Полный текст (2 505 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ودَانِية: بعد الألف نون مكسورة بعدها ياء مثناة من تحت مفتوحة.
مدينة في شرق الأندلس على ساحل البحر، وهي مدينة حديثة انتقل إليها أهل أندارة، ولها رساتيق واسعة كثيرة التين والعنب واللوز، ومنظرها بديع، ولها رابية تشرف على البحر يعلوها حصن، والبلدة مبنية إلى الجهة الجنوبية من هذه الرابية، وأهلها أقرأ أهل الأندلس،، ووراء دانية جبال ذات ارتفاع لها مناظر بهيجة، أشهرها جبل مونغو (MONGO) وعلوّه (٧٦١) مترًا (١).
ولا زالت هذه المدينة تحمل اسمها القديم اليوم (Denia) تابعة لمدينة لِقنت (Alicante).
والإسبانيون يلفظون دانية بالإمالة (٢).
_________
(١) انظر: معجم البلدان (٢/ ٤٣٤)، الحلل السندسية (٢/ ٢٢٢).
(٢) الحلل السندسية (١/ ٢٢٢).
стр. 37
خريطة الأندلس، وفيها بيان مواضع مدنها، وفي شرقيِّها عند موضع السهم مدينة دانية
стр. 38
المبحث الثالث: مولده.
كان أصل أبي العباس من شارقة عمل بلنسية، ثم انتقل جدّه إلى دانية، وبها وُلد أبو العباس، وكان مولده فيما ذكر ابن الأبّار في الساعة الرابعة من يوم السبت السابع عشر من شوّال سنة سبعٍ وستين وأربع مائة، قال: قرأت ذلك وبعضَ خبره بخط ابن عيّاد (١).
المبحث الرابع: نشأته وعنايته بالعلم ولقاء الرجال.
نشأ أبو العباس الداني بمدينته دانية، واشتغل بالسماع والأخذ على محدِّثيها، فكانت له عناية بمشايخ بلده فكتب الحديث عنهم، وجمع وتفقّه.
قال ابن بشكوال: "كانت له عناية بالحديث ولقاء الرجال والجمع، وحدَّث" (٢).
وقال ابن الأبّار: "انتقل جدّه إلى دانية وبها وُلد أبو العباس هذا، ونشأ وكتب الحديث وتفقّه في المسائل، ثم تجوّل في العناية بالرواية.
وقال: كان معتنيا بلقاء الرجال" (٣).
_________
(١) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١).
وجاء في حاشية (١) من الصلة لابن بشكوال (١/ ٧٩) ذكر مولده من خطِّ أبيه في مصحفه، ووافق في ذلك ما قاله ابن الأبار إلَّا أنه قال: "اليوم التاسع من شوال". وزاد: "ووافق ذلك اليوم السادس من يونيه".
(٢) الصلة (١/ ٧٩).
(٣) التكملة (١/ ٤٣)، وانظر: الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
стр. 39
المبحث الخامس: أسرته.
لم تسعفنا كتب التراجم بذكر أسرة أبي العباس، فلم يُذكر أبوه ولا أمّه، وتقدّم أنَّ جدّه كان من أهل شارقة ثم تحوّل إلى دانية.
ولا شكَّ أنَّ أبا العباس الداني تزوّج، وكان له من الأولاد ابنٌ يسمى محمد بن أحمد بن طاهر الحزرجي الداني، يُكنى أبا عبد الله، مولده سنة خمسمائة، سمع من أبيه أبي العباس، وتفقّه به، وسمع أيضًا أبا بكر بن الحنّاط، وأخذ القراءات عن أبي عبد الله بن سعيد، وقدّم للشورى.
قال ابن الأبّار: "كان جليلًا نبيهًا فاضلًا نزيهًا".
وقال المراكشي: "كان فقيهًا حافظًا للمسائل، بصيرًا بالنوازل، مُشاورًا من أهل الجلالة والنباهة والفضل والنزاهة".
وتوفي بمرسية سنة ست وستين وخمسمائة، واحتُمل إلى دانية فدُفن بها.
وقال ابن عياد: "توفي سنة أربع وستين"، قال ابن الأبّار: "وهو وهم منه" (١).
- ومن ولده أيضًا عيسى بن أحمد بن طاهر، ولم تذكره كتبُ التراجم، وإنَّما ترجم ابنُ الأبّار لابنِ ابنِه يحيى بن أحمد بن عيسى بن أحمد بن طاهر بن علي بن عيسى الخزرجي من ولد قيس بن سعد بن عبادة من أهل دانية (٢).
_________
(١) انظر: التكملة (٢/ ٣٧)، والذيل والتكملة (٥/ ١/ ٦٤٧).
(٢) انظر: التكملة (٤/ ١٩١).
стр. 40
- وممّن ذُكر من أسرة أبي العباس: أخوه محمد بن طاهر بن علي بن عيسى الأنصاري الداني، يكنى أبا عبد الله، سمع ببلده من أبي داود المقرئ، قال ابن الأبّار: "وجدتُ سماعَه لكتاب التقصي لأبي عمر بن عبد البر مع أخيه وأبي الحسن بن الهذيل في سنة أربع وتسعين وأربع مائة".
ورحل أخوه حاجًّا، وقدم دمشق سنة أربع وخمسمائة (١)، فأقام بها مدَّة ودرس بها العربية فروى عنه بها جماعةٌ منهم أبو الحسن هبة الله بن الحسن بن عساكر أخو الحافظ أبي القاسم.
وقال ابنُ عساكر: "رأيته بدمشق وأنا صغير ولم أسمع منه شيئًا" (٢).
ويُذكر أنّه كان شديدَ الوسوسة، لا يستعمل ماء نهر ثَوْرَة تورعًا لما يخرج من سقاية الربوة إليه، ويبقى الأيام لا يصلي، لأنّه لا يتهيّأ له الوضوء عبى الوجه الذي يريده! (٣). ثم خرج إلى بغداد فأقام فيها حتى توفي سنة تسع عشرة وخمسمائة (٤).
وله من المصنفات كتاب: تحصيل عين الذهب في معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب (٥).
_________
(١) تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٨٤)، والوافي بالوفيات (٣/ ١٦٨)، إنباه الرواة (١/ ١٥٣).
(٢) تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٨٤).
(٣) المقفى (٥/ ٧٣٣)، تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٨٤)، إنباه الرواة (١/ ١٥٣).
(٤) تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٨٤، ٢٨٥)، إنباه الرواة (١/ ١٥٣).
وهذا لا شك فيه مخالفة للشرع، نسأل الله تعالى العافية والسلامة.
(٥) انظر: التكملة (١/ ٣٤٢)، الذيل والتكملة (٦/ ٢٣٣، ٢٣٤)، تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٨٤)، والوافي بالوفيات (٣/ ١٦٨)، إنباه الرواة (١/ ١٥٣)، المقفى (٥/ ٧٣٣)، بغية الوعاة (١/ ١٢٠)، نفح الطيب (٢/ ١٤٢، ١٥٤).
تنبيه: وقع في المقفى للمقريزي، وبغية الوعاة للسيوطي خلط في السنة التي دخل فيها محمد =
стр. 41
ومن أسرة أبي العباس أيضًا أخوه سليمان وابن أخيه أحمد بن سليمان، ترجم له المراكشي وقال: "كان حيًّا سنة عشرين وخمسمائة" (١).
ومن أسرته أيضًا حفيدُه أبو الحسين يحيى بن أحمد بن محمد بن طاهر بن علي بن عيسى الأنصاري الشاطبي، ذكره ابن رُشيد في شيوخ أبي إسحاق ابن الحاج، وقال: "رئيس بلده الفقيه الفاضل" (٢).
المبحث السادس: رحلاته.
تقدّم أنَّ أبا العباس الداني كانت له عناية بلقاء الرجال والشيوخ والسماع منهم، فأخذ عن أهل بلده، ثم تجوّل في الأندلس، ورحل إلى إفريقية للأخذ عن شيوخها، والرحلةُ في طلب الحديث والعلم سنَّةُ مَن سَلف، وقد أخذ منها أبو العباس بحظٍّ وافر.
قال القاضي عياض: "ممّن عُني بالحديث والرواية، ورحل فيه، وفهم الطريقة وأتقن الضَّبط، واتّسع في الأخذِ والسماع" (٣).
وقال ابن بشكوال: "له رحلةٌ لقي فيها أبا مروان وجماعة" (٤).
_________
= ابن طاهر هذا دمشق، ومصر، وسنة وفاته، فذكر المقريزي أنَّ دخوله دمشق كانت سنة (٥٥٤)، مع أنَّ السيوطي نقل ذلك عن ابن عساكر، وابن عساكر جعلها سنة (٥٠٤)، وكذلك نقله عنه الصفدي، ولو كان كما ذكر السيوطي لسمع منه ابن عساكر.
وأما صاحب نفح الطيب فجعلهما رجلين، ترجم لهما في موضعين من كتابه بناء على اختلاف سنة الولادة والوفاة، والدخول إلى دمشق ومصر، مع أن أخبارهما متحدّة، وهذا يدل أنَّهما رجل واحد أخطأ بعض المؤرخين في ولادته ودخوله إلى مصر ودمشق وبالتالي وفاته، والله أعلم.
(١) الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٢٧).
(٢) ملء العيبة (٢/ ١٣٦).
(٣) الغنية (ص: ١١٨).
(٤) الصلة (١/ ٩٧).
стр. 42
وقال ابن عبد الملك المراكشي: "تَجَوَّل في الأندلس في لقاء الشيوخ والرواية عنهم" (١).
ومن المدن الأندلسية التي دخلها أبو العباس وسمع فيها:
١ - قرطبة (٢): سمع فيها من أبي علي الجياني، ذكر في مقدّمة هذا الكتاب إسنادَه للموطأ فقال: "أخبرني به الشيخُ الأجلُّ الفقيهُ الحافظُ أبو عليّ، حسين بنُ محمّد بنِ أحمد الغسّاني المعروف بالجيّاني قَرَأَه عليَّ بقُرْطُبة -حرسها الله- في شهور من عام اثنين وتسعين وأربع مائة".
وانظر أيضًا: (ل: ٢٧٥ / ب) من هذا الكتاب.
٢ - المريّة (٣): وكانت رحلته إليها في حدود سنة (٥٠٥ هـ)، حيث سمع في هذه السنة من أبي علي الصدفي، وسمع فيها أيضًا من شيوخ كثيرين، منهم: أبو علي الغساني، وأبو محمد بن الحنَّاط، وأبو عبد الله
_________
(١) الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
(٢) قاعدة الأندلس وأم المدائن ومستقر الخلافة ودار الإمارة، وكان فيها الخلفاء من بني أمية، وآثارهم بها ظاهرة، وأبنيتهم فيها وفي ما جاورها بيّنة، وفيها الجامع المشهور أمره شائع ذكره من أجلِّ مصانع الدنيا.
انظر: معجم البلدان (٤/ ٣٢٤)، واختصار اقتباس الأنوار لابن الخراط (ص: ١٧٩).
ولا زالت قرطبة تحمل اسمها القديم (cordoba).
(٣) المَرِيَّة: مدينة على ساحل البحر من أجَلِّ بلاد الأندلس وأعظمِها قدرًا، وأعلاها خطرًا، بها المتاجر العظيمة والصناعات الكثيرة، وهي مدينة حديثةٌ بُنيت بعد أن خربت بجانة.
انظر: اختصار اقتباس الأنوار لابن الخراط (ص: ١٦٤)، والأندلس في اقتباس الأنوار (ص: ٥٩ - ٦١).
وتقع المَرِيَّة اليوم في جنوب إسبانيا، ولا زالت تحمل اسمها القديم (ALMERIA).
стр. 43
الفراء، وأبو الحسن بن شفيع، وغيرهم (١).
٣ - مُرسِيَة (٢): وسمع فيها من أبي علي الصدفي أيضًا (٣).
٤ - أُورْيولة (٤): وسمع فيها من أبي القاسم خَلَف بن فتوح، وخلف بن محمد الغرناطي (٥).
ورحل أبو العباس الداني أيضًا إلى شمال إفريقية، ومن المدن التي دخلها.
١ - سبتة (٦): ولقيه هنالك القاضي عياض، وجالسه كثيرًا، وسمع منه فوائد (٧).
_________
(١) انظر: المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥، ١٦)، والتكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٢) بضم أوله والسكون، وكسر السين المهملة، وياء مفتوحة خفيفة. مدينة محدثة بناها الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام.
انظر: معجم البلدان (٥/ ١٠٦)، اختصار اقتباس الأنوار لابن الخراط (ص: ١٦٣)، والأندلس في اقتباس الأنوار (ص: ٦٢).
وتقع جنوب دانية، وتسمى اليوم باسمها القديم (MURCIA).
(٣) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
(٤) إحدى مدن تُدمير السبعة، وكانت إحدى معاقل الأندلس.
انظر: الأندلس في اقتباس الأنوار (ص: ٢٠).
وتقع جنوب دانية، على ساحل البحر، ولا زالت تحمل اسمها القديم (Orihuela).
(٥) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
(٦) بلدة مشهورة من بلاد المغرب تقابل بلاد الأندلس تقع على ضفة البحر، ولا زالت تُسمى بهذا الاسم إلى اليوم. انظر: معجم البلدان (٣/ ١٨٢).
(٧) الغنية (ص: ١١٨)، وانظر: الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
стр. 44
٢ - بجاية (١): وسمع فيها من أبي محمد عبد الله بن محمد المَقريّ (٢).
٣ - العدوة (قلعة بني حماد) (٣): وسمع فيها من أبي مروان الحمداني (٤).
المبحث السابع: مسموعاته.
تقدّم في المبحث السابق أنَّ أبا العباس الداني أخذ من شيوخ بلده وسمع منهم، ثم رحل إلى العديد من المدن الأندلسية والإفريقية للأخذ عن علمائها والسماع منهم فاتسع في ذلك، وسمع العديدَ من الكتب، ونقل في كتابه هذا من كتب كثيرة حديثية وفقهية ولغوية وتاريخية، ولا شك أنَّه سمع كلَّ هذه الكتب، إلَّا أنه لم يذكر أسانيدَه إليها اختصارًا واكتفاءً بشهرتها كما قال في مقدّمة هذا الكتاب: "ولم أذكر أسانيدي في الموطأ عن سائرِ الروايات غير رواية يحيى، ولا أسانيدَ الكتبِ التي خَرَّجْتُ منها ما أَحَلْتُ في هذا الكتاب عليه؛ اختصارًا واكتفاءً بشهرتِها؛ ولأنِّي إنَّما ذَكَرتُ ذلك على طريق الاستشهادِ، وأكثرُه على المعنى، على حالِ ما تذكَّرتُه".
_________
(١) بِجاية: بالكسر وتخفيف الجيم، وألف وياء وهاء، مدينة على ساحل البحر بين إفريقية (تونس) والمغرب، وهي في لحف جبل شاهق، وفي قبلها جبال كانت قاعدة ملك بني حماد. معجم البلدان (١/ ٣٣٩).
ولا زالت تُسمَّى بهذا الاسم إلى اليوم، وتقع شرف عاصمة الجزائر، وأهلها من البربر.
(٢) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٣) مدينة متوسِّطة لها قلعة عظيمة على قمة جبل، وكانت قاعدة ملك بني حماد الصِّنهاجي البربري، وهي قرب مدينة أشير بشرق الجزائر. معجم البلدان بتصرف (٤/ ٣٩٠).
(٤) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
стр. 45
وذكر في (ل: ١٩٨/ ب) من هذا الكتاب كتابًا لأبي إسحاق ابن شعبان في مسألة إتيان النساء في الدبر فقال: "وخرّج أبو إسحاق ابن شعبان في كتاب له في هذا المعنى … أُجيز لي هذا الكتاب ولم أقرأه".
ومن هذين النصين يتبيّن أن أبا العباس الداني اتَّسع في السماع والأخذ عن المشايخ، وسمع الكتب الكثيرة، وما لم يسمعه منها ولا قرأه على مشايخه أخذه بالإجازة.
وسيأتي ذِكرُ الكتب التي نقل منها المصنِّف في فصل: مصادر المصنف في كتابه، وفي هذا البحث أكتفي بذكر بعض الكتب التي نصت عليها بعض كتب التراجم مما سمعه أبو العباس على مشايخه، وبعض هذه المسموعات لم يأت لها ذكر في هذا الكتاب.
فمن مسموعاته:
١ - الموطأ للإمام مالك، وسيأتي ذكر أسانيده في مقدمة هذا الكتاب (١).
٢ - صحيح مسلم سمعه من أبي علي الصدفي بلفظه (٢).
٣ - ومسند البزار (٣).
٤ - ورياضة المتعلِّمين لأبي نعيم، وكان سماعه لها منه سنة (٤٩١ هـ)
_________
(١) انظر: (٢/ ٩).
(٢) انظر: المعجم في أصحاب أبي علي (ص: ١٥).
(٣) انظر: المعجم في أصحاب أبي علي (ص: ١٥، ٢٦٩).
стр. 46
بقراءة طاهر بن خلف بن خيرة (١).
٥ - قرأ عليه أيضًا سنن الدارقطني (٢).
٦ - وسمع أيضًا أجزاء من حديث المحاملي (٣).
٧ - وكتاب التقصي لابن عبد البر سنة (٤٩٤ هـ) (٤).
٨ - وكتاب التلقين في الفقه المالكي للقاضي عبد الوهاب، سمعه من خلف بن محمد بن خلف الغرناطي (٥). وغير ذلك.
وذكري لهذه الكتب إنَّما هو بحسب ما نَصَّت عليه كتب التراجم، وإلا فقد سمع الكثير، بل كل ما سيأتي ذِكرُه في فصل مصادر المصنِّف هو من مسموعاته كما تقدّم تقريره، والله أعلم.
وقد ذكرتْ أيضًا بعضُ كتب التراجم بعض مروياته، كما هي عادة الكثير من المؤلفين عند ذكر راوٍ من الرواة يذكرودن بعض مروياته، فذكر ابن الأبّار عدّة أحاديث يرويها بإسناده إلى أبي العباس الداني، وحديثا آخر ذكره المراكشي في ترجمة غيره (٦).
وفي هذا الكتاب أسند أيضًا المصنِّف حديثًا (عدا أسانيده للموطأ)
_________
(١) انظر: المعجم في أصحاب أبي علي (ص: ١٥، ٩٠، ٢٩٩).
(٢) انظر: المعجم في أصحاب أبي علي (ص: ١٥، ٢٠٨).
(٣) انظر: المعجم في أصحاب أبي علي (ص: ١٥).
(٤) انظر: التكملة (١/ ٣٤٢).
(٥) انظر: التكملة (١/ ٢٤٤).
(٦) انظر: المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥ - ١٧)، والذيل والتكملة (٥/ ١ / ١٥٥).
стр. 47
فأسند في (٥/ ٣٨٠) من طريق شيخه أبي علي الجياني بإسناده إلى أبي بكر الشافعي، عن محمد بن الفرج بن الأزرق، عن الواقدي، عن محمد بن عمر بن عبد الحكيم، عن عوف بن الحارث، عن عائشة مرفوعا: "إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت … "، وعن أبي عليٍّ الجياني بإسناده إلى ابن أبي الدنيا، عن محمد بن يحيى بن أبي حاتم، عن الواقدي به.
وهذا حديث من بلاغات مالك، وقال عنه ابن عبد البر الإمام الحافظ: "لا أعرفه بوجه من الوجوه في غير الموطأ، إلا ما ذكره الشافعي في كتاب الاستسقاء عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن إسحاق بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال، وذكره" (١).
المبحث الثامن: شيوخه.
كان لأبي العباس الداني عناية بلقاء المشايخ والأخذ عنهم، ورحل في ذلك، إلَّا أنَّ أعظمَ شيخٍ لازمه وسمع منه الكثير من الكتب والروايات، بل سمع منه في مختلف المدن الأندلسية شيخُه أبو علي الصدفي، وأكثر أيضًا عن شيخيه أبي داود المقرئ وأبي علي الجياني.
وقمتُ بجَرْد بعض كتب التراجم الأندلسية فظفرتُ بقائمة لا بأس بها من مشايخه، وسأذكرهم مرتَّبين على حروف المعجم، منبِّهًا على شيءٍ من سيرتهم وفضائلهم ومكانتهم باختصار، ومكانة المصنف عندهم أيضًا، فمنهم:
_________
(١) انظر: التمهيد (٢٤/ ٢٧٧).
стр. 48
١ - حسين بن محمد بن أحمد الغسّاني رئيس المحدّثين بقرطبة، أبو علي الجيّاني (ت: ٤٩٨ هـ).
أكثر عنه المصنف، وسمع منه بالمرية وقرطبة، وأفاد منه عدة فوائد في هذا الكتاب، من ضبط لأسماء، وبيان لنسب ورواة (١).
قال القاضي عياض: "شيخ الأندلس في وقته، وصاحب رحلتهم، وأضبط الناس لكتاب وأتقنهم لرواية، مع الحظ الوافر من الأدب والنسب والمعرفة بأسماء الرجال وسعة السماع … ورحل إليه الناس من الأقطار، وحملوا عنه، وألّف كتابه على الصحيحين المسمى تقييد الهمل وتمييز المشكل، وهو كبير الفائدة" (٢).
وقال ابن بشكوال: "كان من جهابذة المحدّثين، وكبار العلماء السندين، وعُني بالحديث وكتبه وروايته وضبطه، وكان حَسنَ الخطِّ، جيِّدَ الضَّبط، وكان له بصر باللغة والإعراب، ومعرفة بالغريب والشعر والأنساب، وجمع من ذلك كلّه ما لم يجمعه أحد في وقته، ورحل الناس إليه وعوّلوا في الرواية عليه" (٣).
٢ - حسين بن محمد بن فِيرُّه -بالتثقيل والضم- بن حَيّون بن سُكَّرة الصدفي، من أهل سَرَقُسْطَة، أبو علي المُرْسِي، استشهد في وقعة قُتَنْدَة
_________
(١) انظر: الغنية (ص: ١١٨)، والصلة (١/ ٧٩)، والتكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠)، وتاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠ / ص: ٢٦٣).
(٢) الغنية (ص: ١٣٨).
(٣) الصلة (١/ ١٤١)، وانظر: بغية الملتمس (ص: ٢٦٥)، السير (١٩/ ١٤٨).
стр. 49
بثغر الأندلس سنة (٥١٤ هـ)، وهو ابن ستين سنة ﵀.
أكثر عنه أبو العباس الداني، وكان من أكابر أصحابه وجِلَّتهم، وسمع منه وقرأ عليه عدَّةَ كتب في مدن مختلفة كما تقدّم (١).
قال القاضي عياض: "كان عارفًا بالحديث، قائمًا به، حافظًا لأسماء الرجال، عارفًا بقَويِّهم من ضعيفهم، ذا دِين مَتين وخُلق حَسَنٍ وصيانةٍ، مِن أجَلِّ من لقيناه" (٢).
وقال ابن بشكوال: "رحل الناس من البلدان إليه وكثر سماعهم عليه، وكان عالمًا بالحديث وطرقه، عارفًا بعلله وأسماء رجاله ونقلته، يبصر المعدَّلين منهم والمجرَّحين، وكان حَسَنَ الخطِّ، جيّد الضبط، وكتب بخطِّه علمًا كثيرًا وقيّده، وكان حافظًا لمصنفات الحديث، قائمًا عليها، ذاكرًا لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها صحيح البخاري في سِفر، وصحيح مسلم في سِفر، وكان قائمًا على الكتابين مع مصنف أبي عيسى الترمذي، وكان فاضلًا ديِّنًا متواضعًا حليمًا وقورًا عاملًا عالمًا" (٣).
٣ - خلَف بن محمد بن خلَف، أبو القاسم، يُعرف بالغرناطي (٥٠٨ هـ).
سمع منه بأوريولة، قال ابن الأبّار: "حدّث عنه أبو العباس الداني
_________
(١) الغنية (ص: ١١٨)، المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي (ص: ١٥)، التكملة (١/ ٤٣)، الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٢) الغنية (ص: ١٣٠).
(٣) الصلة (١/ ١٤٤)، وانظر: تاريخ دمشق (١٤/ ٣٢١)، بغية اللتمس (ص: ٢٦٩)، المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ٥)، السير (١٩/ ٣٧٦)، ونفح الطيب (٢/ ٩٠).
стр. 50
بالتلقين للقاضي عبد الوهاب، وقرأت ذلك بخطه" (١).
٤ - خلف بن فتْحون، أبو القاسم الأوريولي.
سمع منه أبو العباس الداني بأوريولة (٢).
وفي الرواة: خلَف بن محمد بن خلَف بن سليمان بن خلف بن محمد بن فتحون، أبو القاسم، من أهل أوريولة، وُلد سنة (٤٩٥ هـ)، وتوفي سنة (٥٥٧ هـ). وأظنّه المعنيَّ، وإن كان المصنِّف أكبر منه، وتوفي قبله، فتعدُّ روايته من باب رواية الأصاغر عن الأكابر، والله أعلم.
قال ابن الأبار: "كان من قضاة العدل، صارمًا في أحكامه، مَهيبًا وَقورًا، معروف السلف بالنباهة والعلم" (٣).
٥ - سليمان بن أبى القاسم نجاح مولى المؤيّد بالله هشام بن الحكم، أبو داود المقرئ المتوفى (٤٩٦ هـ).
سمع منه المصنف بدانية، وأكثر عنه، ومما سمع منه الموطأ وغيره (٤).
قال ابن بشكوال: "من جِلّة المقرئين وعلمائِهم وفضلائهم وخيارهم، عالمًا بالقراءات ورواياتها وطرقها حَسَن الضبط لها، وكان فاضلًا ثقة فيما
_________
(١) التكملة (٤/ ٢٢١)، وانظر: (١/ ٤٣)، الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠)، ونفح الطيب (٢/ ٥١٢).
(٢) التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
(٣) التكملة (١/ ٢٤٧).
(٤) انظر: الغنية (ص: ١١٨)، التكملة (١/ ٤٣)، الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠)، وتاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠/ ص: ٢٦٣).
стр. 51
رواه، وله تواليف كثيرة في معاني القرآن وغيره، وكان حسن الخط، جيّد الضبط، ووى عنه الناس كثيرًا، وأخبرنا عنه حماعة من شيوخنا ووصفوه بالعلم والفضل والدِّين" (١).
٦ - عبد العزيز بن عبد الملك بن شَفيع المقرئ، أبو الحسن، من أهل المَرِيَّة (ت: ٥١٤ هـ).
سمع منه أبو العباس الداني بالمرية، ومن مسموعاته عليه موطأ الإمام مالك وسيأتي ذكر إسناده في مقدّمة الكتاب (٢).
قال ابن بشكوال: "أقرأ الناسَ القرآنَ بجامع المريّة -صانه الله-، وكان شيخًا صالحًا مجوّدًا للقرآن، حسن الصوت به، وسمع الناسُ منه بعضَ روايته، وسمعتُ صاحبَنا أبا عبد الله القطان يُثني عليه يُصَحِّح سماعَه من أبي عمر بن عبد البر، وقد أخذ عنه بعضُ أصحابنا، وتكلّم بعضُهم فيه وأنكرَ سماعَه من ابن عبد البر" (٣).
٧ - عبد القادر بن محمد الصدفي القروي أبو محمد، يُعرف بابن الحنّاط، أصله من القيروان، ونزل المريّة (ت: ٥٠٧ هـ).
_________
(١) الصلة (١/ ٢٠٠)، وانظر: بغية الملتمس (ص: ٣٠٣)، المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي (ص: ٣٠٢)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٦٨)، والدراسة الوافية التي قام بها الشيخ أحمد شرشال في دارسته وتحقيقه: مختصر التبيين لهجاء التنزيل لأبي داود المقرئ (رسالة دكتوراه في الجامعة الإسلامية عام ١٤١٢ هـ).
(٢) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠)، وتاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠ / ص: ٢٦٣).
(٣) الصلة (١/ ٣٥٥)، وانظر: بغية الملتمس (ص: ٣٨٦).
стр. 52
سمع منه أبو العباس بالمريّة (١).
قال ابن بشكوال: "نزل المريّة وسمع منه جماعة من أهل الأندلس وأصله من القيروان، وكان رجلًا فاضلًا زاهدًا، معنيًا بالعلم والرواية" (٢).
٨ - أبو محمد عبد الله بن العسّال الطليطلي (ت: ٤٨٧ هـ).
سمع منه أبو العباس بالمرية (٣).
٩ - أبو محمد عبد الله بن محمد المَقْرِي -بفتح اليم وسكون القاف وراء منسوبًا-.
سمع منه أبو العباس بمدينة بِجاية، ووصفه بالفقيه الأصولي (٤).
١٠ - محمد بن علي بن عمر التميمي، أبو عبد الله المازَري (ت: ٥٣٦ هـ).
قال القاضي عياض: "أخذ عن أبي عبد الله المازري" (٥).
وقال ابن الأبّار: "يَروي عن أبي عبد الله المازري، وأحسبه كتب إليه" (٦).
_________
(١) التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
(٢) الصلة (١/ ٣٧١، ٣٧٢)، وانظر: بغية الملتمس (ص: ٣٩٤).
(٣) الغنية (ص: ١١٨)، والصلة (١/ ٧٩)، والتكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠). وانظر ترجمة ابن العسال في: الغرب في حُلى الغرب (٢/ ٢١).
(٤) التكملة (١/ ٤٣، ٤٤) والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٥) الغنية (ص: ١١٨).
(٦) التكملة (١/ ٤٣).
стр. 53
وقال المراكشي: "له رواية عن أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازَري -بميم وألف وزاء مفتوحة وراء منسوبًا- نزيل المهديَّة، ولعلها مكاتبة" (١).
والمازَري قال عنه تلميذه القاضي عياض: "إمامُ بلاد إفريقية وما وراءها من المغرب، وآخر المستقلِّين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودِقّة النظر" (٢).
١١ - محمد بن يحيى بن عبد الله بن زكريا، أبو عبد الله، يُعرف بابن الفرّاء، من أهل الرية استشهد بوقعة قُتَنْدَة (٤١٥ هـ).
سمع منه أبو العباس الداني بالمريّة (٣).
قال ابن بشكوال: "كان رجلًا صالحًا، ديِّنًا متواضعًا، سمع الناسُ منه بعض ما رواه" (٤).
١٢ - أبو مروان الحمداني.
سمع منه أبو العباس بالعدوة في قلعة بني حماد (٥).
_________
(١) الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٢) الغنية (ص: ٦٥)، وانظر: السير (٢٠/ ١٠٤)، والديباج الذهب (ص: ٢٧٩)، والدراسة التي قام بها الباحث جمال عزّون في مقدمة تحقيقه قطعة من كتابه: شرح التلقين، رسالة ماجستير.
(٣) التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
(٤) الصلة (٢/ ٥٤٣)، وانظر: بغية الملتمس (ص: ١٤٦).
(٥) الغنية (ص: ١١٨)، والصلة (١/ ٧٩)، والتكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
стр. 54
١٣ - ابن بشير.
ذكره في شيوخه القاضي عياض (١).
ولعله محمد بن بشير المعافري الصيرفي، أبو عبد الله القرطبي (ت: ٤٨١ هـ).
قال ابن بشكوال: "كتب الحديث عن شيوخ مِصر في وقته، وحجَّ بيتَ الله الحرام … وكان رجلًا منقبضًا، مقبلًا على ما يعنيه" (٢).
هذه قائمة بأسماء الشيوخ الذين وقفتُ عليهم، ولا شكَّ أنَّ أبا العباس كان له من الشيوخ أكثر ممَّا ذُكر، فقد اشتهر بلقاء الرجال والمشايخ، وكثرة السماع والقراءة، ورحل في ذلك، وقد استفاد كثيرا ممّن لقيهم، فكان أثر ذلك تلك المصنفات التي قرأها عليهم وأفاد منها في هذا الكتاب، خاصة الروايات المختلفة للموطأ، فقد وقعت له أربعة عشر رواية كما سيأتي ذكر ذلك في فصل مصادره.
وكما أنه أفاد في هذا الكتاب بما شافهه به شيوخه ولا يكاد يوجد في كتبهم، أو كتب غيرهم مِن فوائد إسنادية ومَتنية وضبطٍ لبعض الأعلام (٣).
_________
(١) الغنية (ص: ١١٨).
(٢) الصلة (٢/ ٥٢٦).
(٣) انظر مثاله: (٢/ ٢٠، ٣٩، ٥١٤).
стр. 55
المبحث التاسع: أقرانه الذين صحبهم أيام طلبه.
من خلال رحلات أبي العباس الداني والتقائه بالمشايخ والعلماء، وقراءته للكتب والسماع منهم، كان له في هذه المدة أقران يحضرون معه تلك المجالس، وكان بعضهم يتولى القراءة على الشيخ كما تولى هو قراءة بعض الكتب، وقد نصّت بعضُ كتب التراجم على مَن كان صاحبًا لأبي العباس، ووقفتُ على عدد من هؤلاء، وأذكرهم مرتِّبًا لهم على حروف المعجم، فمن أصحابه:
١ - زاوي بن منّاد بن عطية الله بن منصور الصِّنهاجي، أبو بكر الداني، يُعرف بابن تَقْسوط (ت: ٥٣٩ هـ).
صحب أبا العباس الداني، وكان رجلا صالحًا، فاضلًا، معنيًّا بالرواية كتب بخطه علمًا كثيرًا، وقعد لإسماع الحديث وأُخذ عنه (١).
٢ - عبد الله بن حيدرة بن مُفوِّز بن أحمد بن مفوّز المعافري أبو محمد الشاطبي.
صحب أبا العباس الداني، وبقراءته سمع السنن للدارقطني، وكان عريقَ البيت في العلم والنَّباهة (٢).
٣ - علي بن محمد بن علي، أبو الحسن البَلَنسي (ت: ٥٦٤ هـ).
_________
(١) انظر: التكملة (١/ ٢٦٩).
(٢) انظر: المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ٢٠٨)، والتكملة (٢/ ٢٤٨)، والذيل والتكملة (٤/ ٢٢١).
стр. 56
سمع أبي العباس كتاب التقصي لابن عبد البر سنة (٤٩٤ هـ) (١).
٤ - طاهر بن خلَف بن خيرة أبو الحسن، من أهل جزيرة شُقَر.
قرأ على أبي علي رياضة المتعلِّمين لأبي نعيم بمنزل أبي داود المقرئ وعند جامعها العتيق مَقدم أبى عليٍّ من المشرق، وفرغ من ذلك يومَ الجمعة صدْرَ جمادى الآخرة سنة (٤٩١ هـ) وحضر هذه القراءة أبو العباس بن عيسى الداني (٢).
٥ - محمد بن طاهر بن علي الداني، وهو أخو أبي العباس.
تقدّمت ترجمته (٣).
قال ابن الأبّار: "وجدتُ سماعه لكتاب التقصي لأبي عمر مع أخيه".
٦ - يوسف بن محمد بن سماجة، أبو الحجاج الداني (٥٦١ هـ).
صحب أبا بكر بن الحنّاط وأبا العباس الداني، وحمل عنهما وناظر عندهما، وكان مائلًا إلى علم الكلام وأصول الفقه، مشاركًا في علم الحديث، معروفًا بالرجاحة، وكان عقلُه أكثرَ من علمه (٤).
_________
(١) التكملة (١/ ٣٤٢).
(٢) انظر: المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ٩٠).
(٣) انظر: (ص: ٣٦).
(٤) انظر: التكملة (٤/ ٢١٠)، والمعجم في أصحاب الصدفي (ص: ٣١٨).
стр. 57
المبحث العاشر: تلاميذه.
بعد أن تتلمذ أبو العباس على مشايخ بلده، ورحل إلى مدن أندلسيَّةٍ ومغربية لِلِقاء الرجال والعلماء والأخذ عنهم، وحمل عنهم مروياتهم، وتفقه على أيديهم، انصرف إلى بلده دانية، فأسمع وحدّث، وأفتى بها أكترَ من عشرين عامًا، وتتلمذ عليه عددٌ من التلاميذ، ولم تذكر كُتبُ التراجم في ترجمة المصنِّف إلّا العددَ القليلَ منهم، فقمتُ بجرد بعض الكتب الأندلسية ووقفتُ على عددٍ آخر، وأذكرهم في هذا المبحث مرتِّبًا لهم على حروف المعجم، فمنهم:
١ - أحمد بن سحنون بن أبي بكر بن علي القيسي، أبو العباس، كان حيًّا سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
روى عن أبي العباس الداني وغيره، قال المراكشي: "كان شيخًا مسنًّا، عُمِّر طويلًا، محدّثًا مسندًا، واسعَ الرواية، زاهدًا، شهير الحسب، ذاكرًا للتواريخ، مشرفًا على حوادث الأيام" (١).
٢ - أحمد بن خلف بن سعيد، أبو العباس بن زَرادة -بزاي ودال غُفل، بينهما ألف آخره راء وتاء التأنيث-.
روى عن أبي العباس بن طاهر الداني (٢).
_________
(١) الذيل والتكملة (١/ ١/ ١١٨).
(٢) الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٠٥).
стр. 58
٣ - أحمد بن أبي القوة بن إبراهيم بن سلمة الأزدي الداني.
روى عن أبي العباس الداني، وكان محدّثًا حافظًا، ذاكرًا للآداب والتواريخ، ذكيَّ القلب، متوقِّدَ الذِّهن (١).
ولابن أبي القوة هذا قصةٌ وقعت له حكاها لشيخه أبي العباس الداني، تدل على تمسّك الشيخ والتلميذ بالسنة ولو خالفت المذهب المتَّبَع، وفيها دلالة أيضًا على تتلمذ وقراءة ابن أبي القوة على الشيخ أبي العباس الداني (٢).
٤ - أحمد بن محمد بن يوسف بن عبد ربّه اللخمي، أبو العباس الإشبيلي.
روى عن أبي العباس بن طاهر الداني (٣).
٥ - أحمد بن معدّ بن عيسى بن وكيل التُّجيبي، أبو العباس الداني الأُقْلِيجي -بضم الهمزة وسكون القاف وكسر اللام وياء مدٍّ، وجيم معقودةَ تُكتب بالجيم مرة وبالشين المعجمة أخرى- (ت: ٥٥١ هـ).
سمع أبا العباس الداني وتلمذ له، وكان مفسِّرا للقرآن العظيِم، عالمًا عاملًا، محدّثًا راويةً، عدلًا، بليغًا فصيحًا، شاعرًا مجوّدًا، أديبًا متصوّفًا، ورِعًا غزيرَ الدمعة، بادي الخشية والخشوع، كثير اللزوم لمطالعة كتب العلم، عاكفًا على التصنيف، صنّف في علوم القرآن والحديث، وكان من أهل
_________
(١) الذيل والتكملة (١/ ١/ ٦٩).
(٢) انظرها في: (ص: ١٠٢) من هذه المقدّمة.
(٣) الذيل والتكملة (١/ ٢ / ٥٢٩).
стр. 59
الأدب والمعرفة بعلوم شتى (١).
٦ - سعيد بن محمد بن سعيد العبدري، أبو الطيّب الداني، يُعرف بابن اللُّوشي.
قال ابن الأبّار: "وقفتُ له على سماع من أبي العباس بن عيسى بدانية في سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان فقيهًا مشاورًا أديبًا" (٢).
٧ - سليمان بن محمد بن غالب بن أسامة، أبو الربيع الداني.
سمع من أبي العباس الداني، وكان صالحًا فاضلًا (٣).
٨ - عبد الرحمن بن محمد بن تقي الحضرمي، أبو زيد الداني.
روى عن أبي العباس الداني، وسمع منه صحيح مسلم سنة (٥٣١ هـ) (٤).
٩ - عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن أحمد اللّخمي، أبو محمد الرُّشاطي من أهل المَرِية العالم النسّابة (ت: ٥٤٢ هـ).
روى عن أبي العباس الداني، وكانت له عناية كبيرة بالحديث والرجال والرواة والتواريخ، وله كتاب حسن سَمَّاه اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار أخذه الناس عنه (٥).
_________
(١) انظر: التكملة (١/ ٥٦)، والذيل والتكملة (١/ ٢ / ٥٤٣، ٥٤٤)، ومعجم السفر للسِّلفي (ص: ٢٧)، ونفح الطيب (٢/ ٥٩٨، ٥٩٩).
(٢) انظر: التكملة (٤/ ١١٧)، والذيل والتكملة (٤/ ٤٢).
(٣) انظر: التكملة (٤/ ٩٦)، والذيل والتكملة (٤/ ٨١، ٨٢).
(٤) انظر: التكملة (٣/ ٢١).
(٥) انظر: التكملة (١/ ٤٤)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١)، وترجمته في الصلة (١/ ٢٨٥)، والسير (٢٠/ ٢٥٨)، ونفح الطيب (٤/ ٤٦٢).
стр. 60
١٠ - علي بن محمد بن أحمد الأزدي، أبو الحسن الداني، يُعرف بابن الصَّيْقَل.
روى عن أبي العباس الداني، وسمع منه السنن سنة تسع وعشرين وخمسمائة وغيرها، وكان فقيهًا مشاورًا حافظًا لمسائل الرأي، درّس المدوّنة، ونوظر فيها (١).
١١ - علي بن محمد بن بالغ النحلي، أبو الحسن.
روى عن أبي العباس الداني، وكان زاهدًا فاضلًا (٢).
١٢ - علي بن يوسف بن أبي غالب خلَف بن غالب العبدري، أبو الحسن الداني (ت: ٥٦٣ هـ)، وقيل: (٥٥٩ هـ).
روى عن أبي العباس الداني، وتفقَّه به، وكان فقيهًا مشاورًا عالمًا بالفتيا صدرًا فيها، حافظًا للمسائل، عارفًا بعقد الشروط، أديبًا بليغًا، مدركًا نحويًّا لغويًّا، فَكِه المجلس، له حظٌّ من قرض الشعر والتكلّم في المعاني (٣).
١٣ - عياض بن موسى بن عياض بن عَمْرون بن موسى اليحصبي، أبو الفضل السِبْتي، الشهور بالقاضي عياض صاحب التصانيف الفائقة كالإلماع، وإكمال المعلم، وغيرها (ت: ٥٤٤ هـ).
لقي المصنِّفَ في رحلته إلى سَبتة، وأخذ عنه وجالسَه، وترجم له في فهرست شيوخه المسمى بالغنية، قال القاضي عياض: "لقيتُه ببلدنا
_________
(١) انظر: التكملة (٣/ ١٩٧)، والذيل والتكملة (٥/ ١/ ٢٨٠).
(٢) انظر: الذيل والتكملة (٥/ ١/ ٢٨٦).
(٣) انظر: التكملة (٣/ ١٩٨)، والذيل والتكملة (٥/ ١/ ٤٢٣، ٤٢٤).
стр. 61
وجالسته كثيرًا، وسمعت منه فوائد" (١).
١٤ - محمد بن إبراهيم بن عطية العبدري، أبو عبد الله الداني، كان حيًّا سنة (٥٢٠ هـ).
روى عن أبي العباس الداني، وكان فقيهًا، صاحب الأحكام (٢).
١٥ - محمد بن أحمد بن طاهر الأنصاري الداني، ابن المصنِّف (ت: ٥٦٦ هـ).
روى عن أبيه، وتفقّه به، وتقدّمت ترجمته في مبحث أسرة المصنِّف.
١٦ - محمد بن إسماعيل بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن بن أمية بن مطرّف، أبو عامر الجمحي، من أهل قُسْطَنْطانِية عمل دانية (ت: ٥٤٣ هـ).
روى عن أبي العباس الداني، وكان فقيهًا بصيرًا بالنوازل، عارفًا بعقد الشروط، جيّدَ الخط، حسنَ التصرف في الآداب (٣).
١٧ - محمد بن حسين بن سَدَلِّين -بسين غفل ودال كذلك مفتوحين ولام مشدَّدة وياء مد ونون- العبدري، أبو عبد الله.
روى عن أبي العباس بن طاهر (٤).
_________
(١) الغنية (ص: ١١٨)، وانظر: التكملة (١/ ٤٤)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٢) انظر: التكملة (٢/ ٥٧)، المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي (ص: ١٥)، والذيل والتكملة (٦/ ٩٨).
(٣) انظر: التكملة (٢/ ٤)، والذيل والتكملة (٦/ ١٣١).
(٤) انظر: الذيل والتكملة (٦/ ١٦١).
стр. 62
١٨ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن فَرَج القَيسي المقرئ، أبو عبد الله المعروف بابن تُرَيس، ويُعرف أيضًا بالمكناسي، من أهل شاطبة (ت: ٥٦١).
سمع من أبي العباس الداني، وكان ضابطًا حسنَ الخط، أنيقَ الوراقة، وكتب علمًا كثيرًا (١).
١٩ - محمد بن علي بن عطية العبدري، أبو عبد الله الداني.
قال ابن الأبّار: "له رحلةٌ حجَّ فيها، وسماعٌ من أبي العباس بن عيسى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، ولا أعلمه حدَّث" (٢).
٢٠ - موسى بن سليمان بن سعيد بن محمد بن سعيد العبدري، أبو عمران الداني.
سمع من أبي العباس بن عيسى سنة تسع وعشرين (٣).
٢١ - يوسف بن عبد العزيز بن يوسف بن عمر بن فِيرُّه اللّخمي الأنْدِي، أبو الوليد، يُعرف بابن الدبَّاغ (ت: ٥٤٦ هـ).
روى عن أبي العباس الداني، وله تخريج عنه في معجم شيوخه (٤).
_________
(١) انظر: المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥، ١٧٣)، التكملة (١/ ٤٤)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠)، (٦/ ٣٦٢).
(٢) انظر: التكملة (١/ ٣٤٥)، والذيل والتكملة (٦/ ٤٥٦).
(٣) انظر: التكملة (٤/ ٩٤، ١١٧).
(٤) انظر: المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٧)، والتكملة (١/ ٤٤)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١).
стр. 63
قال ابن بشكوال: "كان من أنبل أصحابنا وأعرفِهم بطريقة الحديثِ وأسماء الرجالِ وأزمانِهم وثقاتِهم وضعفائِهم وأعمارِهم وأقادمِهم، ومِن أهل العنايةِ الكاملة بتقييدِ العِلم ولقاءِ الشيوخ، لقيَ منهم كثيرًا، وكتبَ عنهم وسمعَ منهم، وشهر ببلده ثم خَطب به وقتًا" (١).
٢٢ - يوسف بن عبد الله بن سعيد بن أبي زيد الأندلسي، أبو عمر المعروف بابن عيّاد (ت: ٥٧٥ هـ).
روى عن أبي العباس الداني (٢).
قال ابن الأبّار: "كان معنيًّا بصناعة الحديث، معانيًا لكَتْبها، جمّاعةً للدفاتر والدواوين، معدودًا في الرواة المكثرين، مقيِّدًا مفيدًا، أحدَ العدول الأثبات، كتب بخطِّه الكثيرَ، وسمع العاليَ والنازل، ولقيَ الكبير والصغير، ولو اعتنى بالرواية في رَيعان عمرِه اعتناءه بها في آخره، لَبَذَّ أقرانَه، وفات أصحابَه، وكان يحفظ أخبارَ المشايخ، ويُنقِّب عن ذلك، ويَحرصُ عليه، ويُغرى به، فيؤرّخ وفياتِهم وموالدَهم، ويُدَوِّن قصصَهم وأشعارَهم، وفي ذلك أنفق عمرَه، وبه تميَّز في وقته" (٣).
٢٣ - يوسف بن محمد بن سماجة، أبو الحجاج الداني (ت: ٥٦١).
سمع من أبي العباس الداني، وحمل عنه، وتقدّم ذكرُه في أصحابه.
_________
(١) الصلة (٢/ ٦٤٤، ٦٤٥)، وانظر: فهرس الفهارس (١/ ٤١٢).
(٢) المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥).
(٣) التكملة (٤/ ٢١٢).
стр. 64
٢٤ - القاضي أبو بكر بن عبد الحليم.
جاء في هامش اللوحة (٢٢٥) من هذا الكتاب عند قول المصنِّف: عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة * " ما نصُّه: "حاشية: شاهدتُ في حاشية الأصل المعارض به قبالة هذا الموضع المعلم بالحمرة ما مثاله: انتهى ما كان عند القاضي أبي بكر بن عبد الحليم من النسخة الني قرأها وقيّد فيها على الشيخ المؤلف.
ولم أقف بعدُ على ترجمة لهذا القاضي، والله أعلم.
٢٥ - أبو محمد بن سفيان.
روى عن أبي العباس الداني (١).
المبحث الحادي عشر: أعماله.
بعد أن نشأ أبو العباس الداني في جوٍّ من العلم والأخذِ عن المشايخ والالتقاءِ بالرِّجال، وبعد أن سمعَ الكثيرَ من الكتب الحديثية والفقهية، وعَلِمَ المسائلَ وأتقَنَ الضَّبطَ؛ انصرف إلى بلَدِه دانية ليبلِّغ ما تعلَّمه من علوم، فأسمَعَ بها وحدَّث، والتَفَّ حولَه التلاميذ والآخذون عنه، حتى أصبح مفتِيَ بلده دانية، وصارت له عندهم مكانة عظيمة، فوَلِيَ عدّةَ أعمال بها، وطُلب للقضاء فامتنع تورّعًا وخشيةً على نفسه، ومن الأعمال التي تولّاها:
_________
(١) المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥)، وأبو محمد بن سفيان ترجمه ابن خاقان في قلائد العقيان (ص: ١٥٤).
стр. 65
١ - التدريس:
قال ابن الأبّار: "انصرف إلى بلده فأسمع وحدَّث" (١).
٢ - الإفتاء:
قال ابن الأبّار: "أفتى بها (أي دانية) نيّفًا وعشرين سنة" (٢).
وقال الذهبي: "صنّف وأفتى نيِّفًا وعشرين سنة" (٣).
ولا شك أنّ تولي الإفتاء في الغالب لا يقوم به إلّا أعلم أهل البلد، وأتقاهم وأورعهم، وهو فضل كبير لأبي العباس.
٣ - تقليد خِطّة الشورى:
قال القاضي عياض: "قُلِّد الشورى ببلده" (٤).
وقال ابن بشكوال: "ولي الشورى بدانية" (٥).
وقال ابن الأبّار: "ووَلِيَ خِطّة الشورى بدانية" (٦).
٤ - التصنيف، وسيأتي ذكر مصنفاته.
كما أنَّ أبا العباس الدانى ﵀ طُلب للقضاء -وكان أهلًا لذلك-
_________
(١) التكملة (١/ ٤٣)، وانظر: الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٢) التكملة (١/ ٤٣)، وانظر: الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١).
(٣) تاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠ / ص: ٢٦٤).
(٤) الغنية (ص: ١١٨).
(٥) الصلة (١/ ٧٩).
(٦) التكملة (١/ ٤٣)، وانظر: المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
стр. 66
فامتنع مخافة على دينه، كما هو شأن كثير من الأئمة.
قال القاضي عياض اليحصبي: "وقُلّد الشورى ببلده، وطلب لقضائه فامتنع" (١).
وقال ابن بشكوال: "امتنع من ولاية قضائها" (٢).
وقال ابن الأبّار: "دُعي إلى قضائها فأبى من ذلك". ومثله قال المراكشي (٣).
المبحث الثاني عشر: أصوله، ومصنفاته.
تقدّم أنَّ أبا العباس الداني اعتنى بلقاء الرجال، والضبط والتقييد، وكان يخطُّ بيده بعضَ الكتب المسموعة، وكانت له أصولٌ جيِّدة متقَنة،
_________
(١) الغنية (ص: ١١٨).
(٢) الصلة (١/ ٧٩).
(٣) التكملة (١/ ٤٣)، وانظر: الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
تنبيه: وقع في حاشية (١) من كتاب الصلة (١/ ٧٩) ما نصّه: قوله (أي قول ابن بشكوال): من ولاية قضائها، غير صحيح، إنما كانت خطّته بدانية الصلاة على الجنائز بعد تخدمه لها (كذا، ولعله: تقدّمه) ورغبته فيها، كذا أخبرني ثقات بلده، وقد كان أهلا للقضاء رحمه الله تعالى. من هامش الأصل المعتمد عليه.
قلت: لعل كاتب هذا الهامش على حاشية أصل الصلة ظنّ أنّ ابن بشكوال أثبت توليه قضاء دانية، لذا ردّ عليه بأنه لم يتولَّ قضاءها، وإنما كانت خطته الصلاة على الجنائز، ويدل عليه قوله: "وقد كان أهلًا للقضاء".
والذي يظهر أنّ أبا العباس لم يتولَّ القضاء، إنما طُلب لذلك فامتنع، وما جاء في الصلة لابن بشكوال صحيح، وسبقه إلى ذلك القاضي عياض تلميذ المصنف، وتابعه ابن الأبّار والمراكشي وغيرهما، والله أعلم بالصواب.
стр. 67
ويدلُّ عليه اعتناؤه ببيان الفروق بين نسخ الموطأ والروايات في هذا الكتاب، بل يبيّن أحيانا الفروقات في النسخة الواحدة كرواية يحيى بن يحيى، والأمثلة في ذلك كثيرة، ومنها:
- ذكر في مسند سهل بن سعد، عن سهل قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه يَنْمِي ذلك".
قال الداني: "عند أحمد بن سعيد -من جملة نقلة رواية يحيى بن يحيى-: يُنمَى بالألف وضم الياء على ما لم يسمّ فاعله، وعند سائر رواة يحيى: يَنمِي بكسر الميم وياء بعدها وفتح الأولى أي: يَرفع" (١).
- وذكر أيضًا حديث نافع، عن رجل من الأنصار: "أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن نستقبل القبلة لغائط أو بول". فقال: "هذا المشهور في رواية يحيى بن يحيى عن مالك، وفي بعض الطرق عن يحيى: أن الرجل سمع رسول الله ﷺ " (٢).
وكذا يبيّن الفروقات بين نسَخ الكتاب الواحد الذي ينقل منه، ومثال ذلك:
- قوله عند ذكر حديث: "ما لي أنازع القرآن … "، قال: "قال أبو داود: سمعت محمّد بن يحيى بن فارس يقول: فانتهى الناس من كلام الزهري. وفي رواية ابن الأعرابي عنه قال: انتهى حديث ابن أكيمة إلى
_________
(١) انظر: (٣/ ١٠٩).
(٢) انظر: (٣/ ٥٧٧).
стр. 68
قوله: "ما لي أنازع القرآن" والبقية من قول الزهري" (١).
وقوله. "وقال سلمةُ بنُ الأكوع: قلت: يا رسول الله، إني رجلٌ أَصِيدُ، أَفَأُصَلِّي في القميص الواحد؟ فقال: "نعم، وازْرُرْه ولو بشَوكة"، وهذا في بعض الروايات لأبي داود" (٢).
- وقوله: "ذَكَرَ الترمذي أنَّ البخاري قال: ما أعرف لمالك بن أنس رجلًا يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني، قال أبو عيسى: قلت له: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة، وذكر هذا الحديث، وقال بعض أصحابه: سألت سعيدًا عن هذا فقال: كذب عليَّ عطاء، لم أحدّثه هكذا، وذكر أحاديث انتقدها عليه، وهذا في بعض نسخ الجامع للترمذي، ثبت في بعض الروايات وسقط من بعضها" (٣).
هذه بعض الأمثلة في بيان اعتنائه بالنسخ والروايات، لذا قال ابن الأبّار: "كانت له أصول عتيقة، وكان حَسَن التقييد" (٤).
وقال المراكشي: "كان محدّثًا ضابطًا، حسَنَ التقييد، ذا أصول عتيقة" (٥).
وقال ابن الأبّار أيضًا: "وعندي من أصوله سنن الدارقطني وأجزاءَ من حديث المحاملي" (٦).
_________
(١) انظر: (٣/ ٥١١).
(٢) انظر: (٢/ ١٣٢).
(٣) انظر: (٥/ ٢٠٨).
(٤) التكملة (١/ ٤٣).
(٥) الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١).
(٦) المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥).
стр. 69
وأما مصنّفاته، فقد وُصف بالتصنيف.
قال ابن بشكوال: "له تصنيف" (١).
ومن خلال تتبعي لكتب التراجم لم أقف له إلَّا على كتابين، وذكرهما القاضي عياض، ثم قال: "وغير ذلك" (٢).
ومن تصانيفه المذكورة:
١ - كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ، وهو الكتاب الذي قمت بتحقيق جزء منه، وسيأتي الكلام عليه مفصّلًا في الفصل الثاني إن شاء الله.
٢ - مجموع في رجال مسلم بن الحجاج، ذكره القاضي عياض، وابن الأبّار، والمراكشي، وابن فرحون، وغيرهم (٣).
ولا أعلم عن وجوده شيئًا.
ومن النص المتقدّم الذي ذكره القاضي عياض يظهر أنّ للمصنف غير هذين الكتابين، وقد وقفت على كلام ذكره في أطراف الموطأ يوحي بتسمية كتاب له ثالث، ولا أجزم بذلك لاحتمال أن يكون من مسموعاته لا من تصنيفه، فقال كما في (٥/ ٣٨٠) عند ذكر حديث: "إذا
_________
(١) الصلة (١/ ٧٩).
(٢) الغنية (ص: ١١٨).
(٣) انظر: الغنية (ص: ١١٨)، التكملة (١/ ٤٣)، الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣١)، الديباج المذهب (ص: ٤٥)، وشجرة النور الزكية (ص: ١٣٣).
стр. 70
أنشأتْ بَحرِيَّة ثم تشاءَمتْ فتلك عَينٌ غُدَيقَة". "هذا غريب، لا يكاد يوجد في شيء من الأمّهات، وقد رويناه في المنشور عن عائشة مسندًا، وأخبرني الفقيه الحافظ العدل، أبو علي حسين بن محمد الغسّاني، المعروف بالجياني".
ثم أورده بسنده إلى عائشة ﵂، والله أعلم بالصواب.
المبحث الثالث عشر: ثناء العلماء عليه.
كانت لأبي العباس الداني ﵀ مكانةٌ ساميةٌ؛ إذ كان من كبار أهل العلم، وكان محدّثًا، فقيهًا، أصوليًّا، إلّا أنَّ علمَ الحديث كان الأغلبَ عليه.
ومن أبرز الأدلة الدالة على رفعة مكانته، وعلوِّ شأنه:
١ - تتلمذُه على عدد كبير من كبار العلماء الموصوفين بالحفظ والإتقان، كأبي علي الصدفي -وكان من كبار أصحابه-، وأبي علي الجياني، وأبي داود المقرئ، وغيرهم.
٢ - إفتاؤه نيّفًا وعشرين سنة في بلده دانية.
٣ - تولِّيه خطة الشورى فيها.
٤ - تصنيفُه على الموطأ، وفيه من الفوائد والعوائد الشيء الكثير، ومَدَحَه أكابرُ العلماء، بل وشيخه أبو عليٍّ الصدفي، كما سيأتي في الفصل الثالث من هذه المقدّمة.
٥ - ثناء العلماء عليه، وغير ذلك من الأمور التي رفعته وسَمَتْ به.
стр. 71
وقد أثنى على أبي العباس الدانى كلُّ من ترجم له، وسأذكر أقوالهم مرتّبة على حسب وفيات القائلين، فممَّا قيل فيه:
قال القاضي عياض: "مِن كبراء أصحابنا، وممّن عني بالحديث والرواية، ورحل فيه، وفهِم الطريقة (١)، وأتقن الضبط، واتَّسَع في الأخذ والسماع".
وقال أيضًا: "كان فاضلًا، خيّرًا، صيِّنًا، أخذ عنه الناس" (٢).
وقال أبو الوليد ابن الدبّاغ: "الفقيه المشاور الفاضل" (٣).
وقال ابن بشكوال: "كانت له عنايةٌ بالحديث ولقاء الرجال والجمع" (٤).
وقال الضبي: "فقيه مشهور" (٥).
وقال ابن الأبّار: "كان عالمًا بالمسائل، محدّثًا، ضابطًا، حَسَن التقييد، معتنيًا بلقاء الرجال، ورِعًا فاضلًا" (٦).
وقال: "هو من كبار أصحابه (أي الصدفي) وجلّتهم" (٧).
_________
(١) أي طريقة أهل الحديث في نقد الأحاديث، ومعرفة العلل، والتنبيه لها، وسير الطرق، وغير ذلك.
(٢) الغنية (ص: ١١٨).
(٣) التكملة (١/ ٤٤).
(٤) الصلة (١/ ٧٩).
(٥) بغية الملتمس (ص: ١٨٠).
(٦) التكملة (١/ ٤٣).
(٧) المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥).
стр. 72
وقال أيضًا: "وكان أبو محمد القليني يعظِّمه ويثني عليه" (١).
وقال المراكشي: "كان محدّثًا ضابطًا، حسن التقييد، ذا أصول عتيقة، وعناية بلقاء المشايخ، ورعًا، فاضلًا، عالمًا بالمسائل) (٢).
وقال الذهبي: "أحمد بن طاهر .. الداني الفقيه" (٣).
ووصفه مغلطاي بالحافظ، والعلَّامة (٤).
المبحث الرابع عشر: عقيدته.
كان أبو العباس الداني على عقيدة السلف ﵏، في كلِّ مسائل الاعتقاد، فقد ذكر في هذا الكتاب جُملًا من المسائل أثبت فيها عقيدته ومنهجه في الاعتقاد، وردَّ من خلال ذلك على بعض الطوائف وإن كان كلّ ذلك على سبيل الاختصار، وأذكر في هذا البحث تلك المسائل التي يتبيّن من خلالها اعتقاده الذي سار عليه، فمن ذلك:
المسألة الأولى: هل يجب النظر والاستدلال على كلِّ مكلَّف.
أورد المصنِّف ﵀ حديث طلحة بن عبيد الله في الرجل الذي جاء
_________
(١) التكملة (١/ ٤٣).
ووقع في الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١): "كان أبو محمد بن [-] القلن".
قلت: لعلّه عبد الله بن عيسى الشيباني أبو محمد، من أهل قُلِنّة عمل سَرَقُسْطَة (ت: ٥٣٠ هـ) له ترجمة في الصلة لابن بشكوال (١/ ٢٨٥).
(٢) الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣١).
(٣) تاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠/ ص: ٢٦٣).
(٤) الإعلام بسنته عليه¬ السلام (٣ /ل: ٣٠/ أ)، و (٣/ ١٥٥/ أ).
стр. 73
يسأل عن شرائع الإسلام، فسأل عن الصلاة، والزكاة، والصيام، وغيرها ثم شهد أن لا إله إلا الله ثم قال: "لا أزيد على هذا ولا أنقص"، وفي آخره قال النبي ﷺ : "أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ".
ثم أورده من طريق ابن عباس وهو أَكْمَلُ الطُّرُق فيه، وأَوْعَبُها مَتْنًا، ثم قال: "وليس في شيءٍ من طُرُقِه أنه سأل النبي ﷺ زَيادةَ بَيانٍ، ولا إِظهارَ مُعجِزَةٍ، ولا إِقَامَةَ بُرهانٍ. وقد قَبلَ منه النبيُّ ﷺ تصديقَه، وشَهِدَ له بمُقْتضَى حقيقةِ الإيمان، كما شَهِدَ للأَمَةِ السوداء التي قال لها: "أين الله؟ " قالت: في السمَاء، وفي هذا دليلٌ على أن مُجَرَّدَ اعتقادِ العَوَامِّ كافٍ لمن هداه اللهُ سبحانَه، وشَرَحَ صدرَه للإسلام" (١).
قلت: وهذا معتقد السلف ﵏، ومعرفة الخالق ﵎ كائن في فطرة الإنسان، فكلُّ مولود يولد على الفطرة، ولا يوجد إنسان إلَّا وهو يعرف ربَّه ، إلَّا مَن عرض له من أفسد فطرته ابتداءً فهذا يحتاج إلى النظر.
قال ابن الصلاح في معرض كلامه على حديث ضمام بن ثعلبة (أي الذي ذكره المصنِّف): "في هذا الحديث دلالة على صحة ما ذهب إليه أئمة العلماء في أنَّ العوام المقلِّدين مؤمنون، وأنَّه يُكتفى منهم بمجرّد اعتقادهم الحق جزمًا من غير شك وتزلزُلٍ، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنّه ﷺ قرَّر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرّف رسالته وصدْقه ﷺ من مناشدته ومجرّد إخباره بذلك، ولم يُنكر عليه قائلًا: إنَّ
_________
(١) انظر: (٢/ ١٧٩).
стр. 74
الواجب عليك أن تستدرك ذلك من النظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية التي تفيدك العلم، والله أعلم" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًّا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك قد تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغيّر الفطرة وأحوال تعرض لها" (٢).
قلت: وإيجاب النظر والاستدلال على وجود الله أوجبه المعتزلة والأشاعرة على جميع الخلق (٣).
وما استدل به المصنف ﵀ ومن بعده ابن الصلاح يردّ على هؤلاء المتكلّمين مذهبهم، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما ينقض هذا المذهب ويبيّن بطلانه، ثم قال: "فتبيّن أنَّ هذا النظر والاستدلال الذي أوجبه هؤلاء وجعلوه أصلَ الدين ليس ممّا أوجبه الله ورسوله، ولو قُدِّر أنه صحيح في نفسه، وأنَّ الرسول أخبر بصحته لم يلزم من ذلك وجوبه؛ إذ قد يكون للمطلوب أدلّة كثيرة … وأما أكابر أهل العلم من السلف والخلف فعلموا أنها طريقة باطلة في نفسها مخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول، وأنه لا يحصل بها العلم بالصانع ولا بغير ذلك، بل يوجب سلوكها اعتقادات باطلة توجب مخالفة كثير ممّا جاء به الرسول مع مخالفة صريح المعقول، كما
_________
(١) صيانة صحيح مسلم (ص: ١٤٤، ١٤٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٧٣).
(٣) انظر: الإرشاد (ص: ٣) لأبي المعالي الجويني.
стр. 75
أصاب من سلكها من الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية ومن تبعهم من الطوائف … "، إلى آخر كلامه ﵀ (١).
المسألة الثانية: إثبات الكلام لله تعالى.
صرّح في موضع واحد من كتابه بأنَّ القرآن المنزّل من كلام الله سبحانه فقال عند ذكره لحكم القراءة التي قرأ بها الصحابة ولم تثبت في المصحف: "وليس عندنا من القرآن الثابت غيرِ المنسُوخ إلَّا ما عُلِمَ ضرورة أنه مِن كلامِ الرَّب سبحانه" (٢).
وصفة الكلام صفة ثابتة لله أثبتها في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وأثبتها السلف الصالح رضوان الله عليهم، فكلامه سبحانه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنَّه سبحانه يتكلّم إذا شاء بما شاء، وأنَّ كلامَه يُسمع ويُتلى، وأنّه بحرف وصوت (٣).
المسألة الثالثة: إثبات صفات الله تعالى.
ذكر المصنِّف رحمه الله تعالى مسألة صفات الله تعالى عند ذكره لحديث الجارية وفيه سؤالها: "أين الله؟ "، وقولها: "في السماء"، وهذا إشارة إلى مسألة العلو، وعند حديث أبي هريرة في نزول الله ﵎ إلى سماء الدنيا، فأوجز الكلام في الموضع الأول، وأفاض في الموضع الثاني بذكر مذهب أهل الحق والمذاهب المخالفة لهم والردِّ عليهم.
_________
(١) انظر: النبوات (ص: ٥٩ - ٦٣).
(٢) انظر: (٢/ ٩٤).
(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص: ١٧٩، وما بعدها)، مختصر الصواعق المرسلة (ص: ٤١٢).
следующие страницы →