← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127657

الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري

ابن عبد البر

Полный текст (280 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الحديث الثاني عشر حَدِيثُ طَلْحَةَ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ" (١). قُلْتَ: وَرَوَى الْبُخَارِي عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى جنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ اْلأنْصَارِ، فَكَانَ مِمَّا حَفِظْتُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُ ارْحَمْهُ،

стр. 177

إِلَى آخِرِ الْدُّعَاء ... " (١)، وَلَمْ يَذْكُرْ فَاتِحَةَ الكِتَابِ؟ فالجواب: إنّ طلحةَ؛ هذا الذي روى عن ابن عبّاس، أحدُ الثقات الأثبات الأشراف، وهو طلحة بن عبد الله بن عوف بن أخي عبد الرحمن بن عوف، يُكنّي أبا محمّد، من علماء أهل المدينة، وكان من سروات قريش وأجوادهم، وكان قد وَلِيَ المدينة، فكان سعيد ابن المسيِّب يقول إذا ذكره: "ما وَلِيَنا مثله"، تُوفِّي سنة سبع وتسعين. وإسناد حديثه هذا أصحّ من إسناد حديث عوف بن مالك، ولو كان حديث عوف بن مالك ثابتًا (٢) ما كان فيه شيء يعارض حديث ابن عبّاس هذا. لأنّ عوفًا إنّما قال: فكان ما حَفِظتُ من دعاء رسول الله ﷺ خاصّة دون القراءة التي هي محفوظة على كلّ لسان عنده، أو يكون لم يسمع من ذلك إلّا ما ذكر، وليس من قال: لم أسمع ولم أحضر ولم أعلم، بشاهد؛ لأنّ الشاهد مَن أثبت لا مَن نفى. وليس يعارض قولُ المثبِت بقول النافي، وقد أخبر ابن عبّاس أنّ قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة سُنّة، وقال هذا القول ليُثْبِت الحجّة فيها.

стр. 178

ولفظ ما أوردتَه من حديث ابن عبّاس في سؤالك ناقص، وإنّما الحديث: "أنّ ابن عبّاس قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب فجهر بها، ثمّ لمّا انصرف قال: إنّما جهرتُ بها لتعلموا أنّ قراءتَها سُنّة" (١). وإنّما كان يكون حديث عوف معارضًا لمِا قال ابن عبّاس، لو قال عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقرؤوا على الجنازة بفاتحة الكتاب"، فحينئذ كان يصحّ التعارض، فيطلب الدليل على الناسخ منهما من المنسوخ، على أنّ كلّ مَن قال بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة من الفقهاء لا يمنع ولا يَدفع أن يُدعى للميّت مع قراءتها بما في حديث عوف بن مالك من الدعاء، وبأكثر وبأقلّ، وكلّهم يستعمل حديث عوف بن مالك، ومثله في ذلك ولا يأباه؛ مع قراءة فاتحة الكتاب. والذين يقولون بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، يختلفون على قولين، فطائفة منهم تقول بقراءة فاتحة الكتاب عقيب كلّ تكبيرة وتدعو بإثرها؛ لأنّ التكبيرة في الصلاة مقام ركعة في غيرها؛ روي ذلك عن أبي هريرة (٢) والمِسْوَر بن مَخْرَمة. وبعض المحدّثين يرفع حديثهما أيضًا؛ وهو قول الحسن بن عليّ والحسن البصري (٣)، ومحمّد بن سيرين، وشَهْر بن حَوْشَب، وفِرْقة من أهل الظاهر.

стр. 179

وقال آخرون: لا يُقرأُ عليها بفاتحة الكتاب إلّا مرّة واحدة عقيب التكبيرة الأولى، وهذا قول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود بن عليّ، وروي ذلك عن ابن عبّاس من وجوه، وعن ابن مسعود وعثمان بن حنيف وابن الزبير و (عبيد) (١) ابن عمير وأبي أمامة بن سهل بن حنيف. وقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة مشهور معلوم بالمدينة، والاختلاف في هذه المسألة بالمدينة معروف (٢)، ومِمَّن قال: ليس في الصلاة على الجنازة قراءة، وإنّما هو دعاء، مالك وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابهم، وروي ذلك عن ابن عمر (٣) وفَضالة ابن عُبَيد، وقد روي - أيضًا - عن أبي هريرة خلاف الرواية الأولى، وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيّب والشعبي والحكم وحمّاد. وروي - أيضًا - عن ابن سيرين خلاف الرواية الأولى (٤)، ومن طريق النظر أنّها

стр. 180

كسائر الصلوات؛ لأنّها لا ركوع فيها ولا سجود ولا تشهّد، فغير نكير أن تكون خارجة من عموم قول رسول الله ﷺ : "لاَ صَلاة لمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ"، لكنّهم قد أجمعوا على أنّها لا تُصلَّى على غير طهارة، ولا إلى غير القبلة، إلّا الشعبي وحده، فإنّه شذّ عن العلماء في هذه المسألة وأجازها بغير وضوء ولا تيمّم، وقال: "إنّما هو دعاء" (١)، ومسائل الخلاف يطول الكلام فيها، فلا وجه للتعريض بذلك، وفيما أتينا به بيان ما سألت عنه إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 181

والحديث الثالث عشر حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ فِي الْمَيِّتِ إِذَا دُفِنَ أَنهُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ إِذَا وَلوْا عَنْهُ مُدْبرِينَ (١). وَذَكرْتَ قَوْلَ عَائِشَةَ حِينَ ذُكرَ لَهَا حَدِيثُ أَهْلِ الْقَلِيبِ أَنهَا نَزَعَتْ بقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢).

стр. 182

فالجواب: إنّ حديث قتادة عن أنس هذا صحيح، ومعناه؛ أنّ الميّت تُرَدُّ إليه روحه فيساءل في قبره عن ربِّه وعن دينه ونبيِّه، ويأتيه الملكان الفتانان اللذان يفتن الله بهما المُرتابِين ويُثبِّت المؤمنين، وإذا رُدّت عليه روحه؛ لم يُنكَر عليه سماع المنصرفين من دفنه وهذا لم نَقُلْه من جهة قياس ولا إعمال نَظَر، وإنّما قلناه اتّباعا للآثار المتواترات المنقولة على ألسنة الجماعات الثقات الذين تناءت أوطانهم وبَعُدَت ديارُهم، واختلفت أهواؤهم كلّهم ينقل في فتنه القبر آثارًا صحيحة من جهة النقل لا يدفعها إلّا مبتدع (١)،

стр. 183

(رادّ) (١) للسنن، وليس من أئمّة المسلمين وفقهائهم وحملة الآثار منهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أحد ينكر فتنة القبر. فلا وجه للاشتغال بأقاويل أهل البدع والأهواء المضِلَّة، وقد روي عن جماعة من المفسّرين العالمِين بتأويل القرآن من الصحابة والتابعين، أنّهم أوّلوا في عذاب القبر آيات من كتاب الله تعالى، منها قوله : ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] (٢)، قالوا: المرّتان: القتل (٣) وعذاب القبر (٤)، قال بعضهم:

стр. 184

الجوع وعذاب القبر (١). ومنها قوله : ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، قالوا: العَيْش الضَنْك عذاب القبر (٢). ومنها قوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ (٣) الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (٤) فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾؛ قالوا: أنزلت هذه في عذاب القبر (٥). وقد روي من حديث البراء عن النبيّ ﷺ في ذلك حديث مرفوع بمثل ذلك (٦). وأمّا الآثار عن النبيّ ﷺ في عذاب القبر فلا تَكاد تُحصى بعددٍ تواترًا واشتهارًا وصحّةً، وكذلك هي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كثيرة شهيرة يجب الاستناد

стр. 185

إليها (١)؛ لأنه لا يجوز على جماعتهم الغلط في تأويل قول الله : ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]. وكلُّ مَن تكلّم في تفسير القرآن من السلف في هذه الآية وغيرها يُقِرّ بفتنة القبر ويؤمن بها ويرى الآثار فيها (٢) وهم أهل العلم بالقرآن ولسان العرب ومراد الرسول ﷺ (٣).

стр. 186

وأمّا حديث القليب، فهو ثابت عن النبيّ ﷺ من حديث أنس عنه: "أنْهُ وَقَفَ عَلَى كفَّارِ قُرَيْشِ؛ عُتْبةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَليدِ بْنِ عُتْبةَ، وَأَبِي جَهْل بْنِ هِشَامٍ، وَأَشْيَاعِهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ القَلِيبِ، فَنَادَاهُمْ بِأَسمائِهِمْ: هَلْ وَجَدتُّمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدتُّ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًا"، فقال له أصحابه: يا رسول الله؛ أتنادي قومًا قد جيفوا؟ فقال: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ لمِا أَقُولُ، وَلَكِنّهمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا" (١). فأخبر ﷺ أنّهم سمعوه، وقد يحتمل أن يكون وقوفه عليهم ونداؤه إيّاهم كان في الوقت الذي تُرَدّ فيه الروح في القبر إلى من يساءل عن ربّه ودينه، وقد أخبر ﷺ أنّ المنافق هو في الدرك الأسفل من النار يساءل عن ذلك، فغير نَكِير أن يساءل عن ذلك أو

стр. 187

بعضه أو ما يشبهه مَن جحد بآيات الله واستمعتها نفسه من كفّار قريش وغيرهم، وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنّ اليهود تعذّب في قبورها (١) وسائر الكفّار في القياس مثلهم (٢).

стр. 188

وقد يمكن أن يكون أثر أهل القليب خصوصًا بهم، خُصُّوا بِرَدِّ أفهامِهم إليهم ففهموا عنه ﵇، وقد قال ﷺ : "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ"، وهو ﵇ لا يقول إلّا حقًّا، وليكن هذا لمن يكون على مذهب من يقول: إنّ الأرواح على أفنية القبور ولم يكن لهم قبر إلّا القليب، فكانت أرواحهم تسمع ذلك، وإن لم تردّ إلى أجسادهم، ألا ترى إلى سَلامِه ﷺ على أهل المقبرة؛ وقوله ﷺ : "السَّلاَمُ عَلَيكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمنينَ" (١). ويمكن أن يكون معناه ما لا نُدركُه نحن، ولم نُؤْتَ مِن نوع هذا العلم إلّا قليلًا على إبانة من الله ، فإنّ ما صحّ عن رسول الله ﷺ لا تضرب (٢) له الأمثال، ولا يدخل عليه المقاييس، فلا يُؤمِن عبدٌ يَجِد حرجًا في نفسه من قضاء رسول الله ﷺ ، فهو العالم بمراد الله ، وبه عَلِمْنا ما عَلِمْنا، وإنّما بُعِث إلى أُمّتِه وهي لا تعلم شيئًا؛ جزاه الله عنها بأفضل ما جزى نَبِيًّا عن أمّته. وقد أنكر أهل العلم المناظرة في مثل هذا ممّا قد صحّ به الأثر، واشتهر به الخبر عن النبيّ ﷺ ، وقالوا: لا شيء في هذا إلّا التسليم؛ وأباحوا كلّهم المناظرة فيما تحته عمل من الأحكام التي شرع فيها القياس والتمثيل. وأمّا قول الله : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، فليمس فيه - والله أعلم - ما يدفع شيئًا مِمّا ذكرنا، ويجوز أن يكون معناه؛ وما أنت بِمُستجيبٍ لك مَن في القبور،

стр. 189

وكذلك هؤلاء لا يستجيبون، وأنّهم كَهُمْ في عدم الاستجابة ولا عليك أن يجيبوا إنّما عليك أن تُسمِعَهم وتُبلِّغَهم، إنّما أنت نذير، فهذا معنى قوله والله أعلم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (١). ومعلوم أنّ هذا مثل ضربه الله تعالى للكفّار، وقد علمنا أنّه يسمع الكفّار بدعائه إيّاهم إلى الإيمان ولم يعدم منهم السمع، ولو عدموا السمع لارتفع عنهم

стр. 190

التكليف، إنّما عدمت منهم الاستجابة، فمعنى قوله والله أعلم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: وما أنت بمستجيبٍ لك مَن في القبور، ومثل هذا قوله : ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى [يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ] (١)﴾ , وقوله: ﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾. وقد يكون "سمع" بمعنى أجاب، كقوله: سمع الله دعاءك، وسمع الله لمن حمده، يريدون أجاب الله دعاءك وحَمْدك - والله أعلم بما أراد بقوله ذلك - وهذا خارج على أصول السنّة ولسان العرب، وبمثل هذا أباح العلماء تأويل القرآن، وهذا الذي حضرني من الجواب فيما سألتَ عنه، فإن أنكرتَ شيئًا من قولي، وبان لك إنكاره، فلا تعجل حتّى تخاطبني بما ظهر إليك ليقع عليه جوابي، ويَقِرَّ الحقُّ مَقَرَّه، وبالله العصمة والتوفيق لا شريك له. * * *

стр. 191

الحديث الرابع عشر سؤالك عن ترك الصلاة على الشهداء (١)، وعن صلاة رسول الله ﷺ على شهداء أُحُد بعد ثماني سنين (٢).

стр. 192

فالجواب: عن ذلك أنّ الصلاة على الشهيد غيرُ مجُمَع عليها ولا على تَركِها، وقد اختلفت الآثار عن النبيّ ﷺ في ذلك، واختلف علماء المسلمين فيه، فروى جابر وغيره عن النبيّ ﷺ : "أنّه لم (يُصَلِّ) عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ" (١)، وبذلك قال مالك بن أنس والليث بن سعد

стр. 193

والشافعي وجماعة، وروى ابن عبّاس (١) وابن الزبير (٢) أنّ النبيّ ﷺ : "صلَّى عَلَى حَمْزَةَ وَعَلَى سَائِرِ شُهَدَاء أُحُدٍ"، وبذلك قال فقهاء العراقيين والشاميين. وروى عقبة بن عامر أنّ رسول الله ﷺ : "خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صلاتهُ عَلَى الميَتِ" (٣). وهذا عندي - والله أعلم - يَحتَمل أن يكون خرج إليهم فدعا لهم بالرحمة والمغفرة كما يُدعَى للميّت، والصلاة في اللغة الدعاء، وليس في دعائه لهم ما يحتاج إلى القول؛ لأنه لعلّه أُمر بذلك كما أُمر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات (٤)، وسواء دعا لهم بعد ثماني سنين أو ثمانين سنة، فقد خرج رسول الله ﷺ إلى البقيع فصلّى على أهله، وذكر أنّه بذلك أُمِر، ومعنى ذلك عندنا - أيضًا - أنّه دعا لهم، فإن ظنّ ظانّ أنّ صلاته على شهداء أحد من أجل أنّه لم يصلّ عليهم، وهذا لا يظنّه عالم، وقد صحّ عنه صلاته ﷺ على أهل البقيع، والاختلاف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا في الصلاة على (الشهداء) (٥) أشهر وأعرف من الاختلاف في غسلهم، فإنّ الآثار في ترك غسلهم لم

стр. 194

تضطرب ولا تختلف، وإن كان سعيد بن المسيِّب والحسن البصري وعبيد الله ابن الحسن العنبري قد قالوا: إنّ الشهداء كلّهم مَن قَتَله منهم العدوّ ومَن قُتِل في المعتَرَك من أنواع الشهداء كلّهم يُغسَلون ويُصلَّى عليهم (١)، وقال سائر العلماء من التابعين وفقهاء الأمصار وأهل الآثار أنّهم لا يغسلون، واختلفوا في الصلاة عليهم على حَسَب ما ذكرتُ لك ومسائل الخلاف يتّسع فيها القول؛ لأنّ لكلٍّ وجهًا لم يذهب إليه إلّا بعد اجتهاده (٢)، والله الموفّق للصواب. * * *

стр. 195

الحديث الخامس عشر سؤالك عن الصبيّ الذي قتله الخضر (١) أكان قد بلغ الحلم أم لم يبلغ أو كان مِمّن اجترح الذنوب أم لا؟ وما يجب أن يعتقد في أطفال المشركين، هكذا في كتابك عن الصبيّ الدي قتله الخضر. فالجواب: إنّه لو صحّ أنه كان صبيًّا حين قتله الخضر ﵇ لصحّ أنه كان مِمّن لَم يبلغ الحُلُم، لأنّ اسم الصبيّ لا يقع على من احتلم، والصبيّ عند أهل اللغة المولود ما دام رضيعًا، فإذا فُطِم سُمِّي غلامًا إلى سبع سنين ويصير يافعًا إلى عشر سنين ثمّ يصير حَزَوَّرا، وإلى خمس عشرة منه (٢). فالغلام الذي قتله الخضر قد سمّاه الله غلامًا ولم يُسمِّه صبيًّا ولا حَزوَّرا ولا رجلًا؛ وهذا الاسم حقيقته عند أهل اللغة ما ذكرتُ لك، وإذا كان ذلك كذلك ارتفع

стр. 196

عنه اكتساب الاثم، واجتراح السيّئات. وأمّا قول موسى ﵇: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤] فإنّه لمّا كان عنده مِمّن لم يجترِح السيّئات ولا يجري عليه كتابتها لصِغَرِه سَمّاه زاكيًا، فأعلمه الخضِر بعلم من علم الله لم يكن عنده. والذي عليه أهل العلم بتأويل القرآن والسنّة، أنّ الغلام الذي قتله الخَضِر كان (مِمّن) (١) لم يبلغ حدّ التكليف على ما قاله أهل اللغة في الغلام أنّه كان طُبع كافرًا أو خُلِق كافرًا شَقِيًّا في بطن أمّه على ما روى ابن مسعود وأنس وأبو هريرة وغيرهم عن النبيّ ﷺ : "إِنَّ الشَّقِيَ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ" (٢). وقد روى سليمان (٣) عن رَقَبةَ بن مَصْقَلة عن [أبي] (٤) إسحاق (٥)

стр. 197

عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ : "أَنَّ الغُلاَمَ الَّذِي قتلَهُ الخَضِرُ طُبعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا" (١). ورَقَبة بن مَصْقَلة ثقة (٢)، وغيره في الإسناد يستغنى عن ذكره. وهذا الحديث مطابق للآثار المتواترة في أنّ: "الشَقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمَهِ" (٣). وروى سفيان وشعبة وأبو عوانة وأبو معاوية وعبد الواحد بن زياد وجماعة يطول ذكرهم كلّهم عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ أَوْ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ يَمْكُثُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثم يَصِيرُ مُضْغةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُم يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أنثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ مَا الأَجَلُ؟ وَمَا الأثرُ؟ فَيُوحِي وَيَكْتُبُ الملكُ، حَتَّى إِنَ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى لاَ

стр. 198

يَكُونُ بَيْنَه وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ أَوْ قَيْدُ بَاعٍ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ، فَيَعَمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى لاَ يَكُونَ بَيْنه وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ أَوْ قَيْدُ ذِرَاعٍ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجَنّةَ" (١). حدّثنا سعيد بن نَصْر وعبد الوارث بن سفيان قالا: حدّثنا قاسم بن أصبغ قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل قال: حدّثنا يحيى بن أبي (بكير) (٢) قال: ثنا زهير قال: ثنا عبد الله بن عطاء أنّ عكرمة بن خالد حدّثه أنّ أبا الطفيل حدّثه أنّه سمع عبد الله ابن مسعود يقول: "إنّ الشقيّ من شقي في بطن أمّه، وإنّ السعيد مَن وُعِظ بغيره، فخرجتُ من عنده أتعجّب مِمّا سمعتُه منه حتّى دخلت على (سريحة) (٣) حذيفة ابن أَسِيد الغفاري فتعجّبتُ عنده، فقال: مِمَّ تعجب؟ فقلت: سمعت أخاك عبد الله ابن مسعود يقول: "إنّ الشقيّ مَن شَقَيَ في بطن أمّه وإنّ السعيد من وُعِظ بغيره"، قال:

стр. 199

ومن أيّ ذاك تعجب؟ فقلت: أيشقى أحدٌ بغير عمل؟ فأهوى إلى أذنيه وقال: سمعت رسول الله ﷺ بأذنيّ هاتين يقول: "إِنَّ النُّطْفَةَ تَمكثُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ (يَتَصَوَّرُ) (١) عَلَيْهَا الملكُ - قال زهير: حسبته قال: الَّذِي يَخْلُقُهَا - فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أنثَى؟ يَا رَبِّ سوِيٌّ أَوْ غيرُ سَوِيٍّ؟ فيجعله الله سويًّا أو غير سويّ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؛ مَا أَجَلُهُ؟ مَا خَلْقُهُ؟ مَا رِزْقُهُ؟ " (٢). قال أبو عمر: والعلماء مجُمِعون إلّا طائفة شذّت أنّ أولاد المسلمين في الجنّة وإن كانوا لم يبلغوا الحُلُم، فعلمنا بالإجماع أنّ مَن مات من أولاد المسلمين قبل أن يبلغ التكليف كان مِمّن سُعِد في بطن أمّه ولم يَشْقَ، ففي هذا بيان وتلخيص لجملة تلك الأحاديث (٣).

стр. 200

وقد روي عن النبيّ ﷺ من نقل الآحاد العدول معنى ما أجمعوا عليه؛ من ذلك روى شعبة عن معاوية بن قُرّة بن إياس المزني عن أبيه عن النبيّ ﷺ : أنّ رجلًا من الأنصار مات له ابن صغير فوجد عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "مَا يَسُرُّكَ أَلّا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ إلَّا وَجَدْتَهُ يَسْتَفْتِحُ لَكَ؟ "، فقال أو فقيل له: يا رسول الله؛ أله خاصّة أم للمسلمين عامّة؟ فقال: "بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةٌ" (١). وقد أجمع جمهور العلماء على القول بهذا الحديث، وكفى بهذا حجّة. وأمّا حديث طلحة بن يحيى عن عمّته عائشة بنت طلحة عن عائشة أمِّ المؤمنين قالت: "أُتِيَ رسولُ الله ﷺ بِصَبِيٍّ مِن صِبيان الأعراب ليُصَلِّيَ عليه، فقالت: طُوبَى له، عُصْفُورٌ مِن عصافيرِ الجنّة، لَم يعمل سوءًا ولم يُدْرِكْه ذنب، فقال النبيّ ﷺ : "أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ خَلَقَ الجَنّةَ، وَخَلَقَ لهَا أَهْلًا، وَهُمْ فِي أَصْلاَبِ آبائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلاَبِ آبائِهِمْ، اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ"" (٢).

стр. 201

فحديثٌ مُنكَر، وطلحة بن يحيى ضعيف لا يُحتَجّ به (١)، وأكثرُ النّاس على حديث شعبة عن معاوية بن قُرّة، إلّا طائفة تفرط في الخير والقول به، تجعل الأطفال كلّهم في المشيئة ما سبق لهم في بطون أمّهاتهم. وهذا قول في أطفال المسلمين مهجور ولم يَعدُّوه خلافًا. وأمّا أطفال المشركين فاختلفت الآثار في ذلك عن النبيّ ﷺ واختلف العلماء في ذلك - أيضًا - باختلافها، والذي عليه جمهور أهل السنّة وعامّتُهم في أطفال المشركين،

стр. 202

الوقوف عن القطع عليهم بجنّة أو بنار (١)؛ لأنّ ابن شهاب روى عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة سمعه يقول: سُئِل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين؟ فقال:

стр. 203

"اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ" (١). وروى أبو بِشر عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس عن النبيّ ﷺ مثله، (رواه) (٢) شعبة وغيره عنه (٣). وروى الثوري عن أبي نَضْرة العَبْدي عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ ﷺ مثله (٤). وجائز عند أكثر الجماعة وأهل السنّة وممكن تعذيب الله الأطفال في الآخرة بالنار كما يؤلمهم في الدنيا بالآلام والأسقام إن كان سبق لهم ذلك عند أخذ الميثاق عليهم، وكتب عليهم في بطون أمّهاتهم بِدَرَك الشقاء لهم حينئذ، والله غير ظالم لهم، ولا لغيرهم؛ لأنّ الظالم إنّما يكون من أزال الشيء عن موضعه، بأن يخالف ما أُمر به أو نهي عنه، وقد جلّ الله تعالى عن أن يُؤمَر أو يُنهَى، والكلام في هذا طويل جدًّا. وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "خَلَقَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ، ثُمَّ أَخَذَ الخَلْقَ مِنْ ظَهْرِهِ،

стр. 204

فَقَالَ: هَؤُلاَءِ لِلْجَنَّةِ وَلاَ أُبالِي، وَهَؤُلاَءِ لِلنَّارِ وَلاَ أُبالِي" (١)، وروي هذا من وجوه كثيرة بمعنى واحد. (وأخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثني أبي قال: حدّثني أحمد بن خالد قال: ثنا عليّ بن عبد العزيز؛ [و] أخبرنا قاسم بن محمّد (٢) قال: ثنا خالد بن سعيد قال: ثنا أحمد بن عمرو قال: ثنا محمّد بن سنجر قالا جميعًا) (٣): ثنا حجّاج بن منهال قال: ثنا حمّاد بن سلمة قال: ثنا عليّ بن (زيد) (٤) عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله ﷺ بعد صلاة العصر إلى مغربات الشمس؛ حفظها من حفظها، ونَسِيَها من نَسِيَها، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: "أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ,

стр. 205

وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلاَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، أَلاَ إِنَّ بَني آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا، فَيَحْيَى مُؤْمنَا وَيَمُوتُ مُؤْمنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا، وَيمُوتُ مُؤْمنًا، وَمنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا. . ." (١)، وذكر باقي الحديث. وهذه الآثار كلّها في معنى حديث غلام الخضر أنّه طبع كافرًا، والآثار في هذا الباب كثيرة جدًّا لا يحملها الكتاب. وقالت طائفة من أهل العلم: إنّ أطفال المشركين في النار، واحتجّوا بحديث الشعبي عن علقمة بن قيس عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: أتينا رسولَ الله ﷺ أنا

стр. 206

وأخي، فقلنا: يا رسول الله؛ إنّ أُمَّنا كانت تَقْرِي الضيفَ وتَصِلُ الرَّحِم وتفعل، وأنّها وَأَدَتْ أختا لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافع أُخْتَنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أَرَأَيْتُمُ الوَائِدَةَ وَالْمَوْءُودَةَ، فَإِنَّهُما جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الوَائِدَةُ الإِسْلاَمَ، فَتُسْلِمَ فَيَعْفُوَ اللهُ عَنْهَا" (١). وهذا عندنا يَحتَمِل أن يكون خرج قوله ﷺ في عَيْن لا يتعدّى (٢)، واحتجَّت هذه الطائفة - أيضًا - بحديث ابن عبّاس عن الصعب بن جثامة أنّ النبيّ ﷺ سُئِل عن أهل الديار من المشركين فَيُسْبُون، فيصاب من ذراريهم ونسائهم؟ فقال: "هُمْ مِنْهُمْ"، وبعضهم يقول في هذا الحديث: "هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ" (٣). وهذا - أيضًا - عندنا على أحكام الدنيا، وعلى ذلك خرج السؤال. والجواب - والله أعلم - أنّه لا قَوَد على مَن قتل مِن أطفالهم ولا دِيَة ولا كَفّارة. وقالت طائفة من أهل العلم أيضًا: أطفال المشركين في الجنّة، واحتجّوا بآثار، منها: ما رواه ياسين بن معاذ الزيّات - وليس بالقويّ (٤) - عن الزهري عن عروة عن

стр. 207

عائشة قالت: سألَتْ خديجةُ النّبيَّ ﷺ عن أولاد المشركين؟ فقال: "هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ"، ثمّ سألَتْه بعد ذلك؟ فقال: "اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"، ثمّ سألَتْه بعدما استحكم الإسلام؟ فَنَزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فقال: "هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَقَالَ: هُمْ عَلَى الفِطْرَةِ، وَقَالَ: هُمْ فِي الجَنَّةِ" (١). واحتجّوا - أيضًا - بالحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ من حديث أبي هريرة وغيره: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" (٢)، قالوا: والفطرة عندنا الإسلام، واحتجّوا - أيضًا - بحديث عياض بن حمار عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "قَالَ اللهُ : إِنِّي خَلَقْتُ

стр. 208

عِبَادِي حُنَفَاءَ" (١)، في حديث طويل ذكره، واحتجّوا - أيضًا - بحديث أبي رجاء العُطاردي عن سَمُرَة بن جُنْدُب عن النبيّ ﷺ حديث الرؤيا - الحديث الطويل - وقوله: "وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ"، قال: فقيل: يا رسول الله؛ فأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : "وَأَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ". وفي رواية أخرى عن أبي رجاء العُطاردي في هذا الحديث: "وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ أَوْلاَدُ النَّاسِ" (٢). وهذا الحديث محُتمِل للتأويل أيضًا، ليس فيه حجّة قاطعة، وبالله التوفيق. وقد استوعبنا القول في معاني هذا الباب كلِّه، وما تفرق [أهل] (٣) الإسلام فيه في "التمهيد" (٤) [وذكرنا فيه] (٥) ما جاء من الآثار، والحمد لله. واحتجّوا - أيضًا - بقول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ

стр. 209

تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧]. قالوا: ومَن لم يعمل ولم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء ولم يُجْزَ بما لم يعمل. واحتجّوا - أيضًا - بالإجماع في رفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا؛ قالوا: فالآخرة بذلك أولى، وقالوا: وإذا لم يكونوا في النار بدليل القرآن والسنّة؛ لم يكن لهم بُدٌّ من الجنّة؛ لأنّه لا دار هناك للقرار إلّا الجنّة والنار، وقد روى يزيد بن هُرْمُز عن ابن عبّاس في جوابه لنجدة الحروري، حين كتب إليه يسأله عن مسائل منها: قتل أولاد المشركين؟ فكتب إليه ابن عبّاس: "إنّ رسول الله ﷺ لم يكن يقتل أولاد المشركين، وأنت فلا تقتلهم إلّا أن تكون تعلم منهم مثل ما علم الخضر من الغلام حين قتله" (١)، والكلام في هذا الباب يتّسع، وقد طوّلتْ فيه الفرق، والله الموفّق للصواب.

стр. 210

الحديث السادس عشر حديث أبي (جمرة) (١) عن ابن عبّاس إذ سأله عمّا استيسر من الهدي فقال: "جَزور أو بقرة أو شاة أو شِرْكٌ في دم" (٢). وحديث عليّ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَشْرَكَهُ فِي هديه" (٣). قلتَ: وتَرَكَ أهل العلم بأجمعهم هذا المعنى، وقالوا: ما اسْتَيْسَر من الهدي؛ شاة (٤)، قلتَ: وقد ذكر مالك في "موطّئه" ما يوافق قول ابن عبّاس،

стр. 211

وهو حديث أبي الزبير عن جابر قال: "نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ" (١). فالجواب: إنّ حديث ابن عبّاس وقوله هذا صحيح مُستعمَل عند جمهور أهل العلم، وليس بمتروك عند جميعهم كما ظننتَ، بل لا يَتْرُكُه إلّا أقلُّهم، اللهمّ إن كنت أدرتَ ظاهر قوله: "أو شِرْكٌ في دم"، فتَوَهَّمْتَ أنّ الشاة يجوز فيها الاشتراك؛ لأنّه يقع عليها اسم دم، فإن كنتَ ظننتَ هذا؛ فهو كما ذكرتَ، لا يقوله أحد من علماء المسلمين (٢) - (أي: من) (٣) وجب عليه دم أنّه تجزئه بعض شاة - وإنّما أجاز العلماء الاشتراك في البدنة

стр. 212

والبقرة دون الشاة لكلّ مَن لَزِمَه ما اسْتَيْسَر من الهدي لمُتعة أو قِران أو غير ذلك مِمّا يَدخُل في الحجّ؛ لأنّ البدنة والبقرة تعدل عنهم سبع شياه، ومِمّن أجاز ذلك من أهل العلم؛ الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وداود ابن عليّ (١) وعامّة الفقهاء، وروى منصور عن ربعي قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: البقرة عن سبعة" (٢). وروى محمّد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أناس من أصحاب محمّد ﷺ قالوا: "البقرة عن سبعة" (٣). وعن عليّ وابن مسعود قالا: "البقرة عن سبعة، والبدنة عن سبعة" (٤)، وأكثر العلماء على هذا.

стр. 213

وقد روى ابن عبّاس والمسْوَر بن مَخْرَمة: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ؛ البَدَنَةَ عَنْ عَشَرَةٍ" (١)، وهذا حديث غير مُستعمَل عند الجميع (٢).

стр. 214

وقد أجمع العلماء أنّ البقرة لا تجوز عن أكثر من سبعة، وكذلك البدنة (١)، وفي إجماعهم على ذلك دليل أنّ الحديث وَهَمٌ أو منسوخ، وإنّما قلتُ ذلك - إنّ هذا إجماع - لأنّ المسألة على قولين؛ أحدهما نفي الاشتراك في البدنة والبقرة أصلًا، والثاني إجازة الاشتراك فيها عن سبعة لا زيادة، وكلا القولين ينفي الاشتراك فيما فوق السبعة، وقد كان زُفَر بن الهُذَيل يقول: "إن كان الهدي الواجب على سبعة أنفس وكان من باب واحد، مثل أن يكونوا كُلُّهم وَجَب عليهم دم مُسْتَيْسَر عن متعة أو غيرها من وجه واحد جاز لهم الاشتراك في البقرة والبدنة إذا كانوا سبعة فأدنى؛ قال: وإن اختلف الوجه منه وجب عليهم الدم، [و] (٢) لَم يُجْزِهم ذلك" (٣)، وكان أبو ثور يقول: "إن شاركهم ذِمِّيٌّ أو مَن لا يريد الهدي، وأراد حصّته من اللحم أجزأ مَن أراد منهم

стр. 215

الهدي سبعة ويأخذ الباقون حِصَّتَهم من اللحم"، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: "إن كان منهم ذمّيّ أو من لا يريد الهدي فلا يُجْزِهم عن الهدي" (١). وأمّا مالك ﵀ فإنّه كان يجيز الاشتراك في هدي التطوّع، روى ذلك ابن وهب وغيره عنه، ومن حُجَّتِه في ذلك: "أنّ رسول الله ﷺ أشرك عليًّا في هديه" (٢)، وكان تطوّعًا؛ لأنّه كان عنده مُفرِدًا في حجّته ﷺ ، ولا يجيز مالك الاشتراك في الهدي الواجب ولا الضحايا إلّا أن يتطوّع الرجل فيضحّي عن نفسه وعن أهل بيته بشاة واحدة، فيجوز ذلك؛ لأنّ رسول الله ﷺ قد تطوّع ببعض ضحاياه عنه وعن أمّته (٣). وقال ابن شهاب عن عمرة وعروة عن عائشة: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً وَاحِدَةً فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بَيْنَهُنَّ" (٤)، وروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير
следующие страницы →