخلق وأكرم الأولين والآخرين. وهذا كتاب اختصرته من "كتاب الإِرشاد" الذي اختصرته من علوم الحديث، للشيخ الإِمام الحافظ المتقن أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح ﵁ أبالغ فيه في الاختصار، إن شاء الله تعالى من غير إحلال بالمقصود، وأحرص على إيضاح العبارة. وعلى الله الكريم الاعتماد وإليه التفويض والاستناد. انتهى. وقد شرح هذا الكتاب عدة من كبار العلماء العراقي والسخاوي والسيوطي وسماه الأخير تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، أجاد في هذا الشرح غاية الاجادة، وهو من أجل مؤلفاته، وقد طبع التقريب مع التدريب بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ في مجلدين وقد قدم له بمقدمة ضافية. ٨ - الخلاصة في أحاديث الأحكام (*): وصل المصنف فيها إلى أثناء الزكاة. نقل السخاوي (ت ٩٠٢) عن ابن الملقن (ت ٨٠٤) أنه قال: رأيتها بخطه، ولو كملت لكانت في بابها عديمة النظير. وقال غيره: إنه لا يستغني المحدث عنها خصوصًا الفقيه (١). وقال فيه المصنف: فإنه (٢) ينبغي لكل أحد أن يتخلق بأخلاق

стр. 27

رسول الله ﷺ ، ويقتدي بأقواله وأفعاله وتقديره في الأحكام والآداب وسائر معالم الإِسلام، وأن يعتمد في ذلك ما صح، ويجتنب ما ضعف، ولا تغتر بمخالفي السنن الصحيحة، ولا تقلد معتمدي الأحاديث الضعيفة، فإن الله قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣). فهذه الآيات وما في معناهن حث على اتباعه ﷺ ونهانا عن الابتداع والاختراع، وأمرنا الله عند التنازع بالرجوع إلى الله والرسول - أي الكتاب والسنة - وهذا كله في سنن صحت، أما ما لم يصح، فكيف يكون سنة، وكيف نحكم على رسول الله ﷺ أنه قاله أو فعله من غير مسوغ لذلك؟ ولا تغترن بكثرة المتساهلين في العمل والاحتجاج في الأحكام بالأحاديث الضعيفة، وإن كانوا مصنفين وأئمة في الفقه وغيره (٤) ... الخ ما قال. والموجود من هذا الكتاب مجلد يبتدأ بكتاب الطهارة وينتهي إلى باب السنن التي يؤخذ من الغنم وغيرها ويقع في ١٨٠ ورقة منه نسخة موجودة بقسم المخطوطات بالجامعة الإِسلامية برقم ١٠٩٦ مصورة عن المكتبة السعدية بحيدر آباد الهند.

стр. 28

٩ - شرح البخاري: بدء المصنف بشرح صحيح البخاري، وسماه "التلخيص" (١) وصل فيه إلى كتاب العلم (٢)، باب قول النبي ﷺ : الدين النصيحة فقط. ووافاه الأجل المحتوم قبل أن يتمه، قال فيه: وأما (٣) صحيح البخاري فها أنا أشرع في جمع كتاب في شرحه، متوسط بين المختصرات والمبسوطات، لا من المختصرات المخلات ولا من المبسوطات المملات، ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين في المبسوط لبلغت به ما يزيد على مائة من المجلدات مع اجتناب التكرار والزيادات العاطلات، بل ذلك لكثرة فوائده وعظم عوائده الخفيات والبارزات، لكنني أقتصر على المتوسط وأحرص على ترك الاطالات، وأوثر الاختصار في كثير من الحالات. فأذكر إن شاء الله تعالى جملًا من علومه الزاهرات، من أحكام الوصول والفروع والآداب والإِشارات الزهديات، وبيان من أصول القواعد الشرعيات، وإيضاح معاني الألفاظ اللغوية، وأسماء الرجال وضبط المشكلات وأسماء ذوي الكنى وأسماء ذي الآباء والمبهمات، والتنبيه على لطيفة من حال بعض الرواة وغيرهم من المذكورين في بعض الأوقات واستخراج لطائف من خفيات علم الحديث في المتون والأسانيد المستفادات (٣) ... الخ ما قال. وقد طبع هذا الشرح ومعه قطعة من إرشاد الساري للقسطلاني (ت ٩٢٣) وعون الباري شرح البخاري لصديق حسن خان القنوجي (ت ١٣٠٧) في إدارة الطباعة المنيرية سنة ١٣٤٧ هـ وهذا المجموع بهذه الشروح الثلاثة مقرر للسنة الرابعة من القسم العالي الأزهري. وقد وضع لها عنوان: شروح البخاري.

стр. 29

١٠ - شرح سنن أبي داود: وقد ابتدأ أيضًا بشرح سنن أبي داود. فشرح قطعة منه. قال السخاوي: (ت ٩٠٢) وصل فيها إلى أثناء الوضوء سماها "الإِيجاز". وسمعت أن زاهد عصره الشهاب ابن رسلان (ت ٨٤٤) أودعها برمتها في أول شرحه الذي كتبه على السنن للتبرك بها (١). انتهى. لكن لم أجد له ذكرًا في فهارس الكتب والمكتبات. قال عبد الغني الدقر، هذا كلام فيه بعض الشك، فما رأيت أحدًا نسب له شرحًا لسنن أبي داود (٢). ١١ - الإِملاء على حديث الأعمال بالنيات: قال السخاوي: وسمي بعضهم في تصانيفه "كتاب الأمالي في الحديث" في أوراق، وقال: إنه نفيس مهم، صنفه قريب موته. فلا أدري أهو الأول أم غيره، ثم تبين لي أنه هو، وكان املاؤه له في عشية يوم الخميس، ثالث عشري شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وستمائة، بدار الحديث الأشرفية. ورأيته وهو في دون كراسة، عاجلته المنية عن إكماله (٣) انتهى. ١٢ - جامع السنة: قال السخاوي: ومن تصانيفه أيضًا "جامع السنة" شرع في أوائله وكتب منه دون كراسة (٤) انتهى.

стр. 30

هذا آخر ما وجدته من مؤلفات في الحديث وعلومه، مما ألفه فأكمله أو بدأ بتأليفه فأدركته المنية قبل إتمامه. عقيدته: كان الإِمام النووي ﵀ أشعري المعتقد، كثير التأويل لنصوص الكتاب والسنة عن ظواهرها. ولا يخفى هذا على من له أدنى إلمام بشرحه لصحيح الإِمام مسلم ﵀. وفاته: في سنة ست وسبعين وستمائة قفل راجعًا إلى نوى بعد أن أقام في دمشق نحوًا من ثمانية وعشرين عامًا، ثم سافر فزار بيت المقدس، وعاد إلى نوى فمرض عقيب زيارته، وهو في بيت والده فحضرته المنية، فانتقل إلى رحمة الله تعالى في الرابع والعشرين من رجب ودفن بها، ولما بلغ نعيه إلى دمشق ارتجت هي وما حولها بالبكاء. وتأسف عليه المسلمون أسفًا شديدًا. ورثاه جماعة يبلغون عشرين نفسًا بأكثر من ستمائة بيت (١). ﵀ وجعل الجنة مأواه. * * *

стр. 31

اسمه ونسبه ولقبه: هو أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الكردي نسبة (١) إلى الأكراد وهي طائفة معروفة - الشهرزوري (٢) المعروف بابن الصلاح، الشرحاني، الملقب تقي الدين، الفقيه الشافعي، صاحب كتاب علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح (٣). بدء اشتغاله بالعلم: قرأ الفقه أولًا على والده الصلاح وكان من جلة مشايخ الأكراد المشار إليهم، ثم انتقل إلى الموصل واشتغل بها مدة، وكرر عليه جميع المهذب ولم يطر شاربه، ثم أنه تولى الإِعادة عند الشيخ العلامة عماد الدين أبي حامد بن يونس بالموصل أيضًا، وأقام قليلًا، ثم سافر إلى خراسان وحصل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام واشتغل الناس عليه

стр. 32

وانتفعوا به هناك، ثم انتقل إلى دمشق وتولى تدريس المدرسة الرواحية (١) هناك. وبها فوض إليه تدريس دار الحديث (٢) الأشرفية واشتغل الناس عليه بالحديث، ثم تولى مدرسة ست (٣) الشام، فكان يقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير إخلال بشيء منها إلا لعذر ضروري لا بد منه (٤). أبرز شيوخه وتلاميذه: (أ) أخذ العلم عن شيوخ جلة، وسمع الحديث من المشايخ الكبار فسمع (٥) بالموصل من عبيد الله (٦) بن السمين (ت ٥٨٨) وغيره. وارتحل إلى بغداد فسمع من أبي أحمد (٧) بن سكينة (ت ٦٠٧)، وعمر (٨) بن طبرزد (ت ٦٠٧). وبهمذان من أبي الفضل بن (٩) المعزم (ت ٦٠٩).

стр. 33

وبنيسابور من المؤيد (١) بن محمد بن علي (ت ٦١٧) وطبقته. وبمرو من أبي المظفر فخر (٢) الدين عبد الرحيم بن عبد الكريم بن السمعاني (ت ٦١٧) وجماعة. وبدمشق من القاضي جمال الدين عبد الصمد (٣) بن الحرستاني (ت ٦١٤)، والشيخ موفق (٤) الدين بن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠)، والشيخ فخر الدين (٥) بن عساكر (ت ٦٢٠). وبحلب من أبي محمد (٦) بن علوان (ت ٦٣٥). وبحران من الحافظ عبد القادر بن عبد القاهر الحراني (ت ٦٣٤) (٧). (ب) وتفقه (٨) به الأئمة شمس الدين عبد الرحمن (٩) بن نوح (ت ٦٥٤)، وكمال الدين (١٠) سلار (ت ٦٧٠)، وكمال الدين إسحاق (١١) (ت ٦٥٠) وغيرهم (٨). وحدث عنه فخر الدين (١٢) عمر الكرجي (ت ٦٩٠) والصدر

стр. 34

محمد (١) بن حسن الأرموي (ت ٦٨٠) والشيخ زين الدين (٢) الفارقي (ت ٧٠٣) وغيرهم (٣). ثناء العلماء عليه: قد أثنى عليه العلماء كثيرًا وأذكر هنا نبذة من أقوالهم: قال الذهبي: ابن الصلاح: الإِمام الحافظ المفتي شيخ الإِسلام، صاحب كتاب: "علوم الحديث" صنف وأفتى وتخرج به الأصحاب وكان من أعلام الدين (٤). وقال ابن خلكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسددة، وكان من العلم والدين على قدم حسن (٥). وقال التاج السبكي: أبو عمرو بن الصلاح، كان إمامًا كبيرًا فقيهًا محدثًا زاهدًا ورعًا مفيدًا معلمًا، استوطن دمشق يعيد زمان السالفين ورعًا، ويزيد بهجتها بروضة علم جنى كل طالب جناها ورعًا، ويفيد أهلها فما منهم إلا من اغترف من بحره واعترف بدره وحفظ جانب مثله ورعًا (٦). وقال ابن كثير: ابن الصلاح: الإِمام العلامة، مفتي الشام ومحدثها،

стр. 35

وقدم هو الشام وهو في عداد الفضلاء الكبار، وكان دينًا زاهدًا ورعًا ناسكًا، على طريق السلف الصالح، كما هو طريقة متأخري أكثر المحدثين. مع الفضيلة التامة في فنون كثيرة (١). ذكر مؤلفاته: قد صنف كتبًا كثيرة مفيدة في علوم الحديث والفقه، أبدى فيها جميعًا تحقيقات جيدة وفوائد بديعة، ومن أهمها مما وقفت على ذكره في بطون الكتب: ١ - مقدمة ابن الصلاح في علوم (٢) الحديث، وهو كتاب نافع، وفاتحة عهد جديد في تدوين علوم الحديث. ٢ - شرح صحيح مسلم (٣). ٣ - أدب المفتي والمستفتي (٤). ٤ - شرح مشكل الوسيط (٥). قال ابن كثير: فيه من الفوائد التي يرحل إليها. ٥ - كتاب الفتاوي (٦)، جمعه بعض أصحابه. وطبع في مجلد، مباحثه تدل على إمامته.

стр. 36

٦ - صلة الناسك في صفة المناسك (١). ٧ - نكت على المهذب (٢). ٨ - فوائد الرحلة (٣)، وهي أجزاء كثيرة مشتملة على فوائد في أنواع العلوم، قيدها في رحلته إلى خراسان. ٩ - طبقات الشافعية (٤)، واختصره النووي، واستدرك عليه، مع ذلك فاتهما خلائق من المشهورين، وأنهما كانا يتبعان التراجم الغريبة. ١٠ - الأمالي (٥). ١١ - المؤتلف والمختلف، في أسماء الرجال. جاء ذكره في فهرست الظاهرية معزوًا إلى ابن الصلاح، وقد تبعه عمر رضا كحالة في المعجم ونور الدين عتر وعائشة بنت عبد الرحمن في مقدمتيهما لعلوم الحديث وهو خطأ بين (٦)، وقد ظهر لي بعد البحث والعرض أن هذا الكتاب جزء من كتاب الإِرشاد - الذي نحن بصدد خدمته - أفرده بعض الناس منه، فنسب إلى ابن الصلاح خطأ. وسبب هذا الخطأ أنه يوجد مكتوبًا على ظهر هذا الكتاب (٧): من

стр. 37

معرفة المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال ﵏، تأليف الحافظ المسند الرحلة ابن الصلاح ﵀، رواية الشيخ الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن العراقي عنه رواية الشيخ المحدث عبد الرحمن بن أبي الصفا خليل عنه رواية أحمد بن يحيى بن أحمد بن المهندس عنه. والله أعلم. فما أدري كيف حصل وممن حصل هذا. وفاته: قال ابن خلكان: ولم يزل أمره جاريًا على سداد وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصلى عليه بعد الظهر وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة بدمشق ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر، رحمه الله تعالى. ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة بشرخان (١) قرية قريبة من شهرزور. * * *

стр. 38

توطئة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى

стр. 39

محمد ﷺ . وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١). فإن الله تعالى جلت حكمته أنزل على رسوله محمد ﷺ كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) ثم وكل سبحانه إلى رسوله الأمين تبيان هذا الكتاب، فقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣) والرسول ﷺ في بيانه للقرآن الكريم لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤): لذلك أوجب الله علينا طاعته وحذرنا ومعصيته، فقال ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥): وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦) فالقرآن والسنة من مشكاة واحدة وهما أساس للدين والنور الهادي إلى الصراط المستقيم، وضياع شيء منهما ينافي ما وعد الله به من حفظه للقرآن الكريم في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٧) فالكتاب والسنة توأمان لا ينفكان ولا يتم التشريع إلا بهما جميعًا، والسنة مبينة للكتاب وشارحة له، وموضحة لمعانيه ومفسرة لمبهمه ومقيدة لمطلقه

стр. 40

ومفصلة لمجمله، فهي من الكتاب بمنزلة الشرح له، يفصل مقاصده ويتمم أحكامه. ولما كان للسنة النبوية هذه المكانة العظمى عرف السلف الصالح قدرها ومكانتها، فرعوها حق رعايتها وحفظوها في الصدور وأودعوها سويداء القلب ودونوها في المصنفات والكتب، واجتهدوا في التوثق من صحة كل حديث وكل حرف رواه الرواة ونقدوا أحوالهم ورواياتهم واحتاطوا أشد الاحتياط في النقل وكل هذا على ضوء قواعد وضعوها لقبول الحديث ورده، وحرروا هذه القواعد وحققوها بأقصى ما في الوسع الإِنساني، وقيدوها في الكتب، وسموه بعلم مصطلح الحديث، بدأ تأسيسه في منتصف القرن الأول، وتكامل حتى نضج واحترق وبلغ ذروته، حتى وصل إلينا في هذا الشكل الجميل، ونظرًا إلى أن كتابنا هذا - الإِرشاد - هو في علوم الحديث ومصطلحه يحسن بي أن أقدم إلى القارئ الكريم لمحة عن تاريخ هذا العلم ونشأته وتطوره ثم تقعيد قواعده في كتب مستقلة. * * *
следующие страницы →