← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127657

الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري

ابن عبد البر

Полный текст (280 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهو حديث أبي الزبير عن جابر قال: "نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ" (١). فالجواب: إنّ حديث ابن عبّاس وقوله هذا صحيح مُستعمَل عند جمهور أهل العلم، وليس بمتروك عند جميعهم كما ظننتَ، بل لا يَتْرُكُه إلّا أقلُّهم، اللهمّ إن كنت أدرتَ ظاهر قوله: "أو شِرْكٌ في دم"، فتَوَهَّمْتَ أنّ الشاة يجوز فيها الاشتراك؛ لأنّه يقع عليها اسم دم، فإن كنتَ ظننتَ هذا؛ فهو كما ذكرتَ، لا يقوله أحد من علماء المسلمين (٢) - (أي: من) (٣) وجب عليه دم أنّه تجزئه بعض شاة - وإنّما أجاز العلماء الاشتراك في البدنة

стр. 212

والبقرة دون الشاة لكلّ مَن لَزِمَه ما اسْتَيْسَر من الهدي لمُتعة أو قِران أو غير ذلك مِمّا يَدخُل في الحجّ؛ لأنّ البدنة والبقرة تعدل عنهم سبع شياه، ومِمّن أجاز ذلك من أهل العلم؛ الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وداود ابن عليّ (١) وعامّة الفقهاء، وروى منصور عن ربعي قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: البقرة عن سبعة" (٢). وروى محمّد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أناس من أصحاب محمّد ﷺ قالوا: "البقرة عن سبعة" (٣). وعن عليّ وابن مسعود قالا: "البقرة عن سبعة، والبدنة عن سبعة" (٤)، وأكثر العلماء على هذا.

стр. 213

وقد روى ابن عبّاس والمسْوَر بن مَخْرَمة: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ؛ البَدَنَةَ عَنْ عَشَرَةٍ" (١)، وهذا حديث غير مُستعمَل عند الجميع (٢).

стр. 214

وقد أجمع العلماء أنّ البقرة لا تجوز عن أكثر من سبعة، وكذلك البدنة (١)، وفي إجماعهم على ذلك دليل أنّ الحديث وَهَمٌ أو منسوخ، وإنّما قلتُ ذلك - إنّ هذا إجماع - لأنّ المسألة على قولين؛ أحدهما نفي الاشتراك في البدنة والبقرة أصلًا، والثاني إجازة الاشتراك فيها عن سبعة لا زيادة، وكلا القولين ينفي الاشتراك فيما فوق السبعة، وقد كان زُفَر بن الهُذَيل يقول: "إن كان الهدي الواجب على سبعة أنفس وكان من باب واحد، مثل أن يكونوا كُلُّهم وَجَب عليهم دم مُسْتَيْسَر عن متعة أو غيرها من وجه واحد جاز لهم الاشتراك في البقرة والبدنة إذا كانوا سبعة فأدنى؛ قال: وإن اختلف الوجه منه وجب عليهم الدم، [و] (٢) لَم يُجْزِهم ذلك" (٣)، وكان أبو ثور يقول: "إن شاركهم ذِمِّيٌّ أو مَن لا يريد الهدي، وأراد حصّته من اللحم أجزأ مَن أراد منهم

стр. 215

الهدي سبعة ويأخذ الباقون حِصَّتَهم من اللحم"، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: "إن كان منهم ذمّيّ أو من لا يريد الهدي فلا يُجْزِهم عن الهدي" (١). وأمّا مالك ﵀ فإنّه كان يجيز الاشتراك في هدي التطوّع، روى ذلك ابن وهب وغيره عنه، ومن حُجَّتِه في ذلك: "أنّ رسول الله ﷺ أشرك عليًّا في هديه" (٢)، وكان تطوّعًا؛ لأنّه كان عنده مُفرِدًا في حجّته ﷺ ، ولا يجيز مالك الاشتراك في الهدي الواجب ولا الضحايا إلّا أن يتطوّع الرجل فيضحّي عن نفسه وعن أهل بيته بشاة واحدة، فيجوز ذلك؛ لأنّ رسول الله ﷺ قد تطوّع ببعض ضحاياه عنه وعن أمّته (٣). وقال ابن شهاب عن عمرة وعروة عن عائشة: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً وَاحِدَةً فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بَيْنَهُنَّ" (٤)، وروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير

стр. 216

عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ مثله (١). وأنكر مالك الاشتراك في الهدي الواجب والضحايا ومَن وَجَب عليه ما استيسر من الهدي لم يُجْزِه عنده دم منفرد من دماء الأزواج الثمانية أقلّه شاة منفردة، ولم يكن عنده حديث أبي الزبير مَعمولًا به؛ لأنّ الآثار اضطربت في نَحْرِ رسول الله ﷺ يوم الحديبية. وكان رسول الله ﷺ قد حَصَره العدوّ يومئذ فنَحَرَ، والنحر عند مالك على المُحْصَر بعدوّ مُستَحَبٌّ وليس بواجب، وأكثر العلماء يوجبونه، وبيان مذاهبهم في ذلك في "التمهيد" (٢). ولو رأى مالك ﵀ أهل بلده يعملون بحديث جابر ما تَرَكَه؛ لأنّه قد كان عَرَفَه

стр. 217

ورواه، ومالك يذهب إلى أنّ الخبر إذا عمل بعضُ أهلِ بلده به وأفتَوا بخلافه وفشا ذلك عندهم جاز له تركه، وغيره يخالفه في هذا الأصل، والله الموفّق للصواب. وأبو الزبير حافظ مُتقِن ليس به بأس، وجمهور العلماء على الاحتجاج بحديثه وقَبوله، ومَن جرحه منهم لم يأت في جرحه بحجّة (١)، والله المستعان. وقد روى عطاء عن جابر (٢) مثل رواية أبي الزبير سواء، وروى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر: " أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَشْرَكَ عَلِيًّا فِي هَدْيِهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ"، والحمد لله ربّ العالمين.

стр. 218

الحديث السابع عشر حديث الأعمش قال: تذاكرنا عند إبراهيم الرهن في السَّلم، فقال: حدّثني الأسود عن عائشة: " أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَسْلَمَ مِنْ يَهُوِدِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَارْتَهَنَ مِنْهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ" (١). وقلتَ: هل يجوز الرهن (٢) في السلم (٣)؟ قلتَ: وكأنّه إذا أحدث في السلم الرهن لا يَعرف بما رهن أبرأس المال أو بالمُسْلَم فيه، وإن أخده برأس المال، فرأس

стр. 219

المال غير الدَّيْن، إنّما دَينُه ما أسلم فيه [و] (١) رأس المال لا يجب الطلب به، وإن أخذه بالمسلم فيه فكأنّه اقتضاه قبل أجله؟ هذا نصّ ما ورد في كتابك. فالجواب: إنّ الذي نزع به إبراهيم من حديثه عن الأسود عن عائشة حين سُئِل عن الرهن في السَّلَم، وجه صحيح قِبلةٌ من نَظَرِه (٢)؛ لأنّ الرهن إذا جاز بالسنّة في الدَّيْن الثابت من ثمنٍ في طعام أو غيره، فكذلك يحوز في السَّلَم لأنّه دَيْن ثابت في الذمّة مضمون، كثمن سلعة مبيعة سواء، والقرآن قد أطلق المُداينات وعَمَّها، ولم يَخُصَّ سَلَمًا من غير سَلَم، فأباح فيها الرهن والوثيقة بما أمكن من الإشهاد وغيره؛ قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقد رُوِي عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: "أشهد أنّ السَّلَف المضمون إلى أجل معلوم بكيل معلوم ووزن معلوم، (أحلّه) (٣) الله وأذن فيه،

стр. 220

أما تقرءون: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ " (١). قال أبو عُمر: الرهن والكفيل في السَّلَم جائز عندنا بظاهر القرآن والسنّة والقياس على إجماع العلماء على إجازته في الدين المضمون من غير السَّلَم، وهذا كلُّه قول مالك والشافعي و (أبي) (٢) حنيفة وأصحابهم؛ والرهن عند مالك والشافعي بالمُسْلَم فيه (٣)، لا برأس المال وبالمُسْلَم فيه فأيّهما شاء، قالوا؛ لأنّ رأس المال كبعض السَّلَم وقد يَدْخل السَّلَم دواخلُ فلا يجب إلّا رأس المال. وقال مالك ﵀: "يجوز الرهن والكفيل في السلم"، قال: "ولم يبلغني عن أحد أنّه كرهه إلّا الحسن، وليس به بأس". قال أبو عمر: مِمّن أجاز الرهن والكفيل في السَّلَم مجاهد وعطاء (٤)

стр. 221

وعمرو بن دينار (١) والشعبي (٢)، وقد روي عن الحسن إجازته (٣)، وروي عنه كراهته (٤)،

стр. 222

وكذلك النخعي اختُلِف عنه فيه أيضًا على حَسَب ذلك، فروي عنه الوجهان جميعًا (١)، وكذلك اختُلِف عن ابن عبّاس وابن عمر ﵄ في ذلك أيضًا، فروى خالد الحذّاء عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّه كره الرهن والكفيل في السلم. وروى الثوري عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عبّاس أنّه كان لا يرى بأسًا بالرهن والكفيل في السَّلَم (٢). وروى ابن جُرَيج عن عمرو بن دينار عن ابن عمر: أنّه كان يجيزه (٣).

стр. 223

وروى هُشَيم عن أبي بِشْر عن سعيد بن جبير عن ابن عمر ﵄ قال: ذلك الربا المضمون (١). وكرهه عليّ بن أبي طالب ﵁ (٢) لم يُختَلَف عنه فيما علمتُ. وروى ابن جريج وسفيان بن عيينة عن زياد بن سعيد عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياض أنّ عليًّا كره الرهن في السَّلَم (٣). وروي عن سعيد بن جبير (٤) وعكرمة مثل ذلك أيضًا من كراهته، وهو قول الأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور، وقد أخبرنا بالصحيح عندنا بما اختلفوا فيه؛ وهو جائز على ما ذكرنا بدليل الكتاب والسنّة والقياس على الإجماع (٥).

стр. 224

وقد أمر الله عند التنازع بالردّ إلى كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، ولم يجعل في الاختلاف والتفرّق حجّة، بل ذمّ ذلك ومدح الإجماع وتواعد من اتّبع غير سبيل المؤمنين أن: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ الآية، فما أجمعوا عليه فحقّ، وما اختلفوا فيه فواجب النظر فيه وردّه إلى أشبه الأشياء به من الكتاب والسنّة والأصول الصحيحة، وبالله التوفيق. وأمّا قولك: "إنْ أَخَذ الرهن بالمُسْلَم فيه فكأنّه اقتضاه قبل أجله"، فقول ضعيف؛ لأنّ الرهن وثيقة، وليس في الاستيثاق شيء من معنى الاقتضاء لأنّه لو شاء أن يُتبع الرهن في سَلمه قبل حلول أجله لم يكن ذلك له (١)، ولو كان الرهن كالقضاء لم يصحّ بالدين المؤجَّل أبدًا، والرهن أشبه بالإشهاد منه بالاقتضاء، ولذلك جعله الله بَدَلًا من الكتاب والإشهاد بقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والله أسأل السداد والرشاد.

стр. 225

الحديث الثامن عشر حديث أبي هريرة: "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ (١) رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ بغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الْتِي قَضَى عَلَيْهَا بالْغُرَّةِ تُوُفِّيتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا" (٢).

стр. 226

وقلتَ: وكان ضَرْب المرأة صاحبتها بالعمود يُشبه العمدَ وطريقه طريق العمد، وقضى النبيّ ﷺ فيه بالدية على عاقلة (١) المرأة، والعاقلة لا تحمل العمد، وإنّما تحمل الخطأ؛ وقلتَ: فكيف وجه خروج هذا الحديث؟ وكيف أوجب النبيّ ﷺ على عاقلةٍ دية العمد؟ فالجواب، وبالله عوني وهو حسبي: إنّ حديث أبي هريرة هذا فيه ما ذكرتَ، وهو حديث قد ذكره مالك في "موطّئه" عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيِّب عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وعن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة مُسنَدًا (٢)، ولم يذكر مالك حكم الدية وسكت عن ذلك، وإنّما ساق فيه قصّة الجنين وحكمه لا غير، وما أظنّ مالكًا - والله أعلم -[ما] (٣) روى من

стр. 227

طريق "موطّئه" قصّة قتل المرأة مع جنينها، وحكم دمها إلّا لما بلغه فيه من الاضطراب، فقد اختلفت الرواية في هذا المعنى من الحديث اختلافا كثيرًا (١)، ولِمَا وجد العمل بالمدينة من نفي شبه العمد (٢)، والله أعلم. وإنّ منهم جماعة ينفون ذلك (٣)، وهذا الحديث والقصّة كلّها مدارها على

стр. 228

حمل بن مالك بن النابغة، رجل من الأعراب من هُذَيل (١)، ولكنّه قد روى حديثه هذا معه جماعة من الصحابة عن النبيّ ﷺ ، فممّن رواه: أبو هريرة (٢) والمغيرة ابن شعبة (٣) وابن عبّاس (٤) وجابر وغيرهم ﵃. فأمّا حديث أبي هريرة فاختلف فيه على ابن شهاب، وقد ذكرنا ما صنع فيه مالك وذكرنا من تابعه على ذلك في كتاب "التمهيد" (٥)، وأحسنهم سياقة هنا يونس بن يزيد.

стр. 229

روى ابن وهب وابن المبارك عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن ابن المسيّب وأبي سلمة عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان مِن هُذَيل، فضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى أنّ دية جنينها عبدًا أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلة القاتلة، فقال حمل بن مالك بن النابغة الهذلي: يا رسول الله؛ أَغْرَم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا اسْتَهَلَّ، فمثل ذلك (يُطَلُّ) (١)، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ"، من أجل سَجْعِه الذي سَجَع (٢). فاحتج من أثبت شبه العمد بحديث أبي هريرة هذا. وعن جابر عن النبيّ ﷺ مثله (٣)، وروايات رُوِيَت في ذلك أيضًا عن حمل

стр. 230

ابن مالك بن النابغة المذكور عن النبيّ ﷺ مثل ذلك (١). واحتجّوا - أيضًا - بحديث خالد الحذّاء عن القاسم بن ربيعة بن جوْشَن (٢) عن عقبة بن أوس السدوسي عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، وهو عبد الله بن عمرو ابن العاص، هكذا قال حمّاد بن زيد وغيره: أنّ رسول الله خطب يوم فتح مكّة، فقال في خطبته: "أَلاَ إِنَّ قَتْلَ الخَطَإِ بَالسَّوْطِ وَالعَصَا وَالحَجَرِ فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ؛ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَة فِي بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا" (٣).

стр. 231

وقد روى إسماعيل بن مسلم والحسن بن عمارة عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عبّاس عن النبيّ ﷺ مثله بمعناه: "مَنْ ضَرَب بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ فَدِيَتُهُ مُغَلَّظَةٌ فِي أَسنَانِ الْإِبِلِ" (١).

стр. 232

قالوا: فقد ثبت بهذه الأحاديث أنّ شبه العمد ما ليس بعمد محض ولا خطأ محض، ومِمّن قال بإثبات شبه العمد من الفقهاء؛ الشافعي وأبو حنيفة والثوري وعثمان البتي وأصحابهم، وابن شُبْرُمة وابن أبي ليلى والأوزاعي والطبري وأهل الحديث وجماعة فقهاء العراقيين والشاميين وجمهور التابعين. وقال أبو حنيفة والشافعي ومَن تَبِعَهم: الدية في ذلك على العاقلة، وقال ابن شُبْرُمة والبتي والأوزاعي: هي في مال الجاني مغلّظة (١). واختلفوا في كيفية شبه العمد، فجملة قول أبي حنيفة أنّه إذا قتله بحديدة أو بلفظة قضيب أو بالنار فهو عمد، وفيه القصاص (٢)، وما سوى ذلك من العمد لا قصاص فيه، وفيه الدِّية مغلّظة على العاقلة وعلى القاتل الكفّارة، وجملة قول أبي يوسف ومحمّد أنّ شبه العمد ما لا يَقتُل، كاللطمة الواحدة، والضربة الواحدة بالسوط والوكز، و [لو كرّر] (٣) ذلك حتّى صار جملته مِمّا يقتل؛ كان عمدًا، وفيه القصاص بالسيف، وكذلك إذا غرّقه في ماء بحيث لا يمكنه الخلاص منه، وهو قول عثمان البتّي، إلّا أنّه يجعل دية شبه العمد [في ماله] (٤) [وقال الثوري: شبه العمد] (٥) أن يضربه بعصًا أو

стр. 233

حجر أو ببندقة (١) فيموت، ففيه الدية مغلّظة ولا قَوَد فيه، والعمد ما كان بسلاح، وفيه القود، هذه رواية الأشجعي عنه. وروى عنه الفضل بن دُكيْن قال: لو أخذ (٢) عودًا أو عظمًا فجرح به بطن حيٍّ (٢) فهو شبه عمد، وليس فيه قود (٣). وقال الأوزاعي: "إن ضربه بعصًا أو سوط ضربة واحدة فمات فذلك شبه العمد، ففيه الدية مغلّظة في ماله، وإن (ثنّى) (٤) بالعصا ثمّ مات مكانه من الضربة الثانية فعليه القصاص"، [وقال الحسن بن صالح] (٤) وإن لم يَمُت من الثانية مكانه ثمّ مات بعد فهو شبه العمد؛ لا قصاص فيه. وقال المُزني عن الشافعي: إذا عمد رجل بسيف أو حجر أو سنان رمح أو بشيء له حدّ (يخرق) (٥) الجلد واللحم إذا ضربه به أو رمى به، فضرب به إنسانًا فجرحه جرحًا كبيرًا أو صغيرًا فمات منه فعليه القَوَد، وكذلك إن شَدَخَه بحجر أو تابع عليه الخنق، أو والى عليه بالسوط حتّى يموت أو طبق عليه بيتًا بغير طعام ولا شراب مدّة الأغلب أن يموت في مثلها؛ أو ضربه بسوط في شدّة حرّ أو برد ونحو ذلك مِمّا الأغلب أنّه يموت منه، فعليه القود، وإن ضربه بما لا يجرح بحدّه أو ألقاه في بحر

стр. 234

قريب البرّ وهو يحسن العَوْم أو ما يغلب أنّه لا يموت منه فمات فلا قود عليه، وفيه الدية على العاقلة مغلّظة (١). وشبه العمد عند الشافعي ﵀ في الجراح وفي النفس جميعًا، وعند أبي حنيفة لا يكون شبه العمد [إلّا في النفس] (٢). و[قوم] (٣) أنكروه؛ منهم مالك والليث وجماعة من أهل المدينة، قال مالك ﵀: "شبه العمد باطل، إنّما هو عمد أو خطأ، ومن ضرب (أحدًا) (٤) بعصًا أو رماه بحجر فهو عمد، وفيه القصاص، فإن انصرف عنه وهو حيٌّ ثمّ مات كانت فيه القسامة (٥) " (٦).

стр. 235

وقال الليث: "كلّ ما عمد به إنسان إنسانًا فضربه به فمات المضروب، ففيه القصاص، ولو ضربه بأصبعه" (١). ومن الحجّة لقائل هذه المقالة: أنّ القرآن إنّما نطق بالعمد والخطأ، والأحاديث في شبه العمد مضطربة، فأمّا الحديث المأثور في المرأة الهُذَلِية التي رمت صاحبتها بحجر أو بمسطح فقتلتها وجنينها فقد روي على نحو ما ذهبنا إليه، وعلى خلاف ما تقدّم، روى أبو عاصم النبيل (٢) وحجّاج بن محمّد عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عبّاس: "أنّ عمر بن الخطّاب أنشد الناس ما قضى به رسول الله ﷺ في الجنين، فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: إنّي بين امرأتين؛ وإنّ إحداهما ضربت الأخرى بِمِسْطَح فقتلَتْها وجنينَها، فقضى رسول الله ﷺ في الجنين بغُرَّة، وقضى في المرأة أن تُقتَل مكانها" (٣).

стр. 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 237

أخبرني عبد الله بن محمّد بن عبد المؤمن قال: ثنا محمّد بن بكر بن داسة التمار بالبصرة قال: ثنا أبو داود قال: ثنا محمّد بن مسعود قال: ثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع طاووسًا عن ابن عبّاس عن عمر: أنّه سأل عن قصّة النبيّ ﷺ في ذلك، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: "كنت بين امرأتين، فضربَت إحداهما الأخرى بِمِسْطَح فقتلَتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرّة وأن تقتل". وذكر الطحاوي (١) أنّ حجّاج بن محمّد الأعور تابع أبا عاصم على روايته هذه عن ابن جريج بإسنادها ومتنها، وذكر في المرأة أن تقتل مكانها. ففي هذا الحديث أنّه قضى في المرأة بالقتل لا بالدية، فلا وجه لإثبات شبه العمد بما قد اختلف فيه ولم يثبت، والأحكام لا تستقرّ إلّا بما ثبت ولم يعارضه ما ينقضه. فإن قيل: إنّ الحميديّ روى هذا الحديث عن هشام بن سليمان المخزومي عن ابن جريج بإسناده (٢)، [و] (٣) أنّ ابن عيينة رواه عن عمرو عن طاووس مرسلًا (٤)، ولم يذكر قتل المرأة، وإنّ ذكر قتل المرأة غلط من أبي عاصم؟ قيل له: تابعه حجّاج بن محمّد مع معرفته بابن جريج، ولو تفرّد بها أبو عاصم

стр. 238

وجب أن تقبل (١) لأنّها زيادة على ما قصّر عنه ابن عيينة وهشام بن سليمان عن ابن جريج؛ لأنّهم لم يذكروا قتل المرأة، ولا ديتَها، وقد ذكر أبو عاصم وحجّاج ما حذفه ابن عيينة (٢)، وقد روي عن عمر بن الخطّاب ﵁ أسعى شبه العمد، وقال: "يَعْمِد أحدُكم فيضرب أخاه بالعصا، ثمّ يقول: لا قود عليّ، لا أوتى بأحد فعل ذلك إلّا أَقَدتُّ منه" (٣). وللذين أثبتوا شبه العمد اعتراض في حديث حمل بن مالك بن النابغة هذا، قالوا: إن كان ابن عيينة لم يذكر فيه قتل المرأة، فإنّ محمّد بن مسلم الطائفي وحمّاد بن زيد (٤) ومحمّد بن أبي جحادة (رووا) (٥) هذا الحديث عن عمرو بن دينار عن ابن طاووس (٦) أنّ عمر، هكذا مرسلًا، كما رواه ابن عيينة، وقالوا فيه: "وقضى في المرأة بالدية".

стр. 239

قالوا: فقد ثبت شبه [العمد] (١) في خبر حمل بن مالك - أيضًا - كما ثبت من رواية أبي هريرة وجابر وغيرهما. قالوا: وأكثر أحوال خبر حمل بن مالك بن النابغة أن تُجعَل الرواية فيه معارضة فيسقط، وخبر أبي هريرة وجابر لم يُختَلَف عنهما فيه أنّ رسول الله ﷺ : "قَضَى عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ بِالدِّيَةِ". قالوا: وقد روى شعبة وغيره عن قتادة عن أبي المليح الهذلي (٢) عن حمل ابن مالك بن النابغة هذه القصّة في الجنين والمرأة، وذكر أنّه جعل دية المرأة على عاقلة قاتلتها، ولم يختلف في ذلك عن قتادة (٣). قالوا: وقد روى خبر ابن عبّاس سِماك عن عكرمة عن ابن عبّاس، فذكر أنّ رسول الله ﷺ : "قَضَى بِعَقْلِ المقْتُولَةِ عَلَى العَاقِلَةِ، وَقَضَى فِي الجَنِينِ بِغُرَّةٍ" (٤).

стр. 240

فهذا يقضي على خبر طاووس المختلِف. قالوا: وقد روي عن عليّ أنّه أثبت شبه العمد، وروى شريك وغيره عن أبي إسحاق (١) عن عاصم بن ضمرة عن عليّ ﵁ قال: "شبه العمد بالعصا والحجر، وليس فيه قود" (٢). وأمّا حديث جابر فحدّثناه عبد الوارث بن سفيان قال: ثنا قاسم بن أصبغ قال: ثنا بكر بن حمّاد قال: ثنا مسدّد قال: ثنا عبد الواحد - يعني: ابن زياد - قال: ثنا مجالد (٣) عن الشعبي عن جابر: أنّ امرأتين من هذيل قتلَت إحداهما الأخرى ولكلّ واحدة منهما زوج وولد، فقال رسول الله ﷺ "دِيَّةُ المقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ القَاتِلَةِ وبرّأ أَهْلهَا (٤) وَوَلَدهَا"، فقال: عاقلة القاتلة ميراثها لنا، فقال رسول الله ﷺ : "مِيرَاثُهَا

стр. 241

لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا" (١)، قال: وكانت حُبلى وألقت جنينها فجاءت عاقلة القاتلة أن تَضْمِنَهم، فقالوا: يا رسول الله؛ لا شَرِب ولا أَكَل ولا صاح ولا اسْتَهَلَّ؟ فقال رسول الله ﷺ : "هَذَا سَجْعُ الجَاهِلِيَّةِ، فَقَضَى فِي الجَنِينِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ" (٢). وقد ذكرنا في كتاب "التمهيد" (٣) كثيرًا من آثار هذا الباب عن جماعة من الصحابة عن النبيّ ﷺ . وأمّا حديث المغيرة بن شعبة فذكر فيه جرير عن منصور عن إبراهيم عن عبيد ابن (نضيلة) (٤) عن المغيرة: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَعَلَ دِيَةَ المقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ القَاتِلَةِ و (غُرَّةٍ) (٥) لمِا فِي بَطنِها" (٦). قال أبو داود: "هكذا رواه الحكم عن مجاهد عن المغيرة" (٧).

стр. 242

وقلت أنا: وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن منصور بإسناده ومعناه سواء، وكذلك رواه - أيضًا - سليمان التيمي عن منصور بإسناده مثله، وأمّا شعبة فرواه عن منصور بإسناده، وقال فيه: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِي الجَنِينِ بِغُرَّةٍ وَجَعَلَهَا عَلَى عَاقِلَةِ المرْأَةِ" (١)، ففي حديثه هذا؛ أنّ دية الجنين جعلها رسول الله ﷺ على العاقلة، ولم يذكر شعبة في حديثه هذا دية المرأة ولا قتلها، ويمكن أن تكون الدية المجعولة على العاقلة في حديث الهذليِّين دية الجنين دون غيرها والله أعلم. فلا يكون فيه على مالك حجّة، وأمّا الرواية التي شهد محمّد بن مسلمة للمغيرة في هذا الحديث فإنّما هي في ذكر الجنين لا غير (٢)، وقد ذكرنا الاختلاف في دية الجنين على من تجب والحجّة لكل قول منها في "التمهيد"، وبالله العون والتوفيق.

стр. 243

الحديث التاسع عشر حديث ابن عمر: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِك، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثَمً لِيُمْسِكْهَا بَعْدُ حَتَّى تَطْهُرَ، ثَمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الْتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" (١). قلتَ: وروى يونس بن جبير (٢) عن ابن عمر أنّه قال: "مُرْهُ: فَلْيُرَاجِعْهَا، قلتُ: أَتُحْتَسَب بها؟ قال: أرأيت إن عجز واسْتَحْمَقَ؟ " (٣) قلتَ: فهذا مشكل جدًّا. هذا لفظ كتابك.

стр. 244

فالجواب: إنّي لا أدري ما أشكل عليك من ذلك، وليس فيه سؤال عن معنى، والمعاني فيه كثيرة، وقد ذكرتها في كتاب "التمهيد" مُستوعَبة (١) فتأمّلها يغنيك ذلك إن شاء الله تعالى. وأمّا قول ابن عمر لأبي غلاّب يونس بن جبير: "أرأيت إن عجز واستحمق؟ " فمعناه عند أهل العلم: الإنكار عليه في قوله: "أتحتسب؟ "، فكأنّه قال: وهل في (٢)

стр. 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 246

الحديث العشرون (١) عليه وسلّم. . . . (٢) في يمينه أن لا يُحسن إلى أهله أعظم إثمًا من أن يحنِّث نفسه، ويكفّر عن يمينه ويحسن إليهم، فينبغي لمن حلف على أهله في يمين ليس في الحنث فيها إتيان محظور أن يكفّر عن يمينه، ويأتي ما حلف أن لا يأتيه من ذلك، فقد قال ﷺ : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي" (٣)، وكما لا ينبغي أن يحلف المرء أن لا يَبَرَّ ولا يتّقي ولا يصلح بين الناس.

стр. 247

الحديث الحادي والعشرون هي المسألة التي ختمتَ بها كتابَك وزعمتَ أنّها من مُعضِلات المسائل، وقلت: إنّا تنازعنا في رؤيا الأنبياء ﵈ إن كانت كلُّها وحيًا، وهل يجوز فيها الضغث؟ وقلت: احتجّ من جوّز الضغث فيها بحديث عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: "رَأَيْتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيُقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، وَأَكْشِفُ الثَّوْبَ، وَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ" (١). فقال المعترِض: كيف يقول النبيّ ﷺ : "إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ" وهو يعلم أنّ رؤيا الأنبياء ﵈ كلّها وحي، وأنّها من عند الله. واحتجّ - أيضًا - بحديث نوم النبيّ ﷺ عن صلاة الصبح في سفره حتَّى طلعت الشمس (٢).

стр. 248

واحتجّ برؤيا يوسف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]، قال: فلو كانت رؤيا الأنبياء كلّها حقّا ما قال: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. قلتَ: واحتجّ عليه من خالفه ولم يُجوِّز على النبيّ ﷺ الضغث في رؤياه بقول ابن عبّاس ﵄: "رؤيا الأنبياء وحي" (١)، ويقوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]، واحتجّ - أيضًا - بقول رسول الله ﷺ : "إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلاَ يَنَامُ قَلْبي" (٢). قال: ولو كان هو وغيره سواء (٣). فأَفْتِنا بالصواب مأجورًا إن شاء الله تعالى. فالجواب: إنّ الصحيح عندنا في هذه المسألة ما قاله ابن عبّاس: "رؤيا الأنبياء حقّ"؛ لأنّه قد روى عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأنبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلاَ تَنَامُ قُلُوبُنَا" (٤)، وما نزع به ابن عبّاس من كتاب الله قوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، فجعله مأمورًا

стр. 249

من ربّه بما أراه في منامه. وفي الحديث المأثور في الذبيح: أنّ إبليس لمّا اعترض إبراهيمَ في مسيره بابنه إلى الذبح قال له إبراهيم: "إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي بِذَلِكَ" (١)، فهذا كلّه يعضد قولَ ابنِ عبّاس: "رؤيا الأنبياء وحي". ولا أعلم لابن عبّاس في ذلك من الصحابة مخالفًا. وأمّا ما نزع به المخالف من حديث عائشة: "إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ"، فالجواب عن ذلك؛ أنّ تلك الرؤيا كانت بمكّة قبل المبعث (٢)، ومن قول يوسف ﵇:

стр. 250

﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ فلا حجّة له فيما نزع به من ذلك بما ظنّه من تأويلها وقد كان يوسف رآها وهو غلام، وأمّا احتجاجه بنوم النبيّ ﷺ في سفره عن صلاة الصبح حتّى طلعت الشمس، فجهلٌ وعَيٌّ وغباوة؛ لأنّه ليس من هذا الباب في شيء، وإنّما هو من باب قوله ﷺ : "إِنِّي أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ" (١)، وفي حديث آخر: "إِنِّي لأُنَسَّى لأَسُنَّ" (٢) - شكّ المحدّث - وكان نومه في سفره ذلك ليقع بيانه في أنّ الناسي
следующие страницы →