← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 127660

الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ

أبو العباس الداني

Полный текст (2 505 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد الحمد لله ربِّ العالَمين، إلَه الأوَّلِين والآخرين، خالقِ الخلقِ أجمعين، ومفضِّلِ بعضِهِم على بعضٍ في العقلِ والدِّين، وفي الفقرِ والغنى، وفي الضلالةِ والهدى، أَحْمَده على نِعمه المتضافرة، ومِنَنِه المتظاهرة، وآلائِه المتكاثرة، له الحمدُ على ما أَوْلَى وأَنْعَم، وأشهَدُ أن لا إله إلَّا الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، خاتَمُ رُسلِه وأنبيائِه، ومُبَلِّغُ أحكامِه وأنبائِه، وعلى آله وأصحابه الناقِلين أقوالَه وأفعالَه، والتابعين لَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد: فقد مَنَّ الله تعالى على أمَّة نبيِّه محمدٍ ﷺ بإكمال دينها، وإِتمَام نعمتِهِ عليها، بالإسلامِ الذي لا يَقبَلُ منها دِينًا سِواه، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. ومِن فضل الله تعالى أيضًا على هذه الأمَّة أَن أَنزل عليها أفضلَ كتابٍ على أفضلِ رَسولٍ، كتابٌ فيه كلامُ ربِّ العالَمين وخالقِ الخَلقِ أجمعين، الذي هو خيرُ الكلامِ وأحْسَنُه وأصدَقُه، الذي لا يَأتيه الباطلُ من بين يديْه ولا من خلفِه، كتابٌ فيه نَبَأُ ما قَبلنا، وخَبَرُ ما بعدنا، وحُكم ما بيننا، هو الفَصْلُ لَيس بالهَزلِ، مَن تَرَكه مِن جَبَّارٍ قَصَمَه الله، ومَن ابْتَغَى الهُدَى فِي

стр. 2

غيرِه أَضَلَّه الله، وهو حَبْلُ الله المَتينُ، وهو الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وهو الصِّراطُ المستقيمُ، هو الذي لا تَزِيغُ به الأهواءِ، ولا تَلْتَبِسُ به الألسن، ولا يَشْبعُ منه العُلماء، ولا يَخْلَق عَن كثرةِ الرَدِّ، ولا تَنقضي عَجَائِبُه، مَن قَال بِه صَدَقَ، ومَن عَمِل به أُجِرَ، ومَن حَكَمَ به عَدَلَ، ومَن دَعَا إليه هُدِيَ إلى صِراطٍ مستقيم. فلله الحَمد على نِعَمِه وآلائِه التِي لا تُحصَى وَصَدَق الله إِذ يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. ومِن نِعمِه تعالى على عِباده أن بَعَث فيهم رَسولًا مِنهم، يَتْلُو عليهمِ آياتِه، ويُزَكِّيهم ويُعلِّمُهُم الكتابَ والحكمةَ، فكانت أقوالُه وأفعالهُ أحكامًا من أحكام الدِّين، مبيّنةً لِمَا أُنزلَ مِن كتابِ رَبِّ العالَمِينَ، وضَمِن الله تعالى حِفْظَها؛ إذ حِفْظُها هُو حِفظٌ للقرآن الكريمِ، قال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فبيّن ﷺ كتابَ ربِّه أحسنَ بيانِ وأكملَه، وبَلَّغَ الرسالةَ، وأدَّى الأمَانَةَ، ونَصَحَ الأمَّة، وجاهَدَ في الله حق جِهَادِه، ولَحِقَ بالرَّفِيقِ الأَعلى تارِكًا أمَّتَه على المَحَجَّةِ البَيضَاءِ ليلُها كنهارِها لَا يَزِيغ عنها إلَّا هالك، وقَامَ الصَّحابةُ رِضوان الله عليهم مِن بعده بتَبليغ سُنَّتِه وأحوالِه لِمَن بَعدهم رَاغِبِين فِي الأجرِ والثوابِ، عاملين بِما أُمروا به مِن تبليغ الدِّين وبيانِ الكتاب، ثم أَخَذ العلماءُ الكبارُ والفقهاءُ الأعلامُ في تَدوينها، والتألِيفِ بينها وتَصنِيفِها، يُمَيِّزون صَحِيحَها من سَقيمِها، حِمايةً لَها من التحريفِ والتبديلِ، ورجاءً من الله الأجْرَ الجَزيلِ. وقد بَرَز في مَجال حِفظِ السُّنة النَّبويَّة علماءٌ أجلَّاء، وأئمةٌ أعلام، منهم إمامُ دارِ الهجرة النبويَّةِ شيخُ الإسلام حُجَّةُ الأمَّة، إمامُ الأئمَّةِ، أبو عبد الله

стр. 3

مالك بنُ أنس بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي، المدني، حَليفُ بَنِي تَيْمٍ مِن قريش، ألَّف في ذلك كتابَه العظيمَ الموسومَ بالموطأ، وأَخَذ في تَنْقيحِه وتَهْذيبِه عشرات السنين، وانتَصَبَ لتَدْريسِه ونَشْرِه، فأخذَه عنه تلامذةٌ كثيرون، ضَرَبُوا أَكبادَ الإِبل للسَّماعِ عليه والاستفادَة منه، فانتَشَر كتابُه في الآفاق، وَعَوَّلَ عليه كثَيرٌ مِن المصنفينَ والمؤلِّفين في السُّنن وجَمع الأحاديث، فرَوَوا الكثيرَ من رواياتهم من طريقِه، واستفَادوا في تهذيبِ كتبِهِم وترتِيبِها وانتقاءِ رواتِها مِن كتابِه، فكان الأصلُ في البابِ، وغيرُه اللباب، وكان الموطأ أوَّلَ خُطوة في التَّأليف في صَحيح الحديث الثابتِ عن النبيِّ ﷺ ؛ لذا كان انتشارُه أَكثرَ وأَبْلغَ من انتشارِ كتبٍ أُلفتْ في وَقت الإمامِ ﵀، كموطأ ابنِ أبي ذئب، ومسائلِ ربيعةَ وغيرِهما. وبعد أن دُوِّنت الدَّواوينُ، وجُمعت السننُ، لَجَأ أئمة الإسلام، وعلماءُ الأمة إلى بيان معانِيها وفقهِها، والتَّمييزِ بين صحيحِها وسقيمِها، وبيان أحوالِ رواتِها ورِجالِها، وكلِّ ما حَوَتْه من فوائِدَ عِلميَّة؛ إِسناديةٍ ومتنيةٍ، ونال الموطأَ مِن ذلكَ الشيءُ الكثيرُ، فَعَكَفَ عليه أئِمَّة الهدى شَرْحًا وتَفسيرًا، اسْتنباطًا وتدريسًا، أخرجوا منه جَواهرَ العِلم ودُرَرَه، فصَنَّفوا في ذلك مصنَّفاتٍ عِدَّة، في عُلوم شَتَّى، وكان للمغارِبَة منهم والأندلسيين فضلُ السَّبَق في ذلك، واعْتَنَوْا بموطأ الإمام مالك بَعد دخوله المغربَ على يَدِ علي بنِ زياد التونسي في رواية، أو إدريس بنِ عبد الله الكامل -مؤسِّس دولة الأدارسة بالمغرب- في رواية أخرى، وإلى الأندلسِ على يد زِياد بن عبد الرحمن شَبْطُون، ثم يحيى بن يحيى الليثي، الذي ذاعَ صِيتُه، وانتشرَت

стр. 4

روايتُه، وعَوَّل عليها الأئمَّة مِن بعده في شروحاتِهم، وتآلِيفِهم على موطأ الإمام مالك. وقد اشتهر بين العلماءِ أنَّ الأندلسَ والمغربَ بَلَدُ فقهٍ وفروعٍ، لا بَلدُ حديثٍ وإسناد، وأنَّ علماءَه اقْتَدَوا بعلماء الشَّرقِ وسَلَكُوا مسالِكَهم، وقلَّدوهم في علومِهم، وليس لَديهم استقلالٌ ولا تَمَيُّزٌ عِلْمِيّ، ولمَّا بلغ أبَا عَمرو بنَ الصلاح كتابُ القاضِي عياض مشارق الأنوار في بيان غريبِ الموطأ والصحيحين وغير ذلك قال فيه: مشارقُ أنوارٍ تَسَنَّت بسَبتة … وذا عجب كون المشارق بالغرب (١) انتهى قوله. قلت: لا عجب من ذلك؛ فقد كان المغربُ والأندلسُ دارَ حديثٍ وفقهٍ، برَز فيه علماءُ كثيرون، وكان في الأندلس طائفةٌ من العلماءِ لا يقِلُّون عن نظرائهم بالعراق وغيرِها من يَنابِيع العلم، كبَقِيِّ بنِ مَخلِد، وقاسم بن أَصْبَغ، وابنِ أَيْمَن، ومحمد بن وضَّاح، وابنِ عبد البَر، وأَبي عَلِيٍّ الجَيَّانِي وأبي علي الصَّدَفِي، والقاضي عياض، وغيرهم. قال ابن حزم الأندلسي: "أُلِّفت عندنا تآليف في غايَة الحُسْن، لنَا خَطَرَ السَّبَق في بعضِها، فمِنها كتابُ الهِداية لعِيسى بن دِينار، وهي أرفَعُ كُتُب جُمعت في معناها على مَذهب مالك وابنِ القاسم … -ثم عَدَّد ﵀ بعضَ كُتُب الفقه- ثم قال: وفي تفسير القرآن كتابُ أبي عبد الرحمن بَقِيِّ بنِ مخلد فهو الكتابُ الذي أَقْطَعُ لا أسْتَثْنِي فيه أنه لَم يُؤلَّف في الإسلامِ _________ (١) المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي (ص: ٢٩٦).

стр. 5

تفسيرٌ مثله، ولا تفسيرُ محمد بنِ جرير الطبري ولا غيرِه، ومنها في الحديث مصنّفه الكبيرُ الذي رَتّبه على أسماءِ الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم، فرَوَى فيه عن أَلْفٍ وثلاثمائة صاحِبٍ ونَيِّف، ثمَّ رتَّب حَدِيثَ كلِّ صاحبٍ على أسماءِ الفقهِ وأبوابِ الأحكامِ، فهو مُصَنَّف ومسنَدٌ، وما أَعْلَمُ هذه الرتبةَ لأحدٍ قَبْلَه، مع ثِقَتِه وإتقانِه واحتِفَالِه في الحديث وجَوْدَةِ شيوخِه، فإنَّه رَوَى عن مائتَيْ رَجل وأربعةٍ وثمانينَ رَجلًا ليس فِيهم عشرة ضعفاء، وسائرُهم أعلامٌ مشاهير، ومنها مصَنّفه في فَتَاوى الصَّحابةِ ومَن دونَهم الذي أَرْبَى فيه على مصنَّفِ أبي بكر بنِ أبي شيبة ومصنّفِ عبد الرزاق بن همَّام ومصنَّف سعيد بنِ منصور وغيرِها، وانْتَظَمَ عِلمًا عظيمًا لَم يَقَعْ في شيء من هذِه، فصارتْ تآليفُ هذا الإمامِ الفاضلِ قواعدَ لِلإسلامِ لا نَظيرَ لَهَا، وكان متخيِّرًا لا يقلِّدُ أحدًا … ومنها في الحديث مصنَّفُ أبي محمد قاسم بنِ أصبغ بنِ يوسف بنِ ناصح، ومصنّفُ محمد بنِ عبد الملك بن أَيمن، وهما مصنّفان رَفيعَان احْتَوَيَا مِن صحيح الحديث وغريبِه على ما ليس في كثيرٍ من المصنَّفَاتِ، ولقاسمِ بنِ أصبغ هذا تآليفُ حِسانٌ جدًّا منها أحكامُ القرآن على أبوابِ كتابِ إسماعيلَ وكلامِه، ومنها كتابُ المجتبى علىِ أبوابِ كتاب ابنِ الجارود المنتقى، وهو خيرٌ منه وأنْقَى حَدِيثًا وأعْلَى سَنَدًا وأكثرَ فائدَةً، ومنها كتابٌ في فضائلِ قريش وكِنانة، وكتابُه في الناسخ والمنسوخ، وكتابُ غرائب حديث مالك بن أنس مِمَّا ليس في الموطأ. ومنها كتابُ التّمهيد لصاحبنا أبي عُمر يوسف بن عبد البر، وهو الآن بعدُ في الحياة لَم يَبْلغ سِنَّ الشَّيخَوخَة، وهو كتابٌ لَا أعلمُ في الكلامِ على فقهِ الحديث مثلَه أَصلًا، فكيفَ أحسَن مِنه، ومنها كتابُ الاستذكار، وهو

стр. 6

اختصار التمهيد المذكورِ، ولصاحبِنا أبي عمر بن عبد البر المذكورِ كتبٌ لا مَثيلَ لَها -مَّ ذَكَرَ بعضَ كتبه-، ثم قال: ومنها كتابُ شيخِنا القاضي أبي الوليد عبد الله بنِ يوسف بنِ الفرضي في المختلِف والمؤتلِف في أسماءِ الرجال، ولَم يَبْلُغْ عبد الغنِيُّ الحافظُ المصريُّ في ذلك إلَّا كتابين، وبَلَغَ أبو الوليد ﵀ نَحوَ الثلاثين لا أعلم مثلَه في فنِّه أَلْبَتَّهَّ، ومنها تاريخُ أحمد بنِ سعيد ما وَضَعَ في الرِّجالِ أَحَدٌ مثلَه إلَّا ما بَلَغَنَا من تاريخ محمد بن موسى العقيلي البغدادي ولَمْ أَرَه .. - ثم ذكر كتبًا أخرى في الحديثِ والفقهِ واللّغة والتفسيرِ والشعر وغيرِ ذلك من العلومِ إلى أن قال-: وبَلَدنا على بعده مِن ينبوع العِلمِ ونَأيِه مِن مَحَلَّةِ العُلماءِ فقد ذَكَرْنا من تآليفِ أهلِه ما إن طُلبَ مثلُها بفارسَ والأهوازِ وديارِ مُضَرٍ وديارِ رَبيعةَ واليَمَنِ والشامِ أعْوِزَ وجودُ ذلك، على قُربِ المسافَةِ فِي هذه البلادِ مِن العراقِ التي هِي دارُ هجرةِ الفَهْمِ وذَوِيهِ، ومرادِ المعارفِ وأربابِها، ونحن إذا ذكرنَا أبا الأجْرَب جَعُونَة بنِ الصِّمة الكلابي في الشِّعر لَم نُباه به إلَّا جريرًا والفِرَزدَق؛ لكونِه في عصرهما، ولو أُنصف لاستثهد بشعره، فهو جار على مذهب الأوائل، لا على طريقة المحدَثين (١)، وإذا سَمَّينا بقيَّ بنَ مَخلد لَم نسابِق به إلَّا محمدَ بنَ إسماعيل البخاريِّ ومسلمَ بنَ الحجاج القشيريِّ وسليمانَ بنَ الأشعث السجستاني وأحمدَ بنَ شعيبٍ النسائي … "، ثم ذكر ﵀ بعض رجالَ الأندلسِ موازِنًا بينَ نُظرَائِهم بالشَّرقِ .. إلى آخر كلامه ﵀ (٢). _________ (١) ترجم له الحميدي في جذوة المقتبس (ص: ١٧٧) وقال: "من قدماء شعراء الأندلس"، ثم أورد كلام ابن حزم الماضي فيه. (٢) انظر: نفح الطيب (٣/ ١٦٧ - ١٧٩).

стр. 7

وقال المَقَّرِيُّ: "وأمَّا حالُ أهلٍ الأندلسِ في فنون العلومِ؛ فتحقيقُ الإنصافِ في شأنِهم في هذا البابِ أنَّهم أحرَصُ الناس عليَّ التَّمَيُّزِ، فالجاهِلُ الذي لَم يوفِّقه اللهُ للعلمِ يَجْهَدُ أن يَتَمَيَّزَ بصَنعَةٍ، وَيَرْبأ بنفسه أن يُرى فارِغًا عَالَةً على النَّاسِ، والعالِمُ عندهم مُعَظَّمٌ مِن الخاصَّةِ والعامَّةِ، يُشار إليه ويُحال عَليه، ويَنْبُهُ قَدْرُه وذِكرُه عند النَّاسِ، ويُكرَمُ في جوارٍ أو ابْتِياع حاجَةٍ، وما أشبَهَ ذلك، ومع هذا فَلَيْسَ لأهلِ الأندلسِ مدارس تعِينهُم على طَلَب العلمِ، بل يقرؤون جميعَ العلومِ في المساجدِ -إلى أن قال-: وقراءة القرآن بالسَّبع، وروايةُ الحديث عندهم رَفيعةٌ، وللفقهِ رَوْنَقٌ وَوَجاهَةٌ، ولا مذهب لَهم إلا مذهبُ مالكٍ، وخواصُّهم يَحفظونَ مِن سائِرِ المذاهِبِ ما يُباحثون به بمَحَاضِر مُلوكِهم ذوي الهِمَمِ في العلوم .. ". اهـ كلامه ﵀ (١). ولا زالَ علماءُ الأندلسِ والمغربِ لَهم أَتَمُّ عِنايةٍ بروايةِ الموطَّأ ومعرفتِه وتَحصيلِه، وألَّفوا فيه تآليفَ متَنوِّعةً، فعَمِل يحيى بنُ مُزَينٍ كتابَ تفْسير الموطأ، والمستقصية لمعاني الموطأ وتوصيل مقطوعاته، وكتابًا في رجال الموطأ، ولأبي الوليد الباجي كتابُ الإيماء، والمنتقى، والاستيفاء، كلُّها على الموطأ، ولأبي بكر بن العربي القبس، والمسالك شرحان على موطأ مالك بن أنس، ولأبي عمر الطلمنكي شرحُ مسند الموطأ، ولابن عبد البر التميهد، والاستذكار، والتجريد، ولابن الحذاء التعريف بمن ذكر في الموطأ من الرجال والنساء، ولعبد الملك بن حبيب تفسير الموطأ، وللوقَّشي تعليق على الموطأ، ولمحمد بن عيشون: توجيه الموطأ. _________ (١) نفح الطيب (١/ ٢٢٠).

стр. 8

ومؤلفاتُ الأندلسيين على الموطأ لا تَكاد تُحصَر، ومِن بين علماءِ أهلِ الأندلسِ الذين تَولَّوا شرحَ الموطأ شرحًا مختصرًا، الإمامُ العالِم المحدِّث الفقيهُ أبو العباس أحمد بنُ طاهر بن عيسى الداني، الأنصاري الخزرجي الأصل المولودُ سنة سبع وستين وأربعمائة، والمتوفى سنة اتنتين وثلاثين وخمسمائة، شَرَحَ موطأَ مالكٍ في كتابٍ سماه: الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ، رتَّبَه على تَرتِيبِ كتب الأطراف، فذَكَرَ الصحابةَ ﵃ مُبتدئًا بِحرف الألف، وخَتَمَ كتابَه بالمراسيل، ذَكَر أحاديثَهم وبَيَّنَ مَواضِعَها من الموطأ بذِكْرِ الكتابِ أو الباب، ولم يُخلِ كتابَه من الفوائِد العلميةِ الكثيرة، فقد رَاعَى فيه الصِّناعةَ الحديثية، ببيان عِلَلِ الحديث، واختلاف الرواةِ على مالك، وكذا مخالفةِ الرواة لمالك، وصَحَّحَ وعلَّلَ، وصَوَّبَ وخَطَّأَ، ونَقَلَ عن أئمة العِلَلِ كعليِّ بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والدارقطني، وسَمَّى كتبًا بعضُها موجودٌ، وبعضُها مفقودٌ، مراعيًا في كلُّ ذلك الضوابطَ العِلميَّةِ، وبَيَّنَ كذلك ما اشتملتْ عليه روايةُ يحيى الليثي من تَحريفٍ وتَصحيفٍ وأخطاءٍ وقع فيها يحيى بمقارَنَتِها مع الروايات الأخرى، وبَيَّنَ زوائدَ تلك الرواياتِ على رواية يحيى، إلى غيرِ ذلك من الفوائدِ العظيمةِ الموجودةِ في كتابِه. ولَمَّا وَقَعَ نظرنا على هذا الكتابِ الفَذِّ في بابه لَم نتَرَدَّد في العملِ فيه وتَقْدِيمه رسالةً لنيلِ درجة العالَمية الماجستير، وكان الفضلُ في ذلك بعد الله للشيخ الدكتور عبد الصمد بن بكر عابد، الذي أَطْلَعَنا على هذا الكتابِ، وحَفَّزَنا للاشتغَال فيه وتَحقيقِه، مع أنه قام بتحقيقِ جزءٍ منه، فجزأه الله عنَّا كلَّ خيرٍ وأجْزَلَ له المثوبةَ في االدُّنيا والآخرة.

стр. 9

خطّة العمل في الرسالة: جعلنا العملَ في الرسالة قسمين: قسم الدراسة وقسم التحقيق. أولًا: قسم الدراسة: ويشتمل على مقدمه وأربعة فصول. فالمقدّمة: اشتملت على ما يلي: تمهيد، وفيه كلمة موجزة حولَ حِفظ السنَّة وتأليفِ الموطأ وعنايةِ أهلِ الأندلس به. - العملُ في الرسالة. - بيانُ منهج التحقيق. - شكرٌ وتقدير. الفصل الأول: عصر المصنِّف ﵀ باختصار، وفيه مبحثان. المبحث الأول: الحالة السياسية في عصره. المبحث الثاني: الحالة العلمية في عصره. الفصل الثاني: ترجمة المصنِّف، وفيه ستة عشر مبحثًا. المبحث الأول: المترجمون له. المبحث الثاني: اسمه ونسبه ونسبته وكنيته. المبحث الثالث: مولده. المبحث الرابع: نشأته وعنايته بالعلم ولقاء الرجال. المبحث الخامس: أسرته.

стр. 10

المبحث السادس: رحلاته. المبحث السابع: مسموعاته، وأعني بها التي سمعها من شيوخه من خلال ما ذكرته كتب التراجم، سواء ذكرها في كتاب الإيماء أم لا. المبحت الثامن: شيوخه. المبحث التاسع: أقرانه. المبحث العاشر: تلاميذه. المبحث الحادي عشر: أعماله. المبحت الثانى عشر: أصوله، ومصنّفاته. المبحث الثالث عشر: ثناء العلماء عليه. المبحث الرابع عشر: عقيدته. المبحث الخامس عشر: مذهبه الفقهي. المبحث السادس عشر: وفاته. الفصل الثالث: دراسة الكتاب، وفيه خمسة مباحث. المبحث الأول: إثبات اسم الكتاب. المبحث الثاني: نسبة الكتاب للمؤلف. المبحث الثالث: ثناء العلماء على الكتاب ومنزلته العلمية. المبحث الرابع: منهج المؤلف في الكتاب. وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: منهجُ المصنِّف في ترتيب الكتاب.

стр. 11

المطلب الثانى: منهجُ المصنِّفِ من حيث التطويلُ والاختصارُ. المطلب الثالت: منهجه في إيراد الأحاديث، والحكم عليها وتعليلها. وفيه مسألتان. المسألة الأولى: التخريج. المسألة الثانية: الحكم على الأحاديث وتعليلها. المطلب الرابع: منهجه في بيان غريب ألفاظ الحديث، وضبط مفرداتها، وبيان معانيها. المطلب الخامس: منهجه في علم الرجال والجرح والتعديل. المطلب السادس: منهجه في إيراد المسائل الفقهية. المطلب السابع: مصطلحاته في الكتاب. المبحث الخامس: وصف النسخة العتمدة في التحقيق. الفصل الرابع: موارد المؤلف في كتابه، ويشتمل على تمهيد وأربعة مباحث: المبحث الأول: ذكرُ روايةِ يحيى بن يحيى للموطأ، فهي الأصل في الباب. ويكون البحثُ فيه على النحوِ التالي: - ترجمةٌ موجزةٌ ليحيى بن يحيى الليثي. - ثناءُ العلماءِ عليه. - سماعُه للموطأ. - منزلتُه في الروايةِ عن مالك.

стр. 12

- الرواةُ عنه، وفيه ذكر الفَرقِ بين روايةِ عبيدِ الله بنِ يحيى عن أبيه، وروايةِ محمد بنِ وضَّاح القرطبي، عن يحيى بن يحيى. - النسخ الخطية للموطأ برواية يحيى بن يحيى الليثي، وفيه وصف للنسخ المعتمدةِ في التحقيق. - المطبوعُ من رواية يحيى، وفيه ذكرُ الطبعة الشهورة، وهي طبعة محمد فؤاد عبد الباقي، وأهمّ المآخذِ عليها. المبحث الثاني: ذكر الروايات الأخرى للموطأ التي اعتمدَها المصنِّف. ويكون البحثُ فيه على النحو التالي: - ترجمةٌ موجزةٌ لصاحب الرواية. - ثناء العلماء عليه. - سماعُه للموطأ. - منزلته في الرواية عن مالك. - نسخ الرواية المطبوع منها والمخطوط إنْ وُجد، مع ذكرِ أهمِّ الآخذ على المطبوع. المبحث الثالث: ما صرَّح المصنِّف فيه باسمِ الكتاب. وذكرت فيه اسمَ الكتابِ كما ذكره المصنِّف، والمواضعَ الَّتي ذُكر فيها الكتاب، أو بعضَها إن أكثرَ منها المصنِّف، وذكرت مَن ذكر الكتابَ من العلماءِ إذا لم يكن مشهورًا، وكذا نَبَّهتُ على وجوده؛ إمَّا مطبوعًا أو مخطوطًا، وإن سَكَتُّ فيعني أنني لم أَقِف عليه لا مطبوعًا ولا مخطوطًا، وقد أنبِّه أيضًا على بعض طبعاتِ الكتاب من حيث رداءتها، والتصحيفُ

стр. 13

والتحريفُ الواقع فيها، وكذا صحةُ نسبتِه للمؤلف. المبحث الرابع: ما نَقلَه المصنِّف عن غيره وأَبهَمَ في نقله أسماءَ المصنَّفات. وذكرتُ فيه اسمَ المؤلِّف، وما له من الكتبِ، وأذكر أقربَ تلكَ الكتبِ إلى ما نقله المصنِّف، ونبّهتُ على وجود الكتابِ إمَّا مطبوعًا أو مخطوطًا. منهج التحقيق: اعتمدتُ في تحقيق كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ لأبي العباس الداني على نسخةٍ فريدة، ولا أعلم لها ثانيةً بعد البحث وسؤال أهلِ الاختصاص. وسلكتُ في تحقيق المخطوطِ المنهجَ التالي: أولًا: اللَحَق: لم أنبِّه على اللَحَق الموجود في الحاشيةِ، وأَدخلتُه في المتن؛ لأنَّ حكمَه حكمُ الصُّلْبِ. ثانيًا: السَّقْط: نبّهتُ على ما وقع من سَقطٍ يسير في النسخة، فإذا كان الساقطُ كلمةً أو حرفًا وضعته بين معقوفين ونبَّهتُ في الحاشية أنه سقط من الأصل، والتصويبُ من كذا، أو وبه يستقيم الكلام، أو نحو ذلك. ثالثًا: التصحيفُ والتحريف. إذا وقع التصحيف والتحريف في نسخةِ الأصل نبَّهتُ عليه، فإن كان ما في الأصلِ تصحيفًا صريحًا لا يحتمله وجهٌ من أوجه اللُّغة، أو ألفاظ

стр. 14

الأحاديث غيَّرتُ ما في الأصل، وأشرتُ في الهامش إلى التصحيف، وأما إذا احتمل الصوابَ فإنني أُبقيه في الأصل، وأنبِّه عليه في الحاشية، وأقول: ويَحتمل كذا، ولعلّه كذا. رابعًا: الزيادات. وقع في الأصل المعتمد بعضُ الكلمات الزائدةِ لا يقتضيها السياق، وكان الناسخُ أثناءَ المقابلة يَضْرِبُ على تلك الزيادات، إلَّا أنَّه غَفَل عن بعضِها، فضربتُ عليها ولم أثبِتْها في النَّصِّ، ونبّهت على ذلك في الحاشية، فأقول: في الأصل زيادة كذا، وهو خطأ، والسياق يقتضي حذفها، أو غير ذلك من العبارات، وأمَّا الَّتي ضرب عليها الناسخُ فلم أُبيّنها، وليسَ لها حكمَ الأصلِ. خامسًا: ضبطُ النص. ١ - كتبتُ النصَّ وضبطتُه على الرسم الإملائيِّ الحديث، وضبطتُه بالشَّكل قَدْرَ الطَاقة، ثم قابَلتُه أكثرَ من أربَع مرّاتٍ، ولا أَدَّعِي أَنّني وَفّيتُه حقَّه، فمعارضةُ الكتابِ أهمُّ عَمَلٍ يقومُ به المحقِّق، وقد قال الإمامُ معمَر بن راشد ﵀: "لَو عُورضَ الكتابُ مائةَ مرَّة ما كاد يَسْلَمُ من أن يكون فيه سَقط -أو قال خطأ-" (١). ٢ - حدّدتُ بداية اللوحات (أ، ب) وأثبتُّ ذلك بالهامش، ووضعت الخطَّ المائل قَبل الكلمةِ التي تبدأ بها اللوحة. ٣ - رقَّمتُ الأحاديث، وراعيتُ في ذلك ما عدَّه المصنِّف حديثًا مرفوعًا _________ (١) جامع بيان العلم (١/ ٩٣).

стр. 15

أو له حكمَ الرفع، وما لَم يكن على شرطِه ولَم يَعُدَّه حديثًا وإنَّما ذكره تَنبيهًا، جعلت له دائرةً كشكل نُقطة، ولَم أضع له رقمًا. وقد راعى المصنِّف في كتابه عدَّ أحاديثَ الموطأ، وذكر في آخِر قسمِ الكنى عددَ الأحاديثِ التي تقدّمت في الكتاب. ٤ - كتبتُ الأحاديثَ النبوية، وأسماءَ الكتُب، وكلمةَ: "حديث"، وكلمةَ: "قال الشيخ أبو العباس"؛ أي المصنِّف، بخطٍّ أثخن تمييزًا لها عن سائر النص. ٥ - بيّنت مواضعَ أقوالِ أهل العلم من كُتبهم، أو من كَتبٍ نقلَت أقوالَهم، إلا القليلَ الذي لم أقف عليه. ٦ - أَكْثَرَ المصنِّف من الإحالات على أحاديثَ ومواضعَ كثيرةٍ من كتابِه سواء تَقَدَّمت أم ستأتي، فبيّنتُ تلكَ المواضع بذكر الصفحةِ إن كانت المواضع في قِسمي، وإن كانت في القسم الآخر الذي قام بتحقيقه أخونا عبد الباري عبد الحميد، فإنَّني بيّنتُ ذلك بالإحالة إلى رقم اللوحة؛ لتعذّر الإحالة على الصفحة وقتئذٍ. سادسًا: الآيات القرآنية. ١ - كتب الناسخ الآيات القرآنية برواية ورش عن نافع، وراعيتُ ذلك في النص، فهي الروايةُ المشهورةُ في الأندلس والمغرب في عصر المصنِّف إلى يومِنا هذا، وذكرتُ إن كانت هناك فروقٌ بينها وبين القراءات الأخرى. ٢ - عزوت الآيات القرآنية ببيان مواضعِها من المصحف الشريف،

стр. 16

بذكر السورة ورقم الآية، إلَّا الآيات المشهورة كصِغار السُّوَر مثل الفاتحة والإخلاص وغيرِهما. سابعًا: الأحاديت النبوية. قسمتُ تخريج الأحاديث إلى قسمين. القسم الأول: أحاديث الموطأ (موضوع الكتاب): اكتفيتُ بتخريجها وبيان مواضِعها من الكتب التسعة (١)، واقتصرتُ على هذه الكتب؛ لأنَّ مدارَ الأحاديث والسنن والأحكام عليها، واقتصرتُ في تخريجها على ما ورد منها من طريق مالكٍ خاصة دون غيره؛ تنبيهًا لاستفادة هؤلاء الأعلام من موطأ الإمام مالك، ثم طلبًا للاختصار، إلَّا في حالة ذكر الأحاديث التي خولف فيها مالك، فأذكرُ مَن تابعه من الرواة وخالفه. - وإن كان ثمَّةَ خلافٌ بين رواةِ الموطأ، أو الرواةِ عن مالك، فإنني أَجتهد في تخريج الحديث من الموطآت الأخرى، أو الكتب التي تروِي الحديث من طريقِ تلميذ مالك. القسم الثاني: الأحاديث التي يوردها المصنِّف وليست في الموطأ، كبيانِ لِما أُجمل في الموطأ، أو اختلافٍ على الرواة في رَفع ووقفٍ، أو وَصلٍ وإرسالٍ، أو تخصيص عامٍ، وغير ذلك، فنهجتُ في تخريجها ما يلي: ١ - إن كان الحديث في الصحيحين أو أحدِهما فإنني أكتفي بالعزوِ إليه دون غيرِه، إلَّا إن كان الأمرُ يَتطلّبُ جَمْعَ الطرقِ للحديثِ الواحد؛ لبيانِ _________ (١) الموطأ والصحيحان، والسنن الأربعة، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي.

стр. 17

علّةٍ أو موافقةٍ أو مخالفةٍ، فإنني أخرِّجه من الطرق الأخرى. ٢ - إن لم يكن في أحَدِ الصحيحين خرَّجته من كتبِ الحديثِ الأخرى، والأجزاءِ الحديثية، وغيرِها. - راعيتُ في التخريج أيضًا ما ذكرَه المصنِّفُ، فأَبْدأ بالكتابِ الذي عزا إليه إن كان مَوجودًا، أو ممَّن يَروي عن صاحِبِ ذلك الكتابِ، ثم ذَكرْته من الوجه الأخرى. - ذكرتُ في التخريج الجزءَ ورقم الصفحةِ ورقم الحديث إن وُجد، وبالنسبة للكتبِ التسعة راعيتُ فيها ذكرَ الكتاب واسمَ البابِ، وذلك لتَعدُّد طبعاتِها، وقد أُغْفِلُ ذكرَ الكتابِ والبابِ إن ذكر قبلَ ذلك فِي نفسِ حَديث البابِ، طلبًا للاختِصَار. - حكمتُ على أسانيد الأحاديثِ، وبَيَّنْتُ عِلَلَها، بذِكْرِ أقوالِ أهلِ العلمِ في ذلك. - بيّنتُ المتابعاتِ والشواهدَ والصحيحَ من الضعيفِ على ما تَقتضِيه قواعد علومِ الحديث. - قد يَذكر المصنِّف مَن أخرج حَديث مالكٍ من الأئمة المصنِّفين كالبخاري وغيره، فلا أعيد ذِكرَ موضعِه فيه، وإنَّما أَكْتَفِي بقولي: تقدّم تخريجُه، وأعني أنَّه تَقدَّم قريبًا. ثامنًا: الآثار. خرَّجت الآثار من مصادرها، وبيّنت الصحيحَ من غيره.

стр. 18

تاسعًا: الأعلام. ترجمت للأعلام الوارد ذكرُهم في النَّص، واستثنيتُ من ذلك: ١ - رجالَ الكتب الستة، إلَّا الضعيف والمتكلَّمِ فيه، ومَن كان مَدارُ العلَّة عليه ولو كان ثقةً، وكذا مَن ذَكَر المصنِّف شيئًا من أقوالِ أهل العلم فيه. ٢ - المصنِّفين المشهورين كأصحابِ الكتب الستة، والكتب المشهورة، وغيرهم. ٣ - الصحابةَ؛ لأنَّهم عدولٌ، إلَّا من ترجَمَه المصنِّف، أو اختلِفَ في صحبته. عند ترجمة العَلَم، راعيتُ في ذلك قراءةَ أقوالِ أهلِ العلم فيه، ثم ذكرتُ رتبتَه باختصَارٍ، إمَّا بكلامِ الحافظ الذهبي، أو ابن حجر، أو أَحَد أئمة الجرح والتعديل، وقد أُلَخِّص رتبتَه باجتهاد منِّي إن رأيت أنَّ ما ذكره الحافظُ مخالفٌ لسائِرِ أقوال أهل العلمِ، وقد أَكْتَفِي بذِكْرِ أقوالِ أهل العلمِ في ذلك الرجلِ بِحَسَبِ الفائدة والمناسبة، كأن يكون متكلَّمًا في روايته عن شيخٍ من شيوخه، أو في حديث من أحاديثه. عاشرًا: المسائل الفقهية. راعيتُ عند ذكرِ أقوالِ أهلِ العلم في المسألة الفقهية الاختصارَ دون التطويلِ، وبَيَّنتُ في الغالب الراجحَ في تلك المسألة بذكرِ بعضِ الأدلَّةِ المرجِّحَة. حادي عشر: الكلمات الغريبة والبلدان. - شرحتُ الألفاظَ الغريبة، وضبطتُ منها ما يَحتاج إلى ضَبطٍ،

стр. 19

- بيّنتُ المواضعَ والبلدانَ التي ذكرها المصنِّف في كتابه، مراعيًا في ذلك ما ذَكَرَه القدماءُ والمعاصرون، وبيّنتُ في الأغلبِ موقعَ في الزمَنِ الحاضر مُحَدِّدًا المسافاتِ بالمقياسِ الحاضر. ثاني عشر: الفهارس. وضعتُ الفهارسَ العلميةَ الضروريةَ آخرَ الرسالة، وتشتمل على: - فهرسِ الآيات القرآنية. - فهرسِ الأحاديث. - فهرسِ الآثار. - فهرسِ الأعلام الوارد ذكرهم في النص. - فهرسِ الكلمات الغريبة. - فهرسِ المواضع والبلدان. - ثَبَتِ المراجع العلمية. - فهرسِ مسانيد الصحابة على ترتيب حروف المعجم عند المشارقة. - فهرسِ الموضوعات. ثانيا: قسم التحقيق. وفيه النَّصُّ المحقق.

стр. 20

شكر وتقدير: وفي الختامِ فإننا نشكرُ الله ﵎ الذي وفَّقَنا لإتمامِ هذا البحثِ، ونسأله سبحانَه أن يَجْعلَه في ميزان حسناتنا يومَ القيامةِ. ثم نشكرُ فضيلةَ الشيخ الدكتور عبد الصمد بنِ بكر عابد الأستاذ المشارك بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية، الذي كان السَّببَ بعد الله في اختيارِ هذا الكتاب. ونتقدّم بالشكرِ لمشرفنا الشيخ الدكتور عبد الرحيم بنِ محمد القشقري، الأستاذُ بقسم علوم الحديث، ورئيسُ القسم بكلية الحديث الشريف، والمشرفُ على هذه الرسالة الذي لَم يَدَّخِر وُسْعًا ولَم يَأْلُ جُهدًا في سبيل إنجاز هذا العمل، وذلك بِما قدَّمه من ملحوظات وآراء سديدة، فنشكره على ما أفادنا به، ووجّهنا وقوّم به رسالتنا. ونتقدَّم بالشكر أيضًا لعضوي المناقشة: الشيخ الدكتور عبد الصمد بن بكر عابد، والشيخ الدكتور مرزوق بن هياس الزهراني، الذين تفضَّلا مشكورين لمناقشة هذه الرسالة، فجزاهما الله خيرًا على قراءتهما هذا البحث رغم كثرة أشغالهما العلمية، فجزاهما الله خيرًا. وأخيرًا فإننا بذلنا جهدنا وطاقتنا في خدمة هذا الموضوع، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمنا ومن الشيطان، وإننا نستغفر الله، ونسأله التجاوز عنَّا في كل ما أخطأنا، فإنَّا محلّ الخطأ

стр. 21

والغلط والجهل، وهو أهل المغفرة والسَّعة والغِنى المطلق، فهو الغني ونحن الفقراء إلى رحمته، فنسأله سبحانه أن لا يعاملنا بِما نحن له أهل، ويعاملنا بما هو له أهل. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: "ونحن نخطئ ومن يسلم من الخطأ" (١). والحمد لله وحده أولا وآخرًا وصلى الله على نبيّه وعلى آله وصحبه وسلّم. المحققان _________ (١) انظر: فتح المغيث ١/ ٢٣٨، شرح الموطأ للزرقاني ٣/ ١١٦، ٤/ ٨٥.

стр. 22

القسم الأول: الدراسة

стр. 23

الفصلُ الأوَّل: عصرُ المصنِّف وفيه مبحثان المبحثُ الأوَّل: الحياةُ السياسية المبحثُ الثاني: الحياةُ العلمية

стр. 24

المبحث الأوَّل: الحالةُ السياسية: عاصر أبو العباس الداني ﵀ قيامَ عدّة دوَلٍ، فبعد انهيار الدولة الأموية وانتهاء حكمها في الأندلس سنة (٤٢٢ هـ) قامت عدّةُ دولٍ وطوائف يمثِّل كلَّ طائفة منها رئيسٌ أو ملكٌ، استقلَّ كلُّ واحد منهم بناحيةٍ مِن نواحي الأندلس، واستبدّ كلُّ رئيس منهم بتدبير ما تغلَّب عليه من الجهات. وكانت هذه الدول الصغيرة متخاصمةً متنابذةً فيما بينها، لا تربطها صلةٌ ولا تجمع مصلحتها كلمةٌ، عُرفت بدول الطوائف، ويُعرف رؤساؤها بملوك الطوائف، وتَسمَّى كلُّ واحد منهم بألقاب مختلفة كالمقتدر والمعتمد وغير ذلك. وأبلغُ وصفٍ لحال الأندلس في عهد ملوك الطوائف ما قاله أبو الحسن بن رشيق القيرواني: ممّا يزهِّدني في أرض أندلس … تلقيبُ معتضد فيها ومعتمد ألقابُ مملكة في غيرِ موضعِها … كالهرِّ يحكي انتفاخًا صَولة الأسَد (١) وقال ابن حزم الأندلسي: "فضيحةٌ لم يقع في العالم إلى اليوم مثلُها، أربعةُ رجالٍ في مسافة ثلاثة أيَّام في مثلها كلُّهم يَتسمَّى بأمير المؤمنين، ويُخطب لهم بها في زمن واحد … " (٢). _________ (١) نفح الطيب (١/ ٢١٤). (٢) رسائل ابن حزم (٢/ ٩٧).

стр. 25

وكان لاختلاف عناصر المجتمع الأندلسي وتعدُّد طوائفه مِن عرَب وبرْبَرٍ وصقالبة أثره في اختلاف أجناس القيادات السياسية بين الممالك، فكان في القيادة أربعُ فئات: العربُ، والبربرُ، والفتيانُ العامريون، وموالي الأمويين. وكان على مدينة دانية في أوَّل هذه الفتنة الفتيانُ العامريون بزعامة مجاهد العامري، خرج إلى دانية وضبطها وجميع أعمالها وتَسمَّى بالموفّق بالله، وأخذ كذلك الجزائر الثلاث (ميورقة ومنورقة ويابسة)، وغزا غيرها من بلاد الروم كسردانية. وكان من أهل العفاف والخير وامتاز على ملوك الطوائف بالأنباء البديعة كالعلم والمعرفة والأدب والشجاعة وحُسن السياسة، فكانت مملكتُه أبعدَ مملكةٍ مِن الحروب الأهلية القائمة بين دول الطوائف، وذلك لموقعها المنعزل الحصين، وكانت رياستُه تمتدُّ عبر البحر، فغلبت على المدينة صفتُها البحرية على الصفة البرية، وكان لمجاهد أعظمُ أسطولٍ بحريٍّ في الأندلس (١). وقصده العلماء والفقهاء من الشرق والغرب وألّفوا له التواليف المفيدة في سائر العلوم، وكان محبًّا لعلوم القرآن حتى صار أهل دانية أقرأَ أهلِ الأندلس (٢). ثمَّ ولي مِن بعده ابنُه بعد وفاة أبيه سنة (٤٣٦ هـ) عليُّ بن مجاهد إقبال الدولة، وكان على سيرة أبيه، صيِّنًا عفيفًا مؤثرًا للعلوم الشرعية (٣). _________ (١) انظر: البيان المغرب (٢/ ١٥٦)، ودول الطوائف (ص: ١٨٨ - ١٩٠). (٢) انظر: البيان المغرب (٢/ ١٥٦)، معجم البلدان (٢/ ٤٣٤). (٣) المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص: ١٢٧).

стр. 26

ثم غزاه أحدُ بني هود وهو أحمدُ بن سليمان بن هود المقتدر بالله صاحبُ سرَقسطة، واستولى على مدينته دانية، وضيَّق عليه، ثمَّ بادر عليُّ بن مجاهد فأسلمه مُلكَه، ونزل له عن قصره فأمر أحمدُ بن سليمان برفع القتال عنه، وخرج عليُّ بن مجاهد مِن دانية سنة (٤٦٨ هـ) إلى سرقُسطة، وأقطع له أحمد بن سليمان فيها إقطاعًا لمؤنة عيشه. وفي أواخر دولة علي بن مجاهد وُلد المصنِّف سنة (٤٦٧ هـ) كما سيأتي. فبايع أهلُ دانية ومَن حولها أحمدَ بن هود، فأقام بها مدّةً ينظر في أمرها. وكان في أيَّام ابن هود وقائع بينه وبين الروم، واتفقت على يديه فتوحاتٌ عظيمة، ثمَّ لم يزل ابنُ هود يَضعُفُ والرومُ يتقوّون عليه، وفي آخر أيّامه أصابته علّةٌ في جسمه أذهبت حسَّه وعقلَه إلا أن توفي سنة (٤٧٥ هـ) (١). ثمَّ تولّى مِن بعده ابنُه المنذرُ بن هود. ولم تزل هذه الدولُ قائمةً بالأندلس وحالُها يضعف وثغورُها تختلُّ ومُجاورُوها مِن الروم تشتدُّ أطماعُهم ويقوى تشوُّفُهم، حتى بدأت بعض دوَلهم تتساقطُ في أيدي النَّصارى. وفي سنة (٤٧٩ هـ) جاز المعتمدُ على الله أحد ملوك الطوائف البحرَ قاصدًا مدينةَ مرَّاكش بالمغرب إلا يوسفَ بن تاشفين أمير المسلمين _________ (١) انظر: البيان المغرب (٣/ ٢٢٨، ٢٢٩).

стр. 27

مستنصرًا به على الروم، فأسرع أميرُ المسلمين إجابته إلى ما دعاه، فأخذ في أُهبة العبور إلى جزيرة الأندلس، فعبر البحرَ بعسكرٍ ضخمٍ، وتوجّه نحو شرق الأندلس مجاهدًا العدوَّ، ولقي في طريقه ملوكَ الأندلس، فاجتمع له مِن جيشه وما انتدب من النَّاس عشرون ألفَ مقاتل، واجتمع النَّصارى في عدد كبير بقيادة الأدفنش، ووقعت بينهم وقعةُ الزلَّاقة المشهورة التي انتصر فيها المسلمون نصرًا مؤزَّرًا، أعزَّ الله فيه دينَه وأعلى كلمتَه، وقطع طمعَ الروم عن الجزيرة الخضراء، ثمَّ رجع يوسف بن تاشفين إلى قاعدة ملكه مرَّاكش، وتركَ جندًا من جنوده على الثغور مرابطين في سبيل الله. وفي سنة (٤٨٦ هـ) استولى الطاغية لذريق النصراني على بلنسية، واشتدّ حالُ أهلها، وعظم أمرُهم وبلاؤُهم، فاستصرخوا بأمير المسلمين ابن تاشفين مرةً أخرى، فجدَّ في أمرهم وأمر قوَّادَه وعمَّالَه على بلاد الأندلس بنصرهم. وفي سنة (٤٨٧ هـ) تغلّب العدوُّ على بلنسية، واشتدَّ جزعُ المسلمين بدانية، وحميت بها الفتنةُ، واشتدّت المحنُ، وغلت الأسعار، وانتشر الوباء والأمراض، فخاطب الناسُ أميرَ المسلمين مستصرخين معلمين بفساد الشرق وإشراف الأمَّة على الهلاك، فتحرّك أمير المسلمين وجنَّد الأجناد، ففتح الله بلاد بلنسية على يد المرابطين بعد حين. ثمَّ بعدها بدأ ابن تاشفين يوجّه أمراءَه وقوَّادَه إلى أنحاء الأندلس، فأخذ بعضَ الجهات، ثمَّ استولى على المدن العظيمة كإشبيلية وغيرها، ثمَّ لم يزل يطوي تلك الممالك مملكةً مملكةً حتى دانت له جميع الأندلس، فأظهر النِّكايةَ بالعدوَ والدِّفاعَ عن أهل الأندلس، فأحبَّه أهل الأندلس، واشتدَّ خوفُ الروم منه، وتَسمَّى هو وأصحابه بالمرابطين.

стр. 28

وتوفي أميرُ المسلمين سنة (٥٠٠ هـ)، ثمَّ تولى بعده ابنه عليُّ بن يوسف بن تاشفين، وكان زاهدًا متبتِّلًا، يؤثر أهلَ الفقه والدين، ولا يبتُّ في صغير ولا كبير من أمر الدولة إلَّا بمحضر أربعةٍ مِن الفقهاء، وكانت في وقته وقعاتٌ بين المسلمين والروم. وفي سنة (٥٢٠ هـ) بدأت تتواتر أخبارُ ابن تومرت المدعي بالمهدي في المغرب وتَسمَّى هو وأصحابُه بالموحِّدين، وصارت بينه وبين علي بن تاشفين حروبٌ عدّة، ومحاصرةٌ لمرَّاكش، وكان على إمرة الأندلس ابنه تاشفين بن علي، عُرف بالجهاد والنكاية بالعدو، إلى أن استدعاه أبوه إلى مرَّاكش. وبعد سنة (٥٣٠ هـ) بدأ تاشفين في قتال الموحدِّين، ثمَّ توفي أبوه علي بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين سنة (٥٣٧ هـ). فهذه معظم الأحداث السياسية التي عاصرها المصنِّف في بلاد الأندلس والمغرب، -إذ كانت له رحلةٌ إلى المغرب كما سيأتي-، وتوفي سنة (٥٣٢ هـ) في عهد المرابطين، ومجمل ذلك أنَّه عاصر عهد ملوك الطوائف. - علي بن مجاهد العامري (٤٣٦ هـ- ٤٦٨ هـ). - أحمد بن سليمان بن هود المقتدر (٤٦٨ هـ - ٤٧٤ هـ). - المنذر بن هود (٤٧٤ هـ - ٤٨٣ هـ). ثم دولة المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين، ومن بعده ولده علي بن يوسف بن تاشفين (١). _________ (١) انظر تاريخ دول الطوائف والمرابطين في: المغرب في أخبار الأندلس والمغرب (٤/ ٣١ - ٩٦)، المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص: ١٤٧ - ٢٤١)، دول الطوائف (ص: ٣١٤ - ٣٧٣)، الحلل السندسية (٣/ ٣٧ - ٦٠).

стр. 29

المبحثُ الثاني: الحياةُ العلمية: تقدّم في المبحث السابق أنَّ المصنِّفَ عاش في فترات توتَّرت فيها سياسةُ الدويلات القائمة في عصره فيما بينها، ثمَّ فيما بين تلك الدويلات ودولة المرابطين الذين استولوا على الأندلس بعد ضعفها وأعادوا لها عزَّها ومجدَها. لكن بالرغم مِن تلك المنازعات بين ملوك الطوائف إلَّا أنَّهم أدَّوا دورًا بارزًا في النشاط العلمي، والعمل على ازدهاره ورفعته. ووُلد المصنِّف في بلده دانية آخرَ عهد العامريين، ونشأ في عهد دولة بني هود ودولة المرابطين عِظم حياته. وكان لبلده دانية شأنٌ عظيمٌ في أيَّام دول الطوائف، بدءًا بمجالد العامري الذي أَمَّه جملةٌ مِن العلماء وأنِسوا بمكانه، واجتمع عنده مِن طبقات علماء قرطبة وغيرها جملةٌ وافرةٌ، وفي بَلاطه عاش الفقيهُ المحدِّثُ أبو عمر بن عبد البر النمري. وكذا كان الأمر في عهد بني هود، ثم مِن بعدهم في دولة المرابطين الذين قدَّموا الفقهاءَ وعظّموهم. وكانت الحياةُ العلميةُ في هذا العهد في ازدهارٍ عظيمٍ، وشهدت الأندلسُ أبهى عصورها العلمية، يلتمس ذلك في آثار علمائها وفقهائها. وتميّز النشاطُ العلمي في عدّة أمور منها: - الرحلات العلمية التي قام بها علماء الأندلس إلى المشرق، وقد عقد المقري في نفح الطيب في المجلد الثاني وجزءًا من الثالث فصلًا كاملًا ترجم

стр. 30

فيه لمن كانت له رحلةٌ مِن الأندلس إلى المشرق وكذا بالعكس في مختلف العصور. - جمعُ الكتب وإنشاءُ المكتبات (١). - التعليمُ والتدريسُ، وقد عُني أهلُ الأندلس بتعليم أنفسهم وأبنائهم، قال المقري: "وأما حالُ أهل الأندلس في فنون العلوم فتحقيقُ الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنَّهم أحرصُ الناس على التميّز، فالجاهلُ الذي لم يوفِّقه الله للعلم يجهد أن يتميّز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يُرى فارغًا عالةً على الناس، والعالمُ عندهم معظَّمٌ مِن الخاصة والعامة، يُشار إليه ويُحال عليه .. " (٢). فكان التعليمُ وإلقاءُ الدروس ضاربًا أطنابه بكلِّ طرقه من إقراءٍ وإملاءٍ ومناظرةٍ، وكانت المساجدُ حاملةً لواءَ التعليم، قال المقري: "ليس لأهل الأندلس مدارسُ تعينهم على طلب العلم، بل يقرؤون جميعَ العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرؤون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جاريًا، فالعالم منهم بارع؛ لأنه يطلب ذلك العلم بباعث من نفسه يحمله على أن يترك الشغل الذي يستفيد منه، وينفق من عنده حتى يعلم" (٣). وشهد كذلك عددٌ من منازل العلماء النشاط التعليمي، فكانت مأوى الطلبة يقرؤون الكتب فيها على مشايخهم (٤). _________ (١) انظر: نفح الطيب (١/ ٤٦٢). (٢) نفح الطيب (١/ ٢٢٠). (٣) نفح الطيب (١/ ٢٢٠). (٤) انظر مثاله سماع المصنف موطأ الإمام مالك بقراءة شيخه أبي داود المقرئ انظر: (٢/ ٩)، =

стр. 31

وبرَز في هذه الحقبة من الزمن الكثيرُ من العلماء، وصنَّفوا الكثيرَ مِن التصانيف، كأبي علي الجياني والصدفي، وأبي داود المقرئ، وأبي الوليد الباجي، وأبي بكر بن العربي، وأبي بكر غالب الغرناطي، والرشاطي وغيرهم من العلماء والفقهاء والأدباء. ومن تتبّع كتبَ التراجم كالصلة لابن بشكوال، وصلةَ الصلة لابن زبير، والتكملةَ لابن الأبار، والذيلَ والتكملة للمراكشي وغيرها علم ما وصلت إليه الأندلسُ في عهد المصنِّف من رِفعةٍ وتقدّمٍ في المجال العلمي (١). * * * _________ = وكذا قراءة طاهر بن خلَف رياضة المتعلِّمين لأبي نعيم على أبي علي بمنزل أبي داود المقرئ وعند جامعها العتيق مَقدم أبي عليٍّ من المشرق (ص: ٦٤) من هذه الدراسة. (١) وانظر ما أعدَّه الباحث د. سعد بن عبد الله البشري في كتابه القيّم: الحياة العلمية في عصر ملوك الطوائف في الأندلس (٤٢٢ - ٤٨٨ هـ).

стр. 32

الفصلُ الثاني: ترجمة المصنِّف وفيه ستة عشر مبحثًا. المبحث الأول: المترجمون له المبحث الثاني: اسمه ونسبه ونسبته وكنيته المبحث الثالث: مولده المبحث الرابع: نشأته وعنايته بالعلم ولقاء الرجال المبحث الخامس: أسرته المبحث السادس: رحلاته المبحث السابع: مسموعاته المبحث الثامن: شيوخه المبحث التاسع: أصحابه المبحث العاشر: تلاميذه المبحث الحادي عشر: أعماله المبحث الثاني عشر: أصوله، ومصنّفاته المبحث الثالث عشر: ثناء العلماء عليه المبحث الرابع عشر: عقيدته المبحث الخامس عشر: مذهبه الفقهي المبحث السادس عشر: وفاته

стр. 33

المبحث الأول: المترجمون له. تناول ترجمةَ المصنِّف العديدُ من علماء التراجم، وأكثرُهم من الأندلسيِّين والمغاربة، فأوَّلُ مَن ترجم له: - القاضى عياض اليَحصُبي (ت: ٥٤٤ هـ) في فهرست شيوخه الغنية (ص: ١١٨). - وأبو القاسم ابن بشكوال (ت: ٥٧٨ هـ) في كتابه الصلة (١/ ٧٨، ٧٩) إلَّا أنه لم يستوف أخبارَه كما ينبغي، بل لم يذكره إلا ملحقًا بعد فراغه من الكتاب. قال ابن الأبّار: "ذكره ابن بشكوال في ملحقاته وزياداته التي ذيّل بها الكتاب بعد الفراغ منه، ولم يجوِّده ولا استوفى خبرَه" (١). - وأحمد بن يحيى الضبي (ت: ٥٩٩ هـ) في بغية الملتمس (ص: ١٨٠). - وابن الأبّار محمد بن عبد الله القضاعي (ت: ٦٥٨ هـ) في كتابين من كتبه، الأول: التكلمة لكتاب الصلة (١/ ٤٣، ٤٤) (٢)، والثاني: المعجم في _________ (١) التكملة لكتاب الصلة (١/ ٤٤)، وانظر: الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة (١/ ١/ ١٣١). (٢) ذكر محمد بن شريفة في حاشية (١) من تحقيقه لكتاب الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠) أنه وقع اضطراب في ترجمة أبي العباس الدانى في التكملة، إذ ورد بعض ترجمته تحت (رقم: ١٠٨)، ومعظمها تحت (رقم: ١٢٧). وبالرجوع إلى التكملة (١/ ٣٧ / رقم: ١٠٨) نجده ترجم لأحمد بن سعيد بن عبد الله السبائي أبى جعفر. =

стр. 34

أصحاب أبي علي الصدفي (ص: ١٤ - ١٧). - وأبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي (ت: ٧٤٣ هـ) في كتابه الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة (١/ ١/ ١٣١). - والإمام شمس الدين الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) في كتابه تاريخ الإسلام (حوادث ٥٣١ - ٥٤٠/ ص: ٢٦٣). - وبرهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون المالكي (ت: ٧٩٩ هـ) في كتابه الديباج المذهب في أعيان علماء المذهب (ص: ٤٥). - ومحمد بن محمد مخلوف في كتابه شجرة النور الزكية في طبقات المالكية (ص: ١٣٣). - وعمر رضا كحالة في كتابه معجم المؤلفين (١/ ٢٥٥). - والزركلي في كتابه الأعلام (١/ ١٣٩). - والأمير شكيب أرسلان في كتابه الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (٣/ ٢٥١) (١). _________ = وترجم في (١/ ٤٣/ رقم: ١٢٨) للمؤلف، ولم يقع في الكتاب أي تخليط واضطراب، فلعل ما ذكره بناه على طبعة أخرى للكتاب غير هذه، والله أعلم. (١) وترجم أيضًا بالصفحة نفسها لأحمد بن طاهر بن علي بن عيسى، وقال: "ذكره ابن عميرة (أي الضبي) في بغية الملتمس". قلت: وهو رجل واحد، والذي جعله يفصل بين الترجمتين سنة الوفاة، فذكر أنَّ أبا العباس توفي سنة (٥٢٠ هـ)، تبع في ذلك القاضي عياض وابن بشكوال، وسيأتي التنبيه على هذا الوهم.

стр. 35

المبحث الثاني: اسمه ونسبه ونسبته وكنيته هو أحمد بن طاهر بن علي بن عيسى بن محمد بن اشتَرِمِني (١) بن رُصَيْص (٢) بن فاخِر بن فَرَج بن وَليد بن عبد الله بن نُعم الخلف بن حسَّان بن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الداني، مِن ولد سَعد بن عبادة ﵁ صاحب رسول الله ﷺ . كنيته: أبو العباس (٣). أصل سَلفه من شارقة عمل بَلَنْسِية، وهي قلعة الأشراف المذكورة في التواريخ الأندلسية، وانتقل جدُّه إلى دانية (٤). _________ (١) هو على صيغة الأمر من الاشتراء من المتكلِّم، قال المراكشي: "وأظنه لقبًا والله أعلم". الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠). (٢) براء وصادين مهملتين مصغرًا. الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠). (٣) ذكر هذا النسب كاملًا ابن الأبار في التكملة (١/ ٤٣)، والمراكشي في الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٢٩) إلا أنّه لم يذكر جدَّه عليًّا. وكلُّ من ترجم له ذكر أنَّ اسمَ جدِّه عليٌّ، ولم يزيدوا في نسبه على جدّ أبيه عيسى. انظر: الغنية (ص: ١١٨)، والصلة (١/ ٧٨)، المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٤)، بغية الملتمس (ص: ١٨٠)، تاريخ الإسلام (حوادث ٥٣١ - ٥٤٠ /ص: ٢٦٣)، الديباج المذهب (ص: ٤٥)، شجرة النور (ص: ١٣٣). ووقع في الغنية للقاضي عياض (ص: ١١٨): "أحمد بن طاهر بن علي بن شبرين بن علي بن عيسى". تفرّد بذكر شبرين بن علي، وأظنه خطأ من النساخ، بدليل أنّ المحقق ذكر في حاشية (٢): أن هذه الزيادة ساقطة من نسخة (ط)، وكان الأولى إسقاطها، والله أعلم. (٤) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥).

стр. 36

ودَانِية: بعد الألف نون مكسورة بعدها ياء مثناة من تحت مفتوحة. مدينة في شرق الأندلس على ساحل البحر، وهي مدينة حديثة انتقل إليها أهل أندارة، ولها رساتيق واسعة كثيرة التين والعنب واللوز، ومنظرها بديع، ولها رابية تشرف على البحر يعلوها حصن، والبلدة مبنية إلى الجهة الجنوبية من هذه الرابية، وأهلها أقرأ أهل الأندلس،، ووراء دانية جبال ذات ارتفاع لها مناظر بهيجة، أشهرها جبل مونغو (MONGO) وعلوّه (٧٦١) مترًا (١). ولا زالت هذه المدينة تحمل اسمها القديم اليوم (Denia) تابعة لمدينة لِقنت (Alicante). والإسبانيون يلفظون دانية بالإمالة (٢). _________ (١) انظر: معجم البلدان (٢/ ٤٣٤)، الحلل السندسية (٢/ ٢٢٢). (٢) الحلل السندسية (١/ ٢٢٢).

стр. 37

خريطة الأندلس، وفيها بيان مواضع مدنها، وفي شرقيِّها عند موضع السهم مدينة دانية

стр. 38

المبحث الثالث: مولده. كان أصل أبي العباس من شارقة عمل بلنسية، ثم انتقل جدّه إلى دانية، وبها وُلد أبو العباس، وكان مولده فيما ذكر ابن الأبّار في الساعة الرابعة من يوم السبت السابع عشر من شوّال سنة سبعٍ وستين وأربع مائة، قال: قرأت ذلك وبعضَ خبره بخط ابن عيّاد (١). المبحث الرابع: نشأته وعنايته بالعلم ولقاء الرجال. نشأ أبو العباس الداني بمدينته دانية، واشتغل بالسماع والأخذ على محدِّثيها، فكانت له عناية بمشايخ بلده فكتب الحديث عنهم، وجمع وتفقّه. قال ابن بشكوال: "كانت له عناية بالحديث ولقاء الرجال والجمع، وحدَّث" (٢). وقال ابن الأبّار: "انتقل جدّه إلى دانية وبها وُلد أبو العباس هذا، ونشأ وكتب الحديث وتفقّه في المسائل، ثم تجوّل في العناية بالرواية. وقال: كان معتنيا بلقاء الرجال" (٣). _________ (١) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١). وجاء في حاشية (١) من الصلة لابن بشكوال (١/ ٧٩) ذكر مولده من خطِّ أبيه في مصحفه، ووافق في ذلك ما قاله ابن الأبار إلَّا أنه قال: "اليوم التاسع من شوال". وزاد: "ووافق ذلك اليوم السادس من يونيه". (٢) الصلة (١/ ٧٩). (٣) التكملة (١/ ٤٣)، وانظر: الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).

стр. 39

المبحث الخامس: أسرته. لم تسعفنا كتب التراجم بذكر أسرة أبي العباس، فلم يُذكر أبوه ولا أمّه، وتقدّم أنَّ جدّه كان من أهل شارقة ثم تحوّل إلى دانية. ولا شكَّ أنَّ أبا العباس الداني تزوّج، وكان له من الأولاد ابنٌ يسمى محمد بن أحمد بن طاهر الحزرجي الداني، يُكنى أبا عبد الله، مولده سنة خمسمائة، سمع من أبيه أبي العباس، وتفقّه به، وسمع أيضًا أبا بكر بن الحنّاط، وأخذ القراءات عن أبي عبد الله بن سعيد، وقدّم للشورى. قال ابن الأبّار: "كان جليلًا نبيهًا فاضلًا نزيهًا". وقال المراكشي: "كان فقيهًا حافظًا للمسائل، بصيرًا بالنوازل، مُشاورًا من أهل الجلالة والنباهة والفضل والنزاهة". وتوفي بمرسية سنة ست وستين وخمسمائة، واحتُمل إلى دانية فدُفن بها. وقال ابن عياد: "توفي سنة أربع وستين"، قال ابن الأبّار: "وهو وهم منه" (١). - ومن ولده أيضًا عيسى بن أحمد بن طاهر، ولم تذكره كتبُ التراجم، وإنَّما ترجم ابنُ الأبّار لابنِ ابنِه يحيى بن أحمد بن عيسى بن أحمد بن طاهر بن علي بن عيسى الخزرجي من ولد قيس بن سعد بن عبادة من أهل دانية (٢). _________ (١) انظر: التكملة (٢/ ٣٧)، والذيل والتكملة (٥/ ١/ ٦٤٧). (٢) انظر: التكملة (٤/ ١٩١).

стр. 40

- وممّن ذُكر من أسرة أبي العباس: أخوه محمد بن طاهر بن علي بن عيسى الأنصاري الداني، يكنى أبا عبد الله، سمع ببلده من أبي داود المقرئ، قال ابن الأبّار: "وجدتُ سماعَه لكتاب التقصي لأبي عمر بن عبد البر مع أخيه وأبي الحسن بن الهذيل في سنة أربع وتسعين وأربع مائة". ورحل أخوه حاجًّا، وقدم دمشق سنة أربع وخمسمائة (١)، فأقام بها مدَّة ودرس بها العربية فروى عنه بها جماعةٌ منهم أبو الحسن هبة الله بن الحسن بن عساكر أخو الحافظ أبي القاسم. وقال ابنُ عساكر: "رأيته بدمشق وأنا صغير ولم أسمع منه شيئًا" (٢). ويُذكر أنّه كان شديدَ الوسوسة، لا يستعمل ماء نهر ثَوْرَة تورعًا لما يخرج من سقاية الربوة إليه، ويبقى الأيام لا يصلي، لأنّه لا يتهيّأ له الوضوء عبى الوجه الذي يريده! (٣). ثم خرج إلى بغداد فأقام فيها حتى توفي سنة تسع عشرة وخمسمائة (٤). وله من المصنفات كتاب: تحصيل عين الذهب في معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب (٥). _________ (١) تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٨٤)، والوافي بالوفيات (٣/ ١٦٨)، إنباه الرواة (١/ ١٥٣). (٢) تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٨٤). (٣) المقفى (٥/ ٧٣٣)، تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٨٤)، إنباه الرواة (١/ ١٥٣). (٤) تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٨٤، ٢٨٥)، إنباه الرواة (١/ ١٥٣). وهذا لا شك فيه مخالفة للشرع، نسأل الله تعالى العافية والسلامة. (٥) انظر: التكملة (١/ ٣٤٢)، الذيل والتكملة (٦/ ٢٣٣، ٢٣٤)، تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٨٤)، والوافي بالوفيات (٣/ ١٦٨)، إنباه الرواة (١/ ١٥٣)، المقفى (٥/ ٧٣٣)، بغية الوعاة (١/ ١٢٠)، نفح الطيب (٢/ ١٤٢، ١٥٤). تنبيه: وقع في المقفى للمقريزي، وبغية الوعاة للسيوطي خلط في السنة التي دخل فيها محمد =
следующие страницы →