الفقرة الخامسة: حكم تثنية "قد قامت الصلاة" في إقامة الصلاة:
اختياره (ص ١٦٦) أن يقول المؤذّن في الإقامة: "قد قامت الصلاة" مرّتين، استدلالاً بحديث أنس: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلاّ الإقامة"، وبحديث عبد الله بن عمر: "إنّما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرّتين مرّتين، والإقامة مرّة مرّة، غير أنّه يقول: "قد قامت الصلاة"، مرّتين، قال المصنّف: "هذا قاطع في موضع الخلاف".
الفقرة السادسة: حدّ الصلاة في الليل:
ذهب ﵀ (ص ١٧٩) بعد أن ذكر حديث ابن عبّاس الذي فيه أنّ النبيّ ﷺ صلّى في قيام الليل ثلاث عشرة ركعة، وحديث عائشة الذي فيه أنّه صلّى إحدى عشرة ركعة، إلى أنّ صلاة الليل ليست مقدّرة محدودة بعدد معلوم، وأنّ للمرء أن يزيد فيها وينقص، واستدلّ - أيضًا - بحديث أبي ذرّ: "الصلاة خير موضوع، فمن شاء استكثر، ومن شاء استقلّ".
الفقرة السابعة: حكم قصر الصلاة في السفر:
اختياره (ص ١٤٢) أن قصر الصلاة في السفر سنّة مؤكّدة، لا ينبغي تركها ولا الرغبة عنها، وأنّ الفضل في إتيانها استدلالاً بالأحاديث القاضية بأنّ القصر في السفر صدقة تصدّق الله بها علينا، وبما صحّحه من أنّ الصلاة فرضت أربعًا، نقلاً عن جمع من أهل العلم، منهم ابن عبّاس ونافع بن جبير بن مطعم والحسن البصري، وحمله معنى "فرضت" في حديث عائشة وغيره على معنى "التقدير" أي: قُدِّرت، وكذا استدلاله
стр. 72
على هذا الاختيار بما نقله عن أبي الفرج القاضي من أنّ الإجماع على وجوب إتمامها خلف المقيم وبحديث: "سافرنا مع رسول الله ﷺ فمنّا الصائم ومنّا المفطر، ومنّا المقصّر، فلم يعب واحد منّا على صاحبه"، وبإتمام عائشة، وكذا عثمان، وسائر الصحابة لمّا صلّوا وراءه، وبما نقله عن سعد بن أبي وقّاص.
الفقرة الثامنة: حكم الرهن والكفيل في السلم:
ذهب المصنّف - رحمه الله تعالى - (ص ٢٢٦) إلى إجازة الرهن والكفيل في السلم، وذلك بالقرآن والسنّة والقياس على إجماعهم على إجازته في الدين المضمون من غير سلم، فقال ﵀: "الرهن والكفيل جائز عندنا بظاهر القرآن والسنّة والقياس على إجماع العلماء على إجازته في الدين المضمون من غير السلم"، وعزا هذا المذهب لِمالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم.
الفقرة التاسعة: حكم إقامة الحدود والقصاص في الحرم:
١ - ذهب ﵀ (ص ١١٠) إلى جواز إقامة الحدّ والقصاص في الحرم، وذكر الخلاف في ذلك عن الفقهاء، ثمّ ذكر قول قتادة في توجيه قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: "كان ذلك في الجاهلية، فأمّا اليوم؛ فلو سرق في الحرم قطع، ولو قتَل قُتِل، ولو قدر فيه على المشركين قتلوا"، قال ابن عبد البرّ ﵀: "على هذا القول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والأثر، وهو الصحيح عندنا في النظر؛ لأنّ الله تعالى قد أمرنا بالقصاص وإقامة الحدود أمرًا مطلقًا عامًّا، لم يخصّ به موضعًا من موضع، ولا خصّه رسول الله ﷺ ، ولا أجمعت الأمّة على خصوصه، ولا قامت بخصوص حجّة لا مدفع لها".
стр. 73
٢ - اختياره (ص ١١٠) أنّ من سرق في الحرم قطع، ولو قَتَل قُتِل، ولو قدر فيه على المشركين قُتلوا، واستدلّ بعموم أمر الله تعالى بإقامة القصاص دون تخصيص لمكان، وكذا لم يخصّ النبيّ ﷺ موضعًا من موضع، ولا أجمعت الأمّة على خصوصه، وكذا لم يرد بخصوصه حجّة لا مدفع لها.
الفقرة العاشرة: حكم تغليظ الدية على من قتل في الحرم:
ذكر ﵀ (ص ١١٠) اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، ففريق ذهبوا إلى أنّ القتل في الحلّ والحرم سواء، وذهب فريق آخر إلى تغليظها على من قتل في الحرم، وبعد أن حكى المصنّف قولهم قال: "ومن الحجّة على من ذهب هذا المذهب قوله في قاتل الخطإ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، ولم يخصّ موضعًا من موضع، وفرض النبيّ ﷺ الديات، ولم يخصّ موضعًا من موضع، ولا فرّق بين الحلّ والحرم والله أعلم".
الفقرة الحادية عشرة: حكم من فعل عبادة على وجه اجتهد فيه إصابة الحقّ:
اختياره (ص ١٦١) أنّ من فعل عبادة على وجه اجتهد فيه إصابة الحقّ، كمن طلب الماء، واجتهد ولم يجده فأحرم بالصلاة، ثمّ طرأ عليه الماء أنّه يتمادى في صلاته، ولا شيء عليه، وكذا من اجتهد في طلب القبلة يمنة ويسرة، وكذا من اجتهد في إصابتها فاستدبرها خطأ ثمّ بأن له جهتها أن يستقبلها ويبني في صلاته ولا يعيد.
стр. 74
المطلب الخامس: أصول الفقه
الفقرة الأولى: الفرق بين أمر ونهي الله وأمر ونهي الرسول ﷺ -:
ذهب ﵀ (ص ١٠٠) مذهب جماعة المالكيّين إلى أنّ ما حرّمه الله نصًّا متلوًّا من قرآن أو إخبارًا عن الله بالتحريم في السنّة أقوى من تحريم الأنبياء ﵈، فقال عند قوله ﷺ : "إنّ مكّة حرّمها الله، ولم يحرّمها الناس ... ": "وفيه - والله أعلم - دليل أنّ ما حرّم الله في كتابه نصًّا متلوًّا، أو خبرًا عن الله صحيحًا كان أقوى من تحريم الأنبياء ﵈ المأمور بطاعتهم والاقتداء بهم"، ثمّ ذكر الخلاف في هذه المسألة.
الفقرة الثانية: دلالة "مِن ":
ذهب ﵀ (ص ١٠٣) إلى أنّ "مِنْ" أكثر ما تدخل للتبعيض، وهذا في معرض توجيه قوله ﷺ : "ساعة من نهار"، فقال: "يدلّ على أنّه كان بعض النهار، لم يكن يومًا تامًا - والله أعلم - لأنّ "من" أكثر ما تدخل للتبعيض في مثل هذا".
الفقرة الثالثة: جواز النسخ في الأمر والنهي
ذهب ﵀ (ص ٩٥) إلى جواز النسخ في الأمر والنهي، فقال ﵀: "ولم تختلف فرق الإسلام على اختلافها في كثير من الدين والأحكام أنّ النسخ في مثل هذا جائز في الأمر والنهي، وأنّ البداء لا يضيفه إلى الله وإلى رسوله إلاّ كافر".
الفقرة الرابعة: تقديم المثبت على النافي
قال ﵀ (ص ١٨٣): "وليس يُعارَض قول المثبت بقول النافي".
стр. 75
الفقرة الخامسة: جواز الاجتهاد على الأصول
ذهب ﵀ (ص ١٧٥) إلى إباحة الاجتهاد على الأصول وجواز فعل المجتهد إذا كان الاجتهاد منه على أصل صحيح.
* * *
стр. 76
المبحث الثاني الكلام على النسخة المعتمدة في التحقيق مع نماذج من المخطوط
المطلب الأوّل: عنوان الكتاب
جاءت تسميته على غلاف النسخة الخطّية بخطّ حديث جدًّا: "الأجوبة المستوعبة عن المسائل المستغربة"، وكذا سمّاه ابن ليون، وسمّاه القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (٤/ ٨١٠): "الأجوبة الموعبة في المسائل المستغربة"، وتبعه على ذلك الحافظ الذهبي في "السير" (١٨/ ١٥٩)، وإن كان اقتصر على الجملة الأولى من العنوان، وكاتب جلبي وإسماعيل باشا، ووقع في كتابه تحريف، فقال: "المرعبة" بدل: "الموعبة"، واخترت أن يكون عنوان الكتاب: "الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري"؛ لأنّ المصنّف ﵀ سمّاه كذلك في كتابه "التمهيد"، انظر: (٦/ ١٦٩، ٤٨١)، (٧/ ١٠٧)، (١٧/ ٣٥٤)، (١٨/ ١١٥)، (٢٣/ ٤٣٨)، وكذا ذكره هكذا في "الاستذكار" (١/ ٢١١)، وقال: "الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري"، وكذا الزرقاني في "شرح الموطّأ" (١/ ١١٢)، والسهيلي في "الروض الأنف" (٤/ ١٧٨).
стр. 77
المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب
لا يشكّ باحث في صحّة نسبة كتاب "الأجوبة عن المسائل المستغربة" للإمام الحافظ ابن عبد البرّ، ويكفي في ذلك:
أ - ذكره منسوبًا إليه على غلاف النسخة الخطّية.
ب - أنّ أسلوب الحافظ ابن عبد البرّ بَدَا واضحًا جليًّا في هذا الكتاب، فهو ليس بعيدًا عن أسلوبه في سائر كتبه، وبالخصوص منها كتابه "التمهيد".
جـ - أنّه ﵀ قد أحال في هذا الكتاب على بعض مؤلّفاته، ومنها: "التمهيد"، و"الاستذكار"، وهو قليل، انظر (١/ ٢١١)، وقارن بـ "التمهيد" (٦/ ١٦٩، ٤٨١)، (٧/ ١٠٧)، (١٧/ ٣٥٤)، (١٨/ ١١٥)، (٢٣/ ٤٣٨)، حيث أحال على كتابنا هذا، وكذا أحال في "الاستذكار" (١/ ٢١١).
د - أنّ بعض الذين ترجموا لابن عبد البرّ نسبوا هذا الكتاب له، وذكروه من جملة مؤلّفاته، وأقدمهم في ذلك القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (٤/ ٨١٠)، ثم ذكره بعده كلّ من:
• الحافظ الذهبي في "تاريخ الإسلام" (وفيات ٤٦١ - ٤٧٠ هـ/ ١٤٠)، وفي "السير" (١٨/ ١٥٩)، و"تذكرة الحفّاظ" (٣/ ١١٢٩).
• ابن ليون التجيبي (سعد بن أحمد بن إبراهيم، المتوفّى سنة ٧٥٠ هـ) في "بغية المؤانس من بهجة المجالس" (ق ٢/ أ - نسخة الرباط).
• كاتب جلبي (مصطفى بن عبد الله المشهور بحاجي خليفة، المتوفّى سنة ١٠٣٦ هـ (في "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" (١/ ١٢).
стр. 78
• إسماعيل بن محمّد باشا البغدادي (المتوفّى سنة ١٣٣٩ هـ) في "هدية العارفين في أسماء المؤلّفين وآثار المصنّفين" (١/ ٥٥٠).
وذكره بعض المصنّفين في مصنّفاتهم، منهم:
• السهيلي، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي (٥٨١ هـ) في "الروض الأنف" (٤/ ١٧٨).
• محمّد الزرقاني في "شرحه على الموطّأ" (١/ ١١٢).
المطلب الثالث: وصف النسخة المعتمدة
• هي نسخة فريدة - فيما أعلم - أصلها محفوظ بمكتبة المتحف في مدينة "قونيا" بتركيا، برقم قديم (٤٢١٩)، وهي الآن برقم جديد، وهو (١٢٢١٣)، حصلت على نسخة منه أعطانيها شيخي العلاّمة المحدّث حمّاد بن محمّد الأنصاري ﵀ (١)، ثمّ سافرت إلى مدينة "قونيا" بتركيا، فعاينت المخطوط الأصل بنفسي، وقابلته بالنسخة المصوّرة، فاستدركت بعض الشيء الذي لم يظهر في الصورة التي كانت عندي، ولتعذّر التصوير في مكتبة المتحف، واستحالة إخراج المخطوط خارجها، فقد كتبت ما كان ساقطا بخطّي، وبعضه رسمته رسما كما هو في المخطوط، ويظهر أنّ المخطوط كان ضمن مجموع، فقد وجدت على الصفحة الأولى منه التي فيها العنوان:
стр. 79
- وفيه - أيضًا - "كتاب مناسك الحجّ" للشيخ تقي الدين أبي العبّاس أحمد ابن تيمية رحمه الله تعالى.
- وفيه: "من نصيحة الملوك" للغزالي.
- وفيه أيضًا: فوائد وحكم ومواعظ.
- وفيه أيضًا: مسائل متفرّقة على مذهب الشافعي.
وعدد أوراقها (٥٢) ورقة، وفي كلّ صفحة من كلّ ورقة (١٧) سطرًا.
• الخطّ: الخطّ نسخ مشرقي عادي، والمخطوط كلّه بخطّ واحد متناسق.
• تاريخ النسخ: ليس في النسخة ما يدلّ على تاريخ النسخ، وأشار رمضان ششن في "نوادر المخطوطات العربية في مكتبات تركيا" (١/ ١٢٧) أنّها من منسوخات أوائل القرن التاسع الهجري.
• - اسم الناسخ: لم يذكر اسم الناسخ.
• استعمل الناسخ في الكتاب المداد الأسود إلاّ في ترقيم الأحاديث، وكذا عند قوله: "الجواب"، فإنّه استعمل المداد الأحمر.
• وصف النسخة من حيث الجودة والعناية بها وضبطها:
النسخة جيّدة في العموم، إلاّ أنّ فيها سقطًا أظنّه كبيرا، وذلك عند نهاية الصفحة (ب) من الورقة (٥٠)، حيث سقط منه جلّ الحديث رقم (١٩)، وجلّ الحديث رقم (٢٠)، الذي لم أتبيّن موضوع البحث فيه، وفيها بعض البياضات، وهي قليلة جدًّا، انظر: (ص ١٠٢)، وكذا فيها كثير من الخلل الناتج عن إسقاط بعض المفردات الرابطة بين الجمل والكلمات، انظر مثلًا: (ص ٢٢٥)، وكذا فيها مواضع
стр. 80
استشكلتُ قراءتها وتركيبها، انظر على سبيل المثال: (ص ١٦٩)، وقد وقع من الناسخ خطأ في ترقيم الأحاديث المشكلة، فبعد الحديث العاشر ذكر الحديث الثاني عشر بدل الحادي عشر، وقد نبّهت على هذا في القسم المحقّق.
وعلى العموم؛ لم تؤثّر هذه البياضات ولا الكلمات الساقطة من تمام سياق الجواب الذي أجاب به المصنّف، والملاحظ أنّ النسخة قد قرئت وعلّق قارئها على المواضع المشكلة، سواء بسقوط بعض الكلمات، أو البياض الموجود أو بعض التراكيب والسياقات المختلّة - بأن وضع على كلّ موضع منها علامة في الحاشية على شكل حرف الهمز (ء)، انظر مثلاً: الورقة (١/ ب)، (٣/ ب)، (٦/ ب)، (٧/ ب)، (٩/ ب)، (١٨/ أ)، وغيرها، وسيأتي التنبيه على كلّ ذلك إن شاء الله في قسم التحقيق.
وأيضًا فإنّ هذه النسخة مقابلة، وفيها تصحيحات في الهامش وَلَحْقٌ، وضرب على بعض الكلمات، والجمل الزائدة في النص، وقد قال الإمام الشافعي: "إذا رأيتم الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهدوا له بالصحّة"، "آداب الشافعي ومناقبه" (ص ١٣٤).
وتميّزت النسخة - أيضًا - بنظام التعقيبة، و"التعقيبة": هي "الكلمة التي تكتب أسفل الصفحة اليمنى غالبًا لتدلّ على بدء الصفحة التي تليها" (١)، وكانوا يفعلون هذا وصلاً للجمل بعضها ببعض، وتفاديًا لاضطراب أوراق النسخة إذا تداخلت فيما بينها، ولكنّ الناسخ لم يلتزم هذا النظام في كلّ النسخة، بل فعله أحيانًا.
стр. 81
هذه الورقة الأولى من المخطوط، وفيها عنوان الكتاب والتاريخ.
стр. 82
هذه اللوحة الأولى من المخطوط وهو بداية الكتاب.
стр. 83
هذه اللوحة الأخيرة من المخطوط وهي نهاية الكتاب.
стр. 84
النص المحقّق
كتاب
"الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري"
للحافظ ابن عبد البر
стр. 85
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربِّ يَسِّر
الحمد لله الكبير المتعال، المنفرد بالعزّ والكمال، خلق الخلق على غير مثال، بعث الرسل، ونهج السُّبل، وختم أنبياءه بمحمّد ﷺ ، أرسله بالحقّ والهدى كاشفًا للحيرة والعمى، أنزل عليه كتابه الناطق بكلامه الصادق ليُبَيِّن للناس ما يَتَّقُون، وما بهم إليه الحاجة مِمّا يعلم ﷺ وعلى آله أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين.
أمّا بعد:
رعاك الله وكَلأك، وزاد في توفيقك وتقواك؛ فإنّه وردني كتابك الكريم، تضمّن عن النطق عن محبّتك، وجميل طويل وُدِّك، من تحرّصك على العلم، والازدياد من الفهم، وكريم العناية والاجتهاد والدراية، والجري في ميدان الطلب إلى الغاية، وسألت الله تعالى المزيد من الذي عندك، وإحسانه إليك، وحسن عونه على ما يرضاه، ويزلف إليه ويقرّب منه، وإليه أبتهل لا شريك له، في أن يَهَب لنا ولك علمًا نافعًا، وأن يُجِيرَنا من علم لا ينفع، ودعاء لا يُسمع؛ وذكرتَ في كتابك أنّ علماء زمانك، وفقهاء مِصْرِك أغفلوا حديث الرسول ﷺ ، ونبذوه وراءهم ظهريًّا، وقرؤوا ظاهره ولم يعلموا باطنه، وتركوا الأصول وعوّلوا على الفروع، إلى سائر ما أوردته من الإطراء الذي نحن عنه في غنى، وذِكرُه عَنًى؛ وذكرتَ أنَّه استعجم عليك من الجامع الصحيح للبخاري
стр. 86
- رحمه الله تعالى - أحاديث استَغْلَقَت عليك معانيها، ورَجَوْتَني لكشف المعمي عنك فيها، وسألتني شرحها وبسطها بما حضرني، وألفاني كتابك عليل اللحم والقلب، قليل النشاط، مشغول الفكر؛ ولكنّي مع ذلك لم أرَ أن أُخليَك من الجواب بما أمكن وحضر، (على الاختصار) (١)، وترك التطويل، وحذف الاحتجاج والدليل؛ فذكرتُ أحاديثك في كتابي هذا على حسب ما كتبتَ به، وجئت بلفظك في سؤالك على حسب ما أوردتَه، وجاوبتُ عن ذلك بما حضرني خطُّه، ويُسّر لي ذكره؛ مستجيرًا بالله من الزلل في القول والعمل، ومستقصرًا لنفسي، وباكيًا عليها إذ الأيّام أحوجت إليها، ولعمري إنّه لموضع البكاء؛ لإغفال أهل الطلب ما كان عليه سلفهم، من طلب السنن ومعانيها، وجمع الأصول وحفظها، والعناية بكتاب الله ، والتفهّم والتفقّه فيه، وفي سُنَّة الرسول ﷺ ، وإضرابهم عن ذلك كلّه، إلى ما قد حلا على قلوبهم مِمّا يجتلبون به دنياهم، وفّقنا الله تعالى وإيّاهم لمِا يرضي به عنّا، وألهمنا الصبر، وأعاننا عليه من الأيّام القليلة المعدودة الفانية، وجعلنا من الطائفة الظاهرة بالحقّ التي لا يضرّها ما ناوأها إلى أن تقوم الساعة، آمين برحمته.
وهذا حين أصير إلما ذكر الأحاديث والقول فيها بعون الله تعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 87
أوّلها: حديث أبي شريح (١)
إذ قال لعمرو بن سعيد (٢)، وهو يبعث البُعوث إلى مكّة: إيذن لي أيّها الأمير أحدّثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سَمِعتْه أذناي ووعاه قلبي وأَبْصَرَته عيناي، ثمّ قال: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ اْلآخرِ أَنْ يَسْفِكَ بهَا دَمًا وَلاَ يَعْضِدَ بهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأمسِ، فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ"، فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إنّ الحَرَم لا يُعيذ
стр. 88
عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخَرْبَة (١)(٢).
فقلتَ: ما معنى قوله: "وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ"، وقوله: "قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأَمْسِ"، وهو ﷺ قد أمر بقتل ابن خطل، وقتل الفواسق؟
فالجواب وبالله العون:
إنّ قوله: "وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ" إخبار أنّ الله حرّمها، قال الله : ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١]، فلا سبيل إلى استحلاله لمن اتقاه إلّا بإذن من الله الذي له ملك السموات والأرض، يمحو ما يشاء ويُثبت، ويُحِلُّ
стр. 89
ويُحرِّم، ويغني ويفقر، ويحيي ويميت، ابتلاءً واختبارًا، لا بداء (١) كما قالت اليهود لعنها الله، ولكن لمصالح العباد واختبارهم، ليبلوهم أيّهم أحسن عملًا، وأيّهم ألزم لمِا أُمر به ونُهي عنه، لتقع المجازاة على الأعمال، وقد أذن الله الذي حرّم مكّة - تبارك اسمه - لرسول الله ﷺ فيما أذن فيه من القتال، ثمّ أخبر ﷺ أنّها عادت إلى حالها، وبه عرفنا تحريمها أوّلًا وآخرًا، ولا علم في مثل هذا إلّا ما قرع السمع؛ لأنّه لا مدخل للعقل في الشرع، ولم تختلف فرق الإسلام على اختلافها في كثير من الدين والأحكام أنّ النسخ في مثل هذا جاء به من الأمر والنهي، وأنّ البَداء لا يضيفه إلى الله وإلى رسوله إلّا كافر، وأغني عن القول في ذلك، وقد روي عن ابن عباس وغيره ﵃ (٢) عن النبيّ ﷺ
стр. 90
نحو حديث أبي شريح هذا "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ"، وقوله: "لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبلي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ"، وقوله ﷺ حديث ابن عبّاس ﵄ أيضًا: "إِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاْلأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لاَ يَحِلُّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلي، وَلاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" (١)، والأحاديث في هذا كثيرة، وقد روى ابن عمر وابن عبّاس وأبو بَكرة وعمرو ابن الأحوص وجابر وغيرهم ﵃، بألفاظ متقاربة ومعني واحد: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَهُمْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَقَالَ: "أَليْسَ هَذَا البَلَدُ الحَرَامُ؟ "، قالوا: نعم، "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي
стр. 91
شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" (١)، وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: "إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ... "، وذكر الحديث (٢).
وفي قوله: "وَلَمْ يحرِّمْهَا النَّاسُ" أيضًا دليل واضح على أنّ قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبْتَيْهَا (يعني: المدينة) " (٣)، ليس على ظاهره، وهو حديث رواه مالك عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس (٤)، وعمرو بن أبي عمرو
стр. 92
من شيوخ مالك، وليس بذاك القويّ عند بعضهم (١)، ومعناه عندي، والله أعلم: أنّ إبراهيم ﵇ أعلم بتحريم مكّة، وعُلم أنّها حرام بإخباره، فكأنّه حرّمها، إذ لم يُعرف تحريمها أوّلًا في زمانه إلّا على لسانه، كما أضاف تَوَفِّي النفوس مرّة إليه بقوله
стр. 93
تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]، ومرّة إلى ملك الموت بقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٢] , وجائز أن يُضاف الشيء إلى مَن له فيه سبب في كلام العرب، ويُحتمَل أن يكون معناه: أنّ إبراهيم منع من الصيد بمكّة والقتال فيها، ونحو ذلك، وإنّي أمنع من مثل ذلك في المدينة، و"التحريم" في كلام العرب: "المنع".
تقول العرب: حرّمت عليك داري، أي: منعتك من دخولها، وقال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، وموسي صغير لا تلحقه عبادة، وإنّما أراد: مَنَعْناه قَبول المراضع، وكما يدلّ - أيضًا - أنّ الله حرّم وليس إبراهيم الذي حرّمها، كما روي عمرو عن أنس قولَ عمر بن الخطاب ﵁ لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: أنت القائل لمكة خير (١) من المدينة؟ فقال له: هي حرم الله وأَمْنُه، وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول حرّم الله شيئًا (٢)، ولم يقل له: لا تَقُل حرّم الله وحرّم إبراهيم.
وفي حديث مالك وغيره عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ دَعَاكَ لِمَكَّةَ" (٣)، وهذا أولى من رواية مَن روي: "أَنَّ
стр. 94
إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ"، وقد ثبت بالآثار الصحاح عن النبيّ ﷺ : "أَنَّ اللهَ حَرَّمَهَا وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، وَإِنَّهَا بَلَدٌ حَرَامٌ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاْلأَرْضَ" (١)، وهذا مشهور صحيح عند أهل الأثر وجماعة أهل السِّير، فلا وجه لمِا خالفه من الرواية على أنّها ليست بالقوية، ولو صحّت لكان معناها ما ذكرنا، والله أعلم.
وفي قوله ﷺ : "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ"، تعظيمٌ منه لحُرمتها، وفيه - والله أعلم - دليل على أنّ ما حَرّم الله في كتابه نصًّا متلوًّا أو خبرًا عن الله صحيحًا كان أقوى من تحريم الأنبياء ﵈ المأمور بطاعتهم والاقتداء بهم، وهذا موضع اختَلَف فيه العلماء قديمًا وحديثًا، فقوم ذهبوا إلى هذا، وهو مذهب أصحابنا المالكيين، وقوم ذهبوا إلى أنّ ما حرّم الرسول وحرّم الله سواء، ولكلّ واحد من الفريقين حُجَج يطول ذكرها (٢)،
стр. 95
وقد أجمعوا أنّ صيد المدينة لا جزاء له ولا فدية، وهو تحريم النبيّ ﷺ ، وأنّ صيد مكّة يجزي؛ لأنّه مِن نصّ كتاب الله ، وهذا مِمّا يُحتجّ به لأصحابنا، وبالله توفيقنا.
وفيه - أيضًا - دليل على أنّ الأنبياء لهم أن يحرّموا بما أراهم الله وأذن لهم فيه، والله أعلم.
وأمّا قولك: ما معنى قوله ﵇: "قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ"، وهو ﵇ قد أمر بقتل ابن خطل، وقتل الفواسق، فمعناه عندي والله أعلم: أنّ ابن خطل لمّا وجب سفك دمه لِمَا كان قد ارتكبه من الارتداد وقَتْل مَن قَتَل مِن المسلمين لم تنفعه مكّة وحرمتها في ما قد لزمه، وهو قول أكثر الفقهاء، وسنذكر اختلافهم في ذلك عند تمام القول في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ويُحتمل أن يكون رسول الله ﷺ يأمر بقتل ابن خطل وغيره إلّا في الوقت الذي أُحلّ له فيها القتال، وقال أهل العلم بالسير: إنّ رسول الله ﷺ قد كان يعهد إلى أمرائه مِن المسلمين حين أَمَرهم أن يدخلوا مكّة ألّا يقاتلوا إلّا مَن قاتلهم، إلّا أنّه قد عهد في نَفَر سَمّاهم أن يقتلهم، وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد ابن أبي سرح العامري، كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ثمّ ارتدّ ولحِق بمكّة في قصّة طويلة (١)، وعبد الله بن خطل رجلٌ من بني تيم بن غالب، كان مسلمًا فبعثه رسول الله ﷺ مصدِّقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، فقتل الأنصاريَّ وارتدّ ولَحِق بمكّة (٢)،
стр. 96
وكانت القينتان (فرتني) (١) وصاحبتها تغنيان بهِجاء رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بقتلهما معه فاستعاذ ابن خطل بالكعبة، وتعلّق بأستارها فلم ينفعه ذلك شيئًا لمِا كان قد سبق فيه من رسول الله ﷺ ، فقتله في ذلك اليوم، [ومنهم: سعيد بن حريث المخزومي، وابو برزة الأسلمي، و] (٢) الحُوَيْرَث بن نُقَيذ بن وهب بن عبد قصي (٣)، كان بِمِنًى يُؤْذِي رسولَ الله ﷺ ، ومِقْيَس بن صُبابة (٤) لقتله الأنصاريّ الذي قتل
стр. 97
أخاه خطأً بعد أن أخذ دِيَته، وعكرمة بن أبي جهل، فقُتل عبد الله بن خطل والحويرث ومقيس، وهرب عكرمة إلى اليمن، وفرّ العامري إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، واستأمن له رسول الله ﷺ فأمّنه، وقُتلت إحدى القينتين، وهربت الأخرى، وهذا كلّه - والله أعلم - إنّما كان في تلك الساعة التي أُذن فيها بالقتال، ولم يكن ساعة من ساعات النهار المعهودات الإثني عشر، والله أعلم، [وإنّما أراد ﷺ بقوله: "سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" - والله أعلم - لتقليل مرّ الوقت والزمن كما قال الله : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] إنّما أراد أنّ منهم مَن يُؤْتَمَن على الكثير، فَيَفِي ويُؤدّي أمانته، ومنهم من يُؤتمن على اليسير فلا يَفِي ولا يُؤدّي أمانتَه، ولم يُرِد القنطار بعينه ولا الدينار بعينه، وظاهر قوله ﷺ : "سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" يدلّ على أنّه كان بعض النهار، لم يكن يومًا تامّا والله أعلم؛ لأنّ "مِن" أكثر ما تدخل للتبعيض في مثل هذا (١).
стр. 98
وظاهر قوله: "قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ" يدلُّ على أنّ الساعة التي أُحلّ فيها القتال لم تكن أكثر من يومٍ، وليس في قَتلِ ابنِ خَطَل وغيرِه ما يُشكل، ولا ما يحتاج إلى القول لمن فهم؛ لأنّ الوقت الذي أُحلّت له كان ذلك منه فيه، والله أعلم، هذا مُمكن لا يُدفع إمكانُه، أو يكون ابنُ خطل إنّما أُمِر بقَتلِه لمِا استَوجَبَه من القتل، فلا يكون ذلك داخلًا في استحلال مكّة والحرَم؛ لأنّ الحَرَم لا يُعِيذ مَن وجب عليه القتل عند أكثر أهل العلم (١)، وأيُّ الوجهين كان فليس في قتل ابن خطل وأصحابه ما يدفع قوله: "قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا كَما كَانَتْ"، فتَدَبَّر هذا تَجِده كذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 99
ولخالد بن الوليد في فَتْح مكّة وقَتلِ قومٍ بها قصّة قد ذَكَرها أهلُ السير (١) وجاءت بها الأحاديث، ليس بنا حاجة إلى ذكرها.
وهذا الحديث الذي سَألتَ عنه ذَكرَه البخاري عن قُتَيبة بن سعيد عن الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي شُرَيح أنّه قال لعمرو بن سعيد، وذكر الحديث.
وعمرو بن سعيد هذا - فيما أظنّ والله أعلم - هو عَمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق (٢)، وقد روي هذا الحديث (عبد الملك) (٣) بن هشام عن زياد البكّائي عن ابن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي، قال: لمّا قَدِم عَمرو بن الزبير مكّة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير جِئتُه، فقلت له: ما هذا؟
стр. 100
وذكر الحديث بكماله (١)، فجعل مكان عمرو بن سعيد: عمرو بن الزبير، كما ترى.
ورواه يونس بن بُكَير، عن محمّد بن إسحاق بإسناده فقال فيه: لمّا بَعَث عمرو ابن سعيد البَعثَ إلى ابن الزبير دخلتُ عليه، وذكر الحديث.
فوافق الليثَ على قوله: "عمرو بن سعيد"، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
وأمّا قوله في الحديث: "لاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلاَ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً" فمعناه والله أعلم: أنّه لا يَحِلُّ لأَحدٍ فيها قِتال أحدٍ بتأويل يُخالفه فيه منازعُه، وعلى هذا المعنى كان مَخرَج الحديث من أبي شُرَيح، ومَن شَهِد القصّةَ والتَّنْزيلَ كان أعلم بالتأويل.
واختَلفَ أهلُ العلم في هذا المعنى (٢):
стр. 101
* فقال بعضهم: لا يجوز قَتلُ مَن خَرَج مُتأوِّلًا بمكّة خاصّةً، وقِتالُه في غيرِها جائزٌ، إذا قام الدليل لمقاتله على بَغْيِه، وأنّ الباغي يُقاتل حتّي يفيء إلى أمر الله، ولا يُقاتل بمكّة على حال إذا كان له وجه يحتمل التأويل، قالوا: ومكّة مَخصوصة بهذا الحكم، كما أنّها خُصَّت بأن لا يُعضد شجرُها، ولا يُستحلَّ صَيدُها، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلّا لِمُنْشِدٍ (١)، وعلى مُلتَقِط اللُّقَطة منها إنشادُها أبدًا ليس لِلاقِطِها غيرُ ذلك، وفي سائر البلدان يجوز له التصرّفُ فيها بعد العام على حكم اللقطة (٢)، قالوا: وقد خُصَّت
стр. 102
- أيضًا - بأن لا يُحمل فيها سلاحٌ، وذكروا حديث مَعقِلَ بنِ عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ سِلاَحًا" (١).
* وقال آخَرون: مكّةُ وغيرُها سواء، إلّا في الصيد والشجر.
* وقال آخرون: مكّةُ وغيرُها سواء، إلّا في الصيد والشجر واللقطة على ما وصفنا من حكمها.
* وقال آخرون: مكّة وغيرها سواء، إلّا في الصيد والشجر، وبيوتُها لا تُكرى، ولا يجوز أَخذُ الكِراء فيها (٢).
ولكلّ واحدٍ منهم آثار يحتجّون، ومعانٍ يذهبون إليها يَطُول ذِكرُها، ولو تعرّضنا لذِكرِها لخَرَجنا عن حُكمِ ما له قصدنا.
ومعلوم أنّ قوله ﵇: "لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا" أراد الدم الحرام، وليس هذا اللفظ على ظاهره؛ لأنّ الدم الحرام لا يَحِلُّ بمكّة ولا بغيرها، ولكنّه من كلام
стр. 103
العرب؛ لأنّ مِن كلامهم أن يكون المسكوت عنه في معنى المذكور، ويكون بخلافه، ألا ترى إلى قوله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وكذلك قوله : ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، ولا يَحِلُّ الكفرُ بالقرآن على حال من الأحوال، وكذلك قوله: "لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا حَرَامًا"، وكذلك غيرُها إذا كان الدم حرامًا، وقد أجمعوا أنّه يجوز بها سَفْك دماءِ الدواجنِ كلِّها غيرِ الصيد، وأمّا اختلافُ العلماء فيمن وَجَب عليه حَدّ أو قِصاص فهرب إلى الحَرَم ودخله واستجار به، فإنّ طائفة منهم قالت: مَن قَتل في غير الحَرَم، ثمّ جاء إلى الحرم ودخله، لم يُقَم عليه الحدُّ في الحرم (١)، لقول الله : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، قالوا: ومَن قَتَل في الحَرَم قُتل في الحرم (٢)، وروى ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن طاووس قال: مَن أَحدَث في الحَرَم حَدَثًا أَقَمتُ عليه حَدَّه، ومَن أَحدَث حدثًا في غير الحَرَم ثمّ لجأ إلى الحَرَم ودخله لم يُتعرّض، ولكنّه لا يُأوى، ولا يُبايع، ولا يُكلَّم حتّي يَخرُج من الحَرَم، فإذا خرج من الحرم أُقِيم عليه الحدّ لمِا أحدث (٣).
стр. 104
قال عطاء قال ابن عمر: لو آوي قاتل عمر بن الخطاب في الحرم ما هجته (١).
وقال مجاهد في قوله : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ عزيمة لا يخاف فيه أحد دخله.
وأمّا قتادة وغيره فقالوا: كان ذلك في الجاهلية، فأمّا اليوم فلو سَرَق في الحرم قُطع، ولو قَتَل قُتل، ولو قُدر فيه على المشركين قُتلوا (٢).
قال أبو عمر: على هذا القول جماعةُ فقهاء الأمصار من أهل الرأي والأثر، وهو الصحيح عندنا في النظر؛ لأنّ الله تعالى قد أَمَرَنا بالقصاص وإقامة الحدود أمرًا مطلقًا عامًّا، لم يَخُصَّ به مَوضِعًا من مَوضِع، ولا خَصَّه رسول الله ﷺ ، ولا أجمعت الأمَّةُ على خصوصه، ولا قامت بخصوصه حجّة لا مدفع لها (٣).
وقد اختلف الفقهاء في تغليظ الدية على من قَتَل في الحَرَم، فأكثرُهم على أنّ القتل في الحلّ والحرم سواء فيما يجب فيه من الدية والقَوَد، وإلى هذا ذهب مالك والعراقيّون، وهو أحد قولي الشافعي، وقول الفقهاء السبعة، حاشا القاسم بن محمّد، فإنّه روي عنه وعن سالم أنّه مَن قَتَل خطأً في الحَرَم زِيدَ عليه في الدية ثلث الدِية، وهو
стр. 105
قول عثمان بن عفّان (١)، وخالفه في ذلك عليّ، وكان الشافعي يري التغليظ في قتل الخطإ في النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام، وذي الرحم على حَسَب سُنَّة دية العمد المغلّظة، وهذا أشهر عن الشافعي من القول الأوّل (٢)(٣)، ومن الحجّة على مَن ذَهَب هذا المَذهَب قوله في قاتل الخطإ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، ولم يَخُصَّ موضعًا من موضع، وفرض النبيّ ﷺ الديات ولم يَخُصّ موضعًا من موضع، ولا فَرَّق بين الحِلّ والحرَم، والله أعلم (٤).
* * *
стр. 106
الحديث الثاني
حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جعفر ابن عمرو بن أمية عن أبيه (١) قال: "رأيتُ النبيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَي عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ" (٢).
تابعه مَعمَر (٣)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ " (٤)
قلتَ: وأَسنَده الأوزاعي، ولم يُسنِده مَعمَر في متابعته؛ لأنّه لَم يذكر جعفرًا (بين) أبي سلمة و (بين) عمرو بن أمية (٥)، هكذا في كتابك، فقلتَ: ما
стр. 107
معنى إدخال البخاري هذه المتابعة وهي غير مسندة؟
فالجواب:
إنّ إدخال البخاري متابعة مَعمَر للأوزاعي، إنّما ذلك لأنّه تابعه عن يحيى ابن أبي كثير في هذا الحديث على ذكر المسح على العمامة فيه (١)، وإن كان مَعمَر لم يَذكُر إسناد جعفر بن عمرو، وذكره الأوزاعي، وقد روى هذا الحديث عبد الرزّاق عن مَعمر بإسناده هذا عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية الضمري قال: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ" (٢)، ولم يَزِد، ولم يَذكُر المسحَ على العمامة، وعبد الرزّاق من أَثبَت الناس في مَعمَر، وقد صَنَّف كتابًا جليلًا (٣) ذَكَر فيه باب المسح على العمامة، ولم يذكر فيه هذا الحديث، وذكره في باب المسح على الخفّين هكذا، لم يَذكُر
стр. 108
فيه المسح على العمامة، والبخاري لا يُدفع صدقه، وإنّما كان عنده حديث مَعمَر من غير رواية عبد الرزّاق (١)، أو حَدَّثه عن عبد الرزّاق بِما ذَكَر مَن وَثِق به مِمَّن لم يَتَّفق مع ما جاء به، وحَسبُك ما ذَكرَه في مَصنَّفه على أنّ المصنَف عندهم لمِعمَر (٢)، وليس في حديث عمرو بن أمية المسح على العمامة، والله المستعان.
ولم يُراعِ البخاري في متابعة مَعمَر الإسناد، إنّما راعي المسح على العمامة؛ لأنّه مَوضِع الاختلاف فيما قد جعله بابًا وأصلًا في كتابه.
فأمّا قولُك: "ولم يُسنِده مَعمَر"، فقد أسنده، وذكر فيه عن عمرو: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ "، وهذا في لفظ حديثه في كتابِك، والذي صَنَع مَعمَر فيه إسقاط جعفر ابن عمرو من إسناده، وكذلك رواه جماعة لم يذكروا جعفر [١]، (٣) من رواة الأوزاعي وغيره، [و] (٣) ممّن رواه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية، لم يذكروا جعفرًا: الوليد بن مسلم (٤)، وأيُّوب
стр. 109
ابن سويد (١)، ومحمّد بن كثير (٢)، وذكروا فيه المسح على العمامة، وكان الوليد ابن مسلم ربّما لم يذكر ذلك.
وقد روى هذا الحديث يونس بن يزيد عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية: "أَنَّه رَأَي النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَي الخُفَّيْنِ"، لم يَذكُر العمامة، ولا ذكر جعفرًا.
ولم يَذكُر في هذا الحديث جعفرَ بن عمرو من رواةِ الأوزاعي - فيما علمتُ - إلّا أبو المغيرة عبد الله بن داود الخريبي (٣)، وربّما قَصَّر الخريبي عن ذكر العمامة فيه.
وروى هذا الحديث جماعة عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، ولم يذكروا المسح على العمامة، وكذلك رواه جماعة عن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، لم يذكروا فيه المسح على العمامة فربما (٤) لا يزيد في هذا الحديث عن جعفر بن عمرو، عن أبيه على قوله.
وقد رُوِي هذا الحديث عن أبي سلمة عن المغيرة (٥)، وعن أبي سلمة عن
стр. 110
أبي هريرة (١)، وليس في واحد منهما ذكر المسح على العمامة، وربما كان حديث أبي سلمة عن أبي هريرة حديثًا آخر، ولكن مَن عَلَّلَه جعلَه واحدًا، والاضطرابُ في حديث عَمرو ابن أُمَيَّة في المسح على العمامة عظيم، وهو حديث لا يثبت عند أكثر أهل العلم بالحديث (٢)، لم يُخرِّجه أبو داود، ولا أحمد بن شعيب (٣).
وقد ذكر النسائي في المسح على العمامة أبوابًا من حديث المغيرة وبلال، ولم يذكر حديث عمرو بن أُميّة، وأبو داود فلم يَصِحّ عنده في المسح على العمامة شيءٌ أَلْبَتَّة (٤)، وللبخاري انفرادات في أحاديث يُخرِجُها، وأحاديث يَذكُرها لا يُتابِعُه أحدٌ عليها، والكمال لذي العزّة والجلال.
* * *