خدمة السنة النبوية
سلسلة مؤلفات الأستاذ الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب (١)
اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه
تأليف
الإمام أبي العباس القرطبي ضياء الدين أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي
المولود بالأندلس سنة ٥٧٨ هـ والمتوفى بالإسكندرية سنة ٦٥٦ هـ - رحمه الله تعالى -
تحقيق
الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب
[المجلد الأول]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
خدمَة السّنة النَّبَوِيَّة
سلسلة مؤلفات الْأُسْتَاذ الدكتور رفعت فوزي عبد الْمطلب (١)
اخْتِصَار صَحِيح البُخَارِيّ وَبَيَان غَرِيبه
[١]
стр. 4
دار النوادر
المؤسس والمالك
نور الدين طالب
مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدارسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.
سوريا - دمشق - الحلبوني
ص. ب: ٣٤٣٠٦
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد للَّه رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام.
وصلى اللَّه تعالى، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان أجمعين، وإلى يوم الدين.
وبعد
فهذا "مختصر صحيح البخاري"؛ لأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي وقبل أن نُعَرِّف بهذا الكتاب ومنهج أبي العباس فيه نقدم ترجمتين موجزتين للإمام البخاري، صاحب "الصحيح"، وأبي العباس صاحب "المختصر":
* ترجمة الإمام البخاري:
إذا كانت هناك صفات ينبغي أن تتوافر في أئمة الحديث ونقاده، وأهمها:
١ - حفظهم للحديث، صحيحه وسقيمه، وتمييز هذا من ذاك.
٢ - أنهم من العلماء والفقهاء بالسنن والآثار.
٣ - أن لهم معرفة واسعة برواة الآثار، معرفة تمكنهم من الحكم عليهم
стр. 6
ومعرفة العدول منهم من المجرحين.
٤ - توافر التقوى فيهم والورع والزهد وطهارة الخلق وصفاء النفس.
٥ - أنهم من الذين يجهرون بالحق، لا يخافون في اللَّه لومة لائم عند السلطان أو المنحرفين عن الدين من ذوي البدع.
٦ - أنهم أصحاب عقل سديد، ومنطق حسن، وبراعة في الفهم (١).
إذا كان الأمر كذلك فقد توافر بحمد اللَّه في الإمام محمد بن إسماعيل أبي عبد اللَّه البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ هـ) كل هذا، كما تترجم عنه السطور التالية من حياته:
١ - حفظ الإمام البخاري القرآن الكريم كله، وشيئًا من الحديث النبوي الشريف ولم يتجاوز العاشرة من عمره، وبعدها خرج إلى شيوخ الحديث، يكتب عنهم، ويسمع منهم.
ولم يبلغ الحادية عشرة من عمره، حتى كانت له معرفة بالحديث تمكنه من مراجعة الشيوخ الكبار وبيان أخطائهم.
يقول الإمام البخاري مؤرخًا لهذه الفترة من حياته، فيما يرويه عنه وراقه محمد بن أبي حاتم الوراق، قال: سمعت البخاري يقول: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب. قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك، فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكُتَّاب فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلت له: إن
стр. 7
أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام، فقلت: هو الزبير وهو ابن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم، وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت.
قال: فقال له إنسان: ابن كم حين رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة (١).
٢ - وازدادت معرفة الإمام البخاري بالحديث رواية ودراية؛ يساعده على ذلك ملكته الحافظة، ورحلاته العديدة إلى مدن العالم الإسلامي؛ كي يسمع من شيوخها ويكتب عنهم بعد أن سمع من الشيوخ في موطنه وحفظ ما عندهم من الحديث.
وبدأ رحلاته بمكة المكرمة ليلتقي هناك بكثير من العلماء في موسم الحج، ثم رحل بعد ذلك إلى بغداد، والبصرة، والكوفة، والمدينة، والشام، وحمص، وعسقلان، ومصر، وبعض هذه البلاد رحل إليه أكثر من مرة، حتى يستقصي ما عند شيوخه من الحديث كتابة وسماعًا.
يقول: دخلت إلى الشام، ومصر، والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين (٢).
وكانت له همة عالية وإخلاص وافر في تحصيل العلم وتدوينه، يؤثره على نومه وراحته، فقد روي أنه كان يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه ويكتب
стр. 8
الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ سراجه، وقد يفعل ذلك قريبًا من عشرين مرة في الليلة الواحدة (١).
٣ - وكانت نتيجة هذا كله الإلمام الواسع بالأحاديث صحيحها وسقيمها، وبجميع الرواة العدول منهم والمجرحين، فحفظ في سن مبكرة كتب إمامين كبيرين من أئمة الحديث، وهما عبد اللَّه بن المبارك، ووكيع بن الجراح (٢)، وكان ذلك في السادسة عشرة من عمره، وفي الثامنة عشرة كان قد بلغ درجة من العلم في فقه الصحابة تمكنه من التصنيف فيه.
يقول: "لما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء -يعني أصحاب الرأي- فلما طعنت في ثماني عشرة سنة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين" (٣).
ويقول مبينًا مدى معرفته بأحاديث الصحابة والتابعين: لا أجيء بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكرهم ووفياتهم وأماكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة والتابعين -يعني من الموقوفات- إلا وله أصل حفظ عن كتاب اللَّه تعالى، وسنة رسوله ﷺ (٤).
٤ - ولم يكن البخاري جمَّاعًا للعلم الكثير دون نظر وتمحيص، وإنما كان ينتقي رجاله، ويستوثق من أحاديثهم؛ يقول: لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء، كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه، وكنيته، ونسبته،
стр. 9
وحمل الحديث إن كان الرجل فَهِمًا، فإن لم يكن سألته أن يخرج إلَيَّ أصله، ونسخته، أما الآخرون فلا يبالون بما يكتبون (١).
٥ - كما أودع ثمرة هذا كله في كتبه المختلفة التي ألفها في علوم الحديث والفقه، ومن أهم هذه المؤلفات: الجامع الصحيح، والمسند الكبير، والأدب المفرد، والتاريخ الصغير، والأوسط والكبير، والتفسير الكبير.
والجامع الصحيح، والتاريخ الكبير يدلان دلالة كبيرة على علمه الواسع بالرواية والدراية في علوم الحديث، والأول يدل على علمه بالفقه.
و"الجامع الصحيح" وإن لم يحص فيه جميع الأحاديث الصحيحة -كما سنعرف بعد قليل - وإنما انتقى فيه بعضها- أودع فيه مادة تدل على سعة علمه وحفظه.
وطبعي أنه لا يمكنه الاختيار والانتقاء، كما فعل في هذا الكتاب إلا إذا كانت عنده مادة حديثية كبيرة تمكنه من الاختيار والموازنة والمقارنة.
كما أثبت في هذا الكتاب اتجاهًا فقهيًّا قد يختلف كثيرًا عن الاتجاهات التي سبقته أو عاصرته، كما سنعرف إن شاء اللَّه تعالى.
وكتابه "التاريخ" فيه أكثر من اثنتي عشرة ألف ترجمة للرواة (٢) من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى عصره.
٦ - وشهادات أئمة المحدثين له -وما أكثرها- تحمل في طياتها مقدار علم الرجل وسبقه في ميادين علوم الحديث، سماه الإمام مسلم سيد
стр. 10
المحدثين، وطبيب الحديث في علله، ويقول الإمام الترمذي: لم أر أحدًا بالعراق، ولا بخراسان في فهم العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل.
وقال ابن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري (١).
٧ - وقصته مع أهل بغداد تدل سعة علمه، كما تدل على ذكائه وقوة حافظته.
لما قدم بغداد اجتمع عليه علماؤها وأرادوا امتحانه، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها -يعني جعلوا متن هذا لإسناد ذاك، وإسناد ذاك لمتن هذا- ثم أعطوا كل واحد منهم عشرة أحاديث منها، فألقى عليه الأول العشرة التي عنده، فكان كما ذكر حديثًا قال له البخاري: لا أعرفه، وهكذا حتى انتهى العشرة من سرد ما عندهم، فصار الجهلاء من الحاضرين يحكمون على البخاري في أنفسهم بالعجز والتقصير، وأما العلماء منهم فيقولون: فَهِمَ الرجل.
ثم التفت البخاري إلى الأول، فقال له: أما حديثك الأول فصحته كذا، وأما حديثك الثاني فصحته كذا، حتى انتهى من الأحاديث العشرة.
ثم التفت إلى الثاني والثالث، وهكذا إلى العاشر، يذكر الحديث المقلوب، ثم يذكر صحته، فلم يجد علماء بغداد بُدًّا من الاعتراف له بالحفظ والتبريز والإحاطة.
والعجيب -كما قال ابن حجر- هو سرده للأحاديث على الترتيب الذي
стр. 11
سمعه من المحدثين مرة واحدة.
إن هذا ولا شك -كما قدمنا- يدل على حافظة قوية، وبديهة حاضرة، وحفظ متمكن (١).
٨ - ويزين علم الرجل هذا ورع وتقوى وزهد؛ فتنأى به كلها عن الغرور الذي يفسد بعض العلماء، وعن الانشغال بالدنيا وتسخير العلم لمغرياتها والتكالب عليها، فيتخلق بأخلاق لا تليق بما يحمله من العلم النبوي الشريف.
ومن مظاهر هذه في حياة الرجل:
(أ) أنه كان لا يشتري لنفسه شيئًا ولا يبيعه، وإنما يوكل في هذا غيره؛ لخوفه من أن ينزلق فيما يغضب اللَّه تعالى، ولو من غير قصد منه، وللنأي بسمعه ولسانه عن السوق، وما يحدث فيه من لغو وباطل، يقول: ما توليت شراء شيء قط ولا بيعه، كنت آمر إنسانًا فيشتري لي، قيل له: ولِمَ؟ قال: لما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط (٢).
(ب) وكان له مال كثير ينفق منه سرًّا وجهرًا على طلاب العلم ما يلزمه في ذلك من شراء الورق والرحلة يقول: كنت أستغل في كل شهر خمسمائة درهم فأنفقها في الطلب، وما عند اللَّه خير وأبقى (٣).
وخرج يومًا إلى أحد شيوخه فتأخرت نفقته، فجعل يتناول من خضروات الأرض، ولا يسأل أحدًا شيئًا حتى وصل إليه المال (٤).
стр. 12
(ج) كان يخشى اللَّه أن يَقْدِمَ إليه وقد أساء إلى أحد من عباده، فأحسن معاملة الخلق وسار فيهم سيرة حسنة. يقول: لا يكون لي خصم يوم القيامة، فقيل له: إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ، يقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية، ولم نقله من عند أنفسنا، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "بئس أخو العشيرة"، وقال: ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغِيبَةَ حرام (١).
(د) وأحسن صلته باللَّه تعالى فكان يدعوه فيستجيب له دعاءه. يقول: دعوت ربي مرتين فاستجاب لي، فلن أحب أن أدعو بعد، فلعله ينقص من حسناتي.
(هـ) وكان يرى أن نفس المرء عبء عليه ينبغي أن يزكيها بالصلاة والركوع للَّه رب العالمين، فعسى الموت أن يفاجئها فلا تجد ما تقدمه يوم الحساب، فكان يقول:
اغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بَغْتَة
كم صحيح رأيت من غير سُقْمٍ ... ذهبت نفسه الصحيحة فَلْتَة
ونعى إليه أحد أحبائه فأنشد:
إن عشتَ تُفْجَعُ بالأحبة كلِّهم ... وبقاء نفسك لا أَبَالَك أفجع (٢)
(و) ولحرصه على نظافة لسانه من أن تدنسه كلمة قد لا تكون حقًّا كان في نقده للرجال لا يطلق على الكذابين ألفاظًا صريحة تدل على كذبهم، وإنما
стр. 13
يطلق عليهم -في غالب الأحيان- ما يبين حالهم بشيء من الأدب، وبالعبارات المهذبة؛ فكثيرًا ما يقول في الرجل الذي يعرف كذبه: فيه نظر -تركوه- سكتوا عنه، وأصرح ما قاله في رجل: منكر الحديث (١).
قال ابن حجر:
وللبخاري في كلامه على الرجال تَوَقٍّ زائد، وتحرٍّ بليغ، يظهر لمن تأمل كلامه في الجرح والتعديل.
٩ - وكان يعتز بعلمه، ويرى أنه يجب على كل مستفيد أن يسعى إليه، ويَرِدُ إليه كل طالب يحتاج إليه، حتى لو كان هذا سلطانًا أو أميرًا، فهو لا يخشى في اللَّه ودينه لومة لائم.
بعث إليه أمير بُخَارَى يطلب منه أن يحمل إليه كتابي "الجامع الصحيح" و"التاريخ" ليسمعهما منه.
فقال الإمام البخاري للرسول: قل له: إني لا أُذِلُّ العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي، أو في داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس؛ ليكون في عذر عند اللَّه يوم القيامة: أني لا أكتم العلم (٢).
* ترجمة أبي العباس القرطبي:
١ - هو ضياء الدين أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي، وعُرِفَ بابن المزيِّن.
стр. 14
مولده: سنة ثمان وسبعين وخمسمائة على الصحيح.
٢ - نشا بالأندلس، ويبدو أن أباه كان من المرتحلين في طلب العلم، فرحل بابنه من الأندلس وهو في سن الصِّغَر، وأسمعه الكثير من الحديث بمكة، والمدينة، والقدس، والإسكندرية، وغيرها من البلدان (١).
كما يبدو أنه رحل بعد ذلك، فقد قال صاحب شجرة النور الزكية أنه رحل كذلك إلى فاس، وتِلْمِسَان، وسَبْتَة (٢).
٣ - وسمع الشيوخ في هذه البلاد، فلقي بفاس أبا القاسم عبد الرحمن ابن عيسى بن الملجوم الأزدي، وسمع بتلمسان من أبي عبد اللَّه محمد بن عبد الرحمن التُّجِيبي، ومن قاضيها أبي محمد عبد اللَّه بن سليمان بن حوط اللَّه، وبسبتة من عبد الحق بن محمد بن عبد الحق الخزرجي، كما سمع من عبد الحق الأشبيلي صاحب الأحكام المشهورة؛ الكبرى والوسطى، والصغرى. وغيرهم (٣).
٤ - وجمع من كل هؤلاء علومًا كثيرة، وبَرَّزَ فيها.
قال ابن فرحون: من أعيان فقهاء المالكية، وكان من الأئمة المشهورين، والعلماء المعروفين، جامعًا لمعرفة علوم؛ منها علم الحديث، والفقه، والعربية، وغير ذلك (٤).
стр. 15
وقال أيضًا: وكان يشار إليه بالبلاغة والعلم والتقدم في علم الحديث، والفضل التام (١).
وقال محمد بن محمد مخلوف: الإمام العمدة، العلامة الفقيه، المحدث المتفنن الفهامة (٢).
٥ - وكتبُ الرجل تدل على علمه وذكائه ويقظته:
وتجلى لنا ذلك في كتابين عشنا معهما:
هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم: "مختصر صحيح البخاري".
فهو في اختصاره كأنه لم يترك منه شيئًا، بالإضافة إلى خصائص أخرى تزيد على صحيح البخاري -كما سيتبين لنا بعد قليل.
وكذلك فعل في "تلخيص صحيح مسلم" الذي حققناه منذ سنوات.
وقد نهج فيه منهجًا أتاح له استيعاب ما فيه من متون كما هنا في "مختصر صحيح البخاري" (٣).
كما شرحه في كتابه المشهور "المفهم" الذي أحسن فيه وأجاد، ويدل على علم كثير عنده (٤).
كما له الكثير من المؤلفات غير هذه.
стр. 16
٦ - ولهذا العلم الوفير أخذ عنه الأئمة، منهم أبو عبد اللَّه القرطبي، صاحب التفسير المشهور "أحكام القرآن"، كما أخذ عنه شرف الدين الدمياطي وغيرهما.
٧ - وقد انتهى به المطاف إلى الإسكندرية، فنزلها واستوطنها وَدرَّسَ بها (١).
وتوفي بها سنة ٦٥٦ هـ (٢) رحمه اللَّه تعالى رحمة واسعة.
* منهج القرطبي في التلخيص:
صحيح البخاري له مختصرات عدة، ولكن هذا المختصر يمتاز عنها بأمور عدة:
١ - الاختصار:
فهو -في الاختصار- لم يترك شيئًا من متونه إلا ذكره، وذلك بالمنهج الذي سار عليه في اختصار هذا الكتاب.
فقد حذف الأسانيد، وحذف المكرر ما أمكنه ذلك.
ومعروف أن البخاري يكرر الأحاديث، ويذكر الحديث الواحد في أكثر من موضع لأسباب ليس مجال ذكرها الآن.
وأبو العباس القرطبي يختار من هذه الروايات أشملها، ويذكرها فيما هو لائق بها من الأبواب.
стр. 17
ويشير إلى زيادات في بعضها حتى لا يكررها، ويعطي كل ما فيها من معان.
ولكنه لا يغفل أن يشير إلى الروايات الأخرى من الصحيح، في الأبواب التي ذكرت فيها.
٢ - ومن وجوه الاختصار عنده أنه يجمع بين الحديث وشاهده، ويحيل أحدهما على الآخر.
ولا يمنعه الاختصار من التكرار في أبواب أخرى إذا كان الحديث أدخل أيضًا في كتاب آخر وباب آخر.
ولكنه لا ينسى أنه مُخْتَصِر، فيذكر من الحديث ما يناسب الباب فقط.
٣ - وهو في اختصاره يضع في اعتباره الأحكام التي تضمنتها أحاديث صحيح البخاري. أما ما لا يفيد في ذلك فإنه يتركه.
فقد عقد البخاري ترجمة بقوله: "باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ".
وأتى رواية مجملة فيها إشارة إلى مواضع كان يصلي فيها رسول اللَّه ﷺ ، ولم تذكر تلك الأماكن.
ثم أتى بعدها برواية مطولة جدًّا ذكرت تلك الأماكن بالتفصيل (١).
أتى القرطبي بالرواية الأولى التي أشارت إلى الأماكن ولم يأت بالرواية التي ذكرت هذه الأماكن (٢).
стр. 18
وقال: "تركت الحديث الطويل في تعيين تلك الأمكنة، إذ يعسر حفظه، مع أنه ليس فيه حكم مهم".
* تحقيق القرطبي:
١ - والقرطبي رحمه اللَّه تعالى ليس مختصرًا فقط في هذا الكتاب، وإنما هو محقق ومدقق، فيقابل بين النسخ ليرجح ما هو أقرب إلى الصواب، أو هو الصواب.
ففي حديث: من استلج في أهله بيمين -فهو أعظم إثمًا، ليس- يعني الكفارة.
علق على جملة: "يعني الكفارة، فقال: وجدنا هذا اللفظ في بعض الأمهات: "تُغْنِي بالتاء المضمومة وبالغين المعجمة، وهذا ليس بشيء، ووجدناه في الأصل المعتمد عليه بالتاء المفتوحة وبالعين المهملة، وعليه علامة أبي محمد الأصيلي، وفيه بُعْد. ووجدناه بالياء باثنتين من تحتها، وهو أقرب.
وعند ابن السكن: "يعني ليس بالكفارة" وهذا عندي أشبهها إذا كانت "ليس" استثناء بمعنى إلا، أي: إذا ألجَّ بيمينه كان أعظم، إلا أن يكفّر. واللَّه أعلم (١).
٢ - وهو يصحح ما يراه خطأ في الرواية، فعند البخاري عن أنس أن ابنة النضر لطمت جارية، فكسرت ثَنِيَّتَها، فأتوا النبي ﷺ ، فأمر بالقصاص (٢).
стр. 19
هكذا جاء الحديث في البخاري، ونقله القرطبي بأمانة كما هو (١)، ثم نبه على الخطأ في هذه الرواية، فقال عقب الحديث: "كذا وقعت الرواية هنا: "ابنة النضر" والصواب: "أخت النضر بن أنس، وهي الرُّبَيِّع ابنة أنس" واللَّه أعلم.
وهو في هذا قد تبع مذهب نقل الخطأ في الكتاب كما هو، والتنبيه عليه.
وجدير بالذكر أنه قد جاءت روايات في البخاري على الصواب في مواضع أخرى، تارة تصريحًا بأن ابنة النضر هي أخت أنس، أو فهمًا من السياق. وقد نبهنا على ذلك في موضعه.
٣ - وهو يقارن بين روايات نسخ البخاري، ويُصَوِّب ويرجح ما يحتاج إلى ذلك.
ففي حديث رجم اليهودي واليهودية اللذين زنيا (٢) جاء فيه: "فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. قال عقبه:
قلت: "يحني" بالحاء رواية الحموي، ويالجيم للسرخسي والكشميهني. وصوابه: "يَجْنأ" بالجيم والهمزة.
كما نبه على سقوط كلمة من الرواية:
ففي حديث عبد اللَّه بن عباس أن رسول اللَّه ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى، فأمر أن يدفعه إلى عظيم البحرين. . . الحديث (٣).
стр. 20
عقب على ذلك بقوله: "كذا وقع هذا الحديث في الأمهات، ولم يذكر فيه "دحية" بعد قوله: "بعث" والصواب إثباته، وقد ذكره البخاري فيما ذكره الكشميهني معلقًا".
ولاشك أن السياق يؤيد ما قاله القرطبي؛ لأن الضمير في "أَمَرَهُ"، يعود إلى من بعث معه الكتاب -وهو دحية.
٤ - ويرجع إلى النسخ العتيقة، ويقارن بينها وبين غيرها ليخرج بفائدة.
ففي حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك. . . الحديث (١).
عقب القرطبي بقوله: "وجدت في بعض نسخ كتاب البخاري، وهي نسخة جيدة عتيقة: "قال أبو عبد اللَّه -أي البخاري- قد رأيت هذا القدح بالبصرة، وشربت فيه، وقد اشتُرِيَ من ميراث النضر بن أنس".
٥ - ومن فوائده تعقيبه على حديث رواه البخاري، عن عمران بن ميسرة، عن فضيل قال: حدثنا حصين.
ثم حول السند فقال: وحدثني أُسيد بن زيد، عن هشيم، عن حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وذكر حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب (٢).
بين أن في هذا الحديث راويًا ضعيفًا، وهو أسيد بن زيد الذي يكنى
стр. 21
أبا محمد، ويعرف بالجمال، وأن البخاري قد انفرد به، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين وغيره، وإنما أدخل البخاري حديثه على معنى الاعتبار.
قال: "وقد نقلت ذلك من حاشية على أصل البخاري" (١).
أقول: مهما يكن من أمر فالعمدة هو الإسناد الأول الذي ليس فيه هذا الراوي.
هكذا لم يكن القرطبي في هذا الكتاب مختصرًا فقط يحذف الأسانيد وبعض المكررات، وإنما كان محققًا ومدقِّقًا، والرجوع إلى الأصول والمقارنة بينها، ويعلق بما يراه من فوائد تضفي على اختصاره أهمية وأضواء على الأصل وهو الصحيح.
* تقريب صحيح البخاري:
على أن هناك جانبًا هامًّا يسير جنبًا إلى جنب مع الاختصار ومصاحبًا له، وهو "تقريب الصحيح".
ويتجلى ذلك فيما يلي:
١ - أنه لا يكثر من التراجم كما فعل البخاري، بل يجمع الأبواب العدة تحت باب واحد، وترجمة واحدة تجمع معانيها.
ففي الصحيح في كتاب الأذان ثلاثة أبواب، هي:
١ - باب جهر الإمام بالتأمين (رقم ١١١).
٢ - باب فضل التأمين (رقم ١١٢).
стр. 22
٣ - باب جهر المأموم بالتأمين (رقم ١١٣).
جمعها القرطبي كلها في باب واحد اندرجت تحته الأحاديث في الأبواب الثلاثة، وهو:
"باب ما جاء في التأمين والجهر به وفضله" (١).
٢ - وهو لا يلتزم بترتيب البخاري للأحاديث بل يقدم ويؤخر، تبعًا لما تدل عليه الترجمة التي وضعها.
فمثلًا: عقد البخاري ترجمة فقال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٢).
وروى ثلاثة أحاديث تحت هذا الباب؛ الأول منها يعارض نص الترجمة؛ لأنه يدل على أنه لا يأتم المأموم بالإمام إذا صلى الإمام جالسًا ما دام هو صحيحًا.
وهو الحديث الذي صلى فيه رسول اللَّه ﷺ بأصحابه في مرض موته، صلى بهم جالسًا، وصلوا وراءه قيامًا.
ثم أعقب البخاري ذلك بحديثين تدل عليهما الترجمة.
والحديث الأول ناسخ للحديثين الأخيرين.
وقد نقل البخاري في نهاية الأحاديث الثلاثة عن شخه الحميدي ما يدل على هذا النسخ، ولكن بطريق غير مباشر.
أما القرطبي فقد عقد بابًا للمنسوخ وآخر للناسخ وكل منهما يدل على
стр. 23
الحديث الذي تحته.
قال أولًا: باب إذا صلى الإمام جالسًا صلى المأموم جالسًا، وإن كان صحيحًا (١).
ثم أدرج تحته المنسوخ.
ثم قال ثانيًا: باب ما جاء مما يدل على نسخ ذلك.
وأتى تحته بالحديث الناسخ، وهو صلاة النبي ﷺ بأصحابه في مرضه الأخير (٢).
فهذا تقريب لأحاديث البخاري ووضوح في ترجماته.
٢ - التراجم الواضحة.
ومن وجوه التقريب أنه وضع تراجم واضحة لأبوابه ليس فيها من الغموض ما يوجد في كثير من تراجم البخاري.
فهو قد استبدل بالتراجم البعيدة الصلة بينها وبين الأحاديث المندرجة تحتها -تراجم واضحة الصلة فلا تحتاج إلى إعمال فكر، ولا إلى الاختلاف في بيان الصلة لخفائها، مما حدى ببعض العلماء إلى تأليف كتب للمناسبات بين التراجم والأحاديث تحتها عند البخاري (٣).
стр. 24
وهذا كثير لا يحتاج إلى تمثيل.
ولعل المثال الذي سبق في ائتمام الإمام بالمأموم يدل على ذلك.
٣ - شرح الغريب.
ومن تقريب البخاري في هذا التلخيص أنه يذيل بعض الأبواب التي فيها من الغريب بشرح هذا الغريب، سواء أكان ذلك في الألفاظ أو التعبيرات.
وهذا كثير لا يحتاج إلى تمثيل.
ومن خصائص هذا الكتاب غير ما تقدم:
١ - الاتجاه الفقهي عند القرطبي:
من خصائص هذا التلخيص أنه سار على المذهب المالكي، مذهب القرطبي - في التراجم، وبين القرطبي فيه اتجاهه العقدي.
أما الأول فإنه إذا قيل: فقه البخاري في تراجمه وهو في هذا يمثل فقه المحدثين - فإن القرطبي يمثل فيه الفقه المالكي.
ذلك أن القرطبي جاء في عصر قد تبلورت فيه المذاهب الفقهية، وأصبح كل عالم من علماء الفقه والأصول، وكذلك كثير من المحدثين على مذهب فقهي معين.
وقد ظهر هذا في تراجم القرطبي.
ففي أحاديث غسل الإناء من ولوغ الكلب ترجم لها.
стр. 25
بقوله: "باب الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وأن ذلك ليس لنجاسته" (١).
والقول بعدم نجاسة سؤر الكلب هو مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى.
وإذا كانت الرواية في ظاهرها تُخالف مذهب مالك -فإن القرطبي يعقب بذكر مذهب مالك الذي يخالف هذا الظاهر، ويؤول الحديث بما يتوافق مع هذا المذهب.
ففي باب بيع المُدَبَّر في الدين جاء حديث جابر بن عبد اللَّه قال: أعتق رجل منا عبدًا له عن دبر، فدعا النبي ﷺ به، فباعه" (٢).
فظاهر هذا الحديث أنه يجوز بيع المدبر؛ لأنه لا زال عبدًا حتى يموت من دبره.
وهذا ما أخذ به بعض العلماء كالشافعي (٣).
ولكن هذا لا يجوز في مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى.
ولهذا أول القرطبي الحديث على هذا المذهب بأن النبي ﷺ باعه في دين سبق التدبير، فكأن التدبير لا شيء في هذه الحالة، مع هذا الدين الواجب الأداء.
قال: "ويعضد هذا التأويل ما ذكره مالك من أن الأمر المجمع عليه عندهم أن المدبر لا يوهب ولا يُحَرَّك عن حاله".
стр. 26
٢ - الاتجاه العقدي عند القرطبي:
وفي العقيدة يعلق القرطبي بما يبين مذهبه، ويفسر الأحاديث تبعًا لذلك.
فهو يجيز تأويل الصفات، وإن كان يرجح عدم الخوض فيها، والإيمان بها كما جاءت في كتاب اللَّه، وسنة رسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، دون إجرائها على الحقيقة والظاهر، ودون تأويلها.
ففي حديث أبي هريرة قول رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "لقد عجب اللَّه، أو ضحك اللَّه من فلان، وفلانة" (١).
قال عقبه: "قول: عجب اللَّه" أي عظَّم ذلك الصنع تعظيم ما يتعجب منه. و"ضحك اللَّه" أي رضي ذلك، كما يرضى من يضحك بما سره، واللَّه أعلم.
وهذا تأويل، وقدمه، ولم ينكر عليه مما يدل على أنه يرضاه، ولكنه يميل إلى التسليم، والإيمان بما في الكتاب والسنة كما جاء.
وهذا هو مذهب السلف، وهو معنى قولهم: "أَمِرُّوها -أي: الصفات- كما جاءت".
ففي حديث أنس الذي جاء فيه قول رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فنقول: قط، قط" (٢).
قال القرطبي عقبه: مذهب السلف في المشكلات أن لا يتعرض
стр. 27
لتأويلها، مع القطع باستحالة حملها على ظواهرها. وقد تعرض كثير من العلماء إلى تأويلها وردها إلى مجازات كلام العرب واستعارتها، فمن ذلك أنّ وَضْعَ القدم والرِّجْل في هذا الحديث يمكن حمله على أن المراد بذلك تذليل جهنم عند طغيانها. وقولها: هل من مزيد. فيذللها اللَّه تعالى تذليل من يُوضَعُ تحت الرجل. ويؤيده قوله "فيضع قدمه عليها" وقيل غير هذا. والتسليم أسلم. واللَّه أعلم.
* النسخ التي طبع عليها الكتاب:
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث مخطوطات، ثنتان منها في دار الكتب المصرية، وتحتويان على نصف الكتاب تقريبًا، وهو النصف الأول.
وإحداهما سقطت منها ورقات من أولها، وتكملها الأخرى وهما بخط النسخ، ورمزت لإحداهما بـ "ص" والثانية بـ "د" والثالثة من مكتبة القرويين بفاس، وهي تمثل النصف الأخير من الكتاب، وهي بخط مغربي.
ورمزت لها بـ "ق" من حرف القاف في القرويين (١).
* نسبة الكتاب إلى أبي العباس القرطبي:
الكتاب وثيق النسبة إلى القرطبي أبي العباس، فلقد أشار فيه إلى كتابه المفهم أكثر من مرة، وهو كتابه المشهور وينقل منه الشراح كثيرًا من أقوال القرطبي.
стр. 28
قال عقب "باب حكم قصر الصلاة في السفر ومسافته": "اختلف في تأويل عائشة وعثمان الذي حملهما على الإتمام في السفر على أقوال، ذكرناها في كتابنا المفهم" (١).
وقال عقب "باب يصلي المريض قاعدًا": "وقد بسطنا القول فيها في الكتاب المفهم" (٢).
وعقب باب دعاء التهجد، وفي تفسير غريبه قال: "واختلف في الصغائر التي لا تزري بالمناصب. هل يصح وقوعها منهم -أي من الأنبياء- على قولين، قد بينا متمسكات كلٍّ منهما في كتابنا المفهم" (٣).
وعقب الحديث رقم (١٥٦١) قال: وقيل غير ذلك على ما ذكرناه في كتابنا المفهم.
وفي التعقيب على أحاديث لعن المصورين أحال في التفصيل على المفهم (٤).
* العمل في التحقيق:
١ - كتبت النص من المخطوطات كتابة حديثة.
٢ - رقمت الأحاديث ترقيمًا متسلسلًا.
٣ - قابلت أحاديث الكتاب بصحيح البخاري كنسخة من نسخ الكتاب،
стр. 29
وأثبت الفروق، فربما تمثل نسخًا أخرى من الكتاب، أو هي كذلك.
٤ - ربطت بين هذا المختصر بصحيح البخاري فبينت مواضع الأحاديث منه وأرقامها فيه، وطرقها.
وكان الاعتماد في ذلك على الطبعة السلفية المفردة عن طبعة فتح الباري عند السلفية أيضًا.
٥ - شرحت ما يحتاج إلى شرح مما لم يتعرض القرطبي لشرحه.
٦ - ضبط ما يحتاج إلى ضبط، وكان جل اعتمادي في ذلك على نسخة مطبوعة في تركيا في المكتبة العامرة باستانبول.
٧ - وإذا كان القرطبي يحيل في الأحاديث المكررة إلى ما سبق منها، وكان هذا يمثل صعوبة في تحديد مواضعها -فقد استعضت عن ذلك بذكر بيانات الحديث الذي كرره فيه البخاري، وهو الموضع الذي أشار فيه القرطبي إلى ما سبق من الروايات.
كما وضعت فهرسًا يساعد على تحديد موضع الحديث الذي أحيل عليه.
٨ - ربطت بين المطبوع والمخطوطات بذكر أرقام لوحات المخطوطات.
واللَّه العلي القدير أسأل أن ينفع بهذا الكتاب وأن يسترنا، ويغفر لنا ما وقعنا فيه من زلل أوخطأ.
ولا يفوتني أن أشكر الأستاذ أحمد حسني بكار على مساعدته لي في تحقيق هذا الكتاب، وإعداده.
وأسأل اللَّه تعالى أن يجعله في ميزان حسناته، وأن يكون له من العلم
стр. 30
الذي يُنْتَفَع به نصيب، وينفعه في الدنيا والآخرة.
وصلى اللَّه تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد للَّه رب العالمين.
دار القرآن والحديث في:
١٧ من جمادى الأولى ١٤٣٣ هـ - ٩/ ٤/ ٢٠١٢ م
رفعت فوزي عبد المطلب
* * *
стр. 31
اختصار صحيح البخاري وبيان غربيه
تأليف
الإمام أبي العباس القرطبي
ضياء الدين أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي
المولود بالأندلس سنة ٥٧٨ هـ والمتوفي بالإسكندرية سنة ٦٥٦ هـ رحمه اللَّه تعالى
стр. 32
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
قال الشيخ الفقيه الإمام العالم العامل الورع الزاهد، قدوة الحفاظ، عمدة المحدثين - جمال الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي ﵁:
الحمد للَّه الذي خص أهل السنة بالتوفيق، وسلك بهم في صحيح نقلها، وإيضاح معانيها سواء الطريق، ورقَّاهم ببركة الاقتداء بها من حضيض التقليد إلى ذِرْوة التحقيق، وأسكت بصولة حججها كل مهذار مِنْطِيق.
أحمده، وهو بجميع المحامد حقيق، وأشكره شكر من علم لمن شكر نعمه مِنَّةٌ وتوفيق.
وأشهد ألا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة من انشرح صدره بمعارفها، واتسع لقبولها من غير ضيق.
وأشهد أن محمدًا رسول خُصَّ من الرسالة الإلهية بالركن الوثيق، ومن المِلَّة الحنيفية بالمنهج الواضح الأنيق، ومن الرئاسة الإنسانية بالشرف الشامخ والكرم العريق.
صلى اللَّه عليه، وعلى آله وأزواجه وذريته، صلاة توصل إلى الرحب، وتنجي من المضيق.
стр. 33
ورضي اللَّه عن جميع صحابته، الملتئم من كل صِدِّيقَةٍ وصِدِّيق.
أمّا بعد:
فلما قضت نتائج العقول، وأدلة الشرع المنقول بأن سعادة الدارين لا تنال إلا بمتابعة هذا الرسول، وأن الهداية الحقة باقتفاء سنته، وسنته واجبة الحصول - انتهضت همم أعلام العلماء، والسادة الفضلاء من الصحابة السابقين والتابعين اللاحقين إلى البحث عن سنته، وآثاره، وأقواله وفعاله، فحصلوا ذلك ضبطًا وحفظًا، وقيدوه معنى ولفظًا، واستنبطوا معانيه فقهًا وعقلًا، وبلغوها إلى غيرهم مشافهة ونقلًا.
ثم لم يزل أهل العلم يتناقلون ذلك جيلًا بعد جيل، ويتوارثونه جليلًا بعد جليل، إلى أن انتهى ذلك إلى عصر الأئمة المصنفين الذين اختارهم اللَّه لحفظ هذا الدين، وارتضاهم لإظهار سنة سيد المرسلين.
فأولهم تصنيفًا وترصيفًا، وأولاهم إمامة وتشريفًا أبو عبد اللَّه مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي فهو الذي حاز قَصَبَات السِّبَاق؛ إذ هو المشهود له بأنه أمير المؤمنين في الحديث والعلم بالاتفاق.
ثم تلاه أئمة المصنفين، متسابقين، مُصَلِّين وتالين ومُسَلِّين (١)، وكل من بعده منهم لم يَغْرِف إلا من فضالته، ولم يَسْرِ ذلك المَسْرى إلا بدلالته.
وهؤلاء الأئمة هم:
أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجُعْفِي، البخاري (٢)، وأبو
стр. 34
الحسين مسلم بن الحَجَّاج القشيري النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتَاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي.
فهؤلاء صدور الأئمة الأبرار الذين هجروا في طلب حديث رسول اللَّه ﷺ الأوطان والأوطار، وأنفقوا في تحصيله نفائس الأموال والأعمار، وارتحلوا في جمعه إلى متفرقات البلدان والأقطار، وبذلوا وسعهم في تمييز صحيحه من سقيمه، ومعوجه من مستقيمه.
ثم دونوا وألفوا، وأسندوا وصنفوا، ثم بذلوا لمن ابتغاه، قاصدين بذلك وجه الإله، فأجورهم دائمة الاستمرار والاستقامة؛ "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١)، خصوصًا إمامي علماء الصحيح، المُبَرِّزِينَ في علم الجرح والتعديل: أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري؛ فإنهما جمعا كتبهما على شرط الصحيح، وبذلا جهدهما في ترتيبهما من كل عِلَّة، فتم لهما المراد، وانعقد الإجماع على تلقيهما باسم الصحيحين أو كاد.
فجازى اللَّه جميعهم عن الإسلام أحسن الجزاء، ووفاهم من أجر من انتفع بكتبهم أفضل الإجزاء؛ فلقد حفظ اللَّه بهذين الإمامين الصحيح من سنن الدين، وأنهض بكتبهما حجة المحدثين والعلماء الراسخين.
стр. 35
غير أن أئمة النقل، وجهابذة النقد اختلفوا فيمن السابق منهما ومن المُصَلِّي؛ إذ ليس في حلبتهما تالٍ ولا مُسَلِّي.
فذهبت طائفة إلى ترجيح البخاري وكتابه، وإليه ذهب أكثر المشارقة.
وذهبت طائفة أخرى إلى ترجيح مسلم وكتابه، وإليه ذهب أكثر المغاربة، واحتجت كل طائفة منها بما انتهى إليها من مناقب مرجحها.
ونحن ننقل من عيون أخبارهما ما يدل على مناقبهما؛ لتعرف مقاديرهما، محذوفة الإسناد؛ لشهرتها في كتب المؤرخين النقاد على منهاج المباحث الفقهية، وتقرير الطريقة النظرية.
ومما يُحتج به للطائفة البخارية ما قاله أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: "ما تحت أديم السماء أعلم من البخاري بالحديث" (١).
وقال مسلم بن الحجاج للبخاري، وقد مسألة عن عِلَّة حديث خفيت على مسلم فأجابه عن ذلك بما أعجبه، فقال له: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك" (٢).
وقال أبو بكر الجوزقي: سمعت أبا حامد الشَّرَقِي يقول: رأيت مسلم ابن الحجاج بين يدي البخاري كالصبي بين يدي مُعَلّمه (٣).
وقال الدارقطني: "لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء".
وقال أحمد بن محمد الكرابيسي: رحم اللَّه الإمام أبا عبد اللَّه البخاري؛
стр. 36
فإنه الذي ألف الأصول، وبين للناس، وكل من عمل بعده قد أخذ من كتابه، كمسلم بن الحجاج، فرق كتبه في كتابه، وتجلد فيه حق الجلادة، حيث لم ينسبه إلى قائله.
ومنهم من أخذ كتابه فنقله بعينه كأبي زرعة وأبي حاتم (١).
وقال أبو المصعب: محمد بن إسماعيل عندنا؛ لو أدركت مالكًا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل، لقلت: كلاهما واحد في الفقه والحديث.
وقال يعقوب الدورقي: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.
وذكر أبو أحمد بن عدي أن البخاري لما قدم بغداد امتحنه المحدثون بأن قلبوا أسانيد مئة حديث، فخالفوا بين أسانيدها ومتونها، ثم فرقوها على عشرة من طلحة الحديث، لكل منهم عشرة.
فلما استقر بالبخاري المجلس قام إليه واحد من العشرة، فذكر له حديثًا من عشرته وسأله عنه فقال: لا أعرف هذا، ثم سأله عن بقية العشرة واحدًا واحدًا، والبخاري يقول في كل ذلك: لا أعرف، ثم قام بعده ثان ففعل مثل ذلك، فأجابه البخاري: بلا أعرف، ثم قام ثالث كذلك، إلى أن أكمل العشرة المئة الحديث المقلوبة، فظن كل من في المجلس عجز البخاري وانقطاعه، فعند ذلك دعا البخاري الأول فرد متون أحاديثه إلى أسانيدها، وكذلك فعل بجميعهم، فبهت السائلون، وأعجب بذلك الحاضرون والسامعون.
стр. 37
وقال محمد بن حمدويه: سمعت البخاري يقول: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأعرف مئتي ألف حديث غير صحيح (١).
وقال جعفر بن محمد القطان: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن أكثر من ألف شيخ، ما عندي حديث إلا أذكر سنده (٢).
ونقل أبو الفرج ابن الجوزي عن البخاري أنه قال: صنفت كتاب "الصحيح" في ست عشرة سنة، من ست مئة ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين اللَّه (٣).
وقال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتاب "الجامع" إلا ما صح، وقد تركت من الصحيح (٤).
وقال محمد بن مطر: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت وصليت ركعتين.
وقال عبد القدوس بن همام: سمعمت عدة من المشايخ يقولون: دَوَّن البخاري تراجم كتابه بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين (٥).
ولما علم أهل زمانه فضله على أقرانه وتقدمه على علماء أوانه كان يجتمع عليه في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا.
стр. 38
وقال الفِرَبْرِي: سمع كتاب البخاري تسعون ألفًا، فما بقي أحد يرويه غيري (١).
هذا مع علو إسناده، فقد أدرك جماعة ممن أدركوا متأخري التابعين كمكيّ بن إبراهيم البلخي، وأبي عاصم النَّبِيل، ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاري، وعصام بن خالد الحمصي.
وقد روى عنه جماعة من الأئمة؛ كمسلم بن الحجاج، وأبي حاتم الرازي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي حامد بن الشرقي، وأبي عيسى الترمذي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، في آخرين يطول ذكرهم.
فقد حصل بالنقل المتواتر، والإصفاق أن البخاري جاز قصب السباق.
وللطائفة النيسابورية أن تقول: نحن لا ننازع في صحة ما نقلتم، ولا ننكر فضل من فَضَّلْتم، ولكنا ننقل من فضائل صاحبنا (٢) وأخباره نحو ما ذكرتم، ثم نثبت له ولكتابه من المزية ما يوجب لها أولوية.
فمن ذلك ما قاله أبو علي الحسن بن علي النيسابوري: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم، وما رأيت أحفظ منه".
ويلزم من هذا القول أنه أعلم بالصحيح من كل من تحت أديم السماء، وهذا نحو مما قاله ابن خزيمة في البخاري.
стр. 39
وكان أبو زرعة وأبو حاتم يقدمان مسلمًا على مشايخ عصرهما، والبخاري من مشايخ عصرهما، فقد حكما لمسلم بالتقدم على البخاري.
وقال أبو مروان الطُّنُبِي: كان من شيوخي من يفضل كتاب مسلم على كتاب البخاري.
وقال مسلمة بن قاسم في تاريخه: مسلم جليل القدر من أئمة المحدثين، وذَكَر كتابه في الصحيح وقال: لم يضع أحد مثله.
وقال أبو حامد الشَّرَقِي: سمعت مسلمًا يقول: ما وضعت شيئًا في هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت شيئًا منه إلا بحجة.
وقال أبو محمد بن أبي حاتم: مسلم بن الحجاج ثقة من الحفاظ له معرفة بالحديث، سئل أبي عنه فقال: صدوق.
وقال إبراهيم بن سفيان: قال لي مسلم: ليس كل الصحيح وضعت هنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه.
وقال الحسن بن محمد الماسرجسي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلم ابن الحجاج يقول: صنفت هذا المسند من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة.
وقال مسلم بن الحجاج: لو أن أهل الحديث يكتبون الحديث مئتي سنة فمدارهم على هذا المسند، ولقد عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، وكل ما أشار أن له علة تركته، وما قال: هو صحيح أخرجته.
وقال أبو يعلى الخليلي الحافظ: مسلم بن الحجاج القشيري صاحب الصحيح هو أشهر من أن تذكر فضائله، رحل إلى العراق، والحجاز، والشام، ومصر، سمع يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه،
стр. 40
وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، ومسلم بن إبراهيم، وأبا بكر وعثمان ابني أبي شيبة، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد ابن المثنى، وخلقًا كثيرًا يطول ذكرهم، وروى عنه إبراهيم بن محمد بن سفيان المرضي الزاهد، وأبو محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، ولا يروى كتابه إلا من طريقهما.
وروى عنه أيضًا مكي بن عَبْدَان، وأبو حامد بن الشرقي، ويحيى بن محمد بن صاعد، ومحمد بن مخلد، وآخرون.
وسمع منه أبو حاتم مع جلالته، وابنه عبد الرحمن.
وعند تقابل هذه الفضائل يتوقف في الترجيح بينهما كل منصف فاضل.
وأما نكتة المزية الموحية للأولوية فهي أن مسلمًا متفق على إمامته، مجمع على قبول قوله وحديثه، كما حكى القاضي أبو الفضل عياض، وليس كذلك البخاري؛ فإن أبا محمد بن أبي حاتم قال في البخاري: إن أبي وأبا زرعة تركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى النيسابوري أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق (١).
ولما تقاصرت الهمم في هذا الزمان عن بلوغ الغايات من حفظ جميع هذا الكتاب بما اشتمل عليه من الأسانيد والروايات، أشار من إشارته غنم، وطاعته حتم، إلى تقريبه على المتحفظ وتيسيره على المتفقه، بأن نختصر أسانيده، ونحذف تكراره، وننبه على ما تضمنته أحاديثه بتراجم تسفر عن