← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وعيسى وهما ابنا الخالة (١)، قال: هذا يحيى وعيسى فسلِّمْ عليهما، فسلمت فردَّا، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صَعِدَ بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقيل (٢): من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء ففُتح، فلما خَلَصْتُ إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلِّمْ عليه، فسلمت عليه، فردَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل (٣): من هذا؟ قال: جبريل، قال (٤): ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فَفَتَح، فلما خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلِّمْ عليه، فسلمت عليه، فردَّ، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد (٥) قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنِعْمَ المجيء جاء، فلما خَلَصْتُ، فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلِّمْ عليه، فسلمت عليه، فردَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء السادسة (٦)، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال:

стр. 1192

جبريل، قيل: ومن معك (١)؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خَلَصْتُ، فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلِّمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي؛ لأنَّ غلامًا بُعث بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر (٢) ممن يدخل من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك (٣)؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا إبراهيم (٤) أبوك فسلِّمْ عليه، قال: فسلمت عليه، فردَّ السلام ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رُفِعْتُ إلى (٥) سِدْرةِ المُنْتهى، فإذا نبِقُهَا مثل قِلَال هَجَر، وإذا ورقها كآذان الفِيَلَةِ، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا (٦) يا جبريل؟ فقال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع إليَّ (٧) البيت المعمور (يدخله كل يوم سبعون ألف ملك) (٨)، ثم أُتيت لإناء من خمر، وإناء

стр. 1193

من لبن، وإناء من عسل، فاخترت اللبن (١)، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم فُرِضت عليَّ الصلاة (٢) خمسين صلاةً، كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بِمَ أُمرتَ (٣)؟ قال: أُمرتُ بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني واللَّه قد جربت الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجعْ إلى ربك، فاسأله التخفيف لأُمتك، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت، فأُمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت، فأُمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات في كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت ناداني (٤) مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي". ١٧٨٤ - وعن ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ

стр. 1194

إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قال: هي رؤيا عين أُريها رسول اللَّه ﷺ ليلة أُسري به إلى بيت المقدس، قال: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي شجرة الزَّقُّوم. * * * (٤) باب وفود الأنصار إلى النبي ﷺ لمكة، وبيعة العقبة ١٧٨٥ - عن عبد اللَّه بن كعب -وكان (١) قائد كعب حين عَمِيَ- قال: سمعت كعب بن مالك يحدِّثُ حين تخلف عن رسول (٢) اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، قال (٣): لقد شهدت مع رسول اللَّه (٤) ﷺ ليلة العقبة حتى تواثقنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أنَّ ليَ بها مَشْهَد بدر، وإن كانت بدر أَذْكَرَ في الناس منها. . . وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 1195

١٧٨٦ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: شهد بي خالاي العقبة، قال (١) ابن عيينة: أحدهما البَرَاءُ بن مَعْرُورٍ. ١٧٨٧ - وعن عطاء: قال جابر: أنا وأبي وخالاي من أصحاب العقبة. ١٧٨٨ - وعن أبي إدريس عائذ اللَّه: أن عبادة بن الصامت من الذين شهدوا بدرًا، مع رسول اللَّه ﷺ ، ومن أصحاب العقبة (٢). ١٧٨٩ - وعن عبادة بن الصامت أنه قال: إني من النُّقَبَاء الذين بايعوا رسول اللَّه ﷺ ، وقال: بايعناه على أن لا نشرك باللَّه شيئًا، ولا نسرق، ولا نَزْنِي، ولا نقتل النفس التي حرَّم اللَّه (٣)، ولا نعصي، فالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غَشِينَا من ذلك شيئًا، كان قضاءُ ذلك إلى اللَّه. * * *

стр. 1196

(٥) باب وفاة خديجة، وتزويج عائشة ﵂ - ١٧٩٠ - عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: توفيت خديجة قبل مَخْرَج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع. وفي طريق أخرى (١) أنَّها قالت: تزوجني النبي ﷺ وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج فَوَعِكْتُ، فتمرَّق شعري فَوَفَى جُمَيْمَة (٢)، فأتتني أمي أُم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، فصرخت بي، فأتيتها ولا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأَنْهِجُ حتى سكن بعض نَفَسِي، ثم أخذتْ شيئًا من ماء، فنضحت به في وجهي (٣) ورأسي، ثم أدخلتني الدار؛ فإذا

стр. 1197

نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير (١)، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يَرُعْني إلَّا رسول اللَّه ﷺ ضحًى، فأسلمنني (٢) إليه، وأنا يومئذٍ بنت تسع (٣). * * * (٦) باب الهجرة إلى أرض الحبشة ١٧٩١ - عن عائشة: أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير. . .، قد تقدم. ١٧٩٢ - وعن أبي موسى قال: بَلَغَنَا مخرجُ النبي ﷺ ونحن باليمن، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب عنده، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فقال النبي ﷺ : "لكم أهلَ السفينة هجرتان"، وقد تقدم حديث أبي هريرة بموت النجاشي، والصلاة عليه. * * *

стр. 1198

باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة وقال عبد اللَّه بن زيد وأبو هريرة، عن النبي ﷺ : "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار"، وقال أبو موسى، عن النبي ﷺ : "رأيت في المنام أني مهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، وَهَلِي إلى أنَّها اليمامة أهجر (١)؛ فإذا هي المدينة يثرب". ١٧٩٣ - وعن عروة بن الزبير: أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبويَّ قطّ إلَّا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلَّا يأتينا فيه رسول اللَّه ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِمَاد لقيه ابن الدَّغِنَةِ -وهو سيد القَارَّةِ- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي، فقال ابن الدَّغِنَّة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخْرج ولا يُخْرج، إنك تَكْسِب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع فارتحل معه ابن الدَّغِنَّة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلًا

стр. 1199

يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكَلَّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة (١)، وقالوا لابن الدغنة: مُرْ أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصلِّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به؛ فإنا نخشى أن يَفْتِنَ نساءَنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم (٢) بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلِّي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذَّفُ (٣) عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم يَعْجَبُون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكَّاءً، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنَّا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فَانْهَهُ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبي إلَّا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نُخْفِرَك (٤)، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: لقد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أم تُرجع إلي ذمتي؛ فإنّي لا أحب أن تسمع العرب أني أُخْفِرْتُ

стр. 1200

في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإنّي أردُّ إليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه ، والنبي ﷺ يومئذٍ بمكة. فقال النبي ﷺ للمسلمين: "إنِّي رأيت دار هجرتكم، ذات نخل، بين لابتين، وهما الحرتان"، فهاجَرَ من هاجر قِبَل المدينة، ورجع عامة من هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبَل المدينة، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "على رِسْلِك؛ فإنّي أرجو أن يؤذن لي"، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللَّه ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمُر -وهو الخَبَطُ- أربعة أشهر، قالت عائشة (١): فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول اللَّه ﷺ متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدًى له أبي وأمي، واللَّه ما جاء به في هذه الساعة إلَّا أمرٌ، قالت: فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فاستأذن فأُذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أَخْرِجْ مَنْ عندك"، فقال أبو بكر: إنَّما هم أهلك بأبي أنت يا رسول اللَّه، قال: "فإنّي قد أُذن لي في الخروج"، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول اللَّه؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "نعم"، قال أبو بكر: فَخُذْ بأبي أنت يا رسول اللَّه إحدى راحلتيَّ هاتين، قال رسول اللَّه ﷺ : "بالثمن"، قالت عائشة: فجهَّزْنَاهُمَا أحث (٢) الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعتين من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور،

стр. 1201

فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما فيه عبد اللَّه بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثَقِيفٌ (١) لَقِنٌ (٢)، فَيُدْلج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يُكادان (٣) به إلَّا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فُهَيْرة مولى أبي بكر مِنْحَة (٤) من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْلٍ -وهو لبن منيحتهما ورضيفهما (٥) - حتى يَنْعِقَ لها عامر (٦) بغَلَسٍ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الدِّيل، وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خِرِّيتًا -والخريت الماهر بالهداية-، قد غمس حلفًا في (٧) العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأَمِنَاهُ ودفعًا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فُهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق الساحل (٨).

стр. 1202

١٧٩٤ - قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي -وهو ابن أخي سُراقة بن جُعْشُمٍ (١) -: أن أباه أخبره أنَّه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أَسَرَهُ، فبينا (٢) أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مُدْلِج؛ إذ أقبل رجل منهم حتى قدم علينا ونحن جلوس، فقال: يا سُراقة! إنِّي قد رأيت آنفًا أَسْوِدَةَ بالساحل، أُراه محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأَعْيُننَا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، وأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أَكَمَةٍ، فتحبسها عليَّ، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فخَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي، فركبتها فرفعتها تُقَرِّبُ بي حتى دنوت منهم، فَعَثَرَتْ بي فرسي، فخررت عنها، فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، واستقسمت بها، أَضُرُّهُم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول اللَّه ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة؛

стр. 1203

إذا غبار ساطع (١) في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول اللَّه ﷺ ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد النَّاس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني (٢) شيئًا، ولم يسألاني إلَّا أن قال: "أخفِ عنَّا"، فسألته أن يكتب لي كتاب أَمْنٍ، فأمر عامر بن فُهيرة، فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول اللَّه ﷺ . قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير: أن رسول اللَّه ﷺ لقي الزبيرَ في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسى الزبيرُ رسولَ اللَّه ﷺ وأبو بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول اللَّه ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غَدَاةٍ إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أوَوْا إلى بيوتهم، أَوْفَى رجلٌ من يهود على أُطُمٍ من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللَّه ﷺ وأصحابه مُبيَّضِينَ يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب! هذا جَدُّكم (٣) الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول اللَّه ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو ابن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للنَّاس، وجلس رسول اللَّه ﷺ صامتًا، وطفق من جاء من الأنصار ممن لم يَر رسول اللَّه

стр. 1204

- ﷺ يحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللَّه ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول اللَّه ﷺ عند ذلك، فلبث رسول اللَّه ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أُسس على التقوى، وصلى فيه رسول اللَّه ﷺ ، ثم ركب راحلته، فسار (١) معه الناس، حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذٍ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر لسُهيل وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زُرَارة، فقال رسول اللَّه ﷺ حين بركت به راحلته: "هذا إن شاء اللَّه المنزل"، ثم دعا رسول اللَّه ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللَّه، فأبى رسول اللَّه ﷺ أن يقبله هبة منهما (٢)، ثم بناه مسجدًا، وطفق رسول اللَّه ﷺ ينقل معهم اللبِن في بنيانه ويقول وهو ينقل اللبن: هذا الحِمَالُ لا حِمالُ خَيْبَر ... هذا أَبَرُّ رَبَّنَا وأَطْهَر وهو يقول (٣): اللَّهم إنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخره ... فارحم الأنصار والمُهَاجِرَه يتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يُسَمَّ لي، قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث: أن رسول اللَّه ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات.

стр. 1205

١٧٩٤/ م- وعن أنس بن مالك قال: أقبل النبي ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر -وأبو بكر شيخ يعرف- والنبي ﷺ شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجلُ أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر! من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنَّه إنَّما يعني الطريقَ، وإنَّما يعني سبيلَ الخير، فالتفت أبو بكر؛ فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول اللَّه! فارس (١) قد لحق بنا، فالتفت نبي اللَّه ﷺ فقال: "اللَّهم اصرعه"، فصرعه فرسه، ثم قامت تُحَمْحِمُ، فقال: يا نبي اللَّه! مُرْني بما شئت، قال: "قف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا"، قال: وكان أول النهار جاهدًا على نبي اللَّه ﷺ ، وكان آخر النهار مَسْلَحة له، فنزل رسول اللَّه ﷺ جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاؤوا إلى النبي ﷺ وأبي بكر، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنَيْن مُطَاعَيْن، فركب نبي اللَّه ﷺ وأبو بكر، وحفُّوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي اللَّه، جاء نبي اللَّه (٢)، فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جاء نبي اللَّه، جاء نبي اللَّه، فأقبل يسير، حتى نزل بجانب دار أبي أيوب، فإنَّه ليحدث أهله؛ إذ سمع به عبدُ اللَّه بن سَلَام وهو في نخلٍ لأهله يخترف (٣) لهم، فَعَجِلَ أن يضع الذي يخترف لهم فيها،

стр. 1206

فجاء وهي معه، فسمع من نبي اللَّه ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فقال النبي ﷺ : "أي بيوت أهلنا أقرب؟ "، فقال أبو أيوب: أنا يا نبي اللَّه، هذه داري وهذا بأبي، قال: "فانطلق فهيئ لنا مقيلًا"، قال: قومًا على بركة اللَّه، فلما جاء نبي اللَّه ﷺ ، جاء عبد اللَّه بن سلام، فقال: أشهد أنك رسول اللَّه، وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت؛ فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت، قالوا فيَّ ما ليس فيَّ، فأرسل نبي اللَّه ﷺ ، فدخلوا عليه، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "يا معشر اليهود! ، ويلكم، اتقوا اللَّه، فواللَّه الذي لا إله إلَّا هو، إنكم لتعلمون أني رسول اللَّه حقًّا، وأني جئتكم بحق، فأَسْلِمُوا"، قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي ﷺ قالها ثلاث مرار، قال: "فأيُّ رجل فيكم عبد اللَّه بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا للَّه، ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قال: حاشا للَّه، ما كان ليسلم، قال "يا ابن سلام (١)! أخرج عليهم"، فخرج فقال: يا معشر اليهود! اتقوا اللَّه، فوالذي لا إله إلَّا هو، إنكم لتعلمون أنَّه رسول اللَّه، وأنَّه جاءنا بالحق، فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول اللَّه ﷺ . ١٧٩٥ - وعن أنس، عن أبي بكر قال: كنت مع النبي ﷺ في الغار،

стр. 1207

فرفعت رأسي؛ فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي اللَّه! لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: "اسكت يا أبا بكر، اثنان اللَّه ثالثهما". ١٧٩٦ - وعن أبي سعيد قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الهجرة، فقال: "ويحك، إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فتعطي صدقتها؟ " قال: نعم، قال "فهل تمنح منها؟ " قال: نعم، قال "فتحلبها يوم وِرْدِها؟ (١) " قال: نعم، قال: "فاعمل من وراء البحار، فإن اللَّه لن يَتِرَكَ من عملك شيئًا". الغريب: وَ"هَل" (٢): بفتح الهاء، وَهْمِي. "بَرْكَ الغِمَاد": موضع أسيح في الأرض، أذهب فيها لعبادة اللَّه، وقد تقدم القول على قوله: "تصل الرحم. . . "، الكلام إلى آخره في أول الكتاب. و"يتقذَّف عليه": يترامون عليه مزدحمين، وهو معنى: "يتَقَصَّفُ" الذي رواه الأصيلي. "نُخْفِرك": مضموم النون رباعيًا، ننقض جوارك. و"نَخْفِرُك": ثلاثيًا: مفتوح النون، بخيرك. و"الذّمّة": العهد. "على رِسْلك": على رفقك. و"الظَّهِيرة": شدة حر وسط النهار. و"نَحْرُها": أولها.

стр. 1208

"أَحَثَّ الجهاز": أسرعه. و"ثَقِفٌ": كيِّس. و"لَقِن": فَهِمٌ للأمور. و"يَدّلِجُ": مشدد، يسير من آخر الليل. و"أدلج": من أوله. و"المِنْحَةُ والمَنِيحَةُ": التي تعطى ليشرب لبنها. و"الرِّسْل": اللبن الحليب. و"الرَّضِيفُ" منه: هو ما ألقي فيه الحجارة المحماة، لتكسر برده، قاله الخطابي. و"يَنْعِقُ بالغنم": يصيح بها يدعوها. و"غَمِسَ حِلْفًا": عقد عهدًا وجوارًا، وسمى ذلك غمسًا؛ لأنهم كانوا يؤكدون أيمانهم بغمسهم أيديهم في طيب أو دم. و"خَفَضْتُ عاليه"؛ أي: أملته، وهززته نشاطًا. و"الأَزْلَام": القِدَاح التي يضربون بها عند عزومهم على الأفعال، وكانت ثلاثة، في أحدها: افعل، وفي الثاني: لا تفعل، والآخر لا شيء فيه، فإذا خرج أعادوا الضرب حتى يخرج افعل، أو لا تفعل. و"تُقَرِّبُ بي"؛ يعني: الفرس. و"سَاخَت": ذهبت غرقًا. و"العُثَان": الغبار، وربما يكون معه إعصار، وهو الدخان. و"لم يرزآني شيئًا": لم يأخذا شيئًا من ذلك، فينقصا فيه. و"قَافِلين": راجعين من سفرهم. و"الأُطُم": حائط القصر، وهو الأُجُم أيضًا. و"يزول بهم السراب"؛ أي يحول ويضطرب. و"جَدُّكُم": سَعْدُكُم. و"طَفِقَ": أخذ وجعل. و"المِرْبَدُ": الموضع الذي يجمع فيه التمر، وهو الجَرِين كالأندر (١) للبُرِّ. "فالحِمال": بكسر الحاء، الحِمْل، ويقال على أجرة الحمل، وهو هاهنا محتمل للأمرين. و"مَسْلَحَةٌ"؛ أي: سلاحًا؛ أي: يدافع عنه، كما

стр. 1209

يدافع بالسلاح. و"البِحَار": جمع بحر. و"لن يترِكَ": لن ينقصك. * * * (٧) باب أول من قدم المدينة من المهاجرين ﵃ - ١٧٩٧ - عن البَرَاء بن عازب قال: أول من قَدِمَ علينا مُصْعَب بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانوا يُقْرِؤونَ للناس (١)، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ ، ثم قدم النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول اللَّه ﷺ ، حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول اللَّه ﷺ ، فما قدم حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور من المفصَّل. ١٧٩٨ - وعن عائشة قالت: لما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، وُعِكَ أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبتِ! كيف تجدك؟ ويا بلال! كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئٍ مُصَبَّحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله

стр. 1210

وكان بلال إذا أَقْلَعَ عنه الحمى، يرفع عَقِيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة ... بوادٍ وحولي إِذْخِرٌ وجَلِيلٌ وهل أَرِدَنْ يومًا مياهَ مِجَنَّةٍ ... وهل يبدُوَنْ لي شَامَةٌ وطَفِيل قالت عائشة: فجئت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته، فقال: "اللَّهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومُدِّهَا، وانقل حُمَّاها فاجعلها في الجُحْفَةِ". ١٧٩٩ - وعن سهل بن سعد قال: ما عَدُّوا من مبعث النبي ﷺ ، ولا من وفاته، ما عدّوا إلَّا من مقدمه المدينة. الغريب: "مصبَّح": بفتح الباء، اسم مفعول؛ أي: يصاب الموت في الصباح. و"أدنى": أقرب. و"إذخر وجليل": نباتان ينبتان بمكة. و"مِجنة": موضع خارج مكة فيه ماء. و"شامة وطَفِيل": جبلان خارج مكة. و"عقيرته": صوته، وأصله: أن رجلًا قطعت إحدى رجليه، فرفعها على الأخرى ورفع صوته، فقيل ذلك لكل من رفع صوته. * * *

стр. 1211

(٨) باب قول النبي ﷺ : "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم" ومرثيته لمن مات بمكة ١٨٠٠ - عن سعد بن أبي وقاص قال: عادني النبي ﷺ عام حجة الوداع من وجع (١) أَشْفَيت منه على الموت، فقلت: يا رسول اللَّه! بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالِ، ولا يرثني إلَّا ابنة لي واحدة، أفتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا"، قال: أتصدق (٢) بِشَطْرِه؟ قال: "لا" (٣)، قال: "الثلث يا سعد، والثلث كثير، إنك أَنْ تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عَالَةً يتكففون الناس، ولست بنافق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلَّا آجرك اللَّه بها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك (٤) "، قلت: يا رسول اللَّه! أُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: "إنك لن تُخَلَّفَ، فتعمل عملًا تبتغي به وجه اللَّه إلَّا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تُخَلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويُضَرَّ بك آخرون، اللَّهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعدُ بن خولة" يرثي له رسول اللَّه ﷺ أن توفي بمكة.

стр. 1212

الغريب: "الوجع": المرض عند العرب. "أَشْفَيْت": أشرفت، يقال: أشفى وأشاف بمعنى. وقوله: "ولا يرثني إلَّا ابنة واحدة" ظاهره: أنَّه ليس له وارث سوى الابنة المذكورة، وقد قيل: كان له ورثة سواها؛ فإنَّه مات عن ثلاثة من الذكور، أحدهم عامر الذي روى هذا الحديث عنه، وتأول من قال هذا قوله: بأنه لا يرثه من النساء إلَّا واحدة، أو بأنه لا يرثه بالسهم إلَّا واحدة، وكل محتمل (١)، واللَّه أعلم. و"عَالَةٌ": فقراء. و"يَتَكَفَّفُون": يمدون أكفهم طالبين من أكفّ الناس. و"أُخلَّفُ"؛ يعني: يتركني أصحابي ويرتحلون، فأجابه ﷺ بأنه لن يخلَّف بمكة، وأن يعبرها حتى ينتفع به أقوام وسيتضرر به آخرون، كما قد وقع؛ فإنَّه صح من مرضه، ولم يقم بمكة، وأبقاه اللَّه تعالى حتى عاش بعد ذلك نيفًا وأربعين سنة، وولي العراق، وفتحها اللَّه عليه، فأسلم على يديه خلق كثير، فنفعهم اللَّه به، وقتل وأسر من الكفار كثيرًا، واستضروا به، فوقع ما أخبر به النبي ﷺ ، فكان ذلك من جملة صدق النبي ﷺ ومن أعلام نبوته. وقوله: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم"؛ أي: تقبلها منهم، وأبق عليهم حالها وحكمها فلا تنقلهم من موضع هجرتهم الذي هاجروا إليه، إلى المواضع التي هاجروا منها، واللَّه أعلم، وإلى هذا أشار بقوله: "إن الهجرة قد ثبتت لأهلها".

стр. 1213

و"البائس": اسم فاعل من بئس يَبْأَسُ: إذا أصابه البؤس، هذا اللفظ للذم والترحم، و"سعد بن خولة": هو رجل من بني عامر بن لؤي من أَنْفُسِهم، وقيل: حليف لهم، وهو زوج سبيعة الأسلمية، وقد اختلف فيه، فقال عيسى ابن دينار وابن مديني: أنَّه لم يهاجر من مكة حتى مات فيها، وعلى هذا فيكون ذلك القول من النبي ﷺ على جهة الذم، وقال الأكثر من العلماء: أنَّه هاجر ثم رجع إلى مكة إلى أن مات بها، وعلى هذا فيكون ذلك القول تفجعًا عليه وترحمًا. واللَّه أعلم. وقوله: "يرثي له رسول اللَّه ﷺ ": أن توفي بمكة، قيل: إنه قول سعد ابن أبي وقاص، وقيل: من قول الزهري، واللَّه أعلم. * * * (٩) باب مؤاخاة النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار حين قدم المدينة ١٨٠١ - عن أنس (١) قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله

стр. 1214

وماله، فقال عبد الرحمن: بارك اللَّه في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئًا من أقط وسمن، فرآه النبي ﷺ بعد أيَّام وعليه وَضَرٌ من صُفْرَة، فقال النبي ﷺ : "مَهْيَمْ يا عبد الرحمن؟ " قال: يا رسول اللَّه! امرأة تزوجت من الأنصار، قال: "فما سقت إليها؟ " قال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي ﷺ : "أَوْلِمْ ولو بشاة". الغريب: "الأَقِط": اللبن المجفف. و"وضَرٌ من صُفرة": أثر منها. و"مَهْيَم": استفهام، كأنه قال: ما الخبر. * * * (١٠) باب إسلام عبد اللَّه بن سلام ١٨٠٢ - عن أنس: أن عبد اللَّه بن سلام بلغه مَقْدَمُ النبي ﷺ المدينة، فأتى (١) يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلَّا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد يَنْزِعُ إلى أبيه، أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني جبريل آنفًا" (٢)، قال ابن سلام: ذلك (٣) عدو اليهود من الملائكة، قال: "أما أول أشراط الساعة، فنار تحشرهم

стр. 1215

من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت، وأمَّا الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد"، قال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأنك رسول اللَّه، قال: يا رسول اللَّه! إن اليهود بُهْتٌ (١)، فاسألهم عني قبل أن يعلموا إسلامي (٢)، فجاءت اليهود فقال (٣): "أي رجل فيكم عبد اللَّه بن سلام؟ (٤) " قالوا: خَيْرُنَا وابن خَيْرِنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النبي ﷺ : "أرأيتم إن أسلم عبد اللَّه ابن سلام؟ " قالوا: أعاذه اللَّه من ذلك، وأعاد عليهم (٥)، فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد اللَّه فقال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، قالوا: شَرُّنَا وابن شَرِّنَا، وتَنَقَّصُوه، قال: هذا كنت أخاف يا رسول اللَّه. * * * باب ١٨٠٣ - عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود".

стр. 1216

يعني -واللَّه أعلم-: عشرة معينين كانوا مُقَدَّمِي دينهم، فلو آمنوا لآمن يهود المدينة. * * * (١١) باب إسلام سلمان الفارسي ﵁ - ١٨٠٤ - عن أبي عثمان: عن سلمان أنَّه تداوله بضعة عَشَرَ من ربٍّ إلى ربٍّ. ١٨٠٥ - وعنه قال: سمعت سلمان يقول: أنا من رَامَ هُرْمُز (١). ١٨٠٦ - وعنه قال: قال سلمان: فترة بين عيسى ومحمد صَلَّى اللَّه عليهما (٢) ست مئة سنة. * * *

стр. 1217

(١٢) غزوة العشيرة، وكم غزا رسول اللَّه ﷺ -؟ ١٨٠٧ - عن زيد بن أرقم: وقيل له (١): كم غزا رسول اللَّه (٢) ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قيل (٣): كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيهم كانت أوَّلُ؟ قال: العُشَيْرة (٤). قال قتادة: العشير. قال ابن إسحاق: أول ما غزا النبي ﷺ الأبواء، ثم بُوَاط، ثم العشيرة. الغريب: "العُشَيْر": يقال: بالسين والشين، فبالمعجمة رويته، ويقال: بثبوت الهاء وحذفها، وهو موضع بقرب سكن بني المدلج، بينه وبين المدينة سبعة بُرُد، قد زاد أهل التواريخ والسير (٥) في عدد غزوات رسول اللَّه ﷺ ، فقال

стр. 1218

محمد بن سعد: إن غزوات رسول اللَّه ﷺ كانت سبعًا وعشرين، وسراياه ستًّا وأربعين، والتي قاتل فيها بدر وأُحد والمريسيع والخندق وخيبر وقريظة والفتح وحنين والطائف، قال: وهذا الذي اجتمع لنا علمه، قلت: وعلى هذا، فإنما أخبر زيد عما علمه، وما قاله ابن إسحاق في ترتيب الثلاث غزوات هو الصحيح. * * * (١٣) غزوة بدر وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ينلبوا﴾. . . إلى: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٧] ١٨٠٨ - عن عبد اللَّه بن مسعود: حدث عن سعد بن معاذ أنَّه (١) كان صديقًا لأمية بن خلف، وكان أميَّة إذا مَرَّ بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مَرَّ بمكة نزل على أميَّة، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، انطلق سعد معتمرًا، فنزل على أميَّة بمكة، فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج قريبًا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل (فقال: يا أبا صفوان! من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ) (٢) ألا أراك

стр. 1219

تطوف آمنًا (١)، وقد أويتم الصُبَاةَ، وزعمتم: أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما واللَّه لولا أنك مع أبي صفوان، ما رحت إلى أهلك سالمًا، فقال له سعد -ورفع صوته عليه-: أما واللَّه، لئن منعتني هذا، لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة، فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فواللَّه لقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنهم قاتلوك" قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا، فلما رجع أمية إلى أهله، قال: يا أم صفوان! ألم تَرَي إلى ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنَّه قَاتِلِيَّ، فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري، فقال أمية: واللَّه لا أخرج من مكة، فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس، فقال: أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان (٢)! إنك متى ما يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي، تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما (٣) إذ غلبتني، فواللَّه لأشترين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان! جهزيني، فقالت له: يا أبا صفوان! وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي، قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلَّا قريبًا، فلما خرج أُمَيَّة أخذ لا ينزل منزلًا إلَّا عقل بعيره، فلم يزل بذلك حتى قتله اللَّه ببدرٍ. ١٨٠٩ - وعن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول اللَّه ﷺ في

стр. 1220

غزوة غزاها إلَّا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يُعَاتَب أحدٌ تخلف عنها، إنَّما خرج النبي (١) ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع اللَّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ١٨١٠ - وعن ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأَنْ أكون صاحبه أحبَّ إليَّ مما عُدِلَ به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسَرَّه (٢). ١٨١١ - وعن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللَّهم إنِّي أَنْشُدُكَ عهدك ووعدك، اللَّهم إن شئت لم تعبد"، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك،

стр. 1221

فخرج وهو يقول: "سيهزم الجمع ويولون الدُّبُر". ١٨١٢ - وعنه قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] عن بدر والخارجون إلى بدر. * * * (١٤) باب عدة أصحاب بدر ١٨١٣ - عن البراء بن عازب قال: استُصْغِرْتُ أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيِّقًا على ستِّين، والأنصار نَيِّفٌ وأربعون ومئتان (١). ١٨١٤ - وعنه قال: حدثني أصحاب محمد (٢) ممن شهد بدرًا: أنهم كانوا عِدَّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، بضعةَ عشرَ وثلاث مئة، قال البراء: لا واللَّه، ما جاوزه إلَّا مؤمن (٣).

стр. 1222

١٨١٥ - وعن ابن مسعود قال: استقبل النبي ﷺ الكعبة، ودعا على نفر من قريش، على شَيْبَة بن ربيعة، وعُتبة بن ربيعة، والوليد بن عُتْبة، وأبي جهل بن هشام، فأشهد باللَّه، لقد رأيتهم صرعى، قد غيَّرتهم الشمس، وكان يومًا حارًا. ١٨١٦ - وعنه: أنَّه أتى أبا جهل وبه رَمَقٌ يوم بدر، فقال له (١) أبو جهل: هل أعمَدُ (٢) من رجل قتلتموه. ١٨١٧ - وعن أنس قال: قال النبي ﷺ : "من ينظر ما صنع أبو جهل؟ " فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى بَرَد، قال: أنت أبو جهل (٣)؟ فأخذ بلحيته (٤)، قال: هل فوق رجل قتلتموه أو رجل قتله قومه؟

стр. 1223

١٨١٨ - وعن قَيْس بن عُبَاد قال: سمعت أبا ذر يُقْسِم قَسَمًا، أن هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. ١٨١٩ - وعن عليّ بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال (١) قيس بن عباد: وفيهم نزلت (٢): ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر، وحمزة (٣) وعليّ، وذكر باقي الستة. * * * (١٥) باب ١٨٢٠ - عن عروة بن الزبير قال: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف،

стр. 1224

إحداهن في عاتقه، قال: إن كنت لأدخل أصابعي فيهن (١)، قال: ضُرِبَ ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك، قال عروة: وقال (٢) عبد الملك بن مروان حين قُتل عبد اللَّه بن الزبير يا عروة! هل تعرف سيف الزبير؟ قلت: نعم، قال: فما فيه؟ قلت: فيه فَلَّة فُلَّهَا يوم بدر، قال: صدقت، بهن فلول من قِرَاعِ الكتائب، ثم رده على عروة، قال هشام: فأقمناه بيننا ثلاثة آلاف، وأخذه بعضُنا، ولوددت أني كنت أخذته. ١٨٢١ - وعن هشام، عن أبيه قال: كان سيف الزبير مُحَلَّى بفضة. قال (٣): وكان سيف عروة مُحَلى بفضة. ١٨٢٢ - وعن عروة: أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا (٤) للزبير يوم اليرموك: ألا تَشُدُّ فنَشُدُّ معك؟ قال (٥): إنِّي إن شددت كذبتم، فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم فجاوزهم، وما معه أحد،

стр. 1225

ثم رجع مقبلًا فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة يوم بدر، وقال (١) عروة: كنت أدخل أصابعي في الثلاث (٢) الضربات ألعب، وأنا صغير. قال عروة: وكان معه عبد اللَّه بن الزبير يومئذٍ، وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس ووَكَّل به رجلًا. * * * (١٦) باب ذكر من قتل من صناديد قريش يوم بدر، ومن أُسِر، وكم عددهم ١٨٢٣ - وعن أنس بن مالك، عن أبي طلحة: أن نبي اللَّه ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذفوا في طَوِيٍّ من أطواء بدر خبيث مُخْبِث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بَعْرَصَتِهم (٣) ثلاث ليال، فلما كان ببدر في (٤) اليوم الثالث أمر براحلته، فشُدَّ عليها رَحْلُها ثم مشى،

стр. 1226

واتَّبَعَهُ أصحابُه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلَّا ليقضي (١) حاجته، حتى قام على شَفَةِ الرَّكِيِّ فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلان بن فلان ويا فلان ابن فلان! أَيَسُرُّكم أنكم أطعتم اللَّه ورسوله؟ فإنَّا وجدنا (٢) ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ " قال: فقال عمر: يا رسول اللَّه! ، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". قال قتادة: أحياهم اللَّه حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة ونَدَمًا. ١٨٢٤ - وعن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال: هم واللَّه كفار قريش، ومحمد نعمة اللَّه (٣)، و ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال: النار يوم بدر. ١٨٢٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: وقف رسول اللَّه ﷺ على قَلِيبِ بدر فقال: "هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا؟ (٤) " ثم قال: "إنهم الآن يسمعون ما أقول"،

стр. 1227

فذكر لعائشة، فقالت: إنما قال (١): "إنهم الآن يعلمون (٢) أن الذي كنت أقول لهم هو الحق"، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] حتى قرأت الآية. ١٨٢٦ - وعن جبير بنُ مطْعم: أن النبي ﷺ يقال في أُسَارَى بدر: "لو كان المُطْعِم بن عدي حيًّا ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له". ١٨٢٧ - وعن البراء بن عازب قال: جعل النبي ﷺ يوم أحد (٣) على الرماة عبد اللَّه بن جُبير، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي ﷺ وأصحابه أصاب (٤) من المشركين يوم بدر أربعين ومئة، سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلًا. قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سِجَال. ١٨٢٨ - وعن عبد الرحمن بن عوف أنَّه قال: إنِّي لفي الصف يوم بدر؛ إذ التفتُّ فإذا عن يميني وعن يساري فَتَيَان حديثا السن، فكأني لم

стр. 1228

آمن مكانهما (١)، إذ قال لي أحدهما سرًّا من صاحبه: يا عمِّ! أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي! وما تصنع به؟ قال: عاهدت اللَّه إِنْ رأيته أَن أقتله، أو أموت دونه، فقال لي الآخر سرًّا من صاحبه مثله، قال: فما سَرَّني أني كنت بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء. ١٨٢٩ - وعن عروة بن الزبير قال: قال الزبير: لقيت يوم بدر عُبيدة ابن سعيد بن العاص وهو مُدَجَّج، لا يُرى منه إلَّا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكَرِش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملتُ عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات، قال هشام: فأُخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رِجْلي عليه، ثم تَمَطَّأْتُ، وكان (٢) الجَهْد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها فسأله (٣) إياها رسول اللَّه ﷺ فأعطاه، فلما قبض رسول اللَّه ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض أبو بكر، سألها إياه عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان (٤) فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد اللَّه ابن الزبير فكانت عنده حتى قتل.

стр. 1229

الغريب: "الطَّوِيّ": البئر المطوية. و"الرَّكِيّ" و"القَلِيب": البئر غير المَطْوِيَّة. وشَفَة الركيّ (١)، وهو حرفها. و"البَوَار": الهلاك. و"السِّجَال": المناوبة بالسَّجْل، وهي دلو كبيرة، لا يرفعها واحد. * * * (١٧) باب فضل من شهد بدرًات من الصحابة والملائكة ١٨٣٠ - عن أنس قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه! قد علمت (٢) منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال: "ويحك -أَوَهَبِلْتِ (٣)، أَجَنَّةٌ واحدة هي؟ ! إنَّها جِنَان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس".

стр. 1230

١٨٣١ - وعن عليٍّ قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ وأبا مرثد والزبير بن العوام (١)، -وكلنا فارس- قال: "انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَة خَاخٍ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين"، فأدركناها تسير على بعير لها؛ حيث قال رسول اللَّه ﷺ ، فقلنا: الكتاب، فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها والتمسنا (٢)، فلم نجد كتابًا (٣)، قلنا: ما كذب رسول اللَّه ﷺ ، لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لنجَرِّدَنَّك، فلما رأت الجِدَّ أهوت إلى حُجْزَتهَا -وهي محتجزة بكساء- فأخرجته، فانطلقنا به (٤) إلى رسول اللَّه ﷺ فقال عمر: يا رسول اللَّه! قد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال (٥): "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: واللَّه ما بي إلَّا أن أكون مؤمنًا (٦) باللَّه ورسوله (٧)، أردت أن يكون (٨) لي عند القوم يد، يدفع اللَّه بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلَّا له هناك من عشيرته من يدفع
следующие страницы →