Полный текст (857 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الأصبهاني (١) وأبو الفتح (٢) نصر بن إبراهيم المقدسي وغيرهم، وكان أبو الفتح يروي بالإِجازة عن الإِجازة، وربما والى بين إجازات ثلاث (٣) .
وينبغي لمن يروي بها أن يتأمل كيفية إجازة شيخ شيخه لئلا يروى ما لم يندرج تحتها (٤) ، فإذا كان صورة إجازة شيخ شيخه أجزت له ما صح عنده من سماعي فرأى شيئًا من سماع شيخ شيخه، فليس له أن يرويه عن شيخه عنه حتى يستبين (أ) أنه مما كان قد صح عند شيخه كونه من مسموعات شيخه الذي تلك إجازته (٥) وهذه دقيقة حسنة. والله أعلم. الحواشي
(١) روى ابن الصلاح قول أبي نعيم وجادة، يقول: الإِجازة على الإِجازة قوية. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٤.(٢) هو الفقيه أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن داؤد المقدسي النابلسي الزاهد شيخ الشافعية بالشام وصاحب التصانيف، كان إمامًا علامة مفتيًا محدثًا كبير القدر عديم النظير، توفي سنة تسعين وأربعمائة. شذرات الذهب ٣/ ٣٩٥؛ وطبقات الشافعية ٤/ ٢٧.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٣؛ المقنع ١/ ٢٢٨؛ فتح المغيث ٢/ ٩١؛ لتدريب ٢/ ٤١.(٤) أي كما فعل التقي بن دقيق العيد، فإنه لم يكن يجيز برواية جميع مسموعاته، بل بما حدث به منها، على ما استقرئ من صنيعه لكونه كان يشك في بعض سماعاته على ابن المقير فتورع عن التحديث به بل وعن الإِجازة انتهى. ما قاله السخاوي، وقال السيوطي: لكنه كان يجيز مع ذلك جميع ما أجيز له، كما رأيته بخط أبي حيان في النضار، فعلى هذا لا تتقيد الرواية عنه، بما حدث به من مسموعاته فقط إذ يدخل الباقي فيما أجيز له انتهى. فتح المغيث ٢/ ٩٣ وص ٣٢٩ (ج ١) أيضًا، التدريب ٢/ ٤٢.
وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٦.(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٦؛ المقنع ١/ ٢٢٨؛ التدريب ٢/ ٤٣.
وانظر: بحثًا طويلًا ممتعًا ومفيدًا في فتح المغيث ٢/ ٩٠ - ٩٣، فقد أجاد وأفاد.стр. 387
فروع
الأول: قال أبو الحسين (١) أحمد بن فارس الأديب: الإِجازة (٢) في كلام العرب مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية والحرث، يقال (أ) منه: استجزت فلانًا فأجازني، إذا أسقاك ماء لماشيتك أو أرضك. كذلك طالب العلم يسأل العالم أن يجيزه علمه فيجيزه إياه (٣) فعلى هذا يجوز أن يقول الشيخ: أجزت فلانًا مسموعاتي أو مروياتي (ب) فيعديه بغير حرف جر من غير حاجة إلى ذكر لفظ الرواية، ويحتاج إلى ذلك من يجعل الإِجازة إذنًا، وهو المعروف، فيقول أجزت لفلان رواية مسموعاتي. ومن يقول منهم: أجزت له مسموعاتي، فعلى الحذف، كما في نظائره (٤) .
الثاني: إنما يستحسن الإِجازة، إذا كان المجيز عالمًا بما يجيز الحواشي
(١) هو العلامة الأديب أبو الحسين أحمد بن زكريا القزويني، كان من أئمة اللغة والأدب ومن أعيان البيان، ومشاركًا في علوم شتى، صاحب مقاييس اللغة وغيره، توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. الأعلام ١/ ١٩٣؛ معجم المؤلفين ١/ ٤٠.(٢) قال الخطيب: يقال: إن الأصل في صحة الإِجازة حديث النبي ﷺ المذكور في المغازي حيث كتب لعبد الله بن جحش كتابًا وختمه ودفعه إليه ووجهه في طائفة من أصحابه إلى ناحية نخلة، وقال له: لا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين ثم نظر فيه انتهى. الكفاية، ص ٣١٢. انظر ص ٣٩٣ من الكتاب أيضًا.(٣) انظر: قول ابن فارس بنصه في مقاييس اللغة ١/ ٤٩٤، مادة (جوز)، ومسندًا في الكفاية، ص ٣١١، ٣١٢.(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٥؛ المنهل الروي، ص ٩٦؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٧؛ المقنع ١/ ٢٢٩؛ فتح المغيث ٢/ ٩٤؛ التدريب ٢/ ٤٢.стр. 388
والمجاز له من أهل العلم (١) ، لأنها توسع يحتاج إليها أهل العلم. وشرط بعضهم ذلك فيها، وحكى اشتراطه عن مالك (٢) ﵀ وقال الحافظ (أ) أبو عمر بن عبد البر: الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة وفي شيء معين لا يشكل إسناده (٣) . الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٥.
وانظر: إرشاد الساري ١/ ١٧.(٢) أسنده القاضي عياض من طريق أبي العباس الوليد بن بكر المالكي قال: لمالك شرط في الإِجازة: أن يكون الفرع معارضًا بالأصل حتى كأنه هو وأن يكون المجيز عالمًا بما يجيز، ثقة في دينه وروايته، معروفًا بالعلم وأن يكون المجاز من أهل العلم، متسمًا به، حتى لا يضع العلم إلا عند أهله، وأورد هذا الخبر الخطيب البغدادي أيضًا.
فال القاضي عياض: أما الشرطان الأولان فواجبان على كل حال في السماع والعرض والإِجازة، وسائر طرق النقل، إلا اشتراط العلم فمختلف فيه انتهى. قال السخاوي: وهل المراد مطلق العلم أو خصوص المجاز كما به قيد في المجيز أو الصناعة كما صرح به ابن عبد البر، الظاهر الأخير انتهى. الإِلماع، ص ٩٤، ٩٥؛ الكفاية، ص ٣١٧؛ فتح المغيث ٢/ ٩٥.
وقريب من قول مالك ما رواه الخطيب قال: مذهب أحمد بن صالح: إن المحدث إذا قال للطالب: أجزت لك أن تروي عني ما شئت من حديثي لا يصح ذلك دون أن يدفع إليه أصوله أو فروعًا كتبت منها ونظر فيها وصححها انتهى. الكفاية، ص ٣٣٢.(٣) انظر: قول ابن عبد البر بنصه في جامع بيان العلم ٢/ ١٨٠، وبمعناه في ٢/ ١٧٩؛ والإِلماع، ص ٩٥؛ وإرشاد الساري بشرح صحيح البخاري ١/ ١٧.
قال السخاوي: في كل هذه الأقوال تشدد مناف لما جوزت الإِجازة له من بقاء السلسلة، وقد تقدم عدم اشتراط التأهل حين التحمل بها كالسماع، وأنه لم يقل أحد بالأداء بها بدون شروط الرواية، وعليه يحمل قولهم: أجزت له رواية كذا بشرطه، ومنه ثبوت المروي من حديث المجيز انتهى بتصرف. =стр. 389
الثالث: ينبغي للمجيز إذا كتب إجازة أن يتلفظ بها، فإن (أ) اقتصر على الكتابة، كانت إجازة جايزة، إذا اقترن بقصد (١) الإِجازة، كما جعلنا القراءة على الشيخ إخبارًا (ب) بما قرئ عليه ولم يتلفظ، إلا أنها دون (٢) الملفوظ بها في المرتبة (٣) . والله أعلم.
القسم الرابع من أقسام طرق تحمل الحديث: المناولة (٤) ؛ وهي نوعان: الحواشي
(١) قال العراقي: فإن لم يقصد الإِجازة، فالظاهر عدم الصحة قال السخاوي: كان محل قول العراقي حيث صرح بعدم النية، أما لو لم يعلم حاله فالظاهر الصحة إذ الأصل كما قال بعضهم، فيما يكتبه العاقل خصوصًا فيما نحن بصدده أن يكون قاصدًا له، ولعلها الصورة التي لم يستعبد ابن الصلاح صحتها، وإن احتمل كلامه ما تقدم، فهو فيها أظهر وهو الذي نظمه البرهان الحلبي حيث قال: وحيث لا نية قد جوزها، ابن الصلاح باحثًا أبرزها.
انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٩؛ فتح المغيث ٢/ ٩٨؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٦.(٢) قال السخاوي: لأن القول دليل رضاه القلبي بالإِجازة، والكتابة دليل القول الدال على الرضى، والدال بغير واسطة أعلى. انتهى. فتح المغيث ٢/ ٩٧.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٦.(٤) قال السخاوي: وهي لغة العطية، ومنه في حديث الخضر: فحملوهما بغير نول، أي عطاء.
واصطلاحًا، إعطاء الشيخ الطالب شيئًا من مروياته مع إجازته به صريحًا أو كناية. =стр. 390
أحدهما: مناولة (١) مقرونة بالإِجازة، وهي أعلى (أ) أنواع (٢) الإِجازة على الإِطلاق، ولها صور، منها: أن (٣) يدفع الشيخ إليه أصل سماعه الحواشي
(١) والأصل فيها ما علقه البخاري حيث ترجم له في العلم من صحيحه أنه ﷺ كتب لأمير السرية كتابًا وقال له: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي ﷺ ، وعزا البخاري الاحتجاج لبعض علماء الحجاز، وقد وصله الطبراني من طريق أبي لسوار عن جندب بن عبد الله ﵁، رفعه وهو حجة ولذا جزم البخاري به إذ علقه.
انظر: صحيح البخاري ١/ ١٥٣، باب رقم ٧؛ وسيرة ابن إسحاق ٢/ ٤٣٥؛ سرية عبد الله بن جحش المعجم الكبير ٢/ ١٧٤ (ح رقم ١٦٧٠)؛ فتح المغيث ٢/ ١٠٠؛ التدريب ٢/ ٤٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٣.(٢) وإنما كانت أعلاها مطلقًا لما فيها من التعيين والتشخيص بلا خلاف بين المحدثين فيه ونقل عياض الاتفاق على صحتها فقال: وهي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين. الإِلماع، ص ٨٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٣؛ فتح المغيث ٢/ ١٠١؛ التدريب ٢/ ٤٥؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٣.(٣) لم يتعرض ابن الصلاح لكون الصورة الأولى من صور المناولة أعلى ولكنه قدمها =стр. 391
أو فرعًا مقابلًا به، ويقول: هذا سماعي وروايتي (أ) عن فلان فاروه عني. أو أجزت لك روايته عني، ثم يبقيه معه تمليكًا (*) أو لينسخه (١) أو نحوه.
ومنها: أن يدفع الطالب إلى الشيخ كتابًا من حديثه، فيتأمله (٢) الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول: هو حديثي أو روايتي عن شيوخي فاروه عني أو أجزت لك روايته (٣) .
وهذا سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضًا. وقد سبق أن القراءة على الشيخ تسمى عرضًا، فليسم هذا عرض المناولة وذاك عرض القراءة (٤) .
وهذه المناولة حالة محل السماع عند مالك وجماعة من أصحاب (ب) الحواشي
(١) أي على جهة الإِعارة، فيقول له: خذه وهو روايتي فانتسخه ثم قابل ثم رده إلى، وهذه درجة ثانية من صور المناولة.
انظر: فتح المغيث ٢/ ١٠١.(٢) قال الخطيب: يجب على الراوي أن ينظر فيه ويصححه إن كان يحفظ ما فيه وإلا قابل به أصل كتابه انتهى. الكفاية، ص ٣٢٧.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٧؛ الإِلماع، ص ٧٦؛ التقريب ٢/ ٤٦؛ المنهل الروي، ص ٩٧؛ المقنع ١/ ٢٣١؛ وممن فعله ابن شهاب الزهري والإِمام مالك وأحمد بن حنبل.
انظر: الكفاية، ص ٣٢٧، ٣٢٩؛ المحدث الفاصل، ص ٤٣٥؛ وفتح المغيث ٢/ ١٠٢.(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٧؛ التقريب ٢/ ٤٦؛ المنهل الروي، ص ٩٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩١؛ المقنع ١/ ٢٣١.стр. 392
الحديث (١) . وحكى الحاكم (٢) في عرض المناولة المذكور أنه سماع عن ابن شهاب الزهري وربيعة (٣) ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك (٤) وآخرين من المدنيين ومجاهد وأبي الزبير (٥) وابن عيينة وآخرين من المكيين. وعلقمة وإبراهيم النخعيين (أ) والشعبي (٦) وآخرين من الحواشي
(١) الكفاية، ص ٣٢٦؛ الإِلماع، ص ٧٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩١؛ المقنع ١/ ٢٣١؛ القارئ شرح البخاري ٢/ ٢٦، طبع مصر؛ فتح المغيث ٢/ ١٠٣؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٤.(٢) معرفة علوم الحديث، ص ٢٥٧.(٣) هو الإِمام أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي المدني الفقيه كان حافظًا مجتهدًا بصيرًا بالرأي ولذلك يقال له: ربيعة الرأي، عالمًا بالفقه والحديث، توفي سنة ست وثلاثين ومائة. قال الإِمام مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة بن أبي عبد الرحمان. تاريخ بغداد ٨/ ٤٢٠؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٧.(٤) قال السخاوي: لم يحك الحاكم لفظ مالك في ذلك، وقد روى الخطيب في الكفاية من طريق أحمد بن إسحاق بن بهلول قال: تذاكرنا بحضرة إسماعيل بن إسحاق السماع، فقال: قال إسماعيل بن أبي أويس: السماع على ثلاثة أوجه القراءة على المحدث وهو أصحها، وقراءة المحدث والمناولة، وهو قوله: أرويه عنك وأقول: حدثنا، وذكر عن مالك مثل ذلك فهذا مشعر عن مالك وابن أبي أويس بتسوية السماع لفظًا والمناولة وحينئذ فكان عرض السماع وعرض المناولة عند مالك سيان، فقد تقدم هناك رواية عنه أيضًا باستواء عرض السماع والسماع لفظًا انتهى. فتح المغيث ٣/ ١٠٣؛ الكفاية، ص ٣٢٧.(٥) هو الإِمام أبو الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس، أحد العقلاء والعلماء لقي عائشة والكبار، نقم عليه التدليس، فإذا صرح بالسماع فهو حجة، ومع ذلك فهو إمام حافظ. واسع العلم رئيس، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٦؛ شذرات الذهب ١/ ١٧٥.(٦) هو علامة التابعين أبو عمرو عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي، كان إمامًا حافظًا فقيهًا متقنًا ثبتًا متفننًا، وكان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء. قيل له من أين =стр. 393
الكوفيين. وقتادة وأبي العالية (١) وأبي المتؤكل (أ) (٢) الناجي وآخرين من البصريين وابن وهب وابن (٣) القاسم وأشهب (٤) وآخرين من المصريين والشاميين والخراسانيين ورأى الحاكم طائفة من مشايخه عليه (٥) .
والصحيح أن ذلك منحط عن درجة التحديث لفظًا والاخبار قراءة (٦) . الحواشي
(١) هو الإِمام أبو العالية البرّاء بالتشديد البصري، اسمه زياد، وقيل كلثوم وقيل أدينة وقيل ابن أدينة، كان ثقة، توفي سنة تسعين. تهذيب التهذيب ١٢/ ١٤٣؛ ومشاهير علماء الأمصار، ص ٩٥.(٢) هو أبو المتوكل بن علي بن داود الناجي البصري، مشهور بكنيته تابعي، ثقة مات سنة ثمان ومائة. تهذيب التهذيب ٧/ ٣١٨؛ ومشاهير علماء الأمصار، ص ٩١.(٣) هو الإِمام عبد الرحمن بن القاسم العتقي يكنى أبا عبد الله. قال الإِمام مالك فيه: عافاه الله، مثله كمثل جراب مملوء مسكًا. توفي سنة إحدى وتسعين ومائة. الديباج المذهب ١/ ٤٦٥.(٤) هو الإمام أشهب بن عبد العزيز بن داود أبو عمر اسمه مسكين من أهل مصر، من أنجب تلامذة مالك. قال الشافعي: ما رأيت أفقه من أشهب، توفي سنة مائتين وأربع. الديباج المذهب ١/ ٣٠٧.(٥) انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٢٥٨، قال ابن الصلاح: وفي كلام الحاكم بعض التخليط من حيث كونه خلط بعض ما ورد في "عرض القراءة" بما ورد في "عرض المناولة" وساق الجميع مساقًا واحدًا انتهى.
قلت: ومن ينظر في كلام الحاكم لم يشك فيما قاله ابن الصلاح. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٨.(٦) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٨؛ التقريب ٢/ ٤٧؛ المنهل الروي، ص ٩٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٢؛ المقنع ١/ ٢٣١.стр. 394
قال الحاكم: أما فقهاء الإسلام الذين أفتوا في الحلال والحرام فلم يروه سماعًا، وبه قال سفيان الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة (١) والشافعي والبويطي (٢) والمزني وأحمد بن حنبل وابن المبارك ويحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه (٣) . قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا وإليه ذهبوا الحواشي
(١) قال العراقي: وقد اعترض ذكر أبي حنيفة مع هؤلاء بأن صاحب القنية من أصحابه نقل عنه، وعن محمد: أن المحدث إذا أعطاه الكتاب وأجاز له ما فيه ولم يسمعه ولم يعرفه لم يجز.
قال: والجواب أن البطلان عندهما لا للمناولة والإِجازة، بل لعدم المعرفة فإن الضمير في قوله: ولم يعرفه، إن كان للمجاز وهو الظاهر لتتفق الضمائر، فمقتضاه أنه إذا عرف ما أجيز له صح، وإن كان للشيخ، فسيأتي أن ذلك لا يجوز إلا إن كان الطالب موثوقًا بخبره.
قال: ويجوز أن يكون أبو حنيفة وأبو يوسف إنما يمنعان صحة الإِجازة الخالية عن المناولة، فقد حكى القاضي عن كافة أهل النقل والأداء. والتحقيق من أهل النظر، القول بصحة المناولة المقرونة بالإِجازة انتهى. باختصار.
انظر: التقييد والإِيضاح، ص ١٩٢؛ الإِلماع، ص ٨٠؛ فتح المغيث ٢/ ١٠٦؛ التدريب ٢/ ٤٧.(٢) هو العلامة أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه صاحب الشافعي كان قد حمل إلى بغداد في أيام المحنة وأريد على القول بخلق القرآن فامتنع من الإِجابة إلى ذلك، فحبس ببغداد ولم يزل في الحبس إلى حين وفاته سنة إحدى وثلاثين ومائتين. تاريخ بغداد ١٤/ ٢٩٩؛ طبقات الشافعية ١/ ٢٧٥.(٣) قال السخاوي: والذي حكاه الحاكم عنهم أنهم لم يروها سماعًا فقط، ولكن مقابلته الأول به مشعر بأنها أنقص، وهو الذي صححه ابن الصلاح قبل ذكره كلام الحاكم، فقال: والصحيح أن ذلك غير حال محل السماع وأنه منحط عن درجة التحديث لفظًا والإِخبار قراءة. ثم حكى عن الحاكم العزو للمذكورين. فتح المغيث ٢/ ١٠٤؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٨.стр. 395
وإليه نذهب (١) . والله (أ) أعلم.
ومن صورها: أن يناول الشيخ الطالب كتابه ويجيز له روايته، ثم يمسكه الشيخ عنده، فهذا يتقاعد عما سبق، ويجوز له رواية ذلك إذا ظفر بالكتاب أو بمقابل به على وجه يثق معه بموافقته لما تناولته الإِجازة كما هو معتبر في الإِجازة المجردة، ولا يكاد يظهر في هذه المناولة (ب) مزية على الإِجازة المجردة الواقعة في معين (٢) . وقد قال غير واحد من الفقهاء وأصحاب الأصول: لا تأثير لها ولا فائدة فيها. وشيوخ الحديث في القديم والحديث يرون لها مزية معتبرة (٣) . والله أعلم. الحواشي
(١) وتمام كلام الحاكم: وبه نقول: إن العرض ليس بسماع وإن القراءة على المحدث إخبار ... إلخ.
قلت: ويظهر لمن له أدنى تأمل أن كلام الحاكم وقع موقع تفضيل السماع على عرض القراءة لا على عرض المناولة. والعجب من ابن الصلاح والمصنف ومن تبعهما أنهم أوردوا كلام الحاكم مورد تفضيل السماع على عرض المناولة على أن ابن الصلاح نبه على تخليط الحاكم من حيث كونه خلط بعض ما ورد في عرض القراءة، بما ورد في عرض المناولة. كما تقدم، ولم ينتبه هو لهذا التخليط حين الاحتجاج به. معرفة علوم الحديث، ص ٢٦٠؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٨.(٢) وسبق لحاصل ذلك القاضي عياض فقال: ولا مزية له عند مشايخنا من أهل النظر والتحقيق لأنه لا فرق بين إجازته إياه أن يحدث عنه بكتاب الموطأ وهو غائب أو حاضر، إذا المقصود تعيين ما أجاز له. الإِلماع، ص ٨٣.
وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٤؛ فتح المغيث ٢/ ١٠٧؛ التدريب ٢/ ٤٩.(٣) قاله القاضي عياض وقوله: لكن قديمًا وحديثًا شيوخنا من أهل الحديث يرون لهذا مزية على الإِجازة انتهى.
وعلله السخاوي بقوله: فإن كل نوع من أنواع التحمل كيف ما كان لا يصح =стр. 396
ومن صورها: أن يأتي الطالب الشيخ بكتاب، ويقول: هذا روايتك، فناولنيه، وأجز لي روايته، فيجيبه إلى ذلك من غير أن ينظر فيه ويتحقق روايته، فهذا لا يصح (١) ، فإن كان الطالب موثوقًا بخبره، ومعرفته جاز الاعتماد عليه في ذلك وكانت إجازة جائزة كما جاز الاعتماد على الطالب في قراءته على الشيخ إذا كان موثوقًا به معرفة ودينًا (٢) . الحواشي
(١) قال العراقي: فإن فعل ذلك والطالب غير موثوق به، ثم تبين بعد ذلك بخبر من يعتمد عليه أن ذلك كان من سماع الشيخ أو من مروياته، فهل يحكم بصحة المناولة والإِجازة السابقتين؟ .
لم أر من تعرض لذلك إلا في عموم كلام الخطيب الآتي، والظاهر الصحة لأنه تبين بعد ذلك صحة سماع الشيخ لما ناوله وأجازه وزال ما كنا نخشاه من عدم ثقة المخبر والله أعلم، انتهى بتصرف يسير. التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٥.
وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٠٩؛ التدريب ٢/ ٤٩.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٤٩؛ التقريب ٢/ ٤٩؛ المنهل الروي، ص ٩٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٥؛ المقنع ١/ ٢٣٢.
قال السخاوي: ولم يحك ابن الصلاح فيه اختلافًا، وقد حكى الخطيب عن أحمد التفرقة فإنه روى بسنده إليه أنه سئل عن القراءة، فقال: لا بأس بها إذا كان رجل يعرف ويفهم.
قلت له: فالمناولة؟ قال: ما أدري ما هذا حتى يعرف المحدث حديثه وما يدريه ما في الكتاب. قال السخاوي: وهذا ظاهره أنه ولو كان المحضر ذا معرفة وفهم لا يكفي. قال أحمد: وأهل مصر يذهبون إلى هذا وأنا لا يعجبني، قال الخطيب: وأراه في قوله: وأهل مصر يذهبون إلى هذا. يعني المناولة للكتاب وإجازة روايته من غير أن يعلم الراوي، هل ما فيه من حديثه أم لا؟ . وحمل ما جاء عن =стр. 397
قال الخطيب: ﵀ ولو قال: حدث بما في هذا الكتاب عني ان كان حديثي مع براءتي من الغلط والوهم كان ذلك جائزًا (١) حسنًا والله أعلم.
النوع الثاني: المناولة المجردة عن الإِجازة. بأن يناوله كما تقدم (٢) . ويقتصر على قوله: هذا من حديثي وسماعي، ولا يقول: اروه عني ولا نحوه، فلا يجوز الرواية (٣) بها، وعابها غير واحد من أصحاب الفقه والأصول على (٤) المحدثين الذين أجازوها وسوغوا الرواية بها. وحكى الحواشي
(١) الكفاية، ص ٣٢٨. وممن فعله الإِمام مالك، فإن ابن وهب قال: كنا عنده، فجاءه رجل بكتب هكذا على يديه، فقال: يا أبا عبد الله، هذه الكتب من حديثك أحدث بها عنك؟ فقال له مالك: إن كانت من حديثي فحدث بها عني انتهى. الكفاية، ص ٣٢٩.
وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٠٩.(٢) أي ملكًا أو عارية لينتسخ منه أو يأتي إلى الشيخ بشيء من حديثه، فيتصفحه وينظر فيه مع معرفته.(٣) وبه قال العراقي، وقال الخطيب: لم نر أحدًا فعله، قال السخاوي: لعدم التصريح بالإِذن فيها فلا تجوز الرواية بها. التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٦؛ الكفاية، ص ٣٤٦؛ فتح المغيث ٢/ ١١٠.
وانظر: التدريب ٢/ ٥٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٥.(٤) قلت: منهم الغزالي فإنه قال: مجرد المناولة دون قوله: حدث به عني فقد سمعته من فلان. لا معنى له، وإذا وجد هذا القول فلا معنى للمناولة فهو زيادة تكلف أحدثه بعض المحدثين بلا فائدة. بل أطلق المصنف في التقريب وقال: لا تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول. قلت: إطلاقهстр. 398
الخطيب عن طائفة (١) من أهل العلم أنهم أجازوا الرواية (٢) بها. وسيأتي (٣) الحواشي
(١) انظر: الكفاية، ص ٣٤٦، وعزاه في، ص ٣٤٩ بسنده إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني، وذكر حجته لذلك فانظره فإنه ممتع. ونقله السخاوي أيضًا في فتح المغيث ٢/ ١١١.(٢) قال الصنعاني: واختلافهم مبني على أنه هل الرواية من شرطها الإِذن من الشيخ للطالب، أولا، والصحيح أن الإِذن غير مشترط في الإِخبار، إذ الأصل جواز إخبار الإِنسان عن غيره وإن لم يأذن في الإِخبار عنه، إلا أن يكون أمرًا خاصًا به لا يحب اطلاع أحد عليه، فكذلك تجوزها هنا في باب الرواية، إذ هي قسم من الأخبار، فإنه إذا أخبر الشيخ أن الكتاب سماعه وأن النسخة صحيحة وناولها الطالب لينقل منها، فإن ذلك يكفي عن الإِذن. والوجه في ذلك أنه خبر جملي فينزل منزلة كتب النبي ﷺ التي كان ينفذ بها إلى الآفاق مع الرسل ولم تكن الرسل تحفظها وتسمعها على النبي ﷺ ، وإنما يخبرون الرسل من أرسلوا إليه خبرًا جمليًا أنها كتب النبي ﷺ وأن ما فيها منسوب إليه. انتهى. بتصرف يسير. وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٣٥.
وانظر: التدريب ٢/ ٥٠.(٣) أي في القسم السادس، ص ٤١٣.
(فائدة): قال السيوطي: وعندي أن يقال: إن كانت المناولة جوابًا لسؤال، كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويه عنك، فناوله ولم يصرح بالإِذن، صحت، وجاز له أن يرويه. وكذا إذا قال له: حدثني بما سمعت من فلان، فقال: هذا =стр. 399
قول من أجاز الرواية بمجرد اعلام أن هذا الكتاب سماعه، وهذا يترجح على ذلك بما فيه من المناولة التي فيها إشعار بالإِذن في الرواية. والله أعلم.
القول في عبارة الراوي بالمناولة والإِجازة:
ذهب الزهري (١) ومالك (٢) وغيرهما إلى جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمناولة، وهو لائق بمذهب جميع (٣) من جعل عرض المناولة المقرونة بالإِجازة سماعًا (أ).
وحكى عن قوم (٤) مثل ذلك في الرواية بالإِجازة المجردة، وكان الحواشي
(١) انظر: قول الزهري مسندًا من طريق مالك بن أنس في الكفاية، ص ٣٢٩.(٢) انظر: قول الإِمام مالك مسندًا من طريق ابن وهب في الكفاية، ص ٣٣٣.
وروى عن الحسن البصري أنه قال يسعه أن يقول: حدثني فلان عن فلان واجتمع ابن وهب وابن القاسم وأشهب على أنه يقول: أخبرني.
وعن أحمد بن حنبل فيمن روى الكتاب بعضه قراءة وبعضه تحديثًا وبعضه مناولة وبعضه إجازة، أنه يقول في كله: أخبرنا.
انظر: هذه الأقوال بالترتيب في الكفاية، ص ٣٣٢، ٣٣٣.
وانظر أيضًا: فتح المغيث ٢/ ١١٣.(٣) قد سيقت أسماءهم قبل قليل ص ٣٩٥، ٣٩٦.
وانظر أيضًا: معرفة علوم الحديث، ص ٢٥٧.(٤) منهم ابن جريج وجماعة من المتقدمين كما عزاه إليهم القاضي عياض، ومنهم الإِمام مالك وأهل المدينة كما حكاه عنهم صاحب الوجازة كما نقله عنه القاضي عياض.
قال السخاوي: قيل أنه مذهب عامة حفاظ الأندلس، ومنهم ابن عبد البر. واختاره بعض المتأخرين منهم إمام الحرمين الجويني، والحكيم الترمذي محتجًا له =стр. 400
أبو نعيم (أ) الأصبهاني يطلق أخبرنا فيما يرويه بالإِجازة (١) . وكان الحواشي
(١) نقل الذهبي عن الخطيب أنه عاب أبا نعيم به فقال: رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها. منها أنه يطلق في الإِجازة "أخبرنا ولا يبين" انتهى.
قال السخاوي: قال شيخنا: إنهم وإن عابوه بذلك فيجاب عنه بأنه اصطلاح له خالف فيه الجمهور، فقد صرح باصطلاحه حيث قال: إذا قلت: أخبرنا على الإِطلاق من غير أن أذكر فيه إجازة أو كتابة أو كتب لي أو أذن لي، فهو إجازة، أو حدثنا فهو سماع انتهى. فإذا أطلق الإِخبار على اصطلاحه عرف أنه أراد الإِجازة، فلا اعتراض عليه من هذه الحيثية، بل ينبغي أن ينبه على ذلك لئلا يعترض عليه انتهى بحذف.
وأغرب من هذا كله ما قيل من أن أبا نعيم كان يقول فيما لم يسمعه من مشايخه بل رواه إجازة: أخبرنا فلان فيما قرئ عليه ولا يقول: وأنا أسمع فيشد الالتباس على من لم يعرف حقيقة الحال، وفي الحلية له شيء من ذلك كقوله: أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه كما في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي وفي ترجمة محمد بن يوسف الأصبهاني (وحكى ابن طاهر هذا المذهب في أطراف الأفراد، أيضًا عن شيخه الدارقطني وهو اصطلاح لهما غريب).
انظر: ميزان الاعتدال ترجمة أبي نعيم ١/ ١١١؛ فتح المغيث ١/ ١١٤؛ حلية الأولياء ٩/ ١٤، و ٨/ ٢٢٥؛ ونكت الزركشي (١٨٠/ أ).
وانظر أيضًا: التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٨؛ التدريب ٢/ ٥١، أشار السيد صقر إلى هذا الدفاع وأحال ذلك إلى فتح المغيث، وقال لا وزن لهذا الدفاع وبعد الرجوع إليه تأكدت أن لهذا الدفاع وزنًا. فتأمل.стр. 401
أبو عبيد (أ) الله المرزباني (١) الأخباري يروي أكثر كتبه بالإِجازة، ويقول فيها: أخبرنا. ولا يبينها، قال الخطيب: وذلك مما عيب به (٢) .
والصحيح المختار الذي عليه عمل الجمهور وأهل التحري، المنع (٣) من إطلاق حدثنا وأخبرنا ونحوهما، وتخصيص ذلك بعبارة يشعر به، كقوله: أخبرنا أو حدثنا فلان مناولة وإجازة، أو أخبرنا (ب) إجازة أو حدثنا إجازة، أو (ج) أخبرنا مناولة أو إذنًا أو فى إذنه، أو فيما أذن لي فيه، أو فيما أطلق لي روايته عنه، أو أجاز لي فلان أو أجازني كذا، وناولني وما أشبهه (٤) . وورد عن الإِمام الأوزاعي تخصيص الإِجازة (٥) الحواشي
(١) هو محمد بن عمران بن موسى بن عبيد أبو عبيد الله الكاتب المعروف بالمرزباني كان صاحب أخبار ورواية للآداب وصنف كتبًا كثيرة في أخبار الشعراء المتقدمين والمحدثين على طبقاتهم، وكان حسن الترتيب لما يجمعه، توفي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٣/ ١٣٥؛ وفيات الأعيان ٤/ ٣٥٤.(٢) انظر: قول الخطيب في تاريخ بغداد ٣/ ١٣٥، ١٣٦.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥١؛ التقريب ٢/ ٥٢؛ المنهل الروي، ص ٩٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٨؛ المقنع ١/ ٢٣٤؛ فتح المغيث ٢/ ١١٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٦.(٤) قال الخطيب: وقد كان غير واحد من السلف يقول في المناولة: أعطاني فلان، أو دفع إلى كتابه وشبيهًا بهذا القول. وهو الذي نستحبه. انتهى. الكفاية، ص ٣٣٠.
وانظر أيضًا: فتح المغيث ٢/ ١١٦.(٥) انظر: قول الأوزاعي مسندًا من طريق العباس بن الوليد بن مزيد قال: حدثنا أبي قال: قال لي الأوزاعي: ما أجزت لك وحدك فقل فيه: خبرني وما أجزت =стр. 402
بخبرنا (١) بالتشديد، والقراءة (٢) عليه بأخبرنا. واصطلح قوم من المتأخرين (٢) على إطلاق أنبأنا في الإِجازة (أ)، واختاره صاحب (٣) كتاب الوجادة، وإليه نحا الحافظ المتقن أبو بكر البيهقي (٤) ، وقال (٥) الحاكم: الذي أختاره وعهدت الحواشي
(١) قال العراقي: كلام الأوزاعي لم يخل من النزاع، لأن خبر وأخبر بمعنى واحد لغة واصطلاحًا.
قال السخاوي: بل قيل: إن خبر أبلغ انتهى.
وكان للأوزاعي أيضًا في الرواية بالمناولة اصطلاح، قال عمرو بن أبي سلمة قلت له: في المناولة، أقول فيها: حدثنا، فقال: قل: قال أبو عمرو أو عن أبي عمرو، رواه الخطيب.
انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٠؛ فتح المغيث ٢/ ١١٨؛ الكفاية، ص ٣٣٠. وانظر: التدريب ٢/ ٥٢.(٢) حكاه عنهم أبو العباس الوليد بن بكر الأندلسي رواه الخطيب في الكفاية، ص ٣٣٢.(٣) هو العلامة أبو العباس الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي زياد الغمري بالمعجمة من أهل الأندلس، سافر الكثير في بلاد الشام والعراق والجبال كان ثقة أمينًا، توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ١٣/ ٤٨١؛ شذرات الذهب ٣/ ١٤١.(٤) قال ابن الصلاح: وكان يقول: أنبأني فلان إجازة.
قال السخاوي: ولم يطلق البيهقي الانباء لكونه عند القوم بمنزلة الإِخبار وراعى في التعبير به عن الإِجازة اصطلاح المتأخرين لا سيما ولم يكن الاصطلاح بذلك انتشر انتهى. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٢؛ فتح المغيث ٢/ ١١٩.
وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠١؛ والتدريب ٢/ ٥٣.(٥) انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٢٦٠.стр. 403
عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن نقول فيما عرض على المحدث، فأجاز له روايته شفاهًا: أنبأني وفيًا كتب إليه المحدث: كتب إلى فلان (١) ، وتقدم عن أبي جعفر بن حمدان أنه (أ) قال كلما قال (ب) البخاري: قال لي (ج) فلان، فهو عرض ومناولة (٢) ، وورد عن قوم التعبير عن الإِجازة بأخبرنا فلان أن فلانًا أخبره، واختاره (٣) الخطابي ﵀ أو (د) حكاه (٣) . وهو اصطلاح ضعيف (٤) ، واستعمل المتأخرون في الإِجازة الواقعة في رواية من فوق الشيخ كلمة: عن، فيقول أحدهم (هـ) إذا سمع الحواشي
(١) انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٢٦٠.(٢) قال السخاوي: انفرد أبو جعفر بذلك وخالفه غيره فيه، بل الذي استقرأه شيخنا، أنه يستعمل هذه الصيغة في أحد أمرين: أن يكون موقوفًا ظاهرًا وإن كان له حكم الرفع أو يكون في إسناده من ليس على شرطه وإلا فقد أورد أشياء بهذه الصيغة هي مروية عنده في موضع آخر بصيغة التحديث انتهى. فتح المغيث ٢/ ١٢٠؛ والنكت ٢/ ٦٠١.
وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٢؛ والتدريب ٢/ ٥٤.(٣) انظر: الإِلماع، ص ١٢٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٢.(٤) قال القاضي عياض: وأنكر هذا بعضهم، وحقه أن ينكر، فلا معنى له يتفهم به المراد، ولا اعتيد هذا الوضع في المسألة لغة ولا عرفًا ولا اصطلاحًا.
وقال ابن الصلاح: هذا اصطلاح بعيد، بعيد عن الإِشعار بالإِجازة. الإِلماع، ص ١٢٩؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٢.
وانظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٠؛ فتح المغيث ٢/ ١١٨؛ التدريب ٢/ ٥٤.стр. 404
على شيخ بإجازته عن شيخ: قرأت على فلان عن (١) فلان والله أعلم.
ثم اعلم أن المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا لا يزول (٢) بإباحة المجيز ذلك كما اعتاده قوم من المشايخ من قولهم، لمن (أ) يجيزون: إن شاء (ب) (قال) (ج): حدثنا، وإن شاء (٢) قال: أخبرنا والله أعلم.
القسم الخامس من أقسام طرق تحمل الحديث: المكاتبة:
وهو (د) أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئًا من حديثه، غائبًا (٣) كان الحواشي
(١) قال ابن الصلاح: وذلك قريب فيما إذا كان قد سمع منه بإجازته عن شيخه إن لم يكن سماعًا فإنه شاك، وحرف "عن" مشترك بين السماع والإِجازة صادق عليهما انتهى.
قال السخاوي: هذا الفرع وإن سبق في العنعنة وأنه لا يخرج بذلك عن الحكم له بالاتصال فإعادته هنا لما فيه من الزيادة وليكون منضمًا لما يشبهه من الاصطلاح الخاص. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٣؛ فتح المغيث ٢/ ١٢٠.
وانظر أيضًا: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠١؛ والتدريب ٢/ ٥٤.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٣؛ التقريب ٢/ ٥٥؛ المنهل الروي، ص ٩٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٩؛ المقنع ١/ ٢٣٥؛ فتح المغيث ٢/ ١١٧؛ التدريب ٢/ ٥٥.(٣) وفي صورة الغياب إذا أراد إرساله إلى الطالب ينبغي أن يختمه ليحصل الأمن من توهم تغييره.
قال السخاوي: وذلك شرط إن لم يكن الحامل مؤتمنًا. انتهى. فتح المغيث ٢/ ١٢١.стр. 405
أو حاضرًا (١) ، بخط الشيخ أو بخط غيره بأمره، وهي نوعان: مجردة عن الإِجازة ومقترنة بها، بأن يكتب إليه، ويقول: أجزت لك ما كتبته إليك أو لك أو كتبت به إليك، ونحوه من العبارات (٢) .
وهذه المقترنة (أ) في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقترنة بالإِجازة (٣) .
وأما المجردة فقد منع الرواية بها قوم (٤) . وصار إليه من الشافعيين الحواشي
(١) سواء أن يسأل الطالب الشيخ أن يكتب له، أو يبدأ الشيخ بالكتابة بدون سؤال. الإِلماع، ص ٨٣؛ فتح المغيث ٢/ ١٢١.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٣؛ التقريب ٢/ ٥٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٤؛ المقنع ١/ ٢٣٥.(٣) وعليه مشى البخاري في صحيحه في مطلق المناولة والمكاتبة إذ سوى بينهما ولكن رجح الخطيب المناولة المقترنة بالإِجازة على المكاتبة المقترنة بالإِجازة لحصول المشافهة فيها بالإِذن دون المكاتبة. وقال السخاوي ردًا عليه: وهذا وإن كان مرجحًا فالمكاتبة تترجح أيضًا يكون الكتابة لأجل الطالب، قال: ومقتضى الاستواء فضلًا عن القول بترجيح المناولة أن يكون المعتمد أن المروي بها أنزل من المروي بالسماع كما هو المعتمد هناك انتهى. صحيح البخاري مع الفتح ١/ ١٥٣؛ الكفاية، ص ٣٣٦؛ فتح المغيث ٢/ ١٢٢.
وانظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٥؛ المنهل الروي، ص ٩٨؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٢٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٤؛ المقنع ١/ ٢٣٥؛ التدريب ٢/ ٥٥؛ حاشية الشيخ محي الدين على توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٨.(٤) منهم الآمدي، فإنه قال: ولو اقتصر على المناولة أو الكتابة دون لفظ الإِجازة لم تجز له الرواية إذ ليس في الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه ولا على صحة الحديث في نفسه. انتهى.
وإليه ذهب أبو الحسن بن القطان فإنه صرح بانقطاع الرواية بالكتابة المحددة. =стр. 406
القاضي الماوردي فقطع به في كتاب الحاوي (١) ، وأجاز الرواية بها كثير من المتقدمين والمتأخرين، منهم أيوب (٢) السختياني (٣) ومنصور (٤) والليث (٥) بن سعد. وقاله غير واحد من الشافعيين (٦) وغير واحد من أصحاب الحواشي
(١) قال: ولا يصح للمخبر أن يروي إلا بعد أحد أمرين: إما أن يسمع لفظ من أخبره، وإما أن يقرأ عليه فيعترف به ... إلخ ما قال.
انظر: الحاوي للماوردي (١/ ق ٧/ ب) دار الكتب بالقاهرة، فقه شافعي طلعت برقم ١٨٩.(٢) انظر: قول أيوب السختياني من طريق شعبة مسندًا في الكفاية، ص ٣٤٣؛ والإِلماع، ص ٨٥.(٣) هو الإِمام الحجة أبو عتاب منصور بن المعتمر السلمي الكوفي أحد الأعلام، لم يكن أحد أحفظ منه بالكوفة، أكره على قضائها فقضى شهرين وفيه تشيع قليل وكان قد عمش من البكاء، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ١٤٢؛ شذرات الذهب ١/ ١٨٩.(٤) وانظر: قوله مسندًا من طريق شعبة في الكفاية، ص ٣٤٣؛ والإِلماع، ص ٨٥.(٥) انظر: رواية الليث بالمكاتبة من طريق كاتبه أبي صالح في الكفاية، ص ٣٢٢، ٣٤٤.
قال الخطيب: وحدث الليث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عدة أحاديث قال في كل واحد منها: حدثني بكير، وذكر أنه لم يسمع منه شيئًا وإنما كتب إليه بتلك الأحاديث، وقد أوردنا بعضها في كتاب التفصيل لمبهم المراسيل، وسقنا الخبر عن الليث بذلك.
انظر: المحدث الفاصل، ص ٤٤٠؛ وفتح المغيث ٢/ ١٢٤.(٦) منهم القاضي أبو عبد الله الضبي المحاملي، قال: وذهب ناس إلى أنه لا تجوز الرواية عنه وهذا غلط. حكاه القاضي عياض في الإِلماع، ص ٨٤؛ وكذا الشيخ أبو حامد الاسفرائيني والسمعاني كما في فتح المغيث ٢/ ١٢٥.стр. 407
الأصول (١) . وهو الصحيح المشهور (٢) بين (أ) أهل الحديث.
ويوجد في مسانيدهم ومصنفاتهم (٣) قولهم: كتب إلي (٣) فلان قال: حدثنا (٣) فلان. الحواشي
(١) منهم إمام الحرمين والإِمام الرازي، قال السخاوي، كأنه لما فيه من التشخيص والمشاهدة للمروي من أول وهلة انتهى.
انظر: البرهان ١/ ٦٤٨؛ والمحصول (ج ٢/ ق ١/ ٦٤٥)؛ فتح المغيث ٢/ ١٢٥.
وانظر: الإِلماع، ص ٨٤؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٤؛ المنهل الروي، ص ٩٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٤؛ التدريب ٢/ ٥٦؛ المقنع ١/ ٢٣٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٠.(٢) قال القاضي عياض: لأن في نفس كتاب الراوي إلى الطالب به متى صح عنده أنه كتبه بخط يده، أو إجابته إلى ما طلبه عنده من ذلك أقوى إذن انتهى.
وقال الرامهرمزي: إذا تيقن الطالب أن الراوي كتبها إليه، فهو وسماعه والإِقرار منه سواء، لأن الغرض من القول باللسان فيما تقع العبارة فيه باللفظ إنما هو تعبير اللسان عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأي سبب كان من أسباب العبارة، كان ذلك كله سواء. وقد روى عن النبي ﷺ ما يدل على أنه أقام الإِشارة مقام القول في باب العبارة ... إلخ. الإِلماع، ص ٨٤؛ المحدث الفاصل، ص ٤٥٢؛ الكفاية، ص ٣٤٥.
وانظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٤؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٤؛ فتح المغيث ٢/ ١٢٣، قال: والحاصل أن الإِرسال إلى المكتوب إليه قرينة في أنه سلطه عليه فكأنه لفظ له به، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى التلفظ بالإِذن انتهى.(٣) في الصحيحين اجتماعًا وانفرادًا توجد أحاديث من هذا النوع من رواية التابعي عن الصحابي أو رواية غير التابعي عن التابعي ونحو ذلك، فمما اجتمعا عليه حديث عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال إلخ. انظر: صحيح البخاري ٥/ ١٧٠؛ كتاب العتق (ح رقم ٢٥٤١)؛ وصحيح =стр. 408
والمراد به هذا، وذلك معمول به عندهم معدود في المسند الموصول (١) . وفيها إشعار قوي بمعنى الإِجازة. وزاد أبو المظفر السمعاني فقال: هي أقوى من الإِجازة (٢) والله أعلم.
ثم يكفي في ذلك أن يعرف المكتوب إليه خط الكاتب، وإن لم تقم بذلك (٣) بينة.
ومن الناس (٤) من قال: الخط يشبه الخط فلا يجوز الاعتماد (أ) الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٤؛ الإِلماع، ص ٨٦؛ المنهل الروي، ص ٩٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٤؛ المقنع ١/ ٢٣٦؛ التدريب ٢/ ٥٦.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٤؛ التقريب ٢/ ٥٦؛ المنهل الروي، ص ٩٩؛ المقنع ١/ ٢٣٦.(٣) قال الشيخ أحمد شاكر: الثقة بالكتابة كافية، ولعلها أقوى من الشهود. الباعث الحثيث، ص ١٢٥.(٤) منهم الغزالي، فإنه قال: لا يجوز أن يروي عنه، لأن روايته شهادة عليه بأنه قاله والخط لا يعرفه. أي جزمًا. المستصفى ١/ ١٦٦.
وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٢٧؛ وحاشية الشيخ محمد محيي الدين علي، توضيح الأفكار ٢/ ٣٣٩.стр. 409
عليه. وهذا ضعيف (١) ، لأن الظاهر والغالب عدم الاشتباه.
ثم ذهب غير واحد من علماء المحدثين وأكابرهم، منهم الليث ومنصور إلى جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بها (٢) .
والصحيح المختار أنه يقول: كتب (أ) إلى فلان، قال: حدثنا فلان الحواشي
(١) قال ابن الصلاح: لأن ذلك نادر، والظاهر أن خط الإِنسان لا يشتبه بغيره ولا يقع فيه إلباس. وقال ابن أبي الدم كما نقل عنه السخاوي: الأصح الذي عليه العمل يعني سلفًا وخلفًا منا جواز الاعتماد على الخط لأنه ﷺ كان يبعث كتبه إلى عماله فيعملون بها واعتمادهم على معرفتها. انتهى.
وكذلك صرح المصنف في زوائد الروضة باعتماد خط المفتي إذا أخبره من يقبل خبره أنه خطه أو كان يعرف خطه ولم يشك.
وقال الصنعاني: إن حصل الظن بأنه خط فلان جاز العمل وإن شك فلا يعمل مع الشك، قال: والحجة عليه من الأثر، الحديث الصحيح في الوصية عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، وهو حديث متفق عليه، وفيه دليل على العمل بالخط، وإلا فأي فائدة في كتابته والقول بأنه أراد مكتوبة عنده بالشهادة عليها، خلاف الظاهر وتقييد للحديث بالمذهب، ثم عمل الناس شرقًا وغربًا وشامًا وعدنًا على الاعتماد على الكتب في كل أمر من الأمور انتهى. بتصرف، مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٤ فتح المغيث ٢/ ١٢٧؛ والروضة ١١/ ١٥٧؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٤١.
انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٥؛ التدريب ٢/ ٥٧؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٥.(٢) انظر قول الليث بن سعد ومنصور بن المعتمر مسندًا في المحدث الفاصل، ص ٤٣٩ - ٤٤٠؛ والكفاية، ص ٣٢٢، ٣٤٣؛ وفي الإِلماع، ص ٨٥؛ قول المنصور فقط.стр. 410
بكذا، أو أخبرني فلان مكاتبة (١) ، أو كتابة (أ) (١) ونحو ذلك (٢) والله أعلم.
القسم السادس: إعلام الراوي الطالب أن هذا الكتاب أو الحديث سماعه أو روايته عن فلان مقتصرًا عليه غير قايل: أروه أو شبهه، فقال كثيرون (ب) من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول (٣) وأهل الظاهر: تجوز الرواية بذلك (٤) وهو محكى عن ابن جريج (٥) وبه قطع الحواشي
(١) قال الخطيب: وهذا هو مذهب أهل الورع والنزاهة والتحري في الرواية وكان جماعة من السلف يفعلونه انتهى.
وقال الحاكم: الذي عهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول فيما كتب إليه المحدث من مدينة ولم يشافهه بالإِجازة يقول: كتب إلى فلان انتهى قال أحمد شاكر ﵀: لأن الإِطلاق يوهم السماع فيكون غير صادق في روايته انتهى. الكفاية، ص ٣٤٢؛ معرفة علوم الحديث، ص ٢٦٠؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٥.
انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٥؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٤١.(٢) وفي المسألة قول ثالث ذكره السيوطي فقال: وجوز آخرون أخبرنا دون حدثنا، وعزاه إلى المدخل للبيهقي عن أبي عصمة سعد بن معاذ. إلخ. التدريب ٢/ ٥٨.(٣) منهم الفخر الرازي في المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤٤.(٤) وانظر: المحدث الفاصل، ص ٤٥١؛ الكفاية، ص ٣٤٨؛ الإِلماع، ص ١٠٨.(٥) انظر قول ابن جريج في الإِلماع، ص ١١٥؛ قال عياض: قال الواقدي: قال ابن أبي الزناد: شهدت ابن جريج، جاء إلى هشام بن عروة، فقال له: الصحيفة التي أعطيتها فلانًا هي حديثك فقال: نعم. قال الواقدي: سمعت ابن جريج بعد ذلك يقول: أخبرنا هشام بن عروة. انتهى.стр. 411
أبو نصر ابن الصباغ الشافعي، واختاره أبو العباس الغمري المالكي (١) ، وزاد بعض أهل الظاهر فقال: لو قال: هذه روايتي ولا تروها عني، كان له أن يرويا عنه كما لو سمع منه حديثًا، فقال: لا تروه عني (٢) . ودليل هذا المذهب القياس على القراءة على الشيخ، فإنه يروي بها وإن لم يأذن في الرواية لفظًا (٣) . الحواشي
(١) حكاه عنه القاضي عياض، وقال: وبه قال طائفة من أئمة المحدثين، ونظار الفقهاء المحققين وروى عن عبيد الله العمري وأصحابه المدنيين، وهو الذي نصر واختار القاضي أبو محمد بن خلاد، وهو مذهب عبد الملك بن حبيب من كبراء أصحابنا انتهى.
انظر: الإِلماع، ص ١٠٨؛ ولقول أبي محمد بن خلاد الرامهرمزي المحدث الفاصل، ص ٤٥١؛ والكفاية، ص ٣٤٨.(٢) انظر: المحدث الفاصل، ص ٤٥١؛ والكفاية، ص ٣٤٨؛ بسنده إلى الرامهرمزي والإِلماع، ص ١١٠؛ وقال عياض: وما قاله صحيح لا يقتضي النظر سواه، لأن منعه ألا يحدث بما حدثه لا لعلة ولا ريبة في الحديث لا تؤثر، لأنه قد حدثه فهو شيء لا يرجع فيه. وما أعلم مقتدي به قال: خلاف هذا في تأثير منع الشيخ ورجوعه عما حدث به من حدث وإن ذلك يقطع سنده عنه انتهى. قال الشيخ أحمد شاكر: والذي اختاره القاضي عياض هو الراجح الموافق للنظر الصحيح، بل إن الرواية على هذه الصفة أقوى وأرجح عندي من الرواية بالإِجازة المجردة عن المناولة، لأن في هذا شبه مناولة، وفيها تعيين للمروي بالإِشارة إليه انتهى. الباعث الحثيث، ص ١٢٦.
قلت: حاصل كلام القاضي عياض، أنه قاس المنع بعد الإِعلام على المنع بعد التحديث من غير أن يكون المنع لعلة أو ريبة، فكما لا يكون المنع بعد التحديث مؤثرًا فكذا المنع بعد الإِعلام لا يؤثر.(٣) المحدث الفاصل، ص ٤٥٢؛ الكفاية، ص ٣٤٨؛ الإِلماع، ص ١٠٨؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٣؛ قلت: وكذلك الحجة للجواز القياس أيضًا على الشهادة فيما إذا سمع المقر يقر بشيء وإن لم يأذن له. انظر: الكفاية، ص ٣٤٦؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٠.стр. 412
والصحيح (١) المختار ما قاله غير واحد من المحدثين وغيرهم: إنه لا يجوز الرواية بذلك (أ)، وبه قطع أبو حامد الطوسي (٢) من الشافعيين، لأنه قد يكون مسموعة ولا يأذن في روايته عنه لكونه لا يجوز (ب) روايته لخلل يعرفه فيه (٣) . الحواشي
(١) صححه المصنف تبعًا لابن الصلاح وإلا فقد سبق الرد عليه في الشق الأول آنفًا وسيأتي أيضًا ما يظهر فساد هذا القول.(٢) قال السخاوي: الظاهر كما قال المصنف إنه الغزالي وإن كان في أصحابنا ممن وقفت عليه اثنان كل منهما: أحمد بن محمد ويعرف بأبي حامد الطوسي، لكونهما لم تذكر لهما تصانيف، والغزالي ولد بطوس، وكان والده يبيع غزل الصوف في دكان بها، وقيل: إنه نسب إلى غزالة بالتخفيف قرية من قراها، ولكنه خلاف المشهور. انتهى.
راجع فتح المغيث ٢/ ١٢٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٧.
قلت: توفي أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي سنة خمس وخمسمائة. راجع وفيات الأعيان ٤/ ٢١٦؛ والبداية ١٢/ ١٧٣.(٣) انظر قول الغزالي الطوسي في المستصفي ٢/ ١٦٥؛ واستدل له بقوله: لو قال قائل: عندي شهادة، لا يشهد ما لم يقل: أذنت لك في أن تشهد على شهادتي، أو لم تقم تلك الشهادة في مجلس الحكم لأن الرواية شهادة انتهى. وبه قال أبو بكر الباقلاني.
انظر: الكفاية، ص ٣٤٩؛ وبقول الغزالي قال ابن حجر ونص كلامه: وكذا شرطوا الإِذن بالرواية في الإِعلام فإن كان للطالب من الشيخ إجازة اعتبره وإلا فلا عبرة بذلك كالإِجازة العامة انتهى، نزهة النظر، ص ٦٥.
ورد القاضي عياض على هذا الاحتجاج فقال: وقياس من قاس الرواية على الشهادة غير صحيح لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإِشهاد والإِذن في كل حال، والحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق. فهذا يكسر عليهم حجتهم بالشهادة في مسألتنا هنا ولا فرق. وأيضًا فإن الشهادة =стр. 413
ثم أنه يجب عليه (أ) العمل به إذا صح إسناده وإن (ب) لم يجز روايته عنه؛ لأن العمل يكفي فيه صحة الحديث (١) . والله أعلم.
القسم السابع: الوصية:
وهي أن يوصي الراوي عند موته (٢) أو سفره بكتاب يرويه لشخص. الحواشي
(١) وادعى القاضي عياض عليه اتفاق المحققين. قال السخاوي: وإن كان مقتضى منع أهل الظاهر ومن تابعهم من العمل بالمروي بالإِجازة كالمرسل منعه هنا من باب أولى. ولذلك قال البلقيني: كلام ابن حزم السابق يعني في الإِجازة تقتضي منع هذا أيضًا انتهى.
الإِلماع، ص ١١٠؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٢؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٩٠.
انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٧؛ المنهل الروي، ص ٩٩؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٩؛ المقنع ١/ ٢٣٨؛ التدريب ٢/ ٥٩.(٢) كما فعل أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري أحد الأعلام من التابعين حيث أوصى عند موته وهو بالشام بكتبه إلى تلميذه أيوب السختياني إن كان حيًا وإلا فلتحرق، ونفذت وصيته وجيء بالكتب الموصى بها من الشام لأيوب الموصى له وهو بالبصرة، فسأل ابن سيرين أيجوز له التحديث بذلك فأجاز له أن يرويه، ثم قال له: لا آمرك ولا أنهاك.
انظر: المحدث الفاصل، ص ٤٥٩؛ الكفاية، ص ٣٥٢؛ الإِلماع، ص ١١٦.стр. 414
فجوز بعض السلف للموصي له رواية ذلك عن الموصي كالإِعلام الذي تقدم (١) .
والصواب أنه لا يجوز ذلك (٢) وهذا الذي قاله بعض السلف إما زلة عالم وإما متأول على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة (٣) التي تأتي إن شاء الله تعالى. الحواشي
(١) قال القاضي عياض: لأن في دفعها له نوعًا من الإِذن وشبهًا من العرض والمناولة وهو قريب من الضرب الذي قبله انتهى وسيأتي نقل من ابن أبي الدم يؤيد قول القاضي.
وعزى ابن حجر الجواز في ذلك كله لقوم من الأئمة المتقدمين.
وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀: هذا النوع من الرواية نادر الوقوع، ولكننا نرى أنه إن وقع صحت الرواية به لأنه نوع من الإِجازة، إن لم يكن أقوى من الإِجازة المجردة، لأنه إجازة من الموصي للموصى له برواية شيء معين مع إعطائه إياه، ولا نرى وجهًا للتفرقة بينه وبين الإِجازة، وهو في معناها أو داخل تحت تعريفها كما يظهر ذلك بأدنى تأمل انتهى.
انظر: الإِلماع، ص ١١٥؛ نزهة النظر، ص ٦٥؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٧.(٢) قال السخاوي: هو الحق المتعين لأن الوصية ليست بتحديث لا إجمالًا ولا تفصيلًا، ولا يتضمن الإِعلام لا صريحًا ولا كناية، على أن ابن سيرين المفتي بالجواز كما تقدم توقف فيه بعد وقال للسائل نفسه: لا آمرك ولا أنهاك بل قال الخطيب عقب حكايته: يقال: أن أيوب كان قد سمع تلك الكتب غير أنه لم يكن يحفظها، فلذلك استفتى ابن سيرين في التحديث منها انتهى.
انظر: فتح المغيث ٢/ ١٣٤؛ الكفاية، ص ٣٥٢.(٣) قال ابن الصلاح: ولا يصح ذلك فإن لقول من جوز الرواية بمجرد الإِعلام والمناولة مستندًا ذكرناه لا يتقرر مثله ولا قريب منه ههنا. انتهى.
وأنكر ابن أبي الدم قول ابن الصلاح وقال: الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف وهي معمول بها عند الشافعي وغيره، وتبعه ابن حجر كما نقل عنه السخاوي والأنصاري والسيوطي، فقال: لأن الرواية بالوصية نقلت عن بعض الأئمة، والرواية بالوجادة لم يجوّزها أحد من الأئمة إلا ما نقل عن البخاري في =стр. 415
القسم الثامن: الوجادة (١) :
وهي مصدر لوجد يجد، مؤلد غير مسموع من العرب (٢) .
ومثالها أن يقف على كتاب بخط (٣) شخص فيه أحاديث يرويها ولم يسمعها منه هذا الواجد ولا له منه إجازة ولا نحوها، فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه حدثنا (أ) فلان، ويسوق باقي الإِسناد والمتن. الحواشي
(١) قال ابن كثير: الوجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكاية عما وجده في الكتاب. وقال الشيخ أحمد شاكر: وإنما ذكر العلماء الوجادة في هذا الباب إلحاقًا به لبيان حكمها، وما يتخذه الناقل في سبيلها.
اختصار علوم الحديث، ص ١٢٨؛ الباعث الحثيث، ص ١٣٠.(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٧؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١١؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٥؛ التدريب ٢/ ٦٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٣.(٣) تقسم الوجادة اصطلاحًا إلى نوعين: والوجادة هي بخط شخص فيه أحاديث يرويها أحدهما، وسيأتي ذكر الثاني.
انظر: فتح المغيث ٢/ ١٣٥.стр. 416
أو يقول: وجدت (أ) أو قرأت بخط فلان (١) عن فلان ويذكر الباقين. هذا الذي استمر (٢) عليه العمل قديمًا وحديثًا (٣) ، وهو من باب المرسل (٤) غير أنه أخذ شوبًا من الاتصال بقوله: وجدت بخط فلان وربما دلس بعضهم (٥) فذكر الذي وجد بخطه وقال فيه: عن فلان أو قال فلان: وذلك تدليس (٦) قبيح إن أوهم سماعه منه. وجازف الحواشي
(١) فإن كان بغير خطه فالتعبير عنه يختلف بالنظر للوثوق به وعدمه كما سيأتي في النوع الثاني قريبًا.(٢) انظر: الإِلماع، ص ١١٧؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٨.(٣) قال السخاوي: مثل ابن الصلاح الوجادة بما إذا لم يكن له إجازة ممن وجد ذلك بخطه، وكذلك اقتصر عليه القاضي عياض، لأنه إنما أرادا أن يتكلما على الوجادة الخالية عن الإِجازة، أهي مستند صحيح في الرواية أو العمل وإلا فقد استعملها غير واحد من المحدثين مع الإِجازة، فيقال: وجدت بخط فلان وأجازه لي، وربما لا يصرح بالإِجازة كقول عبد الله بن أحمد: وجدت بخط أبي حدثنا فلان.
فتح المغيث ٢/ ١٣٦.
انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٢؛ التدريب ٢/ ٦٢؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٩؛ الإِلماع، ص ١١٧.(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٣؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٦؛ التدريب ٢/ ٦١.(٥) قال السخاوي: هم جماعة من المحدثين كبهز بن حكيم والحسن البصري والحكم بن مقسم وأبي سفيان وطلحة بن نافع وعمرو بن شعيب ومخرمة بن بكير ووائل بن داود، حتى صرح به الحسن البصري لما قيل له: عمن هذه الأحاديث التي تحدثنا؟ فقال: صحيفة وجدناها.
انظر: معرفة علوم الحديث، ص ١١٠؛ الكفاية، ص ٣٥٤؛ الإِلماع، ص ١١٨؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٧ - ١٣٨؛ والسياق له، توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٧.(٦) الإِلماع، ص ١١٧؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٨؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٩.стр. 417
بعضهم (١) فأطلق في هذا: حدثنا وأخبرنا، وأنكر (٢) هذا على فاعله (٣) والله أعلم. الحواشي
(١) هذه إشارة إلى ما حكاه عياضٍ، أن إسحاق بن راشد، قدم الرّي فجعل يقول: أخبرنا الزهري فسئل: أين لقيته؟ فقال: لم ألقه. مررت ببيت المقدس فوجدت كتابًا له. الإِلماع، ص ١١٩.
انظر: فتح المغيث ٢/ ١٣٨.(٢) قال عياض: لا أعلم من يقتدي به أجاز النقل فيه بحدثنا وأخبرنا، ولا من يعده معد المسند. وقال الشيخ أحمد شاكر: بل هو من الكذب الصريح والراوي به يسقط عندنا عن درجة المقبولين، وترد روايته. الإِلماع، ص ١١٧؛ الباعث الحثيث، ص ١٢٩.
انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٤.(٣) قال السيوطي في التدريب: وقع في صحيح مسلم أحاديث مروية بالوجادة وانتقدت بأنها من باب المنقطع لأنها ليست الرواية - كقوله في الفضائل: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن عائشة أن كان رسول الله ﷺ ليتفقد، يقول: أين أنا اليوم الحديث. صحيح مسلم ٤/ ١٨٩٣؛ كتاب فضائل الصحابة رقم ٢٤٤٣؛ وروى أيضًا بهذا السند حديث: قال لي رسول الله ﷺ : إني لأعلم إذا كنت عني راضية، صحيح مسلم ٤/ ٨٩٠؛ كتاب فضائل الصحابة رقم ٢٤٣٩.
وبهذا السند حديث عائشة: تزوجني رسول الله ﷺ لست سنين، صحيح مسلم ٢/ ١٠٣٨؛ رقم ١٤٢٢.
وأشار إلى هذا الاعتراض في ألفيته. وقد أجاب عن هذا الاعتراض فيه وفي التدريب بأن مسلمًا روى الأحاديث الثلاثة من طرق أخرى موصولة.
وأجاب في التدريب بجواب آخر، وهو: أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه، لا في كتابه عن شيخه، فتأمل انتهى. قال الشيخ أحمد شاكر ﵀: هذا الجواب هو الصحيح المتعين هنا، لأن الراوي إذا وجد في كتاب نفسه حديثًا عن شيخه، كان على ثقة من أنه أخذه عنه، وقد تخونه ذاكرته فينسى أنه سمعه منه فيحتاط تورعًا ويذكر أنه وجده في كتابه انتهى.
انظر: التدريب ٢/ ٦٢؛ ألفية السيوطي مع شرح أحمد شاكر، ص ١٤٤؛ الباعث الحثيث، ص ١٣١؛ حاشية الشيخ محمد محيي الدين على توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٦.стр. 418
وإذا وجد حديثًا في تأليف شخص وليس (١) بخطه، فله أن يقول: ذكر فلان أو قال فلان: أخبرنا فلان، وهذا منقطع لم يأخذ شوبًا (٢) من الاتصال، هذا كله إذا وثق (أ) بأنه خط (٣) المذكور أو كتابه (٤) ، فإن لم يكن كذلك (٥) ، فليقل: بلغني عن فلان أو وجدت عن فلان ونحوه، أو قرأت في كتاب أخبرني فلان أنه بخطه أو في كتاب ظننت أنه بخط فلان، أو في كتاب ذكر كاتبه أنه فلان، أو في كتاب قيل: إنه بخط فلان (٦) .
وإذا أراد أن ينقل من كتاب منسوب إلى مصنف (ب)، فلا يقل: قال فلان: كذا إلا إذا وثق بصحة النسخة، بأن قابلها هو أو ثقة بأصول متعددة كما تقدم في النوع (٧) الأول، فإن لم يوجد ذلك ولا نحوه فليقل: الحواشي
(١) هذا هو النوع الثاني من نوعي الوجادة الذي وعدت بذكره.
فإن وثق بأنه خطه، فليقل أيضًا: وجدت بخط فلان ونحوه ويحك كلامه.
انظر: فتح المغيث ٢/ ١٤٠.(٢) أي بسبب عدم وجود قوله: وجدت بخط فلان.(٣) أي على أول نوعي الوجادة.(٤) أي على ثاني نوعي الوجادة. وتكون الثقة بصحة النسخة بأن قابلها المصنف أو ثقة غيره بالأصل أو بفرع مقابل.
انظر: التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٥.(٥) أي إن لم يحصل الثقة بالخط أو بالتأليف.(٦) أي من العبارات التي لا تقتضي الجزم. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٩؛ التقريب ٢/ ٦٢؛ المنهل الروي، ص ١٠٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٥؛ المقنع ١/ ٢٣٩؛ فتح المغيث ٢/ ١٤٠؛ التدريب ٢/ ٦٢.(٧) ص ١٣٥.стр. 419
بلغني عن فلان كذا، أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني ونحوه (١) . وقد تسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تحر، فيطالع أحدهم كتابًا منسوبًا إلى مصنف، وينقل عنه من غير أن يثق بصحة النسخة قائلًا: قال فلان: كذا (٢) .
والصواب ما قدمناه، فإن كان المطالع عالمًا فطنًا لا يخفى عليه في الغالب الساقط والمحول عن جهته، رجونا أن يجوز له إطلاق اللفظ الجازم في هذا (٣) . وإلى هذا استروح كثير من المصنفين فيما نقلوه من كتب (٤) الناس، والله أعلم.
وأمّا العمل اعتمادًا على الوجادة، فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز. وعن الشافعي وطائفة من نظار أصحابه جوازه (٥) . الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٩؛ التقريب ٢/ ٦٢؛ المنهل الروي، ص ١٠٠؛ المقنع ١/ ٢٣٩؛ التدريب ٢/ ٦٢.(٢) المراجع السابقة بأسرها.(٣) قال السخاوي: ويلتحق بذلك ما يوجد بحواشي الكتب من الفوائد والتقييدات ونحو ذلك، فإن كانت بخط معروف فلا بأس بنقلها وعزوها إلى من هي له وإلا فلا يجوز اعتمادها إلا لعالم متيقن وربما تكون تلك الحواشي بخط شخص وليست له أو بعضها له وبعضها لغيره، فيشتبه ذلك على ناقله بحيث يعزو الكل لواحد. انتهى. فتح المغيث ٢/ ١٤٠.(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٥٩؛ التقريب ٢/ ٦٣؛ المنهل الروي، ص ١٠٠؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٥؛ المقنع ١/ ٢٣٩؛ فتح المغيث ٢/ ١٤٠؛ التدريب ٢/ ٦٣.(٥) قد استدل ابن كثير في تفسيره وفي اختصار علوم الحديث للعمل بالوجادة بقوله ﷺ في الحديث الصحيح أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم، وذكروا الأنبياء قال: وكيف =стр. 420
وقطع بعض المحققين (١) من الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة (٢) . وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره، لأنه لو وقف العمل على الرواية لا نسد بابه، لتعذر شرط الرواية (٣) . والله أعلم. الحواشي
(١) وإليه ذهب إمام الحرمين.
انظر: البرهان ١/ ٦٤٨.(٢) الإلماع، ص ١٢٠.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٦٠؛ المنهل الروي، ص ١٠٠؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٢٨؛ التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٥؛ المقنع ١/ ٢٤٠؛ فتح المغيث ٢/ ١٣٩؛ التدريب ٢/ ٦٣.стр. 421
النوع الخامس والعشرون: كتابة (أ) الحديث وضبط الكتاب
اختلف الصدر الأول في كتابة الحديث، والعلم، فكرهها طائفة وامروا بالحفظ، روى ذلك عن عمر (١) بن الخطاب ﵁ وعبد الله (٢) الحواشي
(١) رواه ابن عبد البر، والخطيب من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يكتب السنن ... إلخ. وهو منقطع بين عروة وعمر بن الخطاب. وقد رواه الخطيب متصلًا من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عبد الله بن عمر، ولكن هذا السند مخالف لجميع الروايات الواردة عن عروة. وقال ابن حجر: يقال: أخطأ محمد بن يوسف الفريابي في شيء من حديث سفيان انتهى. ومن هنا يظهر براعة قول محمد عبد الرزاق وعبد الرحمن اليمانيين حيث حكما على هذا الأثر بالانقطاع مع أنهما لم يتعرضا لرواية محمد بن يوسف الفريابي.
انظر: جامع بيان العلم ١/ ٦٤؛ وتقييد العلم، ص ٤٩ - ٥٠؛ وتقريب التهذيب ٢/ ٢٢١؛ وظلمات أبي رية، ص ٣٢؛ والأنوار الكاشفة، ص ٣٨.(٢) هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود بن غافل أبو عبد الرحمن الهذلي من السابقين الأولين ومن كبار العلماء من الصحابة مناقبه جمة وأمّره عمر ﵁ على الكوفة، مات سنة إثنتين وثلاثين أو في التي بعدها بالمدينة، الإِصابة ٢/ ٣٦٨؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٣.стр. 422
بن مسعود (١) وزيد (٢) بن ثابت (٣) وأبي موسى (٤) وأبي سعيد (٥) الخدري (٦) في جماعة من الصحابة (٧) والتابعين (٧) ﵃ أجمعين واحتجوا بحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: لا تكتبوا الحواشي
(١) انظر: الروايات عنه في تقييد العلم، ص ٣٨ - ٣٩؛ وجامع بيان العلم، ص ٦٥؛ وسنن الدارمي ١/ ١٢٣ - ١٢٤.
والكلام على قصة ابن مسعود في ظلمات أبي رية، ص ٣٥؛ والأنوار الكاشفة، ص ٤٠.(٢) هو الصحابي المشهور زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوذان الأنصاري النجاري أبو سعيد كتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم مات سنة خمس أو ثمان وأربعين.
الأصابة ١/ ٥٦١؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠.(٣) انظر: الرواية عنه من طريق أبي داود في جامع بيان العلم ١/ ٦٣؛ وتقييد العلم، ص ٣٥؛ والإِلماع، ص ١٤٨.(٤) انظر: قول أبي موسى الأشعري من عدة طرق عن ابنه أبي بردة في سنن الدارمي ١/ ١٢٢؛ وجامع بيان العلم ١/ ٦٦؛ وتقييد العلم، ص ٣٩ - ٤١؛ والكلام عليه في الأنوار الكاشفة، ص ٤١.(٥) هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري أبو سعيد الخدري له ولأبيه صحبة وروى الكثير، ومات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين الأصابة ٢/ ٣٥؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٤٤.(٦) انظر: قول أبي سعيد الخدري في الروايات العديدة عن أبي نضرة في كتاب العلم لأبي خيثمة، ص ١٣١؛ وسنن الدارمي ١/ ١٢٢؛ وتقييد العلم، ص ٣٦ - ٣٨؛ وجامع بيان العلم ١/ ٦٤.
انظر: التعليق عليه في الأنوار الكاشفة، ص ٤١.(٧) وهم أبو هريرة وابن عباس وابن عمر ﵃ ومن التابعين الحسن وعطاء وقتادة وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير.
انظر: تقييد العلم، ص ٤١ - ٤٨؛ والإِلماع، ص ١٤٧.стр. 423
عني شيئًا إلا القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه (١) .
وذهب علي (٢) وابنه الحسن (٣) (أ) وأنس (ب) (٤) وعبد الله (٥) بن (٦) الحواشي
(١) أخرجه الإِمام مسلم ٤/ ٢٢٩٨ رقم ٣٠٠٤.
والدارمي ١/ ١١٩؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/ ٦٣؛ والخطيب في تقييد العلم، ص ٢٩؛ كلهم من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري.
انظر: تأويل مختلف الحديث أيضًا، ص ١٩٣.(٢) انظر: لرواية علي ﵁، صحيح البخاري ١/ ٢٠٤؛ رقم ١١١؛ باب كتابة العلم، وجامع بيان العلم ١/ ٧١؛ وتقييد العلم، ص ٨٨.(٣) انظر: رواية الحسن بن علي ﵄ في جامع بيان العلم ١/ ٨٢؛ وتقييد العلم، ص ٩١؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ١٦١؛ وفتح المغيث ٢/ ١٤٢.(٤) أخرج رواية أنس بن مالك الدارمي ١/ ١٢٧؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/ ٧٣؛ والخطيب في تقييد العلم، ص ٩٧؛ والقاضي عياض في الإِلماع، ص ١٤٧؛ كلهم من طريق عبد الله بن المثنى عن ثمامة أن أنسًا كان يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتاب. وفي تقييد العلم روايات كثيرة عن أنس بهذا المعنى وبألفاظ مختلفة.
انظر: من، ص ٩٤ - ٩٧.(٥) هو العالم الرباني عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي أبو محمد أحد السابقين المكثرين من الصحابة واحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح.
الأصابة ٣/ ٢؛ تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣٠.(٦) المراد به حديثه في مسند الإِمام أحمد ٢/ ١٦٢؛ وسنن الدارمي ١/ ١٢٥؛ وسنن أبي داود ٤/ ٦٠؛ رقم ٣٦٤٦؛ وجامع بيان العلم ١/ ٧١؛ والإِلماع، ص ١٤٦؛ كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الله بن الأخنس عن الوليد بن عبد الله عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال كنت أكتب كل شيء أسمعه من =стр. 424
عمرو بن العاصي (أ) في آخرين من الصحابة (١) والتابعين (٢) إلى جواز ذلك لقوله ﷺ : اكتبوا (٣) لأبي شاه (٤) ، وهو بالهاء في الوقف والدرج (٥) . وهذان الحديثان صحيحان (٦) ، فيكون (ب) الأذن لمن خاف عليه النيسان (٧) ، والنهي لمن وثق بحفظه وخاف عليه الاتكال على الكتاب، أو نهى حين خاف اختلاطه بالقرآن، وأذن حين أمن ذلك، ثم الحواشي
(١) راجع تقييد العلم، ص ٦٤ - ٩٨؛ وجامع بيان العلم، ص ٧٠ - ٧٧.(٢) راجع تقييد العلم، ص ٩٩ - ١١٣؛ والإِلماع، ص ١٤٧.(٣) أخرجه البخاري ٥/ ٨٧ رقم ٢٤٣٤ ومسلم في صحيحه ٢/ ٩٨٨؛ رقم ١٣٥٥؛ والترمذي في السنن ٥/ ٣٩ رقم ٢٦٦٧؛ وأبو داود في السنن ٤/ ٦٢؛ رقم ٣٦٤٩؛ وتقييد العلم، ص ٨٦؛ وجامع بيان العلم ١/ ٧٠؛ كلهم من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبو هريرة ﵁ .. إلخ.(٤) هو الصحابي أبو شاه اليماني يقال: إنه كلبي ويقال: إنه فارسي من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن، وقيل: إن هاءه أصلية وهو بالفارسي معناه الملك.
انظر: الأصابة ٤/ ١٠٠؛ والاستيعاب على هامشه ٤/ ١٠٦.(٥) انظر: شرح مسلم للمصنف ٩/ ١٢٩.(٦) حسبك بوجودهما في الصحيحين كما تقدم.(٧) قال ابن حجر: بل لا يبعد وجوبه على من خشى النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم.
فتح الباري ١/ ٢٠٤؛ فتح المغيث ٢/ ١٤٥.стр. 425
زال ذلك الخلاف (١) ، وأجمع المسلمون على إباحة الكتابة (٢) .
ثم إن على (٣) طالب الحديث وكاتبه صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبه الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٦١؛ وشرح صحيح مسلم للمصنف ١/ ١٣٠؛ وفتح الباري ١/ ٢٨٠؛ وفيه: أو النهي متقدم والأذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، قال: وهو أقربها انتهى.
قلت: وإليه يشير صنيع البخاري حيث ذكر في باب كتابة العلم أربعة أحاديث أولًا: حديث علي إنه كتب عن النبي ﷺ ، ثانيًا: حديث أبي هريرة وفيه الأمر بالكتابة لأبي شاه وهو بعد النهي فيكون ناسخًا، ثالثًا: حديث عبد الله بن عمرو وقد جاء في بعض طرقه أن النبي ﷺ أذن له في ذلك وختم هذا الباب بحديث ابن عباس الدال على أنه ﷺ هم أن يكتب لأمته كتابًا وهو لا يهم إلا بحق، وهذا كان آخر الأمرين بلا شك، فإن النبي ﷺ لم يعش بعد ذلك إلا أيامًا قلائل. وإليه ذهب أحمد شاكر ﵀ وأيده بحجج قوية. راجع فتح الباري ١/ ٢١٠؛ والباعث الحثيث، ص ١٣٣؛ وقد صنف الخطيب في هذا الباب كتابًا مستقلًا سماه تقييد العلم ذكر فيه أسباب النهي عن كتابة الحديث مستشهدًا بالآثار الكثيرة وأخيرًا ذكر خلاصة هذه الآثار.
انظر: ص ٥٧؛ وقد أفرد الدكتور مصطفى الأعظمى هذا الباب بتأليف مستقل سماه "دراسات في الحديث النبوي" فراجعه فإنه مهم.
انظر: بحوث في تاريخ السنة المشرفة أيضًا من، ص ٢١٦ - ٢٢٠؛ وتصدير يوسف العش لتقييد العلم، ص ٥ - ١٤؛ وغيرها من الكتب.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ١٦٢؛ شرح مسلم للمصنف ٩/ ١٢٩؛ اختصار علوم الحديث، ص ١٣٢؛ تقييد العلم، ص ٦٤؛ والإِلماع، ص ١٤٩؛ وفيه: والحال اليوم داعية للكتابة لانتشار الطرق وطول الأسانيد وقلة الحفظ وكلال الأفهام انتهى.(٣) المحدث الفاصل، ص ٦٠٨؛ الجامع ١/ ٢٦٩؛ الإِلماع، ص ١٥٠؛ فتح المغيث ٢/ ١٤٦.следующие страницы →