نقله الطاهر بن مفوّز عن ابن عبد البرّ نفسه من تأريخ والده لهذه الولادة، قال: "أرانيه - أي ابن عبد البر - بخطّ أبيه" (١).
стр. 37
المبحث الثالث نشأة الحافظ ابن عبد البرّ العلمية ورحلته
المطلب الأول: نشأة الحافظ ابن عبد البرّ العلمية
ينتسب الحافظ ابن عبد البرّ إلى أسرة علم ودين وزهد، هيّأت له كلّ ما يعينه على طلب العلم، فكان لوالده الإسهام في الحياة العلمية في قرطبة، وكان معروفًا بمكارم الأخلاق وحسن التديّن والورع والتقوى والسمت الحسن، كما كان لجدّه مشاركة في علوم شرعية مع ما كان يغلب عليه من العبادة والتهجّد والزهد.
ففي وسط بيئة يغمرها العلم والتديُّن تربّى أبو عمر ابن عبد البرّ، وفي كنفها
نشأ نشأة طيّبة مستقيمة، توّاقة إلى حبّ العلم والمعرفة، وتحت رعاية والده نال تعاليمه
الأولى على ما هو عادة الأسر العلمية في الأندلس في ذلك الزمن (١)، والمنهج المسطور:
أن يبدأ الطالب بحفظ كتاب الله وتفهُّمه، وأن يحفظ كلّ ما يعين على فهمه، ويتدرّج في أخذ العلوم، الأولى فالأولى ما يساعده على تنمية قدراته الذهنية ومواهبه الفكرية حتّى تكتمل بنيَتُه ويطير بجناحيه.
стр. 38
ودرس على عدد كبير من علماء قرطبة، وسمع من شيوخها الأعلامِ الفقهَ والحديث واللغة والتاريخ والأدب، حتّى استقلّ في العلم، وأصبح مِمّن يُعتدُّ بقوله فيه.
المطلب الثاني: رحلات الحافظ ابن عبد البرّ العلمية
لم يظهر لي فيما قرأت في المصادر التي ترجمت للحافظ ابن عبد البرّ السببُ الثابتُ المتّفقُ عليه من عدم خروجه من الأندلس طلبًا للعلم وعدم ارتحاله لأجل ذلك على ما هو دأب العلماء وشأنهم في الرحلة لطلب العلم، إلّا أنه يذكر له كثرة انتقاله في أرجاء شبه الجزيرة الأندلسية شرقًا وغربًا، وسكناه لكثير من مدنها.
ولعلّ سبب عدم خروجه يكمن في استغناء الحافظ ابن عبد البرّ بما وجد من كثرة العلماء ووفرتهم في بلاد الأندلس وخاصّة في مدينة قرطبة، وما شهدته تلك البلاد من نهضة علمية وثقافية عمّت جميع نواحي الحياة، فإنّه عاش في زمن شهد نشاطًا فكريًّا متميَزًا، ساعد عليه ما اهتمّ به الخلفاء من إجلال العلماء، وتقريبهم لهم، وتكريمهم، ورفع منازلهم، وتشجيعهم على التصنيف، وما اعتنوا به - أيضًا - من جمع الكتب من سائر الأقطار الإسلامية وعلى وجه الخصوص بلاد المشرق (١).
وأمّا فيما يتعلّق بتنقّل ابن عبد البرّ داخل الأندلس، فإنّه يسجّل له رحلات قيل إنّ من أسبابها الأحوال السياسية التي كانت سائدة آنذاك في قرطبة وغيرها من مدن الأندلس، وما آل إليه الوضع من كثرة الفتن والقتل والنهب والسلب، وما أدّى إليه
стр. 39
ذلك من الهرج وعدم استقرار أحوال الناس (١).
وقد كان لهذه التنقّلات في أنحاء البلاد الأندلسية الأثر البالغ في تكوين شخصية ابن عبد البرّ العلمية، ووفرة علومه.
ولمّا بلغ مبلغ الأكابر إنصات به الزمان، واشتهر اسمه بين الأعلام، وسارت بمصنّفاته الركبان، والله يوفِّق من يريد به خيرًا إلى طاعته وحملِ جزء من رسالته.
стр. 40
المبحث الرابع شيوخ ابن عبد البرّ وتلاميذه
المطلب الأول: شيوخ الحافظ ابن عبد البرّ
لم يمنع ابنَ عبد البرّ عدمُ ارتحاله خارج الأندلس طلبًا للعلم من لقيِّ كثير من العلماء الأعلام الأندلسيين وغير الأندلسيين الوافدين إلى الأندلس، وكذا مراسلة آخرين في أقاليم مختلفة (١).
ومن أشهر شيوخ ابن عبد البرّ:
١ - أبو عمر، أحمد بن عبد الملك بن هاشم الإشبيلي، المعروف بابن المكوي (٣٢٤ - ٤٠١) (٢):
من علماء قرطبة الكبار، وإليه انتهت رئاسة العلم بها في وقته، كان حافظًا للفقه بارعًا فيه، مفتيًا متقنًا، مُقدَّمًا في ذلك على جميع أهل عصره، وكان متينًا في دينه، صلبًا في رأيه، يبتعد عن هوى نفسه، قائلًا بالحقّ عاملًا به.
стр. 41
٢ - خلف بن قاسم بن سهل، المعروف بابن الدباغ وبسهلون (٣٢٥ - ٣٩٣) (١):
المحدّث المكثر، كان ابن عبد البرّ لا يُقدَّم أحدًا عليه، وقال عنه: "أمّا خلف ابن القاسم بن سهل الحافظ، فشيخ لنا وشيخ لشيوخنا أبي الوليد ابن الفرضي وغيره، كتب بالمشرق عن نحو ثلاثمائة رجل، وكان من أعلم الناس برجال الحديث وأكتبهم له، أجمعهم لذلك وللتواريخ والتفاسير ... ، وهو محُدِّث الأندلس في وقته" (٢).
٣ - أبو عمر، أحمد بن عبد الله بن محمّد الباجي (٣٣٢ - ٣٩٦) (٣):
قال فيه ابن عبد البر: "كان أبو عمر الباجي إمام عصره، وفقيه زمانه، جمع الحديث والرأي والسمت الحسن، والهدى والفضل، ولم أر بقرطبة ولا بغيرها من كور الأندلس رجلًا يقاس به في علمه بأصول الدين وفروعه، كان يذاكر بالفقه، ويذاكر بالحديث والرجال (٤).
٤ - أبو عمر، أحمد بن محمّد بن عبد الله المقرئ الطلمنكي (٣٤٠ - ٤٢٩) (٥):
أحد الأئمّة، عالم بالقرآن العظيم، قراءته وإعرابه وأحكامه، وناسخه ومنسوخه، ومعانيه؛ وله اعتناء بالحديث والسنن حفظًا ودرايةً؛ وكان عارفًا بأصول الديانات، مقدَّمًا في ذلك كلِّه معرفة وفهمًا، على هدى وسنّة واستقامة.
стр. 42
٥ - أبو المطرف، عبد الرحمن بن محمّد بن عيسى بن فطيس (٣٤٨ - ٤٠٢) (١):
كان من جهابذة المحدِّثين، ومن كبار العلماء المسندين، حافظًا للحديث وعلله، منسوبًا إلى فهمه وإتقانه، عارفًا بأسماء رجاله ونقلته، جمع من الكتب في أنواع العلم ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس، مع سعة الرواية والحفظ والدراية.
ومن جلّة شيوخ ابن عبد البرّ أيضًا (٢):
١ - إبراهيم بن محمّد بن زكريا الزهري الأفليلي (٣٥٢ - ٤٤١) (٣).
٢ - أبو العباس أحمد بن سعيد، المعروف بابن الحصار (ت ٣٩٢) (٤).
٣ - أحمد بن عمر بن لهات العذري المري، المعروف بابن الدلائي (٣٩٣ - ٤٧٨) (٥).
٤ - أحمد بن عمر بن عبد الله بن عصفور الخضرمي الإشبيلي (٣٣٨ - ٤١٠) (٦).
٥ - أحمد بن فتح بن علي يوسف المعافري، المعروف بابن الرسان (٣١٣ - ٤٠٣) (٧)
٦ - أبو الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التاهرتي البزاز (٣٠٩ - ٣٩٥) (٨).
٧ - أبو العبّاس أحمد بن قاسم بن عيسى اللخمي الإقليشي المقرئ (٣٦٣ - ٤١٠) (٩).
стр. 43
٨ - أبو بكر أحمد بن مطرف، المعروف بابن الخطّاب (ت ٤١٠) (١).
٩ - أبو على الحسين بن عبد الله بن حسين اليماني (٣٢٦ - ٤٢١) (٢).
١٠ - حكم بن منذر بن سعيد بن عبد الله بن نجيح (ت ٤٢٠) (٣).
١١ - خلف بن سعيد بن أحمد الإشبيلي، المعروف بابن المنفوخ (تبعد ٤٠٣) (٤).
١٢ - سلمة بن سعيد الأستجي (٣٢٧ - ٤٠٦) (٥).
١٣ - أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الباجي (٤٠٣ - ٤٧٤) (٦).
١٤ - سهيل بن إبراهيم بن سهل بن نوح، المعروف بابن العطار (ت ٣٨٧) (٧).
١٥ - أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي اللغوي (ت ٤١٧) (٨).
١٦ - أبو بكر عباس بن أصبغ بن عبد العزيز بن غصن الهمداني، المعروف بالحجازي (٣٠٦ - ٣٨٦) (٩).
стр. 44
١٧ - عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن مسافر الهمداني ابن الخراز البجاني الوهراني (٣٣٨ - ٤١١) (١).
١٨ - أبو الوليد عبد الله بن محمّد بن يوسف بن نصر الأزدي، المعروف بابن الفرضي (٣٥١ - ٤٠٣) (٢).
١٩ - أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان بن جبرون، المعروف بالحبيب (٣١٧ - ٣٩٥) (٣).
٢٠ - أبو نصر محمّد بن إبراهيم البغدادي الشافعي، المعروف بالمهدي (٤).
٢١ - محمّد بن إبراهيم بن سعيد بن أبي القراميد (٥).
٢٢ - أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن عبيد الله بن محمود البجاني (٦).
٢٣ - أبو بكر محمّد بن إبراهيم بن مصعب الأشعري، المعروف بابن أبي مقنع (٧).
٢٤ - محمّد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين الإلبيري (٣٢٤ - ٣٩٩) (٨).
стр. 45
٢٥ - أبو نصر هارون بن موسى بن جندل القيسي الأديب (ت ٤٣٠) (١).
٢٦ - أبو بكر وسيم بن أحمد بن محمّد الأموي، المعروف بالخنتمي (٣٤٥ - ٤٠٤) (٢).
٢٧ - أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن، المعروف بابن وجه الجنة (٣٠٤ - ٤٠٢) (٣).
المطلب الثاني: تلاميذ الحافظ ابن عبد البرّ
وأمّا تلاميذ الحافظ ابن عبد البرّ فهم كثرة لا تكاد تحصى، وأظهر الأسباب لذلك علوُّ سنده إذ إنّه لقي كثيرًا من الأكابر الذين رووا العلم في وقته، وجمع عنهم مؤلّفاتهم ومؤلّفات مَن سبقهم مِن المشايخ الكبار، حتى صار من أعلم الناس، بل أعلمهم بالسنن والآثار واختلاف علماء الأمصار ببلده؛ واتصافُه بالاطّلاع وقوة الحفظ، والإتقان، وعلوّ الهمّة، كلُّ هذا جعل الناس يرحلون إليه من أرجاء مختلفة وآفاق متباعدة طلبًا للزيادة في المعرفة والعلوّ في الإسناد، ثمّ إنّه قد طال عمره وتجوّل كثيرًا بأرض الأندلس فتكاثر عليه الطلّاب، وزاد عددهم حتّى فاق كلّ إحصاء.
ومصادر ترجمته تذكر لنا كثيرًا من العلماء، والقضاة، والرواة، الذين سمعوا من حافظ المغرب، أو حضروا دروسه، أو رووا كتبه، نذكر منهم طائفة:
١ - أبو جعفر، أحمد بن محمّد بن رزق الأموي القرطبي (٤٢٧ - ٤٧٧) (١):
стр. 46
كان فقيهًا حافظًا للرأي مقدَّمًا فيه، ذاكرًا للمسائل، بصيرًا بالنوازل، عارفًا بالفتوى، وكان مدار طلبة الفقه بقرطبة عليه في المناظرة والمدارسة، وكان فاضلًا دينًا متواضعًا، حليمًا، على هدى واستقامة.
٢ - أبو على، حسين بن محمّد بن أحمد الغساني الجياني (٤٢٧ - ٤٩٨) (٢):
أحد جهابذة المحدّثين، وكبار العلماء المسندين، بلغ رتبة رئيس المحدّثين بقرطبة في وقته، لم يكن في عصره أضبط منه، وكان له بصر باللغة والإعراب، والمعرفة بالغريب، والشعر، والأنساب.
له من المصنّفات: "تقييد المهمل وتمييز المشكل من الأسماء والكنى والأنساب مما ذكر في الصحيحين" في رجال الصحيحين مرتّبًا على حروف المعجم، "مختصر تاريخ ابن الفرضي"، "الكنى والألقاب" وغيرها.
٣ - أبو محمّد، عبد الرحمن بن محمّد بن عتاب بن محسن القرطبي (٤٣٣ - ٥٢٠) (٣):
كان يحفظ القرآن الكريم، كثير التلاوة له، عارفًا برواياته وطرقه، واقفًا على كثير من تفسيره وغريبه ومعانيه، وكان مدار أصحاب الحديث عليه لثقته وجلالته، وعلوّ إسناده وصحّة كتبه، وهو آخر الشيوخ الجلة الكبار بالأندلس في علوّ الإسناد وسعة الرواية.
٤ - أبو الحسن طاهر بن مفوز بن أحمد الشاطبي المعافري (٤٢٣ - ٤٨٤) (٤):
стр. 47
روى عن ابن عبد البرّ وأكثر عنه، واختصّ به، وهو أثبت الناس فيه، وكان من أهل العلم، مقدّمًا في المعرفة والفهم، عني بالحديث العناية الكاملة، واشتهر بحفظه وإتقانه وذكائه، وكان جيّد الحفظ، بارعًا في الفقه، مع الفضل والصلاح والورع والتواضع.
٥ - أبو محمّد، على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (٣٨٤ - ٤٥٦) (١):
عالم الأندلس وأجمعهم قاطبة لعلوم الإسلام، وإمام أهل الظاهر في عصره، أحد أعلام الأدب والفقه والحديث، عارفًا بطرق الاستنباط مجتهدًا فيها، صاحب المصنّفات الكثيرة منها: "المحلى بالآثار" في الحديث والفقه، و"النبذ" و"الإحكام في أصول الأحكام" في أصول الفقه، و"طوق الحمامة" في الأدب، وغيرها من المؤلّفات الكثيرة.
٦ - أبو عبد الله، محمد بن أبي نصر فتوح الأزدي الحميدي (٤٢٠ - ٤٨٨) (٢):
العالم الفقيه، والمحدّث الحافظ، كان إمامًا مقدّمًا في الحفظ والإتقان، عارفًا بعلل الحديث ومتونه ورواته، محقِّقًا في علم الأصول على مذهب أصحاب الحديث، متبحِّرًا في علم الأدب والعربية، له من الكتب: "جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس وأسماء رواة الحديث والأدب"، "الجمع بين الصحيحين".
стр. 48
ومن تلاميذه أيضًا:
١ - أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن جبرون (١).
٢ - أبو القاسم الحسن بن عمر الهوزاني (٤٣٥ - ٥١٢) (٢).
٣ - أبو الحسن خليص بن عبد الله العبدري (ت ٥١٣) (٣).
٤ - أبو بحر سفيان بن العاص بن أحمد الأسدي (٤٤٠ - ٥٢٠) (٤).
٥ - أبو داود سليمان بن أبي القاسم نجاح المقرئ (٤١٣ - ٤٩٦) (٥).
٦ - أبو محمّد عبد الجبار بن سليمان بن أبي قحافة الأنصاري (٦).
٧ - أبو المطرف عبد الرحمن بن خلف بن موسى بن أبي تليد (ت ٤٧٤) (٧).
٨ - عبد الرحمن بن عبد العزيز بن ثابت الخطيب الشاطبي (٤٤٦ - ٥٠٩) (٨).
٩ - أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن أحمد بن العربي (٩).
١٠ - أبو عبد الله محمّد بن علي بن فتوح الأنصاري (ت ٤٩٨) (١).
стр. 49
١١ - أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد (٤٤٤ - ٥١٧) (٢).
١٢ - أبو الحجاج يوسف بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الأنصاري (ت ٥٥٠) (٣).
١٣ - أبو الوليد يونس بن أحمد الأزدي، المعروف بابن شوقة (ت ٤٧٤) (٤).
стр. 50
المبحث الخامس ثناء العلماء على الحافظ ابن عبد البرّ ومكانته العلمية
نال الحافظ ابن عبد البرّ الثناء الحسن من علماء زمانه، من أقرانه وشيوخه وتلاميذه، وكبار المترجِمين له والناقلين عنه، بما يدلّ على علوّ شأنه وسموّ رتبته، وما يدلّ على ما ناله من المكانة العالية في العلم حفظًا وفهمًا، وإتقانًا ودرايةً، وهو أهل لذلك، ومن كلام العلماء فيه:
• قول الحميدي: "أبو عمر، فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف في الفقه، وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع ... " (١).
• وقال أبو الحسن الغساني: "سمعت أبا عمر بن عبد البرّ يقول: "لم يكن أحد ببلدنا في الحديث مثل قاسم بن محمّد (٢)، وأحمد بن خالد الجباب (٣) "، وأنا أقول إن
стр. 51
شاء الله: إنّ أبا عمر لم يكن بدونهما، ولا متخلّفًا عنهما، ... وأبو عمر شيخنا، ... طلب وتفقّه، ... ودأب أبو عمر في طلب الحديث، وافتن فيه، وبرع براعة فاق بها من تقدّمه من رجال الأندلس" (١).
• قال أبو محمّد بن حزم: "وممّن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحقّ الاعتداد به في الاختلاف ... يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ النمري" (٢).
• وقال عنه الإمام أبو الوليد الباجي: "لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر ابن عبد البرّ في الحديث" (٣)، "أبو عمر أحفظ أهل المغرب" (٤).
• وقال ابن بشكوال: "وكان مع تقدّمه في علم الأثر، وبصره بالفقه ومعاني الحديث، له بسطة كبيرة في علم النسب والخبر" (٥).
• وقال ابن خاقان في "مطمح الأنفس": "الفقيه الإمام العالم الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البرّ، إمام الأندلس وعالمها الذي التاحت به معالمها، صحح المتن والسند، وميّز المرسل من المسند، وفرق بين الموصول والقاطع، وكسا الملّة منه نور ساطع، حصر الرواة، وأحصى الضعفاء منهم والثقات، وجدّ في تصحيح
стр. 52
السقيم، وجدّد منه كالكهف والرقيم، مع معلنات العلل، وإرهاف ذلك العلل، والتنبيه والتوقيف، والإتقان والتثقيف، وشرح المقفل، واستدراك الغفل، وله فنون هي للشريعة رتاج، وفي مفرق الملّة تاج، أهرت للحديث ضُبًى، وفرعت لمعرفته رُبى، وهبت لتفهمه شمال وصَبا، وشفّت منه وصبا، وكان ثقة، والأنفس على تفضيله متّفقة، وأمّا أدبه فلا تعبر لجُّته، ولا تدحض حجّته، وله شعر لم نجد منه ما نفث به أنفة، وأوصى فيه عن معرفة ... " (١).
• وجاء في كتاب "المغرب": "إمام الأندلس في علم الشريعة ورواية الحديث ... ، وحافظها الذي حاز خصل السبق واستولى على غاية الأمد" (٢).
• وذكر صاحب "مرآة الجنان" من الثناء عليه أنه: "ليس لأهل المغرب أحفظ منه مع الثقة والدين والنزاهة والتبحّر في الفقه والعربية والأخبار" (٣).
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية إنّه: "إمام أهل المغرب" (٤)، وهو: "من أعلم الناس بالآثار والتمييز بين صحيحها وسقيمها" (٥).
• وقال الإمام الذهبي فيه: "لقد كان أبو عمر من بحور العلم، ومن أئمّة الأثر، قلّ أن ترى العيون مثله ... ، واشتهر فضله في الأقطار" (٦).
هذا بعض ما قيل في الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى.
стр. 53
المبحث السادس مصنّفات الحافظ ابن عبد البرّ وآثاره
" كان - ابن عبد البرّ - موفّقًا في التأليف معانًا عليه" (١)، "فجمع وصنّف، وضعّف ووثّق، وسارت بتصانيفه الركبان" (٢)، له كتب لا مثيل لها، وُصِفت بأنّها: "تيجان رؤوس العظماء وأسوة العلم والعلماء" (٣)، كيف لا وهو الذي جمع الفنون الكثيرة، وتكلّم في كلّها بقوّة وتحقيق.
ولذا فإنّه كان أمنية بعض العلماء الارتحال إليه، بل الارتحال إلى تلاميذه للأخذ عنهم ما رووه من العلم عن شيخهم ابن عبد البرّ.
فهذا الحافظ الذي طار اسمه في الآفاق أبو طاهر السِّلَفِي (٤) كان في نيّته اختراق
стр. 54
بلاد المغرب والأندلس للأخذ عن أصحاب أبي عمر بن عبد البر، ...
وأثنى أبو طاهر على ابن عبد البرّ ومؤلّفاته بقوله:
يا من يسافر في الحديث مشرّقا ... ومغرّبا في البحر بعدَ البر
ما أن يرى أبدا لكتب صاغها ... بالغرب حافظها ابن عبد البر (١)
"فمن نظر إلى مصنّفاته بأن له مَنْزلته من سعة العلم وقوّة الفهم" (٢)، ومن نظر إلى آثاره أغنته عن أخباره (٣).
المطلب الأوّل: المصنفات في علم القراءات
١ - الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمر بن العلاء بتوجيه ما اختلفا فيه (٤)، لم أعثر عليه.
٢ - التجويد والمدخل إلى علم القرآن بالتحديد (٥)، لم أعثر عليه.
٣ - البيان عن تلاوة القرآن (٦)، لم أعثر عليه.
المطلب الثاني: المصنفات في الحديث وعلومه
١ - التمهيد لما في الموطّأ من المعاني والأسانيد (٧)، مطبوع.
стр. 55
٢ - التقصّي لحديث الموطّأ وشيوخ مالك (ويسمى: تجريد التمهيد) (١)، مطبوع.
٣ - الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصارَ مِمّا رسمه مالك في موطّئه من الآثار (٢)، مطبوع.
٤ - الزيادات التي لم تقع في الموطّأ عن يحيى بن يحيى عن مالك ورواه غيره في الموطّأ (٣)، غير مطبوع.
٥ - الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري، وهو المعنى بالدراسة والتحقيق في هذا البحث، وسيأتي تفصيل الكلام فيه.
٦ - الاستظهار في طرق حديث عمار (٤)، لم أعثر عليه.
٧ - اختصار كتاب التمييز (٥)، لم أعثر عليه.
٨ - التغطا بحديث الموطّأ (٦)، لم أعثر عليه.
٩ - الشواهد في إثبات خبر الواحد (٧)، لم أعثر عليه.
١٠ - عوالي ابن عبد البرّ في الحديث (٨)، لم أعثر عليه.
стр. 56
١١ - وصل ما في الموطّأ من المرسل والمنقطع والمعضل (١)، لم أعثر عليه.
١٢ - منظومة في السنة (٢)، لم أعثر عليه.
١٣ - مسند ابن عبد البر (٣)، لم أعثر عليه.
المطلب الثالث: المصنِّفات في الفقه
١ - الكافي في فروع المالكية (٤)، مطبوع.
٢ - الإنصاف فيما بين المختلفين في "بسم الله الرحمن الرحيم" في فاتحة الكتاب من الاختلاف (٥)، مطبوع.
٣ - اختلاف أصحاب مالك بن أنس واختلاف روايتهم عنه (٦)، طبع هذه السنة (٢٠٠٣ م) في دار الغرب الإسلامي، بعنوان اختلاف أقوال مالك وأصحابه، تحقيق كلّ من: حميد محمّد لحمر، وميكلوش موراني، حقّقاه معتمدين على النسخة الفريدة منه المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط، برقم: ٣٣٦٩ ك.
٤ - الإشراف على ما في أصول الفرائض من الإجماع والاختلاف (٧)، لم أعثر عليه.
стр. 57
المطلب الرابع: المصنِّفات في التاريخ والسير
١ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب (١)، مطبوع.
٢ - الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء (٢)، مطبوع.
٣ - الإنباه على قبائل الرواة (٣)، مطبوع.
٤ - الدرر في اختصار المغازي والسير (٤)، مطبوع.
٥ - القصد والأمم في معرفة أنساب العرب والعجم (٥)، مطبوع.
٦ - الاستغناء في أسماء المشهورين من حملة العلم بالكنى (٦)، مطبوع.
٧ - اختصار تاريخ أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي (٢٨٤ - ٣٥٠ (٧)، لم أعثر عليه.
٨ - كتاب في أخبار القضاة (٨)، لم أعثر عليه.
стр. 58
٩ - فهرست الحافظ ابن عبد البر (١)، لم أعثر عليه.
١٠ - محن العلماء (٢)، لم أعثر عليه.
١١ - رسالة في تسمية فقهاء الأمصار، مخطوط، أجاب الحافظ ابن عبد البر فيها من سأله عن ذلك، محفوظة بجامعة ليبزج بألمانيا برقم: مجموع (٨٨/ ب - ٩٨/ ب).
١٢ - رسالة أخرى بعنوان: تعريف فقهاء المالكية، مخطوط، محفوظة بمكتبة فيض الله أفندي، برقم: (٢١٦٩)، تقع في سبع ورقات، والظاهر من وصف الرسالتين في الفهارس أنهما مختلفتان.
المطلب الخامس: المصنّفات في الأدب والأخلاق والتوحيد
١ - بهجة المجالس وأنس المجالس وشحذ الذاهن والهاجس (٣)، مطبوع.
٢ - جامع بيان العلم وما ينبغي من روايته وحمله (٤)، مطبوع.
٣ - الاهتبال بما في شعر أبي العتاهية من الحكم والأمثال (٥)، مخطوط، لم تذكر
стр. 59
الفهارس غير نسخة وحيدة منه، محفوظة بمكتبة عارف حكمت، الملحقة بمكتبة الملك
عبد العزيز بالمدينة.
٤ - البستان في الإخوان (١)، لم أعثر عليه.
٥ - العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم عن العلماء والحكماء (٢)، لم أعثر عليه.
стр. 60
المبحث السابع وفاة الحافظ ابن عبد البرّ
أدرَكَت الحافظ ابن عبد البرّ المنية في مدينة شاطبة ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ثلاث وستّين وأربعمائة (٤٦٣)، عن خمس وتسعين سنة وخمسة أيّام ﵀ وأنزله منازل المكرمين من عباده الصالحين، آمين.
стр. 61
الفصل الثاني دراسة عن "كتاب الأجوبة عن المسائل المستغربة "
وفيه مبحثان:
المبحث الأوّل: اختيارات ابن عبد البرّ العلمية في كتاب "الأجوبة"
المبحث الثاني: الكلام على النسخة المعتمدة في التحقيق
стр. 62
المبحث الأوّل اختيارات ابن عبد البرّ العلمية في كتاب "الأجوبة "
المطلب الأوّل: التفسير
- قال (ص ١٩٤) في توجيه معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: "يجوز أن يكون معناه: وما أنت بمستجيب لك من في القبور، وكذلك هؤلاء لا يستجيبون، وأنّهم كَهُمْ في عدم الاستجابة، ولا عليك أن يجيبوا، إنّما عليك أن تسمعهم وتبلّغهم، إنّما أنت نذير، فهذا معنى قوله والله أعلم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٢، ٢٣] ".
المطلب الثاني: الحديث
الفقرة الأولى: الكلام على معاني الأحاديث:
١ - ذهب ﵀ (ص ٩٧) إلى معنى قوله ﷺ : "اللهمّ إنّ إبراهيم حرّم مكّة، وإنّي أحرّم ما بين لابتيها" ليس على ظاهره، ووجّهه بأنّ المقصود أنّ إبراهيم أَعْلَم بتحريم مكّة، لا أنّه هو المنشئ للتحريم أوّلاً، فقال ﵀ بعد سوق الحديث: "ليس على ظاهره، وهو حديث رواه مالك عن عمرو ابن أبي عمرو عن أنس ... ومعناه عندي والله أعلم: أنّ إبراهيم ﵇ أعلم بتحريم مكّة، وعُلِم أنّها حرام بإخباره، فكانّه حرّمها، إذ لم يعرف تحريمها أوّلاً في زمانه إلاّ على لسانه".
стр. 63
٢ - ذكر (ص ١٩٩) حديث عقبة بن عامر: "أنّ رسول الله ﷺ خرج يومًا فصلّى على أهل أحد صلاته على الميّت".
وحمل معناه على أن المقصود بالصلاة هنا الدعاء، لا الصلاة المعهودة، فقال: "وهذا عندي - والله أعلم - يحتمل أن يكون خرج إليهم فدعا لهم بالرحمة والمغفرة، كما يدعى للميّت، و"الصلاة" في اللغة: "الدعاء"".
الفقرة الثانية: الأحكام على الأحاديث:
١ - ذهب ﵀ (ص ١٠٠) إلى توهين حديث عمرو ابن أبي عمرو عن أنس مرفوعَا: "اللهمّ إنّ إبراهيم حرّم مكّة ... "، بعد أن ساق حديث ابن عبّاس: "إنّ هذا بلد حرام، حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض ... " الحديث، فقال: "فلا وجه لمِا خالفه من الرواية على أنّها ليست بالقويّة، ولو صحّت لكان معناها ما ذكرنا"، علمًا أنّ الحديث رواه مسلم، كما هو مبيّن في موضعه من القسم المحقق.
٢ - ذهب ﵀ (ص ١٠٥) إلى تصويب رواية قتيبة بن سعيد عن الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح: أنّه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكّة لقتال عبد الله بن الزبير: " أتأذن لي، أيّها الأمير، أحدِّثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح ... " الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره، فقال ﵀: "وهذا الحديث الذي سألت عنه ذكره البخاري عن قتيبة بن سعيد عن الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح: أنّه قال لعمرو بن سعيد وذكر الحديث ... وقد روى هذا الحديث عبد الملك بن هشام عن زياد البكائي عن ابن إسحاق عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي قال: "لمّا قدم عمرو بن الزبير مكّة
стр. 64
لقتال أخيه عبد الله بن الزبير، جئته فقلت له: ما هذا؟ وذكر الحديث بكماله، فجعل مكان "عمرو بن سعيد": "عمرو بن الزبير"، كما ترى، ورواه يونس بن بكير عن محمّد بن إسحاق بإسناده فقال: "لمِّا بعث عمرو بن سعيد البعث إلى ابن الزبير دخلت عليه، وذكر الحديث، فوافق الليث على قوله: "عمرو بن سعيد"، وهو الصواب إن شاء الله تعالى".
٣ - اختياره (ص ١١٣) تضعيف حديث عمرو بن أميّة الضمري في المسح على العمامة، وحجّته عدم ثبوت ذكر العمامة في رواية معمر، وكذا رواية يونس بن يزيد عن الأوزاعي، وليس فيها ذكر العمامة، وكذا رواية جماعة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة لم يذكروا المسح على العمامة، وكذا رواية جماعة عن جعفر بن عمرو بن أميّة عن أبيه لم يذكر المسح على العمامة، وكذا رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، وروايته عن المغيرة ليس فيها ذكر العمامة، وكذا لم يذكره النسائي، وقد ذكر أبواب المسح على العمامة، وكذا أبو داود.
٤ - اختياره (ص ١٢٢) أنّ حديث بول الأعرابي أصحّ الأحاديث كلّها المنقولة عن النبيّ ﷺ في الماء من جهة الإسناد والمعنى.
٥ - وهّن ﵀ (ص ١٢٨) حديث أمِّ عطيّة بانفراد أهل البصرة به، وحكم عليه مع التسليم بصحّته بالوقف عليها، حيث قال: "على أنّ خبر أمِّ عطيّة غير لازم العمل به على كلّ حال؛ لأنّها لم تضفه إلى رسول الله ﷺ ، ولا أخبرت أنّ رسول الله ﷺ استفتي عن ذلك فأجاب بما قالته، ولا فيه أنّ رسول الله ﷺ علم بذلك".
стр. 65
٦ - توهينه (ص ١٣٨) لحديث عائشة: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين"، فقال: "فممّا يوهن هذا الحديث أنّ ظاهره يوجب قصر الصلاة فرضًا وعائشة التي جاءت به ﵂ عملت بخلافه، وعملها بخلافه مشهور عنها، ولا تحذر تعمل بخلافه إلاّ لأنَّه عندها وهم رجحت عنه، أو لمعنى يزيله عن ظاهره؛ لأنَّه خبر لا يجوز فيه النسخ".
٧ - قوله (ص ١٦٤) في حكم زيادة إسماعيل بن علية: "إلاّ الإقامة" في حديث: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"، أنّ هذه اللفظة صحيحة رواها حمّاد بن زيد وإسماعيل، وهما أثبت أصحاب أيوب، وكذا قوله عن رواية أيّوب: "هكذا رواية أيوب لهذا الحديث، وهو أثبت من كلّ من روى هذا الحديث، لا يقاس به خالد ولا غيره، وزيادة مثله مقبولة عند الجميع".
٨ - قال ﵀ (ص ١٨٣) عن حديث طلحة: "صلّيت خلف ابن عبّاس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب" الحديث، وحديث عوف بن مالك قال: "صلّيت مع رسول الله ﷺ على جنازة رجل من الأنصار، فكان ممّا حفظت: "اللهمّ اغفر له ... "" الحديث:
"وإسناد حديثه هذا - أي: طلحة - أصحّ من إسناد عوف بن مالك".
٩ - قوله (ص ١٨٨) عن حديث قتادة عن أنس عن النبيّ ﷺ الميّت إذا دفن أنّه يسمع خفق النعال ... الحديث: "إنّ حديث قتادة عن أنس هذا صحيح".
١٠ - قوله (ص ٢٠٧) عن حديث عائشة ﵂: "أُتِي رسول الله بصبيّ من صبيان الأعراب ليصلّي عليه، فقالت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنّة، لم يعمل سوء، ولم يدركه ذنب ... " الحديث: "حديث منكر".
стр. 66
وعارضه بحديث شعبة عن معاوية بن قرّة عن أبيه مرفوعًا: "أنّ رجلاً من الأنصار مات له ابن فوجد عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما يسرّك ألاّ تأتي بابًا من أبواب الجنّة إلاّ وجدته يستفتح لك"؟ فقال - أو فقيل - له: يا رسول الله؛ أَلهُ خاصّة أم للمسلمين عامّة؟ فقال: "بل للمسلمين عامّة".
١١ - ذهب المصنّف ﵀ (ص ٢٣٤) إلى ترجيح رواية يونس ابن يزيد عن ابن شهاب في حديث أبي هريرة في قصة المرأتين الهذليتين في الديات، فقال ﵀: "فأمّا حديث أبي هريرة فاختلف فيه على ابن شهاب، وقد ذكرنا ما صنع فيه مالك، وذكرت من تابعه على ذلك في كتاب "التمهيد"، وأحسنهم سياقة هنا يونس بن يزيد"، ثمّ ساق ﵀ طريق يونس تامّة.
١٢ - ذهب ﵀ (ص ٢٤٣) إلى ترجيح رواية عاصم عن ابن جريج عن عمرو ابن دينار أنه سمع طاووسًا عن ابن عبّاس عن عمر: أنّه سأل عن قصّبة النبيّ ﷺ في ذلك، فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: "كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرّة وأن تقتل"، على رواية هشام بن سليمان المخزومي عن ابن جريج بإسناده، وعلى رواية ابن عيينة عن عمرو عن طاووس مرسلًا، فلم يذكرا قتل المرأة، فقال ﵀: "تابعه حجّاج ابن محمّد، مع معرفته بابن جريج، ولو تفرّد بها أبو عاصم وجب أن تقبل؛ لأنّها زيادة على ما قصر عنه ابن عيينة وهشام بن سليمان عن ابن جريج؛ لأنّهم لم يذكروا قتل المرأة ولا ديتها، وقد ذكر أبو عاصم وحجّاج ما حذفه ابن عيينة.
стр. 67
الفقرة الثالثة: كلامه في الرواة جرحًا وتعديلًا:
١ - قال (ص ١٨٣): "إنّ طلحة هذا الذي روى عن ابن عبّاس أحد الثقات الأثبات الأشراف، وهو طلحة بن عبد الله بن عوف ابن أخي عبد الرحمن ابن عوف، يكنّى أبا محمّد".
٢ - قال ﵀ (ص ٢٠٣) عن رقبة بن مصقلة: "ورقبة بن مصقلة ثقة".
٣ - قوله (ص ٢٠٧) عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني: "وطلحة بن يحيى ضعيف، لا يحتجّ به".
٤ - قوله (ص ٢١٢) في أبي خلف ياسين بن معاذ الزيات: "ما رواه ياسين ابن معاذ الزيات وليس بالقويّ ... ".
٥ - قوله (ص ٢٢٣) في أبي الزبير محمّد بن مسلم بن تدرس المكّى: "وأبو الزبير حافظ متقن، ليس به بأس، وجمهور العلماء على الاحتجاج بحديثه وقبوله، ومن جرحه منهم لم يأت في جرحه بحجّة".
المطلب الثالث: العقيدة
الفقرة الأولى: كون الإسراء والمعراج بالروح والجسد معًا:
ذهب (ص ١٥٣) ﵀ إلى أنّ الإسراء كان بالروح والجسد معًا، فقال: "إنّ الإسراء برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثمّ إلى السماء كان وهو مستيقظ غير نائم، أسري به على حاله بجسده ﷺ ، هذا هو الصحيح عندنا"، واستدلّ على ما ذهب إليه بإنكار كفّار قريش هذا الحدث، على أنّه لو كان منامًا ما استنكروه؛ لأنّ الحالِم لا ينكر عليه ما يراه في نومه".
стр. 68
الفقرة الثانية: ثبوت سماع المقبور لقرع نعال مشيّعيه:
ذكر ﵀ (ص ١٨٨) فتنة القبر ومساءلة المقبور في معرض إثبات سماع المقبور بعد دفنه مباشرة قرع نعال مشيّعيه، قال: "وهذا لم نقله من جهة قياس ولا إعمال نظر، وإنّما قلناه اتّباعًا للآثار المتواترات المنقولة على ألسنة الجماعات الثقات الذين تناءت أوطانهم وبعدت ديارهم، واختلفت أهواؤهم، كلّهم ينقل في فتنة القبر آثارًا صحيحة من جهة النقل، لا يدفعها إلاّ مبتدع رادّ للسُّنّة".
الفقرة الثالثة: السؤال في القبر:
ذهب ﵀ (ص ١٩٢) إلى أنّ الكفّار والجاحدين يساءلون في القبر كالمسلمين والمنافقين، فقال ﵀: "وقد أخبر ﷺ أنّ المنافق هو في الدرك الأسفل من النار، يساءل عن ذلك - أي: عن ربّه ونبيّه ودينه - فغير نكير أن يساءل عن ذلك أو بعضه أو ما يشبهه من جحد بآيات الله واستمعتها نفسه من كفّار قريش وغيرهم، وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنّ اليهود تعذّب في قبورها، وسائر الكفّار في القياس مثلهم".
الفقرة الرابعة: التسليم لما جاء به الرسول ﷺ -:
ذكر ﵀ (ص ١٩٤) معنى حديث أهل القليب ووجه مخاطبة النبيّ ﷺ لهم، ثمّ قال: "ويمكن أن يكون معناه ما لا ندركه نحن، ولم نؤت من نوع هذا العلم إلاّ قليلاَ على إبانة من الله ، فإنّ ما صحّ عن رسول الله ﷺ لا تُضْرَب له الأمثال، ولا يدخل عليه المقاييس، فلا يؤمن عبد يجد حرجًا في نفسه من قضاء رسول الله ﷺ ، فهو العالم بمراد الله وبه علمنا ما علمنا".
стр. 69
الفقرة الخامسة: حكم أولاد المشركين:
ذهب ﵀ (ص ٢٠٧) إلى القول بالوقوف في مصيرهم، فلا يحكم لأولاد المشركين بجنّة ولا نار، وعزا هذا المذهب لجمهور أهل السنّة وعامّتهم، فقال ﵀:
"والذي عليه جمهور أهل السنّة وعامّتهم في أطفال المشركين الوقوف عن القطع عليهم بجنّة أو نار، واستدلّ له بحديث ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
الفقرة السادسة: مسألة في رؤيا الأنبياء هل كلّها وحي ؟
ذهب ﵀ (ص ٢٥٤) إلى تصحيح مذهب من يقول بأنّ رؤيا الأنبياء كلّها وحي، فقال ﵀: "إنّ الصحيح عندنا في هذه المسألة ما قاله ابن عبّاس: "رؤيا الأنبياء حق"، لانّه قد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنّا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا"، وما نزع به ابن عبّاس من كتاب الله قوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، فجعله مأمورًا من ربّه بما أراه في منامه، وفي الحديث المأثور في الذبيح أنّ إبليس لمّا اعترض إبراهيم في مسيره بابنه إلى الذبح قال له إبراهيم: "إنّ ربّي أمرني بذلك" ... ولا أعلم لابن عبّاس في ذلك من الصحابة مخالفًا".
المطلب الرابع: الفقه
الفقرة الأولى: حكم الماء غير المستبحر تقع فيه النجاسة:
اختياره (ص ١٢١) أنّ الماء غير المستبحر الذي وقعت فيه نجاسة فلم تغيّر أحد أوصافه أنّه طاهر مطهّر، واحتجّ له بحديث بول الأعرابي وبحديث: "إنّ الماء طهور لا
стр. 70
ينجّسه شيء"، ومن جهة النظر أنّه لو نجّسه غير ما يغلب عليه لما صحّت به طهارته لأحد أبدًا، ولو كان القليل منه يفسده قليل النجاسة ما صحّ الاستنجاء بالماء لأحد.
الفقرة الثانية: حلول النجاسة على الماء وحلوله عليها:
اختيار المصنّف (ص ١٢٢) أن لا فرق بين حلول النجاسة على الماء، وبين حلوله عليها، وضعّف قول من فرّق في ذلك، وذهب إلى أنّ العبرة بحصول التغيّر.
الفقرة الثالثة: حكم صلاة فاقد الطهورين:
اختياره (ص ١٣٤) أنّ من فقد الطهورين أو لم يتمكّن منهما صلّى كيفما كان، لكن رأى أن يصلّي ما كان صلاه بلا طهارة إذا قدر على الطهارة بعدُ، وهذا من باب الاحتياط فقط والتورّع، لا أنّه حكم محكم، حيث قال: "والمسألة إذا تعادلت فيها الأدلّة واستوت فيها الحجج، فالوجه في هذا للعلماء التخيير بالفتوى، ولكلّ من نزلت الاحتياط، والاحتياط في هذه المسألة أن يصلّي، ثمّ يعيد إذا قدر على الطهارة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب".
الفقرة الرابعة: حكم الصفرة والكدرة:
ذهب ﵀ (ص ١٢٨) إلى أنّ الصفرة والكدرة حيض مطلقًا، حيث استدلّ بفعل عائشة أمِّ المؤمنين وأسماء ﵄، فكانتا لا تصلّيان حتّى تريا البياض، ثمّ استدلّ بالنظر قائلاً: "لأنّ المرأة إذا كانت حائضًا بيقين ثمّ انقطع عنها الدم وبقيت الصفرة والكدرة، ومعلوم أنّها من بقايا الدم، فالواجب أن لا تخرج من حكم الحيض المتيقّن إلاّ بيقين الطهارة، ولا يقين إلاّ بالنقاء، وكلّ دم يظهر من الرحم فالواجب أن يترك له الصلاة، ومن أنصف بأن له أنّ الصفرة والكدرة من الدم".
стр. 71
الفقرة الخامسة: حكم تثنية "قد قامت الصلاة" في إقامة الصلاة:
اختياره (ص ١٦٦) أن يقول المؤذّن في الإقامة: "قد قامت الصلاة" مرّتين، استدلالاً بحديث أنس: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلاّ الإقامة"، وبحديث عبد الله بن عمر: "إنّما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرّتين مرّتين، والإقامة مرّة مرّة، غير أنّه يقول: "قد قامت الصلاة"، مرّتين، قال المصنّف: "هذا قاطع في موضع الخلاف".
الفقرة السادسة: حدّ الصلاة في الليل:
ذهب ﵀ (ص ١٧٩) بعد أن ذكر حديث ابن عبّاس الذي فيه أنّ النبيّ ﷺ صلّى في قيام الليل ثلاث عشرة ركعة، وحديث عائشة الذي فيه أنّه صلّى إحدى عشرة ركعة، إلى أنّ صلاة الليل ليست مقدّرة محدودة بعدد معلوم، وأنّ للمرء أن يزيد فيها وينقص، واستدلّ - أيضًا - بحديث أبي ذرّ: "الصلاة خير موضوع، فمن شاء استكثر، ومن شاء استقلّ".
الفقرة السابعة: حكم قصر الصلاة في السفر:
اختياره (ص ١٤٢) أن قصر الصلاة في السفر سنّة مؤكّدة، لا ينبغي تركها ولا الرغبة عنها، وأنّ الفضل في إتيانها استدلالاً بالأحاديث القاضية بأنّ القصر في السفر صدقة تصدّق الله بها علينا، وبما صحّحه من أنّ الصلاة فرضت أربعًا، نقلاً عن جمع من أهل العلم، منهم ابن عبّاس ونافع بن جبير بن مطعم والحسن البصري، وحمله معنى "فرضت" في حديث عائشة وغيره على معنى "التقدير" أي: قُدِّرت، وكذا استدلاله
стр. 72
على هذا الاختيار بما نقله عن أبي الفرج القاضي من أنّ الإجماع على وجوب إتمامها خلف المقيم وبحديث: "سافرنا مع رسول الله ﷺ فمنّا الصائم ومنّا المفطر، ومنّا المقصّر، فلم يعب واحد منّا على صاحبه"، وبإتمام عائشة، وكذا عثمان، وسائر الصحابة لمّا صلّوا وراءه، وبما نقله عن سعد بن أبي وقّاص.
الفقرة الثامنة: حكم الرهن والكفيل في السلم:
ذهب المصنّف - رحمه الله تعالى - (ص ٢٢٦) إلى إجازة الرهن والكفيل في السلم، وذلك بالقرآن والسنّة والقياس على إجماعهم على إجازته في الدين المضمون من غير سلم، فقال ﵀: "الرهن والكفيل جائز عندنا بظاهر القرآن والسنّة والقياس على إجماع العلماء على إجازته في الدين المضمون من غير السلم"، وعزا هذا المذهب لِمالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم.
الفقرة التاسعة: حكم إقامة الحدود والقصاص في الحرم:
١ - ذهب ﵀ (ص ١١٠) إلى جواز إقامة الحدّ والقصاص في الحرم، وذكر الخلاف في ذلك عن الفقهاء، ثمّ ذكر قول قتادة في توجيه قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: "كان ذلك في الجاهلية، فأمّا اليوم؛ فلو سرق في الحرم قطع، ولو قتَل قُتِل، ولو قدر فيه على المشركين قتلوا"، قال ابن عبد البرّ ﵀: "على هذا القول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والأثر، وهو الصحيح عندنا في النظر؛ لأنّ الله تعالى قد أمرنا بالقصاص وإقامة الحدود أمرًا مطلقًا عامًّا، لم يخصّ به موضعًا من موضع، ولا خصّه رسول الله ﷺ ، ولا أجمعت الأمّة على خصوصه، ولا قامت بخصوص حجّة لا مدفع لها".
стр. 73
٢ - اختياره (ص ١١٠) أنّ من سرق في الحرم قطع، ولو قَتَل قُتِل، ولو قدر فيه على المشركين قُتلوا، واستدلّ بعموم أمر الله تعالى بإقامة القصاص دون تخصيص لمكان، وكذا لم يخصّ النبيّ ﷺ موضعًا من موضع، ولا أجمعت الأمّة على خصوصه، وكذا لم يرد بخصوصه حجّة لا مدفع لها.
الفقرة العاشرة: حكم تغليظ الدية على من قتل في الحرم:
ذكر ﵀ (ص ١١٠) اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، ففريق ذهبوا إلى أنّ القتل في الحلّ والحرم سواء، وذهب فريق آخر إلى تغليظها على من قتل في الحرم، وبعد أن حكى المصنّف قولهم قال: "ومن الحجّة على من ذهب هذا المذهب قوله في قاتل الخطإ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، ولم يخصّ موضعًا من موضع، وفرض النبيّ ﷺ الديات، ولم يخصّ موضعًا من موضع، ولا فرّق بين الحلّ والحرم والله أعلم".
الفقرة الحادية عشرة: حكم من فعل عبادة على وجه اجتهد فيه إصابة الحقّ:
اختياره (ص ١٦١) أنّ من فعل عبادة على وجه اجتهد فيه إصابة الحقّ، كمن طلب الماء، واجتهد ولم يجده فأحرم بالصلاة، ثمّ طرأ عليه الماء أنّه يتمادى في صلاته، ولا شيء عليه، وكذا من اجتهد في طلب القبلة يمنة ويسرة، وكذا من اجتهد في إصابتها فاستدبرها خطأ ثمّ بأن له جهتها أن يستقبلها ويبني في صلاته ولا يعيد.
стр. 74
المطلب الخامس: أصول الفقه
الفقرة الأولى: الفرق بين أمر ونهي الله وأمر ونهي الرسول ﷺ -:
ذهب ﵀ (ص ١٠٠) مذهب جماعة المالكيّين إلى أنّ ما حرّمه الله نصًّا متلوًّا من قرآن أو إخبارًا عن الله بالتحريم في السنّة أقوى من تحريم الأنبياء ﵈، فقال عند قوله ﷺ : "إنّ مكّة حرّمها الله، ولم يحرّمها الناس ... ": "وفيه - والله أعلم - دليل أنّ ما حرّم الله في كتابه نصًّا متلوًّا، أو خبرًا عن الله صحيحًا كان أقوى من تحريم الأنبياء ﵈ المأمور بطاعتهم والاقتداء بهم"، ثمّ ذكر الخلاف في هذه المسألة.
الفقرة الثانية: دلالة "مِن ":
ذهب ﵀ (ص ١٠٣) إلى أنّ "مِنْ" أكثر ما تدخل للتبعيض، وهذا في معرض توجيه قوله ﷺ : "ساعة من نهار"، فقال: "يدلّ على أنّه كان بعض النهار، لم يكن يومًا تامًا - والله أعلم - لأنّ "من" أكثر ما تدخل للتبعيض في مثل هذا".
الفقرة الثالثة: جواز النسخ في الأمر والنهي
ذهب ﵀ (ص ٩٥) إلى جواز النسخ في الأمر والنهي، فقال ﵀: "ولم تختلف فرق الإسلام على اختلافها في كثير من الدين والأحكام أنّ النسخ في مثل هذا جائز في الأمر والنهي، وأنّ البداء لا يضيفه إلى الله وإلى رسوله إلاّ كافر".
الفقرة الرابعة: تقديم المثبت على النافي
قال ﵀ (ص ١٨٣): "وليس يُعارَض قول المثبت بقول النافي".
стр. 75
الفقرة الخامسة: جواز الاجتهاد على الأصول
ذهب ﵀ (ص ١٧٥) إلى إباحة الاجتهاد على الأصول وجواز فعل المجتهد إذا كان الاجتهاد منه على أصل صحيح.
* * *