← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

واتَّبَعَهُ أصحابُه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلَّا ليقضي (١) حاجته، حتى قام على شَفَةِ الرَّكِيِّ فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلان بن فلان ويا فلان ابن فلان! أَيَسُرُّكم أنكم أطعتم اللَّه ورسوله؟ فإنَّا وجدنا (٢) ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ " قال: فقال عمر: يا رسول اللَّه! ، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". قال قتادة: أحياهم اللَّه حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة ونَدَمًا. ١٨٢٤ - وعن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال: هم واللَّه كفار قريش، ومحمد نعمة اللَّه (٣)، و ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال: النار يوم بدر. ١٨٢٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: وقف رسول اللَّه ﷺ على قَلِيبِ بدر فقال: "هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا؟ (٤) " ثم قال: "إنهم الآن يسمعون ما أقول"،

стр. 1227

فذكر لعائشة، فقالت: إنما قال (١): "إنهم الآن يعلمون (٢) أن الذي كنت أقول لهم هو الحق"، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] حتى قرأت الآية. ١٨٢٦ - وعن جبير بنُ مطْعم: أن النبي ﷺ يقال في أُسَارَى بدر: "لو كان المُطْعِم بن عدي حيًّا ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له". ١٨٢٧ - وعن البراء بن عازب قال: جعل النبي ﷺ يوم أحد (٣) على الرماة عبد اللَّه بن جُبير، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي ﷺ وأصحابه أصاب (٤) من المشركين يوم بدر أربعين ومئة، سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلًا. قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سِجَال. ١٨٢٨ - وعن عبد الرحمن بن عوف أنَّه قال: إنِّي لفي الصف يوم بدر؛ إذ التفتُّ فإذا عن يميني وعن يساري فَتَيَان حديثا السن، فكأني لم

стр. 1228

آمن مكانهما (١)، إذ قال لي أحدهما سرًّا من صاحبه: يا عمِّ! أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي! وما تصنع به؟ قال: عاهدت اللَّه إِنْ رأيته أَن أقتله، أو أموت دونه، فقال لي الآخر سرًّا من صاحبه مثله، قال: فما سَرَّني أني كنت بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء. ١٨٢٩ - وعن عروة بن الزبير قال: قال الزبير: لقيت يوم بدر عُبيدة ابن سعيد بن العاص وهو مُدَجَّج، لا يُرى منه إلَّا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكَرِش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملتُ عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات، قال هشام: فأُخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رِجْلي عليه، ثم تَمَطَّأْتُ، وكان (٢) الجَهْد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها فسأله (٣) إياها رسول اللَّه ﷺ فأعطاه، فلما قبض رسول اللَّه ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض أبو بكر، سألها إياه عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان (٤) فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد اللَّه ابن الزبير فكانت عنده حتى قتل.

стр. 1229

الغريب: "الطَّوِيّ": البئر المطوية. و"الرَّكِيّ" و"القَلِيب": البئر غير المَطْوِيَّة. وشَفَة الركيّ (١)، وهو حرفها. و"البَوَار": الهلاك. و"السِّجَال": المناوبة بالسَّجْل، وهي دلو كبيرة، لا يرفعها واحد. * * * (١٧) باب فضل من شهد بدرًات من الصحابة والملائكة ١٨٣٠ - عن أنس قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه! قد علمت (٢) منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال: "ويحك -أَوَهَبِلْتِ (٣)، أَجَنَّةٌ واحدة هي؟ ! إنَّها جِنَان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس".

стр. 1230

١٨٣١ - وعن عليٍّ قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ وأبا مرثد والزبير بن العوام (١)، -وكلنا فارس- قال: "انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَة خَاخٍ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين"، فأدركناها تسير على بعير لها؛ حيث قال رسول اللَّه ﷺ ، فقلنا: الكتاب، فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها والتمسنا (٢)، فلم نجد كتابًا (٣)، قلنا: ما كذب رسول اللَّه ﷺ ، لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لنجَرِّدَنَّك، فلما رأت الجِدَّ أهوت إلى حُجْزَتهَا -وهي محتجزة بكساء- فأخرجته، فانطلقنا به (٤) إلى رسول اللَّه ﷺ فقال عمر: يا رسول اللَّه! قد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال (٥): "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: واللَّه ما بي إلَّا أن أكون مؤمنًا (٦) باللَّه ورسوله (٧)، أردت أن يكون (٨) لي عند القوم يد، يدفع اللَّه بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلَّا له هناك من عشيرته من يدفع

стр. 1231

اللَّه به من أهله وماله، فقال: "صدق، ولا تقولوا إلا خيرًا" فقال عمر: إنَّه قد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: "أليس من أهل بدر؟ " فقال: "لعل اللَّه اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفر لكم" فدمعت عينا عمر، وقال: اللَّه ورسوله أعلم. ١٨٣٢ - وعن رِفَاعَة بن رافع، عن أبيه: وكان أبوه من أهل بدر، [وكان رفاعة من أهل العقبة، وكان (١) يقول لابنه: ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة] (٢)، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ، فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة. ١٨٣٣ - عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب". * * *

стр. 1232

(١٨) باب تسمية من سمي من أهل بدر في الجامع (١) محمد بن عبد اللَّه الهاشمي ﷺ ، عبد اللَّه بن عثمان أبو بكر الصديق القرشي، عمر بن الخطاب العدوي، عثمان بن عفَّان القرشي، خَلَّفَهُ النبي ﷺ على ابنته وضرب بسهمه، علي بن أبي طالب الهاشمي، إياس بن البكير (٢)، بلال ابن رباح مولى أبي بكر الصديق القرشي، حمزة بن عبد المطلب الهاشمي، حاطب بن أبي بلتعة حليف قريش، أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة القرشي، حارثة بن الربيع الأنصاري، قتل يوم بدر، هو حارثة بن سراقة، كان في النظارة، حبيب بن عدي الأنصاري، خُنيس بن حذافة السهي، رفاعة بن رافع الأنصاري، الزبير بن العوام القرشي، زيد بن سهل أبو طلحة الأنصاري، أبو زيد الأنصاري، سعد بن مالك الزهري، سعد بن خولة القرشي، سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل القرشي، سهل بن حنيف الأنصاري، ظُهَيْر بن رافع الأنصاري وأخوه، عبد اللَّه بن مسعود الهذلي، عتبة بن مسعود الهذلي، عبد الرحمن بن عوف الزهري، عُبيدة بن الحارث القرشي، عبادة بن الصامت الأنصاري، عمرو بن عوف حليف بني عامر بن لؤي، عقبة بن عمرو الأنصاري، عامر ابن ربيعة العدوي، عاصم بن ثابت الأنصاري، عُويمر بن ساعدة الأنصاري، عِتْبَان بن مالك الأنصاري، قدامة بن مظعون، قتادة بن النعمان الأنصاري، معاذ بن عمرو بن الجموح، مُعَوِّذ بن عَفْراء وأخوه، مالك بن ربيعة، أبو

стр. 1233

أُسَيد الأنصاري، مِسْطَح بن أَثَاثة بن عَبَّاد بن المطلب بن عبد مناف، مُرَارَة ابن الربيع الأنصاري، مقداد بن عمرو حليف بني زُهرة، هلال بن أمية الواقفي الأنصاري. * * * (١٩) حديث عاصم بن ثابت، وخُبيب بن عَدِيٍّ، يزيد بن الدَّثِنَة ١٨٣٤ - عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللَّه ﷺ عشرة عينًا، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري -جد عاصم بن عمر بن الخطاب- حتى إذا كانوا بالهدأة (١) -بين عُسْفَان ومكة- ذُكروا لحيٍّ من هُذيل يقال لهم بنو لِحْيَان، فنفروا لهم بقريب من مئة رامٍ (٢)، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزلٍ نزلوه، فقالوا: تمر يثرب، واتبعوا (٣) آثارهم، فلما أحسَّ (٤) عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع فأحاط بهم القوم، فقالوا (٥): انزلوا، فأعطوا

стр. 1234

بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا، فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم! أمَّا أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللَّهم أخبر عنا نبيك (١)، فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم ثلاثة نفر بالعهد (٢) والميثاق، منهم خُبيب يزيد بن الدَّثِنَة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، واللَّه لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة -يريد: القتلى- فجرَّروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فلم يفعل فقتلوه (٣)، فانطُلِقَ بخبيب يزيد بن الدَّثِنَة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر (بن نوفل خُبيبًا، وكان حبيب هو قتل الحارث بن عامر) (٤) يوم بدر، فلبث حبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحدُّ بها، فأعارته، فدرج بُنَيٌّ لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مُجْلِسَه على فخذه، والموسى بيده، قالت: ففزعت فزعة عرفها حبيب، فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك، قالت: واللَّه ما رأيت أسيرًا خيرًا من حبيب، واللَّه لقد وجدته يومًا يأكل قِطْفًا من عنب في يده، وإنه لموثق في الحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنَّه لرزق رزقه اللَّه خُبَيْبًا، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خُبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، فقال: واللَّه

стр. 1235

لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللَّهم (١) أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا، فقال (٢): فلست أبالي حين أُقْتَلَ مسلمًا ... على أيّ جنب كان في اللَّه مصرعي وذاك (٣) في ذات الإله وإن يَشَأْ ... يُبَارِكْ على أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ثم قام إليه أبو سِرْوَعَة (٤) عقبة بن الحارث فقتله، فكان (٥) خُبَيْبٌ هو سَنَّ لكل مسلم قُتل صبرًا الصلاة، فأخبر النبي ﷺ (٦) أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حُدِّثُوا أنَّه قتل، أن يُؤْتَوْا بشيء منه يعرف -وكان قتل رجلًا من عظمائهم (٧) - فبعث اللَّه لعاصم مثل الظُّلَّة من الدَّبْر، فَحَمَتْهُ من رُسُلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئًا. الغريب: "أَحْصِهم"؛ أي: عُمَّهُمْ بهلاك. و"بَدَدًا": متبددين أينما كانوا، و"الشلو": بقية الجسم. و"ممزع": مقطّع. و"الدَّبْر": الزُّنْبُور الكبير. * * *

стр. 1236

(٢٠) خبر عليٍّ ﵁ عند بنائه بفاطمة ﵂ - ١٨٣٥ - عن علي بن الحسين: أن حسين بن علي أخبره، أن عليًا قال: كان لي شَارِف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ أعطاني، فما أفاء اللَّه (١) من الخُمُس يومئذٍ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة (٢) بنت رسول اللَّه (٣) ﷺ ، واعدت رجلًا صَوَّاغًا من (٤) بني قينقاع أن يرتحل معي، فَآتِي بإذخر (٥)، فأردت أن أبيعه من الصواغين، فنستعين بذلك على وليمة عُرْسِي (٦)، فبينما (٧) أنا أجمع لشارفيَّ من الأقتاب والحبال والغرائر (٨)، وشارفاي مناختان (٩) إلى جنب محجرة (١٠) رجل من الأنصار، حتى جمعت

стр. 1237

ما جمعت؛ فإذا أنا بِشَارِفَيَّ وقد جُبَّتْ (١) أسنمتهما، وبُقِرَتْ خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عينيَّ حين رأيت المنظر، قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شَرْبٍ من الأنصار عنده قينة وأصحابه. فقالت في غنائها: ألا يا حمزَ للشُّرُف النواء فوثب حمزة فأجبَّ أسنمتهما (٢)، ويقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما. قال عليُّ: فانطلقتُ حتى أدخل على النبي ﷺ وعنده زيد بن حارثة، فعرف (٣) النبي ﷺ الذي لقيت، فقال: "مالك؟ " قلت: يا رسول اللَّه! ما رأيت كاليوم، عدا حمزة على ناقتيَّ فأجبَّ أسنمتهما، وبَقَرَ خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شِرْب، فدعا النبي ﷺ بردائه، فارتدى، ثم انطلق يمشي، واتَّبعته أنا يزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن عليه فأذن له، فطفق النبي ﷺ يلوم حمزةَ فيما فعل؛ فإذا حمزة ثَمِلٌ، محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى النبي ﷺ ، ثم صَعَّد النظر، فنظر إلى ركبتيه، ثم صعَّد النظر، فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلَّا عبيدٌ لأبي؟ فعرف النبي ﷺ أنَّه ثَمِلٌ، فنكص رسول اللَّه ﷺ على عقبه (٤) القَهْقَرَى، فخرج وخرجنا معه.

стр. 1238

الغريب: "الشَّارِف": الناقة المُسنة، ويجمع شُرف. و"الإِذْخِر": حشيش مكة، وله ريح طيبة. و"الأقتاب": جمع قَتَب، وهو أداة الرَّحْل. و"جُبَّتْ": شُقَّت. و"السنام": أعلى ظهر الناقة. و"بُقِرَت": نقبت. و"الشَّرب": بفتح الشين، المجتمعون على الشرب، وهم الندامى. و"القَيْنَة": المغنية هنا. و"النِّوَاء": السِّمَان. و"طفق": أخذ وجعل. و"الثَّمِلُ": السكران. "نَكَصَ" (١): تأخر إلى خلفه. * * * (٢١) باب ١٨٣٦ - عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: وقعت الفتنة الأولى، يعني: مقتل عثمان -فلم تُبق من أصحاب بدر أحدًا، ثم وقعت الفتنة الثَّانية -يعني: الحرة- فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدًا، ثم وقعت الفتنة الثالثة (٢)، . . .

стр. 1239

فلم ترتفع، وللناس طَبَاخ (١)؛ يعني: بالطباخ العقل والقوَّة، وهو بالباء خفيفة، وبالخاء المعجمة. * * * (٢٢) حديث بني النضير قال الزهري، عن عروة: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وقول اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٢]، وجعله ابن إسحاق بعد بئر مَعُونة وأُحُد. ١٨٣٧ - عن ابن عمر قال: حاربت قريظة والنضير، فأجلى بنى النضير، وأقر قريظة وَمَنَّ عليهم، حتى حاربتْ قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأموالهم وأولادهم (٢) بين المسلمين إلَّا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ ، فآمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم، وهم رهط (٣) عبد اللَّه بن سَلَام، ويهود بني حارثة، وكل يهودي بالمدينة.

стр. 1240

١٨٣٨ - وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النضير. ١٨٣٩ - وعن أنس بن مالك قال: كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات حتى افتتح قريظة والنضير، فكان بعد ذلك يَرُدُّ عليهم. ١٨٤٠ - وعن ابن عمر قال: حرَّق رسول اللَّه ﷺ نخل بني النضير، وقطع، وهي البويرة فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]. وفي رواية (١) قال: ولها يقول حسان بن ثابت: لَهَان على سَرَاةِ بني لُؤَيٍّ ... حريق بالبُوَيْرَة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحارث: أدام اللَّه ذلك من صنيع ... وحَرَّق في نواحيها السَّعِيرُ

стр. 1241

ستعلم أَيُّنَا منها بنُزْهٍ ... وتَعْلَم أي أَرْضَيْنَا تَضِيرُ الغريب: "الذين كفروا"؛ يعني: يهود بني النضير حين أجلاهم رسول اللَّه ﷺ ، وحشرهم إلى الشَّام، وهو أول الحشر، والثاني: حشرهم ليوم القيامة، قاله الحسن وقتادة. و"البُوَيْرَة": موضع ببلادهم. و"اللِّينَةُ": النخلة مطلقًا، وقيل: الكريمة. و"سُرَاة القوم": ساداتهم. و"مُسْتَطِير": منتشر. و"بِنُزْه": ببُعْدٍ. و"تضير": من الضَّيْر، وهو الذل والضَّرَرُ. * * * (٢٣) قتل كعب بن الأشرف ١٨٤١ - عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لكعب ابن الأشرف؟ فإنَّه قد آذى اللَّه ورسوله"، فقام محمد بن مسلمة، فقال: يا رسول اللَّه! أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم"، قال: فائْذَنْ لي أن أقول شيئًا، قال: "قلْ"، فأتاه محمد بن مسلمة، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صَدَقَةً، وإنه قد عَنَّانا، وإني قد أتيتك أَسْتَسْلِفُكَ، قال: وأيضًا واللَّه لَتُمِلُّنَّهُ، قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه (١)، وقد

стр. 1242

أردنا أن تسلفنا وسْقًا أو وسقين (١). فقال: نعم، قال: ارهنوني، قال: أي شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا، وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيُسَبُّ أحدهم، فيقال: رُهن بوسق أو وسقين هذا عار (٢)، ولكن (٣) نرهنك اللأمة -قال سفيان: يعني السلاح- فواعده أن يأتيه، فجاء (٤) ليلًا ومعه أبو نائلة -وهو أخو كعب من الرضاعة- فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج في (٥) هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة (٦)، قال: وفي رواية: قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم، فقال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دُعِيَ إلى طعنة بليل لأجاب. قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين -قال في رواية (٧): أبو عَبْس بن جبر، والحارث بن أوس، وعباد بن بشر- فقال: . . . .

стр. 1243

إذا ما جاء (١) فإني قائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم، فاضربوه، وقال مرَّة: أُشِمُّكُمْ (٢)، فنزل إليهم متوشحًا، وهو ينفَحُ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا -أي: أطيب- قال: عندي (٣) أعطر نساء العرب، وأجمل العرب، قال: ائذن لي (٤) أن أَشَمَّ رأسك، قال: نعم، فَشَمَّه، ثم أَشَمَّ أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه، قال: دونكم فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه. * * * (٢٤) قتل أبي رافع عبد اللَّه بن أبي الحقيق، ويقال سَلَّام بن أبي الحُقَيْق، كان بخيبر، ويقال: في حصن له بأرض الحجاز ١٨٤٢ - عن البراء بن عازب قال: بعث النبي ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار، وأمَّر (٥) عليهم عبد اللَّه بن عَتِيك، وكان أبو رافع يؤذي

стр. 1244

رسول اللَّه ﷺ ، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، وقد غَرَبَتْ الشمس، وراح الناس بسَرحِهم، قال (١) عبد اللَّه لأصحابه: اجلسوا مكانكم؛ فإني منطلق، فمتلطف (٢) للبواب لَعَلِّي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنَع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد اللَّه! إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فَكَمَنْتُ، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم عَلَّق الأغاليق على وَدٍّ، قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يُسْمَرُ عنده، وكان في عَلَالِيَّ له، فلما ذهب عنه أهل سمرة صَعِدْتُ إليه، فجعلت كما فتحت بابًا، أغلقت على من داخل، قلت: إن القوم نَذِروا (٣) بي لم يخلصوا إليَّ حتى أقتله. وفي رواية (٤): ثم عَمَدْتُ إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر، وصَعِدْتُ (٥) إلى أبي رافع في سلم، والبيت مظلم، قد طُفِئَ سراجه؛ فإذا هو وَسْطَ عياله (٦)، لا أدري أين هو من البيت، قلت (٧): أبا رافع! قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، فأضربه ضربة بالسيف وأنا دَهِش، فما أغنيت

стр. 1245

شيئًا، وصاح فخرجت من البيت، ومكث (١) غير بعيد، ثم دخلت إليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال: لأمك الويل، إن رجلًا في البيت ضربني قبلُ بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته، ولم أقتله، ثم وضعت ضَبِيبَ السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا، حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رِجْلي، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي. وفي رواية: فانفكت (٢)، فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أني قتلته (٣)، فلما صاح الديك، قام الناعي على السور، فقال: أنعاكم أبا رافع تاجر أهل الشام، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاءَ، فقد قتل اللَّه أبا رافع فانتهيت، فأتيت (٤) إلى النبي ﷺ ، فحدثته فقال: "ابسط رجلك"، فبسطت رجلي، فمسحها، فكأنما (٥) لم أَشْكُ قط. الغريب: "الأغَالِيق" و"الأَقالِيد": المفاتيح. و"الوَدّ": الوتد. و"السَّمَر": الحديث بالليل. و"أثخَنْتُه": أثقلته بالضرب. و"ضَبِيب السيف": ظُبَتُه، وهو حَدُّه،

стр. 1246

ولها ظُبَتَان أي حدان، وهما الغِرَاران أيضًا. و"الناعي": هو المُعْلِم بالموت. * * * (٢٥) غزوة أُحُد وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] وذَكرَ آياتٍ ١٨٤٣ - عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم عبد اللَّه بن جُبَيْر (١) وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا"، فلما التقينا (٢) هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل يرفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمةَ الغنيمةَ، فقال عبد اللَّه: عهد النبي (٣) ﷺ إليَّ أن لا تبرحوا، فابوا، فلما أَبوا صرف اللَّه وجوههم (٤)، فأصيب سبعون قتيلًا، وأشرف أَبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: "لا تجيبوه"، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: "لا تجيبوه"، قال (٥):

стр. 1247

أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قُتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو اللَّه، أبقى اللَّه لك (١) ما يخزيك، وقال (٢) أَبو سفيان: اعلُ هُبَل، فقال النبي ﷺ : "أجيبوه"، قالوا: فما نقول؟ (٣) قال: "قولوا: اللَّه أعلى وأجلّ"، قال أَبو سفيان: إن (٤) لنا العزى ولا عُزَّى لكم، فقال النبي ﷺ : "أجيبوه"، قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه مولانا ولا مولى لكم"، قال أَبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال، وتجدون مُثْلَة لم آمر بها ولم تَسُؤْنِي. ١٨٤٤ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رجل للنبي ﷺ يوم أُحُد: أرأيت إن قُتلتُ فأين أنا؟ قال: "في الجنَّةَ"، فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قُتل. ١٨٤٥ - وعن أَنس: أن عمه غاب عن بدر، فقال: غبت عن أول قتال النبي ﷺ ، لئن أشهدني اللَّه مع النبي ﷺ ليرين اللَّه ما أُجِدُّ، فلقي يوم أُحُد، فهُزِمَ الناسُ، فقال: اللهم اعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المسلمين-

стр. 1248

وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ، فقال: أي سعد (١)! ، إني أجد ريح الجنَّةَ دون أُحُد، فمضى فقُتل، فما عُرِفَ حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه، وبه بِضْعٌ وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم. ١٨٤٦ - وعن زيد بن ثابت: لما خرج النبي ﷺ إلى أُحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة: لا نقاتلهم (٢)، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ [النساء: ٨٨]، وقال: "إنها طيبة تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الفضة". ١٨٤٧ - وعن جابر قال: نزلت فينا هذه (٣) الآية: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] في (٤) بني سَلِمَة وبني حارثة، وما أحب أنَّها لم تنزل، واللَّه يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. ١٨٤٨ - وعن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يوم أُحُد

стр. 1249

ومعه رجلان يقاتلان عنه (١)، عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ. ١٨٤٩ - وعنه قال: نَثَلَ (٢) لي النبي ﷺ كنانته (٣) يوم أُحد فقال: "ارم فداك أبي وأمي". ١٨٥٠ - وعن أنس قال: لما كان يوم أُحد، انهزم الناس عن النبي ﷺ وأَبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مُجَوِّبٌ عليه بِحَجْفَيةٍ، وكان أَبو طلحة راميًا شديد النزع، كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثًا، وكان الرجل يمُرُّ معه بِجُعْبَتِهِ من النبل، فيقول: "انثُرها لأبي طلحة"، قال: ويُشْرِفُ النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أَبو طلحة: بأبي أنت وأمي، لا تشرف فيصيبك (٤) سهم من سهام القوم، نَحْرِي دون نَحْرِك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُلَيْم وإنهما لمشمرتان، أرى خَدَم سوقهما تَنْقُزَانِ القِرَبَ على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يد أبي طلحة إمَّا مرتين وإما ثلاثًا.

стр. 1250

١٨٥١ - وعن عائشة قالت: لما كان يوم أُحُد هُزِم المشركون، فصرخ إبليس: أي عباد اللَّه! أُخراكم، فَرَجَعَتْ أُولاهم، فاجتلدت هي وأخراهم، فَبَصُرَ حذيفة؛ فإذا هو بأبيه (١)، فقال: أي عباد اللَّه! أبي أبي، فواللَّه (٢) ما احْتَجَزُوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر اللَّه لكم. قال عروة: فواللَّه ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لقى اللَّه (٣) (٤). * * * (٢٦) باب في قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٣ - ١٥٥] ١٨٥٢ - عن البراء بن عازب قال: جعل النبي ﷺ على الرَّجَّالة يوم أُحُد

стр. 1251

عبد اللَّه بن جُبير، وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخراهم. ١٨٥٣ - وعن أَنس، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن تغشَّاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه (١). ١٨٥٤ - وعن أنس: شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد فقال: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم"، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. * * * (٢٧) قتل حمزة بن عبد المطلب ﵁ - ١٨٥٥ - عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت مع عبيد اللَّه

стр. 1252

ابن عدي بن الخيار، فلما قدمنا حمص قال لي عبيد اللَّه بن عدي: هل لك في وَحْشِيّ نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشي يسكن حمص، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حَمِيتٌ (١)، قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير (٢)، فسلمنا فرد السلام، قال: وعبيد اللَّه معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلَّا عينيه ورجليه، فقال عبيد اللَّه: يا وحشي! أتعرفني؟ قال: فنظر إليه، ثم قال: لا واللَّه، إلَّا أني أعلم أن عدي بن الخِيَار تزوج امرأة يقال لها: أم قِتَال بنت أبي العيص، فولدت غلامًا بمكة، فكنت أسترضع له، فحملتُ ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه، فكأني (٣) نظرت إلى قدميك، قال: فكشف عبيد اللَّه عن وجهه، ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم، إن حمزة قتل طُعمة (٤) بن عدي بن الخيار ببدر، فقال مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعَمِّي، فأنت حُرٌّ، قال: فلما أن خرج الناس عام عَيْنَيْن -وعينين جبل بحيال أُحد بينه وبينه وادٍ- خرجْت مع الناس إلى القتال، فلما أن اصطفوا (٥) للقتال، خرج سِبَاعٌ، فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور (٦)!

стр. 1253

أَتُحَادّ اللَّه ورسوله؟ قال: فشد عليه (١)، فكان كأمس الذاهب، قال: وكنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي، فأضعها في ثُنَّتِهِ حتى خرجت من بين وركيه، قال: وكان ذلك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول اللَّه ﷺ رُسُلًا، وقيل (٢): إنه لا يهيج الرُّسل، فخرجت معهم، حتى قدمت على رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآني قال: "أنت وحشي؟ " قلت: نعم، قال: "أنت قتلت حمزة؟ " قلت: وقد كان من الأمر ما بلغك، قال: "فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني"، قال: فخرجت، فلما قبض رسول اللَّه ﷺ ، فخرج مسيلمة الكذاب، قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله، فأكافئ به حمزة، قال: فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان؛ فإذا رجل قائم في ثُلْمَةِ جدار، كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال: فرميته بحربتي، فوضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال: ووثب إليه رجل من الأنصار، فضربه بالسيف على هامته. زاد في رواية (٣) من حديث ابن عمر: فقالت جارية على ظهر بيت: واأمير المؤمنين، قتله العبد الأسود. الغريب: "معتجرًا بعمامة": معتم بها. و"حيال أحد": قريبًا منه. و"الأورق":

стр. 1254

الذي يضرب لونه إلى السواد. و"الثُّنَّة": ما بين السرة إلى العانة. * * * (٢٨) باب ما أصاب النبي ﷺ يوم أحد من الجراح، ومن قتل يوم أحد من المسلمين ١٨٥٦ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اشتد غضب اللَّه على قوم فعلوا بنبيه -يشير: إلى رَبَاعيته- اشتد غضب اللَّه على رجل يقتله رسول اللَّه (١) في سبيل اللَّه". ١٨٥٧ - ومن حديث ابن عباس موقوفًا: اشتد غضب اللَّه على من قتله نبي، واشتد غضب اللَّه على من دَمَّى وجه رسول اللَّه ﷺ . ١٨٥٨ - وعن هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]،

стр. 1255

قالت لعروة: يا ابن أختي (١)! كان أَبوك (٢) منهم: الزبير وأَبو بكر، لما أصاب نبي اللَّه (٣) ما أصاب يوم أحد، فانصرف المشركون (٤) خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم؟ "، فانتدب منهم سبعون (٥)، قال: كان فيهم أَبو بكر والزبير. قال البخاري (٦): قتل من المسلمين يوم أحد سبعون؛ منهم: حمزة واليمان والنضر بن أَنس ومصعب بن عمير. ١٨٥٩ - وعن قَتَادة قال: ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أعزّ يوم القيامة من الأنصار. قال: حدَّثنا أَنس (٧) أنَّه قتل منهم يوم أُحُد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمالة سبعون، قال: وكان بئر معونة على عهد النبي ﷺ (٨)، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر، ويوم مسيلمة الكذاب.

стр. 1256

١٨٦٠ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: لما قُتل أبي جعلت أبكي، وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي ﷺ يَنْهَوْنِي (١)، والنبي ﷺ لم يَنْهَ، وقال النبي ﷺ : "لا تبكه -أو ما تبكيه (٢) - ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رُفع". ١٨٦١ - وعن أبي موسى: أُرى عن النبي ﷺ قال (٣): "رأيت في رؤياي أني هززت سيفًا، وانقطع صدره (٤)؛ فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أُحُد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان؛ فإذا هو ما جاء اللَّه به من الفتح، واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا، واللَّه خيرٌ، فإذا هم المؤمنون يوم أحد". ١٨٦٢ - وعن أَنس: أن رسول اللَّه ﷺ طلع له أحد فقال: "هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إنَّ إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرَّمتُ ما بين لابتيها". * * *

стр. 1257

(٢٩) باب غزوة الرَّجِيع وذكوان وبئر معونة وعَضَل والقارة ١٨٦٣ - عن قَتَادة، عن أَنس بن مالك: أن رِعْلًا وذكوان وعُصَيَّة وبني سُليم استمدوا رسول اللَّه ﷺ على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم القراء في زمانهم، وكانوا يَحْطِبُون (١) بالنهار، ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم، وغدروا بهم، فبلغ النبي ﷺ ، فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رِعْلٍ وذَكْوَان وعُصَيَّة وبني لِحْيَان. قال أَنس: فقرأنا فيهم قرآنًا، ثم إن ذلك رفع: "بلغوا عنا قومنا، أنَّا لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا". وفي رواية (٢): قال أَنس: إن النبي ﷺ بعث خاله -أخًا (٣) لأم سليم- في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خَيَّر بين ثلاث خصال،

стр. 1258

فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المَدَر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غَطَفَان بأَلْفٍ وأَلْفٍ، فَطُعِنَ عامر في بيت أم فلان، فقال: غُدَّة كغدة البَكْرِ في بيت امرأة من آل فلان ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حَرَام أخو أم سُليم وهو (١) رجل أعرج ورجل من بني فلان، قال: كونا قريبًا حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم، فقال: أتُؤْمنوني أبلغ رسالة رسول اللَّه ﷺ ، فجعل يحدثهم، وأَوْمَؤوا إلى رجل منهم، فأتاه من خلفه فطعنه. قال همام: أحسبه حتى أنفذه بالرمح، قال: اللَّه اكبر، فزتُ ورب الكعبة، فلُحق الرجل، فقتلوا كلهم، غير الأعرج كان في رأس جبل، فأنزل اللَّه علينا، ثم كان من المنسوخ: إنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا، فدعا النبي ﷺ على رعل (٢) وذكوان وبني لِحْيَان وعُصَيَّة، عصوا اللَّه ورسوله ﷺ . ١٨٦٤ - وقال أَنس: لما طُعن حَرَام بن مِلْحَان -وكان خاله- يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا -فنضحه على وجهه ورأسه- ثم قال: فزت ورب الكعبة.

стр. 1259

١٨٦٥ - وعن عروة قال: لما قتل الذين ببئر معونة، وأُسر عمرو بن أمية الضمري، قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ -وأشار (١) إلى قتيل- فقال عمرو بن أمية: هذا عامر بن فُهيرة، فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع، فأتى النبي ﷺ خبرهم فنعاهم، فقال: "إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم، فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك، ورضيت عنا، فأخبرهم عنهم"، وأصيب يومئذ فيهم (٢) عروة بن أسماء بن الصلت، فسمي عروة به، ومنذر ابن عمرو فسمي به منذرًا (٣). * * * (٣٠) غزوة الخندق وهي الأحزاب، قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع. ١٨٦٦ - عن أَنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق

стр. 1260

حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الإسلام ما بقينا أبدًا قال: يقول النبي ﷺ وهو يحثهم (١): اللهم إنه لا خيرَ إلَّا خيرُ الآخره ... فبارك في الأنصار والمُهَاجِرَه قال: يؤتون بملء كف (٢) من الشعير، فيصنع لهم بإِهَالةٍ سَنِخَةٍ توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بَشِعَةٌ في الحلق، ولها ريح مُنْتِن. ١٨٦٧ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كُدْيَةٌ (٣) شديدة، فجاؤوا النبي ﷺ ، فقالوا: هذه كُدْيَةٌ عَرَضَتْ في الخندق، فقال: "أنا نازل"، ثم قام وبطنه معصوب بحَجَرٍ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي ﷺ المِعْوَلَ فضرب (٤) فعاد كثيبًا أَهْيَل أو أهيم، فقلت: يا رسول اللَّه! ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئًا ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعَنَاق، فذبحت الشاة (٥)،

стр. 1261

وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البُرمة (١)، ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر، والبُرْمَةُ بين الأَثَافِيِّ وقد (٢) كادت تَنْضِجُ، فقال (٣): طُعَيِّم لي، فقم أنت يا رسول اللَّه ورجل أو رجلان، قال: "كم هو؟ " فذكرت له، قال (٤): "كثير طَيِّب"، قال "قل لها: لا تَنْزَع البُرْمَةَ ولا الخبز من التنور حتى آتي"، قال (٥): "قوموا"، فقام المهاجرون والأنصار، (فلما دخل على امرأته، قال: ويحك! جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار) (٦) ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال (٧): "ادخلوا ولا تَضَاغَطُوا"، فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمِّر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرِّب إلى أصحابه، ثم يَنْزَع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية. قال: "كلي هذا وأهدي، فإن الناس قد أصابتهم مجاعة". وفي طريق أخرى (٨) قال جابر: فجئت فساررته، فقلت: يا رسول! اللَّه! ذبحنا بهيمة، وطحنت (٩). . . .

стр. 1262

صاعًا من شعير كان عندنا، فقال (١): أنت ونفر معك، فصاح النبي ﷺ : "يا أهل الخندق! إن جابرًا قد صنع لكم سؤرًا، حَيَّ (٢) هلا بكم"، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تُنْزِلُنَّ بُرمتكم، ولا تخبزن خبزكم حتى أجيء"، فجئت وجاء رسول اللَّه ﷺ يَقْدُم الناس حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت، فأخرجت له عجينًا، فبَسَقَ (٣) فيه وبارك، ثم عمد إلى بُرمتنا، فبسق (٤) فيها ثم قال: "ادع خابزة فلتخبز معي، واقدحي برمتكم، ولا تنزلوها" وهم ألف، فأقسم باللَّه لأكلوا (٥) حتى تركوه، وانحرفوا، وإن بُرْمَتَنَا لتغِطُّ كما هي، وإن عجيننا يخبز كما هو. ١٨٦٨ - وعن ابن عباس: عن النبي ﷺ قال: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهلكت عادٌ بالدَّبُور". ١٨٦٩ - وعن البراء بن عازب قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق

стр. 1263

رسول اللَّه ﷺ رأيته ينقل تراب الخندق حتى وارى عنه (١) الغبارُ جلدةَ بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولاصَلَّيْنَا فأنزلنْ سَكِينة علينا ... وثَبِّت الأقدام إن لَاقَيْنَا إن الأُلَى بَغَوْا علينا (٢) ... وإن أرادوا فتنة أَبَيْنَا ثم مَدَّ (٣) صوته بآخرها. ١٨٧٠ - وعن سليمان بن صُرَد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول حين أَجْلَى الأحزابُ عنه: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم". ١٨٧١ - وعن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم الأحزاب: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزبير: أنا، ثم قال: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزبير: أنا، قال (٤): "إن لكل نبي حواريًّا، وحواريِّ الزبيرُ".

стр. 1264

١٨٧٢ - وعن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: دعا رسول اللَّه ﷺ على الأحزاب، فقال: "اللهم مُنْزِلَ الكتاب، سريع الحساب! اهزم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم". الغريب: "المتون": جمع متن، وهو الظهر. و"الإهَالَةُ": الشحم المُذاب. و"سَنِخَة": منتنة. و"كُيْدَة": كذا وقع في الأصل بتقديم الياء على الدال، وفي الحاشية: كُدْيَةٌ، وعليها هاء، وأظنه أَبو الهيثم، وهذه الرواية هي الصواب، والأولى مقلويها. و"الكَثِيب": كدس الرمل. و"الأهيدٍ: السائل. و"لا تَضَاغَطُوا": لا تزدحموا. و"يُخَمِّر البُرْمَةَ": يغطيها. و"بُهَيْمَة": تصغير بَهْمَة، وهي الصغيرة من أولاد الغنم. و"الداجن": المقيم في البيت. و"زاغت": تحيرت أو ذهبت. و"الحناجر": جمع حَنْجَرَة وهي الحلق. و"حتى وارى": غَطَّى وغيَّب. و"الصَّبا": الريح الشرقية. و"الدَّبُور": الريح الغربية. و"الحواريّ": المخلص في الصحبة والناصر عند الشدة. * * *

стр. 1265

(٣١) باب مَرْجِع النبي ﷺ من الخندق، ومَخْرَجِه إلى بني قريظة ١٨٧٣ - عن عائشة قالت: لما رجع رسول (١) اللَّه ﷺ من الخندق، ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل ﵇، فقال: وضعتَ السلاح، واللَّه ما وضعناه، اخرج عليهم (٢)، قال: "فإلى أين؟ ! قال: ههنا وأشار بيده إلى بني قريظة، فخرج النبي ﷺ إليهم. ١٨٧٤ - وعن أَنس قال: كاني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زُقَاق بني غَنْمٍ، موكبَ جبريل صلوات اللَّه عليه (٣) حين سار رسول اللَّه ﷺ إلى بني قريظة. ١٨٧٥ - وعن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: "لا يصلينَّ
следующие страницы →