الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري
تأليف
الحافظ جمال الدين أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد ابن عبد البر النمري القرطبي المالكي (المتوفى سنة ٤٦٣ هـ)
قرأه وعلق عليه
عبد الخالق بن محمد ماضي
تقديم
فضيلة الدكتور محمد بن عمر بن سالم بازمول
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
стр. 2
هذا الكتاب في الأصل رسالة ماجستير لجامعة الجزائر كلية العلوم الإسلامية تخصص: أصول الفقه ونوقشت في ٢٦/ ١١/ ١٤٢٢ هـ وكانت لجنة المناقشة مكونة من:
١ - الدكتور رضوان بن غريبة رئيساً
٢ - الدكتور محمد بن عبد رب النبي عضواً
٣ - الدكتور نصر سلمان عضواً
وأجيزت بتقدير مشرف جداً.
• الرسائل في الكلية لها تقديران: مشرف، مشرف جداً.
(ح) وقف السلام الخيرى، ١٤٢٥ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
القرطبي. أبو عمر يوسف عبد الله محمد بن عبد البر
كتاب الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري/ أبو عمر
يوسف عبد الله محمد بن عبد البر القرطبي، عبد الخالق ماضي - الرياض ١٤٢٥ هـ
٣١٦ ص - ١٧ سم × ٢٤ سم.
١ - الفتاوي الشرعية
٢ - الحديث الصحيح
أ - ماضي عبد الخالق (محقق) ...
ب - العنوان
ديوي ٢٥٩ ... ٣٠٢٩/ ١٤٢٥
رقم الإيداع: ٣٠٢٩/ ١٤٢٥
ردمك: ٥ - ٠٣٥ - ٤٦ - ٩٩٦٠
حقوق الطبع محفوظة لـ:
وقف السلام الخيري
الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
الكتاب لا يعبر بالضرورة عن رأي وقف السلام الخيري
نستقبل ملحوظاتكم وطلباتكم على العنوان التالي:
وقف السلام الخيري
المملكة العربية السعودية - الرياض - حي السلام - مقابل بوابة مقبرة النسيم
ص. ب: ١٢٤٧٢٤ - الرمز البريدي: ١١٧٧١ - هاتف: ٢٠٩٠٣٠٠ - ٢٠٩٠٥٠٠ - ٢٠٩٠٢٠٩ - تحويلة: ١٤١، ١٤٢ - فاكس: ٢٠٩٢٠٩٢.
E-mail: info@assalam.ws
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 6
تقديم د. محمد بن عمر بن سالم بازمول
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسول ﷺ .
أما بعد: فقد قرأت كتاب "الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري"، للحافظ جمال الدين أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق ودراسة الطالب: ماضي عبد الخالق في رسالة علمية تقدّم بها لنيل درجة الماجستير في جامعة الجزائر/ كلية العلوم الإسلامية/ الخروبة، للعام ١٤٢٢ هـ.
ولهذا العمل أهميته؛
ففيه إخراج لكتاب من تراث الأمّة الإسلامية المخطوط.
وفيه إبراز لكتاب من تراث هذا العالم الكبير الذي كان يلقّب بـ (حافظ المغرب) في وقته.
وفيه خدمة لكتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري، الذي هو عمدة كتب السنّة الصحيحة المجرّدة لأحاديث الرسول ﷺ .
стр. 7
وزانه تحقيق الباحث، وما جادت به قريحته من تعليقات في خدمة كتاب ابن عبد البر بتوثيق العزو، وتخريج الأحاديث والآثار، والتعليق على مواضع منها.
وعليه، فإنّ طبع هذه الرسالة المفيدة النافعة، من أحسن ما يكون خدمة للعلم وطلابه.
وقد اقترحت على الباحث الكريم - وفّقه الله لكلّ خير - أن يقتصر من الدراسة على ترجمة ابن عبد البر واستعراض محتويات كتابه، مع وصف المخطوط، وبيان منهج التحقيق، كما أرفقت له جملة من الملاحظات العامّة والخاصّة، ليزداد العمل حسنًا على حسنه.
هذا؛ ومعرفتي للباحث إنما هي من خلال عمله، وقد لمست فيه حبّ العلم، وقدرة على البحث والتحقيق، مع تواضع وحسن خلق، نفع الله به الإسلام والمسلمين.
سائلاً اللهَ ﵎ للجميع التوفيقَ والهدى والرشاد والسداد.
كتبه
د. محمّد بن عمر بن سالم بازمول
جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين
قسم الكتاب والسنّة
١٧/ ١٢/ ١٤٢٣ هـ
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المُقَدِّمَةُ
إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أمّا بعد:
فلقد حظيت السنّة النبوية باعتناء سلف هذه الأمّة واهتمامهم، فقد كانوا يدركون أنّها الوحي الثاني، الذي تلقّاه النبيّ ﷺ من ربّه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ
стр. 9
هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، كما كانوا يعلمون أنّها المصدر الثاني الذي يقوم عليه بناء هذا الدين، فهي التي تبيّن القرآن، وتوضّح معانيه ومقاصده، وتتمّ أحكامه وتشريعاته ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، ولا يفرّقون في الاحتجاج والعمل بين ما جاء في كتاب الله ، وما جاء في السنّة النبوية الثابتة.
وإذا كان للحديث النبوي هذه المنْزلة من الدِّين فلم يكن عجبًا أن يوجّه أهل العلم عنايتهم، ويصرفوا جهودهم، ويفنوا أعمارهم في خدمة هذا الحديث الشريف، حفظًا له، وتدوينًا لنصوصه، ودراسةً لأحوال رواته ونقلته، وبيانًا لفقهه وأحكامه، وتبيينًا لألفاظه ومعانيه، وتوضيحًا لناسخه ومنسوخه، وراجحه ومرجوحه، وصحيحه وضعيفه وموضوعه، وأسباب وروده، وعلله، ومعلوله، وغريبه، ومسلسله، ومدبّجه، ومؤتلفه، ومختلفه، ومصحّفه، ومقلوبه، ومدرجه، ومرسله ... إلى غير ذلك من فنون علوم الحديث ومجال البحث فيه.
إلاَّ أنَّ هذه الجهود بقي أكثرها مخطوطًا، حبيس المكتبات، لم تطله أيدي الباحثين، فتراث الأمَّة المخطوط جزء أصيل من كيانها ووجودها، وبإحيائه ونشره محققا تتسامى صُعُدا في مراقي المجد والحضارة، ونحن - المسلمون - نملك من التراث في مختلف صنوف المعرفة تركة ضخمة خلَّفها لنا آباؤنا وعلماؤنا الأوائل الذين ضربوا في كلّ فنّ وعلم بسهم وافر، ممّا لم نشهد له مثيلاً عند أمّة من الأمم والحقّ أنَّ ثمَّ حركة دائبة يا العصر الحاضر لإحياء هذا التراث، والكشف عن دفائنه، وقد خرج منه عدد كبير، على
стр. 10
أنَّ كثيرا ممَّا خرج في عصرنا من هذا التراث - على أنَّه محقَّق - يحتاج إلى وقفة تقويم وتصحيح، وإعادة نظر لِما يعتور جهود المحققين له من قصور واضح في الالتزام بالنَّهج الأمثل للتحقيق، ولا سيما في الآونة الأخيرة، حيث أسند الأمر إلى غير أهله - ولعلي منهم فأستغفر الله - وأعطيت القوس إلى غير باريها، وتجرَّأ على الخوض في مضمار السباق كلُّ مدَّع وجاهل بما يتطلَّبه المقام؛ من قدرة واستعداد وتمرُّس ودراية.
فينبغي قطع الطريق على عبث العابثين والجهلة المرتزقين، وأصحاب الادِّعاء الكاذب، لتتمّ الفائدة من نشر التراث على الوجه المطلوب، وتتوطَّد الثقة به، والاطمئنان إليه من قبل الباحثين والدَّارسين، ويكون قريب المنال منهم، وينبغي أن لا يذهب بنا الوهم إلى أنَّ القصد من تصوير الواقع هو الحدُّ من حركة نشر التراث، وتثبيط الهمم التوَّاقة لنشره، بل القصد من ذلك هو تقويم الواقع، والرُّقيِّ به إلى أسمى المراتب، تحقيقًا وتوثيقًا وصحَّةً، والحثّ على مواصلة المسيرة بخطًى ثابتة وبصيرة نيِّرة.
ولهذا أدعو مِن عَلى هذا المنبر العلمي كافَّة الطلبة والباحثين، والأساتذة الكبار المعلِّمين، أن يتوجَّهوا إلى هذا التراث بالتحقيق، وإخراجه للناس مصحَّحًا منقَّحًا، وأن لا يُتْخِموا المكتبة بكثير من البحوث التي نراها اليوم هزيلة سَمْجَة، لا تسمن ولا تغني من جوع؛ لأنَّ أصحابها كان همُّهم هو تسجيل موضوع ينالون به درجة علمية أكاديمية معيَّنة يجعلونها وسيلة للاسترزاق، بدل أن يختاروا موضوعات يسهمون بها في بناء صرح العلم الكبير.
وإنَّ ممَّا يثقل ميزان جهود علماء السلف في خدمة الحديث، ودفع ما يُتَوَهَّمُ فيه
стр. 11
الاختلاف، أو ما يُسْتَبْهَمُ من معانيه، وأحكامه، كتاب إمام وحافظ المغرب أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ النَّمَري القرطبي (ت ٤٦٣ هـ) الموسوم "كتاب الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري" الذي نخرجه لأوَّل مرة لطلبة العلم، سائلاً الله تعالى التوفيق والسَّداد، وأن يغفر لي خطئي فيه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأرجو من كلّ من رأى في هذا العمل عيبًا أن يبيِّنَه لي، حتى أتفاداه؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ... ﴾ [المائدة: ٢]، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين.
وكتب الفقير إلى عفو الله ومغفرته
أبو محمّد عبد الخالق بن محمد ماضي
يوم ٢٣ رمضان عام ١٤٢٢ هـ
стр. 12
سبب اختيار الموضوع
سبب اختيار هذا الموضوع للبحث فيه لإنهاء مرحلة العالمية (الماجستير) يرجع إلى أمور، أهمّها:
١/ قيمة المؤلّف العلمية، وهو الإمام بحقّ جمال الدين يوسف بن عبد الله ابن محمّد بن عبد البرّ بن عاصم النمري القرطبي، فقد ملأ الآفاق شهرةً وعلمًا، حتّى لقّب بـ "حافظ المغرب"، قال عنه ابن حزم في "الإحكام" (٢/ ٦٧٣ - ٦٧٤): "وممّن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحقّ الاعتداد به في الاختلاف: ... يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ النمري ... ".
وقال الذهبي في "العلوّ للعليّ الغفّار" (ص ١٨٢): "لقد كان أبو عمر ابن عبد البرّ من بحور العلم، واشتهر فضله في الأقطار ... "، إلى غير ذلك من الأقوال التي سيجدها القارئ في موضعها من الترجمة.
٢/ قيمة الكتاب العلمية، إذ إنّه يتولّى فيه إيضاح ما أشكل من الأحاديث في أصحّ كتاب بعد كتاب الله العزيز، وهو: "الجامع الصحيح" للإمام أبي عبد الله محمّد ابن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦) ﵀.
٣/ إحالة المصنّف عليه في موسوعتيه العظيمتين: "التمهيد" و"الاستذكار".
ولأجل هذه الأسباب ولغيرها، حرصت على خدمة هذا السفر الجليل الذي أرجو أن تثرى به المكتبة الإسلامية العامرة.
стр. 13
خطّة البحث
وقد سلكت في هذا العمل الخطّة التالية:
قسّمت البحث إلى مقدّمة وقسمين.
المقدِّمة: ذكرت فيها - بعد الحمد والثناء على الله -
• سبب اختيار الموضوع.
• خطّة البحث.
• منهجي في التحقيق.
القسم الأوّل: الدراسة، وفيها فصلان:
• الفصل الأول: ترجمة موجزة للإمام الحافظ ابن عبد البرّ.
• المبحث الأول: مدخل إلى مصادر ترجمة ابن عبد البرّ.
• المبحث الثاني: اسم الحافظ ابن عبد البرّ، ونسبه، وكنيته، ومولده.
- المطلب الأول: اسم الحافظ ابن عبد البرّ، ونسبه، وكنيته.
- المطلب الثاني: مولد الحافظ ابن عبد البرّ.
• المبحث الثالث: نشأة الحافظ ابن عبد البرّ العلمية ورحلته.
- المطلب الأول: نشأة الحافظ ابن عبد البرّ العلمية.
- المطلب الثاني: رحلات الحافظ ابن عبد البرّ العلمية.
стр. 14
• المبحث الرابع: شيوخ ابن عبد البرّ وتلاميذه.
- المطلب الأول: شيوخ الحافظ ابن عبد البرّ.
- المطلب الثاني: تلاميذ الحافظ ابن عبد البرّ.
• المبحث الخامس: ثناء العلماء على الحافظ ابن عبد البرّ ومكانته العلمية.
• المبحث السادس: مصنّفات الحافظ ابن عبد البرّ وآثاره.
- المطلب الأوّل: المصنّفات في علم القراءات.
- المطلب الثاني: المصنّفات في الحديث وعلومه.
- المطلب الثالث: المصنّفات في الفقه.
- المطلب الرابع: المصنّفات في التاريخ والسير.
- المطلب الخامس: المصنّفات في الأدب والأخلاق والتوحيد.
• المبحث السابع: وفاة الحافظ ابن عبد البرّ.
• الفصل الثاني: دراسة عن كتاب الأجوبة عن المسائل المستغربة.
• المبحث الأوّل: اختيارات ابن عبد البرّ العلمية في كتاب "الأجوبة".
- المطلب الأوّل: التفسير.
- المطلب الثاني: الحديث.
الفقرة الأولى: الكلام على معاني الأحاديث.
الفقرة الثانية: الأحكام على الأحاديث.
الفقرة الثالثة: كلامه في الرواة جرحا وتعديلاً.
стр. 15
- المطلب الثالث: العقيدة.
الفقرة الأولى: كون الإسراء والمعراج بالروح والجسد معًا.
الفقرة الثانية: ثبوت سماع المقبور لقرع نعال مشيّعيه.
الفقرة الثالثة: السؤال في القبر.
الفقرة الرابعة: التسليم لما جاء به الرسول ﷺ .
الفقرة الخامسة: حكم أولاد المشركين.
الفقرة السادسة: مسألة في رؤيا الأنبياء هل كلّها وحي؟
- المطلب الرابع: الفقه.
الفقرة الأولى: حكم الماء غير المستبحر تقع فيه النجاسة.
الفقرة الثانية: حلول النجاسة على الماء وحلوله عليها.
الفقرة الثالثة: حكم صلاة فاقد الطهورين.
الفقرة الرابعة: حكم الصفرة والكدرة.
الفقرة الخامسة: حكم تثنية "قد قامت الصلاة" في إقامة الصلاة.
الفقرة السادسة: حدّ الصلاة في الليل.
الفقرة السابعة: حكم قصر الصلاة في السفر.
الفقرة الثامنة: حكم الرهن والكفيل في السلم.
الفقرة التاسعة: حكم إقامة الحدود والقصاص في الحرم.
الفقرة العاشرة: حكم تغليظ الدية على من قتل في الحرم.
الفقرة الحادية عشرة: حكم من فعل عبادة على وجه اجتهد فيه إصابة الحقّ.
стр. 16
- المطلب الخامس: أصول الفقه.
الفقرة الأولى: الفرق بين أمر ونهي الله وأمر ونهي الرسول ﷺ .
الفقرة الثانية: دلالة "مِنْ".
الفقرة الثالثة: جواز النسخ في الأمر والنهي.
الفقرة الرابعة: تقديم المثبت على النافي.
الفقرة الخامسة: جواز الاجتهاد على الأصول.
• المبحث الثاني: الكلام على النسخة المعتمدة في التحقيق.
- المطلب الأوّل: عنوان الكتاب.
- المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب.
- المطلب الثالث: وصف النسخة المعتمدة مع نماذج من المخطوط.
القسم الثاني: النص المحقق.
وختمت البحث بفهارس علمية، وجعلت:
• فهرس الآيات القرآنية.
• فهرس الأحاديث النبوية.
• فهرس الآثار.
• فهرس المصادر والمراجع.
• فهرس الموضوعات.
стр. 17
منهجي في التحقيق
اعتمدت في تحقيق الكتاب على نسخة فريدة، وهي النسخة المحفوظة بمكتبة المتحف في قونيا بتركيا، وقد سلكت في تحقيق المخطوط المنهج الآتي:
أوّلاً: ضبط النصّ وتنسيقه
١/ حدّدت بداية الصفحات في ورقات المخطوط الأصل، وذلك بوضع الخطّ المائل قبل أوّل كلمة من بداية الوجه في داخل السطر، ثمّ أسجّل رقم الورقة ورمز الوجه، وذلك في الفراغ بين المتن المحقَّق والهامش.
٢/ وضعت في أعلى الصفحة عنوان الباب، وعنوان: "الأجوبة عن المسائل المستغربة".
٣/ قمت بضبط الكلمات التي تحتاج إلى ضبط والأعلام المشتبهة، ووضع الفواصل، وتصحيح الأخطاء الإملائية، وإعادة رسم الكلمات رسمًا يوافق قواعد الإملاء الحديث.
٤/ كتبت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بخطّ أثخن تمييزًا لها عن سائر النصّ المحقّق، واضعًا الآيات بين قوسين مزهرين، والأحاديث والآثار بين قوسين هلالين.
٥/ بيّنت في غالب الحالات مواضع الإحالات التي ذكرها المصنّف.
٦/ وضعت في الهامش صورة الكلمات غير المقروءة على أصلها في المخطوط.
стр. 18
ثانيًا: التصحيف والتحريف
١/ إذا وقع تصحيف أو تحريف في النسخة الأصل، كالواقع في أسماء الرواة، فإنّي أثبت الصواب في المتن جاعلاً إيّاه بين هلالين هكذا ()، وأشير في الهامش إلى ما كان في النسخة الأصل، وأقول: وهو خطأ، والصواب المثبت.
٢/ وعنيت بالتصحيف ما كان في النقط، وما كان في غير ذلك فهو تحريف.
٣/ إذا أخطأ الناسخ في كتابة كلمة من آية قرآنية فإنّي أثبت الصواب كما هو في المصحف، دون تنبيه في الحاشية.
ثالثا: الزيادات
١/ بما أنّ النسخة المحقّقة وحيدة فإنّ الزيادات بطبيعة الحال ستكون من خارج الكتاب، فإذا كانت الزيادة ضرورية، ككونها من كتب الحديث والآثار أو الفقه؛ فإنّي أضعها بين قوسين معقوفين []، وأقول في الحاشية: من كتاب كذا وكذا.
٢/ فإذا كانت الزيادة يقتضيها السياق ولم تكن ممّا تقدّم، فإنّي أضعها - أيضًا - بين معقوفين قائلاً: ليست في الأصل، وهي متعيِّنة.
رابعًا: الآيات القرآنية
أذكر في تخريج الآيات القرآنية: اسم السورة ورقم الآية، وهكذا جزء الآية أعتبره في حكم الآية، فأذكر اسم السورة ورقم الآية، دون التنبيه إلى أنّه جزء من الآية طلبًا للاختصار.
стр. 19
خامسًا: الأحاديث النبوية
١/ إذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما؛ فإنّي أكتفي بالعزو إليهما أو إلى أحدهما.
٢/ إذا كان في الحديث اختلاف أو علل؛ فإنّي - وإن كان في الصحيحين أو أحدهما - أخرّجه من مظانّه من غير حصر أو تقيُّد.
٣/ إن كان الحديث في غير الصحيحين أو أحدهما؛ فإنّي أخرّجه من مظانّه من كتب الحديث من غير تقييد.
٤/ حاولت جهدي في الحكم على الأحاديث صحّةً وضعفًا، وقد أعتمد في ذلك على بعض الأئمّة في هذا الشأن، فإن لم أهتد إلى حكم إمام من الأئمّة، اجتهدت في الحكم عليه بناءً على قواعد الحديث المعروفة.
٥/ أذكر الكتاب ورقم الحديث والباب إن وجد إذا كان الحديث في الكتب الستّة والموطّأ.
٦/ أخرّج الحديث في أوّل موطن ذكره المصنّف، ثمّ أحيل عليه إن كرّر ذكره.
٧/ إذا لم أجد الحديث أقول: لم أجده، أو: لم أقف عليه في كتب الحديث التي اطّلعت عليها.
٨/ إذا ذكر الحديث من طريق صحابي ولم أجده من طريقه نبّهت على ذلك، وخرّجته من طريق صحابي آخر.
٩/ إذا لم يذكر المصنّف نصّ الحديث، وإنّما أشار إلى معناه، فإنّي أقول: يشير المصنّف إلى ما رواه فلان وفلان ... إلخ.
стр. 20
١٠/ لا أخرّج الأحاديث الواردة في القسم الدراسي، كما لا أخرّج الأحاديث الواردة في حاشية القسم التحقيقي.
سادسًا: الآثار
١/ أخرّج الآثار مع بيان درجتها إن أمكنني ذلك.
سابعًا: الأعلام
١/ ترجمت لكلّ من ذكره المصنّف بكنيته أو ذكره مهملاً.
٢/ ترجمت لأعلام المذهب المالكي الناقلين لمذهبه.
٣/ أذكر في ترجمة العلَم غالبًا: اسمه، وكنيته، ولقبه، وما اشتهر به، وسَنَة وفاته.
٤/ أترجم للعلَم عند أوّل موضع ذكر فيه من القسم المحقّق.
ثامنًا: الفهارس
وأخيرًا؛ عملت فهارس للرسالة شملت ما يلي:
١/ فهرس الآيات.
٢/ فهرس الأحاديث.
٣/ فهرس الآثار.
٤/ فهرسًا تفصيليًّا للموضوعات.
٥/ فهرس المصادر والمراجع.
стр. 21
القسم الأول: الدراسة
وفيه فصلان:
الفصل الأوّل: ترجمة موجزة للحافظ ابن عبد البرّ ﵀
الفصل الثاني: دراسة عن كتاب "الأجوبة عن المسائل المستغربة".
стр. 22
الفصل الأول ترجمة موجزة للإمام الحافظ ابن عبد البرّ
وفيه مباحث:
المبحث الأوّل: مدخل إلى مصادر ترجمة ابن عبد البرّ.
المبحث الثاني: اسم الحافظ ابن عبد البرّ، ونسبه، وكنيته، ومولده.
المبحث الثالث: نشأة الحافظ ابن عبد البرّ العلمية ورحلته.
المبحث الرابع: شيوخ ابن عبد البرّ وتلاميذه.
المبحث الخامس: ثناء العلماء على الحافظ ابن عبد البرّ ومكانته العلمية.
المبحث السادس: مصنفات الحافظ ابن عبد البرّ وآثاره.
المبحث السابع: وفاة الحافظ ابن عبد البرّ.
стр. 23
المبحث الأول مدخل إلى مصادر ترجمة ابن عبد البرّ
إنّ الذي يشار إليه أوّلاً هو أنّ أوّل من ترجم لابن عبد البرّ هو ابن عبد البرّ نفسه من خلال ما ذكره عن جانب من جوانب حياته العلمية ببيان تاريخ شيوخه الذين أخذ عنهم العلم بطرق التحمّل المختلفة كالسماع والقراءة والإجازة وغيرها من الطرق المتعارف عليها بين أهل العلم، وذلك في كتابين من كتبه هما: "تاريخ شيوخ ابن عبد البر" و"فهرسة الشيخ الفقيه الحافظ أبي عمر ابن عبد البرّ" (١)، وهما كتابان لم يصل إلينا منهما - في حدود المعلوم - إلّا ما تضمّنته بعض مصنّفات تلاميذ ابن عبد البر وغيرهم مِمّن ألّف في تراجم علماء الأندلس كالحميدي، وابن بشكوال (٢).
ومن جهة ثانية فإنّ الناظر في تاريخ الحافظ أبي عمر بن عبد البرّ يجد أنّ أقرب المصادر إلى عصره والتي ترجمت له هو جملة من كتب الأندلسيين، منها:
• كتاب "جذوة المقتبس" لأبي نصر الحميدي (٣)، وهو معاصره وواحد من
стр. 24
تلاميذه (١).
وحديث الحميدي في هذا الكتاب مع ما يفيد الباحثَ من تجلية بعض جوانب ابن عبد البرّ العلمية لم يكن مستفيضًا، وإنّما ذكره بإيجاز، فذكر اسمه ونسبه وكنيته، وأشار إلى تاريخ ولادته، ووصفه بالحفظ والعلم بالقراءات والخلاف في الفقه، وذكر أنّه لم يَخرُج من الأندلس، بل جُلُّ مشيخته منها، فإنّه سمع من أكابر أهل الحديث في قرطبة وغيرها، وسمع من الغرباء الذين قدموا إليها، ونقل أنّه كان يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي ﵀ (٢).
وإلى جانب هذا الاختصار في حياة ابن عبد البرّ فإنّ الحميدي أسهب في بيان مؤلّفات مترجَمِيه في مختلف مجالات العلم، وختم الترجمة بنقل إجازة ابن عبد البرّ له
стр. 25
بجميع كتبه، وبذكر تاريخ وفاته (١).
وممّا يستفاد من كلام الحميدي في كتابه أنّ ابن عبد البرّ كان قد استمرّ في التصنيف إلى وقت متأخّر من حياته، إذ لم يمض من الزمن - على أكثر تقدير - منذ لقيه وحسب ما ذكر من تاريخ وفاته، إلى حين موته إلّا اثنا عشرة سنة أو أكثر بقليل (٢)، فإنّه قال بعد عرض تواليفه، وذكر إجازته له بها: "وتركته حيًّا وقت خروجي من الأندلس، سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، ثمّ بلغتني وفاته، وأخبرني أبو الحسن على ابن أحمد العابدي (٣) أنّه مات في سنة ستين وأربعمائة بشاطبة من بلاد الأندلس" (٤)، فيكون عُمُرُ ابن عبد البرّ حينئذ ما بين خمس وسبعين سنة وثمانية وسبعين عامًا.
• ودون ما جاء في "الجذوة" في البسط ما قاله صاحب "الصلة" ابن بشكوال (٥)،
стр. 26
فإنّه اقتصر بعد ذكر اسمه ونسبه وكنيته على بيان مكانة ابن عبد البرّ العلمية وثناء بعض العلماء عليه، مع شيء من التوسع في تسمية شيوخه، [والتركيز على كتابين] من مصنّفاته هما شرحا "موطّإ الإمام مالك ﵀ ": "التمهيد" و"الاستذكار"، وختم الترجمة بذكر تاريخ وفاته، وما روي له عن ابن عبد البرّ من تاريخ ولادته (١).
والذي يثير الانتباه في هاتين الترجمتين اختلافهما في تاريخ ولادة ابن عبد البرّ حيث ذكر صاحب "الجذوة" أنّه ولد في رجب من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، أمّا صاحب "الصلة" فقد نقل عن طاهر بن مُفَوِّز - وهو أحد تلاميذ ابن عبد البرّ (٢) - قوله: "سمعت أبا عمر يقول: ولدتُّ يوم الجمعة، والإمام يخطب، لخمس بقين من ربيع الآخر من سنة ثمان وستين"، قال: "أرانيه الشيخ بخطّ أبيه عبد الله بن محمّد (٣) ﵀ (٤)، فيكون بهذا التصريح ما نقله ابن بشكوال أصحّ القولين في تاريخ ولادة ابن عبد البرّ، والله أعلم.
• ومثلما جاء في الكتابين السابقين ما نقله الضبي (٥)، في "بغية الملتمس"،
стр. 27
فإنّه اختصر ما قاله الحميدي في "الجذوة"، مضيفًا إليه بعضًا من كلام ابن بشكوال في "الصّلة" (١).
• وأوْجَزَ الفتح بن خاقان الأندلسي (٢) في كتاب "مطمح الأنفس" ترجمة ابن عبد البر، ذاكرًا محاسنه العلمية، وشيئًا من شعره، مقتصرًا على ذلك (٣).
• وأوْجَزُ من ذلك كلّه ما قاله تلميذه ابن حزم الأندلسي (٤) في كتابه "أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا": "وممّن أدركنا مِمَّن جرى على سَنَن من تقدّم مِمّن ذكرنا - من أصحاب الاجتهاد والفتيا - يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ النّمري"، وذكر في "رسائله" ما
стр. 28
لابن عبد البرّ من المصنّفات مُنوِّهًا بها، قائلًا في "التمهيد": "وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلًا، فكيف أحسن منه" (١).
وأمّا غير الأندلسيين، فمن المغاربة ترجم لابن عبد البرّ القاضي عياض (٢) في "ترتيب المدارك" ترجمة فصّل فيها وأجاد، وجاء فيها على جوانب من حياته عديدة، منها: اسمه ونسبه، والثناء عليه بالإمامة والتقدّم في العلم ودقّة النظر، وذكر شيوخه، وسماعه للعلم، وتصبّره على ذلك، ودأبه فيه، وافتنانه وبراعته براعةً فاق فيها من تقدّمه من رجال الأندلس حتّى عظم شأنه بها، وعلا ذكره في الأقطار، ورحل إليه الناس، وسمعوا منه، وبيّن بعض من أخذ عنه من أكابر أهل العلم في الأندلس، ومجموع مصنّفاته، وسنة وفاته (٣).
ثمّ توالت التراجم الخاصّة بهذا الحافظ الكبير والإمام النَّحرير في مصنّفات العلماء، منهم ابن خلكان (٤) في "وفيات الأعيان وأنباء أبناء
стр. 29
الزمان" (١)، فإنّه ترجم لابن عبد البرّ ترجمة تميّزت بالإطالة في وصف كتاب واحد من كتبه، والنقل منه، لمِا فيه من نوادر العلم والحكم، وهذا الكتاب هو: كتاب "بهجة المجالس وأنس المجالس"، قال فيه: "جمع فيه أشياء مستحسنة تصلح للمذاكرة والمحاضرة"، ثمّ أخذ يورد منه مسائل ونكتًا منها: ما روي من بعض رؤى رسول الله ﷺ ، وبعض أصحابه ﵃ أجمعين؛ ومنها: حِكَم مأثورة وأمثال سائرة من أشعار العرب ونثرهم، وطرائف من الأدب الجاهلي والإسلامي، وبعض العِظات والمقالات.
ثمّ أشار أخيرًا إلى مكانة ولد ابن عبد البرّ، أبي محمّد عبد الله بن يوسف، وأنه كان من أهل الأدب البارع والبلاغة، وأنّ له رسائل وشعرًا أفاد منه قوله:
لا تكترثن تأملًا واحبس عليك عنان طرفك ... فلربما أرسلته فرماك في ميدان حتفك
وبعد هؤلاء جاء مؤرّخ الإسلام شمس الدين الذهبي (٢)، فترجم لابن عبد البرّ
стр. 30
في كثير من كتبه كـ: "سير أعلام النبلاء" (١)، و"تاريخ الإسلام" (٢)، و"دول الإسلام" (٣)، و"العبر في خبر من غبر" (٤).
أمّا كتاب "السير" ففيه من الإضافات والتفصيل والتعليقات المفيدة ما لا تجده في غيره، فإنّه وصفه فيه بالإمام العلّامة، وشيخ الإسلام، وذكر كنيته واسمه ونسبه ومذهبه الفقهي، وسنة ولادته مع الإشارة إلى الخلاف في الشهر الذي ولد فيه، وطلبه للعلم وارتحاله لأجله في الأندلس، وعدّد جملة من الشيوخ الذين أخذ عنهم العلم مع بيان مروياته عن بعضهم، وكذا مجموعة مِمّن حدّثوا عنه، ومن أجاز له من أهل المشرق.
ثمّ جاء بنُقول عمّن أثنى عليه من أهل العلم، وأشاد ببيان علوّ شأنه ورفعة مكانته من بين أقرانه من العلماء، وما يفيد تفوّقه في الحديث وتقدّمه فيه على أهل بلده.
ولبيان مكانة ابن عبد البرّ العلمية يقول الذهبي ﵀ (٥): "قلت: كان إمامًا ديّنًا، ثقةً، متقنًا، علّامةً، متبحّرًا، صاحب سنّة واتّباع، وكان - أوّلًا - أثريًّا ظاهريًّا - فيما قيل - ثمّ تحوّل مالكيًّا، مع ميل بيّن إلى فقه الشّافعي في مسائل، ولا يُنكر له ذلك، فإنّه مِمّن بلغ رتبة الأئمّة المجتهدين، ومن نظر في مصنّفاته بأن له مَنْزلته من سعة العلم، وقوّة الفهم، وسيلان الذهن، وكلّ أحد يؤخذ من قوله ويترك إلّا رسول الله ﷺ ،
стр. 31
ولكن إذا أخطأ إمام في اجتهاده لا ينبغي لنا أن ننسى محاسنه، ونغطّي معارفه بل نستغفر له ونعتذر عنه".
كما أفادنا الذهبي أنّ ابن عبد البرّ كان ينبسط إلى أبي محمّد بن حزم ويؤانسه، وأنّ ابن حزم أخذ عنه فنّ الحديث.
وقال أيضًا: "وكان في أصول الديانات على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه ﵏" (١).
وفي "تاريخ الإسلام" ذهب إلى أنّ شيوخ ابن عبد البرّ لا يبلغون سبعين نفسًا، إلّا أنّ بعض (٢) من تتبع شيوخ ابن عبد البرّ الذين أخذ عنهم، واستقصاهم من خلال كتب التراجم المختلفة أوصلهم إلى نحو مائة شيخ أو يزيدون.
كما نقل فيه عن بعض شيوخه أنّ ابن عبد البرّ كان في أوّل زمانه ظاهريّ المذهب مدّة طويلة، ثمّ رجع عن ذلك إلى القول بالقياس من غير تقليد أحد، إلّا أنّه كان كثيرًا ما يميل إلى مذهب الشافعي ﵀.
стр. 32
وليس في كتب الذهبي الأخرى من البيان أكثر ممّا أمكن استفادته من كتاب "السير"، و"تاريخ الإسلام"، وإنّما إيجاز وإشارات فحسب.
ثمّ ترجم لابن عبد البرّ من المتأخّرين - على غير سبيل الحصر لهم - ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" من غير إضافات يشار إليها.
ثم صديق حسن خان (١) في كتابه "التاج المكلّل"؛ ثمّ محمّد مخلوف في "شجرة النور الزكية" من غير إضافة ما يذكر.
ثمّ محمّد بن الحسن الحجوي (٢) في كتابه "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" (٣) ذاكرًا ما قاله ابن عبد البرّ راثيًا نفسه قبل موته:
تذكّرت من يبكي على مداومًا ... فلم ألف إلّا العلم بالدين والخبر
علوم كتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله في صحّة الأثر
ولم الألى قرْن فقرن وفهم ما ... له اختلفوا في العلم بالرأي والنظر
стр. 33
كما أفرد ابنَ عبد البرّ بالدراسة كثير من المعاصرين في رسائل أكادمية وفي أبحاث مستقلّة، تدلّ عناوينها على الجوانب المقصودة بالبيان فيها، والمراد إبرازها في شخص هذا العالم الفذّ، ومن هؤلاء:
• ليث سعود جاسم، في كتاب: "ابن عبد البرّ الأندلسي وجهوده في التاريخ" (١).
• سليمان بن صالح بن عبد العزيز الغصن، في كتاب: "عقيدة الإمام ابن عبد البرّ في التوحيد والإيمان - عرضًا ودراسة - " (٢).
• الدكتور محمّد عبد ربّ النبيّ، في رسالة دكتوراه عنوانها: "منهج ابن عبد البرّ في الجرح والتعديل من خلال كتابه (التمهيد) " (٣).
• الصادق بن الصادق الأنصاري، في رسالة ماجستير عنوانها: "ابن عبد البرّ النمري محدّثًا" (٤).
• إسماعيل الندوي، في رسالة ماجستير عنوانها: "ابن عبد البرّ وجهوده في الحديث والفقه" (٥).
• محمّد بن يعيش، في دراسة عنوانها: "الإمام أبو عمر بن عبد البر: حياته،
стр. 34
آثاره، ومنهجه في فقه السنّة" (١).
• مقال للدكتور فؤاد عبد اللطيف عثمان، بعنوان: "مقارنة بين منهج ابن قدامة المقدسي ومنهجي ابن عبد البرّ وابن حزم في العقيدة والفقه".
стр. 35
المبحث الثاني اسم الحافظ ابن عبد البرّ، ونسبه، وكنيته، ومولده
المطلب الأول: اسم الحافظ ابن عبد البّر ونسبه، وكنيته
هو: جمال الدين يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ بن عاصم النّمري القرطبي، كنيته أبو عمر.
نسبته إلى قبيلة النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة ابن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان من قبائل العرب الأصيلة.
قال ابن عبد البرّ: "الذي عليه جماعة أهل العلم بالأنساب أنّ النمر بن قاسط في ربيعة" (١).
المطلب الثاني: مولد الحافظ ابن عبد البرّ
ولد الحافظ ابن عبد البرّ - على أصحّ الأقوال في تاريخ ولادته وأرجحها (٢) - وقت خطبة الجمعة من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة من الهجرة النبوية المباركة.
стр. 36
نقله الطاهر بن مفوّز عن ابن عبد البرّ نفسه من تأريخ والده لهذه الولادة، قال: "أرانيه - أي ابن عبد البر - بخطّ أبيه" (١).
стр. 37
المبحث الثالث نشأة الحافظ ابن عبد البرّ العلمية ورحلته
المطلب الأول: نشأة الحافظ ابن عبد البرّ العلمية
ينتسب الحافظ ابن عبد البرّ إلى أسرة علم ودين وزهد، هيّأت له كلّ ما يعينه على طلب العلم، فكان لوالده الإسهام في الحياة العلمية في قرطبة، وكان معروفًا بمكارم الأخلاق وحسن التديّن والورع والتقوى والسمت الحسن، كما كان لجدّه مشاركة في علوم شرعية مع ما كان يغلب عليه من العبادة والتهجّد والزهد.
ففي وسط بيئة يغمرها العلم والتديُّن تربّى أبو عمر ابن عبد البرّ، وفي كنفها
نشأ نشأة طيّبة مستقيمة، توّاقة إلى حبّ العلم والمعرفة، وتحت رعاية والده نال تعاليمه
الأولى على ما هو عادة الأسر العلمية في الأندلس في ذلك الزمن (١)، والمنهج المسطور:
أن يبدأ الطالب بحفظ كتاب الله وتفهُّمه، وأن يحفظ كلّ ما يعين على فهمه، ويتدرّج في أخذ العلوم، الأولى فالأولى ما يساعده على تنمية قدراته الذهنية ومواهبه الفكرية حتّى تكتمل بنيَتُه ويطير بجناحيه.
стр. 38
ودرس على عدد كبير من علماء قرطبة، وسمع من شيوخها الأعلامِ الفقهَ والحديث واللغة والتاريخ والأدب، حتّى استقلّ في العلم، وأصبح مِمّن يُعتدُّ بقوله فيه.
المطلب الثاني: رحلات الحافظ ابن عبد البرّ العلمية
لم يظهر لي فيما قرأت في المصادر التي ترجمت للحافظ ابن عبد البرّ السببُ الثابتُ المتّفقُ عليه من عدم خروجه من الأندلس طلبًا للعلم وعدم ارتحاله لأجل ذلك على ما هو دأب العلماء وشأنهم في الرحلة لطلب العلم، إلّا أنه يذكر له كثرة انتقاله في أرجاء شبه الجزيرة الأندلسية شرقًا وغربًا، وسكناه لكثير من مدنها.
ولعلّ سبب عدم خروجه يكمن في استغناء الحافظ ابن عبد البرّ بما وجد من كثرة العلماء ووفرتهم في بلاد الأندلس وخاصّة في مدينة قرطبة، وما شهدته تلك البلاد من نهضة علمية وثقافية عمّت جميع نواحي الحياة، فإنّه عاش في زمن شهد نشاطًا فكريًّا متميَزًا، ساعد عليه ما اهتمّ به الخلفاء من إجلال العلماء، وتقريبهم لهم، وتكريمهم، ورفع منازلهم، وتشجيعهم على التصنيف، وما اعتنوا به - أيضًا - من جمع الكتب من سائر الأقطار الإسلامية وعلى وجه الخصوص بلاد المشرق (١).
وأمّا فيما يتعلّق بتنقّل ابن عبد البرّ داخل الأندلس، فإنّه يسجّل له رحلات قيل إنّ من أسبابها الأحوال السياسية التي كانت سائدة آنذاك في قرطبة وغيرها من مدن الأندلس، وما آل إليه الوضع من كثرة الفتن والقتل والنهب والسلب، وما أدّى إليه
стр. 39
ذلك من الهرج وعدم استقرار أحوال الناس (١).
وقد كان لهذه التنقّلات في أنحاء البلاد الأندلسية الأثر البالغ في تكوين شخصية ابن عبد البرّ العلمية، ووفرة علومه.
ولمّا بلغ مبلغ الأكابر إنصات به الزمان، واشتهر اسمه بين الأعلام، وسارت بمصنّفاته الركبان، والله يوفِّق من يريد به خيرًا إلى طاعته وحملِ جزء من رسالته.
стр. 40
المبحث الرابع شيوخ ابن عبد البرّ وتلاميذه
المطلب الأول: شيوخ الحافظ ابن عبد البرّ
لم يمنع ابنَ عبد البرّ عدمُ ارتحاله خارج الأندلس طلبًا للعلم من لقيِّ كثير من العلماء الأعلام الأندلسيين وغير الأندلسيين الوافدين إلى الأندلس، وكذا مراسلة آخرين في أقاليم مختلفة (١).
ومن أشهر شيوخ ابن عبد البرّ:
١ - أبو عمر، أحمد بن عبد الملك بن هاشم الإشبيلي، المعروف بابن المكوي (٣٢٤ - ٤٠١) (٢):
من علماء قرطبة الكبار، وإليه انتهت رئاسة العلم بها في وقته، كان حافظًا للفقه بارعًا فيه، مفتيًا متقنًا، مُقدَّمًا في ذلك على جميع أهل عصره، وكان متينًا في دينه، صلبًا في رأيه، يبتعد عن هوى نفسه، قائلًا بالحقّ عاملًا به.