← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 2171–2203 · переход к 2176.

стр. 2171

(٧) باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ٣١٤٩ - قال حميد بن عبد الرحمن: أنه سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل (١) الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (٢). ٣١٥٠ - وعن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦] ". ٣١٥١ - وعن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على رسوله ﷺ (٣) أحدث، تقرؤونه محضًا لم يشب، وقد حدثكم أن

стр. 2172

أهل الكتاب بدَّلوا كتاب اللَّه وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند اللَّه ليشتروا به ثمنًا قليلًا، لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا واللَّه ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أُنْزل إليكم. * * * (٨) باب المشاورة في الأمر لأهل العلم والأمانة والرأي لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] والمشاورة قبل العزم، ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد شاور النبي ﷺ أصحابه يوم بدر (١)، وكان الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسُّنة، لم يَتَعَدَّوْه إلى غيره اقتداءً بالنبي ﷺ . ٣١٥٢ - وعن عروة، عن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس، فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: "ما تشيرون عليَّ في قوم يَسُبُّون أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط"؟ * * *

стр. 2173

(٩) باب نهى النبي ﷺ عن التحريم إلا ما عُرفت إباحته، وأمره على الوجوب إلا ما علم خلافه وقد تقدم قول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعْزَم علينا (١). ٣١٥٣ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: أهللنا أصحاب رسول اللَّه ﷺ في الحج خالصًا، ليس معه عمرة، قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي ﷺ صبح رابعة مضت من ذي الحجة، فلما قدمنا، أمرنا النبي ﷺ أن نحلَّ، وقال: "أحلوا، وأصيبوا من النساء"، قال عطاء: قال جابر: ثم لم يعزم عليهم، ولكن أحلهُنَّ لهم، فبلغه أنَّا نقول: لمَّا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نحل إلى نساءنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنيَّ، قال: ويقول جابر بيده هكذا وحركها، فقام رسول اللَّه ﷺ فقال: "قد علمتم أني أتقاكم للَّه وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تَحِلّون فَحِلُّوا، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت"، فحللنا وسمعنا وأطعنا. ٣١٥٤ - وعن عبد اللَّه المُزَنيِّ: عن النبي ﷺ قال: "صلوا قبل صلاة

стр. 2174

المغرب -قال في الثالثة- لمن يشاء"؛ كراهية (١) أن يتخذها الناس سُنَّة. * * * (١٠) باب كراهية الاختلاف قد تقدم قوله ﷺ (٢): "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، وإذا اختلفتم، فقوموا عنه". ٣١٥٥ - عن عبد اللَّه بن عباس قال: لما حُضِرَ رسول (٣) اللَّه ﷺ قال: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب- قال: "هَلُمَّ أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده"، قال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب اللَّه، واختلف أهل (٤) البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قَرّبُوا يكتب لكم رسول اللَّه ﷺ كتابًا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي ﷺ قال: "قوموا عني". * * *

стр. 2175

(٧٢) كتاب التوحيد

стр. 2176

(٧٢) كتاب التوحيد (١) باب دعاء النبي ﷺ التوحيد، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١] وقال ﷺ لمعاذ: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا اللَّه، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن اللَّه فرض عليهم خمس صلوات. . . " الحديث، وقد تقدم (١). ٣١٥٦ - وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا معاذ! أتدري ما حق اللَّه على العباد؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حقهم على اللَّه (٢)؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال:

стр. 2177

"أن لا يعذبهم". * * * (٢) باب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ولا يُسَمَّى إلا بما سَمَّى به نفسه ٣١٥٧ - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة". البخاري: أحصيناه حفظناه. ٣١٥٨ - وعن سالم: عن (١) عبد اللَّه قال: أكثر ما كان رسول اللَّه ﷺ يحلف: "لا ومُقَلِّب القلوب". وقال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ. . .﴾ [الحشر: ٢٣] إلى آخر السورة. وقد تقدم حديث ابن مسعود (٢): "إن اللَّه هو السلام"، وأخبر اللَّه عن

стр. 2178

نفسه بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وقال الأعمش (١)، عن تميم، عن عروة، عن عائشة قالت: الحمد للَّه الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل اللَّه على النبي ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]. وقال رسول اللَّه ﷺ : "ارْبَعُوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، تدعون سميعًا بصيرًا"، وقد تقدم (٢). * * * (٣) باب ما سمى اللَّه تعالى به من وجه ونَفْس وذات وعين ويد وروح في كتابه وفي سُنَّة نبيه فقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، ومع ذلك فليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص: ٧٢].

стр. 2179

٣١٥٩ - وعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "لما خلق اللَّه الخلق، كتب في كتابه -وهو (يكتب على نفسه، وهو) (١) وضع عنده على العرش-: إن رحمتي تغلب غضبي". وقد تقدم قول خُبَيْب (٢): وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبَارِك على أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّع ٣١٦٠ - وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "يقول اللَّه (٣): أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلى ذراعًا تقربت منه باعًا (٤)، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".

стр. 2180

وفي حديث آدم (١): أن الناس يقولون له يوم القيامة: "أنت الذي خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه". * * * (٤) باب: للَّه تعالى من المحامد ما لم يطلع عليها أحد في هذه الدار، ويستطيع على ما شاء منها نبيه المختار وقد تقدم من حديث أبي هريرة في كتاب التفسير (٢) أن النبي ﷺ قال: "فآتي تحت العرش (٣)، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح على من محامده وحسن الثناءعليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي". ٣١٦١ - وعن أنس: أن النبي ﷺ قال: "يجمع اللَّه المؤمنون يوم القيامة كذلك، فيقولون: لو استشفعت إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتوا آدم. . . " الحديث، وسيأتي فيه: "فأحمد ربي بمحامد علَّمنيها ربي". * * *

стр. 2181

(٥) باب في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، فسمى نفسه شيئًا، وفي قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] قد تقدم حديث عمران بن حصين في كتاب بدء الخلق (١): "إن اللَّه تعالى كان ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء". ومن حديث أبي هريرة (٢) قوله ﷺ : "يمين اللَّه ملأى، لَا يَغِيضُها نفقة، سحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَنْقُص ما بيمينه وعرشه على الماء" (٣). * * * (٦) باب قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] و ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] قد تقدم من حديث. . .

стр. 2182

أبي هريرة (١): "يتعاقبون فيكم (٢) ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم. . . " الحديث. ومن حديثه أيضًا (٣): "من تصدق بصدقة من كسب طيب، ولا يصعد إلى اللَّه إلا الطيب. . . " الحديث. * * * (٧) باب قول اللَّه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] ٣١٦٢ - وعن جرير بن عبد اللَّه قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذا (٤) نظر إلى القمر ليلة البدر قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل

стр. 2183

غروبها (١) فافعلوا". ٣١٦٣ - وعن أبي سعيد الخدري: قلنا: يا رسول اللَّه! هل نرى ربنا (٢)؟ قال: "هل تُضَارُّون في رؤية الشمس (٣) إذا كانت صحوًا؟ " قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم (٤) إلا كما تضارون في رؤيتها (٥) -ثم قال- ينادي منادٍ: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أهل الصليب مع صليبهم، وأهل الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة (٦) مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر وغُبَّرَات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن اللَّه (٧)، فيقال: كذبتم، لم يكن للَّه صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن اللَّه، فيقال: كذبتم، لم يكن للَّه صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال:

стр. 2184

اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر، فيقال لهم: ما يجلسكم (١) وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقال (٢): هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد للَّه رياءً وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا، ثم يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهر (٣) جهنم". قلنا: يا رسول اللَّه! وما الجسر؟ قال: "مَدْحَضَةٌ، مَزِلَّةٌ، عليه خَطَاطِيف وكَلَالِيب، وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لها شوكة عُقَيْفَة (٤) تكون بنجد، يقال له: السعدان، المؤمن عليها كالطَّرْفِ، وكَالْبَرقِ، وكالريح، وكأجاويد الخيل والرَّكَاب، فناجٍ مُسَلَّم، وناج مخدوش (٥)، ومكدوس (٦) في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، فإذا (٧) رأوا أنهم قد نجوا وبقي إخوانهم يقولون:

стр. 2185

ربنا! إخواننا (١) كانوا يصلون (٢) ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول اللَّه (٣): اذهبوا فمن وجدتم (في قلبه) (٤) مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم اللَّه صورهم على النار، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه (٥)، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا". قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، "فيشفعون النبيون (٦) والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقوام قد امْتُحِشُوا، فَيُلْقَوْن في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحِبَّةُ في حَمِيل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، فما كان من هذه إلى الشمس كان أخضر (٧)، وما كان إلى (٨) الظل كان أبيض، فيخرجون

стр. 2186

كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه". الغريب: "تُضَامُون": بضم التاء والميم، ويروى: تَضَامُّون بفتح التاء والميم مشددة، من الضم؛ أي: تتضامون وتزدحمون، وكذلك في ذلك رواية: "يضامون"، روايةً ومعنًى، غير أن المؤمنين يرون اللَّه تعالى بأعين رؤية واضحة جلية، لا يزاحم غيره كما يُفْعَلُ عند رؤية (١) الأهلة، فهو تشبيه لحال الرائي لا بحال المرئي. "الطواغيت": جمع طاغوت، وهو كل معبود من دون اللَّه. وقوله: "فيأتيهم الجبار في الصورة التي يعرفون"، هذه من المواضع المُشْكِلَة، والأمور المتشابهة في الشريعة -الكتاب والسُّنة- التي درج الحكم باستحالة ظواهرها على اللَّه، فإنها من نعوت الأجسام وصفات المحدثات، غير أنهم لم يتعرضوا لتأويلها، ووكلوه إلى اللَّه وقالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. وقالوا: أمِرُّوها على ما جاءت، وقد ذهب كثير من العلماء إلى حمل ألفاظها على ما يقتضيه الكلام العربي من الاستعارات والتوسعات، فمن ذلك: أن "في" بمعنى الباء في "بصورة"، كما قال: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]؛ أي: بظلل من الغمام، ومعنى هذا -واللَّه أعلم-: أن اللَّه تعالى

стр. 2187

يُظْهرُ لهم هذه الصورة الهائلة امتحانًا لأهل المحشر، فيقولون المؤمنون العالمون بصفات اللَّه لهذه الصورة: نعوذ باللَّه منك، حتى يأتينا ربنا؛ أي: حتى يتجلى بصفاته المعبَّر عنها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأما من كان مجسِّمًا فيعترف لهذه الصورة بالإلهية، فإذا تجلَّى الحق للمؤمنين بصفاته التي يعرفون سجدوا للَّه تعالى، وأما أهل الزيغ كلما أرادوا أن يسجدوا خرُّوا على أقفائهم، وتعود ظهورهم كالأطباق، واللَّه أعلم. والتسليم أسلم. و"السَّعْدَان": شوك يتعلق بالداخل فيه، له محاجن، و"المُوثَق": المهلك. و"المخردل": المُقَطَّع؛ أي: قطعًا. و"امْتُحِشُوا": هو بفتح الحاء، بمعنى: احترقوا وتغيروا. و"الحَبْرَة": النعمة. و"ضحك اللَّه": رضاه عن المضحوك، ويظهر نعمه عليه، وهو من باب قولهم: تضحك الأرض من بكاء الغمام. و"غُبَّرَات أهل الكتاب"؛ أي: بقاياهم، وكأنهم -واللَّه أعلم- الموعودون من اليهود والنصارى. * * * (٨) باب كلام اللَّه تعالى مع نبيه ومع المؤمنين يوم القيامة من غير حجاب يحجبهم به ٣١٦٤ - عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: "يحبس المؤمنون يوم

стр. 2188

القيامة حتى يُهِمُّوا بذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس، خلقك اللَّه بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، قال: ويذكر خطيئته التي أصاب؛ أكله من الشجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحًا أول نبي بعثه اللَّه في الأرض (١)، فيأتون نوحًا فيقول: لست هناكم، وبذكر خطيئته التي أصاب، سؤاله ربه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، قال: فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهن، ولكن ائتوا موسى، عبدًا آتاه اللَّه التوراة، وكلمه وقرَّبه نجِيًّا، قال: فيأتون موسى، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، قَتْلُهُ النفس، ولكن ائتوا عيسى، عبد اللَّه ورسوله، وروح منه (٢) وكلمته، قال: فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا (٣)، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فاستأذن على ربي (٤) في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني، فيقول: ارفع محمد، وقل يُسمع، واشفع تشفَّع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناءٍ وتحميد يعلمنيه، ثم

стр. 2189

أشفع (١)، فيحد لي حدًّا، فأخرج فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وسمعته أيضًا يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود الثانية فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، وسل تعط، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثم أشفع، فيحد لي حدًّا، فأخرج وأدخلهم الجنة، قال قتادة: وسمعته أيضًا (٢) يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل يُسمع، واشفع تشفَّع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حدًّا، فأخرج فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وقد سمعته يقول: فأخرجهم (٣) من النار وأدخلهم الجنة، حتى لا يبقى (٤) في النار إلا من حبسه القرآن"؛ أي: قد (٥) وجب عليه الخلود، قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال: "وهذا المقام المحمود (٦) الذي وعده نبيكم ﷺ ".

стр. 2190

٣١٦٥ - وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه تَرْجُمان ولا حجاب يحجبه". * * * (٩) باب للَّه تعالى مشيئة وإرادة لقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ولقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]، ولقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ولقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٣١٦٦ - وعن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب! ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار ذلك (١)، فقال للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي، أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، قال:

стр. 2191

فأما الجنة، فإن اللَّه لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد، (ويلقون فيها وتقول: هل من مزيد) (١) ثلاثًا، حتى يضع قدمه فيها (٢) فتمتلئ، ويَرد بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط". ٣١٦٧ - وعنه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مثل المؤمن كمثل خامة الزرع يَفِيءُ وَرَقُهُ، من حيث أتتها (٣) الريح تُكَفِّئُهَا، فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمن يُكَفَّأُ بالبلاء، ومثل الكافر كمثل الأَرْزَةِ، صَمَّاء معتدلة حتى يقصمها اللَّه إذا شاء"، وقد تقدم. قد تقدم أيضًا (٤) أن اللَّه تعالى أنزل على نبيه ﷺ عند موت أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. * تنبيه: قيل في قوله: "حتى يضع قدمه فيها"؛ أي: عليها، استعارة عن تذليلها؛ أي: ذلَّلها عند طغيانها، كما يذل مَن وضع عليه القدم، واللَّه أعلم، والتسليم أسلم. * * *

стр. 2192

(١٠) باب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣]، ولم يقل: ماذا خلق ربكم ؟ وقال مسروق (١)، عن عبد اللَّه: إذا تكلم اللَّه بالوحي سمع أهل السموات، حتى إذا فُزِّع (٢) عن قلوبهم، وسكن الصوت، عرفوا أنه الحق، ونادوا (٣): ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق. ويذكر عن جابر بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن أُنيس: سمعت النبي ﷺ يقول: "يحشر اللَّه العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الدَّيَّان". * تنبيه: هذان الحديثان غير صحيحين، كلاهما مُعَلَّق مقطوع، والأول موقوف، فلا يعتمد عليهما في كون اللَّه متكلمًا بصوت، فإن كلامه الذي هو صفته مُنَزَّهٌ عن الحروف والأصوات التي يعبر عنه بالحروف والأصوات، كما دلَّتْ عليه الأدلة القاطعة.

стр. 2193

٣١٦٨ - وعن أبي هريرة -يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا قضى اللَّه الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان". قال عليٌّ: وقال سفيان (١): صفوان يَنْفُذُهم ذلك: "فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا (للذي قال) (٢): الحق وهو العليُّ الكبير". * * * (١١) باب وكلَّم اللَّه موسى تكليمًا، وتكلم اللَّه مع نبينا من غير واسطة، فقد سمع ما سمع موسى صلوات اللَّه عليهما وقد تقدم قول آدم لموسى (٣): "أنت موسى الذي اصطفاك اللَّه برسالته وبكلامه". ٣١٦٩ - عن شَرِيك بن عبد اللَّه، عن أنس قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ

стр. 2194

يقول -ليلة أُسْرِي برسول اللَّه ﷺ من مسجد الكعبة-: إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيّهُمْ هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم (١): خذوا خيرهم -وكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه (٢)، وتنام عينه، ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى حملوه، فوضعوه (٣) عند زمزم (٤)، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لَبَّتِهِ، حتى فرغ عن صدره (٥) وجوفه (٦)، ثم أتى بطست من ذهب (٧) مَحْشُوًّا إيمانًا وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده؛ يعني عروق حلقه، ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء (٨)، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد

стр. 2195

بُعِثَ؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا (١) به وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء ما يريد اللَّه به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك، فسلِّم عليه، فسَلَّم عليه، وردَّ عليه آدم وقال: مرحبًا وأهلًا يا بُنَيَّ! نِعْمَ الابنُ أنت، فإذا هو في السماء الدنيا، فإذا هو (٢) بنَهْرَيْن يَطَّرِدَان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء، فإذا هو (٣) بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مِسْكٌ أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبَّأ لك ربك. ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد (٤)، قالوا: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء (٥) الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء (الخامسة، فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى) (٦) السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا

стр. 2196

له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سَمَّاهم، فوعيت منهم، إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بتفضيل كلام اللَّه (١)، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع عليَّ أحدًا، ثم علا به فوق ذلك مما لا يعلمه إلا اللَّه حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان قاب (٢) قوسين أو أدنى، فأوحى اللَّه فيما يوحي إليه خمسين (٣) صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد! ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إليَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل (كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل) (٤) أَنْ نعم، إن شئت، فعلا به إلى الجبار تعالى، فقال وهو مكانه: يا رب! خفِّف عنا؛ فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردُّه موسى إلى ريه حتى صارت خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: واللَّه يا محمد لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا وتركوه، وأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأسماعًا وأبصارًا (٥)، فارجع فليخفف

стр. 2197

عنك ربك، كلُّ ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا رب! إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم (١) وأبدانهم، فَخَفِّفْ عَنَّا، فقال الجبار: يا محمد! قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لَدَيّ مما (٢) فرضته عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلتَ؟ فقال: خفَّف عنا، أعطاني بكل حسنة عشر أمثالها، قال موسى: قد واللَّه رادوت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا، قال رسول اللَّه ﷺ : يا موسى! قد -واللَّه- استحييت من ربي مما أختلف (٣) إليه، قال: فاهبط باسم اللَّه، قال: فاستيقظ وهو في المسجد الحرام (٤). * تنبيه: هذه الرواية لهذا الحديث هي من رواية شَرِيك عن أنس، وقد خلط فيها ما شاء، وذكر ألفاظًا منكرة، وقدَّم وأَخَّر، ووضع الأنبياء في غير مواضعهم من السموات، وقد خالفه الثقات الحفاظ عن أنس، وقد رواه قتادة عن أنس وأتى به مُخَلَّصًا من ذلك مرتَّبًا (٥) على ما تقدَّم في المعراج، وكذلك رواه مسلم من حديث ثابت، عن أنس مخلصًا على نحو

стр. 2198

رواية قتادة، فلتتمسك برواية هذين الإمامين عن أنس، ولا تعوِّل على ما فيها؛ أعني: رواية شريك، واللَّه أعلم (١). * * * (١٢) باب في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ٣١٧٠ - عن عبد اللَّه بن مسعود قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند اللَّه؟ قال: "أن تجعل للَّه نِدًّا وهو خلقك"، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أيُّ؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قلت: ثم أيُّ؟ قال: "أن تزاني حليلة (٢) جارك". * * *

стр. 2199

(١٣) باب ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] قال الزهري (١): على اللَّه الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. ٣١٧١ - وعن عائشة قالت: من حدثك أن النبي ﷺ كتم شيئًا من الوحي فلا تصدقه، إن اللَّه تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢) الآية. * * * (١٤) باب في رواية النبي ﷺ عن ربه تعالى ٣١٧٢ - عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ يرويه عن ربكم- قال: "لكل

стр. 2200

عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به، ولَخُلُوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من رائحة (١) المسك". ٣١٧٣ - وعن ابن عباس: عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه- قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا (٢) خير من يونس بن مَتَّى"، ونسبه إلى أبيه. وعن أنس: عن النبي ﷺ فيما يروبه عن ربه قال: "إذا تقرب العبد إليَّ شبرًا، تقربتُ إليه ذراعًا. . . " الحديث على ما تقدم ذكره (٣). * * * (١٥) باب في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]؛ أي: هيَّأناه، ومنه: "كل مُيَسَّر لما خلق له"؛ أي: مُهَيَّأ ٣١٧٤ - وعن المِسْوَر بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري: أنهما

стр. 2201

سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرِئنِيها رسول اللَّه ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبَّرت حتى سَلَّم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ فقال: أقرأنيها رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: كذبت، أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقْرِئنِيها، فقال: "أَرْسِلْهُ، اقرأ يا هشام"، فقرأ القراءة التي سمعته، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كذا أُنزلت"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ يا عمر"، فقرأت (الذي أقرأني) (١)، فقال: "كذلك أُنزلت"، (ثم قال رسول اللَّه ﷺ ) (٢): "هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسَّر منه". ٣١٧٥ - وعن عمران بن حصين قال: قلت: يا رسول اللَّه! فيم يعمل العاملون؟ قال: "كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له". وعن عليٍّ نحوه (٣). * * *

стр. 2202

(١٦) باب قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال ابن عيينة (١): بيَّن اللَّه الخلق من الأمر بقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقد سمَّى النبي ﷺ الإيمان والجهاد عملًا كما تقدم في حديث أبي ذر (٢). وقال النبي ﷺ للأشعريين: "ما أنا حملتكم، ولكن اللَّه حملكم"، وقد تقدم (٣). قلت: وأوضح من هذا كله قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]، فنسب لخلقه فعلًا ونفى عنهم الاستقلال به، وهو المطلوب منها، واللَّه الموفق. * * *

стр. 2203

(١٧) باب قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وأن أعمال العبد وأقوالهم توزن وقال مجاهد (١): القسطاس: العدل بالرومية، ويقال: القِسْط مصدر المُقْسِط، وهو العادل، وأما القاسط فهو الجائرُ. ٣١٧٦ - وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم". * تنبيه: الموزون الصحائف المكتوب فيها الإيمان، كما نصَّ عليه النبي ﷺ فيما خرَّجه الترمذي في كتابه في حديث السِّجِلَّات (٢). كمل الكتاب المبارك بحمد اللَّه وحُسن عونه، وصلى اللَّه على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وآله وصحبه من بعده. * * *