← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فإنه الذي ألف الأصول، وبين للناس، وكل من عمل بعده قد أخذ من كتابه، كمسلم بن الحجاج، فرق كتبه في كتابه، وتجلد فيه حق الجلادة، حيث لم ينسبه إلى قائله. ومنهم من أخذ كتابه فنقله بعينه كأبي زرعة وأبي حاتم (١). وقال أبو المصعب: محمد بن إسماعيل عندنا؛ لو أدركت مالكًا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل، لقلت: كلاهما واحد في الفقه والحديث. وقال يعقوب الدورقي: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وذكر أبو أحمد بن عدي أن البخاري لما قدم بغداد امتحنه المحدثون بأن قلبوا أسانيد مئة حديث، فخالفوا بين أسانيدها ومتونها، ثم فرقوها على عشرة من طلحة الحديث، لكل منهم عشرة. فلما استقر بالبخاري المجلس قام إليه واحد من العشرة، فذكر له حديثًا من عشرته وسأله عنه فقال: لا أعرف هذا، ثم سأله عن بقية العشرة واحدًا واحدًا، والبخاري يقول في كل ذلك: لا أعرف، ثم قام بعده ثان ففعل مثل ذلك، فأجابه البخاري: بلا أعرف، ثم قام ثالث كذلك، إلى أن أكمل العشرة المئة الحديث المقلوبة، فظن كل من في المجلس عجز البخاري وانقطاعه، فعند ذلك دعا البخاري الأول فرد متون أحاديثه إلى أسانيدها، وكذلك فعل بجميعهم، فبهت السائلون، وأعجب بذلك الحاضرون والسامعون.

стр. 37

وقال محمد بن حمدويه: سمعت البخاري يقول: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأعرف مئتي ألف حديث غير صحيح (١). وقال جعفر بن محمد القطان: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن أكثر من ألف شيخ، ما عندي حديث إلا أذكر سنده (٢). ونقل أبو الفرج ابن الجوزي عن البخاري أنه قال: صنفت كتاب "الصحيح" في ست عشرة سنة، من ست مئة ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين اللَّه (٣). وقال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتاب "الجامع" إلا ما صح، وقد تركت من الصحيح (٤). وقال محمد بن مطر: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت وصليت ركعتين. وقال عبد القدوس بن همام: سمعمت عدة من المشايخ يقولون: دَوَّن البخاري تراجم كتابه بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين (٥). ولما علم أهل زمانه فضله على أقرانه وتقدمه على علماء أوانه كان يجتمع عليه في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا.

стр. 38

وقال الفِرَبْرِي: سمع كتاب البخاري تسعون ألفًا، فما بقي أحد يرويه غيري (١). هذا مع علو إسناده، فقد أدرك جماعة ممن أدركوا متأخري التابعين كمكيّ بن إبراهيم البلخي، وأبي عاصم النَّبِيل، ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاري، وعصام بن خالد الحمصي. وقد روى عنه جماعة من الأئمة؛ كمسلم بن الحجاج، وأبي حاتم الرازي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي حامد بن الشرقي، وأبي عيسى الترمذي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، في آخرين يطول ذكرهم. فقد حصل بالنقل المتواتر، والإصفاق أن البخاري جاز قصب السباق. وللطائفة النيسابورية أن تقول: نحن لا ننازع في صحة ما نقلتم، ولا ننكر فضل من فَضَّلْتم، ولكنا ننقل من فضائل صاحبنا (٢) وأخباره نحو ما ذكرتم، ثم نثبت له ولكتابه من المزية ما يوجب لها أولوية. فمن ذلك ما قاله أبو علي الحسن بن علي النيسابوري: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم، وما رأيت أحفظ منه". ويلزم من هذا القول أنه أعلم بالصحيح من كل من تحت أديم السماء، وهذا نحو مما قاله ابن خزيمة في البخاري.

стр. 39

وكان أبو زرعة وأبو حاتم يقدمان مسلمًا على مشايخ عصرهما، والبخاري من مشايخ عصرهما، فقد حكما لمسلم بالتقدم على البخاري. وقال أبو مروان الطُّنُبِي: كان من شيوخي من يفضل كتاب مسلم على كتاب البخاري. وقال مسلمة بن قاسم في تاريخه: مسلم جليل القدر من أئمة المحدثين، وذَكَر كتابه في الصحيح وقال: لم يضع أحد مثله. وقال أبو حامد الشَّرَقِي: سمعت مسلمًا يقول: ما وضعت شيئًا في هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت شيئًا منه إلا بحجة. وقال أبو محمد بن أبي حاتم: مسلم بن الحجاج ثقة من الحفاظ له معرفة بالحديث، سئل أبي عنه فقال: صدوق. وقال إبراهيم بن سفيان: قال لي مسلم: ليس كل الصحيح وضعت هنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه. وقال الحسن بن محمد الماسرجسي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلم ابن الحجاج يقول: صنفت هذا المسند من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة. وقال مسلم بن الحجاج: لو أن أهل الحديث يكتبون الحديث مئتي سنة فمدارهم على هذا المسند، ولقد عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، وكل ما أشار أن له علة تركته، وما قال: هو صحيح أخرجته. وقال أبو يعلى الخليلي الحافظ: مسلم بن الحجاج القشيري صاحب الصحيح هو أشهر من أن تذكر فضائله، رحل إلى العراق، والحجاز، والشام، ومصر، سمع يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه،

стр. 40

وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، ومسلم بن إبراهيم، وأبا بكر وعثمان ابني أبي شيبة، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد ابن المثنى، وخلقًا كثيرًا يطول ذكرهم، وروى عنه إبراهيم بن محمد بن سفيان المرضي الزاهد، وأبو محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، ولا يروى كتابه إلا من طريقهما. وروى عنه أيضًا مكي بن عَبْدَان، وأبو حامد بن الشرقي، ويحيى بن محمد بن صاعد، ومحمد بن مخلد، وآخرون. وسمع منه أبو حاتم مع جلالته، وابنه عبد الرحمن. وعند تقابل هذه الفضائل يتوقف في الترجيح بينهما كل منصف فاضل. وأما نكتة المزية الموحية للأولوية فهي أن مسلمًا متفق على إمامته، مجمع على قبول قوله وحديثه، كما حكى القاضي أبو الفضل عياض، وليس كذلك البخاري؛ فإن أبا محمد بن أبي حاتم قال في البخاري: إن أبي وأبا زرعة تركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى النيسابوري أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق (١). ولما تقاصرت الهمم في هذا الزمان عن بلوغ الغايات من حفظ جميع هذا الكتاب بما اشتمل عليه من الأسانيد والروايات، أشار من إشارته غنم، وطاعته حتم، إلى تقريبه على المتحفظ وتيسيره على المتفقه، بأن نختصر أسانيده، ونحذف تكراره، وننبه على ما تضمنته أحاديثه بتراجم تسفر عن

стр. 41

معناها، وتدل الطالب على موضعها وفحواها. فاستعنت باللَّه تعالى وبادرت إلى مقتضى الإشارة، بعد أن قدمت في ذلك دعاء النفع به والاستخارة، فاقتصرت من الإسناد على ذكر الصاحب، إلا أن تدعو الحاجة إلى ذكر غيره فأذكره لزيادة فائدة، وحصول عائدة، ومن تكرار المتون على أكملها مساقًا، وأحسنها سياقا، ملحقا به ما في غيره من الرواية، محافظًا -إن شاء اللَّه تعالى- على ألا أغفل منه شيئًا من مهمات الفوائد، فإذا قلت: عن أبي هريرة -مثلًا- وأفرغ من مساق متنه، وقلت: وفي رواية، فأعني أنه عن ذلك الصاحب المتقدم من غير ذلك الطريق، وربما قدمت بعض الأحاديث وأخرت حيثما إليه اضطررت؛ حرضا على ضم الشيء لمشاكله، وتقريبًا له على متناوله. وقد اجتهدت فيما رويت ورأيت، ووجهَ اللَّه الكريم قصدت، وهو المسؤول في أن ينفعني به، وكل من اشتغل به، ويبلغنا المأمول، وأن يجعلنا وإياه من العلماء العاملين الهداة المهتدين، وهو المستعان وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 42

(١) كتاب بدء الوحي

стр. 43

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى اللَّه على محمد وآله وصبحه وسلم (١) كتاب بدء الوحي (١) باب تعبد النبي ﷺ وكيف كان يأتيه الوحي، وما كان يدعو الناس إليه ١ - قال عَلْقَمَةُ بن وَقَّاصٍ الليثي: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". ٢ - وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: أول ما بُدِئَ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق

стр. 44

الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حِرَاء فَيَتَحَنَّثُ فيه -وهو التعبد (١) - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: "قلت: ما أنا بقارئ" (٢) قال: "فأخذني فَغَطَّني (٣) حتى بلغ مني الجَهْدُ، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارى، فأخذني فَغَطَّنِي الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فَغَطَّنِي الثالثة. ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣]، فرجع بها رسول اللَّه ﷺ يَرجُفُ فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: "زَمِّلُوني، زملوني"، فزملوه (٤) حتى ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: "لقد خَشِيتُ على نفسي" (٥).

стр. 45

فقالت: كلا واللَّه ما يُخْزِيكَ اللَّه أبدًا، إنك لتصلُ الرَّحِمَ، وتحمل الكَلَّ (١)، وتَكْسِبُ المعدوم، وتُقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى، ابن عم خديجة، وكان امْرءًا تَنَصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العِبْرَاني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ فقالت له خديجة: يا بن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللَّه ﷺ خَبَر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس (٢) الذي نزَلَ اللَّهُ على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا (٣)، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أومُخْرِجِيَّ هم؟ " قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزَّرًا (٤)، ثم لم يَنْشَبْ (٥) ورقةُ أن توفي، وفَتَر الوحيُ.

стр. 46

٣ - وقال جابر بن عبد اللَّه ﵄: قال -يعني رسول اللَّه ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي- فقال في حديثه: "بَيْنَا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرُعِبْتُ منه، فرجعت فقلت: زَمِّلوني، زَمِّلوني، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] فَحَمِيَ الوحي وتتَابَعَ". ٤ - وعن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أشده عليَّ (١)، . . . . .

стр. 47

فيُفْصَمُ (١) عنِّي، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتَمَثَّل في الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشة ﵂: ولقد رأيتُهُ ينزل عليه الوحيُ في اليوم الشديد البرد فيُفْصَمُ عنه، كان جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا (٢). ٥ - وعن ابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لك كما كان رسول اللَّه ﷺ يحركهما. وقال سعيد: فأنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]، قال: جمعه لك في صدرك، وتقرأه. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، قال: فاستمع له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، ثم إن علينا أن نقرأه.

стр. 48

فكان رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأ (١). ٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول اللَّه ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ﵇، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدَارِسُهُ القرآن، فَلَرَسُولُ اللَّه ﷺ أجود بالخير من الريح المُرسَلَةِ (٢). ٧ - وعن ابن عباس ﵄: أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل

стр. 49

إليه في ركب من قريش، وكانوا تجار، بالشام في المُدَّةِ (١) التي كان رسول اللَّه ﷺ مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه، وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا ترجمانه. فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا. قال (٢): أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا (٣) عن هذا الرجل (٤)، فإن كذبني فكذبوه، فواللَّه لولا الحياء من أن يَأْثِرُوا عليَّ كذبًا لكذبت عنه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسَبُهُ فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من مَلِكٍ؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون، أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتدُّ أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلت: لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تُمَكِّنِّي كلمةٌ أُدْخِلُ

стр. 50

فيها شيئًا غير هذه الكلمة (١). قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سِجَالٌ ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا اللَّه وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصِّلَة. فقال للتَّرْجُمَان: قل له: إني سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تُبْعَثُ في نسب قومها. وسألتك: هل قال أحدكم منكم هذا القول. فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يَأْتَسِي بقولٍ قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا. قلت: لو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب مُلْكَ أبيه، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال. فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللَّه، وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاءهم. فذكرت أن ضعفاءَهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشتُه القلوب (٢). وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تَغْدِرُ، وسألتك: بما يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا،

стр. 51

فسيملك موضع قَدَمَيَّ هاتين (١)، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أَخْلُص (٢) إليه لتجشمت (٣) لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه (٤). ثم دعا بكتاب رسول اللَّه ﷺ الذي بعث به دِحْيَة إلى عظيم بُصْرَى، فدفعه إلى هرقل فقرأه، فإذا فيه: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد عبد اللَّه ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سَلَامٌ على من اتبع الهدى (٥). أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يؤتك اللَّه أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (٦) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا

стр. 52

إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] ". قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصَّخَبُ، وارتفعت الأصوات، وأُخْرِجْنَا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أَمِرَ (١) أمْرُ ابن أبي كبشة (٢) إنه يخافه مَلِكُ بني الأصْفَرِ، فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل اللَّه عليَّ الإسلام. وكان ابن النَّاطُورِ -صاحب إيلياء وهرقل - سُقُفًّا على نصارى الشام- يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس (٣)، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حَزَّاءً (٤) ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم مَلِكَ الخِتَان قد ظهر (٥)، فمن

стр. 53

يختتن من هذه الأمة؟ [قالوا: ليس يختتن] (١) إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أُتِيَ هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول اللَّه ﷺ فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا: أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب. فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا مُلْك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحبٍ له بروميَّة، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يَرِمْ (٢) حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبيٌ (٣)، فأذن هرقل لعظماء الروم في دَسْكَرَةٍ (٤) له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم اطَّلع فقال: [يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرُّشدِ، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا (٥) حَيْصَةَ حمرِ الوَحْشِ إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت.

стр. 54

فلما رأى هرقل نَفْرَتَهُمْ، وأَيِسَ من الإيمان (١) قال: ردوهم عليَّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له، ورَضُوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل] (٢). * * *

стр. 55

(٢) كتاب الإيمان

стр. 56

(٢) كتاب الإيمان (١) باب بيان معنى الإيمان والإسلام شرعًا ٨ - عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ بارزًا يومًا للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ (١) قال: "الإيمان أن تؤمن باللَّه وملائكته، وبلقائه، ورسله وتؤمن بالبعث".

стр. 57

قال: وما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان". قال: ما الإيمان؟ قال: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل". وسأحدثك عن أشراطها؛ إذا ولدت الأَمَةُ رَبَّها، وإذا تطاول رعاء الإبل البُهْمِ في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا اللَّه، ثم تلا النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . .﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. ثم أدبر. قال: "رُدُّوه" فلم يَرَوْا شيئًا. فقال: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم". الغريب: "بارزًا": ظاهرًا. و"الإحسان" هنا: مراقبة اللَّه في العبادات، والإتيان بها مكملة الآداب. "الأشراط": العلامات. "ربها": سيدها، ويعني بذلك أن يكثر التسرِّي ويتسامح الناس في بيع أمهات الأولاد، أو يكثر عقوق الأولاد للأمهات. "البُهْم": بضم الباء جميع بهيم، وهو الشديد السواد، الذي لا يخالطه لون آخر، ويروى بضم الميم نعتًا للرعاة؛ لأن ذلك غالب رعاة العرب.

стр. 58

وبكسر الميم نعتًا للإبل. * * * (٢) باب تسمية الإسلام بالإيمان تَوَسُّعًا ٩ - عن أبي جَمْرَةَ نصر بن عمران الضَّبُعِي قال: كنت أقعد مع ابن عباس فيجلسني على سريره. فقال: أقم عندي حتى أجعل لك سهمًا من مالي، فأقمت معه شهرين، ثم قال: إن وفد عبد القَيْسِ لما أتوا النبي ﷺ قال: "مَن القومُ، أو من الوفد؟ ". قالوا (١): ربيعة. قال: "مرحبًا بالقوم -أو بالوفد- غير خَزَايَا ولا نَدَامَى" فقالوا: يا رسول اللَّه! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر، فَمُرْنَا بأمرٍ فَصْلٍ نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان باللَّه وحده. قال: "أتدرون ما الإيمان باللَّه وحده؟ ". قال: اللَّه ورسوله أعلم.

стр. 59

قال: "شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المَغْنَمِ الخُمُسَ". ونهاهم عن أربع؛ الحَنْتَم، والدُّبَّاء، والمزفَّت، وربما قال: المُقَيَّر، وقال: "احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم". الغريب: "الوفد": جمع وافد، وهو القادم والزائر. "مرحبًا": رُحْبًا وسعة؛ أي: صادفتم. "خزايا": جمع خَزْيان، كسَكَارى جمع سكران، من الخزي. و"ندامى": جمع نادم، وقياس جمعه نادمين، لكن جمع كذلك اتباعًا لخزايا. وحكى الفراء في "جامعه" أنه يقال للنادم: ندمان، وعلى هذا فيكون على القياس. "الفَصْلُ": البليغ في لفظه، الواضح في معناه. "الحَنْتَمُ": الجِرَار المطلية بالزجاج. و"الدُّبَّاءُ": القَرْعَة. و"المُزَفَّتُ": المَطْلِيُّ بالزِّفْتِ. و"المُقَيَّرُ": المطلي بالقار، نوع من الزفت. وحكمة النهي عن الانتباذ في هذه الظروف: خوفُ إسراع الإسكار إلى النبيذ، وقد نسخ ذلك النهي بما يأتي بعدُ إن شاء اللَّه تعالى. * * *

стр. 60

(٣) باب أركان الإسلام وشُعَبِهِ ١٠ - عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بُنِيَ الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" (١). ١١ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "الإيمانُ بِضْعٌ وستون شُعْبَة، والحياء شعبة من الإيمان".

стр. 61

الغريب: أصل الشُّعْبَةِ: القطعة. ١٢ - (١) [وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أن رجلًا سأل النبي ﷺ أي الإسلام خير؟ قال: "تُطعِمُ الطعام، وتقرأ السلام على من عَرَفْتَ ومن لم تعرف" (٢). * * * (٤) [باب أي الإسلام أفضل] ١٣ - [وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄: عن النبي ﷺ قال: "المسلم من سَلِمَ

стр. 62

المسلمون من لسانه ويده (١)، والمهاجر (٢) من هَجَر ما نهى اللَّه عنه". ١٤ - وعن أبي موسى ﵁ قال: قالوا: يا رسول اللَّه! أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده"]. * * * (٥) [باب أمور الإيمان] ١٥ - [وعن أنس: عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". ١٦ - وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "فوالذي نفسي

стр. 63

بيده، لا يؤمن أحدكم (١) حتى أكون أَحَبَّ إليه من والده وولده". ١٧ - وعن أنس قال: قال النبي ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أَحَبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين". ١٨ - وعنه: عن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللَّه ورسوله أَحَبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المَرْءَ لا يحبُّه إلا للَّه، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (٢).

стр. 64

وفي رواية (١): "ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه". ١٩ - وعنه: عن النبي ﷺ قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بُغْضُ الأنصار" (٢). ٢٠ - وعن عبد اللَّه بن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ مر على رجل من الأنصار،

стр. 65

وهو يعظ أخاه في الحياء (١). فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعه (٢)؛ فإن الحياء من الإيمان". * * * (٦) [باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة] ٢١ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ أعطى رهطًا وسعد جالس] (٣)، فترك رسول اللَّه ﷺ رجلًا هو أعجبُهم إليَّ، فقلت: يا رسول اللَّه! مَا لَكَ عن فلان؟ فواللَّه إني لأُرَاه مؤمنًا، فقال: "أو مسلمًا" فسكتُّ قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه (٤)، فقلت: يا رسول اللَّه! مالك عن

стр. 66

فلان، فواللَّه إني لأُرَاه مؤمنًا. فقال: "أو مسلمًا" فسكتُّ قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، وعاد رسول اللَّه ﷺ ثم قال "يا سعدُ! إني لأعطي الرجل (١)، وغَيْرُهُ أَحَبُّ إليَّ منه خشيةَ أن يَكُبَّهُ اللَّه في النار". "أُراه": بضم الهمزة، ومعناها: أظنه. * * * (٧) باب المعاصي من أمر الجاهلية. ولا يَكْفُر صاحبها إلا بالشرك ٢٢ - عن المَعْرُور بن سُوَيْدٍ قال: لقيتُ أبا ذر بالرَّبَذَةِ، وعليه حُلَّةٌ،

стр. 67

وعلى غلامه حُلَّةٌ، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلًا (١) فَعَيَّرْتُهُ بأمه، فقال لي النبي ﷺ : "يا أبا ذر! أَعَيَّرْتَهُ بأمه؟ ! إنك امرؤ فيك جاهلية". وفي رواية (٢): قلت: على حين (٣) ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: "نعم، إخوانكم خَوَلُكُمْ، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليُطْعِمْهُ مما يأكل، وليُلْبِسْهُ مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يَغْلِبُهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". "الحلة": كل ثوبين غير مُلَفَّقَيْن مجموعَيْن على لابسٍ، حريرًا كانا أو غيره. ٢٣ - وعن عبادة بن الصامت -وكان شهد بدرًا- وهو أحد النقباء ليلةَ العَقَبَةِ: أن رسول اللَّه ﷺ قال -وحوله عصابة من أصحابه- "بايعوني على ألا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تَفْتَرُونَهُ بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة

стр. 68

له (١)، ومن أصاب من ذلك شيئًا، ثم ستره اللَّه فهو إلى اللَّه؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". فبايعناه على ذلك. ٢٤ - وعن الأَحْنَفِ بن قيس قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل (٢) فلقيني أبو بَكْرَةَ فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" (٣). قلت: يا رسول اللَّه! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال (٤): "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". قوله: يفترينه بين أيديهم وأرجلهن: قيل فيه: إنه الزنا. وقيل فيه: أن تربي ولد غير زوجها وتنسبه له. واللَّه أعلم. * * *

стр. 69

(٨) باب كفران الحقوق، وكفر دون كفر، وظلم دون ظلم ٢٥ - عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "أُرِيتُ النار فرأيت أكثر أهلها النساء يكفرن"، قيل: أيكفرن باللَّه؟ قال: "يكفُرْنَ العَشِيرَ (١)، ويكفرن الإحسان، إن أحسنت إلى أحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا. قالت: ما رأيت منك خيرًا قط". ٢٦ - وعن عبد اللَّه بن مسعود: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب رسول اللَّه (٢): أَيُّنَا لم يظلم نفسه؟ ،

стр. 70

فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. الغريب: "الكفر" لغة: هو التغطية، والجحد مطلقًا، وهو في عرف الشرع: جحد ما علم من ضرورة الشرع. و"الظلم": وضع الشيء غير موضعه، وقد يقال على النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. "العشير": المعاشر، وهو المخالط، وعدل عنه للمبالغة، وهو الزوج هنا. * * * (٩) باب زيادة الإيمان ونقصانه وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، و ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وقال ابن أبي مُلَيْكَةَ: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ٢٧ - عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا أمرهم، أمرهم (١) من الأعمال

стр. 71

بما يُطِيقُون. قالوا: لسنا كهيئتك يا رسول اللَّه، قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيغضب، حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم باللَّه أنا". ٢٨ - وعن أبي سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان عن النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خَرْدَلٍ من إيمان، فيخرجون منها قد اسْوَدُّوا، فيُلْقَوْنَ في نهر الحيا -أو الحياة - شك مالك- فينبتون كما تنبت الحِبّه في جانب السَّيْلِ، ألم تَرَ أنها تخرج صفراء ملتوية؟ ". (الحِبَّة) -بكسر الحاء-: بزر الصحراء مما ليس بقُوتٍ، وبالفتح لما ليس كذلك كحبة الحنطة (١)، ونحوها. * * * (١٠) باب كمال الإسلام في نفسه، وتفاوت أهله فيه ٢٩ - عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير

стр. 72

المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ . نزلت وهو قائم بعرفة يوم الجمعة. * * * (١١) باب ما يخاف من إضرار المعاصي بالإيمان، والعمل وإن كانت صغائر لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. ويذكر عن الحسن: ما يخافه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق -يعني النفاق. ٣٠ - عن زُبَيْدٍ قال: سألت أبا وائل عن المرجئة فقال: حدثني عبد اللَّه

стр. 73

أن النبي ﷺ قال: "سِباب المسلم فُسُوق، وقتاله كفر" (١). ٣١ - وقد أُنْسِيَ النبيُّ ﷺ ليلة القدر؛ لِتَلَاحِي رَجُلَيْنِ من المسلمين؛ كما سيأتي في ليلة القدر. * * * (١٢) باب يجب الإيمان بمشروعية العبادات والنية والحسبة فيها لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ولقوله ﷺ : "الأعمال بالنية"، وقد تقدم. ٣٢ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا

стр. 74

واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". ٣٣ - وعنه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ تَبعَ جنازة مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا وكان معها (١) حتى يُصَلَّى عليها ويُفْرَغَ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أُحُد، ومن صلى عليها، ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط". ٣٤ - وعنه: عن النبي ﷺ قال: "انتُدَبَ اللَّهُ لمن خرج في سبيله -لا يخرجه إلا إيمان بي، وتصديق (٢) برسلي- أن أُرْجِعَهُ بما نال من أجرٍ أو غنيمة، أو أُدْخِلَه الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قَعَدْت خلف سَرِيَّة، ولَوَدِدْتُ أن أقتل في سبيل اللَّه، ثم أحيى، ثم أقتل، ثم أحيى، ثم أقتل". الغريب: "النية الشرعية": هي القصد إلى إيقاع ما أمر به على الوجه المطلوب. و"إيمانًا": تصديفا بأصل المشروعية وبالثواب الموعود عليها.

стр. 75

و"احتسابًا": أي: اعتدادًا به، وادخارًا له عند اللَّه تعالى. "القيراط": في أصله نصف دانق، وأصله: قِرَّاط بالتشديد؛ لأن جمعه قراريط، ويعني به في هذا الحديث الحظ العظيم من الثواب كما قد فسره فيه. ومعنى انتدب اللَّه هنا: تكفل، كما جاء مفسرًا في طريق آخر، وأصل (انتدب): أجاب، يقال: ندبه لأمر فانتدب له؛ أي: دعاه فأجاب. * * * (١٣) باب أعظم أركان الدين النصحية والفرار من الفتن والأمر بالتسديد والتسهيل؛ لقوله ﷺ : "الدين النصيحة للَّه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " ٣٥ - عن زِيَادِ بن عِلَاقَةَ قال: سمعت جَرِيرَ بن عبد اللَّه يوم مات المغيرةُ ابن شُعْبَة قام فحمد اللَّه، وأثنى عليه، وقال: عليكم باتِّقَاءِ اللَّه وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيكم أميرٌ، فإنما يأتيكم الآن، ثم قال: اسْتَعْفُوا (١) لأميركم؛ فإنه كان يحب العفو. ثم قال: أما بعد؛ فإني أتيت النبي ﷺ قلت: أبايعك على الإسلام فشرط عليَّ "والنصح لكل مسلم"، فبايعتُه على هذا، وَرَبِّ هذا المسجد،
следующие страницы →